المغني لابن قدامةصفحات 121-160
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 121-160
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ، فَتَعَلَّقَ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَلِأَنَّهُ تَلَذُّذٌ بِمُبَاشَرَةٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ وَطِئَ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ لَا تُوجِبُ الْغُسْلَ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا التَّحْرِيمُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَصٍّ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلَا الْمَجْمَعِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ اسْتِقْرَارُ الْمَهْرِ، وَالْإِحْصَانُ، وَالِاغْتِسَالُ، وَالْعِدَّةُ، وَإِفْسَادُ الْإِحْرَامِ، وَالصِّيَامُ، بِخِلَافِ اللَّمْسِ.
وَذَكَر أَصْحَابُنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ.

[فَصْلٌ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةِ]

(5361) فَصْلٌ: وَمَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ، فَهُوَ كَلَمْسِهَا لَشَهْوَةٍ، فِيهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْشُرُهَا اللَّمْسُ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ بَدْرِيًّا وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي مَنْ يَشْتَرِي الْخَادِمَ، ثُمَّ يُجَرِّدُهَا أَوْ يُقَبِّلُهَا، لَا يَحِلُّ لِابْنِهِ وَطْؤُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَكْحُولٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا.
وَفِي لَفْظٍ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا» . وَالثَّانِيَةُ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَلِأَنَّهُ نَظَرٌ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، فَلَمْ يُوجِبْ التَّحْرِيمَ، كَالنَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ، وَالْخَبَرُ ضَعِيفٌ.
قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَقِيلَ: هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ.
ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْوَطْءِ.
وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى سَائِرِ الْبَدَنِ فَلَا يَنْشُرُ حُرْمَةً.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا فَرْقَ بَيْن النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ لَشَهْوَةٍ.
وَالصَّحِيحُ، خِلَافُ هَذَا؛ فَإِنَّ غَيْرَ الْفَرْجِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ، وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْوَجْهِ لَا يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّ النَّظَرَ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْر شَهْوَةٍ لَا يَنْشُرُ حُرْمَةً؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ لَا يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَالنَّظَرُ أَوْلَى.
وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ فِي مِنْ بَلَغَتْ سِنًّا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا، كَابْنَةِ تِسْعٍ فَمَا زَادَ، فَأَمَّا الطِّفْلَةُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي بِنْتِ سَبْعٍ: إذَا قَبَّلَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى السِّنِّ الَّذِي تُوجَدُ مَعَهُ الشَّهْوَةُ.
(5362) فَصْلٌ: فَإِنْ نَظَرَتْ الْمَرْأَةُ إلَى فَرْجِ رَجُلٍ لَشَهْوَةٍ، فَحُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ حُكْمُ نَظَرِهِ إلَيْهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى

يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالْجِمَاعِ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ لَمْسِهَا لَهُ، وَقُبْلَتِهَا إيَّاهُ لَشَهْوَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ الْخَلْوَةُ بِالْمَرْأَةِ]

(5363) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِالْمَرْأَةِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَنْشُرُ حُرْمَةً.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: إذَا خَلَا بِالْمَرْأَةِ، وَجَبَ الصَّدَاقُ وَالْعِدَّةُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا وَابْنَتَهَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ مَعَ الْخَلْوَةِ مُبَاشَرَةٌ، فَيُخَرَّجُ كَلَامُهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، فَأَمَّا مَعَ خَلْوَةٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالِفَةِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أَمَتِهِ، فَلَا تَنْشُرُ تَحْرِيمًا.
لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
وَكُلُّ مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُهَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ الْعَقْدُ الْمُرَادُ لِلْوَطْءِ، فَالْوَطْءُ أَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، فَالْأُولَى زَوْجَتُهُ، وَالْقَوْلُ فِيهِمَا الْقَوْلُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْن الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، مُحَرَّمٌ.
فَمَتَى جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَعَقَدَ عَلَيْهِمَا مَعًا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِيهِمَا، وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَيَبْطُلُ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ خَمْسًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ لِذَلِكَ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِيهِ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَحْصُلُ بِهِ، فَبِالْعَقْدِ عَلَى الْأُولَى تُحَرَّمُ الثَّانِيَةُ، وَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ عَلَيْهَا حَتَّى تَبِينَ الْأُولَى مِنْهُ، وَيَزُولَ نِكَاحُهَا وَعِدَّتُهَا.
(5365) فَصْلٌ: فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، وَلَمْ يَدْرِ أُولَاهُمَا، فَعَلَيْهِ فُرْقَتُهُمَا مَعًا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ، لَا يَدْرِي أَيَّتَهمَا تَزَوَّجَ أَوَّلًا: نُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، وَلَا نَعْرِفُ الْمُحَلَّلَةَ لَهُ، فَقَدْ اشْتَبَهَتَا عَلَيْهِ، وَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا صَحِيحٌ، وَلَا تُتَيَقَّنُ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ فَسْخِ نِكَاحِهِمَا، فَوَجَبَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ، وَلَمْ يُعْرَفْ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُفَارِقَ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ يُجَدِّدَ عَقْدَ الْأُخْرَى وَيُمْسِكَهَا، فَلَا بَأْسَ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، وَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ لَا يَكُونَ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ بَعْدَ فِرَاقِ الْأُخْرَى.
الثَّانِي، إذَا دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا، فَإِنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا، فَارَقَ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا بِطَلْقَةٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْمُصَابَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ

عِدَّتُهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الثَّانِيَةَ، فَيَكُونَ قَدْ أَصَابَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا يُصَانُ ذَلِكَ عَنْ مَائِهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ نِكَاحَ الْأُخْرَى، فَارَقَ الْمُصَابَةَ بِطَلْقَةٍ، ثُمَّ انْتَظَرَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، إذَا دَخَلَ بِهِمَا، فَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُفَارِقَ الْأُخْرَى، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ فُرْقَتِهَا، وَتَنْقَضِي عِدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ حِينِ أَصَابَهَا.
وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ إحْدَاهُمَا، أَوْ هُمَا جَمِيعًا، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَكِلَاهُمَا يَلْحَقُ النَّسَبُ فِيهِ.
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَارَقَهُمَا بِطَلْقَةٍ طَلْقَةٍ.
(5366) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَهْرُ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَلِإِحْدَاهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَلَا نَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا مَعَ يَمِينِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اخْتِيَارِيّ أَنْ يَسْقُطَ الْمَهْرُ إذَا كَانَ مُجْبَرًا عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَإِنْ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ وَقَعَتْ لِغَيْرِ الْمُصَابَةِ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَلِلْمُصَابَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُصَابَةِ، فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْرَى، وَلِلْمُصَابَةِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ.
وَإِنْ أَصَابَهُمَا مَعًا، فَلِإِحْدَاهُمَا الْمُسَمَّى، وَلِلْأُخْرَى مَهْرُ الْمِثْلِ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ.
إنْ قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُسَمَّى فِيهِ، وَجَبَ هَاهُنَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَدَخَلَ بِهَا]

(5367) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، وَدَخَلَ بِهَا، اعْتَزَلَ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثَّانِيَةِ.
إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَقْدَ عَلَى أُخْتِهَا فِي الْحَالِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْوَطْءُ لِامْرَأَتِهِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا الَّتِي أَصَابَهَا.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَأَجْنَبِيَّةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ]

(5368) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَأَجْنَبِيَّةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَجْنَبِيَّةِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعًا، بِأَنْ يَكُونَ لَرَجُلٍ أُخْتٌ وَابْنَةُ عَمٍّ، إحْدَاهُمَا رَضِيعَةُ الْمُتَزَوِّجِ، فَيَقُولَ لَهُ: زَوَّجَتْكهَا مَعًا.
فَيَقْبَلَ ذَلِكَ.
فَالْمَنْصُوصُ هُنَا صِحَّةُ نِكَاحِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
وَنَصَّ فِي مَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً، عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ، وَيُفَارِقُ الْأَمَةَ.
وَقِيلَ: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَفْسُدُ فِيهِمَا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ، جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْن أُخْتَيْنِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ.
وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ، أُضِيفَ إلَيْهَا عَقْدٌ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ، لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ،

وَفَارَقَ الْعَقْدَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهَاهُنَا قَدْ تَعَيَّنَتْ الَّتِي بَطَلَ النِّكَاحُ فِيهَا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ لَهَا مِنْ الْمُسَمَّى بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمُسَمَّى.
وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ، يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهُمَا بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ صَدَاقِهِمَا، أَوْ نِصْفَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، يَأْتِي ذِكْرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَمَجُوسِيَّةً أَوْ مُحَلَّلَةً وَمُحَرَّمَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ]

(5369) فَصْلٌ: وَلَوْ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَمَجُوسِيَّةً، أَوْ مُحَلَّلَةً وَمُحَرَّمَةً، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُحَرَّمَةِ، وَفِي الْأُخْرَى وَجْهَانِ.
وَإِنْ نَكَحَ أَرْبَعَ حَرَائِرَ وَأَمَةً، فَسَدَ فِي الْأَمَةِ، وَفِي الْحَرَائِرِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ نَكَحَ الْعَبْدُ حُرَّتَيْنِ وَأَمَةً، بَطَلَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا، فَسَدَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا، كَالْأُخْتَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى أُخْتَيْنِ فَأَصَابَ إحْدَاهُمَا]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْمِلْكِ]

(5370) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى أُخْتَيْنِ، فَأَصَابَ إحْدَاهُمَا، لَمْ يُصِبْ الْأُخْرَى حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُولَى بِبَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ هِبَةٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَيُعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ، فَإِنْ عَادَتْ إلَى مِلْكِهِ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، حَتَّى تُحَرَّمَ عَلَيْهِ الْأُولَى) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ سِتَّةٍ: (5371) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْمِلْكِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا.
وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا، حَلَّ لَهُ شِرَاءُ أُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُقْصَدُ بِهِ التَّمَوُّلُ دُونَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَكَذَلِكَ حَلَّ لَهُ شِرَاءُ الْمَجُوسِيَّةِ، وَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمُعْتَدَّةِ، وَالْمُزَوَّجَةِ، وَالْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِ بِالرَّضَاعِ وَبِالْمُصَاهَرَةِ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ إمَائِهِ فِي الْوَطْءِ]

(5372) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ إمَائِهِ فِي الْوَطْءِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَكَرِهَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ؛ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَطَاوُسٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَلَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلْهُ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا.
يُرِيدُ بِالْمُحَرِّمَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] . وَبِالْمُحَلِّلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ، أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ حَرَامٌ وَلَكِنْ نَنْهَى عَنْهُ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
وَقَالَ دَاوُد، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا يُحَرَّمُ.
اسْتِدْلَالًا بِالْآيَةِ الْمُحَلِّلَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَرَائِرِ فِي الْوَطْءِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْإِمَاءِ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ فِي الْحَرَائِرِ، وَتُبَاحُ فِي الْإِمَاءِ بِغَيْرِ حَصْرٍ، وَالْمَذْهَبُ تَحْرِيمُهُ؛ لِلْآيَةِ الْمُحَرِّمَةِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِهَا الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ جَمِيعًا، بِدَلِيلِ أَنَّ سَائِرَ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ يُحَرَّمُ وَطْؤُهُنَّ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ، وَآيَةُ الْحِلِّ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُحَرَّمَاتِ جَمِيعِهِنَّ، وَهَذِهِ مِنْهُنَّ، وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا، فَحُرِّمَتْ أُخْتُهَا كَالزَّوْجَةِ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ كَانَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ]

(5373) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ، فَلَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ: لَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْفِرَاشِ، فَلَمْ يُحَرَّمْ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ إحْدَاهُمَا فَقَطْ.

[الْفَصْل الرَّابِع كَانَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ وَطِئَ إحْدَاهُمَا]

(5374) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا، فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَوْطُوءَةِ عَلَى نَفْسِهِ، بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ.
هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ رَهَنَهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِتَحْرِيمِهَا، وَلِهَذَا يَحِلُّ لَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فِي وَطْئِهَا، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى فَكِّهَا مَتَى شَاءَ وَاسْتِرْجَاعِهَا إلَيْهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إنْ اسْتَبْرَأَهَا، حَلَّتْ لَهُ أُخْتُهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ فِرَاشُهُ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَنَفَاهُ بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ انْتَفَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا.
وَلَنَا، قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهَا، وَلَا حِلُّهَا لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَاسْتَبْرَأَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ وَطْأَهَا، فَلَا يَأْمَنُ عَوْدَهُ إلَيْهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ حَرَّمَ إحْدَاهُمَا عَلَى نَفْسِهِ، لَمْ تُبَحْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُحَرِّمُهَا، إنَّمَا هُوَ يَمِينٌ يُكَفَّرُ، وَلَوْ كَانَ يُحَرِّمُهَا إلَّا أَنَّهُ لِعَارِضٍ، مَتَى شَاءَ أَزَالَهُ بِالْكَفَّارَةِ، فَهُوَ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ.
وَإِنْ كَاتَبَ إحْدَاهُمَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا بِمَا لَا يَقِفُ عَلَى غَيْرِهِمَا، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ أُخْتُهَا، كَالْمَرْهُونَةِ.

[الْفَصْلُ الْخَامِس كَانَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ أَخْرَجَ إحْدَاهُمَا مِنْ مِلْكِهِ]

(5375) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا، حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الْمُخْرَجَةَ، وَيَعْلَمَ بَرَاءَتَهَا مِنْ الْحَمْلِ.
وَمَتَى كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا.

[فَصْلٌ وَطِئَ أَمَتَيْهِ الْأُخْتَيْنِ مَعًا]

(5376) فَصْلٌ: فَإِنْ وَطِئَ أَمَتَيْهِ الْأُخْتَيْنِ مَعًا، فَوَطْءُ الثَّانِيَةِ مُحَرَّمٌ، وَلَا حَدَّ فِيهِ، لِأَنَّ وَطْأَهُ فِي مِلْكِهِ وَلِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي حُكْمِهَا، وَلَهُ سَبِيلٌ إلَى اسْتِبَاحَتِهَا، بِخِلَافِ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ.
وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى وَيَسْتَبْرِئَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: الْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الثَّانِيَةَ.
وَلَنَا، أَنَّ الثَّانِيَة قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ابْتِدَاءً.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
لَيْسَ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ بِمَا لَوْ وَطِئَ الْأُولَى فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَلَوْ وَطِئَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا، سَوَاءٌ وَطِئَهَا حَرَامًا أَوْ حَلَالًا.

[الْفَصْل السَّادِس زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ زَوَالًا أَحَلَّ لَهُ أُخْتَهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ الْأُولَى إلَى مِلْكِهِ]

(5377) الْفَصْلُ السَّادِسُ: أَنَّهُ مَتَى زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ زَوَالًا أَحَلَّ لَهُ أُخْتَهَا، فَوَطِئَهَا، ثُمَّ عَادَتْ الْأُولَى إلَى مِلْكِهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُخْرَى، بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَبْقَ فِرَاشًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ صَارَتْ فِرَاشًا، وَقَدْ رَجَعَتْ إلَيْهِ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَكُونُ أُخْتُهَا فِرَاشًا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ.
فَأَمَّا إنْ اسْتَفْرَشَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا، فَإِنَّ الْمُشْتَرَاةَ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لَهُ، لَكِنْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِافْتِرَاشِ أُخْتِهَا.
وَلَوْ أَخْرَجَ الْمَوْطُوءَةَ عَنْ مِلْكِهِ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْءِ أُخْتِهَا، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ، وَأُخْتُهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أُخْتَهَا فِرَاشُهُ.

[فَصْل حُكْمُ مُبَاشَرَةِ الْإِمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ]

(5378) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْإِمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْأُخْتِ،

كَحُكْمِهِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] . وَمُخَالَفَةُ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] . وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ فِي الْعَقْدِ أَوْ الْوَطْءِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا.

[فَصْلٌ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُخْتِهَا]

(5379) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُخْتِهَا، فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: لَا يَجْمَعُ بَيْن الْأُخْتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ.
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ.
وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ، كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِي الْأُخْتِ مَا يُنَافِي إبَاحَةَ أُخْتِهَا الْمُفْتَرَشَةِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْوَطْءِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَلَا تُبَاحُ الْمَنْكُوحَةُ حَتَّى تُحَرَّمَ أُخْتُهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَتَحِلُّ لَهُ الْمَنْكُوحَةُ، وَتُحَرَّمُ أُخْتُهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَقْوَى.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ وَطْءَ مَمْلُوكَتِهِ مَعْنًى يُحَرِّمُ أُخْتَهَا لِعِلَّةِ الْجَمْعِ، فَمَنَعَ صِحَّةَ نِكَاحِهَا كَالزَّوْجِيَّةِ، وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْوَطْءُ، وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: النِّكَاحُ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
مَمْنُوعٌ.
وَإِنْ سُلِّمَ، فَالْوَطْءُ أَسْبَقُ، فَيُقَدَّمُ وَيَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِمَّا يُنَافِيه، كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْأُخْتِ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ يُحَرِّمُ نِكَاحَ ابْنَتِهَا وَأُمِّهَا، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا، لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْتَبْرِئْ الْمَوْطُوءَةَ.

[فَصْلٌ إنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَوْطُوءَةَ أَوْ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا]

(5380) فَصْلٌ: فَإِنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَوْطُوءَةَ، أَوْ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا.
وَإِنْ عَادَتْ الْأَمَةُ إلَى مِلْكِهِ، فَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، وَحِلُّهَا بَاقٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَقْوَى، وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُحَرَّمَ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا قَدْ عَادَتْ إلَيْهِ، وَالْمَنْكُوحَةُ مُسْتَفْرَشَةٌ، فَأَشْبَهَ أَمَتَيْهِ الَّتِي وَطِئَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ تَزْوِيجِ الْأُخْرَى، ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ أُخْتَهَا.
وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَالْوَطْءِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا.
فَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ حُرِّمَتَا عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الْأَمَةَ، ثُمَّ تَحِلُّ لَهُ زَوْجَتُهُ دُونَ أَمَتِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى وَأَسْبَقُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا لِمَائِهِ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَا عَلَيْهِ جَمِيعًا، حَتَّى تُحَرَّمَ إحْدَاهُمَا، كَالْأَمَتَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ عَمَّةُ الْأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ كَأُخْتِهَا]

(5381) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَعَمَّةُ الْأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِي ذَلِكَ كَأُخْتِهَا) يَعْنِي فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ، وَالتَّفْصِيلُ فِيهِمَا كَالتَّفْصِيلِ فِي الْأُخْتَيْنِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

[مَسْأَلَةٌ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَةِ وَرَبِيبَتِهَا]

(5382) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَنْ كَانَتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ وَابْنَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَرَبِيبَتِهَا جَائِزًا، لَا بَأْسَ بِهِ، فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَان بْنِ أُمَيَّةَ.
وَبِهِ قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ، إلَّا الْحَسَنَ، وَعِكْرِمَةَ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى.
رُوِيَتْ عَنْهُمْ كَرَاهَتُهُ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ وَعَمَّتَهَا.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَلِأَنَّهُمَا لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا، فَأَشْبَهَتَا الْأَجْنَبِيَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ حُرِّمَ خَوْفًا مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَتَيْنِ، وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَ هَاتَيْنِ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَا ذَكَرُوهُ.

[فَصَلِّ لِرَجُلٍ ابْنٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ غَيْرِهِ]

(5383) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ، وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَلَهَا ابْنٌ، جَازَ تَزْوِيجُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ كَرَاهِيَتُهُ إذَا كَانَ مِمَّا وَلَدَتْهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ وَطْءِ الزَّوْجِ لَهَا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَكَوْنُهُ أَخًا لِأُخْتِهَا، لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّحْرِيمِ، فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَمَتَى وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَدًا، صَارَ عَمًّا لِوَلَدِ وَلَدَيْهِمَا وَخَالًا.

[فَصَلِّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَزَوَّجَ ابْنَهُ أُمَّهَا]

(5384) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ تُحَرَّمْ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا عَلَى أَبِيهِ وَلَا ابْنِهِ، فَمَتَى تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَزَوَّجَ ابْنَهُ أُمَّهَا جَازَ؛ لِعَدَمِ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ.
فَإِذَا وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ، كَانَ وَلَدُ الِابْنِ خَالَ وَلَدِ الْأَبِ، وَوَلَدُ الْأَبِ عَمَّ وَلَدِ الِابْنِ وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً، وَزَوَّجْت ابْنِي بِأُمِّهَا، فَأَخْبِرْنَا.
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إنْ أَخْبَرْتنِي بِقَرَابَةِ وَلَدِك مِنْ وَلَدِ ابْنِك أَخْبَرْتُك.
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا الْعُرْيَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الَّذِي وَلَّيْتَهُ قَائِمَ سَيْفِكَ، إنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا تُخْبِرْنِي.
فَقَالَ الْعُرْيَانُ: أَحَدُهُمَا عَمُّ الْآخَرِ، وَالْآخَرُ خَالُهُ.

[فَصَلِّ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةِ وَزَوَّجَ ابْنَهُ بِنْتَهَا أَوْ أُمَّهَا]

(5385) فَصْلٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَزَوَّجَ ابْنَهُ بِنْتَهَا أَوْ أُمَّهَا، فَزُفَّتْ امْرَأَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ، فَوَطِئَهَا، فَإِنَّ وَطْءَ الْأَوَّلِ يُوجِبُ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَيُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْوَطْءِ حَلِيلَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُ الْمَوْطُوءَةِ عَنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا، بِتَمْكِينِهَا مِنْ وَطْئِهَا، وَمُطَاوَعَتِهَا عَلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ يَرْجِعُ بِهِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُشَارِكَةٌ فِي إفْسَادِ نِكَاحِهَا بِالْمُطَاوَعَةِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ لِزَوْجِهَا نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ تُفْسِدُ نِكَاحَهُ بِالرَّضَاعِ.
وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْوَاطِئِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ امْرَأَتَهُ صَارَتْ أُمًّا لِمَوْطُوءَتِهِ أَوْ بِنْتًا لَهَا، وَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى.
فَأَمَّا وَطْءُ الثَّانِي، فَيُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ خَاصَّةً.
فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَوَّلُ، انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى وَاطِئِهَا، وَلَا يَثْبُتُ رُجُوعُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَيَجِبُ لِامْرَأَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ.

[مَسْأَلَةٌ حَرَائِرُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحُهُمْ]

(5386) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَحَرَائِرُ نِسَاء أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحُهُمْ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ) لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، بِحَمْدِ اللَّهِ، اخْتِلَافٌ فِي حِلِّ حَرَائِرِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَحُذَيْفَةُ وَسَلْمَانُ، وَجَابِرٌ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ حُذَيْفَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالْجَارُودَ بْنَ الْمُعَلَّى، وَأُذَيْنَةَ الْعَبْدِيَّ، تَزَوَّجُوا نِسَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحَرَّمَتْهُ الْإِمَامِيَّةُ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] ، ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] ، وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 5] /إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: 5] . وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221] . فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُمَا مُتَقَدِّمَتَانِ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْمَائِدَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُمَا.
وَقَالَ آخَرُونَ:

لَيْسَ هَذَا نَسْخًا، فَإِنَّ لَفْظَةَ الْمُشْرِكِينَ بِإِطْلَاقِهَا لَا تَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: 1] . وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 6] . وَقَالَ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82] . وَقَالَ ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 105] . وَسَائِرُ آيِ الْقُرْآنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ الْمُشْرِكِينَ بِإِطْلَاقِهَا غَيْرُ مُتَنَاوِلَةٍ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةَ، وَلِأَنَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَامٌّ فِي كُلِّ كَافِرَةٍ، وَآيَتُنَا خَاصَّةٌ فِي حِلِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْخَاصُّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلَّذِينَ تَزَوَّجُوا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ: طَلِّقُوهُنَّ.
فَطَلَّقُوهُنَّ إلَّا حُذَيْفَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: طَلِّقْهَا.
قَالَ: تَشْهَدُ أَنَّهَا حَرَامٌ؟ قَالَ: هِيَ جَمْرَةٌ، طَلِّقْهَا.
قَالَ: تَشْهَدُ أَنَّهَا حَرَامٌ؟ قَالَ: هِيَ جَمْرَةٌ.
قَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّهَا جَمْرَةٌ، وَلَكِنَّهَا لِي حَلَالٌ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ طَلَّقَهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا طَلَّقْتهَا حِينَ أَمَرَك عُمَرُ؟ قَالَ: كَرِهْت أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنِّي رَكِبْت أَمْرًا لَا يَنْبَغِي لِي.
وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَالَ إلَيْهَا قَلْبُهُ فَفَتَنَتْهُ، وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَيَمِيلُ إلَيْهَا.
(5387) فَصْلٌ: وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ هَذَا حُكْمُهُمْ، هُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] . فَأَهْلُ التَّوْرَاةِ الْيَهُودُ وَالسَّامِرَةُ، وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ النَّصَارَى، وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ مِنْ الْإِفْرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ السَّلَفُ كَثِيرًا، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى.
وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ.
فَهَؤُلَاءِ إذَا يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ.
وَالصَّحِيحُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ النَّصَارَى أَوْ الْيَهُودَ فِي أَصِلْ دِينِهِمْ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي فُرُوعِهِ، فَهُمْ مِمَّنْ وَافَقُوهُ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي أَصِلْ الدِّينِ، فَلَيْسَ هُمْ مِنْهُمْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ، مِثْلُ الْمُتَمَسِّكِ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ، وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد، فَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِمْ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ، وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ، وَيُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى.

وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] . وَلِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ كَانَتْ مَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا، لَا أَحْكَامَ فِيهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمَجُوسِ كِتَابٌ وَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ]

(5388) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمَجُوسِ كِتَابٌ، وَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . وَلِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.
وَلِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: 221] . وَقَوْله ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] . فَرَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَمَنْ عَدَاهُمْ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لِلْمَجُوسِ كِتَابًا.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ، أَيَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ لِلْمَجُوسِ كِتَابًا؟ فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ وَاسْتَعْظَمَهُ جِدًّا.
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَثْبُتُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ.
وَقَوْله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَإِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ لَا غَيْرُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانَتْ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، غُلِّبَ ذَلِكَ فِي تَحْرِيمِ دِمَائِهِمْ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لِنِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ، فَإِنَّنَا إذَا غَلَّبْنَا الشُّبْهَةَ فِي التَّحْرِيمِ فَتَغْلِيبُ الدَّلِيلِ الَّذِي عَارَضَتْهُ الشُّبْهَةُ فِي التَّحْرِيمِ أَوْلَى، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.
وَقَالَ: أَبُو وَائِلٍ يَقُول: تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً.
وَهُوَ أَوْثَقُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.
وَقَالَ: ابْنُ سِيرِينَ: كَانَتْ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ نَصْرَانِيَّةً.
وَمَعَ تَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ إحْدَاهُنَّ إلَّا بِتَرْجِيحٍ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ مُخَالِفَتِهِ الْكِتَابَ وَقَوْلَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ، فَلِأَنَّنَا غَلَّبْنَا حُكْمَ التَّحْرِيمِ لِدِمَائِهِمْ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ.

[فَصْلٌ النِّكَاح مِنْ الْكُفَّارِ غَيْر أَهْلِ الْكِتَابِ]

(5389) فَصْلٌ: وَسَائِر الْكُفَّارِ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَحْجَارِ وَالشَّجَرِ وَالْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ؛ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَتَيْنِ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهُمَا.
وَالْمُرْتَدَّةُ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَتْ إلَيْهِ فِي إقْرَارِهَا عَلَيْهِ، فَفِي حِلِّهَا أَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ النِّكَاح إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوِيّ الْكَافِرَةِ كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا]

(5390) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْكَافِرَةِ كِتَابِيًّا، وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا، لَمْ يَنْكِحْهَا مُسْلِمٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْكِتَابِيَّةِ غَيْرَ كِتَابِيٍّ، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا، سَوَاءٌ كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فِيمَا إذَا كَانَ الْأَبُ غَيْرَ كِتَابِيٍّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ، وَيَشْرُفُ بِشَرَفِهِ وَيُنْسَبُ إلَى قَبِيلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ فَلَهُ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ أَبُوهَا وَثَنِيًّا، وَلِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَحِلُّ، فَلَمْ يَحِلَّ، كَالسِّمْعِ وَالْبَغْلِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَحِلَّ بِكُلِّ حَالٍ، لَدُخُولِهَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ الْمُبِيحَةِ، وَلِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ تُقَرُّ عَلَى دِينِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَنْ أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ.
وَالْحُكْمُ فِي مَنْ أَبَوَاهَا غَيْرُ كِتَابِيَّيْنِ، كَالْحُكْمِ فِي مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذَا حُرِّمَتْ لِكَوْنِ أَحَدِ أَبَوَيْهَا وَثَنِيًّا، فَلَأَنْ تُحَرَّمَ إذَا كَانَا وَثَنِيَّيْنِ أَوْلَى.
وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ثَمَّ مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا، اعْتِبَارًا بِحَالِ نَفْسِهَا دُونَ أَبَوَيْهَا.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً فَانْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ آخَر مِنْ الْكُفْرِ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ]

(5391) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، فَانْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ الْكُفْرِ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: (5392) الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكِتَابِيَّ إذَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، فَإِنَّهُ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ بِالْجِزْيَةِ، كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا يَسْتَحْسِنُهُ، فَالْأَصْلِيُّ مِنْهُمْ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ، فَالْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْلَى.
وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ، لَمْ يُقَرَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى أَنْقَصَ مِنْ دِينِهِ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ، كَالْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ.
فَأَمَّا إنْ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ، أَوْ النَّصْرَانِيِّ يَتَهَوَّدُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُقَرُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ، قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ، كَالْمُرْتَدِّ.
وَالثَّانِيَةُ، يُقَرُّ عَلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُنْتَقِلِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ.
كَالرِّوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، لَمْ يُقَرَّ، كَأَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ.
وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، خُرِّجَ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . وَلِعُمُومِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
(5393) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ.
وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِسْلَامِ أَدْيَانٌ بَاطِلَةٌ.
قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهَا، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهَا كَالْمُرْتَدِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دِينَهُ الْأَوَّلَ قَدْ أَقْرَرْنَاهُ عَلَيْهِ مَرَّةً.
وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى خَيْرٍ مِنْهُ، فَنُقِرُّهُ عَلَيْهِ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ مِنْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَيُقْبَلُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَالْمُرْتَدِّ إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ الْإِسْلَامُ، أَوْ الرُّجُوعُ إلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ، أَوْ دِينٌ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقُلْنَا: لَا يُقَرُّ.
فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ.
وَالْأُخْرَى، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ.
(5394) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي صِفَةِ إجْبَارِهِ عَلَى تَرْكِ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ.
وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً؛ لِعُمُومِ قَوْله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . وَلِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ نَقَضَ الْعَهْدَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَضَهُ بِتَرْكِ الْتِزَامِ الذِّمَّةِ.
وَهَلْ يُسْتَتَابُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يُسْتَتَابُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَرْجَعُ عَنْ دِينٍ بَاطِلٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَيُسْتَتَابُ، كَالْمُرْتَدِّ.
وَالثَّانِي: لَا يُسْتَتَابُ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أُبِيحَ قَتْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ.
فَعَلَى هَذَا إنْ بَادَرَ وَأَسْلَمَ، أَوْ رَجَعَ إلَى مَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، عُصِمَ دَمُهُ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا دَخَلَ الْيَهُودِيُّ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، رَدَدْته إلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَلَمْ أَدَعْهُ فِيمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا، فَدَخَلَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ، كَانَ أَغْلَظَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا تُنْكَحُ لَهُ امْرَأَةٌ، وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يُرَدَّ إلَيْهَا.
فَقِيلَ لَهُ: تَقْتُلُهُ إذَا لَمْ يَرْجِعْ؟ قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلُ ذَلِكَ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْكِتَابِيَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُقْتَلُ، بَلْ يُكْرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ.

(5395) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ امْرَأَةَ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّةَ، إذَا انْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهِيَ كَالْمُرْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ، فَمَتَى كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا فِي الْحَالِ، وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَقَفَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يَنْفَسِخُ فِي الْحَالِ أَيْضًا.

[مَسْأَلَةٌ الْأَمَة الْكِتَابِيَّةَ حَلَالٌ]

[الْفَصْل الْأَوَّل أَمَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ حَلَالٌ]

(5396) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَأَمَتُهُ الْكِتَابِيَّةُ حَلَالٌ لَهُ، دُونَ أَمَتِهِ الْمَجُوسِيَّةِ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (5397) أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَمَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ حَلَالٌ لَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ كَرِهَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ يُحَرَّمُ نِكَاحُهَا فَحُرِّمَ التَّسَرِّي بِهَا كَالْمَجُوسِيَّةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 6] . وَلِأَنَّهَا مِمَّنْ يَحِلُّ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ، فَحَلَّ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا، كَالْمُسْلِمَةِ.
فَأَمَّا نِكَاحُهَا فَيُحَرَّمُ لِأَنَّ فِيهِ إرْقَاقَ وَلَدِهِ، وَإِبْقَاءَهُ مَعَ كَافِرَةٍ، بِخِلَافِ التَّسَرِّي.
(5398)

[الْفَصْل الثَّانِي مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ مِنْ الْمَجُوسِيَّات وَغَيْرِهِمْ لَا يُبَاحُ وَطْءُ الْإِمَاءِ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ]

الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ مِنْ الْمَجُوسِيَّات، وَسَائِرِ الْكَوَافِرِ سِوَى أَهْلِ الْكِتَابِ، لَا يُبَاحُ وَطْءُ الْإِمَاءِ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَمَا خَالَفَهُ فَشُذُوذٌ لَا يُعَدُّ خِلَافًا.
وَلَمْ يَبْلُغْنَا إبَاحَةُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ طَاوُسٍ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَالْآيَة الْأُخْرَى.

وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْثًا قِبَلَ أَوْطَاسٍ، فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَانِهِنَّ، مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] . قَالَ: فَهُنَّ لَهُمْ حَلَالٌ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.» وَعَنْهُ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَتِهِنَّ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَكْثَرُ سَبَايَاهُمْ مِنْ كُفَّارِ الْعَرَبِ، وَهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ تَحْرِيمَهُنَّ لِذَلِكَ، وَلَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْرِيمُهُنَّ، وَلَا أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِاجْتِنَابِهِنَّ، وَقَدْ دَفَعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ امْرَأَةً مِنْ بَعْضِ السَّبْيِ، نَفَلَهَا إيَّاهُ، وَأَخَذَ عُمَرُ وَابْنُهُ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ أَخَذَ الصَّحَابَةُ سَبَايَا فَارِسَ، وَهُمْ مَجُوسٌ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُمْ اجْتَنَبُوهُنَّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَتِهِنَّ، لَوْلَا اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَدْ أَجَبْت عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَجْوِبَةٍ، مِنْهَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَوَازِنُ أَلَيْسَ كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي كَانُوا أَسْلَمُوا أَوْ لَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إبَاحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] . (5399)

[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً كِتَابِيَّةً]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً كِتَابِيَّةً) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] . هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَحَلَّتْ بِالنِّكَاحِ كَالْمُسْلِمَةِ.
وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِتَزْوِيجِهَا.
إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: إنَّمَا تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهَا، وَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ قَوْلٌ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] . فَشَرَطَ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِهِنَّ الْإِيمَانَ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَتُفَارِقُ الْمُسْلِمَةَ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى اسْتِرْقَاقِ الْكَافِرِ وَلَدَهَا، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ، وَالْكَافِرَةُ تَكُونُ مِلْكًا لَكَافِرٍ، وَيُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا.
وَوَلَدُهَا

مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا، وَلِأَنَّهُ قَدْ اعْتَوَرَهَا نُقْصَانٌ، نَقْصُ الْكُفْرِ وَالْمِلْكِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا مَنَعَا، كَالْمَجُوسِيَّةِ لَمَّا اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصُ الْكُفْرِ، وَعَدَمُ الْكِتَابِ، لَمْ يُبَحْ نِكَاحُهَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِهَا؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْحُرِّ تَزْوِيجُهُ لِأَجْلِ دِينِهِ، حُرِّمَ عَلَى الْعَبْدِ، كَالْمَجُوسِيَّةِ.

[مَسْأَلَةٌ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ]

(5400) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مُسْلِمَةً، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، وَيَخَافَ الْعَنَتَ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْئَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ إذَا وُجِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ، عَدَمُ الطَّوْلِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِيهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] . الْآيَةُ.
وَالصَّبْرُ عَنْهَا مَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: 25] . وَالثَّانِي: إذَا عُدِمَ الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا لِحُرٍّ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَكْحُولٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِمَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى النِّكَاحِ لَا تَمْنَعُ النِّكَاحَ، كَمَا يَمْنَعُهُ وُجُودُ النِّكَاحِ، كَنِكَاحِ الْأُخْتِ وَالْخَامِسَةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ: إذَا خَافَ الْعَنَتَ حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِنْ وُجِدَ الطَّوْلُ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهَا لِضَرُورَةِ خَوْفِ الْعَنَتِ، وَقَدْ وُجِدَتْ، فَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِنِكَاحِ الْأَمَةِ، فَأَشْبَهَ عَادِمَ الطَّوْلِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] إلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] . فَشَرَطَ فِي نِكَاحِهَا عَدَمَ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَعَ عَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الْإِعْتَاقِ، وَلِأَنَّ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ إرْقَاقَ وَلَدِهِ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ.
وَقِيَاسُهُمْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ نِكَاحَ الْخَامِسَةِ وَالْأُخْتِ، إنَّمَا حُرِّمَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، وَبِالْقُدْرَةِ عَلَى الْجَمْعِ لَا يَصِيرُ جَامِعًا، وَالْعِلَّةُ هَاهُنَا، هُوَ الْغِنَى عَنْ إرْقَاقِ وَلَدِهِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ.
وَأَمَّا مَنْ يَجِدُ الطَّوْلَ وَيَخَافُ الْعَنَتَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ إلَّا حُرَّةً صَغِيرَةً أَوْ غَائِبَةً أَوْ مَرِيضَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، أَوْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَتَزَوَّجْ لِقُصُورِ نَسَبِهِ، فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ حُرَّةٍ تُعِفُّهُ.
وَإِنْ

كَانَتْ الْحُرَّةُ فِي حِبَالَةِ غَيْرِهِ، فَلَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْغَائِبَةِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ؛ لِوُجْدَانِ الطَّوْلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلطَّوْلِ إلَى حُرَّةٍ تُعِفُّهُ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا يَجِدُ شَيْئًا، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ ابْنَ السَّبِيلِ الَّذِي لَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ فَقِيرًا؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حُرَّةٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا، وَالْعِفَّةُ بِهَا، فَلَيْسَ بِخَائِفٍ الْعَنَتَ.

[فَصَلِّ إنْ قَدَرَ عَلَى تَزْوِيج كِتَابِيَّةٍ تَعْفُهُ لَمْ يَحِلّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ]

(5401) فَصْلٌ: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَزْوِيجِ كِتَابِيَّةٍ تُعِفُّهُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرُوا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] . وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِذَلِكَ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] . وَهَذَا غَيْرُ خَائِفٍ لَهُ، وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى صِيَانَةِ وَلَدِهِ عَنْ الرِّقِّ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إرْقَاقُهُ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِ مُؤْمِنَةٍ.

[فَصْلٌ مَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَعِفّ بِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ]

(5402) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ فِي ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.

[فَصْلٌ نِكَاح الْأُمَّة إنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لَكِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ ذَلِكَ]

(5403) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا، لَكِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الْحَالِ.
وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيت الْحُرَّةُ بِتَأْخِيرِ صَدَاقِهَا، أَوْ تَفْوِيضِ بُضْعِهَا؛ لِأَنَّ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِعِوَضِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ بَذَلَ لَهُ بَاذِلٌ أَنْ يَزِنَهُ عَنْهُ، أَوْ يَهَبَهُ إيَّاهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ الْمِنَّةِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُزَوِّجُهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَلَا يُجْحِفُ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] . وَهَذَا مُسْتَطِيعٌ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ بِمَا لَا يَضُرُّهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إرْقَاقُ وَلَدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ، ثُمَّ هَذَا مُفَارِقٌ لِلتَّيَمُّمِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ، وَهَذَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُرَّةِ لَا ضَرُورَةَ.

وَالثَّانِي، أَنَّ التَّيَمُّمَ يَتَكَرَّرُ، فَإِيجَابُ شِرَائِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ يُفْضِي إلَى الْإِجْحَافِ بِهِ، وَهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ، فَلَا ضَرَرَ فِيهِ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا حَالَ النِّكَاحِ]

(5404) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَأَنَّ الْمَالَ لِغَيْرِهِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى مَخَافَةَ الْعَنَتِ.
وَمَتَى تَزَوَّجَ الْأَمَةَ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا حَالَ النِّكَاحِ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ.
وَهَكَذَا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْشَى الْعَنَتَ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ، فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَلَهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ النِّكَاحِ وَالْأَصْلُ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، يَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ، وَجَبَ وَلِلسَّيِّدِ أَلَّا يُصَدِّقَهُ فِيمَا قَالَ، فَيَكُونَ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ مَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
وَهَلْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ عَقَدَ عَلَيَّ الْأُمَّة وَفِيهِ الشَّرْطَانِ عَدَمُ الطُّول وَخَوْفَ الْعَنَتِ ثُمَّ أَيْسَرِ]

(5405) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَتَى عَقَدَ عَلَيْهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ؛ عَدَمُ الطَّوْلِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ، ثُمَّ أَيْسَرَ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَفِي الْمَذْهَبِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَفْسُدُ النِّكَاحُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالَ لَمْ يَسْتَدِمْهُ.
وَلَنَا، أَنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أَحَدُ شَرْطَيْ إبَاحَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، فَلَمْ تُعْتَبَر اسْتَدَامَتْهُ، كَخَوْفِ الْعَنَتِ، وَيُفَارِقُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّ أَكْلَهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ لِلْأَكْلِ، وَهَذَا لَا يَبْتَدِئُ النِّكَاحَ.
إنَّمَا يَسْتَدِيمُهُ، وَالِاسْتِدَامَةُ لِلنِّكَاحِ تُخَالِفُ ابْتِدَاءَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَالرِّدَّةَ وَأَمْنَ الْعَنَتِ يَمْنَعْنَ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِهُ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ عَلَى الْأَمَةِ حُرَّةً]

(5406) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَى الْأَمَةِ حُرَّةً، صَحَّ.
وَفِي بُطْلَانِ نِكَاحِ الْأَمَةِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَبْطُلُ.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ، وَإِسْحَاقَ، وَالْمُزَنِيِّ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ.

وَقَالَ النَّخَعِيُّ إنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمَةِ وَلَدٌ، لَمْ يُفَارِقْهَا، وَإِلَّا فَارَقَهَا.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُبْطِلًا لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِ ذَاتِ الْوَلَدِ أَبْطَلَهُ فِي ذَاتِ الْوَلَدِ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ، وَلِأَنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ، قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً.
فَإِنَّهُ لَوْ بَطَلَ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ، لَبَطَلَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمُبْدَلِ كَاسْتِعْمَالِهِ، بِدَلِيلِ الْمَاءِ مَعَ التُّرَابِ.

[مَسْأَلَةٌ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا]

(5407) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا، إذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيهِ قَائِمَيْنِ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي إبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ إذَا لَمْ تُعِفَّهُ فَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا، إذَا لَمْ يَصْبِرْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا أَمَةً وَاحِدَةً.
يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْحُرَّ لَا يَتَزَوَّجُ مِنْ الْإِمَاءِ إلَّا وَاحِدَةً، وَقَرَأَ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] . وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا لَا يَخْشَى الْعَنَتَ.
وَوَجْهُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] . الْآيَةُ.
وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهَا، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلطَّوْلِ، خَائِفٌ لِلْعَنَتِ، فَجَازَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كَالْأُولَى، وَقَوْلُهُمْ: لَا يَخْشَى الْعَنَتَ.
قُلْنَا: الْكَلَامُ فِي مَنْ يَخْشَاهُ، وَلَا نُبِيحُهُ إلَّا لَهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً فَلَمْ تُعِفَّهُ، فَذَكَرَ فِيهَا أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَتَيْنِ، مِثْلُ نِكَاحِ الْأَمَةِ فِي حَقِّ مَنْ تَحْتَهُ أَمَةٌ لَمْ تُعِفَّهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَتْ الْحُرَّةُ تُعِفُّهُ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ.
وَإِنْ نَكَحَ أَمَةً تُعِفُّهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى، فَإِنْ نَكَحَهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ.
لِأَنَّهُ يَبْطُلُ فِي إحْدَاهُمَا، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ.

