المغني لابن قدامةصفحات 13-52
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 13-52
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ، وَكَذَلِكَ عَدَدُهُ، فَإِنْ نَوَى عَدَدًا فَهُوَ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، كَالْيَمِينِ.

[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ]

(8182) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ، رَكِبَ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.» وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَشْيُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَشْيَ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ، هُوَ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِذَا أَطْلَقَ النَّاذِرُ، حُمِلَ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، وَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِيهِ؛ لِنَذْرِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ، رَكِبَ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ.
وَأَفْتَى بِهِ عَطَاءٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَرْكَبَ، وَتُهْدِيَ هَدْيًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَزِمَهُ هَدْيٌ، كَتَارِكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَيَرْكَبُ مَا مَشَى وَيَمْشِي مَا رَكِبَ.
وَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَادَ فَقَالَ: وَيُهْدِي.
وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَعَنْ النَّخَعِيِّ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ.
وَالثَّانِيَةُ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ هَدْيٌ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ أَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَقَلُّ الْهَدْيِ شَاةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ كَفَّارَةٌ بِحَالٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ مَشْيًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ شَيْءٌ.
وَلَنَا، «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ: لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» . وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . وَلِأَنَّ الْمَشْيَ مِمَّا لَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ، فَلَمْ يَجِبْ الدَّمُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكَهُمَا، وَحَدِيثُ الْهَدْيِ ضَعِيفٌ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَجْزِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَجْزِ.
قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ قُرْبَةٌ، لِأَنَّهُ مَشْيٌ إلَى عِبَادَةٍ، وَالْمَشْيُ إلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَلِهَذَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ.» فَلَوْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الْمَشْيِ، لَأَمَرَهَا بِهِ.
وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالرُّكُوبِ وَالتَّكْفِيرِ، وَلِأَنَّ الْمَشْيَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا؛ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا، لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا، لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِتَرْكِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ هَاهُنَا.
وَتَرْكُ ذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ؛ إمَّا لِعِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَالِهَا وَعَجْزِهَا، وَإِمَّا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمَرْأَةِ الْعَجْزُ عَنْ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ.
أَوْ يَكُونُ قَدْ ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ فَتَرَكَ الرَّاوِي ذِكْرَهُ.
وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْحَجِّ.
قُلْنَا: الْمَشْيُ لَمْ يُوجِبْهُ الْإِحْرَامُ، وَلَا هُوَ مِنْ مَنَاسِكِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ هَدْيٌ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَجِّ، فَلَمْ يُصَلِّهِمَا.
فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الْمَشْيَ مَعَ إمْكَانِهِ، فَقَدْ أَسَاءَ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَيْضًا؛ لِتَرْكِهِ صِفَةَ النَّذْرِ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَلْزَمَهُ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ مَاشِيًا؛ لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا فَأَتَى بِهِ مُتَفَرِّقًا.
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ بَعْدَ الْحَجِّ، كَفَّرَ، وَأَجْزَأَهُ.
وَإِنْ مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ، وَرَكِبَ بَعْضًا، فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَنْ يَحُجَّ فَيَمْشِيَ مَا رَكِبَ، وَيَرْكَبَ مَا مَشَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إلَّا حَجٌّ يَمْشِي فِي جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضِي هَذَا.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْمَشْيِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الْحَجِّ، وَلَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ فِي مَوْضِعٍ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِتَرْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْتَّحَفِّي وَشِبْهَهُ، وَفَارَقَ التَّتَابُعَ فِي الصِّيَامِ؛ فَإِنَّهَا صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيهِ، اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَاتِ، كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ وَالْيَمِينِ.

[فَصْلٌ نَذَرَ الْحَجَّ رَاكِبًا]

(8183) فَصْلٌ: فَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ رَاكِبًا، لَزِمَهُ الْحَجُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْفَاقًا فِي الْحَجِّ فَإِنْ تَرَكَ الرُّكُوبَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرَفُّهِهِ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ وَقَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَاجِبَ بِتَرْكِ النَّذْرِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْهَدْيِ، إلَّا أَنَّ هَذَا إذَا مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ مَعَ إمْكَانِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا قُرْبَةٍ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ نَذَرَ الْمَشْيَ فِيهِ أَوْ الرُّكُوبَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ، فَيَلْزَمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْفَرْضِ، وَالْحَجُّ الْمَفْرُوضُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ يَجِبُ كَذَلِكَ.
وَيُحْرِمُ لِلْمَنْذُورِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ لِلْوَاجِبِ.
قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ كَذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ وَالْإِحْرَامُ الْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَيَلْزَمُهُ الْمَنْذُورُ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقِضَاءُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: يَرْكَبُ فِي الْحَجِّ إذَا رَمَى، وَفِي الْعُمْرَةِ إذَا سَعَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يُفْسِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَجِّ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ.

[فَصْلٌ نَذْر الْمَشْي إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الرُّكُوب إلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ حَقِيقَة الْمَشْي وَالرُّكُوب]

(8184) فَصْلٌ: وَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ الرُّكُوبَ إلَيْهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، إنَّمَا أَرَادَ إتْيَانَهُ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ، لَزِمَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مَشْيٌ وَلَا رُكُوبٌ؛ لِأَنَّهُ عَنَى ذَلِكَ بِنَذْرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ.
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ، أَوْ يَذْهَبَ إلَيْهِ، لَزِمَهُ إتْيَانُهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إتْيَانِهِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ.
وَلَنَا؛ أَنَّهُ عَلَّقَ نَذْرَهُ بِوُصُولِ الْبَيْتِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ.
وَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ أَوْ يَزُورَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَحْصُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ.
لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَسَقَطَ شَرْطُهُ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ.
يَقْتَضِي حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، وَشَرْطُ سُقُوطِ ذَلِكَ يُنَاقِضُ نَذْرَهُ، فَسَقَطَ حُكْمُهُ.

[فَصْلٌ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ أَوْ بُقْعَةٍ مِنْهُ]

(8185) فَصْلٌ: إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ، أَوْ بُقْعَةٍ مِنْهُ، كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ، أَوْ مَوْضِعٍ فِي الْحَرَمِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ أَوْ عُمْرَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْذُرَ الْمَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ، أَوْ إلَى مَكَّةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ إنَّ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْحَرَمِ، أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَقَوْلِنَا، وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَنَا، أَنَّهُ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ أَشْبَهَ النَّذْرَ إلَى مَكَّةَ.
فَأَمَّا إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ، كَعَرَفَةَ،

وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ.
وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ.
وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ، لَزِمَهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَشْيِ، فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخُصُّ مَكَانًا دُونَ مَكَان، فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَوْضِعِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا عَنْ اللَّيْثِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِمَوْضِعٍ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ، مَشَى إلَيْهِ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدٍ بَعِيدٍ لَشَدَّ الرَّحْلَ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، فَلَا يَكُونُ فِعْلُهَا فِيمَا نَذَرَ فِعْلَهَا فِيهِ قُرْبَةً، فَلَا تَلْزَمُهُ بِنَذْرِهِ، وَفَارَقَ مَا لَوْ نَذَرَ الْعِبَادَةَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ فِعْلُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَيَّنَ لِعِبَادَتِهِ زَمَنًا وَوَقْتًا مُعَيَّنًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَكَانًا وَمَوْضِعًا، وَالنُّذُورُ مَرْدُودَةٌ إلَى أُصُولِهَا فِي الشَّرْعِ، فَتَعَيَّنَتْ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ.

[فَصْلٌ نَذْر الْمَشْي إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا وَلَمْ يُعِينهُ]

(8186) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ الْمَخْصُوصُ بِالْقَصْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَإِطْلَاقُ بَيْتِ اللَّهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْعُرْفِ، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ النَّذْرِ.

[فَصْلٌ نَذْرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى]

(8187) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَبِينُ لِي وُجُوبُ الْمَشْي إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ بِإِتْيَانِ بَيْتِ اللَّهِ فَرْضٌ، وَالْبِرَّ بِإِتْيَانِ هَذَيْنِ نَفْلٌ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.» وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَيَلْزَمُ الْمَشْيُ إلَيْهِ بِالنَّذْرِ، كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ قُرْبَةٍ تَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلُ فِي الْوُجُوبِ، كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ، وَيَلْزَمُهُ بِهَذَا النَّذْرِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَتَاهُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ، وَإِنَّمَا تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرُهُ، كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، وَنَذْرُ الصَّلَاةِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ، كَمَا أَنَّ نَذْرَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ بِالنَّذْرِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ؛ بِدَلِيلِ نَذْرِ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ.

وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» . وَإِذَا كَانَ فَضِيلَةً وَقُرْبَةً، لَزِمَ بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ طُولَ الْقِرَاءَةِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِنَذْرِهَا، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَهُمْ.

[فَصْلٌ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام]

(8188) فَصْلٌ: وَإِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَمْ تُجْزِئْهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَخَيْرُهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَوَابًا لِلْمُصَلِّي فِيهَا.
وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، أَنَّ «رَجُلًا يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا.
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا.
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا.
ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنُك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ صَلَّيْت هَا هُنَا لَأَجْزَأَ عَنْك كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ» . وَإِنْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَالصَّلَاةَ فِيهِ، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَفِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ.
وَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، لَمْ يُجْزِئْهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؛ لِأَنَّهُ مَفْضُولٌ.
وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ.

[فَصْلٌ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا]

(8189) فَصْلٌ: وَإِنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا، وَجَبَ الْقَضَاءُ مَاشِيًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، لَكِنْ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ، مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَالرَّمْيِ، وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَيَمْشِي بِالْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا، حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْهُ.

[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَة]

(8190) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا) يَعْنِي: لَا تُجْزِئُهُ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ، وَهِيَ الَّتِي تُجْزِئ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ، وَالْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَذَلِكَ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: يُجْزِئُهُ أَيُّ رَقَبَةٍ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مَعِيبَةً، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ.

وَلَنَا، أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَذْرِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ.
فَأَمَّا إنْ نَوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا، أَجْزَأَهُ عِتْقُهَا، أَيَّ رَقَبَةٍ كَانَتْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ.
وَإِنْ نَوَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّقَبَةِ، أَجْزَأَهُ مَا نَوَاهُ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالنِّيَّةِ، كَمَا يَتَقَيَّدُ بِالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ: تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ عَبْدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ فَاتَهُ، عَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ فِي الْفَائِتِ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ.

[فَصْلٌ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا]

(8191) فَصْلٌ: وَإِذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ.
وَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِلَفْظِهِ، أَوْ نِيَّتِهِ، أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، جَلِيلًا كَانَ أَوْ حَقِيرًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى هَدْيًا، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً» . وَإِنَّمَا صَرَفْنَا الْمُطْلَقَ إلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ، لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَى الِاسْمِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ، لَزِمَتْهُ صَلَاةٌ شَرْعِيَّةٌ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ.
وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً، أَوْ بَقَرَةً، أَوْ قَالَ: شَاةً لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ الَّذِي عَيَّنَهُ.
فَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَهُ ثَنِيَّةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ ثَنِيٌّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْإِبِلِ، فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودٍ الشَّرْعِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْبَقَرَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنَةِ، وَكَذَلِكَ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْبَقَرَةِ أَوْ الْغَنَمِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الْخِرَقِيِّ، جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: وَمِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَذَبَحَ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ، أَجْزَأَهُ.
فَإِنْ نَوَى بِنَذْرِهِ بَدَنَةً مِنْ الْإِبِلِ، لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهَا مَعَ وُجُودِهَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِإِيجَابِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ فَإِنَّهَا انْصَرَفَتْ إلَى الْإِبِلِ بِمَعْهُودِ الشَّرْعِ، وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ فِيهَا أَنْ تَقُومَ الْبَقَرَةُ مَقَامَهَا.
فَأَمَّا إنْ نَوَاهَا مِنْ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهِ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، كَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ وَكَذَلِكَ إنْ صَرَّحَ بِهَا فِي نَذْرِهِ.
مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ نَاقَةً.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَقُومَ الْبَقَرَةُ مَقَامَهَا عِنْدَ عَدَمِهَا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ هَدْيًا شَرْعِيًّا، وَالْهَدْيُ الشَّرْعِيُّ لَهُ بَدَلٌ.

[فَصْلٌ وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ]

(8192) فَصْلٌ: وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا، لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْهَدْيِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] . فَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا بِنَذْرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أُهْدِي شَاةً، أَوْ ثَوْبًا، أَوْ بُرًّا، أَوْ ذَهَبًا.
وَكَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، حُمِلَ إلَى الْحَرَمِ، فَفُرِّقَ فِي مَسَاكِينِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ دَارِي هَذِهِ، أَوْ أَرْضِي، أَوْ شَجَرَتِي هَذِهِ.
بِيعَتْ، وَبُعِثَ بِثَمَنِهَا إلَى الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إهْدَاؤُهُ بِعَيْنِهِ، فَانْصَرَفَ بِذَلِكَ إلَى بَدَلِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا، فَقَالَ: تَبِيعُهَا، وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَنْذُورُ مِمَّا يُنْقَلُ، لَكِنْ يَشُقُّ نَقْله، كَخَشَبَةٍ ثَقِيلَةٍ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهَا؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ نَقْلِهَا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا كُلْفَةَ فِي نَقْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُ بِنَفْسِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ، نُظِرَ إلَى الْحَظِّ لِلْمَسَاكِينِ فِي بَيْعِهِ فِي بَلَدِهِ، أَوْ نَقْلِهِ لِيُبَاعَ ثَمَّ.
وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ، بِيعَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ.

[فَصْلٌ نَذْر أَنْ يُهْدِي إلَى غَيْر مَكَّة كَالْمَدِينَةِ أَوْ الثُّغُور أَوْ يَذْبَح بِهَا]

(8193) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ، كَالْمَدِينَةِ، أَوْ الثُّغُورِ، أَوْ يَذْبَحَ بِهَا، لَزِمَهُ الذَّبْحُ، وَإِيصَالُ مَا أَهْدَاهُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَتَفْرِقَةُ الْهَدْيِ وَلَحْمِ الذَّبِيحَةِ عَلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ مَا لَا يَجُوزُ النَّذْرُ لَهُ، كَكَنِيسَةٍ، أَوْ صَنَمٍ، أَوْ نَحْوِهِ، مِمَّا يُعَظِّمُهُ الْكُفَّارُ أَوْ غَيْرُهُمْ، مِمَّا لَا يَجُوزُ تَعْظِيمُهُ، كَشَجَرَةٍ، أَوْ قَبْرٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ عَيْنِ مَاءٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، قَالَ: «نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ . قَالُوا: لَا.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِك» . وَلِأَنَّهُ ضَمَّنَ نَذْرَهُ نَفْعَ فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، بِإِيصَالِ اللَّحْمِ إلَيْهِمْ، وَهَذِهِ قُرْبَةٌ.
فَتَلْزَمُهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ كَانَ بِهَا شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا، لَمْ يَجُزْ النَّذْرُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ، أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ؟» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهَا ذَلِكَ، لَمَنَعَهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعْظِيمًا لِغَيْرِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ، يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْكُفَّارِ لِلْأَصْنَامِ، فَحَرُمَ، كَتَعْظِيمِ الْأَصْنَامِ، وَلِذَلِكَ لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَّخِذَاتِ عَلَى الْقُبُورِ الْمَسَاجِدَ وَالسَّرْجِ، وَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . يُحَذِّرُ

مِثْلَمَا صَنَعُوا.
وَعَلَى هَذَا نَذْرُ الشَّمْعِ وَالزَّيْتِ، وَأَشْبَاهِهِ، لِلْأَمَاكِنِ الَّتِي فِيهَا الْقُبُورُ، لَا يَصِحُّ.

[فَصْلٌ نَذْرَ الذَّبْحَ بِمَكَّة]

(8194) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ الذَّبْحَ بِمَكَّةَ، فَهُوَ كَنَذْرِ الْهَدْيِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النَّذْرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ، وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ فِي الذَّبْحِ الْوَاجِبِ بِهَا أَنْ يُفَرَّقَ اللَّحْمُ بِهَا.

[مَسْأَلَةٌ نَذْر صِيَام شَهْر مِنْ يَوْم يَقْدَم فُلَان فَقَدِمَ أَوَّل يَوْم مِنْ شَهْر رَمَضَانَ]

(8195) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ نَذْرَ هَذَا مُنْعَقِدٌ، لَكِنَّ صِيَامَهُ يُجْزِئُ عَنْ النَّذْرِ وَرَمَضَانَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمًا فِي وَقْتٍ، وَقَدْ صَامَ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ النَّذْرَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ؛ لِأَنَّ نَذْرَهُ وَافَقَ زَمَنًا يُسْتَحَقُّ صَوْمُهُ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ، كَنَذْرِ صَوْمِ رَمَضَانَ.
قَالَ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي صِحَّةُ النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا، فَانْعَقَدَ، كَمَا لَوْ وَافَقَ شَعْبَانَ.
فَعَلَى هَذَا يَصُومُ رَمَضَانَ، ثُمَّ يَقْضِي، وَيُكَفِّرُ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ.
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَذْرَهُ انْعَقَدَ عِنْدَهُ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ صَوْمُهُ عَنْ نَذْرِهِ.
وَقَدْ نَقَلَ أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَأَحْرَمَ عَنْ النَّذْرِ، وَقَعَتْ عَنْ الْمَفْرُوضِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ، قَالَ: يُجْزِئُ لَهُمَا جَمِيعًا.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَقْضِي حِجَّتَهُ عَنْ نَذْرِهِ وَعَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، أَلَيْسَ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ مِنْ الْعَصْرِ وَالنَّذْرِ؟ قَالَ: فَذَكَرْت قَوْلِي لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَصَبْت وَأَحْسَنْت.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَعُرْوَةُ: يَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَحُجُّ لِنَذْرِهِ.
وَفَائِدَةُ انْعِقَادِ نَذْرِهِ، لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِتَرْكِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِهِ لِنَذْرِهِ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ وَافَقَ نَذْرُهُ بَعْضَ رَمَضَانَ، وَبَعْضَ شَهْرٍ آخَرَ، إمَّا شَعْبَانَ، وَإِمَّا شَوَّالَ، لَزِمَهُ صَوْمُ مَا خَرَجَ عَنْ رَمَضَانَ، وَيُتِمُّهُ مِنْ رَمَضَانَ.
وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ.
فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، يَصِحُّ نَذْرُهُ، وَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إنْ أَخَلَّ بِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ النَّذْرِ، فَأَشْبَهَ اللَّيْلَ.

وَلَنَا، أَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ، فَيَنْعَقِدُ فِي الْوَاجِبِ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.

[فَصْلٌ نَذَرَ أَنْ يَحُجّ الْعَامَ وَعَلَيْهِ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ]

(8196) فَصْلٌ: وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْعَامَ، وَعَلَيْهِ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ، رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تُجْزِئُهُ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْهَا وَعَنْ نَذْرِهِ.
نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ.
وَالثَّانِيَةُ، يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ مُوجِبًا لِحِجَّةٍ غَيْرِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ يَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَقْضِي نَذْرَهُ.
نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ تَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَمْ تَسْقُطْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَمَا لَوْ نَذَرَ حِجَّتَيْنِ، وَوَجْهُ الْأُولَى، أَنَّهُ نَذَرَ عِبَادَةً فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَقَدْ أَتَى بِهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ.

[فَصْلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَى أَنَّ أَصُومَ شَهْرًا فَنَوَى صِيَامَ شَهْر رَمَضَانَ لِنَذْرِهِ وَرَمَضَان]

(8197) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا.
فَنَوَى صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِنَذْرِهِ وَرَمَضَانَ، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ وَاجِبٌ بِفَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَذْرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ شَهْرٍ، فَيَجِبُ شَهْرَانِ بِسَبَبَيْنِ، وَلَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمِ شَهْرَيْنِ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ عَنْ نَذْرِهِ، وَعَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

[مَسْأَلَة نَذْر أَنْ يَصُوم يَوْم يَقْدَم فُلَان فَقَدِمَ يَوْم فِطْر أَوْ أَضْحَى]

(8198) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ يَوْمَ فِطْرٍ، أَوْ أَضْحَى، لَمْ يَصُمْهُ، وَصَامَ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَإِنَّ نَذْرَهُ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ زَمَنٌ صَحَّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ لِصَوْمِهِ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمِي.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ.
لَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ قَبْلَ قُدُومِهِ، فَيَنْوِيَ صَوْمَهُ مِنْ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُمْكِنُهُ، كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ الْحَائِضِ تَطْهُرُ فِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، إذَا ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَقْسَامٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَعْلَمَ قُدُومَهُ مِنْ اللَّيْلِ، فَيَنْوِيَ صَوْمَهُ، وَيَكُونَ يَوْمًا يَجُوزُ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ فَيَصِحَّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ وَفَى بِنَذْرِهِ.
الثَّانِي، أَنْ يَقْدَمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَعَنْهُ: لَا يَصُومُهُ، وَيَقْضِي، وَيُكَفِّرُ.
نَقْلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَمَذْهَبُ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ.

الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَقْضِي، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّهُ فَاتَهُ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ نِسْيَانًا، وَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَهُ مِنْ صَوْمِهِ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، إنْ صَامَهُ صَحَّ صَوْمُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ وَفَى بِمَا نَذَرَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً فَفَعَلَهَا.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ يَوْمًا صَوْمُهُ حَرَامٌ، فَكَانَ مُوجَبُهُ الْكَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ نَذَرْت الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا قَضَاءٍ؛ بِنَاءً عَلَى مَنْ نَذَرَ الْمَعْصِيَةَ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ بِنَاءً عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ نَذْرًا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا، فَكَانَ مُنْعَقِدًا كَمَا لَوْ وَافَقَ غَيْرَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَهُ، فَأَشْبَهَ زَمَنَ الْحَيْضِ، وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ، وَقَدْ فَاتَهُ الصِّيَامُ بِالْعُذْرِ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِفَوَاتِهِ، كَمَا لَوْ فَاتَهُ بِمَرَضٍ.
وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصُومُهُ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَقْدَمَ فِي يَوْمٍ يَصِحُّ صَوْمُهُ، وَالنَّاذِرُ مُفْطِرٌ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمًا نَذْرًا صَحِيحًا، وَلَمْ يَفِ بِهِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، كَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، مِنْ قَضَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي زَمَنٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ فِيهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَدِمَ لَيْلًا.
الرَّابِعُ، قَدِمَ وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضًا؛ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَصُومُ بَقِيَّتَهُ، وَيَعْقِدُهُ عَنْ نَذْرِهِ، وَيُجْزِئُهُ، وَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صَوْمُ يَوْمٍ بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ وَبَعْضُهُ وَاجِبٌ، كَمَا لَوْ نَذَرَ فِي أَثْنَاءِ التَّطَوُّعِ إتْمَامَ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي بَعْضِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَصِحَّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ رِوَايَتَيْنِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، كَمَا لَوْ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ قَدِمَ وَهُوَ مُمْسِكٌ، لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ، وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يُفْطِرُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّائِمِ تَطَوُّعًا.
الْخَامِسُ، أَنْ يَقْدَمَ لَيْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ فِي الْيَوْمِ، وَلَا فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ الصِّيَامُ.

(8199) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ.
فَهَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، عَلَى نَاذِرِهِ الْكَفَّارَةُ لَا غَيْرُ.
نَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ مَعَ الْكَفَّارَةِ، كَالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَة.
وَالْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ.
قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فَلَمْ يُوجِبْ قَضَاءً، كَسَائِرِ الْمَعَاصِي.
وَفَارَقَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِنَذْرِهِ الْمَعْصِيَةَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا، وَهَا هُنَا تَعَمَّدَهَا بِالنَّذْرِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» . وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ؛ بِنَاءً عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا، فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لَا غَيْرُ.
وَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا خِلَافًا.
(8200) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، صَامَهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، لَا يَصُومُهُ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ الْفَرْضِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصُومُهَا عَنْ الْفَرْضِ.
صَامَهَا هَاهُنَا، وَأَجْزَأَتْهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصُومُهَا.
فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ وَافَقَ يَوْمَ الْعِيدِ، وَقَدْ مَضَى.

[فَصْلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَى صَوْمُ يُومِ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَبَدًا]

(8201) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَبَدًا.
أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ أَبَدًا.
لَزِمَهُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ، فَقَدْ مَضَى بَيَانُ حُكْمِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ؛ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ عَنْ دُخُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنْ يَدْخُلَ فِي نَذْرِهِ، وَيُجْزِئُهُ صَوْمُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ.
وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ يَوْمَ حَيْضٍ، فَفِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ مَا قَدْ مَضَى.
وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَوْ نَحْوِهِ، صَامَهُمَا عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى نَوَى النَّذْرَ فِي ابْتِدَائِهِمَا، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكْفِيرِ، فَحِينَئِذٍ يَقْضِي نَذْرَهُ، وَيُكَفِّرُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَ النَّذْرِ مَعَ إمْكَانِهِ لِعُذْرٍ، وَيُفَارِقُ الْأَيَّامَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ؛ لِعَدَمِ انْفِكَاكِهِ عَنْهَا، وَهَا هُنَا تَنْفَكُّ الْأَيَّامُ عَنْ دُخُولِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ نَذْرِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ الَّتِي فِي رَمَضَانَ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ نَذْرِهِ، وَأَيَّامُ الْكَفَّارَةِ يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ نَذْرِهِ، وَإِذَا نَوَاهَا عَنْ نَذْرِهِ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ، وَأَجْزَأَتْ عَنْ الْمَنْذُورِ.
وَإِنْ فَاتَتْهُ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ، فَإِذَا كَفَّرَ ثُمَّ فَاتَهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ، لَزِمَتْهُ

كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ، فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ، فَمَرِضَ فَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَفَّرَ كَفَّارَةً أُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْيَمِينَ، إذَا حَنِثَ وَكَفَّرَ، سَقَطَتْ عَنْهُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ مَتَى كَفَّرَ مَرَّةً، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَيُشْبِهُ الْيَمِينَ، وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ فِيهِ لِذَلِكَ، وَالْيَمِينُ لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ، فَمَتَى كَفَّرَهَا، لَمْ يَجِبْ بِهَا أُخْرَى، كَذَلِكَ النَّذْرُ.
فَعَلَى هَذَا، مَتَى فَاتَهُ شَيْءٌ فَكَفَّرَ عَنْهُ، ثُمَّ فَاتَهُ شَيْءٌ آخَرُ، قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ، فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ.

[فَصْلٌ نَذْرَ صَوْمِ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا]

(8202) فَصْلٌ: إذَا نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ صَوْمِ رَمَضَانَ، فَأَشْبَهَ اللَّيْلَ، وَلَا يَوْمَا الْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ، فَأَشْبَهَا رَمَضَانَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمِ شَوَّالٍ، يَقْضِي يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيُكَفِّرُ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ الْعِيدَانِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامٌ مِنْ جُمْلَةِ السَّنَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُطْلَقَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ سَنَةٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَتَابِعَةِ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُعَيَّنَةِ، فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْعِيدَانِ وَلَا رَمَضَانُ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ، أَتَمَّ أَحَدَ عَشَرِ شَهْرًا بِالْهِلَالِ، إلَّا شَهْرَ شَوَّالٍ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهُ بِالْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ، أَتَمَّ ذَلِكَ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ، وَالْبَاقِيَ بِالْهِلَالِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَلْزَمُهُ مُتَابَعَةٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَرِّقَةَ تُسَمَّى سَنَةً، فَيَتَنَاوَلُهَا نَذْرُهُ، فَيَلْزَمُهُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ، إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ صَامَهَا بِالْعَدَدِ.
وَإِنْ ابْتَدَأَ الشَّهْرَ مِنْ أَثْنَائِهِ، أَتَمَّهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَإِنَّمَا لَزِمَهُ هَاهُنَا اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ النَّذْرِ عَلَى سَنَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَمَضَانُ، وَلَا الْأَيَّامُ الَّتِي لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا، فَجُعِلَ نَذْرُهُ عَلَى مَا يَنْعَقِدُ فِيهِ النَّذْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ السَّنَةَ، وَهَذَا كَمَنْ عَيَّنَ سِلْعَةً بِالْعَقْدِ، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْدَالُهَا، وَلَوْ وَصَفَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبَةً، مَلَكَ إبْدَالَهَا، وَيُتِمُّ شَوَّالًا بِالْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْهُ مِنْ أَوَّلِهِ.
وَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ مِنْ أَوَّلِهِ، قَضَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ نَاقِصًا قَضَى خَمْسَةً لِيُكْمِلَهُ ثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ الشَّهْرَ كُلَّهُ، فَأَشْبَهَ شَوَّالًا.
وَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ، صَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُعَيَّنَةِ.

[مَسْأَلَةٌ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا]

(8203) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَمَرِضَ فِي بَعْضِهِ، فَإِذَا عُوفِيَ، بَنَى، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَإِنْ أَحَبَّ أَتَى بِشَهْرٍ مُتَتَابِعٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا نَذَرَتْ صِيَامَ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ، وَحَاضَتْ فِيهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ.
أَحَدُهُمَا، أَنْ يُفْطِرَ لِعُذْرٍ؛ مِنْ حَيْضٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِمَا، فَهَذَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صِيَامِهِ وَيُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِالْكَفَّارَةِ، لِعَجْزِهَا عَنْ الْمَشْيِ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ مُتَتَابِعًا، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَتَابِعًا، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ لَهُ الْبِنَاءُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ حُكْمًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ مِنْ عُذْرٍ، كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ، فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ، فَهَلْ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي فِطْرِ رَمَضَانَ، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ.
وَالثَّانِي، أَنْ يُفْطِرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الصِّيَامِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّتَابُعَ الْمَنْذُورَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، مَعَ إمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِهِ.
فَلَزِمَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُعَيَّنًا فَصَامَ قَبْلَهُ.
وَبِهَذَا الْفَصْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهَا فِي الْمَنْذُورِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا دَلِيلَ وُجُوبِهَا فَصْلٌ: إذَا صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ، أَجْزَأَهُ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ شَهْرٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» . وَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ، لَزِمَهُ شَهْرٌ بِالْعَدَدِ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ» . فَإِنْ صَامَ شَوَّالًا، لَزِمَهُ إكْمَالُهُ ثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ مِنْ أَثْنَائِهِ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، قَضَى يَوْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ تَامًّا أَتَمَّ يَوْمًا وَاحِدًا.
وَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ أَفْطَرَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ، كَمَا لَوْ أَفْطَرْت الْمَرْأَةُ بِحَيْضٍ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَيَقْضِي أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ إنْ كَانَ تَامًّا، وَخَمْسَةً إنْ كَانَ نَاقِصًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا الْأَرْبَعَةُ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، فَيَقْضِي الْمَتْرُوكَ مِنْهُ لَا غَيْرُ.
وَلَوْ صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ، فَمَرِضَ فِيهِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً، أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ ثُمَّ طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ، قَضَى مَا أَفْطَرَ مِنْهُ بِعِدَّتِهِ إنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا،

وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِيَوْمٍ آخَرَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي فِطْرِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

[فَصْلٌ وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ]

(8205) فَصْلٌ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ، وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، فَيُجْزِئَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَهُ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ.
وَالثَّانِي، لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَعَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
فَأَمَّا إنْ نَذَرَ صِيَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ فِيهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ: يَصُومُهَا مُتَتَابِعَةً.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ.
وَحَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى مَنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ أَوْ نَوَاهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَشَرَةِ لَا يَقْتَضِي تَتَابُعًا، وَالنَّذْرُ لَا يَقْتَضِيهِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي نَذْرِ الْعَشَرَةِ، دُونَ الثَّلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثِينَ شَهْرٌ، فَلَوْ أَرَادَ التَّتَابُعَ لَقَالَ: شَهْرًا.
فَعُدُولُهُ إلَى الْعَدَدِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ التَّفْرِيقِ، بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، فَإِنَّ عَدَمَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى إرَادَةِ التَّتَابُعِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْرِيقَهَا وَلَا تَتَابُعَهَا، وَلَمْ يَجِبْ التَّتَابُعُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَلَا يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَالصَّوْمُ يَتَخَلَّلُهُ اللَّيْلُ، فَيَفْصِلُ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، لَدَخَلَ فِيهِ اللَّيْلُ.
وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ، وَلَفْظُهُ لَا يَقْتَضِي التَّتَابُعَ، بِدَلِيلِ نَذْرِ الصَّوْمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْعُرْفِ لَا أَثَرَ لَهُ.
وَمَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، لَزِمَتْهُ اللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مُتَتَابِعَةً.

[فَصْلٌ نَذَرَ صِيَامَ أَشْهُرٍ مُتَتَابِعَةٍ]

(8206) فَصْلٌ: إذَا نَذَرَ صِيَامَ أَشْهُرٍ مُتَتَابِعَةٍ، فَابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ، أَجْزَأَهُ صَوْمُهَا بِالْأَهِلَّةِ، بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ، كَمَّلَهُ بِالْعَدَدِ، وَبَاقِي الْأَشْهُرِ بِالْأَهِلَّةِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يُكَمِّلُ الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الرِّوَايَتَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِغَيْرِ عُذْرٍ]

(8207) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، ابْتَدَأَ شَهْرًا، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَأَفْطَرَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَقْطَعُ صَوْمَهُ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ، فَأَبْطَلَهُ الْفِطْرُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ، وَفَارَقَ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ تَتَابُعَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالنَّذْرِ، وَهَا هُنَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَوَّتَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهُ مُتَتَابِعًا.
الثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ التَّتَابُعَ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لَا بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ فِي أَثْنَائِهِ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ يَجْعَلُ الصَّوْمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَالْوَفَاءَ بِنَذْرِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَتَفْوِيتُ يَوْمٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ تَفْوِيتَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ.
فَعَلَى هَذَا، يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ، وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ بَعْدَ إتْمَامِ صَوْمِهِ.
وَهَذَا أَقْيَسُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ عَقِيبَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؛ لِأَنَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّوْمِ فِيهِ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَيْضًا؛ لِإِخْلَالِهِ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَفْطَرَ لِعُذْرٍ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ، وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ.
هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ، وَلَوْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فَاتَ مَا نَذَرَهُ، فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُخْتِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا.
وَفَارَقَ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إلَّا فِي الْجِمَاعِ (8208) فَصْلٌ: فَإِنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ حَالَةَ نَذْرِهِ وَقَضَائِهِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ؛ وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهَا النَّذْرُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ لَا يُمْكِنُ الصَّوْمُ فِيهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي النَّذْرِ، كَزَمَنِ رَمَضَانَ.

وَلَنَا، أَنَّ الْمَنْذُورَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً، وَلَوْ حَاضَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لَزِمَهَا الْقَضَاءُ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ.

[فَصْلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا فَلَمْ يَحُجّ لَعُذْرٍ]

(8209) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا.
فَلَمْ يَحُجَّ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَعْذُورًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، لِعَدَمِ أَحَدِ الشَّرَائِطِ السَّبْعَةِ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ أَوْ عَدُوٌّ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ، أَوْ أَخْطَأَ عَدَدًا، أَوْ نَسِيَ، أَوْ تَوَانَى، قَضَاهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فَاتَهُ الْحَجُّ الْمَنْذُورُ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ مَرِضَ، وَلِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً، وَلَوْ فَاتَهُ الْمَشْرُوعُ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ.

[فَصْلٌ نَذَرَ صَوْمِ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ أَوْ الْحَجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ وَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ]

(8210) فَصْلٌ: وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ الْحَجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِئْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا صَامَ الْمَنْذُورَ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ فِي وَقْتِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ أَصْلًا.

[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ]

(8211) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، صَامَ عَنْهُ وَرَثَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً) يَعْنِي مَنْ نَذَرَ حَجًّا، أَوْ صِيَامًا، أَوْ صَدَقَةً، أَوْ عِتْقًا، أَوْ اعْتِكَافًا، أَوْ صَلَاةً، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ، وَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ، فَعَلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ: لَا يُصَلَّى عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا لَا بَدَلَ لَهَا بِحَالٍ، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْمَالِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ الْوَلِيُّ عَنْهُ فِيهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الصِّلَةِ لَهُ وَالْمَعْرُوفِ.
وَأَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى قُبَاءً، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ، أَنْ تَمْشِيَ ابْنَتُهَا عَنْهَا.
وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ مِنْ اعْتِكَافٍ.
قَالَ: صُمْ عَنْهَا، وَاعْتَكِفْ عَنْهَا.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَكَفَتْ عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا مَاتَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي، وَلَا يَصُومُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْمَالِ الْبَدَنِ، قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْضِي عَنْهُ الْحَجَّ، وَلَا يَقْضِي الصَّلَاةَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَقْضِي الصَّوْمَ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَيُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى وَلِيِّهِ، بِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ.
وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا فِي الْمَالِ، وَيَكُونَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ، وَأَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ قَرَائِنَ فِي الْخَبَرِ؛ مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ مَا لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً يُقْضَى بِهَا، وَمِنْهَا أَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ . وَجَوَابُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُقْتَضَى سُؤَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَضَاهُ السُّؤَالَ عَنْ الْإِبَاحَةِ، فَالْأَمْرُ فِي جَوَابِهِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ الْإِجْزَاءِ، فَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ، كَقَوْلِهِمْ: «أَنُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» . وَإِنْ كَانَ سُؤَالُهُمْ عَنْ الْوُجُوبِ فَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، كَقَوْلِهِمْ: «أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» . وَسُؤَالُ السَّائِلِ فِي مَسْأَلَتِنَا كَانَ عَنْ الْإِجْزَاءِ، فَأَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفِعْلِ يَقْتَضِيهِ لَا غَيْرُ.
وَلَنَا، عَلَى جَوَازِ الصِّيَامِ عَنْ الْمَيِّتِ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، كَانَ يُؤَدَّى ذَلِكَ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ «سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ» . وَعَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ . قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» . رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَمُطْلَقٌ فِي النَّذْرِ، وَمَا عَدَا الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يُقَاسُ، عَلَيْهِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ، لَكَانَتْ أَحَادِيثُنَا أَصَحَّ، وَأَكْثَرَ، وَأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقْضِيَ النَّذْرَ عَنْهُ وَارِثُهُ، فَإِنْ قَضَاهُ غَيْرُهُ، أَجْزَأَهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، وَقَاسَهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْوَارِثُ إنَّمَا هُوَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ، وَغَيْرُهُ مِثْلُهُ فِي التَّبَرُّعِ.
وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ فِي مَالٍ، تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ.

[فَصْلٌ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَرْبَعٍ]

(8212) فَصْلٌ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَرْبَعٍ، فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ.
قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ لِمَا رَوَى «مُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ الْكِنْدِيُّ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ أُمُّهُ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِيكَرِبَ عَمَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا.
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: طُوفِي عَلَى رِجْلَيْك سَبْعَيْنِ؛ سَبْعًا عَنْ يَدَيْك، وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْك» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ عَلَى أَرْبَعٍ، قَالَ: تَطُوفُ عَنْ يَدَيْهَا سَبْعًا، وَعَنْ رِجْلَيْهَا سَبْعًا.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَيَسْقُطُ، كَمَا أَنَّ «أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحُجَّ وَتَخْتَمِرَ» . وَرَوَى عِكْرِمَةُ، أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ، فَحَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا، فَقَالَ: مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ، فَقَالَ: أَطْلِقَا قِرَانَكُمَا» . وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي إسْرَائِيلَ، الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، وَيَفْعَلَ أَشْيَاءَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّوْمِ وَحْدَهُ، وَنَهَاهُ عَنْ سَائِرِ نُذُورِهِ.
وَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ؛ لِإِخْلَالِهِ بِصِفَةِ نَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ النَّذْرِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ.

وَأَمَّا وَجْهُ الْأَوَّلِ، فَلِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ، فَقَدْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَأُقِيمَ الطَّوَافُ الثَّانِي مَقَامَ طَوَافِهِ عَلَى يَدَيْهِ.

[فَصْلٌ نَذَرَ صَوْمِ الدَّهْرِ]

(8213) فَصْلٌ: فَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ، لَزِمَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ، وَلَا أَيَّامُ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ.
فَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَقْضِهِ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرَقٌ بِالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ، وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِتَرْكِهِ.
وَإِنْ لَزِمَهُ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ كَفَّارَةٌ، قَدَّمَهُ عَلَى النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَقُدِّمَ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، كَتَقْدِيمِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَنْذُورَةِ.
فَإِذَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ لِتَرْكِهِ صَوْمَ يَوْمٍ، أَوْ أَكْثَرَ، وَكَانَتْ كَفَّارَتُهُ الصِّيَامَ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ إلَّا بِتَرْكِ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ، وَتَرْكُهُ يُوجِبُ كَفَّارَةً، فَيَقْضِي ذَلِكَ إلَى التَّسَلْسُلِ، وَتَرْكِ الْمَنْذُورِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ، وَلَا تَجِبُ بِفِعْلِهَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لِعُذْرٍ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً، فَلَا يَقْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ.

[فَصْلٌ وَصِيغَةُ النَّذْرِ]

(8214) فَصْلٌ: وَصِيغَةُ النَّذْرِ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا.
وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرُ كَذَا.
لَزِمَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفْظِ النَّذْرِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ شَفَانِي اللَّهُ، فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ.
كَانَ نَذْرًا.
وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ لِلَّهِ.
قَالَ: هَذَا نَذْرٌ، فَلْيَمْشِ.
وَنَحْوُهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَيَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، وَمَالِكٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا فِيمَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ: فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ.
وَلَنَا، أَنَّ لَفْظَةَ: " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ.
فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: هُوَ عَلَيَّ نَذْرٌ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[كِتَاب الْقَضَاء]

ِ الْأَصْلُ فِي الْقَضَاءِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26] . وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [النور: 48] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] . وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى ذَلِكَ كَثِيرَةٍ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَصْبِ الْقَضَاءِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ.
(8215) فَصْلٌ: وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، كَالْجِهَادِ وَالْإِمَامَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ، وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ، وَنُصْرَةَ الْمَظْلُومِ، وَأَدَاءَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَرَدًّا لِلظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ، وَإِصْلَاحًا بَيْنَ النَّاسِ، وَتَخْلِيصًا لَبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْقُرَبِ؛ وَلِذَلِكَ تَوَلَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، فَكَانُوا يَحْكُمُونَ لِأُمَمِهِمْ، وَبَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، وَبَعَثَ أَيْضًا مُعَاذًا قَاضِيًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَجْلِسَ قَاضِيًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «جَاءَ خَصْمَانِ يَخْتَصِمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي: اقْضِ بَيْنَهُمَا.
قُلْت: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ.
قُلْت: عَلَامَ أَقْضِي قَالَ: اقْضِ، فَإِنْ أَصَبْت فَلَكَ عَشَرَةُ أُجُورٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ أَجْرٌ وَاحِدٌ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ ".

(8216) فَصْلٌ: وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ، رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَيَخْشَوْنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ خَطَرَهُ.
قَالَ خَاقَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أُرِيدَ أَبُو قِلَابَةَ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، فَهَرَبَ إلَى الْيَمَامَةِ، فَأُرِيدَ عَلَى قَضَائِهَا، فَهَرَبَ إلَى الشَّامِ، فَأُرِيدَ عَلَى قَضَائِهَا، وَقِيلَ: لَيْسَ هَاهُنَا غَيْرُك.
قَالَ: فَانْزِلُوا الْأَمْرَ عَلَى مَا قُلْتُمْ، فَإِنَّمَا مَثَلِي مَثَلُ سَابِحٍ وَقَعَ فِي الْبَحْرِ، فَسَبَحَ يَوْمَهُ، فَانْطَلَقَ، ثُمَّ سَبَحَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، فَمَضَى أَيْضًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ فَتُرَتْ يَدَاهُ.
وَكَانَ يُقَالُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْقَضَاءِ أَشَدُّهُمْ لَهُ كَرَاهَةً.
وَلِعَظْمِ خَطَرِهِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ لِلْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِالْمَشَقَّةِ؛ فَكَأَنَّ مَنْ وَلِيَهُ قَدْ حُمِلَ عَلَى مَشَقَّةٍ، كَمَشَقَّةِ الذَّبْحِ.

[فَصْلٌ وَالنَّاسُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرِب]

(8217) فَصْلٌ: وَالنَّاسُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ، وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا قَضَى بَيْنَ النَّاسَ بِجَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ» . وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَدْلِ فِيهِ، فَيَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ وَيَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ، مَنْ يَجُوزُ لَهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالِاجْتِهَادِ، وَيُوجَدُ غَيْرُهُ مِثْلُهُ، فَلَهُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ بِحُكْمِ حَالِهِ وَصَلَاحِيَتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ السَّلَامَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ وَالذَّمِّ، وَلِأَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَالتَّوَقِّي، وَقَدْ أَرَادَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَاهُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

بْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ رَجُلًا خَامِلًا، لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا يُعْرَفُ فَالْأَوْلَى لَهُ تَوَلِّيهِ، لِيُرْجَعَ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَيَقُومَ بِهِ الْحَقُّ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي النَّاسِ بِالْعِلْمِ، يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى، فَالْأَوْلَى الِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ الْغَرَرِ.
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالُوا أَيْضًا: إذَا كَانَ ذَا حَاجَةٍ، وَلَهُ فِي الْقَضَاءِ رِزْقٌ، فَالْأَوْلَى لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْمَكَاسِبِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ طَلَبُهُ، وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ، وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
«وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَلَا يُوجَدُ سِوَاهُ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ غَيْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا يَأْثَمُ.
فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِضْرَارُ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَبُو قِلَابَةَ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ غَيْرُك.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ، لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ،.

[فَصْلٌ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا]

(8218) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَخْذُ الرِّزْقِ، وَرَخَّصَ فِيهِ شُرَيْحٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى الْقَضَاءِ، وَفَرَضَ لَهُ رِزْقًا.
وَرَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ.
وَبَعَثَ إلَى الْكُوفَةِ عَمَّارًا وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَرَزَقَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً؛ نِصْفُهَا لِعَمَّارٍ وَنِصْفُهَا لِابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَاضِيَهُمْ وَمُعَلِّمَهُمْ.
وَكَتَبَ إلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الشَّامِ، أَنَّ اُنْظُرَا رِجَالًا مِنْ صَالِحِي مَنْ قِبَلَكُمْ، فَاسْتَعْمِلُوهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ، وَأَوْسِعُوا عَلَيْهِمْ، وَارْزُقُوهُمْ، وَاكْفُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا، وَإِنْ كَانَ فَبِقَدْرِ شُغْلِهِ، مِثْلَ وَالِي الْيَتِيمِ.
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ يَكْرَهَانِ الْأَجْرَ عَلَى الْقَضَاءِ.
وَكَانَ مَسْرُوقٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَا يَأْخُذَانِ عَلَيْهِ أَجْرًا، وَقَالَا: لَا نَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى أَنْ نَعْدِلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا جَازَ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَيَّنَ لَمْ يَجُزْ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ.
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا وَلِي الْخِلَافَةَ، فَرَضُوا لَهُ الرِّزْقَ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.
وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ رَزَقَ زَيْدًا وَشُرَيْحًا وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى مِنْ الْقُضَاةِ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَ، وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ.
فَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يَنْبَغِي لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رِزْقٌ، فَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا حَتَّى تَجْعَلَا لِي رِزْقًا عَلَيْهِ.
جَازَ.
وَيَحْتَمِلَ أَنْ لَا يَجُوزَ.

[فَصْلٌ الْإِمَامُ يَبْعَثُ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ غَيْرِ بَلَدِهِ]

(8219) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي بَلَدٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ غَيْرِ بَلَدِهِ؛ «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ، وَبَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ أَيْضًا.
وَقَالَ لَهُ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي.
قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَبَعَثَ عُمَرُ شُرَيْحًا عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ وَكَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ.
وَكَتَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ يَأْمُرُهُمَا بِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ فِي الشَّامِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يَحْتَاجُونَ إلَى الْقَاضِي، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْمَصِيرُ إلَى بَلَدِ الْإِمَامِ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ إغْنَاؤُهُمْ عَنْهُ.

[فَصْلٌ وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ قَاضٍ]

(8220) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ قَاضٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّاسِ وَيَعْرِفُ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَلَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، سَأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّاسِ، وَاسْتَرْشَدَهُمْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ.
وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ، أَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ، وَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِ، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ، وَيَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا يَأْمُرُهُ فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْقَضَاءِ، وَمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَصَفُّحِ أَحْوَالِ الشُّهُودِ، وَتَأَمُّلِ الشَّهَادَاتِ، وَتَعَاهُدِ الْيَتَامَى، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْوُقُوفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى مُرَاعَاتِهِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ قَضَاءَهُ بَعِيدًا، لَا يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ، أَحْضَرَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمَا الْعَهْدَ، وَأَقْرَآهُ غَيْرَهُ بِحَضْرَتِهِ، وَأَشْهَدَهُمَا عَلَى تَوْلِيَتِهِ؛ لِيَمْضِيَا مَعَهُ إلَى بَلَدِ وِلَايَتِهِ، فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ، وَيَقُولَ لَهُمَا: اشْهَدَا عَلَى أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُهُ قَضَاءَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، وَتَقَدَّمْت إلَيْهِ بِمَا اشْتَمَلَ هَذَا الْعَهْدُ عَلَيْهِ.

وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الْإِمَامِ، يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ مَا يَجْرِي فِي بَلَدِ الْإِمَامِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ أَوْ مَا دُونَهَا، جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِفَاضَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ فِي الْبَلَدِ الْقَرِيبِ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَّى عَلِيًّا وَمُعَاذًا قَضَاءَ الْيَمَنِ وَهُوَ بَعِيدٌ، مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ، وَوَلَّى الْوُلَاةَ فِي الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ وَفَوَّضَ إلَيْهِمْ الْوِلَايَةَ وَالْقَضَاءَ، وَلَمْ يُشْهِدْ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ.
وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْإِشْهَادُ عَلَى تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ، مَعَ بُعْدِ بُلْدَانِهِمْ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدْ تَعَذَّرَتْ الِاسْتِفَاضَةُ فِي الْبَلَدِ الْبَعِيدِ؛ لِعَدَمِ وُصُولِهَا إلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ الْإِشْهَادُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُشْهِدْ عَلَى تَوْلِيَتِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ وَالِيًا إلَّا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ، وَعَدَمُ نَقْلِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ فِعْلِهِ، وَقَدْ قَامَ دَلِيلُهُ فَتَعَيَّنَ وُجُودُهُ.

[يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ]

(8221) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، الْكَمَالُ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ كَمَالُ الْأَحْكَامِ، وَكَمَالُ الْخِلْقَةِ، أَمَّا كَمَالُ الْأَحْكَامِ فَيُعْتَبَرُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا ذَكَرًا.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً فِي غَيْرِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَاهِدَةً فِيهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» . وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْضُرُ مَحَافِلَ الْخُصُومِ وَالرِّجَالِ، وَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَمَالِ الرَّأْيِ وَتَمَامِ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ، وَالْمَرْأَةُ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ، قَلِيلَةُ الرَّأْيِ، لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْحُضُورِ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَلْفُ امْرَأَةٍ مِثْلِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ضَلَالِهِنَّ وَنِسْيَانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَلَا لِتَوْلِيَةِ الْبُلْدَانِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُوَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، امْرَأَةً قَضَاءً وَلَا وِلَايَةَ بَلَدٍ، فِيمَا بَلَغَنَا، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ جَمِيعُ الزَّمَانِ غَالِبًا.
وَأَمَّا كَمَالُ الْخِلْقَةِ، فَأَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا؛ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إشَارَتَهُ، وَالْأَصَمُّ لَا يَسْمَعُ قَوْلَ الْخَصْمَيْنِ، وَالْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرَّ لَهُ،

وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى؛ لِأَنَّ شُعَيْبًا كَانَ أَعْمَى.
وَلَهُمْ فِي الْأَخْرَسِ الَّذِي تُفْهَمُ إشَارَتُهُ وَجْهَانِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ الْحَوَاسَّ تُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ، فَيَمْنَعُ فَقْدُهَا وِلَايَةَ الْقَضَاءِ كَالسَّمْعِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَنْصِبَ الشَّهَادَةِ دُونَ مَنْصِبِ الْقَضَاءِ، وَالشَّاهِدُ يَشْهَدُ فِي أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا، وَرُبَّمَا أَحَاطَ بِحَقِيقَةِ عِلْمِهَا، وَالْقَاضِي وِلَايَتُهُ عَامَّةٌ، وَيَحْكُمُ فِي قَضَايَا النَّاسِ عَامَّةً، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الشَّهَادَةُ، فَالْقَضَاءُ أَوْلَى، وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ شُعَيْبٍ فَلَا نُسَلِّمُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، وَلَوْ ثَبَتَ فِيهِ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ هَاهُنَا، فَإِنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كَانَ مَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ قَلِيلًا، وَرُبَّمَا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى حَكَمٍ بَيْنَهُمْ لِقِلَّتِهِمْ وَتَنَاصُفِهِمْ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي مَسْأَلَتِنَا.
الشَّرْطُ الثَّانِي، الْعَدَالَةُ، فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ، وَلَا مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
وَحُكِيَ عَنْ الْأَصَمِّ، أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَاسِقًا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوْقَاتِهَا، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً» . وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] . فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ قَوْلِ الْفَاسِقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَجِبُ التَّبَيُّنُ عِنْدَ حُكْمِهِ؛ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا، فَلِئَلَّا يَكُونَ قَاضِيًا أَوْلَى.
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ كَوْنِهِمْ أُمَرَاءَ، لَا بِمَشْرُوعِيَّتِهِ، وَالنِّزَاعُ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ، لَا فِي وُجُودِهَا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا فَيَحْكُمَ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ فَصْلُ الْخَصَائِمِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ جَازَ، كَمَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] . وَلَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ، وَقَالَ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] . وَقَالَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] .

وَرَوَى بُرَيْدَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ، قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَالْعَامِّيُّ يَقْضِي عَلَى الْجَهْلِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ آكَدُ مِنْ الْفُتْيَا؛ لِأَنَّهُ فُتْيَا وَإِلْزَامٌ، ثُمَّ الْمُفْتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا، فَالْحَكَمُ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُفْتِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا سَمِعَ.
قُلْنَا: نَعَمْ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْتِيًا فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْبِرٌ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ مَعْمُولًا بِخَبَرِهِ لَا بِفُتْيَاهُ، وَيُخَالِفُ قَوْلَ الْمُقَوِّمِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْحَاكِمَ مَعْرِفَتُهُ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ سِتَّةِ أَشْيَاءَ؛ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالِاخْتِلَافِ، وَالْقِيَاسِ، وَلِسَانِ الْعَرَبِ.
أَمَّا الْكِتَابُ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ؛ الْخَاصَّ، وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ، وَالْمُقَيَّدَ، وَالْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُفَسَّرَ، وَالنَّاسِخَ، وَالْمَنْسُوخَ فِي الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ سَائِرِ الْقُرْآنِ.
فَأَمَّا السُّنَّةُ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ دُونَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ، مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالرَّقَائِقِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهَا مَا يَعْرِفُ مِنْ الْكِتَابِ، وَيَزِيدُ مَعْرِفَةَ التَّوَاتُرِ، وَالْآحَادِ، وَالْمُرْسَلِ، وَالْمُتَّصِلِ، وَالْمُسْنَدِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَالصَّحِيحِ، وَالضَّعِيفِ، وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَمَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ، وَشُرُوطِهِ، وَأَنْوَاعِهِ، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِهِ الْأَحْكَامَ، وَمَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ؛ لِيَتَعَرَّفَ بِهِ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِلْفُتْيَا، وَالْحُكْمُ فِي مَعْنَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ شُرُوطٌ لَا تَجْتَمِعُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا؟ . قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهَذِهِ الْعُلُومِ إحَاطَةً تَجْمَعُ أَقْصَاهَا، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَا أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا، فَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ، خَلِيفَتَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَزِيرَاهُ، وَخَيْرُ النَّاسِ بَعْدَهُ، فِي حَالِ إمَامَتِهِمَا يُسْأَلَانِ عَنْ الْحُكْمِ فَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ، حَتَّى يَسْأَلَا النَّاسَ فَيُخْبَرَا «، فَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا، وَلَكِنْ ارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ.
ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ يَعْلَمُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَدَّةِ؟ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَاهَا السُّدُسَ.
وَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَأَخْبَرَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ» . وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَسَائِلِ الَّتِي فَرَّعَهَا الْمُجْتَهِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ، فَإِنَّ هَذِهِ فُرُوعٌ فَرَّعَهَا الْفُقَهَاءُ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا تَكُونُ شَرْطًا لَهُ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَيْهَا.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةٍ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ الْمَسَائِلِ، بَلْ مَنْ عَرَفَ أَدِلَّةَ مَسْأَلَةٍ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهَا، كَمَنْ يَعْرِفُ الْفَرَائِضَ وَأُصُولَهَا، لَيْسَ مِنْ شَرْطِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا مَعْرِفَتُهُ بِالْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ مَا مِنْ إمَامٍ إلَّا وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي مَسَائِلَ.
وَقِيلَ: مَنْ يُجِيبُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فَهُوَ مَجْنُونٌ، وَإِذَا تَرَكَ الْعَالِمُ: لَا أَدْرِي.
أُصِيبَتْ مُقَاتِلُهُ.
وَحُكِيَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.
وَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا.
وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أُصُولُ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهُوَ مَجْمُوعٌ مُدَوَّنٌ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ، كَانَ مُجْتَهِدًا، لَهُ الْفُتْيَا وَوِلَايَةُ الْحُكْمِ إذَا وُلِّيَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ كَوْنُهُ كَاتِبًا أَيْ الْقَاضِي]

(8222) فَصْلٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَاكِمِ كَوْنُهُ كَاتِبًا.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِيَعْلَمَ مَا يَكْتُبُهُ كَاتِبُهُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إخْفَائِهِ عَنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أُمِّيًّا، وَهُوَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَاكِمِ الْكِتَابَةُ، فَلَا تُعْتَبَرُ شُرُوطُهَا، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ جَازَ تَوْلِيَتُهُ لِمَنْ يَعْرِفُهُ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ مَعْرِفَةُ الْمِسَاحَةِ، وَيَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقِيمَةِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا مَعْرِفَتُهُ بِعُيُوبِ كُلِّ شَيْءٍ.

[فَصْلٌ خِصَال الْقَاضِي]

فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلَا يَيْأَسُ

الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، وَيَكُونَ حَلِيمًا، مُتَأَنِّيًا، ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ، لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ، وَلَا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ، صَحِيحَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، عَفِيفًا، وَرَعًا، نَزِهًا، بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ، لِكَلَامِهِ لِينٌ إذَا قَرُبَ، وَهَيْبَةٌ إذَا أَوْعَدَ، وَوَفَاءٌ إذَا وَعَدَ، وَلَا يَكُونُ جَبَّارًا، وَلَا عَسُوفًا، فَيَقْطَعُ ذَا الْحُجَّةِ عَنْ حُجَّتِهِ.
قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَاضِيًا حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ؛ عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ سَبْعُ خِلَالٍ، إنْ فَاتَتْهُ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: الْعَقْلُ، وَالْفِقْهُ، وَالْوَرَعُ، وَالنَّزَاهَةُ، وَالصَّرَامَةُ، وَالْعِلْمُ بِالسُّنَنِ، وَالْحِكَمِ.
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَفِيهِ: يَكُونُ فَهِمَا، حَلِيمًا، عَفِيفًا، صُلْبًا، سَآَّلًا عَمَّا لَا يَعْلَمُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مُحْتَمِلًا لِلْأَئِمَّةِ؛ وَلَا يَكُونُ ضَعِيفًا، مَهِينًا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْسُطُ الْمُتَخَاصِمِينَ إلَى التَّهَاتُرِ وَالتَّشَاتُمِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأَعْزِلَنَّ فُلَانًا عَنْ الْقَضَاءِ، وَلِأَسْتَعْمِلَن رَجُلًا إذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرَّقَهُ.
(8224) فَصْلٌ: وَلَهُ أَنْ يَنْتَهِرَ الْخَصْمَ إذَا الْتَوَى، وَيَصِيحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَى مِنْ أَدَبٍ أَوْ حَبْسٍ.
وَإِنْ افْتَاتَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ: حَكَمْت عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
أَوْ: ارْتَشَيْت.
فَلَهُ تَأْدِيبُهُ.
وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ.
وَإِنْ بَدَأَ الْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ، قَطَعَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِك.
فَإِنْ عَادَ نَهَرَهُ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ إنْ رَأَى.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إسَاءَةُ الْأَدَبِ، فَلَهُ مُقَابَلَةُ فَاعِلِهِ، وَلَهُ الْعَفْوُ.

[فَصْلٌ الْقَضَاءُ فِي الْمَسَاجِدِ]

(8225) فَصْلٌ: وَإِنْ وَلَّى الْإِمَامُ رَجُلًا الْقَضَاءَ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، فَأَرَادَ السَّيْرَ إلَى بِلَادِ وِلَايَتِهِ، بَحَثَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، وَيَتَعَرَّفَ مِنْهُمْ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَأَلَ فِي طَرِيقِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَأَلَ إذَا دَخَلَ الْبَلَدَ عَنْ أَهْلِهِ، وَمَنْ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالسَّتْرِ، وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَإِذَا قَرُبَ مِنْ الْبَلَدِ، بَعَثَ مَنْ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ، وَيَجْعَلُ قُدُومَهُ يَوْمَ الْخَمِيسَ إنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، قَدِمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ يَقْصِدُ الْجَامِعَ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ إذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ وَالْمَعُونَةَ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ صَالِحًا، وَيَجْعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَلَا يَجْعَلَ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا، وَيُفَوِّضُ أَمَرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فَيُنَادِي فِي الْبَلَدِ، أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ عَلَيْكُمْ قَاضِيًا، فَاجْتَمِعُوا لِقِرَاءَةِ عَهْدِهِ، وَقْتَ كَذَا وَكَذَا.
وَيَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي قَدْ أُعِدَّ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ؛ لِيَتَسَاوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيهِ، وَلَا يَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ قَصْدُهُ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا، أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا التَّوْلِيَةَ، وَيَأْتُوا إلَيْهِ، وَيَعِدُ النَّاسَ يَوْمًا يَجْلِسُ فِيهِ لِلْقَضَاءِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِهِ.

وَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْحُكْمِ، أَنْ يَبْعَثَ إلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيوَانَ الْحُكْمِ؛ وَهُوَ مَا فِيهِ وَثَائِقُ النَّاسِ مِنْ الْمَحَاضِرِ، وَهِيَ نُسَخُ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَالسِّجِلَّاتُ نُسَخُ مَا حَكَمَ بِهِ، وَمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ حُجَجِ النَّاسِ وَوَثَائِقِهِمْ مُودَعَةً فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، فَإِذَا انْتَقَلْت الْوِلَايَةُ إلَى غَيْرِهِ، كَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ، فَتَكُونُ مُودَعَةً عِنْدَهُ فِي دِيوَانِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ إلَى مَجْلِسِهِ، عَلَى أَكْمَلِ حَالَةٍ وَأَعْدَلِهَا، خَلِيًّا مِنْ الْغَضَبِ، وَالْجُوعِ الشَّدِيدِ وَالْعَطَشِ، وَالْفَرَحِ الشَّدِيدِ وَالْحُزْنِ الْكَثِيرِ، وَالْهَمِّ الْعَظِيمِ، وَالْوَجَعِ الْمُؤْلِمِ، وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَالنُّعَاسِ الَّذِي يَغْمُرُ الْقَلْبَ؛ لِيَكُونَ أَجْمَعَ لِقَلْبِهِ، وَأَحْضَرَ لِذِهْنِهِ، وَأَبْلَغَ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ، وَفِطْنَتِهِ لِمَوْضِعِ الرَّأْيِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» . فَنَصَّ عَلَى الْغَضَبِ، وَنَبَّهَ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مَجْلِسَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ فَسِيحٍ، كَالرَّحْبَةِ وَالْفَضَاءِ الْوَاسِعِ أَوْ الْجَامِعِ.
وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْمَسَاجِدِ، فَعَلَ ذَلِكَ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ خَلْدَةَ، قَاضٍ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ خَصْمَانِ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْ لَا تَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ تَأْتِيك الْحَائِضُ وَالْجَنْبُ.
وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَأْتِيهِ الذِّمِّيُّ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، وَتَكْثُرُ غَاشِيَتُهُ، وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ اللَّغَطُ وَالتَّكَاذُبُ وَالتَّجَاحُدُ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى السَّبِّ وَمَا لَمْ تُبْنَ لَهُ الْمَسَاجِدُ.
وَلَنَا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: رَأَيْت عُمَرَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى الْقِبْلَةِ، يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.
وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَإِنْصَافٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا نَعْلَمُ صِحَّةَ مَا رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ.
وَأَمَّا الْحَائِضُ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهَا حَاجَةٌ إلَى الْقَضَاءِ، وَكَّلَتْ، أَوْ أَتَتْهُ فِي مَنْزِلِهِ.
وَالْجُنُبُ يَغْتَسِلُ وَيَدْخُلُ، وَالذِّمِّيُّ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُ فِي مَسْجِدِهِ، مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ لِلْحُكُومَةِ وَالْفُتْيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُطَالِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْحُقُوقِ فِي الْمَسْجِدِ، وَرُبَّمَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «تَقَاضَيْت ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَشَارَ إلَيَّ، أَنْ ضَعْ مِنْ دَيْنِك الشَّطْرَ.
فَقُلْت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: فَقُمْ فَاقْضِهِ» .

وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ، لِئَلَّا يَبْعُدَ عَلَى قَاصِدِيهِ، وَلَا يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَحْجُبُ النَّاسَ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا، وَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَفَاقَتِهِ وَفَقْرِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَلِأَنَّ حَاجِبَهُ رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ، وَرُبَّمَا كَسَرَهُمْ بِحَجْبِهِمْ وَالِاسْتِئْذَانِ لَهُمْ.
وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ حَاجِبٍ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَيُبْسَطُ لَهُ شَيْءٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَى التُّرَابِ، وَلَا عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ بِهَيْبَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْخُصُومِ، وَيَجْعَلُ جُلُوسَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ.
وَهَذِهِ الْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ، إلَّا الْخُلُوَّ مِنْ الْغَضَبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّ فِي اشْتِرَاطِهِ رِوَايَتَيْنِ.

[فَصْلٌ أَوَّلُ مَا يَنْظُرُ فِيهِ الْقَاضِي إذَا جَلَسَ لِلْحَكَمِ]

فَصْلٌ: وَإِذَا جَلَسَ الْحَاكِمُ فِي مَجْلِسِهِ، فَأَوَّلُ مَا يَنْظُرُ فِيهِ أَمْرُ الْمَحْبُوسِينَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ، فَيَنْفُذُ إلَى حَبْسِ الْقَاضِي الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ثِقَةً، يَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ، وَفِيمَ حُبِسَ؟ وَلِمَنْ حُبِسَ؟ فَيَحْمِلُهُ إلَيْهِ، فَيَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: أَلَا إنَّ الْقَاضِيَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ يَوْمَ كَذَا، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَحْبُوسٌ فَلْيَحْضُرْ.
فَإِذَا حَضَرَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَحَضَرَ النَّاسُ، تَرَكَ الرِّقَاعَ الَّتِي فِيهَا اسْمُ الْمَحْبُوسِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهَا، فَمَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْهَا نَظَرَ إلَى اسْمِ الْمَحْبُوسِ، وَقَالَ: مَنْ خَصْمُ فُلَانٍ الْمَحْبُوسِ.
فَإِذَا قَالَ خَصْمُهُ: أَنَا.
بَعَثَ مَعَهُ ثِقَةً إلَى الْحَبْسِ، فَأَخْرَجَ خَصْمَهُ، وَحَضَرَ مَعَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي قَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّسِعُ زَمَانُهُ لِلنَّظَرِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُمْ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَحْبُوسُ وَخَصْمُهُ، لَمْ يَسْأَلْ خَصْمَهُ: لِمَ حَبَسْته؟ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا حَبَسَهُ بِحَقٍّ، لَكِنْ يَسْأَلُ الْمَحْبُوسَ: بِمَ حُبِسْت؟ وَلَا يَخْلُو جَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَقُولَ: حَبَسَنِي بِحَقِّ لَهُ حَالٍّ، أَنَا مَلِيءٌ بِهِ.
فَيَقُولَ لَهُ الْحَاكِمُ: اقْضِهِ، وَإِلَّا رَدَدْتُك فِي الْحَبْسِ.
الثَّانِي، أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ، أَنَا مُعَسِّرٌ بِهِ.
فَيَسْأَلُ خَصْمَهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ، فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَأَطْلَقَهُ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ، نَظَرَ فِي سَبَبِ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِهِ مَالٌ، كَقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ فِي الْإِعْسَارِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ أَوْ نَفِدَ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ مُعَسِّرٌ، فَيَزُولُ الْأَصْلُ الَّذِي ثَبَتَ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلُ مَالٍ، وَلَمْ تَكُنْ لِخَصْمِهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَحْبُوسِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مُعَسِّرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِعْسَارُ.
وَإِنْ شَهِدَتْ لِخَصْمِهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ لَهُ مَالًا، لَمْ تُقْبَلْ حَتَّى تُعَيِّنَ ذَلِكَ الْمَالَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ، فَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِدَارٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَصَدَّقَهَا، فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَذَّبَهَا، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لِي، وَإِنَّمَا هُوَ فِي يَدَيَّ لِغَيْرِي.
لَمْ يُقْبَلْ

إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ إلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ حَاضِرًا، نَظَرْت، فَإِنْ كَذَّبَهُ فِي إقْرَارِهِ، سَقَطَ، وَقُضِيَ مِنْ الْمَالِ دَيْنُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً، وَصَاحِبُ الْيَدِ يُقِرُّ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا، وَيُقْضَى الدَّيْنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ لِصَاحِبِ الْيَدِ بِالْمِلْكِ، فَتَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهَا وُجُوبَ الْقَضَاءِ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، قُبِلَتْ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُخَلِّصَ مَالَهُ، وَيَعُودَ إلَيْهِ، فَتَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ، فَلَمْ تَبْطُلْ الْبَيِّنَةُ بِقَوْلِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ، وَتَسْقُطُ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيهِ وَيُنْكِرُهُ.
الْجَوَابُ الثَّالِثُ، أَنْ يَقُولَ: حَبَسَنِي لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ عَلَيَّ لِخَصْمِي بِحَقٍّ لِيَبْحَثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ.
فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ، فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ إنْ صَدَّقَهُ خَصْمُهُ فِي هَذَا.
وَالثَّانِي، يَجُوزُ حَبْسُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَقَامَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ الْبَحْثِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِ شُهُودِهِ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ خَصْمُهُ، وَقَالَ: بَلْ قَدْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَةَ شُهُودِي، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ حَبْسَهُ بِحَقٍّ.
الْجَوَابُ الرَّابِعُ، أَنْ يَقُولَ: حَبَسَنِي الْحَاكِمُ بِثَمَنِ كَلْبٍ، أَوْ قِيمَةِ خَمْرٍ أَرَقْته لِذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ.
فَإِنْ صَدَّقَهُ خَصْمُهُ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُطْلِقُهُ؛ لِأَنَّ غُرْمَ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْحَاكِمَ يُنَفِّذُ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِ غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ خَصْمُهُ، وَقَالَ: بَلْ حُبِسْت بِحَقِّ وَاجِبٍ غَيْرِ هَذَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ.
الْجَوَابُ الْخَامِسُ، أَنْ يَقُولَ: حُبِسْت ظُلْمًا، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ.
فَيُنَادِي مُنَادِي الْحَاكِمِ بِذِكْرِ مَا قَالَهُ، فَإِنْ حَضَرَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا خَصْمُهُ.
فَأَنْكَرَهُ، وَكَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ كُلِّفَ الْجَوَابَ عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَصْمٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا خَصْمَ لَهُ، أَوْ لَا حَقَّ عَلَيْهِ، وَيُخْلَى سَبِيلُهُ.

[فَصْلٌ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي أَمْرِ الْأَوْصِيَاءِ]

(8227) فَصْلٌ: ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَوْصِيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ نَاظِرِينَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَتَفْرِقَةِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ، فَيَقْصِدُهُمْ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ، فَإِنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا قَوْلَ لَهُمَا، وَالْمَسَاكِينُ لَا يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ، فَإِذَا قَدِمَ إلَيْهِ الْوَصِيُّ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَبْلَهُ نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ، لَمْ يَعْزِلْهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَا نَفَّذَ

وَصِيَّتَهُ إلَّا وَقَدْ عَرَفَ أَهْلِيَّتَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ يُرَاعِيهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ، أَضَافَ إلَيْهِ أَمِينًا قَوِيًّا يُعِينُهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَا نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ، نَظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ أَمِينًا قَوِيًّا، أَقَرَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا أَوْ ضَعِيفًا، ضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، عَزَلَهُ وَأَقَامَ غَيْرَهُ.
وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ، أَوْ فَرَّقَ الْوَصِيَّةَ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْوَصِيَّةِ، نَفَّذَ تَصَرُّفَهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِأَهْلٍ، وَكَانَ أَهْلُ الْوَصِيَّةِ بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُعِينِينَ، صَحَّ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَبَضُوا حُقُوقَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعِينِينَ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِ الضَّمَانُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ.
وَالثَّانِي، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى أَهْلِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَرَّقَ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ الْمُوصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ]

(8228) فَصْلٌ: ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ، وَهُمْ مَنْ رَدَّ إلَيْهِمْ الْحَاكِمُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ، وَتَفْرِقَةِ الْوَصَايَا الَّتِي لَمْ يُعَيَّنْ لَهَا وَصِيٌّ، فَإِنْ كَانُوا بِحَالِهِمْ، أَقَرَّهُمْ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَّاهُمْ، وَمَنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْهُمْ، عَزَلَهُ إنْ فَسَقَ، وَإِنْ ضَعُفَ، ضَمَّ إلَيْهِ أَمِينًا.

[فَصْلٌ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي أَمْرِ الضَّوَالِّ وَاللَّقْطَة]

(8229) فَصْلٌ: ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الضَّوَالِّ وَاللُّقَطَةِ الَّتِي تَوَلَّى الْحَاكِمُ حِفْظَهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُخَافُ تَلَفُهُ كَالْحَيَوَانِ، أَوْ فِي حِفْظِهِ مُؤْنَةٌ كَالْأَمْوَالِ الْجَافِيَةِ، بَاعَهَا، وَحَفِظَ ثَمَنَهَا لِأَرْبَابِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ كَالْأَثْمَانِ، حَفِظَهَا لِأَرْبَابِهَا، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا لِتُعْرَفَ.

[مَسْأَلَةٌ حُكْم الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ]

(8230) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ، فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ غَضْبَانُ.
كَرِهَ ذَلِكَ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
«وَكَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ، أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَبِي مُوسَى: إيَّاكَ وَالْغَضَبَ، وَالْقَلَقَ، وَالضَّجَرَ، وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ، وَالتَّنَكُّرَ لَهُمْ عِنْدَ الْخُصُومَةِ، فَإِذَا رَأَيْت الْخَصْمَ يَتَعَمَّدُ الظُّلْمَ، فَأَوْجِعْ رَأْسَهُ.
وَلِأَنَّهُ إذَا غَضِبَ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ رَأْيَهُ وَفِكْرَهُ.

وَفِي مَعْنَى الْغَضَبِ كُلُّ مَا شَغَلَ فِكْرَهُ مِنْ الْجُوعِ الْمُفْرِطِ، وَالْعَطَشِ الشَّدِيدِ، وَالْوَجَعِ الْمُزْعِجِ، وَمُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَشِدَّةِ النُّعَاسِ، وَالْهَمِّ، وَالْغَمِّ، وَالْحُزْنِ، وَالْفَرَحِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تَمْنَعُ الْحَاكِمَ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ، وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ، الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَتَجْرِي مَجْرَاهُ.
فَإِنْ حَكَمَ فِي الْغَضَبِ أَوْ مَا شَاكَلَهُ، فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ، أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَصَمَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِك.
فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك.
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجُدُرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَحَكَمَ فِي حَالِ غَضَبِهِ.
وَقِيلَ: إنَّمَا يَمْنَعُ الْغَضَبُ الْحَاكِمَ إذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَّضِحَ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَأَمَّا إنَّ اتَّضَحَ الْحُكْمُ، ثُمَّ عَرَضَ الْغَضَبُ، لَمْ يَمْنَعْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ اسْتَبَانَ قَبْلَ الْغَضَبِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْغَضَبُ فِيهِ.

[مَسْأَلَةٌ الْحَاكِمَ إذَا حَضَرَتْهُ قَضِيَّةٌ مُشْكِلَة]

(8231) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ الْمُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، شَاوَرَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَضَرَتْهُ قَضِيَّةٌ تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، حَكَمَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ؛ «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ . قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ . قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، وَلَا آلُو.
قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] . قَالَ الْحَسَنُ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَغَنِيًّا عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ

بِذَلِكَ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ.
وَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَفِي مُصَالَحَةِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَفِي لِقَاءِ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَرُوِيَ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَشَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ.
وَرُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، إذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ شَاوَرَهُمْ فِيهِ.
وَلَا مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَمَّا وَلِي سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ، كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا، وَوَلِيَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، فَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ يُشَاوِرُهُمَا، مَا أَحْسَنَ هَذَا لَوْ كَانَ الْحُكَّامُ يَفْعَلُونَهُ، يُشَاوِرُونَ وَيَنْتَظِرُونَ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَبِهُ بِالْمُشَاوِرَةِ، وَيَتَذَكَّرُ مَا نَسِيَهُ بِالْمُذَاكَرَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الْعُلُومِ مُتَعَذِّرَةٌ.
وَقَدْ يَنْتَبِهُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَمَعْرِفَةِ الْحَادِثَةِ مَنْ هُوَ دُونَ الْقَاضِي، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَاوِيهِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، جَاءَتْهُ الْجَدَّتَانِ، فَوَرَّثَ أُمَّ الْأُمِّ، وَأَسْقَطَ أُمَّ الْأَبِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَقَدْ أَسْقَطْت الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَرِثَهَا، وَوَرَّثْت الَّتِي لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا.
فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَشْرَكَ بَيْنَهُمَا.
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ، كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْت رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي، وَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ مَا يُفْطِرُ.
فَاسْتَغْفَرَ لَهَا، وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَقَالَ: مِثْلُك أَثْنَى الْخَيْرِ.
قَالَ: وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ فَقَامَتْ رَاجِعَةً، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا أَعْدَيْت الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا؟ قَالَ: وَمَا شَكَتْ؟ قَالَ: شَكَتْ زَوْجَهَا أَشَدَّ الشِّكَايَةِ.
قَالَ: أَوْ ذَاكَ أَرَادَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الْمَرْأَةَ.
فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالْحَقِّ أَنْ تَقُولِيهِ، إنَّ هَذَا زَعَمَ أَنَّك جِئْت

تَشْكِينَ زَوْجَك، أَنَّهُ يَجْتَنِبُ فِرَاشَك.
قَالَتْ: أَجَلْ، إنِّي امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، وَإِنِّي لَأَبْتَغِيَ مَا يَبْتَغِي النِّسَاءُ.
فَأَرْسَلَ إلَى زَوْجِهَا، فَجَاءَ، فَقَالَ لِكَعْبٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا.
قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَحَقُّ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ: عَزَمْت عَلَيْك لَتَقْضِيَنَّ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّك فَهِمْت مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْ.
قَالَ: فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، هِيَ رَابِعَتُهُنَّ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا رَأْيُك الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ الْآخَرِ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا قَوْلَ لَهُ فِي الْحَادِثَةِ، وَلَا يُسْكَنُ إلَى قَوْلِهِ.
قَالَ سُفْيَانُ: وَلْيَكُنْ أَهْلُ مَشُورَتِك أَهْلَ التَّقْوَى وَأَهْلَ الْأَمَانَةِ.
وَيُشَاوِرُ الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ حُجَّتِهِمْ، لِيَبِينَ لَهُ الْحَقُّ.
(8232) فَصْلٌ: وَالْمُشَاوَرَةُ هَاهُنَا لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ، وَيَعْرِفُ الْحَقَّ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، وَيَحْكُمَ بُقُولِ سِوَاهُ، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ، وَسَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ لَمْ يَضِقْ.
وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، جَازَ لَهُ تَرْكُ رَأْيِهِ لِرَأْيِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ عِنْدَهُ إذَا صَارَ إلَيْهِ، فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ.
وَلِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَعْرَفُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مِثْلَهُ، كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، فَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ مَا قَالَهُ خَطَأٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْحَقُّ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِينَ لَهُ خَطَؤُهُ إذَا اجْتَهَدَ.

[فَصْلٌ يُحْضِرَ الْقَاضِي مَجْلِسَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ]

فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ، حَتَّى إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ، يُفْتَقَرُ إلَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهَا سَأَلَهُمْ، لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لِاجْتِهَادِهِ، وَأَقْرَبُ لِصَوَابِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ.
نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا.

[فَصْلٌ يُحْضِرَ الْقَاضِي شُهُودَهُ مَجْلِسَهُ]

(8234) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْضِرَ شُهُودَهُ مَجْلِسَهُ، لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ، وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحُجَجُ وَالْمَحَاضِرُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ

يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَدْنَاهُمْ إلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَدَهُمْ مِنْهُ، بِحَيْثُ إذَا احْتَاجَ إلَى إشْهَادِهِمْ عَلَى حُكْمِهِ اسْتَدْعَاهُمْ لِيَشْهَدُوا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، أَجْلَسَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، لِئَلَّا يُقِرَّ مِنْهُمْ مُقِرٌّ ثُمَّ يُنْكِرَ وَيَجْحَدَ، فَيَحْفَظُوا عَلَيْهِ إقْرَارَهُ، وَيَشْهَدُوا بِهِ.

[فَصْلٌ إذَا اسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَتَبَيَّنَ لِلْقَاضِيَّ مَوْضِعُ الظَّالِمِ]

(8235) فَصْلٌ: وَإِذَا اتَّصَلَتْ بِهِ الْحَادِثَةُ، وَاسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، حَكَمَ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا لَبْسٌ، أَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ، فَإِنْ أَبَيَا أَخَّرَهُمَا إلَى الْبَيَانِ، فَإِنَّ عَجَّلَهَا قَبْلَ الْبَيَانِ، لَمْ يَصْلُحْ حُكْمُهُ.
وَمِمَّنْ رَأَى الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ الْقَوْمِ الضَّغَائِنَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إنَّمَا يَسَعُهُ الصُّلْحُ فِي الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ، أَمَّا إذَا اسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ مَوْضِعُ الظَّالِمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا عَلَى الصُّلْحِ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ مَا أَصْلَحَ بَيْنَ مُتَحَاكِمَيْنِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.

[فَصْلٌ وَإِذَا حَدَثَتْ لِلْقَاضِيَّ حَادِثَةٌ]

(8236) فَصْلٌ: وَإِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدَهَا، وَإِلَّا نَظَرَ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا، نَظَرَ فِي الْقِيَاسِ، فَأَلْحَقَهَا بِأَشْبَهِ الْأُصُولِ بِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، وَعَمْرٌو وَالرِّجَالُ مَجْهُولُونَ، إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا، تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ، وَجَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ مَا يُوَافِقُهُ، فَرَوَى سَعِيدٌ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِشُرَيْحٍ: اُنْظُرْ مَا يَتَبَيَّنُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، وَمَا لَا يَتَبَيَّنُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَاتَّبِعْ فِيهِ السُّنَّةَ، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَك فِي السُّنَّةِ، فَاجْتَهِدْ فِيهِ رَأْيَك.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَة حُكْمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ]

(8237) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ، لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَلَا بَعْدَهَا.
هَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَالَتْ لَهُ هِنْدٌ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي

وَوَلَدِي.
قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» . فَحَكَمَ لَهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ، لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهَا.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فِي " كِتَابِهِ " أَنَّ عُرْوَةَ وَمُجَاهِدًا رَوَيَا، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ عُمَرُ: إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا لَعِبْت أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ، فَأْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ.
فَأَتَاهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، انْهَضْ بِنَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا.
فَنَهَضُوا، وَنَظَرَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هَاهُنَا فَضَعْهُ هَاهُنَا.
فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ.
فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ.
فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ.
فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: خُذْهُ لَا أُمَّ لَك، فَضَعْهُ هَاهُنَا، فَإِنَّك مَا عَلِمْت قَدِيمَ الظُّلْمِ.
فَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ الْحَجَرَ، وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ حَيْثُ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَبْت أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ، وَأَذْلَلْته لِي بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ، إذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْت فِي قَلْبِي مِنْ الْإِسْلَامِ مَا أَذِلُّ بِهِ لِعُمَرَ.
قَالُوا: فَحَكَمَ بِعِلْمِهِ.
وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِالشَّاهِدَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَغْلِبَانِ عَلَى الظَّنِّ، فَمَا تَحَقَّقَهُ وَقَطَعَ بِهِ، كَانَ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي تَعْدِيلِ الشُّهُودِ وَجَرْحِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ، قِيَاسًا عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، لَا يَحْكُمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ، وَمَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ، حَكَمَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشُّهُودِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ، وَمَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشُّهُودِ فِي وِلَايَتِهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ» . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ، لَا بِمَا يَعْلَمُ «. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَضِيَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ: شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَاكَ» . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ تَدَاعَى عِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: أَنْتَ شَاهِدِي.
فَقَالَ: إنَّ شِئْتُمَا شَهِدْت وَلَمْ أَحْكُمُ، أَوْ أَحْكُمُ وَلَا أَشْهَدُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فِي " كِتَابِهِ "، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ، وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ، أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
فَصَعِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِنْبَرَ

فَخَطَبَ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لَا.
فَهَمَّ بِهِمْ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ صَعِدَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ . قَالُوا: نَعَمْ» . وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِعِلْمِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَوْ رَأَيْت حَدًّا عَلَى رَجُلٍ، لَمْ أَحُدَّهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ.
وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ يُفْضِي إلَى تُهْمَتِهِ، وَالْحُكْمِ بِمَا اشْتَهَى، وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ فُتْيَا لَا حُكْمٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْتَى فِي حَقِّ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ.
وَحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي رَوَوْهُ، كَانَ إنْكَارًا لِمُنْكَرٍ رَآهُ، لَا حُكْمًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَا وُجِدَتْ مِنْهُمَا دَعْوَى وَإِنْكَارٌ بِشُرُوطِهِمَا وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حُكْمًا، كَانَ مُعَارَضًا بِمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ، وَيُفَارِقُ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدَيْنِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى تُهْمَةٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَأَمَّا الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ بِعِلْمِهِ، لَتَسَلْسَلَ، فَإِنَّ الْمُزَكِّيَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمَا وَجَرْحِهِمَا، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ، احْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مُزَكِّيَيْنِ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى مُزَكِّيَيْنِ، فَيَتَسَلْسَلُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِخِلَافِهِ.

[فَصْلٌ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ]

(8238) فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، إذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَمِعَهُ شَاهِدٌ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ حَتَّى يَسْمَعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِعِلْمِهِ.

[مَسْأَلَةٌ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِ قَضِيَّةٌ قَدْ قَضَى بِهَا حَاكِمٌ سِوَاهُ]

(8239) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَنْقُضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ، إلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إجْمَاعًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِ قَضِيَّةٌ قَدْ قَضَى بِهَا حَاكِمٌ سِوَاهُ، فَبَانَ لَهُ خَطَؤُهُ، أَوْ بَانَ لَهُ خَطَأُ نَفْسِهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ، نَقَضَ حُكْمَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزَادَ: إذَا خَالَفَ نَصًّا جَلِيًّا نَقَضَهُ وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يَنْقُضُ الْحُكْمَ إلَّا إذَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ.
ثُمَّ نَاقَضَا ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: إذَا حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ نَقَضَ حُكْمَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا حَكَمَ بِبَيْعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، أَوْ حَكَمَ بَيْنَ الْعَبِيدِ بِالْقُرْعَةِ، نَقَضَ حُكْمَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، نَقَضَ حُكْمَهُ.
وَهَذِهِ مَسَائِلُ خِلَافٍ مُوَافَقَةٌ لِلسُّنَّةِ.
وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ بِأَنَّهُ يَسُوغُ فِيهِ الْخِلَافُ، فَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ فِيهِ، كَمَا لَا نَصَّ فِيهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد أَنَّهُ يَنْقُضُ جَمِيعَ مَا بَانَ لَهُ خَطَؤُهُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلَى أَبِي

مُوسَى: لَا يَمْنَعَنَّك قَضَاءٌ قَضَيْته بِالْأَمْسِ، ثُمَّ رَاجَعْت نَفْسَك فِيهِ الْيَوْمَ، فَهُدِيت لِرُشْدِك أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ؛ فَإِنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ، وَلِأَنَّهُ خَطَأٌ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ وَافَقَهُمَا فِي قَضَاءِ نَفْسِهِ.
وَلَنَا، عَلَى نَقْضِهِ إذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا، أَنَّهُ قَضَاءٌ لَمْ يُصَادِفْ شَرْطَهُ، فَوَجَبَ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ، وَبَيَانُ مُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْطِ، أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ، بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ، وَلِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، أَوْ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ.
وَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ لَمْ يُعِدْ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ يَسْقُطُ حَالَ الْعُذْرِ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ نَحْوِهِ، مَعَ الْعِلْمِ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالٍ.
الثَّانِي، أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى، تَدْخُلُهَا الْمُسَامَحَةُ الثَّالِثُ، أَنَّ الْقِبْلَةَ يَتَكَرَّرُ فِيهَا اشْتِبَاهُ الْقِبْلَةِ، فَيَشُقُّ الْقَضَاءُ.
وَهَا هُنَا إذَا بَانَ لَهُ الْخَطَأُ لَا يَعُودُ الِاشْتِبَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَالِفَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا، أَوْ خَالَفَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ مَنْ قَبْلَهُ، لَمْ يَنْقُضْهُ لِمُخَالَفَتِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ بِاجْتِهَادِهِ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ، وَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُ وَعَلِيٌّ خَالَفَ عُمَرَ فِي اجْتِهَادِهِ، فَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُ، وَخَالَفَهُمَا عَلِيٌّ، فَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُمَا، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ، وَأَعْطَى الْعَبِيدَ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ، فَفَاضَلَ بَيْنَ النَّاسِ، وَخَالَفَهُمَا عَلِيٌّ فَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ وَحَرَّمَ الْعَبِيدَ، وَلَمْ يَنْقُضْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَهُ مَنْ قَبْلَهُ وَجَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كِتَابُك بِيَدِك، وَشَفَاعَتُك بِلِسَانِك.
فَقَالَ: وَيْحَكُمْ، إنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ، وَلَنْ أَرُدَّ قَضَاءً قَضَى بِهِ عُمَرُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ حَكَمَ فِي الْمُشْتَرَكَةِ بِإِسْقَاطِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَيْنَهُمْ بَعْدُ، وَقَالَ: تِلْكَ عَلَى

مَا قَضَيْنَا، وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا.
وَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ، وَلَمْ يَرُدَّ الْأُولَى.
وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّالِثَ يُخَالِفُ الثَّانِيَ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ شُرَيْحًا حُكْمَ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، أَنَّ الْمَالَ لِلْأَخِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْعَبْدِ.
فَجِيءَ بِهِ.
فَقَالَ: فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْت ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75] . فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12] . وَنَقَضَ حُكْمَهُ.
قُلْنَا: لَمْ يَثْبُتْ عَنَدْنَا أَنَّ عَلِيًّا نَقَضَ حُكْمَهُ، وَلَوْ ثَبَتَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اعْتَقَدَ أَنَّهُ خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، فَنَقَضَ حُكْمَهُ لِذَلِكَ.

[فَصْلٌ تُغَيِّرَ اجْتِهَادُ الْحَاكِم قَبْلَ الْحُكْمِ]

(8240) فَصْلٌ: إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَكَمَ فَقَدْ حَكَمَ بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى لَا يُعِيدُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، صَلَّى إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا.
وَلِذَلِكَ إذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ، لَمْ يَنْقُضْهُ.

[فَصْلٌ تَتَبُّعُ الْحَاكِمِ قَضَايَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ]

(8241) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ تَتَبُّعُ قَضَايَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا وَصَوَابُهَا، وَأَنَّهُ لَا يُوَلِّي الْقَضَاءَ إلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ، فَإِنْ تَتَبَّعَهَا نَظَرَ فِي الْحَاكِمِ قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَمَا وَافَقَ مِنْ أَحْكَامِهِ الصَّوَابَ، أَوْ لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا، لَمْ يَسُغْ نَقْضُهُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَانَ فِي حَقٍّ لِلَّهِ - تَعَالَى، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ، نَقَضَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، لَمْ يَنْقُضْهُ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل