الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِفِعْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يُقْتَلُونَ بِهِ، وَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَرَبِيعَةَ، وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْبَاقِينَ حِصَصُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَافِئٌ لَهُ، فَلَا تُسْتَوْفَى أَبْدَالٌ بِمُبَدِّلٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَا تَجِبُ دِيَاتٌ لَمَقْتُولٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] . وَقَالَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] . فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأَوْصَافِ يَمْنَعُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُؤْخَذُ بِالْعَبْدِ، وَالتَّفَاوُتُ فِي الْعَدَدِ أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ قَتْلَ جَمَاعَةٍ بِوَاحِدٍ.
وَلَنَا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا، وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَتَلَ ثَلَاثَةً قَتَلُوا رَجُلًا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَتَلَ جَمَاعَةً بِوَاحِدٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ، فَوَجَبَتْ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، كَحَدِّ الْقَذْفِ.
وَيُفَارِقُ الدِّيَةَ، فَإِنَّهَا تَتَبَعَّضُ، وَالْقِصَاصُ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ لَوْ سَقَطَ بِالِاشْتِرَاكِ، أَدَّى إلَى التَّسَارُعِ إلَى الْقَتْلِ بِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ.
(6633) فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ التَّسَاوِي فِي سَبَبِهِ، فَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةً، أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا مُوضِحَةً وَالْآخَرُ آمَّةً، أَوْ أَحَدُهُمَا جَائِفَةً وَالْآخَرُ غَيْرَ جَائِفَةٍ، فَمَاتَ، كَانَا سَوَاءً فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُشْتَرِكِينَ، إذْ لَا يَكَادُ جُرْحَانِ يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَوْ احْتَمَلَ التَّسَاوِي لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ، وَلَا يَكْتَفِي بِاحْتِمَالِ الْوُجُودِ، بَلْ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ الْوَاحِدَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَمُوتَ مِنْهُ دُونَ الْمِائَةِ، كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ الْمُوضِحَةِ دُونَ الْآمَّةِ، وَمِنْ غَيْرِ الْجَائِفَةِ دُونَ الْجَائِفَةِ، وَلِأَنَّ الْجِرَاحَ إذَا صَارَتْ نَفْسًا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا، فَكَانَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ كَحُكْمِ الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ كُلَّهَا فَمَاتَ، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ.
[فَصْلٌ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي قَتْلِ رَجُلٍ فَقَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ وَالْآخَرُ رِجْلَهُ وَأَوْضَحَهُ الثَّالِثُ فَمَاتَ]
(6634) فَصْلٌ: إذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي قَتْلِ رَجُلٍ، فَقَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ، وَالْآخَرُ رِجْلَهُ، وَأَوْضَحَهُ الثَّالِثُ، فَمَاتَ، فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ، وَالْعَفْوُ عَنْهُمْ إلَى الدِّيَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهَا، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ وَاحِدٍ، فَيَأْخُذَ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ اثْنَيْنِ، فَيَأْخُذَ مِنْهُمَا ثُلُثِي الدِّيَةِ، وَيَقْتُلَ الثَّالِثَ، فَإِنْ بَرَأَتْ جِرَاحَةُ أَحَدِهِمْ، وَمَاتَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ الْآخَرَيْنِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الَّذِي بَرَأَ جُرْحُهُ بِمِثْلِ جُرْحِهِ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا دِيَةً كَامِلَةً، أَوْ يَقْتُلَ أَحَدَهُمَا وَيَأْخُذَ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الَّذِي بَرَأَ جُرْحُهُ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيَةَ جُرْحِهِ.
فَإِنْ ادَّعَى الْمُوضِحُ أَنَّ جُرْحَهُ بَرَأَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَكَذَّبَهُ شَرِيكَاهُ، نَظَرْت فِي الْوَلِيِّ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ثَبَتَ حُكْمُ الْبُرْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ قَتْلَهُ، وَلَا مُطَالَبَتَهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ مُوضِحَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْشَهَا، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُرْءِ فِيهَا، لَكِنْ إنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا فِي إنْكَارِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا، سَوَاءٌ بَرَأَتْ أَوْ لَمْ تَبْرَأْ.
وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا.
وَإِنْ كَذَّبَهُ الْوَلِيُّ، حَلَفَ، وَلَهُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ، أَوْ مُطَالَبَتُهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ شَرِيكِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثهَا.
فَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَرِيكَاهُ بِبُرْئِهَا، لَزِمَهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِإِقْرَارِهِمَا بِوُجُوبِهَا، وَلِلْوَلِيِّ أَخْذُهَا مِنْهُمَا إنْ صَدَّقَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا، وَعَفَا وَلِيُّ الدِّيَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لَهُ، إنْ كَانَا قَدْ تَابَا وَعُدِّلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ نَفْعًا، فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ.
[فَصْل قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ ثُمَّ قَطَعَهَا آخَرُ مِنْ الْمَرْفِقِ ثُمَّ مَاتَ]
(6635) فَصْلٌ: إذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهَا آخَرُ مِنْ الْمَرْفِقِ، ثُمَّ مَاتَ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ بَرَأَتْ قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، إنْ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ، وَلَهُ قَطْعُ يَدِ الْأَوَّلِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ تَبْرَأْ، فَهُمَا قَاتِلَانِ، وَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي وَحْدَهُ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الثَّانِي قَطْعُ سِرَايَةٍ، قَطَعَهُ وَمَاتَ بَعْدَ زَوَالِ جِنَايَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ جُرْحُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قَطَعَهُ الثَّانِي عَقِيبَ قَطْعِ الْأَوَّلِ، قُتِلَا جَمِيعًا، وَإِنْ عَاشَ بَعْدَ قَطْعِ الْأَوَّلِ حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ، وَمَاتَ عَقِيبَ قَطْعِ الثَّانِي، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ، وَإِنْ عَاشَ بَعْدَهُمَا حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ، فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَيِّهِمَا شَاءُوا وَيَقْتُلُوهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا قَطْعَانِ لَوْ مَاتَ بَعْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَإِذَا مَاتَ بَعْدَهُمَا، وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدَيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ الثَّانِيَ لَا يَمْنَعُ جِنَايَتَهُ بَعْدَهُ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ،
كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدَيْنِ، وَلَا نُسَلِّمُ زَوَالَ جِنَايَتِهِ، وَلَا قَطْعَ سِرَايَته، فَإِنَّ الْأَلَمَ الْحَاصِلَ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ لَمْ يَزُلْ، وَإِنَّمَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْأَلَمُ الثَّانِي، فَضَعُفَتْ النَّفْسُ عَنْ احْتِمَالِهِمَا، فَزَهَقَتْ بِهِمَا، فَكَانَ الْقَتْلُ بِهِمَا.
وَيُخَالِفُ الِانْدِمَالَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ الْأَلَمُ الَّذِي حَصَلَ فِي الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ، فَاخْتَلَفَا.
فَإِنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّ جُرْحَهُ انْدَمَلَ، فَصَدَّقَهُ الْوَلِيُّ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ فِي الْيَدِ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ شَرِيكُهُ، وَاخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي تَكْذِيبِهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَذَّبَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلَ، حَلَفَ، وَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ.
وَلَوْ ادَّعَى الثَّانِي انْدِمَالَ جُرْحِهِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَوَّلِ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ قَطَعَ يَدًا جَمَاعَةٌ]
(6636) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَطَعُوا يَدًا، قُطِعَتْ نَظِيرَتُهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا اشْتَرَكُوا فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا تُقْطَعُ يَدَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ.
وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ وَجْهًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَطْرَافَ لَا تُؤْخَذُ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهَا، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ، وَلَا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَتِهَا، وَلَا أَصْلِيَّةً بِزَائِدَةٍ، وَلَا زَائِدَةً بِأَصْلِيَّةٍ، وَلَا يَمِينًا بِيَسَارٍ، وَلَا يَسَارًا بِيَمِينٍ، وَلَا نُسَاوِي بَيْنَ الطَّرَفِ وَالْأَطْرَافِ، فَوَجَبَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي النَّفْسِ، فَإِنَّنَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَ بِالْمَرِيضِ، وَصَحِيحَ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا وَأَشَلَّهَا، وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ التَّسَاوِي فِي نَفْسِ الْقَطْعِ، بِحَيْثُ لَوْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبٍ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ النَّفْسِ، وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ يَقَعُ كَثِيرًا، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ زَجْرًا عَنْهُ، كَيْ لَا يُتَّخَذَ وَسِيلَةً إلَى كَثْرَةِ الْقَتْلِ، وَالِاشْتِرَاكُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَا يَقَعُ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ.
وَلِأَنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي النَّفْسِ يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ كُلِّ اشْتِرَاكٍ، أَوْ عَنْ الِاشْتِرَاكِ الْمُعْتَادِ، وَإِيجَابُهُ عَنْ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الطَّرَفِ، لَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ الِاشْتِرَاكِ الْمُعْتَادِ، وَلَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، إلَّا عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةِ الْوُقُوعِ بَعِيدَةِ الْوُجُودِ، يُحْتَاجُ فِي وُجُودِهَا إلَى تَكَلُّفٍ، فَإِيجَابُ الْقِصَاصِ لِلزَّجْرِ عَنْهَا يَكُونُ مَنْعًا لَشَيْءٍ مُمْتَنِعٍ بِنَفْسِهِ لِصُعُوبَتِهِ، وَإِطْلَاقًا فِي الْقَطْعِ السَّهْلِ الْمُعْتَادِ بِنَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ فَاعِلِهِ، وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ فِي النَّفْسِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِوَاحِدٍ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لِكَوْنِهِ يَأْخُذُ
فِي الِاسْتِيفَاءِ زِيَادَةً عَلَى مَا فَوَّتَ عَلَيْهِ، وَيُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَنْصُوصِ عَلَى النَّهْيِ عَمَّا عَدَاهُ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْأَنْفُسِ، زَجْرًا عَنْ الِاشْتِرَاكِ الَّذِي يَقَعُ الْقَتْلُ بِهِ غَالِبًا، فَفِيمَا عَدَاهُ يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، وَلِأَنَّ النَّفْسَ أَشْرَفُ مِنْ الطَّرَفِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا دُونَهَا بِذَلِكَ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ، فَقَالَا: هَذَا هُوَ السَّارِقُ وَأَخْطَأْنَا فِي الْأَوَّلِ.
فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الثَّانِي، وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا، لَقَطَعْتُكُمَا.
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ تَعَمَّدَا قَطْعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ.
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَتُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالْأَنْفُسِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّسَاوِي، فَمِثْلُهُ فِي الْأَنْفُسِ، فَإِنَّنَا نَعْتَبِرُ التَّسَاوِي فِيهَا، فَلَا نَأْخُذُ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، وَلَا حُرًّا بِعَبْدٍ، وَأَمَّا أَخْذُ صَحِيحِ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا، فَلِأَنَّ الطَّرَفَ لَيْسَ هُوَ مِنْ النَّفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَفُوتُ تَبَعًا؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ دِيَتُهُمَا وَاحِدَةً، بِخِلَافِ الْيَدِ النَّاقِصَةِ وَالشَّلَّاءِ مَعَ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ دِيَتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّسَاوِي فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا بِالْقَطْعِ، فَإِذَا قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جَانِبٍ، كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا عَنْ فِعْلِ صَاحِبِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى إنْسَانٍ قَطْعُ مَحَلٍّ لَمْ يَقْطَعْ مِثْلَهُ، وَأَمَّا النَّفْسُ، فَلَا يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا بِالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا أَفْعَالُهُمْ فِي الْبَدَنِ، فَيُفْضِي أَلَمُهُ إلَيْهَا فَتَزْهَقُ، وَلَا يَتَمَيَّزُ أَلَمُ فِعْلِ أَحَدِهِمَا مِنْ أَلَمِ فِعْلِ الْآخَرِ، فَكَانَا كَالْقَاطِعَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَوْفِي مِنْ الطَّرَفِ إلَّا فِي الْمَفْصِلِ الَّذِي قَطَعَ الْجَانِي مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ، وَفِي النَّفْسِ لَوْ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ فِي بَطْنِهِ أَوْ جَنْبِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَانَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ الْعُنُقِ دُونَ الْمَحَلِّ الَّذِي وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ فِيهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي الطَّرَفِ، إذَا اشْتَرَكُوا فِيهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فِعْلُ أَحَدِهِمْ عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ؛ إمَّا بِأَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ قَطْعَهُ، فَيُقْطَعُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ يُكْرِهُوا إنْسَانًا عَلَى قَطْعِ طَرَفٍ، فَيَجِبُ قَطْعُ الْمُكْرِهِينَ كُلِّهِمْ وَالْمُكْرَهُ، أَوْ يُلْقُوا صَخْرَةً عَلَى طَرَفِ إنْسَانٍ، فَيَقْطَعُهُ، أَوْ يَقْطَعُوا يَدًا يَقْلَعُوا عَيْنًا، بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يَضَعُوا حَدِيدَةً عَلَى مَفْصِلٍ، وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا، أَوْ يَمُدُّوهَا، فَتَبِينُ، فَإِنْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَانِبٍ، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ بَعْضَ الْمَفْصِلِ، وَأَتَمَّهُ غَيْرُهُ أَوْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةً، أَوْ وَضَعُوا مِنْشَارًا عَلَى مَفْصِلِهِ، ثُمَّ مَدَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَيْهِ مَرَّةً حَتَّى بَانَتْ الْيَدُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَقْطَعْ الْيَدَ، وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ فِعْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ بِمُفْرَدِهِ، اُقْتُصَّ مِنْهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ الْأَبُ وَغَيْرُهُ عَمْدًا]
(6637) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ الْأَبُ وَغَيْرُهُ عَمْدًا.
قُتِلَ مَنْ سِوَى الْأَبِ)
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ، فَلَمْ يُوجِبْ، كَقَتْلِ الْعَامِدِ وَالْخَاطِئِ، وَالصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ، وَالْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِيمَنْ يُقْتَلُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ الْأَبِ غَيْرُ مُوجِبٍ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لِكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَالْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ إثْمًا، وَأَكْثَرُ جُرْمًا؛ وَلِذَلِكَ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّهْيِ عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الأنعام: 151] . ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 31] . وَلَمَّا «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَعْظَمِ الذَّنْبِ، قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَك» . فَجَعَلَهُ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَلِأَنَّهُ قَطَعَ الرَّحِمَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِلَتِهَا، وَوَضَعَ الْإِسَاءَةَ مَوْضِعَ الْإِحْسَانِ، فَهُوَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْأَبِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالْمَحَلِّ، لَا لِقُصُورٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَمَلُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا مَانِعَ فِيهِ، وَأَمَّا شَرِيكُ الْخَاطِئِ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ، وَمَعَ التَّسْلِيمِ فَامْتِنَاعُ الْوُجُوبِ فِيهِ لِقُصُورِ السَّبَبِ عَنْ الْإِيجَابِ، فَإِنَّ فِعْلَ الْخَاطِئِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ، وَلَا صَالِحٍ لَهُ وَالْقَتْلُ مِنْهُ وَمِنْ شَرِيكِهِ غَيْرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا؛ لِوُقُوعِ الْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ زَهُوقُ النَّفْسِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ كُلُّ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى فِيهِ]
(6638) فَصْلٌ: وَكُلُّ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ فِي السَّبَبِ فَهُوَ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ كَالْأَبِ وَشَرِيكِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي قَتْلِ عَبْدٍ، عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْحُرِّ، وَيَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْعَبْدِ، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ، وَعَنْ الْحُرِّ لِحُرِّيَّتِهِ، وَانْتِقَاءِ مُكَافَأَةِ الْمَقْتُولِ لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى إلَى فِعْلِهِ، وَلَا إلَى شَرِيكِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ عَنْهُ.
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَأَلْت أَبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ قَتَلَا عَبْدًا عَمْدًا، قَالَ: أَمَّا الْحُرُّ فَلَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ، وَالْعَبْدُ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَسْلَمَهُ، وَإِلَّا فَدَاهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى الْعَبْدِ، فَيُخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَتْلٍ شَارَكَ فِيهِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
[مَسْأَلَة اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَبَالِغٌ]
(6639) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَبَالِغٌ، لَمْ يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْعَاقِلِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَعِتْقُ رَقَبَتَيْنِ فِي أَمْوَالِهِمَا؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ) أَمَّا إذَا شَارَكُوا فِي الْقَتْلِ مَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ؛ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ.
حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَحَمَّادٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءً لِفِعْلِهِ، فَمَتَى كَانَ فِعْلُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ، وَلَا نَنْظُرُ إلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ، وَذَلِكَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
فَعَلَى هَذَا، يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشَّرِيكِ مُنْفَرِدًا، فَمَتَى تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَكَانَ الْمَقْتُولُ مُكَافِئًا لَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَبَنَى الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا تَعَمَّدَاهُ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ الْقَتْلَ، وَإِنَّمَا سُقُوطُ الْقِصَاصِ عَنْهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْلِيفِ، فَلَمْ يَقْتَضِ سُقُوطَهُ عَنْ شَرِيكِهِمَا، كَالْأُبُوَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ، كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا قَصْدَ لَهُمَا صَحِيحٌ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا، فَكَانَ حُكْمُ فِعْلِهِمَا حُكْمَ الْخَطَأِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: عَمْدُهُمَا خَطَأٌ أَيْ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ فِي انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ عَنْهُ، وَمَدَارِ دِيَتِهِ، وَحَمْلِ عَاقِلَتِهِمَا إيَّاهَا، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ الْمَحَلِّ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِهِ، وَالْمَحَلُّ الْمُتْلَفُ وَاحِدٌ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ وَاحِدَةً، وَلِأَنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، أَمَّا الْقِصَاصُ، فَإِنَّمَا كَمُلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْفِعْلِ، وَأَفْعَالُهُمْ مُتَعَدِّدَةٌ، فَتَعَدَّدَ فِي حَقِّهِمْ، وَكَمُلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا، إلَّا أَنَّ الثُّلُثَ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ يَلْزَمُ فِي مَالِهِ حَالًّا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، وَمَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِمَا؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ، وَالْعَاقِلَةُ تَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ إذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَتَكُونُ مُؤَجَّلَةً عَامًا، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مَتَى كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَانَ أَجَلُهُ عَامًا، وَيَلْزَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْكَفَّارَةُ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا خَطَأٌ، وَالْقَاتِلُ الْخَاطِئُ وَالْمُشَارِكُ فِي الْقَتْلِ خَطَأً، يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بَدَلًا عَنْ الْمَحَلِّ، وَلِهَذَا لَمْ تَخْتَلِفْ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ تَكْفِيرًا لِلْفِعْلِ، وَمَحْوًا لِأَثَرِهِ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا، كَالْقِصَاصِ.
[مَسْأَلَة يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فِي الْقِصَاصِ]
(6640) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَغَيْرُهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَيُعْطِي أَوْلِيَاؤُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ.
أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ.
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ أَحْمَدَ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ.
وَحُكِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَلَعَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَحْتَجُّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّ عَقْلَهَا نِصْفُ عَقْلِهِ، فَإِذَا قُتِلَ بِهَا بَقِيَ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَاسْتُوْفِيَتْ مِمَّنْ قَتَلَهُ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] . وَقَوْلُهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] . مَعَ عُمُومِ سَائِرِ النُّصُوصِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَتَلَ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ» . وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْأَسْنَانُ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ.» وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْد أَهْلِ الْعِلْمِ، مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ عِنْدَهُمْ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَذْفِ صَاحِبِهِ، فَقُتِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، كَالرَّجُلَيْنِ، وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قِصَاصٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ شَيْءٌ عَلَى الْمُقْتَصِّ، كَسَائِرِ الْقِصَاصِ، وَاخْتِلَافُ الْأَبْدَالِ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الْقِصَاصِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ، وَالنَّصْرَانِيَّ يُؤْخَذُ بِالْمَجُوسِيِّ، مَعَ اخْتِلَافِ دِينَيْهِمَا، وَيُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، مَعَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِمَا.
[فَصْلٌ يُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْخُنْثَى وَيُقْتَلُ بِهِمَا]
(6641) فَصْلٌ: وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْخُنْثَى، وَيُقْتَلُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا فِي الْجِرَاحِ]
(6642) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا فِي الْجِرَاحِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ، فَيُقْطَعُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ، وَالذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ، وَيُقْطَعُ النَّاقِصُ
بِالْكَامِلِ، كَالْعَبْدِ بِالْحُرِّ، وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ.
وَمَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ، فَلَا يُقْطَعُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلَا وَالِدٌ بِوَلَدٍ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قِصَاصَ فِي الطَّرَفِ بَيْن مُخْتَلِفِي الْبَدَلِ، فَلَا يُقْطَعُ الْكَامِلُ بِالنَّاقِصِ، وَلَا النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ، وَلَا الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَلَا الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ، وَلَا الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَلَا الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَطْرَافِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحِيحَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالشَّلَّاءِ، وَلَا الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ، فَكَذَا لَا يُؤْخَذ طَرَفُ الرَّجُلِ بِطَرَفِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهَا بِطَرَفِهِ، كَمَا لَا تُؤْخَذُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، جَرَى، فِي الطَّرَفِ، كَالْحُرَّيْنِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، فَإِنَّ التَّكَافُؤَ مُعْتَبَرٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِمُسْتَأْمِنٍ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ النَّاقِصَةَ بِالْكَامِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ قَدْ وُجِدَتْ وَزِيَادَةٌ، فَوَجَبَ أَخْذُهَا بِهَا إذَا رَضِيَ الْمُسْتَحِقُّ، كَمَا تُؤْخَذُ نَاقِصَةُ الْأَصَابِعِ بِكَامِلَةِ الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا الْيَسَارُ وَالْيَمِينُ، فَيَجْرِيَانِ مَجْرَى النَّفْسِ، لِاخْتِلَافِ مَحَلَّيْهِمَا؛ وَلِهَذَا اسْتَوَى بَدَلُهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ نَاقِصَةً عَنْهَا شَرْعًا، وَلَا الْعِلَّةُ فِيهِمَا ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَاهُ وَأَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ وَالْآخَرُ مُتَعَمِّدٌ]
(6643) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَاهُ، وَأَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ، وَالْآخَرُ مُتَعَمِّدٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ نِصْفُهَا، وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أَمَّا الْمُخْطِئُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: 5] . وَأَمَّا السُّنَّةِ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا شَرِيكُهُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ عَلَيْهِ قِصَاصًا.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، كَشَرِيكِ الْعَامِدِ؛ وَلِأَنَّ مُؤَاخَذَتَهُ بِفِعْلِهِ، وَفِعْلُهُ عَمْدٌ وَعُدْوَانٌ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ وَلَنَا، أَنَّهُ قَتْلٌ لَمْ يَتَمَحَّضُ عَمْدًا، فَلَمْ يُوجِبْ الْقِصَاصَ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَاحِدٌ بِجُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مُبَاشِرٌ وَمُتَسَبِّبٌ، فَإِذَا كَانَا عَامِدَيْنِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مُتَسَبِّبٌ إلَى
فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ، فَقَامَ فِعْلُ شَرِيكِهِ مَقَامَ فِعْلِهِ لِتَسَبُّبِهِ إلَيْهِ، وَهَا هُنَا إذَا أَقَمْنَا الْمُخْطِئَ مُقَامَ الْعَامِدِ، صَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ بِعَمْدٍ وَخَطَأٍ، وَهَذَا غَيْرُ مُوجِبٍ.
[فَصْل هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى شَرِيكِ نَفْسِهِ وَشَرِيكِ السَّبْعِ]
(6644) فَصْلٌ: وَهَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى شَرِيكِ نَفْسِهِ وَشَرِيكِ السَّبْع؟ فِيهِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، وَصُورَةُ ذَلِكَ، أَنْ يَجْرَحَهُ سَبُعٌ أَوْ يَجْرَحَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا، إمَّا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَمُوتَ مِنْهُمَا، أَوْ يَجْرَحَ نَفْسَهُ عَمْدًا، ثُمَّ يَجْرَحَهُ غَيْرُهُ عَمْدًا، فَيَمُوتَ مِنْهُمَا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُشَارِكِ لَهُ قِصَاصٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمَهُ قِصَاصٌ، كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ، فَلَمْ يُوجِبْ، كَالْقَتْلِ الْحَاصِلِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجِبْ عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ وَفِعْلُهُ مَضْمُونٌ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ عَلَى شَرِيكِ مَنْ لَا يُضْمَنُ فِعْلُهُ أَوْلَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا جَرَحَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ جَرَحَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، فَمَاتَ، فَعَلَى شَرِيكِهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ مُتَمَحِّضٌ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّرِيكِ فِيهِ، كَشَرِيكِ الْأَبِ، فَأَمَّا إنْ جَرَحَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ خَطَأً، كَأَنَّهُ أَرَادَ ضَرْبَ جَارِحَةٍ، فَأَصَابَ نَفْسَهُ، أَوْ خَاطَ جُرْحَهُ، فَصَادَفَ اللَّحْمَ الْحَيَّ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شَرِيكِ الْخَاطِئِ.
[فَصْلٌ جَرَحَهُ إنْسَانٌ فَتَدَاوَى بِسُمٍّ فَمَاتَ]
(6645) فَصْلٌ: فَإِنْ جَرَحَهُ إنْسَانٌ، فَتَدَاوَى بِسُمٍّ فَمَاتَ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ سُمَّ سَاعَةٍ يَقْتُلُ فِي الْحَالِ، فَقَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَقَطَعَ سِرَايَةَ الْجُرْحِ، وَجَرَى مَجْرَى مَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ، وَنَنْظُرُ فِي الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، فَلِوَلِيِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لَهُ، فَلِوَلِيِّهِ الْأَرْشُ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ لَا يَقْتُلُ فِي الْغَالِبِ، وَقَدْ يَقْتُلُ، بِفِعْلِ الرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ عَمْدُ خَطَأٍ، وَالْحُكْمُ فِي شَرِيكِهِ كَالْحُكْمِ فِي شَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، فَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ يَقْتُلُ غَالِبًا بَعْدَ مُدَّةٍ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَمْدَ الْخَطَأِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ، إنَّمَا قَصَدَ التَّدَاوِيَ، فَيَكُونُ كَاَلَّذِي قَتَلَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْعَمْدِ، فَيَكُونَ فِي شَرِيكِهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَإِنْ جُرِحَ رَجُلٌ، فَخَاطَ جُرْحَهُ، أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَخَاطَهُ لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ شَرِبَ سُمًّا يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ، عَلَى مَا مَضَى فِيهِ.
وَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كُرْهًا، فَهُمَا قَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ.
وَإِنْ خَاطَهُ وَلِيُّهُ، أَوْ الْإِمَامُ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا جَائِزٌ لَهُمَا، إذْ لَهُمَا
مُدَاوَاتُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَطَأً.
وَهَلْ عَلَى الْجَارِحِ الْقَوَدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ.
[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الْعَبْدِ]
(6646) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَدِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ بَلَغَتْ دِيَاتٌ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ فِي الْعَبْدِ، الَّذِي لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ دِيَةَ الْحُرِّ، قِيمَتَهُ.
وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ دِيَةَ الْحُرِّ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا، فَذَهَبَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إلَى أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَإِنْ بَلَغَتْ دِيَاتٍ، عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً، سَوَاءٌ ضَمِنَ بِالْيَدِ أَوْ بِالْجِنَايَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا تَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُنْتَقَصُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ دِينَارًا، أَوْ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، الْقَدْرَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ، وَهَذَا إذَا ضَمِنَ بِالْجِنَايَةِ، وَإِنْ ضَمِنَ بِالْيَدِ، بِأَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا فَيَمُوتَ فِي يَدِهِ، فَإِنَّ قِيمَتَهُ تَجِبُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، كَضَمَانِ الْحُرِّ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ فِي الْحُرِّ دِيَةً لَا تَزِيدُ، وَهُوَ أَشْرَفُ لِخُلُوصِهِ مِنْ نَقِيصَةِ الرِّقِّ، كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَبْدِ الْمَنْقُوصِ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا، فَنَجْعَلُ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مِعْيَارًا لِلْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ، فَإِذَا زَادَ، عَلِمْنَا خَطَأَ ذَلِكَ، فَنَرُدُّهُ إلَى دِيَةِ الْحُرِّ، كَأَرْشِ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، يَجِبُ فِيهِ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، فَنَرُدُّهُ إلَيْهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَيُضْمَنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، كَالْفَرَسِ، أَوْ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ، فَكَانَتْ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ ضَمِنَهُ بِالْيَدِ، وَيُخَالِفُ الْحُرَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونِ بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ بِمَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْحُرِّ لَيْسَ بِضَمَانِ مَالٍ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ، وَهَذَا ضَمَانُ مَالٍ، يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا، فَاخْتَلَفَا.
وَقَدْ حَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ بِالْعَبْدِ دِيَةُ الْحُرِّ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
[بَاب الْقَوَدِ]
ِ الْقَوَدُ: الْقِصَاصُ.
وَلَعَلَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ يُقَادُ بِشَيْءٍ يُرْبَطُ فِيهِ أَوْ بِيَدِهِ إلَى الْقَتْلِ، فَسُمِّيَ الْقَتْلُ قَوَدًا لِذَلِكَ
(6647) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ شَقَّ بَطْنَهُ، فَأَخْرَجَ حَشْوَتَهُ، فَقَطَعَهَا، فَأَبَانَهَا مِنْهُ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ شَقَّ بَطْنَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَعِيشُ مِثْلُهُ، وَالثَّانِيَ قَدْ يَعِيشُ مِثْلُهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَنَى عَلَيْهِ اثْنَانِ جِنَايَتَيْنِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَخْرَجَتْهُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، مِثْلُ قَطْعِ حَشْوَتِهِ، أَيْ مَا فِي بَطْنِهِ، وَإِبَانَتِهَا مِنْهُ، أَوْ ذَبْحِهِ، ثُمَّ ضَرْبِ عُنُقِهِ الثَّانِي فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ حَيَاةٌ، وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَعَلَى الثَّانِي التَّعْزِيرُ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ.
وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يَجُوزُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ مَعَهُ، مِثْلُ شَقِّ الْبَطْنِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةِ الْحَشْوَةِ، أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهَا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَالدِّيَةُ كَامِلَةً وَإِنْ عَفَا عَنْهُ.
ثُمَّ نَنْظُرُ فِي جُرْحِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ، فَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَطْعِ طَرَفِهِ وَالْعَفْوِ عَنْ دِيَتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا، فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ.
وَإِنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَطَعَ سِرَايَةِ جِرَاحِهِ، فَصَارَ كَالْمُنْدَمِلِ الَّذِي لَا يَسْرِي.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
وَلَوْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، مِثْلَ خَرْقِ الْمِعَى، أَوْ أُمِّ الدِّمَاغِ، فَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً.
وَقِيلَ: هُوَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ، لَمَّا جُرِحَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَسَقَاهُ لَبَنًا، فَخَرَجَ يَصْلُدُ، فَعَلِمَ الطَّبِيبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَقَالَ: اعْهَدْ إلَى النَّاسِ.
فَعَهِدَ إلَيْهِمْ، وَأَوْصَى، وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ إلَى أَهْلِ الشُّورَى، فَقَبِلَ الصَّحَابَةُ عَهْدَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ وَصَايَاهُ وَعَهْدِهِ.
فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْحَيَاةِ بَاقِيًا، كَانَ الثَّانِي مُفَوِّتًا لَهَا، فَكَانَ هُوَ الْقَاتِلَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَلِيلًا لَا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِهِ.
[فَصْلٌ أُلْقِي رَجُلٌ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفِ فَقَتَلَهُ]
(6648) فَصْلٌ: إذَا أُلْقِي رَجُلٌ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفِ فَقَتَلَهُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى حَالٍ يَئِسُوا فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ إنْسَانٌ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ، فَقَطَعَ آخَرُ عُنُقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ رَمَاهُ مِنْ مَكَان يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْوَاقِعُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛
أَحَدُهُمَا، كَقَوْلِنَا.
وَالثَّانِي الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ.
وَلَنَا، أَنَّ الرَّمْيَ سَبَبٌ وَالْقَتْلَ مُبَاشَرَةٌ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّبَبِ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ، وَالْجَارِحِ مَعَ الذَّابِحِ، وَكَالصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَا.
وَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ.
[مَسْأَلَةٌ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ، قُتِلَ، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ وَلَا رِجْلَاهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ.
فَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا جَرَحَ رَجُلًا، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ، فَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ؛ لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ، فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ، كَالدِّيَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةُ النَّفْسِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ تَعْطِيلُ الْكُلِّ، وَإِتْلَافُ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَذَا بِضَرْبِ الْعُنُقِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ بِإِتْلَافِ أَطْرَافِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ كَالٍّ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ.
يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَوْفِي أَنْ يَقْطَعَ أَطْرَافَهُ، ثُمَّ يَقْتُلَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَضَّ رَأْسَ يَهُودِيٍّ لِرَضِّهِ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.» وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] . وَهَذَا قَدْ قَلَعَ عَيْنَهُ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ، لِلْآيَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» . وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ، وَلَفْظُهُ مُشْعِرٌ بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ
مِثْلُ مَا فَعَلَ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ الْعُنُقَ آخَرُ غَيْرُهُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ: «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» . فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِجَيِّدِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، إمَّا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ، أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ الْمَقْطُوعَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ بِقَتْلِهِ صَارَ كَالْمُسْتَقِرِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ، فَدَخَلَ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ، كَمَا لَوْ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ، وَإِنْ وَجَبَ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يُشْبِهُ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ لَا تُسْقِطُ الْقِصَاصَ فِيهِ، وَتُسْقِطُ دِيَتَهُ.
(6650) فَصْلٌ: وَمَتَى قُلْنَا: لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ.
فَأَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَفْضَلُ.
وَإِنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الَّتِي قَطَعَهَا الْجَانِي، أَوْ بَعْضَهَا، ثُمَّ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ بَعْضَ حَقِّهِ.
وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أَطْرَافِهِ، ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ لَا يَجِبُ بِهِ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بَعْضَهُ وَيَسْتَحِقَّ كَمَالَ الدِّيَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إلَّا بِضَرْبِ الْعُنُقِ.
فَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ، فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْمَأْثَمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَانِي فِي الْأَطْرَافِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِهَا، فَكَذَلِكَ فِعْلُ الْمُسْتَوْفِي، إنْ قَطَعَ الْجَانِي طَرَفًا وَاحِدًا، ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا تَمَامُهَا، وَإِنْ قَطَعَ مَا تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ، ثُمَّ عَفَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَطَعَ مَا يَجِبُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ، ثُمَّ عَفَا، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا زَادَ عَلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ، وَقَدْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا تَرَكَ قَتْلَهُ، وَعَفَا عَنْهُ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قُلْنَا: إنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِ.
[فَصْلٌ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ إذَا انْفَرَدَ فَسَرَى إلَى النَّفْسِ]
(6651) فَصْلٌ: فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ إذَا انْفَرَدَ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ، فَلَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقَطْعَ قَبْلَ الْقَتْلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، وَبَنَاهُمَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛
وَإِحْدَاهُمَا، لَيْسَ لَهُ قَطْعُ الطَّرَفِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَا جَنَاهُ الْأَوَّلُ، وَالْقِصَاصُ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ، فَمَتَى خِيفَ فِيهِ الزِّيَادَةُ سَقَطَ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ، فَإِنْ مَاتَ بِهِ، وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الطَّرَفِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِإِفْضَاءِ هَذَا إلَى الزِّيَادَةِ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالصَّحِيحُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ النَّفْسِ بِسِرَايَةِ فِعْلِهِ، وَسِرَايَةُ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الْفِعْلِ فِي الصُّورَةِ مُحْتَمِلٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِضَرْبَةٍ، فَلَمْ يُمْكِنْ قَتْلُهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ إلَّا بِضَرْبَتَيْنِ.
[فَصْلٌ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ]
(6652) فَصْلٌ: وَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ فَوَاتِ الْحَيَاةِ بِهِ، مِثْلُ إنْ أَجَافَهُ، أَوْ أَمَّهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ ذِرَاعِهِ، أَوْ رِجْلَهُ مِنْ نِصْفِ سَاقِهِ، فَمَاتَ مِنْهُ، أَوْ قَطَعَ يَدًا نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ، أَوْ شَلَّاءَ، أَوْ زَائِدَةً، وَيَدُ الْقَاطِعِ أَصْلِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِعْلُ مِثْلِ مَا فَعَلَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ إلَّا فِي الْعُنُقِ بِالسَّيْفِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي.
وَقَالَ غَيْرُهُمَا: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ بِمِثْلِ مَا فَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَتْلًا، فَكَانَ لَهُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، كَمَا لَوْ رَضَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَهُ بِهِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ، فَلَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ فِيهِ مَعَ الْقَتْلِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَمِينَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ يَمِينٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ يَسَاره.
وَفَارَقَ مَا إذَا رَضَّ رَأْسَهُ فَمَاتَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَتْلٌ مُفْرَدٌ، وَهَا هُنَا قَتْلٌ وَقَطْعٌ، وَالْقَطْعُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا، فَبَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَتْلِ، فَإِذَا جَمَعَ الْمُسْتَوْفِي بَيْنَهُمَا، فَقَدْ زَادَ قَطْعًا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِاسْتِيفَائِهِ، فَيَكُونُ حَرَامًا، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا إذَا قَطَعَ ثُمَّ قَتَلَ عَقِيبَهُ، وَبَيْنَ مَا إذَا قَطَعَ فَسَرَى إلَى النَّفْسِ.
[فَصْلٌ قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَلَا يُمْنَى لِلْقَاطِعِ]
فَصْلٌ: فَأَمَّا قَطْعُ الْيُمْنَى وَلَا يُمْنَى لِلْقَاطِعِ، أَوْ الْيَدَ وَلَا يَدَ لَهُ، أَوْ قَلَعَ الْعَيْنَ وَلَا عَيْنَ لَهُ، فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ، وَلَا قِصَاصَ فِي طَرَفِهِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ مِثْلِ الْعُضْوِ الْمُتْلَفِ، وَهُوَ هَاهُنَا مَعْدُومٌ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ فِعْلُ مِثْلِ مَا فَعَلَ الْجَانِي، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ ثُمَّ عَفَا عَنْ الْقَتْلِ، لَصَارَ مُسْتَوْفِيًا رِجْلًا مِمَّنْ لَمْ يَقْطَعْ لَهُ مِثْلَهَا، أَوْ أُذُنًا بَدَلًا عَنْ عَيْنٍ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْوَجْهِ الثَّانِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
[فَصْلٌ قَتَلَهُ بِغَيْرِ السَّيْفِ فَهَلْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ]
(6654) فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ السَّيْفِ، مِثْلُ أَنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ هَدْمٍ أَوْ تَغْرِيقٍ، أَوْ خَنْقٍ، فَهَلْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِيمَا إذَا قَتَلَهُ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ، أَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْجَانِي، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ آلَتِهِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الطَّرَفَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، أَوْ مَسْمُومَةٍ، أَوْ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى بِمِثْلِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُرْتَدُّ، فَلَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِتَجْرِيعِ الْخَمْرِ، أَوْ بِالسِّحْرِ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ فَلَمْ يَمُتْ، قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَتَّى يَمُوتَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِذَلِكَ، فَلَهُ قَتْلُهُ بِمِثْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا، أَوْ قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْوَلِيُّ مِثْلَهُ فَلَمْ يَمُتْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْجُرْحَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَيَعْدِلُ إلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا.
[فَصْلٌ قَتَلَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ لِعَيْنِهِ]
(6655) فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ لِعَيْنِهِ، مِثْلَ إنْ لَاطَ بِهِ فَقَتَلَهُ، أَوْ جَرَّعَهُ خَمْرًا أَوْ سَحَرَهُ، لَمْ يُقْتَلْ بِمِثْلِهِ اتِّفَاقًا، وَيَعْدِلُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ.
وَحَكَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي مَنْ قَتَلَهُ بِاللِّوَاطِ وَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ، وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يُدْخِلُ فِي دُبُرِهِ خَشَبَةً يَقْتُلُهُ بِهَا، وَيُجَرِّعُهُ الْمَاءَ حَتَّى يَمُوتَ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسِّحْرِ.
وَإِنْ حَرَّقَهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُحَرَّقُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» . وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، كَالتَّغْرِيقِ؛ إحْدَاهُمَا، يُحَرَّقُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ «حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» . وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحْرَقِ.
[فَصْلٌ زَادَ مُسْتَوْفِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ عَلَى حَقِّهِ]
(6656) فَصْلٌ: إذَا زَادَ مُسْتَوْفِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ عَلَى حَقِّهِ، مِثْلَ أَنْ يُقْتَلَ وَلِيُّهُ، فَيَقْطَعَ الْمُقْتَصُّ أَطْرَافَهُ أَوْ بَعْضَهَا، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ بَعْدَ قَطْعِ طَرَفِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِدِيَتِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قَدْ أَسَاءَ، وَيُعَزَّرُ، وَسَوَاءٌ عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ أَوْ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ جُمْلَةٍ اسْتَحَقَّ إتْلَافَهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ يَدٍ يَسْتَحِقُّ قَطْعَهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا لَهُ قِيمَةٌ حَالَ الْقَطْعِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ قَطَعَهُ، أَوْ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَجْنَبِيٌّ.
فَأَمَّا إنْ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ إذَا عَفَا عَنْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مُتَعَدِّيًا ثُمَّ قَتَلَ، لَمْ يَضْمَنْ الطَّرَفَ، فَلَأَنْ يَضْمَنَهُ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مُسْتَحَقًّا أَوْلَى.
فَأَمَّا الْقِصَاصُ، فَلَا يَجِبُ فِي الْعُرْفِ بِحَالٍ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالشُّبْهَةُ هَاهُنَا مُتَحَقِّقَةٌ، لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لِإِتْلَافِ هَذَا الطَّرَفِ ضِمْنًا لِاسْتِحْقَاقِهِ إتْلَافَ الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ أَنْ لَا تَجِبَ الدِّيَةُ، بِدَلِيلِ امْتِنَاعِهِ لِعَدَمِ الْمُكَافَآتِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا غَيْرَ الَّذِي قَطَعَهُ الْجَانِي، كَانَ الْجَانِي قَطَعَ يَدَهُ؛ فَقَطَعَ الْمُسْتَوْفِي رِجْلَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ؛ لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَلْزَمَهُ دِيَةُ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ لَمْ يَقْطَعْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ.
[فَصْلٌ اسْتَحَقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ فَقَطَعَ اثْنَتَيْنِ]
(6657) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الطَّرَفِ، مِثْلُ أَنْ اسْتَحَقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ، فَقَطَعَ اثْنَتَيْنِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَاطِعِ ابْتِدَاءً، إنْ كَانَ عَمْدًا مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ شَجَّةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقِصَاصُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ جُرْحًا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، مِثْلُ مَنْ يَسْتَحِقُّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَهَا هَاشِمَةً، فَعَلَيْهِ أَرْشُ
الزِّيَادَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ الْجَانِي، كَاضْطِرَابِهِ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْجَانِي.
فَإِنْ اخْتَلَفَا هَلْ فَعَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنْ الْخَطَأُ فِيهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ، وَإِنْ قَالَ الْمُقْتَصُّ: حَصَلَ هَذَا بِاضْطِرَابِك، أَوْ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِك.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
فَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ إلَى نَفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، فَمَاتَ، أَوْ إلَى بَعْض أَعْضَائِهِ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ إصْبَعَهُ، فَسَرَى إلَى جَمِيعِ يَدِهِ، أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ، أَوْ فِي حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، فَسَرَى، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى الْمُقْتَصِّ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلَيْنِ؛ جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ، وَمَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَانْقَسَمَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَجُرْحًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَمَاتَ مِنْهُمَا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُ السِّرَايَةِ كُلِّهَا، فِيمَا إذَا اقْتَصَّ بِآلَةِ مَسْمُومَةٍ أَوْ كَالَّةٍ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مُحَرَّمٌ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْإِصْبَعَيْنِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا مُبَاحٌ.
[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ]
(6658) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ.
وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَيَحْرُمُ الْحَيْفُ فِيهِ، فَلَا يُؤْمَنُ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي.
فَإِنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ، وَقَعَ الْمَوْقِعَ، وَيُعَزَّرُ؛ لِافْتِيَاتِهِ بِفِعْلِ مَا مُنِعَ فِعْلُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ، إذَا كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ يَقُودُهُ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا قَتَلَ أَخِي.
فَاعْتَرَفَ بِقَتْلِهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اذْهَبْ، فَاقْتُلْهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ.
وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ حُضُورِ السُّلْطَانِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْضِرَ شَاهِدَيْنِ، لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءَ.
وَإِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ، فَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْآلَةَ الَّتِي يَسْتَوْفِي بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ كَالَّةً مَنَعَهُ الِاسْتِيفَاءَ بِهَا، لِئَلَّا يُعَذِّبَ الْمَقْتُولَ.
وَقَدْ رَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلِيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» .
وَإِنْ كَانَتْ مَسْمُومَةً، مَنَعَهُ الِاسْتِيفَاءَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُفْسِدُ الْبَدَنَ، وَرُبَّمَا مَنَعَتْ غُسْلَهُ.
وَإِنْ عَجَّلَ فَاسْتَوْفَى بِآلَةِ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ، عُزِّرَ.
وَإِنْ كَانَ السَّيْفُ صَارِمًا غَيْرَ مَسْمُومٍ، نَظَرَ فِي الْوَلِيِّ؛ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ، وَيُكْمِلُهُ بِالْقُوَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، مَكَّنَهُ مِنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ مُتَمَيِّزٌ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ إذَا أَمْكَنَهُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الِاسْتِيفَاءَ، أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْمَعْرِفَةَ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَأَمْكَنَهُ السُّلْطَانُ مِنْ ضَرْبِ عُنُقِهِ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَأَبَانَهُ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهُ، وَأَقَرَّ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ، عُزِّرَ.
وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْتَ.
وَكَانَتْ الضَّرْبَةُ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الْعُنُقِ، كَالرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ الْخَطَأُ فِي مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، كَالْوَسْطِ وَالرِّجْلَيْنِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَقَعُ الْخَطَأُ فِيهِ.
ثُمَّ إنْ أَرَادَ الْعَوْدَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ، وَيَحْتَمِلُ الْعَوْدَ إلَى مِثْلِ فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي: يُمَكَّنُ مِنْهُ.
قَالَهُ الْقَاضِي: لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَحَرُّزُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ثَانِيًا.
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ، أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَكَانَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَائِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَكِّلُهُ إلَّا بِعِوَضٍ، أَخَذَ الْعِوَضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رَجُلٌ يَسْتَوْفِي الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، فَالْأُجْرَةُ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ لِإِيفَاءِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ، كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ فِي بَيْعِ الْمَكِيلِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمُقْتَصِّ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ، فَكَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ، وَاَلَّذِي عَلَى الْجَانِي التَّمْكِينُ دُونَ الْفِعْلِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ التَّوْكِيلِ، لَلَزِمَتْهُ أُجْرَةُ الْوَلِيِّ إذَا اسْتَوْفَى بِنَفْسِهِ.
وَإِنْ قَالَ الْجَانِي: أَنَا أَقْتَصُّ لَك مِنْ نَفْسِي.
لَمْ يَلْزَمْ تَمْكِينُهُ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] . وَلِأَنَّ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ كَالْبَائِعِ لَا يَسْتَوْفِي مِنْ نَفْسِهِ.
[فَصْل كَانَ الْقِصَاصُ لَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَتَشَاحُّوا فِي الْمُتَوَلِّي مِنْهُمْ لِلِاسْتِيفَاءِ]
(6659) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ لَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَتَشَاحُّوا فِي الْمُتَوَلِّي مِنْهُمْ لِلِاسْتِيفَاءِ، أُمِرُوا بِتَوْكِيلِ أَحَدِهِمْ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرهمْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ جَمِيعُهُمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْجَانِي، وَتَعَدُّدِ أَفْعَالِهِمْ.
فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ، وَتَشَاحُّوا، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَسَاوَتْ وَعَدَمُ التَّرْجِيحِ، صِرْنَا إلَى الْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ تَشَاحُّوا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، أُمِرَ الْبَاقُونَ بِتَوْكِيلِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ.
وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَوْكِيلِ وَاحِدٍ، مُنِعُوا الِاسْتِيفَاءَ حَتَّى يُوَكَّلُوا.
[مَسْأَلَةٌ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرَأَتْ جِرَاحُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ]
(6660) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحُ بَرَأَتْ قَبْلَ قَتْلِهِ، فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا الْقَوَدَ، فَيُقِيدُوا وَيَأْخُذُوا مِنْ مَالِهِ دِيَتَيْنِ) أَمَّا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرَأَتْ جِرَاحُهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ، وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ؛ دِيَةً لِنَفْسِهِ، وَدِيَةً لِيَدَيْهِ، وَدِيَةً لِرِجْلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ قِصَاصًا بِالْقَتْلِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِأَطْرَافِهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الْأَرْبَعَةَ، وَأَخَذَ دِيَةً لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ قَطْعَ رِجْلَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَيَدَيْهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي.
وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَطْرَافٍ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ فُرُوعِهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَطْعِ اسْتَقَرَّ قَبْلَ الْقَتْلِ بِالِانْدِمَالِ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُ بِالْقَتْلِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا.
(6661) فَصْلٌ: فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْوَلِيُّ فِي انْدِمَالِ الْجُرْحِ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَكَانَتْ الْمُدَّةُ بَيْنَهُمَا يَسِيرَةً، لَا يَحْتَمِلُ انْدِمَالَهُ فِي مِثْلِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُضِيِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْبُرْءَ فِيهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ دِيَةِ الْيَدَيْنِ بِقَطْعِهِمَا، وَالْجَانِي يَدَّعِي سُقُوطَ دِيَتِهِمَا بِالْقَتْلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتْ لِلْجَانِي بَيِّنَةٌ بِبَقَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ضِمْنًا حَتَّى قَتَلَهُ، حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ بَيِّنَةٌ بِبُرْئِهِ، حُكِمَ لَهُ أَيْضًا، وَإِنْ تَعَارَضَتَا، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْبُرْءِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْجِرَاحَةِ، وَعَدَمُ انْدِمَالِهَا.
وَإِنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ فَمَاتَ، وَاخْتَلَفَا، هَلْ بَرَأَ قَبْلَ الْمَوْتِ، أَوْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ؟ أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: إنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ، كَأَنْ لُدِغَ، أَوْ ذَبَحَ نَفْسَهُ، أَوْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ.
فَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا قَتَلَهُ، سَوَاءً.
وَأَمَّا إذَا مَاتَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَقْدِيمُ قَوْلِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْجِنَايَةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ مَعَهُ.
وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الدِّيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وُجِدَ سَبَبُهُمَا، حَتَّى يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُمَا.
فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُمَا بِالْعَكْسِ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ قَطْعِك، فَعَلَيْك الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ.
فَقَالَ الْجَانِي: بَلْ انْدَمَلَتْ جِرَاحُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ.
أَوْ ادَّعَى مَوْتَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِانْدِمَالِ، وَعَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يَحْصُلُ الزَّهُوقُ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ، كَقَطْعِ الْيَدِ مِنْ مَفْصِلٍ وَلَا يُوجِبُهُ، كَالْجَائِفَةِ وَالْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَبْدًا فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ]
(6662) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَوْ رَمَى، وَهُوَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، إذَا مَاتَ مِنْ سَهْمِهِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُكَافِئًا لَهُ ظُلْمًا عَمْدًا، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا حَالَ الرَّمْيِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْجِنَايَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَمَى مُسْلِمًا حَيًّا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ رَمَى عَبْدًا كَافِرًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ فِي الْعَبْدِ دِيَةُ عَبْدٍ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ إرْسَالِ السَّهْمِ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا، كَحَالَةِ الْجُرْحِ.
فَأَمَّا الْكَافِرُ، فَمَذْهَبُهُ أَنَّ دِيَتَهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ، وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ.
وَلَنَا عَلَى دَرْءِ الْقِصَاصِ، أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى نَفْسٍ مُكَافِئَتِهِ لَهُ حَالَ الرَّمْيِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، كَمَا لَوْ رَمَى حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ.
وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ أَتْلَفَ حُرًّا، فَضَمِنَهُ ضَمَانَ الْأَحْرَارِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ صَيْدًا.
وَمَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَمَى حَيًّا فَأَصَابَهُ مَيِّتًا، أَوْ صَحِيحًا فَأَصَابَهُ مَعِيبًا.
وَلَنَا عَلَى أَنَّ دِيَتَهُ تَجِبُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِهِ، وَأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ تَجِبُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ دُونِ الْكُفَّارِ، إنْ مَاتَ مُسْلِمًا حُرًّا، فَكَانَتْ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ حَالَ رَمْيِهِ، وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا
يُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ، فَتُعْتَبَرُ حَالُهُ حِينَئِذٍ، لَا حِينَ سَبَبِ الْمَوْتِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَرِضَ وَهُوَ عَبْدٌ كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَالْوَاجِبُ بَدَلُ الْمَحَلِّ، فَيُعْتَبَرُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي فَاتَ بِهَا، فَيَجِبُ بِقَدْرِهِ، وَقَدْ فَاتَ بِهَا نَفْسُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَالْقِصَاصُ جَزَاءُ الْفِعْلِ، فَيُعْتَبَرُ الْفِعْلُ فِيهِ وَالْإِصَابَةُ مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا طَرَفَاهُ، فَلِذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ.
(6663) فَصْلٌ: وَلَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ كَوْنِ الْكَافِرِ ذِمِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّفْرِيقُ فِيهِ، فَمَتَى رَمَى إلَى حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ الرَّمْيَةِ بِهِ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ رَمْيٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، مَأْمُورٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَمَ إسْلَامَهُ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ خَطَأٍ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَلَوْ رَمَى مُرْتَدًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإِرْسَالِ سَهْمِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ إلَى الْإِمَامِ، لَا إلَى آحَادِ النَّاسِ، وَقَتْلُهُ بِالسَّيْفِ لَا بِالسَّهْمِ.
[فَصْلٌ رَمَى حَرْبِيًّا فَتَتَرُّسَ بِمُسْلِمِ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ]
(6664) فَصْلٌ: وَلَوْ رَمَى حَرْبِيًّا، فَتَتَرَّسَ بِمُسْلِمٍ، فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ تَتَرَّسَ بِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ، فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَفِي الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّامِي رِوَايَتَانِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ تَتَرَّسَ بِهِ قَبْلَ الرَّمْيِ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَ الْكَافِرَ، وَلَا يَقْصِدُ الْمُسْلِمَ، فَإِذَا قَتَلَهُ، فَفِي دِيَتِهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ رَمْيُهُ.
[فَصْلٌ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ أَوْ يَدَ ذِمِّيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ]
(6665) فَصْلٌ: وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ، أَوْ يَدَ ذِمِّيٍّ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْوَاجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، لِوَرَثَتِهِ وَلِسَيِّدِهِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو بَكْرٍ: تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، مَصْرُوفَةً إلَى السَّيِّدِ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِلضَّمَانِ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ وُجُودِهَا.
وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمَا ضَمَانُ الذِّمِّيِّ الَّذِي أَسْلَمَ بِدِيَةِ ذِمِّيٍّ، وَيَلْزَمُهُمَا عَلَى هَذَا أَنْ يَصْرِفَاهَا إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً
لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ، كَاَلَّذِي كَسَبَهُ بَعْد جُرْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ وَرَثَتِهِ، فَوَرَثَتُهُ هُمْ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكُفَّارِ.
[فَصْلٌ قَطَعَ أَنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ فَانْدَمَلَ ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ]
(6666) فَصْلٌ: وَإِذَا قَطَعَ أَنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ، فَانْدَمَلَ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ.
وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِكَمَالِهَا لِلسَّيِّدِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِالِانْدِمَالِ مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ كَانَتْ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ.
وَإِنْ مَاتَ مِنْ سِرَايَة الْجُرْحِ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي.
وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ يُرَاعَى فِيهَا حَالُ وُجُودِهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ لَا الدِّيَةُ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ دِيَةُ حُرٍّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ بِحَالَةِ الِاسْتِقْرَارِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَتُصْرَفُ إلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْجُرْحِ، وَالدِّيَةُ هَاهُنَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَمَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ، لَا دِيَةَ الْجُرْحِ.
[فَصْلٌ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأُعْتِقَ ثُمَّ عَادَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَانْدَمَلَ الْقِطْعَانِ]
(6667) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، فَأُعْتِقَ، ثُمَّ عَادَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَانْدَمَلَ الْقَطْعَانِ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهَا قُطِعَتْ فِي حَالِ رِقِّهِ، وَيَجِبُ فِيهَا نِصْفُ قِيمَتِهِ، أَوْ مَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ لِسَيِّدِهِ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ الَّتِي قَطَعَهَا حَالَ حُرِّيَّتِهِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ إنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لِوَرَثَتِهِ.
وَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الْيَدِ، وَسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلَى نَفْسِهِ، فَفِي الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ، وَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِوَرَثَتِهِ.
وَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ، وَسَرَى قَطْعُ الْيَدِ، فَفِي الرِّجْلِ الْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ، وَلَا فِي سِرَايَتهَا، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ حُرٍّ، لِسَيِّدِهِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْقَطْعِ أَوْ دِيَةُ الْحُرِّ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي، تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ.
وَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَلَا الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً، وَلَكِنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مِنْ حُرٍّ، فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مِنْهُ مَا يُقَابِلُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ نِصْفِ الدِّيَةِ، فَإِنْ زَادَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ، كَانَ الزَّائِدُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ عَفَا وَرَثَتُهُ عَنْ الْقِصَاصِ، فَلَهُمْ أَيْضًا نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَاطِعُ الرِّجْلِ غَيْرَ قَاطِعِ الْيَدِ، وَانْدَمَلَ الْجُرْحَانِ، فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ، وَعَلَى قَاطِعِ الرِّجْلِ الْقِصَاصُ فِيهَا أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ إلَى نَفْسِهِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ
قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ حُرٌّ فِي حَالِ قَرَارِ الْجِنَايَةِ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا كَانَا عَمَدَا الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَهُوَ كَشَرِيكِ الْأَبِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ مِنْ سِرَايَةِ قَطْعَيْنِ؛ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ، بِنَاءً عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ.
وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ.
وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، خُرِّجَ فِي وُجُوبِهِ فِي الطَّرَفِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ فِي النَّفْسِ.
وَجَبَ فِي الرِّجْلِ.
[فَصْلٌ قَلَعَ عَيْنَ عَبْدٍ ثُمَّ أُعْتِقَ ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ]
(6668) فَصْلٌ: وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَ عَبْدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ انْدَمَلَ جُرْحُهُ أَوْ سَرَى، وَأَمَّا الْآخَرَانِ، فَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ فِي الطَّرَفَيْنِ إنْ وَقَفَ قَطْعُهُمَا، أَوْ دِيَتُهُمَا إنْ عَفَا عَنْهُمَا.
وَإِنْ سَرَتْ الْجِرَاحَاتُ كُلُّهَا، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُمَا صَارَتْ نَفْسًا.
وَفِي ذَلِكَ وَفِي الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ اخْتِلَافٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُمَا، فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا، وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ السَّيِّدُ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ.
هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ، فَإِذَا صَارَتْ نَفْسًا، وَجَبَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ.
وَالثَّانِي: لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا صَارَتْ نَفْسًا، كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا آلَتْ إلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْجَانِيَانِ الْآخَرَانِ قَبْلَ الْعِتْقِ أَيْضًا، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا ثُلُثُ الْقِيمَةِ، فَلَا يَزِيدُ حَقُّهُ بِالْعِتْقِ، كَمَا لَوْ قَلَعَ رَجُلٌ عَيْنَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ، وَآخَرُ رِجْلَهُ، ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ ثُلُثُ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ نِصْفَ الْقِيمَةِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَطَعَ إصْبَعَيْهِ، أَوْ هَشَّمَهُ، وَالْجَانِيَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ قَطَعَا يَدَهُ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْإِصْبَعِ وَهُوَ عُشْرُ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ.
وَلَوْ كَانَ الْجَانِي فِي حَالِ الرِّقِّ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَالْجَانِيَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ قَطَعَا رِجْلَيْهِ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا، وَكَانَ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَكُونُ لَهُ فِي الْفَرْعَيْنِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ.
(6669) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْجَانِيَانِ فِي حَالِ الرِّقِّ، وَالْوَاحِدُ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ، فَمَاتَ، فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ، وَلِلسَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ،
فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَتَيْنِ أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْآخَرِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ.
(6670) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْجُنَاةُ أَرْبَعَةً؛ وَاحِدٌ فِي الرِّقِّ، وَثَلَاثَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَمَاتَ، كَانَ لِلسَّيِّدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ رُبْعِ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْأَقَلُّ مِنْ رُبْعِ الْقِيمَةِ أَوْ رُبْعِ الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّلَاثَةُ فِي الرِّقِّ، وَالْوَاحِدُ فِي الْحُرِّيَّةِ، كَانَ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَاتِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ الْأَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْقِيمَةِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ.
وَلَوْ كَانُوا عَشْرَةً، وَاحِدٌ فِي الرِّقِّ، وَتِسْعَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، وَلِلسَّيِّدِ فِيهَا بِحِسَابِ مَا ذَكَرْنَا، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ.
[فَصْل قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أُعْتِقَ فَقَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ]
(6671) فَصْلٌ: فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَقَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ، ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ فِي الرِّجْلِ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا فِي رِقِّهِ.
فَإِنْ اخْتَارَ الْوَرَثَةُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ النَّفْسُ وَأَرْشُ الطَّرَفِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَإِنَّ الطَّرَفَ دَاخِلٌ فِي النَّفْسِ فِي الْأَرْشِ.
وَإِنْ اخْتَارُوا الْعَفْوَ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ دُونَ أَرْشِ الطَّرَفِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الطَّرَفِ يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ، وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ أَرْشِ الطَّرَفِ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَطَعَ سِرَايَتهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ انْدَمَلَتْ.
فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الَّذِي قَتَلَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ.
وَهَلْ يُقْطَعُ طَرَفُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ عَفَا الْوَرَثَةُ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ثَالِثًا، فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْقَطْعَانِ، وَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَعَلَى الثَّالِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ الدِّيَةُ.
[فَصْلٌ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ جُرْحُهُ]
(6672) فَصْلٌ: وَإِذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ جُرْحُهُ، فَلَا قِصَاصِ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَقَرَّ بِالِانْدِمَالِ مَا وَجَبَ بِالْجِرَاحِ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ عَلَى مَمْلُوكِهِ.
وَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسِرَايَةِ جُرْحٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْقَطْعِ فِي الْحَدِّ
وَسِرَايَة الْقَوَدِ، وَلِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ قَتْلًا، فَيَكُونُ قَاتِلًا لَعَبْدِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْهُ.
وَهَذَا بِمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ بِمَا زَادَ عَلَى أَرْشِ الْقَطْعِ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ حُرٌّ بِسِرَايَةِ قَطْعِ عُدْوَانٍ، فَيَضْمَنُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ أَجْنَبِيًّا، لَكِنْ يَسْقُطُ أَرْشُ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، وَيَجِبُ الزَّائِدُ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ، وَجَبَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَرِثُ السَّيِّدُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ.
[مَسْأَلَة قَتَلَ رَجُلٌ اثْنَيْنِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ]
(6673) مَسْأَلَة؛ قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ اثْنَيْنِ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ عَلَى الْقَوَدِ، أُقِيدَ لَهُمَا.
وَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ الْقَوَدَ، وَالثَّانِي الدِّيَةَ، أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ، وَأُعْطِيَ أَوْلِيَاءُ الثَّانِي الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْأَوَّلِ الدِّيَةَ، وَالثَّانِي الْقَوَدَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ اثْنَيْنِ، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلَى قَتْلِهِ بِهِمَا، قُتِلَ بِهِمَا.
وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْقَوَدَ، وَالْآخَرُ الدِّيَةَ، قُتِلَ لِمَنْ اخْتَارَ أَرَادَ الْقَوَدَ، وَأُعْطِيَ أَوْلِيَاءُ الثَّانِي الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْتَارُ لِلْقَوَدِ الثَّانِيَ أَوْ الْأَوَّلَ، وَسَوَاءٌ قَتَلَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ دَفْعَتَيْنِ.
فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَهُ، وَجَبَ لِلْآخَرِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، أَيِّهِمَا كَانَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُقْتَلُ بِالْجَمَاعَةِ، لَيْسَ لَهُمْ إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ الدِّيَةَ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ، سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا قُتِلُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَهُمْ وَاحِدٌ قُتِلَ بِهِمْ، كَالْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْتَلُ إلَّا بِوَاحِدٍ، سَوَاءٌ اتَّفَقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِصَاصِ أَوْ لَمْ يَتَّفِقُوا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ، فَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْمُطَالَبَةِ لَا يُوجِبُ تَدَاخُلَ حُقُوقِهِمْ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ» . فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ قَتِيلٍ يَسْتَحِقُّونَ مَا اخْتَارُوهُ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الدِّيَةِ، فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْقَتْلِ وَجَبَ لَهُمْ، وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الدِّيَةَ، وَجَبَ لَهُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ لَا يَتَدَاخَلَانِ إذَا كَانَتَا خَطَأً أَوْ إحْدَاهُمَا، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا فِي الْعَمْدِ، كَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَطْرَافِ، وَقَدْ سَلَّمُوهَا.
وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ مَحَلٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقَّانِ، لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا مَعًا، رَضِيَ الْمُسْتَحِقَّانِ بِهِ عَنْهُمَا، فَيَكْتَفِي بِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ خَطَأً فَرَضِيَ بِأَخْذِهِ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِدُونِ حَقِّهِمَا فَجَازَ، كَمَا لَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الصَّحِيحَةِ بِالشَّلَّاءِ، أَوْ وَلِيُّ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، وَوَلِيُّ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ.
وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً؛ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَالذِّمَّةُ تَتَّسِعُ لَحُقُوقٍ كَثِيرَةٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ قُتِلُوا بِالْوَاحِدِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ الِاشْتِرَاكُ إلَى إسْقَاطِ الْقِصَاصِ، تَغْلِيظًا لِلْقِصَاصِ، وَمُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا
يَنْعَكِسُ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِقَتْلِ وَاحِدٍ، وَأَنَّ قَتْلَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يَزْدَادُ بِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ، بَادَرَ إلَى قَتْلِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ، وَفَعَلَ مَا يَشْتَهِي فِعْلَهُ، فَيَصِيرُ هَذَا كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ عَنْهُ ابْتِدَاءً مَعَ الدِّيَةِ.
(6674) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَلِيٍّ قَتْلَهُ بِوَلِيِّهِ، مُسْتَقِلًّا مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَلِأَنَّ الْمَحَلَّ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْقَتْلِ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْأَوَّلِ، فَلِوَلِيِّ الثَّانِي قَتْلُهُ.
وَإِنْ طَالَبَ وَلِيُّ الثَّانِي قَبْلَ طَلَبِ الْأَوَّلِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ إلَى وَلِيِّ الْأَوَّلِ فَأَعْلَمَهُ.
وَإِنْ بَادَرَ الثَّانِي فَقَتَلَهُ، أَسَاءَ، وَسَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ إلَى الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، اُنْتُظِرَ.
وَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ إلَى الدِّيَاتِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ.
وَإِنْ قَتَلَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَتَشَاحُّوا فِي الْمُسْتَوْفِي، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ.
وَإِنْ بَادَرَ غَيْرُهُ فَقَتَلَهُ، اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ إلَى الدِّيَةِ.
وَإِنْ قَتَلَهُمْ مُتَفَرِّقًا، وَأَشْكَلَ الْأَوَّلُ، أَوْ ادَّعَى كُلُّ وَلِيٍّ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ، فَأَقَرَّ الْقَاتِلُ لَأَحَدِهِمْ، قُدِّمَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ، أَقْرَعَنَا بَيْنَهُمْ؛ لِاسْتِوَاءِ حُقُوقِهِمْ.
[فَصْلٌ قَطَعَ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ]
(6675) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَنْفُسِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِلَافِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا: يُقَادُ لَهُمَا جَمِيعًا، وَيَغْرَمُ لَهُمَا دِيَةَ الْيَدِ فِي مَالِهِ نِصْفَيْنِ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إيجَابِ الْقَوَدِ فِي بَعْضِ الْعُضْوِ وَالدِّيَةِ فِي بَعْضِهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَ آخَرُ ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِ الْمَقْطُوعِ فَمَاتَ]
(6676) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ، ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِ الْمَقْطُوعِ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ لَهُمَا، فَإِذَا تَشَاحَّا فِي الْمُسْتَوْفِي لِلْقَتْلِ، قُتِلَ بِاَلَّذِي قَتَلَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ أَسْبَقُ، فَإِنَّ الْقَتْلَ بِاَلَّذِي قَطَعَهُ إنَّمَا وَجَبَ عِنْدَ السِّرَايَةِ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ قَتْلِ الْآخَرِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَسْتَوْفِي مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ.
فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُقْتَلُ لِلَّذِي قَتَلَهُ، وَيَجِبُ لِلْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْتَوْفِي الْقَطْعُ.
وَجَبَتْ لَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَلَمْ يُقْطَعْ طَرَفُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ لَهُ الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقَتْلِ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقَتْلِ، وَجَبَ اسْتِيفَاءُ الطَّرَفِ لِوُجُوبِ مُقْتَضِيه، وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ اسْتِيفَائِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْرِ.
وَلَوْ كَانَ قَطْعُ الْيَدِ لَمْ يَسْرِ إلَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُقْتَلُ، وَسَوَاءٌ
تَقَدَّمَ الْقَطْعُ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ تَلِفَ الطَّرَفُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْقَطْعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا لَوَاحِدٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا، كَقَطْعِ يَدَيْ رَجُلَيْنِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ، قُطِعَ وَقُتِلَ.
وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةٍ، فَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ مِنَّا وَمِنْهُمْ عَلَى انْتِفَاءِ التَّدَاخُلِ فِي الْأَصْلِ، فَكَيْفَ يَقِيسُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَنْقَلِبُ دَلِيلًا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: قَطَعَ وَقَتَلَ، فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ، وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَدَاخَلْ حَقُّ الْوَاحِد، فَحَقُّ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى، وَيَبْطُلُ بِهَذَا مَا قَالَهُ مِنْ الْمَعْنَى.
[فَصْلٌ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ يَمِينِ رَجُلٍ وَيَمِينًا لِآخَرَ]
(6677) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ يَمِينِ رَجُلٍ، وَيَمِينًا لِآخَرَ، وَكَانَ قَطْعُ الْإِصْبَعِ أَسْبَقِ، قُطِعَتْ إصْبَعُهُ قِصَاصًا، وَخُيِّرَ الْآخَرُ بَيْنَ الْعَفْوِ إلَى الدِّيَةِ، وَبَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ دِيَةِ الْإِصْبَعِ.
ذَكَره الْقَاضِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بَعْضَ حَقِّهِ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَوْجُودِ، وَأَخْذُ بَدَلِ الْمَفْقُودِ، كَمَنْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا لِرَجُلٍ، فَوَجَدَ بَعْضَ الْمِثْلِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُخَيَّرُ بَيْن الْقِصَاصِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُ، وَبَيْنَ الدِّيَةِ.
هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ كَالنَّفْسِ.
وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْيَدِ سَابِقًا عَلَى قَطْعِ الْإِصْبَعِ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ قِصَاصًا، وَلِصَاحِبِ الْإِصْبَعِ أَرْشُهَا.
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا قَتَلَ رَجُلًا، ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ، حَيْثُ قَدَّمْنَا اسْتِيفَاءَ الْقَطْعِ مَعَ تَأَخُّرِهِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي النَّفْسِ، بِدَلِيلِ أَنَّا نَأْخُذُ كَامِلَ الْأَطْرَافِ بِنَاقِصِهَا، وَأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَنَقْصَ الْإِصْبَعِ يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي الْيَدِ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ، وَاخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا.
وَإِنْ عَفَا صَاحِبُ الْيَدِ، قُطِعَتْ الْإِصْبَعُ لِصَاحِبِهَا، إنْ اخْتَارَ قَطَعَهَا.
[مَسْأَلَةٌ جَرَحَهُ جُرْحًا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِلَا حَيْفٍ]
(6678) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا جَرَحَهُ جُرْحًا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِلَا حَيْفٍ، اُقْتُصَّ مِنْهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْجُرُوحِ، إذَا أَمْكَنَ؛ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] . وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ، «كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الْأَرْشَ، فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ، فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ.
قَالَ: فَعَفَا الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا أَمْكَنَ، وَلِأَنَّ مَا دُون النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ، فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِهِ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاء]
(6679) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَمْدًا مَحْضًا، فَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ إجْمَاعًا، لِأَنَّ الْخَطَأ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، وَهِيَ الْأَصْلُ، فَفِيمَا دُونَهَا أَوْلَى.
وَلَا يَجِبُ بِعَمْدِ الْخَطَأِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ غَالِبًا، مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِحَصَاةِ لَا يُوضِحُ مِثْلُهَا، فَتُوضِحَهُ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ ذَلِكَ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ.
الثَّانِي: التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَارِحِ وَالْمَجْرُوحِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي يُقَادُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَهُ، كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَهُ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ، وَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ، وَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ نَفْسُهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ، وَلَا يُجْرَحُ بِجُرْحِهِ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْتَأْمِنِ.
الثَّالِثُ: إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] . وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
وَلِأَنَّ دَمَ الْجَانِي مَعْصُومٌ إلَّا فِي قَدْرِ جِنَايَتِهِ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَبْقَى عَلَى الْعِصْمَةِ، فَيَحْرُمُ اسْتِيفَاؤُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، كَتَحْرِيمِهِ قَبْلَهَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الْمَنْعُ مِنْهَا إلَّا بِالْمَنْعِ مِنْهُ.
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ.
وَمِمَّنْ مَنَعَ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ الْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَمَنَعَهُ فِي الْعِظَامِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْجُرْحَ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، هُوَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ، كَالْمُوضِحَةِ
فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ خِلَافًا، وَهِيَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ هَاهُنَا، لَسَقَطَ حُكْمُ الْآيَةِ، وَفِي مَعْنَى الْمُوضِحَةِ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ فِيمَا سِوَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، كَالسَّاعِدِ، وَالْعَضُدِ، وَالسَّاقِ، وَالْفَخِذِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا قِصَاصَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ فِيهَا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] . وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ، لِانْتِهَائِهَا إلَى عَظْمٍ، فَهِيَ كَالْمُوضِحَةِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْقِصَاصِ، وَلَا عَدَمُهُ مَانِعًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لِكَثْرَةِ شَيْنِهَا، وَشَرَفِ مَحَلِّهَا؛ وَلِهَذَا قُدِّرَ مَا فَوْقَهَا مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ، لَا قِصَاصَ فِيهِ.
[فَصْلٌ لَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالسَّيْفِ]
(6680) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالسَّيْفِ، وَلَا بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا اُسْتُوْفِيَ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ شَيْءٌ يُخْشَى التَّعَدِّي إلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَوْفَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِآلَتِهِ، وَيُتَوَقَّى مَا يُخْشَى مِنْهُ الزِّيَادَةُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَلِأَنَّنَا مَنَعْنَا الْقِصَاصَ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا تُخْشَى الزِّيَادَةُ فِي اسْتِيفَائِهِ.
فَلَأَنْ نَمْنَعَ الْآلَةَ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا ذَلِكَ أَوْلَى.
فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً أَوْ مَا أَشْبَهَهَا، فَبِالْمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَوْفِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، كَالْجَرَائِحِيِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ، أُمِرَ بِالِاسْتِبَانَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَيُمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ، كَالْقَتْلِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَلِيهِ إلَّا نَائِبُ الْإِمَامِ، أَوْ مِنْ يَسْتَنِيبُهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْعَدَاوَةِ وَقَصْدِ التَّشَفِّي الْحَيْفُ فِي الِاسْتِيفَاءِ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَلَافِيه، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ وَالِاخْتِلَافِ، بِأَنْ يَدَّعِيَ الْجَانِي الزِّيَادَةَ وَيُنْكِرَهَا الْمُسْتَوْفِي.
[فَصْل أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ مُوضِحَةٍ وَشِبْهِهَا]
(6681) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ مُوضِحَةٍ وَشِبْهِهَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْضِعِهَا شَعْرٌ حَلَقَهُ، وَيَعْمِدُ إلَى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ، فَيَعْلَمُ مِنْهُ طُولَهَا بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ، وَيَضَعُهَا عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ، وَيُعَلِّمُ طَرَفَيْهِ بِخَطٍّ بِسَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَأْخُذُ حَدِيدَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ الشَّجَّةِ، فَيَضَعُهَا فِي أَوَّلِ الشَّجَّةِ، وَيَجُرُّهَا إلَى آخِرِهَا، وَيَأْخُذُ مِثْلَ الشَّجَّةِ طُولًا وَعَرْضًا، وَلَا يُرَاعِي الْعُمْقَ؛ لِأَنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ، وَلَوْ رُوعِيَ الْعُمْقُ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ؛ لِأَنَّ
النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ، وَهَذَا كَمَا يَسْتَوْفِي فِي الطَّرَفِ مِثْلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَيُرَاعِي الطُّولَ وَالْعَرْضَ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ سَوَاءً، اسْتَوْفَى قَدْرَ الشَّجَّةِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ، لَكِنَّهُ يَتَّسِعُ لِلشَّجَّةِ، اُسْتُوْفِيَتْ إنْ اسْتَوْعَبَ رَأْسَ الشَّاجِّ كُلَّهُ، وَهِيَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا بِالْمِسَاحَةِ، وَلَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ زِيَادَتُهَا عَلَى مِثْلِ مَوْضِعِهَا مِنْ رَأْسِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسُهُ.
وَإِنْ كَانَ قَدْرُ الشَّجَّةِ يَزِيدُ عَلَى رَأْسِ الْجَانِي، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي الشَّجَّةَ مِنْ جَمِيعِ رَأْسِ الشَّاجِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ إلَى جَبْهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ فِي عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْعُضْوِ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْزِلُ إلَى قَفَاهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَا يَسْتَوْفِي بَقِيَّةَ الشَّجَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِمُوضِحَتَيْنِ، وَوَاضِعًا لِلْحَدِيدَةِ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا فِيهِ الْجَانِي.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَاذَا يَصْنَعُ؟ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ فِي جُرْحٍ وَاحِدٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
فَعَلَى هَذَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ فِي جَمِيعِ رَأْسِ الشَّاجِّ وَلَا أَرْشَ لَهُ، وَبَيْنَ الْعَفْوِ إلَى دِيَةِ مُوضِحَةٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَهُ أَرْشُ مَا بَقِيَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيمَا جَنَى عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ أَرْشُهُ، كَمَا لَوْ تَعَذُّرَ فِي الْجَمِيعِ.
فَعَلَى هَذَا، تُقَدَّرُ شَجَّةُ الْجَانِي مِنْ الشَّجَّةِ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوْفِي أَرْشَ الْبَاقِي، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ ثُلُثِهَا فَلَهُ ثُلُثُ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، وَإِنْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ عَنْ هَذَا فَبِالْحِسَابِ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ.
وَلَا يَجِبُ لَهُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ كَامِلَةٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ الْقِصَاصِ وَدِيَةِ مُوضِحَةٍ فِي مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُوضِحَ مِنْهُ بِقَدْرِ مِسَاحَةِ مُوضِحَتِهِ مِنْ أَيِّ الطَّرَفَيْنِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كُلِّهِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى قَدْرَ مُوضِحَتِهِ، ثُمَّ تَجَاوَزَهَا، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ عَمَدَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، فَإِذَا انْدَمَلَتْ مُوضِحَتُهُ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ الْقِصَاصُ فِي مَوْضِعِ الِانْدِمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ ادَّعَى الْخَطَأَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الْمُوضِحَةُ كُلُّهَا لَوْ كَانَتْ عُدْوَانًا لَمْ يَجِبْ فِيهَا إلَّا دِيَةُ مُوضِحَةٍ، فَكَيْفَ يَجِبُ فِي بَعْضِهَا دِيَةُ مُوضِحَةٍ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِي، لَمْ يَكُنْ جِنَايَةً، إنَّمَا الْجِنَايَةُ الزَّائِدُ، وَالزَّائِدُ لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُوضِحَةً، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا لَيْسَ بِجِنَايَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ كُلُّهَا عُدْوَانًا؛ فَإِنَّ الْجَمِيعَ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
[فَصْلٌ أَوْضَحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ]
فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْضَحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ، فَأَحَبَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بَعْضَهُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ
وَبَعْضَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بِوَاحِدَةٍ، وَدِيَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، وَاحْتَمَلَ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ مَوْضِعَ الْجِنَايَةِ وَلَا قَدْرَهَا، إلَّا أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ ضَرَرٍ أَوْ شَيْنٍ، فَلَا يَفْعَلُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَهَذَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْبَرَ، فَأَوْضَحَهُ الْجَانِي فِي مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ مُوضِحَتَيْنِ، قَدْرُهُمَا جَمِيعُ رَأْسِ الْجَانِي، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضِحَهُ مُوضِحَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ، أَوْ يُوضِحَهُ مُوضِحَتَيْنِ، يَقْتَصِرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ مُوضِحَتِهِ، وَلَا أَرْشَ لِذَلِكَ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِيفَاءَ مَعَ إمْكَانِهِ.
وَإِنْ عَفَا إلَى الْأَرْشِ، فَلَهُ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَخَذَ دِيَةَ الْأُخْرَى.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ]
(6683) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، فَكَانَتْ فِي سَاعِدٍ، فَزَادَتْ عَلَى سَاعِدِ الْجَانِي، لَمْ يَنْزِلْ إلَى الْكَفِّ، وَلَمْ يَصْعَدْ إلَى الْعَضُدِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي السَّاقِ، لَمْ يَنْزِلْ إلَى الْقَدَمِ، وَلَمْ يَصْعَدْ إلَى الْفَخِذِ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ آخَرُ، فَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُ، كَمَا لَمْ يَنْزِلْ مِنْ الرَّأْسِ إلَى الْوَجْهِ، وَلَمْ يَصْعَدْ مِنْ الْوَجْهِ إلَى الرَّأْسِ.
[فَصْلٌ شُجَّ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ عَرْضًا شَجَّةً لَا يَتَّسِعُ لَهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ]
(6684) فَصْلٌ: وَإِذَا شُجَّ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ عَرْضًا شَجَّةً لَا يَتَّسِعُ لَهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ وَسَطِ الرَّأْسِ، فِيمَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، لِكَوْنِهِ يَتَّسِعُ لِمِثْلِ تِلْكَ الْمُوضِحَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي شَجَّهُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ مَحَلِّ شَجَّتِهِ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ مَحَلِّ شَجَّتِهِ، جَازَ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ شَجَّهُ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ شَجَّةً قَدْرُهَا جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ، جَازَ إتْمَامُ اسْتِيفَائِهَا فِي مُؤَخَّرِ رَأْسِ الْجَانِي.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَهَكَذَا يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا كَانَ الْجُرْحُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَالذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ.
وَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
[مَسْأَلَةٌ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ]
(6685) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا مِنْ مَفْصِلٍ، قَطَعَ مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَفْصِلِ، إذَا كَانَ الْجَانِي يُقَادُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَهُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] .
وَبِخَبَرِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ، وَيُشْتَرَطُ لِجَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيهَا شُرُوطٌ خَمْسَةٌ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَمْدًا، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي بِحَيْثُ يُقَادُ بِهِ لَوْ قَتَلَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الطَّرَفُ مُسَاوِيًا لِلطَّرَفِ، فَلَا يُؤْخَذُ صَحِيحٌ بِأَشَلَّ، وَلَا كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةِ، وَلَا أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي الدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَالرَّابِعُ: الِاشْتِرَاكُ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ، فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ، وَلَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلَا إصْبَعٌ بِمُخَالِفَةٍ لَهَا، وَلَا جَفْنٌ أَوْ شَفَةٌ إلَّا بِمِثْلِهَا.
وَالْخَامِسُ: إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَقَدْ رَوَى نَمِرُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ «، أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا مِنْ غَيْر مَفْصِلٍ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ، فَقَالَ: إنِّي أُرِيدُ الْقِصَاصَ.
قَالَ: خُذْ الدِّيَةَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا» . وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْقِصَاصِ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْلٌ فِي قَطْعِ الْيَدِ ثَمَانِ مَسَائِلَ]
(6686) فَصْلٌ: وَفِي قَطْعِ الْيَدِ ثَمَانِ مَسَائِلَ؛ أَحَدُهَا: قَطْعُ الْأَصَابِعِ مِنْ مَفَاصِلِهَا، فَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ لَهَا مَفَاصِلَ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ فَلَهُ نِصْفُهَا؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ إصْبَعٍ عُشْرَ الدِّيَةِ.
الثَّانِيَةُ: قَطْعِهَا مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ، فَلَيْسَ لَهُ الْقِصَاصُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْصِلٍ، فَلَا يُؤْمَنُ الْحَيْفُ فِيهِ.
وَإِنْ أَرَادَ قَطْعَ الْأَصَابِع فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ امْتِنَاعَ قَطْعِ الْأَصَابِعِ إذَا قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ، إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ إذَا كَانَ الْقَطْعُ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ.
وَالثَّانِي: لَهُ قَطْعُ الْأَصَابِعِ.
ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ دُونَ حَقِّهِ لِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَجَّهُ هَاشِمَةً، فَاسْتَوْفَى مُوضِحَةً.
وَيُفَارِقُ مَا إذَا قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ.
وَهَلْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي نِصْفِ الْكَفِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ.
وَالثَّانِي: لَهُ أَرْشُ نِصْفِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، فَوَجَبَ أَرْشُهُ، كَسَائِرِ مَا هَذَا حَالُهُ.
وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ، فَلَهُ نِصْفُهَا، لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ مِنْ الْكُوعِ لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى.
الثَّالِثَةُ: قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ، فَلَهُ قَطْعُ يَدِهِ مِنْ الْكُوعِ، لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ، وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، فَلَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَحَلِّهَا.
الرَّابِعَةُ: قَطَعَ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْصِلٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِيهِ، وَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحُكُومَةٌ فِي الْمَقْطُوعِ مِنْ الذِّرَاعِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ الْكُوعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ قَطَعَ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ.
وَمَنْ جَوَّزَ لَهُ الْقَطْعَ مِنْ الْكُوعِ، فَعِنْدَهُ فِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لِمَا قُطِعَ مِنْ الذِّرَاعِ وَجْهَانِ.
وَيُخَرَّج أَيْضًا فِي جَوَازِ قَطْعِ الْأَصَابِعِ وَجْهَانِ.
فَإِنْ قَطَعَ مِنْهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الْكَفِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ قِصَاصًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ أَرْشِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْكُوعِ.
الْخَامِسَةُ: قَطَعَ مِنْ الْمَرْفِقِ، فَلَهُ الْقِصَاصُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ، وَلَيْسَ لَهُ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ بِكَمَالِهِ، وَالِاقْتِصَاصُ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ، وَحُكُومَةٌ لِلسَّاعِدِ.
السَّادِسَةُ: قَطَعَهَا مِنْ الْعَضُدِ، فَلَا قِصَاصَ فِيهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ، وَحُكُومَةٌ لِلسَّاعِدِ وَبَعْضِ الْعَضُدِ.
وَالثَّانِي: لَهُ الْقِصَاصُ مِنْ الْمَرْفِقِ.
وَهَلْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الزَّائِد؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَهَلْ لَهُ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
السَّابِعَةُ: قَطَعَ مِنْ الْمَنْكِبِ، فَالْوَاجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ، وَحُكُومَةٌ لِمَا زَادَ.
الثَّامِنَةُ: خَلَعَ عَظْمَ الْمَنْكِبِ، وَيُقَال لَهُ: مِشْطُ الْكَتِفِ، فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى اثْنَيْنِ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصِيرَ جَائِفَةً.
اُسْتُوْفِيَ، وَإِلَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ.
وَفِي جَوَاز الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْمَرْفِقِ أَوْ مَا دُونَهُ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الرِّجْلِ، وَالسَّاقُ كَالذِّرَاعِ، وَالْفَخِذُ كَالْعَضُدِ، وَالْوَرِكُ كَعَظْمِ الْكَتِفِ، وَالْقَدَمُ كَالْكَفِّ.
[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلَا فِي الْجَائِفَةِ قِصَاصٌ]
(6687) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ، وَلَا فِي الْجَائِفَةِ قِصَاصٌ) الْمَأْمُومَةُ: شِجَاجُ الرَّأْسِ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْجِلْدَةُ أُمَّ الدِّمَاغِ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُهُ، فَالشَّجَّةُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهَا تُسَمَّى مَأْمُومَةً وَآمَّةً، لِوُصُولِهَا إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ.
وَالْجَائِفَةُ فِي الْبَدَنِ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ.
وَلَيْسَ فِيهِمَا قِصَاصٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَعْلَمُهُ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَصَّ مِنْ الْمَأْمُومَةِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: مَا سَمِعْنَا أَحَدًا قَصَّ مِنْهَا قَبْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ قِصَاصًا مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا قِصَاصَ فِي الْمَأْمُومَةِ.
وَقَالَهُ مَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ: لَا قِصَاصَ فِي الْجَائِفَةِ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، فِي " سُنَنِهِ "، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ، وَلَا فِي الْجَائِفَةِ، وَلَا فِي الْمُنَقِّلَةِ» . وَلِأَنَّهُمَا جُرْحَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِمَا قِصَاصٌ، كَكَسْرِ الْعِظَامِ.
[فَصْلٌ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ قِصَاصٌ سِوَى الْمُوضِحَةِ]
(6688) فَصْلٌ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ قِصَاصٌ سِوَى الْمُوضِحَةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا دُون الْمُوضِحَةِ، كَالْحَارِصَةِ، وَالْبَازِلَةِ، وَالْبَاضِعَةِ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ، وَمَا فَوْقَهَا، وَهِيَ الْهَاشِمَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ وَالْآمَّةُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
فَأَمَّا مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِيهَا الْقِصَاصَ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ أَقَادَ مِنْ الْمُنَقَّلَةِ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ؛ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُمَا جِرَاحَتَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا، أَشْبَهَا الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ.
وَأَمَّا مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ فِي الدَّامِيَةِ وَالْبَاضِعَةِ وَالسِّمْحَاقِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا جِرَاحَةٌ لَا تَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا قِصَاصٌ، كَالْمَأْمُومَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا الزِّيَادَةُ، فَأَشْبَهَ كَسْرَ الْعِظَامِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إنْ اقْتَصَّ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرِ مِنْ حَقِّهِ، وَإِنْ اعْتَبَرَ مِقْدَارَ الْعُمْقِ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْبَاضِعَةِ وَالسِّمْحَاقِ مُوضِحَةً، وَمِنْ الْبَاضِعَةِ سِمْحَاقًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَحْمُ الْمَشْجُوجِ كَثِيرًا، بِحَيْثُ يَكُونُ عُمْقُ بَاضِعَتِهِ كَعُمْقِ مُوضِحَةِ الشَّاجِّ، أَوْ سِمْحَاقِهِ، وَلِأَنَّنَا لَمْ نَعْتَبِرْ فِي الْمُوضِحَةِ قَدْرَ عُمْقِهَا، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
[فَصْل كَانَتْ الشَّجَّةُ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ]
(6689) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً، جَازَ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ، وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحَلِّ جِنَايَتِهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَضَعُ السِّكِّينَ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَهَا الْجَانِي؛ لِأَنَّ سِكِّينَ الْجَانِي وَصَلَتْ إلَى الْعَظْمِ، ثُمَّ تَجَاوَزَتْهُ، بِخِلَافِ قَاطِعِ السَّاعِدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْ سِكِّينَهُ فِي الْكُوعِ.
وَهَلْ لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:؛ أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَاحِدٌ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْن قِصَاصٍ وَدِيَةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ، وَكَمَا فِي الْأَنْفُسِ إذَا قُتِلَ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ.
وَالثَّانِي: لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيهِ، فَانْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إصْبَعَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِيفَاءُ إلَّا مِنْ وَاحِدَةٍ.
وَفَارَقَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ثَمَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[مَسْأَلَةٌ تُقْطَعُ الْأُذُنُ بِالْأُذُنِ]
(6690) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُقْطَعُ الْأُذُنُ بِالْأُذُنِ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ تُؤْخَذُ بِالْأُذُنِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [المائدة: 45] . وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى حَدٍّ فَاصِلٍ، فَأَشْبَهَتْ الْيَدَ.
وَتُؤْخَذُ الْكَبِيرَةُ بِالصَّغِيرَةِ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ السَّمِيعِ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ الْأَصَمِّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِتَسَاوِيهِمَا، فَإِنَّ ذَهَابَ السَّمْعِ نَقْصٌ فِي الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهِمَا.
وَتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَثْقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الثَّقْبَ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَوْ كَانَتْ مَخْرُومَةً، أُخِذَتْ بِالصَّحِيحَةِ، وَلَمْ تُؤْخَذْ الصَّحِيحَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ إذَا انْخَرَمَ صَارَ نَقْصًا فِيهَا، وَالثَّقْبُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ عَيْبٌ، وَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا سِوَى الْمَعِيبِ وَيَتْرُكَهُ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي.
وَفِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لَهُ فِي قَدْرِ الثُّقْبِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ قُطِعَتْ بَعْضُ أُذُنِهِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ، وَالثُّلُثُ بِالثُّلُثِ، وَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُجْزِئُ الْقِصَاصُ فِي الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْمَقْطُوعِ، وَلَيْسَ فِيهَا كَسْرُ عَظْمٍ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِي بَعْضِهَا، كَالذَّكَرِ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ.
[فَصْلٌ تُؤْخَذُ الْأُذُنُ الْمُسْتَحْشِفَةُ بِالصَّحِيحَةِ]
(6691) فَصْلٌ: وَتُؤْخَذُ الْأُذُنُ الْمُسْتَحْشِفَةُ بِالصَّحِيحَةِ.
وَهَلْ تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا تُؤْخَذُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ مَعِيبَةٌ، فَلَمْ تُؤْخَذْ بِهَا الصَّحِيحَةُ، كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
وَالثَّانِي: تُؤْخَذُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا جَمْعُ الصَّوْتِ، وَحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ، وَالْجَمَالُ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِهَا كَحُصُولِهِ بِالصَّحِيحَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
[فَصْلٌ قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَبَانَهَا فَأَلْصَقَهَا صَاحِبُهَا فَالْتَصَقَتْ وَثَبَتَتْ]
(6692) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَبَانَهَا، فَأَلْصَقَهَا صَاحِبُهَا فَالْتَصَقَتْ وَثَبَتَتْ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ الْقِصَاصُ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْإِبَانَةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ الْإِبَانَةُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا قِصَاصَ فِيهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ عَلَى الدَّوَامِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ إبَانَةَ أُذُنِ الْجَانِي دَوَامًا.
وَإِنْ سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، فَلَهُ الْقِصَاصُ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، إذَا لَمْ تَسْقُطْ: لَهُ دِيَةُ الْأُذُنِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْأَوَّلِينَ إذَا اخْتَارَ الدِّيَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا عَقْلَ لَهَا إذَا عَادَتْ مَكَانَهَا، فَأَمَّا إنْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ فَالْتَصَقَ، فَلَهُ أَرْشُ الْجُرْحِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ.
وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ، فَأَلْصَقَ الْجَانِي أُذُنَهُ فَالْتَصَقَتْ، وَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ قَدْ حَصَلَتْ، وَالْقِصَاصُ قَدْ اُسْتُوْفِيَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ جَمِيعَ الْأُذُنِ، إنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهَا فَالْتَصَقَ، كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إبَانَةَ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَكُنْ إبَانَةٌ.
وَالْحُكْمُ فِي السِّنِّ كَالْحُكْمِ فِي الْأُذُنِ.
[فَصْلٌ أَلْصَقَ أُذُنَهُ بَعْدَ إبَانَتِهَا أَوْ سِنَّهُ فَهَلْ تَلْزَمُهُ إبَانَتُهَا]
(6693) فَصْلٌ: وَمَنْ أَلْصَقَ أُذُنَهُ بَعْدَ إبَانَتِهَا، أَوْ سِنَّهُ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ إبَانَتُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا بَانَ مِنْ الْآدَمِيِّ، هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ؟ إنْ قُلْنَا: هُوَ نَجِسٌ.
لَزِمَتْهُ إزَالَتُهَا، مَا لَمْ يَخَفْ الضَّرَرَ بِإِزَالَتِهَا، كَمَا لَوْ جَبَرَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ.
وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا.
لَمْ تَلْزَمْهُ إزَالَتُهَا.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ آدَمِيٍّ طَاهِرٍ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ، فَكَانَ طَاهِرًا كَحَالَةِ اتِّصَالِهِ، فَأَمَّا إنْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ فَالْتَصَقَ، لَمْ تَلْزَمْهُ إبَانَتُهَا؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مَيْتَةً، لِعَدَمِ إبَانَتِهَا.
وَلَا قِصَاصَ فِيهَا.
قَالَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَقْطُوعِ مِنْهَا.
[مَسْأَلَةٌ الْأَنْفُ بِالْأَنْفِ]
(6694) مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ: (وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ) وَأَجْمَعُوا عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَنْفِ أَيْضًا؛ لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى.
وَيُؤْخَذُ الْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ، وَأَنْفُ الْأَشَمِّ بِأَنْفِ الْأَخْشَمِ الَّذِي لَا يَشُمُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ وَالْأَنْفُ صَحِيحٌ.
كَمَا تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ.
وَإِنْ كَانَ بِأَنْفِهِ جُذَامٌ، أُخِذَ بِهِ الْأَنْفُ الصَّحِيحُ، مَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ، فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ يَقْطَعْ بِهِ الصَّحِيحَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ.
فَيَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ، أَوْ يَأْخُذَ أَرْشَ ذَلِكَ.
وَاَلَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ هُوَ الْمَارِنُ، وَهُوَ مَالَانِ مِنْهُ، دُونَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَهُوَ كَالْيَدِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا انْتَهَى إلَى الْكُوعِ.
وَإِنْ قَطَعَ الْأَنْفَ كُلَّهُ مَعَ الْقَصَبَةِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْمَارِنِ، وَحُكُومَةٌ لِلْقَصَبَةِ.
هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ حُكُومَةٌ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ.
وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ الْحَدِيدَةَ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا الْجَانِي فِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ فِي مَنْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ أَوْ الْكَفِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي هَاهُنَا كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي نَظَائِرِهِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ مَعَ التَّسَاوِي.
وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الْأَنْفِ، قُدِّرَ بِالْأَجْزَاءِ، وَأُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِنَا فِي الْأُذُنِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالْمِسَاحَةِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى قَطْعِ جَمِيعِ أَنْفِ الْجَانِي لِصِغَرِهِ بِبَعْضِ أَنْفِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِكِبَرِهِ، وَيُؤْخَذُ الْمَنْخِرُ الْأَيْمَنُ بِالْأَيْمَنِ، وَالْأَيْسَرُ بِالْأَيْسَرِ، وَلَا يُؤْخَذُ أَيْمَنُ بِأَيْسَرَ، وَلَا أَيْسَرُ بِأَيْمَنَ، وَيُؤْخَذُ الْحَاجِزُ بِالْحَاجِزِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ، لِانْتِهَائِهِ إلَى حَدٍّ.
[مَسْأَلَةٌ الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالذَّكَرُ بِالذَّكَرِ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِي الذَّكَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] . وَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ، كَالْأَنْفِ.
وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ، وَالذَّكَرُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ الْأَطْرَافِ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهَذِهِ الْمَعَانِي، كَذَلِكَ الذَّكَرُ.
وَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَخْتُونِ وَالْأَغْلَفِ بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْغُلْفَةَ زِيَادَةٌ تَسْتَحِقُّ إزَالَتَهَا، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ.
وَأَمَّا ذَكَرُ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ، فَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُؤْخَذُ بِهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْعِنِّينَ لَا يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ، وَالْخَصِيُّ لَا يُولَدُ لَهُ وَلَا يُنْزِلُ، وَلَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ، فَهُمَا كَالْأَشَلِّ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصٌ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ الْكَامِلُ، كَالْيَدِ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُؤْخَذُ غَيْرُهُمَا بِهِمَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ صَحِيحَانِ، يَنْقَبِضَانِ وَيَنْبَسِطَانِ، وَيُؤْخَذُ بِهِمَا غَيْرُهُمَا، كَذَكَرِ الْفَحْلِ غَيْرِ الْعِنِّينِ، وَإِنَّمَا عَدَمُ الْإِنْزَالِ لِذَهَابِ الْخُصْيَةِ، وَالْعُنَّةُ لَعِلَّةٍ فِي الظَّهْرِ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الْقِصَاصِ بِهِمَا، كَأُذُنِ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُؤْخَذُ ذَكَرُ الْفَحْلِ بِالْخَصِيِّ؛ لِتَحَقُّقِ نَقْصِهِ، وَالْإِيَاسِ مِنْ بُرْئِهِ.
وَفِي أَخْذِهِ بِذَكَرِ الْعِنِّينِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُؤْخَذُ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَيْئُوسٍ مِنْ زَوَالِ عُنَّتِهِ، وَلِذَلِكَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، بِخِلَافِ الْخَصِيِّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّهُ إذَا تَرَدَّدَتْ الْحَالُ بَيْن كَوْنِهِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ وَعَدَمِهِ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، سِيَّمَا وَقَدْ حَكَمْنَا بِانْتِفَاءِ التَّسَاوِي، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عُنَّتِهِ، وَثُبُوتِ عَيْبِهِ.
وَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ بِمِثْلِهِ؛ لِتَسَاوِيهِمَا، كَمَا يُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ.
(6696) فَصْلٌ: وَيُؤْخَذُ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ دُونَ الْمِسَاحَةِ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ، وَالرُّبْعُ بِالرُّبْعِ، وَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ.
[مَسْأَلَةٌ الْأُنْثَيَانِ بِالْأُنْثَيَيْنِ]
(6697) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْأُنْثَيَانِ بِالْأُنْثَيَيْنِ) وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصِّ وَالْمَعْنَى.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، إنَّهُ مُمْكِنٌ أَخْذُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْأُخْرَى جَازَ.
فَإِنْ قَالُوا: لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْأُخْرَى.
لَمْ تُؤْخَذْ خَشْيَةَ الْحَيْفِ، وَيَكُونُ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ أُمِنَ تَلَفُ الْأُخْرَى، أُخِذَتْ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى، وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِهِمَا.
[فَصْلٌ الْقِصَاصِ فِي شَفْرَيْ الْمَرْأَةِ]
(6698) فَصْلٌ: وَفِي الْقِصَاصِ فِي شَفْرَيْ الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ؛
أَحَدُهُمَا: لَا قِصَاصَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ لَا مَفْصِلَ لَهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ، كَلَحْمِ الْفَخِذَيْنِ.
هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي.
وَالثَّانِي: فِيهِمَا الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَهُمَا مَعْرُوفٌ، فَأَشْبَهَا الشَّفَتَيْنِ وَجَفْنَيْ الْعَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
[فَصْلٌ قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ شَفْرَيْهِ]
(6699) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ شَفْرَيْهِ، فَاخْتَارَ الْقِصَاصَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قِصَاصٌ فِي الْحَالِ، وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْطُوعَ عُضْوٌ أَصْلِيٌّ.
وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ، وَكَانَ يُرْجَى انْكِشَافُ حَالِهِ، أَعْطَيْنَاهُ الْيَقِينَ، فَيَكُونُ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الْمَقْطُوعِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ قَطَعَ جَمِيعَهَا، فَلَهُ دِيَةُ امْرَأَةٍ فِي الشَّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ يَئِسَ مِنْ انْكِشَافِ حَالِهِ، أُعْطِيَ نِصْفَ دِيَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَنِصْفَ دِيَةِ الشَّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةً فِي نِصْفِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
[فَصْلٌ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَلْيَتَيْنِ النَّاتِئَتَيْنِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَالظَّهْرِ بِجَانِبِيِّ الدُّبُرِ]
(6700) فَصْلٌ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَلْيَتَيْنِ النَّاتِئَتَيْنِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَالظَّهْرِ بِجَانِبَيْ الدُّبُرِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَا قِصَاصَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بِلَحْمِ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] . وَلِأَنَّ لَهُمَا حَدًّا يَنْتَهِيَانِ إلَيْهِ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهِمَا، كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ تُقْلَعُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ]
(6701) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُقْلَعُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْعَيْنِ، وَمِمَّنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَسْرُوقٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] . وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى مَفْصِلٍ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهَا كَالْيَدِ.
وَتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بِعَيْنِ الشَّيْخِ الْمَرِيضَةِ، وَعَيْنُ الْكَبِيرِ بِعَيْنِ الصَّغِيرِ وَالْأَعْمَشِ، وَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ.
[فَصْلٌ قَلَعَ عَيْنَهُ بِإِصْبَعِهِ]
(6702) فَصْلٌ: فَإِنْ قَلَعَ عَيْنَهُ بِإِصْبَعِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصَّ بِإِصْبَعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ.
وَإِنْ لَطَمَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِاللَّطْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ؛ وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَتْ مِنْ إذْهَابِ الضَّوْءِ، لَمْ يَجِبْ فِيهَا قِصَاصٌ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْبَصَرِ، فَيُعَالَجُ بِمَا يَذْهَبُ بِبَصَرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْلَعَ عَيْنَهُ، كَمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ بِحَلُوبَةٍ لَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، فَسَاوَمَهُ فِيهَا مَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَنَازَعَهُ، فَلَطَمَهُ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: هَلْ لَك أَنْ أُضَعِّفَ لَك الدِّيَةَ، وَتَعْفُوَ عَنْهُ؟ فَأَبَى، فَرَفَعَهُمَا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَدَعَا عَلِيٌّ بِمِرْآةِ فَأَحْمَاهَا، ثُمَّ وَضَعَ الْقُطْنَ عَلَى عَيْنِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ أَخَذَ الْمِرْآةَ بِكَلْبَتَيْنِ، فَأَدْنَاهَا مِنْ عَيْنِهِ حَتَّى سَالَ إنْسَانُ عَيْنِهِ.
وَإِنْ وَضَعَ فِيهَا كَافُورًا يَذْهَبُ بِضَوْئِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْحَدَقَةِ، جَازَ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعُضْوِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ؛ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْهُ بِاللَّطْمَةِ، فَيَلْطِمُهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِثْلَ لَطْمَتِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُذْهِبَهُ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ اللَّطْمَةَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا مُنْفَرِدَةً، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا إذَا سَرَتْ إلَى الْعَيْنِ، كَالشَّجَّةِ إنْ كَانَتْ دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَلِأَنَّ اللَّطْمَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْعَيْنِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا بِمِثْلِهَا مَعَ الْأَمْنِ مِنْ إفْسَادِ الْعُضْوِ، فِي الْعَيْنِ فَمَعَ خَوْفِ ذَلِكَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ الْآلَةِ الْمُعَدَّةِ كَالْمُوضِحَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ اللَّطْمَةُ تَذْهَبُ بِذَلِكَ غَالِبًا، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَذْهَبُ بِهِ غَالِبًا فَذَهَبَ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يُفْضِي إلَى الْفَوَاتِ غَالِبًا، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْقِصَاصُ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ الْقِصَاصُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] . وَلِأَنَّ اللَّطْمَةَ إذَا أَسَالَتْ إنْسَانَ الْعَيْنِ، كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْجُرْحِ الْإِفْضَاءُ إلَى التَّلَفِ غَالِبًا.
[فَصْلٌ لَطَمَ عَيْنَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا وَابْيَضَّتْ وَشَخَصَتْ]
(6703) فَصْلٌ: فَلَوْ لَطَمَ عَيْنَهُ، فَذَهَبَ بَصَرُهَا، وَابْيَضَّتْ، وَشَخَصَتْ، فَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَةُ عَيْنِ الْجَانِي حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهَا وَتَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ، مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْحَدَقَةِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَهَابُ بَعْضِ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ يَذْهَبَ الْبَصَرُ دُونَ أَنْ تَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِلَّذِي لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ فِيهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَ هَاشِمَةً، فَإِنَّهُ يَقْتَصُّ مُوضِحَةً، وَيَأْخُذُ أَرْشَ بَاقِي جُرْحِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، لَا يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا اقْتَصَّ مِنْهُ يَعْنِي لَطَمَهُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، وَلَمْ تَبْيَضَّ، وَلَمْ تَشْخَصْ، فَإِنْ أَمْكَنَ