[فَصْلٌ لِلْعَبْدِ أَنَّ يَنْكِحَ الْأَمَةَ]

(5408) فَصْلٌ: وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الْأَمَةَ، وَإِنْ فُقِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ، كَالْحُرِّ

مَعَ الْحُرَّةِ.
وَلَهُ نِكَاحُ أَمَتَيْنِ مَعًا، وَوَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ خَشْيَةَ الْعَنَتِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِيهِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً، وَقُلْنَا: لَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ شَرْطًا فِي نِكَاحِ الْحُرَّةِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لَهُ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا عَدَمُ الْحُرَّةِ، كَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ عَدَمُ الْحُرَّةِ، لَاشْتُرِطَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، كَمَا فِي حَقِّ الْحُرِّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: تُنْكَحُ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ، وَلَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ.
وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِبُضْعِ حُرَّةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً، كَالْحُرِّ.
وَإِنْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، صَحَّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ، فَجَازَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، كَالْأَمَتَيْنِ.

[فَصْلٌ إذَا زَنَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ نِكَاحَهَا إلَّا بِشَرْطَيْنِ]

(5409) فَصْلٌ: وَإِذَا زَنَتْ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ نِكَاحَهَا إلَّا بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا، فَإِنْ حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَى فَقَضَاءُ عِدَّتِهَا بِوَضْعِهِ، وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا قَبْلَ وَضْعِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفِي الْأُخْرَى قَالَ: يَحِلُّ نِكَاحُهَا وَيَصِحُّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، فَلَمْ يُحَرِّمْ النِّكَاحَ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْمِلْ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» . يَعْنِي وَطْءَ الْحَوَامِلِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» . صَحِيحٌ ، وَهُوَ عَامٌّ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، «أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَمَّا أَصَابَهَا وَجَدَهَا حُبْلَى، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ لَهَا الصَّدَاقَ، وَجَلَدَهَا مِائَةً.» رَوَاهُ سَعِيدٌ «. وَرَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً مُجِحًّا عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا، كَسَائِرِ الْحَوَامِلِ.

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ، وَحُرِّمَ عَلَيْهَا النِّكَاحُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلِأَنَّهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَيَكُونَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْحَامِلِ، فَغَيْرُهَا أَوْلَى، لِأَنَّ وَطْءَ الْحَامِلِ لَا يُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ النَّسَبِ، وَغَيْرُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا مِنْ الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي، فَيُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، فَكَانَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي الْقُبُلِ، فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصَّغِيرِ الَّذِي يُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ تَتُوبَ مِنْ الزِّنَا، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ رَجُلًا وَامْرَأَةً فِي الزِّنَى، وَحَرَصَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَأَبَى الرَّجُلُ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ: يَجُوزُ، أَرَأَيْت لَوْ سَرَقَ مِنْ كَرْمٍ، ثُمَّ ابْتَاعَهُ، أَكَانَ يَجُوزُ؟ . وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] /إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] . وَهِيَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَى، فَإِذَا تَابَتْ زَالَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» . وَقَوْلِهِ «التَّوْبَةُ تَمْحُو الْحَوْبَةَ» . وَرُوِيَ «أَنَّ مَرْثَدًا دَخَلَ مَكَّةَ، فَرَأَى امْرَأَةً فَاجِرَةً يُقَال لَهَا عَنَاقٌ، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا، فَلَمْ يُجِبْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: أَنْكِحُ عَنَاقًا؟ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] . فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا» . وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُقِيمَةً عَلَى الزِّنَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَتُفْسِدَ فِرَاشَهُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَتَابَهَا.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ، وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ عِدَّةَ الزَّانِيَةِ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لَحُرَّةٍ، فَأَشْبَهَ عِدَّةَ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نِكَاحٍ وَلَا شُبْهَةِ نِكَاحٍ، فَأَشْبَهَ اسْتِبْرَاءَ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا عَتَقَتْ.
وَأَمَّا التَّوْبَةُ، فَهِيَ الِاسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ، كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْف تُعْرَفُ تَوْبَتُهَا؟ قَالَ: يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ.
فَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَمُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ امْرَأَةً إلَى الزِّنَى، وَيَطْلُبَهُ مِنْهَا.
وَلِأَنَّ طَلَبَهُ ذَلِكَ مِنْهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَوْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا الْقُرْآنَ، فَكَيْفَ يَحِلُّ فِي مُرَاوَدَتِهَا عَلَى الزِّنَى، ثُمَّ لَا يَأْمَنُ إنْ أَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْمَعْصِيَةِ، فَلَا يَحِلُّ لِلتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذَا، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ، عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا.

[إذَا زَنَتْ الْأُمَّة حَلَّ نِكَاحُهَا لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ]

(5410) فَصْلٌ: وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطَانِ حَلَّ نِكَاحُهَا لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَطَاوُسٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَائِشَةَ، أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلزَّانِي بِحَالٍ، قَالُوا: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ مَا اجْتَمَعَا؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا كَانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، أَوْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَيَكُونُ كَقَوْلِنَا.
فَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَلِأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ لِغَيْرِ الزَّانِي، فَحَلَّتْ لَهُ، كَغَيْرِهَا.

[فَصْلٌ إنْ زَنَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ أَوْ زَنَى زَوْجُهَا لَمْ يَنْفَسِخ النِّكَاحُ]

(5411) فَصْلٌ: وَإِنْ زَنَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ، أَوْ زَنَى زَوْجُهَا، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا زَنَتْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ زَنَى قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا.
وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَهَا وَلَاعَنَهَا بَانَتْ مِنْهُ؛ لِتَحْقِيقِهِ الزِّنَى عَلَيْهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزِّنَى يُبِينُهَا.
وَلَنَا، أَنَّ دَعْوَاهُ الزِّنَى عَلَيْهَا لَا يُبِينُهَا، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ يَنْفَسِخُ بِهِ لَانْفَسَخَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، كَالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَأَشْبَهَتْ السَّرِقَةَ، فَأَمَّا اللِّعَانُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَسْخَ بِدُونِ الزِّنَى، بِدَلِيلِ أَنَّهَا إذَا لَاعَنَتْهُ فَقَدْ قَابَلَتْهُ،

فَلَمْ يَثْبُتْ زِنَاهَا، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا، وَالْفَسْخُ وَاقِعٌ.
وَلَكِنَّ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ لِلرَّجُلِ مُفَارَقَةَ امْرَأَتِهِ إذَا زَنَتْ، وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُمْسِكَ مِثْلَ هَذِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْسِدَ فِرَاشَهُ، وَتُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَعَلَّ مَنْ كَرِهَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إنَّمَا كَرِهَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّحْرِيمِ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ أَحْمَدَ هَذَا.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» . يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى.
وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَأْتِي بِوَلَدٍ مِنْ الزِّنَى فَيُنْسَبُ إلَيْهِ.
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَكْفِي اسْتِبْرَاؤُهَا بِالْحَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّهَا تَكْفِي فِي اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ، وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، أَوْ بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهَا، فَيَكْفِي هَاهُنَا، وَالْمَنْصُوصُ هَاهُنَا مُجَرَّدُ الِاسْتِبْرَاءِ، وَقَدْ حَصَلَ بِحَيْضَةٍ فَيُكْتَفَى بِهَا.

[فَصْلٌ عَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ جَارِيَتِهِ الْفُجُورَ]

(5412) فَصْلٌ: وَإِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ جَارِيَتِهِ الْفُجُورَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَطَؤُهَا؛ لَعَلَّهَا تُلْحِقُ بِهِ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَكْرَهُ أَنْ أَطَأَ أَمَتِي وَقَدْ بَغَتْ.
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ جَنِينٌ لِغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُرَخِّصُ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْفَاجِرَةِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَلَعَلَّ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ كَرِهَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، أَوْ إذَا لَمْ يُحَصِّنْهَا وَيَمْنَعْهَا مِنْ الْفُجُورِ، وَمَنْ أَبَاحَهُ بَعْدَهُمَا، فَيَكُونُ الْقَوْلَانِ مُتَّفِقَيْنِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ خَطَبَ امْرَأَةً فَلَمْ تَسْكُنْ إلَيْهِ]

(5413) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً، فَلَمْ تَسْكُنْ إلَيْهِ، فَلِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا) الْخِطْبَةُ، بِالْكَسْرِ: خِطْبَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لِيَنْكِحهَا.
وَالْخُطْبَةُ، بِالضَّمِّ: هِيَ حَمْدُ اللَّهِ، وَالتَّشَهُّدُ؛ وَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَخْطُوبَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَسْكُنَ إلَى الْخَاطِبِ لَهَا، فَتُجِيبَهُ، أَوْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا فِي إجَابَتِهِ أَوْ تَزْوِيجِهِ، فَهَذِهِ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ خَاطِبِهَا خِطْبَتُهَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إفْسَادًا عَلَى الْخَاطِبِ الْأَوَّلِ، وَإِيقَاعَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

عَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّ قَوْمًا حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالظَّاهِرُ أَوْلَى.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَرُدَّهُ أَوْ لَا تَرْكَنَ إلَيْهِ.
فَهَذِهِ يَجُوزُ خِطْبَتُهَا؛ لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، «أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَخَطَبَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ إخْبَارِهَا إيَّاهُ بِخِطْبَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ لَهَا، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ خِطْبَتِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إضْرَارٌ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَرْأَةَ النِّكَاحَ إلَّا مَنَعَهَا بِخِطْبَتِهِ إيَّاهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَّضَ لَهَا فِي عِدَّتِهَا بِالْخِطْبَةِ، فَقَالَ: لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك.
وَأَشْبَاهَ هَذَا، لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَتُهَا؛ لِأَنَّ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا «لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك.
وَلَمْ يُنْكِرْ خِطْبَةَ أَبِي جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ لَهَا» . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ امْرَأَةً عَلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَعَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَدَخَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي بَيْتِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْطُبُ، وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَمَرْوَانَ يَخْطُبُ، وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابِ قُرَيْشٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَخْطُبُ، وَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَكَشَفَتْ الْمَرْأَةُ السِّتْرَ، فَقَالَتْ: أَجَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَتْ: فَقَدْ أَنْكَحْت أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنْكَحُوهُ.
فَهَذَا عُمَرُ قَدْ خَطَبَ عَلَى وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ فِي الْأَوَّلِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى وَالسُّكُونِ، تَعْرِيضًا لَا تَصْرِيحًا، كَقَوْلِهَا: مَا أَنْتَ إلَّا رِضًى، وَمَا عَنْك رَغْبَةٌ.
فَهَذِهِ فِي حُكْمِ الْقِسْمِ الْأَوَّل، لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا رَكَنَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فَلَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ.
وَالرُّكُونُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالتَّعْرِيضِ تَارَةً، وَبِالتَّصْرِيحِ أُخْرَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إبَاحَةُ خِطْبَتِهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ، حَيْثُ خَطَبَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَزَعَمُوا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهَا رُكُونُهَا إلَى أَحَدِهِمَا.
وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي بِخِطْبَتِهِ لَهَا قَبْلَ سُؤَالِهَا هَلْ وُجِدَ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى أَوْ لَا؟ وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» . وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى بِهِ، وَسُكُونِهَا إلَيْهِ، فَحَرُمَتْ خِطْبَتُهَا، كَمَا لَوْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَرْكَنْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ قَالَ لَهَا: «لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك.
وَفِي لَفْظٍ: لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك.
وَفِي رِوَايَةٍ: إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي.
فَلَمْ تَكُنْ لِتَفْتَاتَ بِالْإِجَابَةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَالثَّانِي، أَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْمُسْتَشِيرَةِ لَهُ فِيهِمَا، أَوْ فِي الْعُدُولِ عَنْهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا، وَلَيْسَ فِي الِاسْتِشَارَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا مَيْلٍ إلَى أَحَدِهِمَا، عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَرْجِعَ إلَى قَوْلِهِ وَرَأْيِهِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهَا بِتَرْكِهِمَا؛ لِمَا ذَكَرِ مِنْ عَيْبِهِمَا، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى رَدِّهَا لَهُمَا، وَتَصْرِيحِهَا بِمَنْعِهِمَا.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَبَقَهُمَا بِخِطْبَتِهَا تَعْرِيضًا، بِقَوْلِهِ لَهَا مَا ذَكَرْنَا، فَكَانَتْ خِطْبَتُهُ بَعْدَهُمَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْخِطْبَةِ السَّابِقَةِ لَهُمَا، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
(5414) فَصْلٌ: وَالتَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالْإِجَابَةِ عَلَى الْوَلِيِّ إنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، وَعَلَيْهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَلَوْ أَجَابَ هُوَ، وَرَغِبَتْ عَنْ النِّكَاحِ، كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَهَا.
وَإِنْ أَجَابَ وَلِيُّهَا، فَرَضِيَتْ، فَهُوَ كَإِجَابَتِهَا، وَإِنْ سَخِطَتْ فَلَا حُكْمَ لِإِجَابَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا.
وَلَوْ أَجَابَ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الْمُجْبَرَةِ، فَكَرِهَتْ الْمُجَابَ، وَاخْتَارَتْ غَيْرَهُ، سَقَطَ حُكْمُ إجَابَةِ وَلِيِّهَا، لِكَوْنِ اخْتِيَارِهَا مُقَدَّمًا عَلَى اخْتِيَارِهِ.
وَإِنْ كَرِهَتْهُ وَلَمْ تُجِزْ سِوَاهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِاسْتِئْمَارِهَا، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَهَا عَلَى مَنْ لَا تَرْضَاهُ.
وَإِنْ أَجَابَتْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ الْإِجَابَةِ وَسَخِطَتْهُ، زَالَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا الرُّجُوعَ.
وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ عَنْ الْإِجَابَةِ، زَالَ حُكْمُهَا؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ مُوَلِّيَتِهِ، مَا لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ.
وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ هِيَ وَلَا وَلِيُّهَا، وَلَكِنْ تَرَكَ الْخَاطِبُ الْخِطْبَةَ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا، جَازَتْ خِطْبَتُهَا؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(5415) فَصْلٌ: وَخِطْبَةُ الرَّجُلِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فِي مَوْضِعِ النَّهْيِ مُحَرَّمَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: هِيَ مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وَهَذَا نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا تَحْرِيمٍ.
وَلَنَا، ظَاهِرُ النَّهْيِ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيمُ، وَلِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْإِضْرَارِ بِالْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ، فَكَانَ عَلَى التَّحْرِيمِ، كَالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ مَالِهِ وَسَفْكِ دَمِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَدَاوُد، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ: هُوَ بَاطِلٌ.
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نِكَاحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَكَانَ بَاطِلًا كَنِكَاحِ الشِّغَارِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ.

[فَصَلِّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ إلَى الْخِطْبَة]

(5416) فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَه لِلْوَلِيِّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ، إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَهُوَ نَائِبٌ عَنْهَا فِي النَّظَرِ لَهَا، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ الرُّجُوعُ الَّذِي رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، كَمَا لَوْ سَاوَمَ فِي بَيْعِ دَارِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِهَا.
وَلَا يُكْرَه لَهَا أَيْضًا الرُّجُوعُ إذَا كَرِهَتْ الْخَاطِبَ؛؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ عُمَرَ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ، فَكَانَ لَهَا الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا، وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا.
وَإِنْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ، كُرِهَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْقَوْلِ، وَلَمْ يُحَرَّمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا، كَمَنْ سَاوَمَ بِسِلْعَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهَا.

[فَصْلٌ إنْ كَانَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ ذِمِّيًّا لَمْ تُحَرَّمْ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ]

(5417) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ ذِمِّيًّا، لَمْ تُحَرَّمْ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يُسَاوِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ اسْتَامَ عَلَى سَوْمِهِمْ، لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِإِخْوَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، لَا لِتَخْصِيصِ الْمُسْلِمِ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ لَفْظَ النَّهْيِ خَاصٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ.
وَلَا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُمْ فِي دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ وَنَحْوِهَا.
وَقَوْلَهُ: خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ.
قُلْنَا: مَتَى كَانَ فِي الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى يَصْحُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْحُكْمِ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ وَلَا تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ، وَلِلْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي وُجُوبِ الِاحْتِرَامِ، وَزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ فِي رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَحِفْظِ قَلْبِهِ، وَاسْتِبْقَاءِ مَوَدَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ التَّعْرِيضُ بِالْخُطْبَةِ فِي الْعِدَّة]

(5418) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ عَرَّضَ لَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، بِأَنْ يَقُولَ: إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ.
وَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ.
وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْكَلَامِ، مِمَّا يَدُلُّهَا عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا، فَلَا بَأْسَ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَدَّاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ، أَوْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ، أَوْ فَسْخٍ لِتَحْرِيمِهَا عَلَى زَوْجِهَا، كَالْفَسْخِ بِرَضَاعٍ، أَوْ لِعَانٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَحِلُّ بَعْدَهُ لِزَوْجِهَا، فَهَذِهِ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235] . وَلِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا لَمَّا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا: إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي.
وَفِي لَفْظٍ: لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك.
وَفِي لَفْظٍ: لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك» . وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا.
وَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَصَّ التَّعْرِيضَ بِالْإِبَاحَةِ، دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ، وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَحْمِلَهَا الْحِرْصُ عَلَيْهِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَالتَّعْرِيضُ بِخِلَافِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، الرَّجْعِيَّةُ، فَلَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا، وَلَا التَّصْرِيحُ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، فَهِيَ كَالَّتِي فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، بَائِنٌ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا نِكَاحُهَا، كَالْمُخْتَلِعَةِ، وَالْبَائِنِ بِفَسْخٍ لَعَيْبٍ أَوْ إعْسَارٍ وَنَحْوِهِ، فَلِزَوْجِهَا التَّصْرِيحُ بِخِطْبَتِهَا وَالتَّعْرِيضُ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ نِكَاحَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَهِيَ كَغَيْرِ الْمُعْتَدَّةِ.
وَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَبِيحَهَا، فَهِيَ كَالرَّجْعِيَّةِ.
وَالْمَرْأَةُ فِي الْجَوَابِ، كَالرَّجُلِ فِي الْخِطْبَةِ، فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ لِلْعَقْدِ، فَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ؛ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالتَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ.
وَرُبَّ رَاغِبٍ فِيك.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إنَّك عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ.
وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ.
وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا أَوْ رِزْقًا.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَنْتِ جَمِيلَةٌ.
وَأَنْتِ مَرْغُوبٌ فِيك.
وَإِنْ قَالَ: لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك.
أَوْ لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك.
أَوْ إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي.
وَنَحْوَ ذَلِكَ، جَازَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: مَاتَ رَجُلٌ، وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ تَتْبَعُ الْجِنَازَةَ، فَقَالَ لَهَا رَجُلٌ: لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك.
فَقَالَتْ: سَبَقَك غَيْرُك.
وَتُجِيبُهُ الْمَرْأَةُ: إنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ.
وَمَا نَرْغَبُ عَنْك.
وَمَا أَشْبَهَهُ.

وَالتَّصْرِيحُ: هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: زَوِّجِينِي نَفْسَك.
أَوْ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك تَزَوَّجْتُك.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] . فَإِنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى سِرًّا، قَالَ الشَّاعِرُ: فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى ... وَلَنْ تُسْلِمُوهَا لِإِزْهَادِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السِّرُّ: الْجِمَاعُ.
وَأَنْشَدَ لِامْرِئِ الْقَيْسِ: أَلَّا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي ... كَبِرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي وَمُوَاعَدَةُ السِّرِّ أَنْ يَقُولَ: عِنْدِي جِمَاعٌ يُرْضِيك.
وَنَحْوَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: رُبَّ جِمَاعٍ يُرْضِيك.
فَنُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْهَجْرِ وَالْفُحْشِ وَالدَّنَاءَةِ وَالسُّخْفِ.

[فَصَلِّ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ أَوْ عَرَّضَ فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا]

(5419) فَصْلٌ: فَإِنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ، أَوْ عَرَّضَ فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا، صَحَّ نِكَاحُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، أَوْ كَمَا لَوْ رَآهَا مُتَجَرِّدَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.

[فَصْلٌ نِكَاح الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا]

(5420) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا بَاطِلٌ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْت جَابِرًا عَنْ الْعَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَهُ، فَقَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ، وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَكِ.
وَلِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ مَعَ أَحْكَامِ الْمِلْكِ يَتَنَافَيَانِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِحُكْمِهِ، يُسَافِرُ بِسَفَرِهِ، وَيُقِيمُ بِإِقَامَتِهِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَيَتَنَافَيَانِ.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ]

(5421) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ.
وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لَهُ فِيهَا مِلْكٌ.
وَلَا يَتَزَوَّجُ مُكَاتَبَتَهُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ.

[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ]

(5422) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ مِلْكٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَلَا تَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ لَهَا.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ أَمَةٍ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ لَهَا، فَمَا هِيَ مُضَافَةٌ إلَيْهِ بِجُمْلَتِهَا شَرْعًا أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أُمِّ سَيِّدِهِ أَوْ سَيِّدَتِهِ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ.
وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يَقْطَعُ وِلَايَتَهُ عَنْ أَبِيهِ وَمَالِهِ، وَلِهَذَا لَا يَلِي مَالَهُ وَلَا نِكَاحَهُ، وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ.

[فَصْلٌ لِلِابْنِ نِكَاحُ أَمَةِ أَبِيهِ]

(5423) فَصْلٌ: وَلِلِابْنِ نِكَاحُ أَمَةِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْقَرَابَاتِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ لِمَمْلُوكِهِ، إذَا قُلْنَا: لَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ.
وَمَتَى مَاتَ الْأَبُ، فَوَرِثَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، انْفَسَخَ النِّكَاح.
وَكَذَلِكَ إنْ مَلَكَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِغَيْرِ الْإِرْثِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: إذَا اشْتَرَى امْرَأَتَهُ لِلْعِتْقِ، فَأَعْتَقَهَا حِينَ مَلَكَهَا، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، فَبِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ لَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُ سَابِقًا عَلَى عِتْقِهَا.
وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ سَيِّدِهِ أَوْ سَيِّدَتِهِ، حُكْمُ الْعَبْدِ، فِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: النِّكَاحُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْهُ، إنَّمَا لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَلِأَنَّهُ لَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ، لَمَا عَادَ بِعَجْزِهِ، كَمَا لَوْ أُعْتِقَ.

[فَصْلٌ مَلَكَتْ الْمَرْأَة زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا]

(5424) فَصْلٌ: وَإِذَا مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ، فَمَتَى أَعْتَقَتْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هِيَ تَطْلِيقَةٌ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْفِظْ بِطَلَاقٍ صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَإِنَّمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ بِوُجُودِ مَا يُنَافِيه، فَأَشْبَهَ انْفِسَاخَهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ رِدَّتِهِ.
وَلَوْ مَلَكَ الرَّجُلُ بَعْضَ زَوْجَتِهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَرُمَ وَطْؤُهَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْمُفْتِينَ، حَتَّى يَسْتَخْلِصَهَا، فَتَحِلَّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَزِدْهُ مِلْكُهُ فِيهَا إلَّا قُرْبًا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْقَى فِي بَعْضِهَا، وَمِلْكُهُ لَمْ يَتِمَّ عَلَيْهَا، وَلَا يَثْبُتُ الْحِلُّ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا نِكَاحَ فِيهِ.

[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْءُ جَارِيَةِ ابْنِهِ]

(5425) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْءُ جَارِيَةِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] . وَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً لَهُ، وَلَا مَمْلُوكَتَهُ، وَلِأَنَّهُ يَحِلُّ لِابْنِهِ وَطْؤُهَا، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ.
فَإِنْ وَطِئَهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ دَاوُد: يُحَدُّ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ كَانَ ابْنُهُ وَطِئَهَا حُدَّ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَلَنَا، أَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ابْنِهِ، وَالْقِصَاصُ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَإِذَا سَقَطَ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، فَالْحَدُّ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يُحَدُّ بِالزِّنَى بِجَارِيَتِهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَإِذَا لَمْ تَعْلَقْ مِنْ الْأَبِ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ الِابْنِ عَنْهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَتُهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ، وَحَرَمَهُ وَطْأَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَتُهُ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ، وَلَا يَجِبُ لَهُ ضَمَانُهَا.
وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَجْنَبِيٍّ بِشُبْهَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ لِأَجْلِ الْمِلْكِ، فَأَشْبَهْت الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ إذَا كَانَ مُوسِرًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ، وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا وَلَا مَهْرُهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ كُلُّهُ، إذَا حُكِمَ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ.
وَهَذَا يُبْنَى عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلِابْنِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ]

(5426) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ.

[فَصْلٌ وَطِئَ الْأَبُ وَابْنُهُ جَارِيَةَ الِابْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَأَتَتْ بِوَلَدِ]

(5427) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ الْأَبُ وَابْنُهُ جَارِيَةَ الِابْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدِ أُرِيَ الْقَافَةَ، فَأُلْحِقُ بِمِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ

مِنْهُمَا، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِوَطْئِهَا.
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا، لَحِقَ بِهِمَا.
وَإِنْ أُولِدَهَا أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا بِوِلَادَتِهَا مِنْهُ صَارَتْ لَهُ أُمِّ وَلَدٍ، لِانْفِرَادِهِ بِإِيلَادِهَا، فَلَا تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَابِضًا لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا، فَأَحْبَلَهَا الْأَبُ، فَالْوَلَدُ وَلَدُهُ، وَالْجَارِيَةُ لَهُ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ فِيهَا شَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الِابْنَ إنْ كَانَ وَطِئَهَا، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَأَخْذُهَا، فَتَكُونُ قَدْ عَلِقَتْ بِمَمْلُوكٍ.
وَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَبَضَهَا، وَلَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا، مَلَكَهَا؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حَاجَتُهُ، فَيَتَمَلَّكُهُ.

[بَاب نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ]

ِ أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، يُقَرُّونَ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فِي الْحَالِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى صِفَةِ عَقْدِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ الْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ، وَصِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَلَا كَيْفِيَّتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ، فَكَانَ يَقِينًا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، أُقِرَّ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَأَحَدِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ أَوْ السَّبَبِ، أَوْ الْمُعْتَدَّةِ، وَالْمُرْتَدَّةِ، وَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، لَمْ يُقَرَّ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، أُقِرَّا؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا.

[مَسْأَلَة أَسْلَمَ الْوَثَنِيُّ وَقَدْ تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ وَثَنِيَّات وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ أَوْ الْمَجُوسِيَّيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ]

(5428) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَإِذَا أَسْلَمَ الْوَثَنِيُّ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، بِنَّ مِنْهُ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَانَ حَلَالًا، أَوْ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا إنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا حَرَامًا.
وَلَوْ أَسْلَمَ النِّسَاءُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ، بِنَّ مِنْهُ أَيْضًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ.
فَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعًا، فَهُنَّ زَوْجَاتٌ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَنْ لَمْ تُسْلِمْ مِنْهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ:

(5429) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ أَوْ الْمَجُوسِيَّيْنِ، أَوْ كِتَابِيٌّ مُتَزَوِّجٌ بِوَثَنِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حِينِ إسْلَامِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لَا طَلَاقًا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ، بَلْ إنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَام عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ أَبَى وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَفَ ذَلِكَ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ.
فَإِنْ كَانَ الْإِبَاءُ مِنْ الزَّوْجِ، كَانَ طَلَاقًا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ، فَكَانَ طَلَاقًا، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ، كَانَ فَسْخًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ، وَإِلَّا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلَنَا، أَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِقْرَارَ عَلَى النِّكَاحِ، فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ، كَالرِّدَّةِ.
وَعَلَى مَالِكٍ كَإِسْلَامِ الزَّوْجِ، أَوْ كَمَا لَوْ أَبَى الْآخِرُ الْإِسْلَامَ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَيْسَ لَهُ إمْسَاكُ كَافِرَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، فَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا فِي نِكَاحِ مُشْرِكٍ.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّهَا فُرْقَةُ فَسْخٍ، أَنَّهَا فُرْقَةٌ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، فَكَانَ فَسْخًا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَأَبَتِ الْمَرْأَةُ، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي الْفُرْقَةَ إذَا حَصَلَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِإِسْلَامِ الزَّوْجِ]

(5430) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْفُرْقَةَ إذَا حَصَلَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِإِسْلَامِ الزَّوْجِ، فَلِلْمَرْأَةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةً، أَوْ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً، مِثْلُ أَنْ يُصْدِقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِإِسْلَامِ الْمَرْأَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ وَامْتِنَاعِهِ مِنْهُ، وَهِيَ فَعَلَتْ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا، فَكَانَ لَهَا نِصْفُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَجُوسِيٍّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِامْرَأَتِهِ: لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ.
وَوَجْهُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ حَصَلَ بِإِسْلَامِهَا، فَكَانَتْ الْفُرْقَةُ حَاصِلَةً بِفِعْلِهَا، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ، وَيُفَارِقُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فَدَخَلَتْ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.

[الْفَصْلُ الثَّالِث الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا]

(5431) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.
ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ اخْتِلَافُ دِينٍ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي.
فَرَدَّهَا عَلَيْهِ» وَيُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهُمَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لِئَلَّا يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيَفْسُدَ النِّكَاحُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ، كَالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ كُلِّهِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ، لَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، إلَّا فِي الشَّاذِّ النَّادِرِ، فَيَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ.

[الْفَصْلُ الرَّابِع إسْلَامُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ]

(5432) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ الْعِدَّةِ وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَنَصَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا كَقَوْلِهِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَحَصَلَتْ الْفُرْقَةُ، لَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ، عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ، وَإِلَّا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَهُ وَقَفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّ مَا يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ لَا يَخْتَلِفُ بِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، كَالرَّضَاعِ وَلَنَا، مَا رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ إسْلَامِ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ، أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَبَقِيَ صَفْوَانُ حَتَّى شَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ،

فَلَمْ يُفَرِّقْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ وَقَالَ ابْن شِهَابٍ: أَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ حَتَّى أَتَى الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيُمْنَ، فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ، وَقَدِمَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ قَبْلَ الرَّجُلِ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا.
وَلِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ خَرَجَ فَأَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ، وَلَمْ تُسْلِمْ هِنْدُ امْرَأَتُهُ حَتَّى فَتَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ، فَثَبَتَا عَلَى النِّكَاحِ.
وَأَسْلَمَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَبْلَ امْرَأَتِهِ.
وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَلَقِيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ بِالْأَبْوَاءِ فَأَسْلَمَا قَبْلَ نِسَائِهِمَا وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَتَّفِقَ إسْلَامُهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَيُفَارِقُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ لَا عِدَّةَ لَهَا فَتَتَعَجَّلُ الْبَيْنُونَةُ، كَالْمُطَلَّقَةِ وَاحِدَةً، وَهَاهُنَا لَهَا عِدَّةٌ، فَإِذَا انْقَضَتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الْفُرْقَةِ مِنْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى عِدَّةٍ ثَانِيَةٍ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ، فَتُحْتَسَبُ الْفُرْقَةُ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ.

[الْفَصْلُ الْخَامِس أَسْلَمَ أُحُد الزَّوْجَيْنِ وَتَخَلَّفَ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ]

(5433) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
وَتَخَلَّفَ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا، إلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ، شَذَّ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، زَعَمَ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى زَوْجِهَا، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحِهَا الْأَوَّلِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَاحْتَجَّ

بِهِ أَحْمَدُ.
قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ يُرْوَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ.
وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ إسْلَامِهَا وَرَدِّهَا إلَيْهِ ثَمَانِ سِنِينَ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وَالْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى تَحْرِيمِ تَزَوُّجِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ.
فَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ، فَتَكُونَ مَنْسُوخَةً بِمَا جَاءَ بَعْدَهَا، أَوْ تَكُونَ حَامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُهَا حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا، أَوْ مَرِيضَةً لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ حَتَّى أَسْلَمَ، أَوْ تَكُونَ رُدَّتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فِي (سُنَنِهِ) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: سَمِعْت عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْت يَزِيدَ بْنَ هَارُونُ يَقُولُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ.

[فَصْلٌ وَقَعْت الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ]

(5434) فَصْلٌ: وَإِذَا وَقَعْت الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ، الدُّخُولِ، فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءِ، فَإِنْ كَانَ مُسَمًّى صَحِيحًا، فَهُوَ لَهَا؛ لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، يَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا، وَقَدْ قَبَضَتْهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِمَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَمُسْلِمَةٍ، وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ صَارَتْ أَحْكَامُهُمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْقَاءِ نِكَاحِهَا، وَاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا، بِإِسْلَامِهِ مَعَهَا، فَكَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالرَّجْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ قَبْلَهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى اسْتِبْقَاءِ نِكَاحِهَا، وَتَلَافِي حَالِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا أَوْ لَمْ تُسْلِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ تُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، فَكَيْفَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْبَائِنِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَلَافِيَ نِكَاحِهَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ: الرَّجْعِيَّةُ جَرَّتْ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِسَبَبٍ مِنْهُ، وَهَذِهِ السَّبَبُ مِنْهَا؟ قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهَا مُضَيِّقًا، وَيُمْكِنُهُ تَلَافِيهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مَهْرُهَا جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَمْكَنَهُ تَلَافِيهِ.

[فَصْلٌ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي زَمَنِ إسْلَامِهِمَا]

(5435) فَصْلٌ: فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ، لَا يَخْلُو اخْتِلَافُهُمَا مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ (5436) : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَتَقُولُ هِيَ: بَلْ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ.
فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ؛ إذْ يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الظَّاهِرُ مَعَهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالْفَسْخُ طَارِئٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الْأَصْلَ كَالْمُنْكِرِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ (5437) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْت قَبْلِي، فَلَا صَدَاقَ لَكَ.
وَتَقُولُ هِيَ: أَسْلَمْت قَبْلِي، فَلِي نِصْفُ الصَّدَاقِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ، وَالزَّوْجُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهِرٌ فَبَقِيَ.
فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَلَا يَعْلَمَانِ عَيْنَهُ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
كَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْ، فَلَا شَيْءَ؛ لَهَا لِأَنَّهَا تَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا، فَلَا تَسْتَحِقُّ بِالشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ، وَلَا يَرْجِعُ مَعَ الشَّكِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ، وَكَذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَهَذِهِ قَدْ كَانَ صَدَاقُهَا وَاجِبًا لَهَا، وَشَكَّا فِي سُقُوطِهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْوُجُوبِ.

وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَفِيهِ أَيْضًا مَسْأَلَتَانِ؛ (5438) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنْ يَقُولَ: أَسْلَمْنَا مَعًا.
أَوْ أَسْلَمَ الثَّانِي فِي الْعِدَّةِ، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَتَقُولَ هِيَ: بَلْ أَسْلَمَ الثَّانِي بَعْدَ الْعِدَّةِ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ.
وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِ الثَّانِي (5439) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ تَقُولَ: أَسْلَمْت قَبْلَكَ، فَلِي نَفَقَةُ الْعِدَّةِ.
وَيَقُولَ هُوَ: أَسْلَمْت قَبْلَكَ فَلَا نَفَقَةَ لَك فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ.
وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْت بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ إسْلَامِي، فَلَا نَفَقَةَ لَك فِيهِمَا.
وَقَالَتْ: بَعْدَ شَهْرٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِهَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي.
فَأَمَّا إنْ ادَّعَى هُوَ مَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ، وَأَنْكَرَتْهُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِزَوَالِ نِكَاحِهِ وَسُقُوطِ حَقِّهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، فَكَذَّبَتْهُ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ]

(5440) فَصْلٌ: وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا اتَّفَقَتْ الدَّارَانِ أَوْ اخْتَلَفَتَا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَدَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَعَقَدَ الذِّمَّةَ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ؛ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَيَقْتَضِي مَذْهَبُهُ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا فِعْلًا وَحُكْمًا، فَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَنَا، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَامْرَأَتُهُ بِمَكَّةَ لَمْ تُسْلِمْ، وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ، وَأُمُّ حَكِيمٍ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ إلَى الْيَمَنِ، وَامْرَأَةُ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَالدَّارِ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ كَالْبَيْعِ، وَيُفَارِقُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّ الْقَاطِعَ لِلنِّكَاحِ اخْتِلَافُ الدِّينِ، الْمَانِعُ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى النِّكَاحِ، دُونَ مَا ذَكَرُوهُ فَعَلَى هَذَا، لَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ حَرْبِيَّةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، صَحَّ نِكَاحُهُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ يُبَاحُ نِكَاحُهَا إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأُبِيحَ نِكَاحُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَالْمُسْلِمَةِ.

[مَسْأَلَة نَكَحَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ ثُمَّ أَصَابَهُنَّ ثُمَّ أَسْلَمَ]

(5441) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ نَكَحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثُمَّ أَصَابَهُنَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي عِدَّتِهَا، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَفَارَقَ مَا سِوَاهُنَّ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ أَوْ آخِرَهُنَّ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ، وَمَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ، أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهُنَّ كُلِّهِنَّ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَلَا يَمْلِكُ إمْسَاكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ.
فَإِذَا أَحَبَّ ذَلِكَ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ، سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ فِي عُقُودٍ، وَسَوَاءٌ اخْتَارَ الْأَوَائِلَ أَوْ الْأَوَاخِرَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُ جَمِيعِهِنَّ، وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ، فَنِكَاحُ الْأَوَائِلِ صَحِيحٌ، وَنِكَاحُ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا تَنَاوَلَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَتَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ مُخَيَّرًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَيْنِ فِي حَالِ الْكُفْرِ، ثُمَّ أَسْلَمَا

وَلَنَا، مَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: «أَسْلَمْت وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سُوَيْد الثَّقَفِيُّ، «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، غَلِطَ فِيهِ مَعْمَرٌ، وَخَالَفَ فِيهِ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ.
كَذَلِكَ قَالَ الْحُفَّاظُ؛ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَلِأَنَّ كُلَّ عَدَدٍ جَازَ لَهُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، جَازَ لَهُ إمْسَاكُهُ بِنِكَاحٍ مُطْلَقٍ فِي حَالِ الشِّرْكِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهُنَّ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجَيْنِ، فَنِكَاحُ الثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا مَلَّكَتْهُ مِلْكَ غَيْرِهَا.
وَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُمَلِّكْهُ جَمِيعَ بُضْعِهَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَائِعِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا اخْتِيَارُ النِّكَاحِ وَفَسْخُهُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ.
(5442) فَصْلٌ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا فَمَا دُونَ، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ، أَوْ يُفَارِقَ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ غَيْلَانَ وَقَيْسًا بِالِاخْتِيَارِ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى نِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِنْ أَبَى، أُجْبِرَ، بِالْحَبْسِ وَالتَّعْزِيرِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَيْهِ يُمْكِنُهُ إيفَاؤُهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ، كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي إذَا امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ هَاهُنَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الزَّوْجَاتُ بِاخْتِيَارِهِ وَشَهْوَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ فَيَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمُولِي، فَإِنَّ الْحَقَّ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ الْحَاكِمُ إيفَاءَهُ، وَالنِّيَابَةُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ فِيهِ.
فَإِنْ جُنَّ خُلِّيَ حَتَّى يَعُودَ عَقْلُهُ، ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ؛ لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ أَيَّتَهُنَّ اخْتَارَ جَازَ.

[فَصْلٌ زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا]

(5443) فَصْلٌ: وَلَوْ زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ الِاخْتِيَارُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالشَّهْوَةِ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهِ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ حِينَئِذٍ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ إلَى أَنْ يَخْتَارَ.

[فَصْلٌ مَاتَ الزَّوْج قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ وَعَلَى جَمِيعهنَّ الْعِدَّةُ]

(5444) فَصْلٌ: فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ، لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَاكِمِ، وَعَلَى جَمِيعِهِنَّ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَاتِ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُنَّ، فَمَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ، وَمَنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ

أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ؛ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ الْعِدَّتَيْنِ فِي حَقِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، فَعِدَّتُهَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ، مِنْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ بِيَقِينٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَارَةً أَوْ مُفَارِقَةً، وَعِدَّةُ الْمُخْتَارَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَعِدَّةُ الْمُفَارِقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فَأَوْجَبْنَا أَطْوَلَهُمَا، لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ بِيَقِينِ، كَمَا قُلْنَا فِي مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ، لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا: عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا الْمِيرَاثُ، فَإِنْ اصْطَلَحْنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ جَائِزٌ كَيْفَمَا اصْطَلَحْنَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُنَّ، وَإِنْ أَبَيْنَ الصُّلْحَ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَتَكُونَ الْأَرْبَعُ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ وَعِنْد الشَّافِعِيِّ، يُوقَفُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ.
وَأَصِلُ هَذَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ صِفَةُ اخْتِيَارِ مِنْ يَثْبُت نِكَاحهنَّ]

(5445) فَصْلٌ: وَصِفَةُ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَقُولَ: اخْتَرْت نِكَاحَ هَؤُلَاءِ، أَوْ اخْتَرْت هَؤُلَاءِ، أَوْ أَمْسَكْتهنَّ، أَوْ اخْتَرْت حَبْسَهُنَّ، أَوْ إمْسَاكَهُنَّ، أَوْ نِكَاحَهُنَّ، أَوْ أَمْسَكْت نِكَاحَهُنَّ، أَوْ ثَبَّتُّ نِكَاحَهُنَّ، أَوْ أَثْبَتُّهُنَّ.
وَإِنْ قَالَ لِمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ: فَسَخْت نِكَاحَهُنَّ.
كَانَ اخْتِيَارًا لِلْأَرْبَعِ.
وَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَوْجَةٍ.
وَإِنْ قَالَ: قَدْ فَارَقْت هَؤُلَاءِ، أَوْ اخْتَرْت فِرَاقَ هَؤُلَاءِ.
فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ، كَانَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغَيْلَانَ: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفِرَاقِ صَرِيحًا فِيهِ، كَمَا كَانَ لَفْظُ الطَّلَاقِ صَرِيحًا فِيهِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: فَعَمَدْت إلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً، فَفَارَقْتهَا.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَخَصُّ بِهَذَا اللَّفْظِ.
فَيَجِبُ أَنْ يُتَخَصَّصَ فِيهِ بِالْفَسْخِ.
وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهُنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ عِنْد الْإِطْلَاقِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُفَارِقَاتِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِلْكٍ، فَيَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَوَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ أَيْضًا اخْتِيَارًا لَهَا.
وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا، لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ.
وَإِنْ قَذَفَهَا، لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ.

[فَصْلٌ اخْتَارَ الزَّوْج مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ]

(5446) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ، فَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ اخْتَارَ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ،

كَمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ فِيهِنَّ، وَعِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ مِنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَى الْمُخْتَارَاتِ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْمُفَارِقَاتِ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ اخْتَارَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ، أَوْ اخْتَارَ تَرْكَ الْجَمِيعِ، أُمِرَ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ، أَوْ تَمَامِ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ الزَّوْجَاتِ لَا يَبِنَّ مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِذَا طَلَّقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَقَعَ طَلَاقُهُ بِهِنَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ، لِاخْتِيَارِهِ لَهُنَّ، وَتَكُونُ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ مِنْ حِينَ طَلَّقَ، وَعِدَّةُ الْبَاقِيَاتِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، كُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهِنَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي.
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا، فَمَتَى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْبَاقِيَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَطْلُقْنَ مِنْهُ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْمُطَلَّقَاتُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ وَلَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، أُمِرَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فَإِذَا اخْتَارَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ، لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ، وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ وَبَانَ الْبَوَاقِي مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ، وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُطَلَّقَاتٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا، أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ تَجَدَّدَ لَهُ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا طَلَّقَهُنَّ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ، وَالطَّلَاقُ يَصْلُحُ اخْتِيَارًا، وَقَدْ أَوْقَعَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُنَّ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَصِرْنَا إلَى الْقُرْعَةِ، لِتَسَاوِي الْحُقُوقِ (5447) فَصْلٌ: إذَا أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ، وَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُنَّ بِنَّ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ، تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا أَسْلَمْنَ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ غَيْرَ نِسَائِهِ، وَإِنْ آلَى مِنْهُنَّ، أَوْ ظَاهَرَ، أَوْ قَذَفَ تَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ زَوْجِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَجْنَبِيَّةً.
فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا، وَكَانَ وَطْؤُهُ لَهَا وَطْئًا لِمُطَلَّقَتِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرَهَا، فَوَطْؤُهُ لَهَا وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ فَأَسْلَمَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْهُنَّ، أَوْ أَقَلُّ فِي عِدَّتِهِنَّ، وَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي، تَعَيَّنَتْ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْمُسْلِمَاتِ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْبَوَاقِي، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ بِهِنَّ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ]

(5448) فَصْلٌ: إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ، فَلَهُ اخْتِيَارُهُنَّ، وَلَهُ الْوُقُوفُ إلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي.
فَإِنْ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل