المغني لابن قدامةصفحات 361-400
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 361-400
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[فَصْلٌ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِصِفَةِ ثُمَّ أَبَانَهَا بِخَلْعِ أَوْ طَلَاقٍ ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا وَوَجَدَتْ الصِّفَةُ]

(5812) فَصْلٌ: إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِصِفَةٍ، ثُمَّ أَبَانَهَا بِخُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، وَوُجِدَتْ.
الصِّفَةُ، طَلُقَتْ.
وَمِثَالُهُ إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْت أَبَاك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ أَبَانَهَا بِخُلْعٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَكَلَّمَتْ أَبَاهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
فَأَمَّا إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ وُجِدَتْ مَرَّةً أُخْرَى، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَطْلُقُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
فَبَاعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، يَعْنِي فَاشْتَرَاهُ، فَإِنْ رَجَعَ وَقَدْ دَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فَلَا يَدْخُلُ إذَا رَجَعَ إلَيْهِ، فَإِنْ دَخَلَ عَتَقَ.
فَإِذَا نَصَّ فِي الْعِتْقِ عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعُودُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّلَاقِ مِثْلُهُ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَشَوَّفُ الشَّرْعُ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ: وَإِذَا قَالَ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ إنْ تَزَوَّجَهَا.
وَلَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ.
فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعُودُ إذَا أَبَانَهَا بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ.
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لُزُوجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ نَكَحَهَا الْحَالِفُ، ثُمَّ دَخَلْت الدَّارَ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ.
وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمِلْكِ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنْ أَبَانَهَا دُونَ الثَّلَاثِ فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ فِي الْبَيْنُونَةِ، ثُمَّ نَكَحَهَا، لَمْ تَنْحَلَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحَدِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: لَا تَعُودُ الصِّفَةُ بِحَالٍ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ وُجِدَ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِالصِّفَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت الدَّارَ.
ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ.
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
فَأَمَّا إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ، انْحَلَّتْ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاق فِيهِ، فَسَقَطَتْ الْيَمِينُ، وَإِذَا انْحَلَّتْ مَرَّةً، لَمْ يُمْكِنْ عَوْدُهَا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
وَلَنَا أَنَّ عَقَدَ الصِّفَةِ وَوُقُوعَهَا وُجِدَا فِي النِّكَاحِ، فَيَقَعُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ بَيْنُونَةٌ، أَوْ كَمَا لَوْ بَانَتْ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ تَفْعَلْ الصِّفَةَ.
وَقَوْلُهُمْ: أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ قَبْلَ نِكَاحٍ.
قُلْنَا: يَبْطُلُ بِمَا إذَا لَمْ يُكْمِلْ الثَّلَاثَ.
وَقَوْلُهُمْ: تَنْحَلُ الصِّفَةُ بِفِعْلِهَا.
قُلْنَا: إنَّمَا تَنْحَلُ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهٍ يَحْنَثُ بِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُلَّ وَعُقِدَ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ عَقْدَهَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ، فَكَذَلِكَ حَلُّهَا، وَالْحِنْثُ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الصِّفَةِ حَالَ بَيْنُونَتِهَا، فَلَا تَنْحَلُ الْيَمِينُ.
وَأَمَّا الْعِتْقُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:

إحْدَاهُمَا، أَنَّ الْعِتْقَ كَالنِّكَاحِ فِي أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَنْحَلُّ بِوُجُودِهَا بَعْدَ بَيْعِهِ، فَيَكُونُ كَمَسْأَلَتِنَا.
وَالثَّانِيَةُ، تَنْحَلُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّانِي لَا يُبْنَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَفَارَقَ النِّكَاحَ، فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ عَدَدُ الطَّلَاقِ، فَجَازَ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ فِي عَوْدِ الصِّفَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُ حِيلَةً عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ، وَالْحِيَلُ خِدَاعٌ لَا تُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَإِنَّ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنَ بَطَّةَ رَوَيَا بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِآيَاتِهِ: قَدْ طَلَّقْتُك، قَدْ رَاجَعْتُك، قَدْ طَلَّقْتُك» . وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ: " خَالَعْتُكَ، وَرَاجَعْتُك طَلَّقْتُك، رَاجَعْتُك " وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» . (5813) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الصِّفَةُ لَا تَعُودُ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي، مِثْلُ إنْ قَالَ: إنْ أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
ثُمَّ أَبَانَهَا، فَأَكَلَتْهُ، ثُمَّ نَكَحَهَا، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ حِنْثَهُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، وَمَا وُجِدَتْ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِأَكْلِهَا لَهُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الطَّلَاقِ]

[فَصْلٌ الطَّلَاقُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ]

ِ الطَّلَاقُ: حِلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ.
وَهُوَ مَشْرُوعٌ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى «ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ.
وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَاقِ، وَالْعِبْرَةُ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا فَسَدَتْ الْحَالُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيَصِيرُ بَقَاءُ النِّكَاحِ مَفْسَدَةً مَحْضَةً، وَضَرَرًا مُجَرَّدًا بِإِلْزَامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، وَحَبْسِ الْمَرْأَةِ، مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ، وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ شَرْعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ، لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ.
(5814) فَصْلٌ: وَالطَّلَاقُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ؛ وَاجِبٌ، وَهُوَ طَلَاقُ الْمُولِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا أَبَى الْفَيْئَةَ، وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ، إذَا رَأَيَا ذَلِكَ.
وَمَكْرُوهٌ، وَهُوَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَإِعْدَامٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ، فَكَانَ حَرَامًا، كَإِتْلَافِ الْمَالِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ.» وَفِي لَفْظٍ

: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبْغَضًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَالًا، وَلِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
وَالثَّالِثُ، مُبَاحٌ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ، وَسُوءِ عِشْرَتِهَا، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا.
وَالرَّابِعُ، مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَهُوَ عِنْد تَفْرِيطِ الْمَرْأَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهَا، أَوْ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ عَفِيفَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدِينِهِ، وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا لِفِرَاشِهِ، وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ، وَلَا بَأْسَ بِعَضْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا؛ لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] . وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَاجِبٌ.
وَمِنْ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الشِّقَاقِ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي تُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِتُزِيلَ عَنْهَا الضَّرَرَ.
وَأَمَّا الْمَحْظُورُ، فَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَكُلِّ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَيُسَمَّى طَلَاقَ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ خَالَفَ السُّنَّةَ، وَتَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتْبِعَهَا بِتَطْلِيقَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ عِنْدَ الْقُرْأَيْنِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ؛ إنَّك أَخْطَأْت السُّنَّةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ.» وَلِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ طَوَّلَ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا، وَلَا الطُّهْرَ الَّذِي بَعْدَهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضَ، وَإِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَيَنْدَمَ، وَتَكُونَ مُرْتَابَةً لَا تَدْرِي أَتَعْتَدُّ بِالْحَمْلِ أَوْ الْأَقْرَاءِ؟

[مَسْأَلَةٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ]

(5815) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا)

مَعْنَى طَلَاقِ السُّنَّةِ الطَّلَاقُ الَّذِي وَافَقَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، أَنَّهُ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ، مُطَلِّقٌ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا.
قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ.
وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . وَقَالَ: طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ.
وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ: «لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» . فَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا آخِرَ قَبْلَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، كَانَ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمَ جَمْعِ الثَّلَاثِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: طَلَاقُ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا، فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ، الْكُوفِيِّينَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَاجِعْهَا، ثُمَّ أَمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ.» قَالُوا: وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ طُهْرٌ كَامِلٌ، فَإِذَا مَضَى وَمَضَتْ الْحَيْضَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ: " وَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فَيُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ ". وَرَوَى النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا تَطْلِيقَةً، وَهِيَ طَاهِرٌ، فِي غَيْرِ جِمَاعٍ، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، طَلَّقَهَا أُخْرَى، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْضَةِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ ثَلَاثًا.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ الطَّلَاقِ، مَا يُتْبِعُ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأَةً أَبَدًا، يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ يَدَعُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَةً، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا.
رَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، أَوْ يُرَاجِعَهَا إنْ شَاءَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعُ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخِرُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْد ارْتِجَاعِهَا، وَمَتَى ارْتَجَعَ بَعْدَ الطَّلْقَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا،

كَانَ لِلسُّنَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، حَتَّى قَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ لَشَهْوَةٍ، ثُمَّ وَالَى بَيْنَ الثَّلَاثِ، كَانَ مُصِيبًا لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَجَعًا لَهَا.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ إذَا ارْتَجَعَهَا، سَقَطَ حُكْمُ الطَّلْقَةِ الْأُولَى، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ، وَلَا غِنَى بِهِ عَنْ الطَّلْقَةِ الْأُخْرَى إذَا احْتَاجَ إلَى فِرَاقِ امْرَأَتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا؛ فَإِنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا، لِإِفْضَائِهَا إلَى مَقْصُودِهِ مِنْ إبَانَتِهَا، فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إرْدَافُ طَلَاقٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِجَاعٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ، كَجَمْعِ الثَّلَاثِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَتَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ لَا يَزُولُ إلَّا بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ، كَجَمْعِ الثَّلَاثِ.

[فَصْلٌ طَلَاق الْبِدْعَةِ]

(5816) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَ لِلْبِدْعَةِ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا، أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، أَثِمَ، وَوَقَعَ طَلَاقُهُ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ.
وَحَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، وَالشِّيعَةُ قَالُوا: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ فِي قُبُلِ الْعِدَّةِ، فَإِذَا طَلَّقَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقَعَ، كَالْوَكِيلِ إذَا أَوْقَعَهُ فِي زَمَنٍ أَمَرَهُ مُوَكِّلُهُ بِإِيقَاعِهِ فِي غَيْرِهِ.
وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَاجِعَهَا.
وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: «فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْت لَوْ أَنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا، أَكَانَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا؟ قَالَ: لَا، كَانَتْ تَبِينُ مِنْك، وَتَكُونُ مَعْصِيَةً.» وَقَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهِ، وَرَاجَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: أَفَتُعْتَدُّ عَلَيْهِ، أَوْ تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ.
لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي مَحَلِّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ، كَطَلَاقِ الْحَامِلِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبِهِ، فَيَعْتَبِرُ لِوُقُوعِهِ مُوَافَقَةَ السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ إزَالَةُ عِصْمَةٍ، وَقَطْعُ مِلْكٍ، فَإِيقَاعُهُ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ أَوْلَى، تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَعُقُوبَةً لَهُ، أَمَّا غَيْرُ الزَّوْجِ، فَلَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، وَالزَّوْجُ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِهِ مَحَلَّهُ.

[فَصْلٌ مُرَاجَعَة الْمُطَلَّقَة]

(5817) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَاجِعَهَا، لَأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُرَاجَعَتِهَا، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ، وَلِأَنَّهُ بِالرَّجْعَةِ يُزِيلُ الْمَعْنَى الَّذِي حَرَّمَ الطَّلَاقَ.
وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى،

أَنَّ الرَّجْعَةَ تَجِبُ.
وَاخْتَارَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَدَاوُد؛ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَجْرِي مَجْرَى اسْتِبْقَاءِ النِّكَاحِ، وَاسْتِبْقَاؤُهُ هَاهُنَا وَاجِبٌ؛ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلزَّوْجَةِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] فَوَجَبَ ذَلِكَ كَإِمْسَاكِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُد: يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا.
قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
إلَّا أَشْهَبَ، قَالَ: مَا لَمْ تَطْهُرْ، ثُمَّ تَحِيضُ، ثُمَّ تَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَجْعَتُهَا فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَرْتَفِعُ بِالرَّجْعَةِ، فَلَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ فِيهِ، كَالطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَجِبُ.
حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى يَنْتَقِضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالرَّجْعَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
(5818) فَصْلٌ: فَإِنْ رَاجَعَهَا، وَجَبَ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ، وَاسْتُحِبَّ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُرَ، عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيث ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهَا، أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكَادُ تُعْلَمُ صِحَّتُهَا؛ إلَّا بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ الْمَبْغِيُّ مِنْ النِّكَاحِ، وَلَا يَحْصُلُ الْوَطْءُ إلَّا فِي الطُّهْرِ، فَإِذَا وَطِئَهَا حَرُمَ طَلَاقُهَا فِيهِ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، وَاعْتَبَرْنَا مَظِنَّةَ الْوَطْءِ وَمَحَلَّهُ لَا حَقِيقَتَهُ، وَمِنْهَا أَنَّ الطَّلَاقَ كُرِهَ فِي الْحَيْضِ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِيبَ الرَّجْعَةِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطْعَ حُكْمِ الطَّلَاقِ بِالْوَطْءِ، وَاعْتُبِرَ الطُّهْرُ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْوَطْءِ، فَإِذَا وَطِئَ حَرُمَ طَلَاقُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا، حَتَّى إذَا طَهُرَتْ أُخْرَى، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا» . رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَمِنْهَا، أَنَّهُ عُوقِبَ عَلَى إيقَاعِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُحَرَّمِ بِمَنْعِهِ مِنْهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ.
وَذَكَرَ غَيْرَ هَذَا.
فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: لَا يُطَلِّقُهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَهَذَا مُطَلِّقٌ لِلْعِدَّةِ، فَيَدْخُلُ فِي الْأَمْرِ.
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ.
وَلَمْ يَذْكُرُوا تِلْكَ الزِّيَادَةَ» . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ طُهْرٌ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَ الثَّانِيَ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.

[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ]

(5819) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، كَانَ أَيْضًا لِلسُّنَّةِ، وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمْعِ الثَّلَاثِ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالشَّعْبِيِّ «؛ لِأَنَّ عُوَيْمِرَ الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ، قَالَ: كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا.
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي، فَبِتَّ طَلَاقِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ زَوْجَهَا أَرْسَلَ إلَيْهَا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَات.
وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ جَازَ تَفْرِيقُهُ، فَجَازَ جَمْعُهُ، كَطَلَاقِ النِّسَاءِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ طَلَاقُ بِدْعَةٍ، مُحَرَّمٌ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَفْصٍ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ،.
قَالَ عَلِيٌّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: يُطَلِّقُهَا وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ حَيْض، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا،.
وَعَنْ، عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ ثَلَاثًا، أَوْجَعَهُ ضَرْبًا.
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا.
فَقَالَ: إنَّ عَمَّك عَصَى اللَّهَ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ، فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] إلَى قَوْلِهِ ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1] . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4] . وَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ، وَلَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا وَلَا مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.
وَرَوَى النَّسَائِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ . حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا؟ قَالَ: إذَا عَصَيْت رَبَّك، وَبَانَتْ مِنْك امْرَأَتُك» . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللَّهِ هُزْوًا، أَوْ لَعِبًا؟ مَنْ طَلَّقَ أَلْبَتَّةَ أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» . وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْبُضْعِ بِقَوْلِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَحُرِّمَ كَالظِّهَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُهُ بِالتَّكْفِيرِ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَفْعِهِ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ وَإِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ وَبِامْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ، وَرُبَّمَا كَانَ وَسِيلَةً إلَى عَوْدِهِ إلَيْهَا حَرَامًا، أَوْ بِحِيلَةٍ لَا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ، وَوُقُوعِ النَّدَمِ، وَخَسَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، الَّذِي ضَرَرُهُ بَقَاؤُهَا فِي الْعِدَّةِ أَيَّامًا يَسِيرَةً، أَوْ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ، الَّذِي ضَرَرُهُ احْتِمَالُ النَّدَمِ بِظُهُورِ الْحَمْلِ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلَاثِ يَتَضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، فَالتَّحَرِّي ثَمَّ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّحْرِيمِ هَاهُنَا، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا فِي عَصْرِهِمْ خِلَافُ قَوْلِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِالطَّلَاقِ، فَإِنَّهَا وَقَعَتْ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِمَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
ثُمَّ إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَالطَّلَاقُ بَعْدَهُ كَالطَّلَاقِ بَعْدَ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالرَّضَاعِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ إنَّمَا حَرُمَ لِمَا يَعْقُبُهُ مِنْ النَّدَمِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ، وَيَفُوتُ عَلَيْهِ مِنْ حِلِّ نِكَاحِهَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ اللِّعَانِ، لِحُصُولِهِ بِاللِّعَانِ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَقَعْ فِيهَا جَمْعُ الثَّلَاثِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ مُقِرًّا عَلَيْهِ، وَلَا حَضَرَ الْمُطَلِّقُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ.
عَلَى أَنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ، قَدْ جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا مِنْ طَلَاقِهَا، وَحَدِيثُ امْرَأَةِ رُفَاعَةَ جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ جَمْعُ الثَّلَاثِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّ الِاخْتِيَارَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، إلَّا مَا حَكَيْنَا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُطَلِّقُهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمُوَافَقَةً لِقَوْلِ السَّلَفِ.
وَأَمْنًا مِنْ النَّدَمِ، فَإِنَّهُ مَتَى نَدِمَ رَاجَعَهَا، فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَلَهُ نِكَاحُهَا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ الطَّلَاقِ، مَا يُتْبِعُ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأَةً أَبَدًا، يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ يَدَعُهَا، مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثًا، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا.
رَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ، فَلْيُمْهِلْ، حَتَّى إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ، طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فِي غَيْرِ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَدَعُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَلَا يُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا وَأَجْرَ رَضَاعِهَا، وَيَنْدَمُهُ اللَّهُ، فَلَا يَسْتَطِيعُ إلَيْهَا سَبِيلًا.

[فَصْلٌ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةِ وَاحِدَةٍ]

(5820) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَبْلِ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ.
وَكَانَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، يَقُولُونَ: مَنْ طَلَّقَ الْبِكْرَ ثَلَاثَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ.
وَرَوَى طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، خِلَافَ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد.
وَأَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَنْهُ طَاوُسٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: «طَلَّقَ بَعْضُ آبَائِي امْرَأَتَهُ أَلْفًا، فَانْطَلَقَ بَنُوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَانَا طَلَّقَ أُمَّنَا أَلْفًا، فَهَلْ لَهُ مَخْرَجٌ؟ فَقَالَ: إنَّ أَبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ مَخْرَجًا، بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، وَتِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ إثْمًا فِي عُنُقِهِ» . وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِلْكٌ يَصِحُّ إزَالَتُهُ مُتَفَرِّقًا، فَصَحَّ مُجْتَمِعًا، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِخِلَافِهِ، وَأَفْتَى أَيْضًا بِخِلَافِهِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِأَيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ؟ فَقَالَ: أَدْفَعُهُ بِرِوَايَةِ النَّاسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِدَّةٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُطَلِّقُونَ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ عُمَرُ مَا كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَلَا يَسُوغُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَرْوِيَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُفْتِيَ بِخِلَافِهِ.

[فَصْلٌ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فِي طُهْرٍ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا]

فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فِي طُهْرٍ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَهُوَ لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ الْمَخْرَجَ مِنْ النَّدَمِ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ طَلْقَةً جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَحْصُلُ بِهَا، فَكَانَ مَكْرُوهًا، كَتَضْيِيعِ الْمَالِ.

[مَسْأَلَة قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَكَانَتْ حَامِلًا أَوْ طَاهِرًا]

(5822) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
وَكَانَتْ حَامِلًا أَوْ طَاهِرًا لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ، فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، لَزِمَهَا الطَّلَاقُ إذَا طَهُرَتْ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَة مُجَامَعَةً فِيهِ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، لَزِمَهَا الطَّلَاقُ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
فَمَعْنَاهُ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا غَيْرَ مُجَامَعَةٍ فِيهِ، فَهُوَ وَقْتُ السُّنَّةِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَامِلًا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَمْلَ طَلَاقُهَا لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: «ثُمَّ لِيُطَلِّقَهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
فَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ أَوْ فِي الْحَمْلِ، فَطَلَاقُ السُّنَّةِ مَا وَافَقَ الْأَمْرَ، وَلِأَنَّ مُطَلِّقَ الْحَامِلِ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَا يَخَافُ ظُهُورَ أَمْرٍ يَتَجَدَّدُ بِهِ النَّدَمُ، وَلَيْسَتْ مُرْتَابَةً؛ لِعَدَمِ اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ عَلَيْهَا، فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا، فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَحَائِضٍ، لَمْ تَقَعْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا طَلَاقُ بِدْعَةٍ.
لَكِنْ إذَا طَهُرَتْ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ حِينَئِذٍ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي النَّهَارِ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي النَّهَارِ طَلُقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّيْلِ طَلُقَتْ إذَا جَاءَ النَّهَارُ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ وَالْحَيْضَ بَعْدَهُ زَمَانُ بِدْعَةٍ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، طَلُقَتْ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
فَإِنْ أَوْلَجَ فِي آخِرِ الْحَيْضَةِ، وَاتَّصَلَ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ، أَوْ أَوْلَجَ مَعَ أَوَّلِ الطُّهْرِ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، لَكِنْ مَتَى جَاءَ طُهْرٌ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ، طَلُقَتْ فِي أَوَّلِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ.
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
(5823) فَصْلٌ: إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضِ فَقَدْ دَخَلَ زَمَانُ السُّنَّةِ، وَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ.
كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أَكْثَرِهِ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ تَتَيَمَّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَتُصَلِّيَ، أَوْ يَخْرُجَ عَنْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُوجَدْ، فَمَا حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ حَيْضِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهَا طَاهِرٌ.
فَوَقَعَ بِهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ، كَاَلَّتِي طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا طَاهِرٌ، أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ، وَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَيَصِحُّ مِنْهَا، وَتُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهَا، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «فَإِذَا طَهُرَتْ، طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ» . وَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّنَا لَوْ لَمْ نَحْكُمْ بِالطُّهْرِ، لَمَا أَمَرْنَاهَا بِالْغُسْلِ، وَلَا صَحَّ مِنْهَا.

[مَسْأَلَة قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ]

(5824) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ.
وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيبَهَا أَوْ تَحِيضَ) . هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَكْسُ تِلْكَ؛ فَإِنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِأَنَّهَا لِلْبِدْعَةِ، إنْ قَالَ ذَلِكَ لَحَائِضٍ أَوْ طَاهِرٍ مُجَامَعَةٍ فِيهِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ، فَإِذَا حَاضَتْ طَلُقَتْ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْحَيْضِ، وَإِنْ أَصَابَهَا طَلُقَتْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، فَإِنْ نَزَعَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَوْلَجَ بَعْدَ النَّزْعِ، فَقَدْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ، وَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَصَابَهَا، وَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، فَسَنَذْكُرُهَا أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا بَعْدُ.

[فَصْلٌ قَالَ لِطَاهِرِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ فِي الْحَالِ]

(5825) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لَطَاهِرٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ فِي الْحَالِ.
فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الصِّفَةَ تَلْغُو، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ دُونَ الطَّلَاقِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ فِي الْحَالِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ، فَانْصَرَفَ الْوَصْفُ بِالْبِدْعَةِ إلَيْهِ، لِتَعَذُّرِ صِفَةِ الْبِدْعَةِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى.
وَإِنْ قَالَ لِحَائِضٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي الْحَالِ، لَغَتْ الصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ، وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي الْحَالِ، بِنَاءً عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ]

(5826) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ.
فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا إنْ كَانَتْ طَاهِرًا طُهْرًا غَيْرَ مُجَامَعَةٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا إذَا طَهُرَتْ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا: إنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ يَكُونُ سُنَّةً، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي نِكَاحَيْنِ آخَرَيْنِ، أَوْ بَعْدَ رَجْعَتَيْنِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ.
قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَقَعُ عَلَيْهَا السَّاعَةَ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ رَاجَعَهَا تَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى أُخْرَى.
وَمَا يُعْجِبُنِي قَوْلُهُمْ هَذَا.
فَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَوْقَعَهَا لِوَصْفِهِ الثَّلَاثَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ فَأَلْغَى الصِّفَةَ، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ، كَمَا لَوْ قَالَ لِحَائِضٍ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْحَالِ لِلسُّنَّةِ.
وَقَدْ قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا، قَالَ: يَقَعُ عَلَيْهَا الثَّلَاثُ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْأَشْهُرِ وَقَعَ فِي كُلِّ شَهْرٍ طَلْقَةٌ.
وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ السُّنَّةَ تَفْرِيقُ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَطْهَارِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ جَمْعِ الثَّلَاثِ.
إنْ قَالَ: أَرَدْت

بِقَوْلِي: لِلسُّنَّةِ إيقَاعَ وَاحِدَةٍ فِي الْحَالِ، وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ آخَرَيْنِ.
قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ يَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ.
قُبِلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَدِينُ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛: أَحَدُهُمَا لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ.
وَالثَّانِي، يُقْبَلُ؛ لِمَا قَدَّمْنَا.
فَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ، فَقَالَ: سَبَقَ لِسَانِي إلَى قَوْلِ: لِلسُّنَّةِ، وَلَمْ أُرِدْهُ، وَإِنَّمَا أَرَدْت الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ.
وَقَعَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِإِيقَاعِهَا، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِمَا يُوقِعُهَا، قُبِلَ مِنْهُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ]

(5827) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ، وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ وَتَأَخَّرْت الثَّالِثَةُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْحَالَيْنِ، فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً فَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ يَكْمُلُ النِّصْفُ؛ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ لَا يَتَبَعَّضُ، فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَةٌ، وَتَتَأَخَّرَ اثْنَتَانِ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ يَقَعُ عَلَى مَا دُونَ الْكُلِّ، وَيَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْكَثِيرَ، فَيَقَعُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، فَيَتَأَخَّرُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَقَعُ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ بَعْضُهَا، ثُمَّ تَكْمُلُ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ؟ قُلْنَا: مَتَى أَمْكَنَتْ الْقِسْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَكْسِيرٍ، وَجَبَ الْقِسْمَةُ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَإِنْ قَالَ: نِصْفُهُنَّ لِلسُّنَّةِ، وَنِصْفُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ.
وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ، وَتَأَخَّرَتْ الثَّالِثَةُ.
وَإِنْ قَالَ: طَلْقَتَانِ لِلسُّنَّةِ، وَوَاحِدَةٌ لِلْبِدْعَةِ، أَوْ طَلْقَتَانِ لِلْبِدْعَةِ، وَوَاحِدَةٌ لِلسُّنَّةِ.
فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت ذَلِكَ.
فَإِنْ فَسَّرَ نِيَّتَهُ بِمَا يُوقِعُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ.
وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا يُوقِعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَيُؤَخِّرُ اثْنَتَيْنِ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا، أَنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَمَا فَسَّرَ كَلَامَهُ بِهِ لَا يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ.
وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِأَخَفِّ مِمَّا يَلْزَمُهُ حَالَةَ الْإِطْلَاق.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ هَذَا.
فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، بَعْضُهَا لِلسُّنَّةِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ، احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا لِلْبِدْعَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ إلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، وَالْبَعْضُ لَا يَقْتَضِي النِّصْفَ، فَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَالزَّائِدُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بَعْضُهَا لِلسُّنَّةِ وَبَاقِيهَا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ سَائِرُهَا لِلْبِدْعَةِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَقَدِمَ وَهِيَ حَائِضٌ]

(5828) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ.
فَقَدِمَ وَهِيَ حَائِضٌ، طَلُقَتْ لِلْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَأْثَمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ لِلسُّنَّةِ.
فَقَدِمَ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ.
وَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ، لَمْ يَقَعْ، حَتَّى إذَا صَارَتْ إلَى زَمَانِ السُّنَّةِ وَقَعَ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ حِينَ قَدِمَ زَيْدٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِقُدُومِ زَيْدٍ عَلَى صِفَةٍ، فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَيْهَا.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ.
قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، طَلُقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ، حَائِضًا كَانَتْ أَوْ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ.
وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طَلُقَتْ.
وَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَجِيءَ زَمَنُ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ.
وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ لِلسُّنَّةِ.
فَكَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ، وَقَعَ، وَإِلَّا وَقَعَ إذَا جَاءَ زَمَانُ السُّنَّةِ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ]

(5829) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ لَهَا، وَهِيَ حَائِضٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
طَلُقَتْ مِنْ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ) قَالَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَيْسَ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ، إلَّا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْأَقْرَاءِ إنَّمَا كَانَ لَهُ سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَطُولُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، وَتَرْتَابُ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ، وَيَنْتَفِي عَنْهَا الْأَمْرَانِ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا تَنْفِي تَطْوِيلَهَا أَوْ الِارْتِيَابَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْأَشْهُرِ؛ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ، وَالْآيِسَاتِ مِنْ الْمَحِيضِ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهِنَّ وَلَا بِدْعَةَ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَطُولُ بِطَلَاقِهَا فِي حَالٍ، وَلَا تَحْمِلُ فَتَرْتَابُ.
وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُنَّ لَيْسَ لَطَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ، فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
فَإِذَا قَالَ لِإِحْدَى هَؤُلَاءِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ.
وَقَعَتْ الطَّلْقَةُ فِي الْحَالِ، وَلَغَتْ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا لَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ يَزِدْ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ.
أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ يَكُونَ لِلْحَامِلِ طَلَاقُ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ أُمِرَ بِهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا ". وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ

أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ.
يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ.
وَلِأَنَّهَا فِي حَالٍ انْتَقَلَتْ إلَيْهَا بَعْدَ زَمَنِ الْبِدْعَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهَا إلَى زَمَانِ الْبِدْعَةِ، فَكَانَ طَلَاقُهَا طَلَاقَ سُنَّةٍ، كَالطَّاهِرِ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ مُجَامَعَةٍ.
وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ.
لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ، فَإِذَا وَضَعْت الْحَمْلَ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ زَمَانُ بِدْعَةٍ، كَالْحَيْضِ.

[فَصْل قَالَ لَصَغِيرَةٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ]

(5830) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لَصَغِيرَةٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ.
ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت إذَا حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ، أَوْ أُصِيبَتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا.
أَوْ قَالَ لَهُمَا: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ: أَرَدْت طَلَاقَهُمَا فِي زَمَنٍ يَصِيرُ طَلَاقُهُمَا فِيهِ لِلسُّنَّةِ.
دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُقْبَلُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت إذَا دَخَلْت الدَّارَ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ.
وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَقُبِلَ: كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا.

[فَصْلٌ قَالَ لَهَا فِي طُهْرٍ جَامِعَهَا فِيهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَيَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ]

(5831) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ لَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
فَيَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ طَلَاقَهَا بِأَنَّهُ لِلسُّنَّةِ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ لَهُ، فَإِذَا صَارَتْ آيِسَةً، فَلَيْسَ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ، فَلَا يَقَعَ.
وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ طَلَاقَ الْحَامِلِ طَلَاقَ سُنَّةٍ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً]

(5832) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً.
وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرْءِ، وَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي الْقُرْءِ، وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ، وَوَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ فِي قُرْأَيْنِ آخَرَيْنِ فِي أَوَّلِهِمَا، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْقُرْءُ الْحَيْضُ أَوْ الْأَطْهَارُ.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا، وَقَعَ بِهَا فِي الْقُرْءِ الثَّانِي طَلْقَةٌ أُخْرَى.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الثَّالِثَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَقُلْنَا: الْقُرْءُ الْحَيْضُ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتَطْلُقُ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرْءُ الْأَطْهَارُ.
احْتَمَلَ أَنْ تَطْلُقَ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً، ثُمَّ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ فَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ فِي الطُّهْرِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ

الطُّهْرَ قَبْلَ الْحَيْضِ كُلَّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ حَتَّى تَطْهُرَ بَعْدَ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ فِي عِدَّتِهَا، لَمْ تَحْتَسِبْ بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَ الْحَيْضِ مِنْ عِدَّتِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْحُكْمُ فِي الْحَامِلِ كَالْحُكْمِ فِي الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَمْلِ كُلَّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ، فِي أَحَدٍ الْوَجْهَيْنِ، إذَا قُلْنَا: الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، لَيْسَ بِقُرْءٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً، فَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ وَاحِدَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِصِفَةِ تَسْتَحِيلُ فِيهَا، فَلَغَتْ وَوَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ.
وَإِذَا طَلُقَتْ الْحَامِلُ فِي حَالِ حَمْلِهَا، بَانَتْ بِوَضْعِهِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِهِ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ آخَرُ.
فَإِنْ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا، أَوْ رَاجَعَهَا قَبْلَ وَضْعِ حَمْلِهَا، ثُمَّ طَهُرَتْ مِنْ النِّفَاسِ، طَلُقَتْ أُخْرَى، ثُمَّ إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ، وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلسُّنَّةِ]

(5833) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلسُّنَّةِ.
وَهِيَ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ بِوُجُودِ الصِّفَةِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ، انْحَلَّتْ الصِّفَةُ، وَلَمْ يَقَعْ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا وُجِدَ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلْبِدْعَةِ.
إنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ، وَقَعَ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ بِحَالٍ.
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ، فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا احْتِمَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَقَعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ مَا وُجِدَتْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ كُنْت هَاشِمِيَّةً.
وَلَمْ تَكُنْ هَاشِمِيَّةً.
وَالثَّانِي، تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِوُقُوعِ الطَّلْقَةِ شَرْطًا مُسْتَحِيلًا، فَلَغَى، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ]

(5834) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَجْمَلَهُ، أَوْ أَعْدَلَهُ، أَوْ أَكْمَلَهُ، أَوْ أَتَمَّهُ، أَوْ أَفْضَلَهُ، أَوْ قَالَ: طَلْقَةً حَسَنَةً، أَوْ جَمِيلَةً، أَوْ عِدْلَةً أَوْ سُنِّيَّةً.
كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِبَارَةً عَنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا قَالَ: أَعْدَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَحْسَنَهُ، وَنَحْوَهُ، كَقَوْلِنَا.
وَإِنْ قَالَ: طَلْقَةً سُنِّيَّةً أَوْ عِدْلَةً.
وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَّصِفُ بِالْوَقْتِ، وَالسُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ وَقْتٌ، فَإِذَا وَصَفَهَا بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ، سَقَطْت الصِّفَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً.
أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوَالْبِدْعَةِ.

وَلَنَا، أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَيَصِحُّ وَصْفُ الطَّلَاقِ بِالسُّنَّةِ وَالْحُسْنِ؛ لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ، مُطَابِقًا لِلشَّرْعِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَحْسَنَ الطَّلَاقِ.
وَفَارَقَ قَوْلَهُ: طَلْقَةً رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي عِدَّةٍ، وَلَا عِدَّةَ لَهَا، فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.
فَإِنْ قَالَ: نَوَيْت بِقَوْلِي: أَعْدَلَ الطَّلَاقِ.
وُقُوعَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِأَخْلَاقِهَا الْقَبِيحَةِ، وَلَمْ أُرِدْ الْوَقْتَ.
وَكَانَتْ فِي الْحَيْضِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(5835) فَصْلٌ: فَإِنْ عَكَسَ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ، وَأَسْمَجَهُ، أَوْ أَفْحَشَهُ، أَوْ أَنْتَنَهُ، أَوْ أَرْدَأَهُ.
حُمِلَ عَلَى طَلَاقِ الْبِدْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ، وَإِلَّا وَقَفَ عَلَى مَجِيءِ زَمَانِ الْبِدْعَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا، إنَّ قُلْنَا: إنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ؛ لِيَكُونَ جَامِعًا لِبِدْعَتَيْ الطَّلَاقِ، فَيَكُونُ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ.
وَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ غَيْرَ طَلَاقِ الْبِدْعَةِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنَّ طَلَاقَك أَقْبَحُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّك لَا تَسْتَحِقِّينَهُ؛ لِحُسْنِ عِشْرَتِك، وَجَمِيلِ طَرِيقَتِك.
وَقَعَ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِذَلِكَ طَلَاقَ السُّنَّةِ، لِيَتَأَخَّرَ الطَّلَاقُ عَنْ نَفْسِهِ إلَى زَمَنِ السُّنَّةِ.
لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً، فَاحِشَةً جَمِيلَةً، تَامَّةً نَاقِصَةً.
وَقَعَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِصِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ، فَلَغِيَا، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهَا حَسَنَةٌ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ السُّنَّةِ، وَقَبِيحَةٌ لِإِضْرَارِهَا بِك.
أَوْ قَالَ أَرَدْت أَنَّهَا حَسَنَةٌ لِتَخْلِيصِي مِنْ شَرِّك وَسُوءِ خُلُقِك، وَقَبِيحَةٌ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ.
وَكَانَ ذَلِكَ يُؤَخِّرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَنْهُ، دُيِّنَ وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلِ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ]

(5836) فَصْلِ: فَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ، فَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضَّيِّقُ وَالْإِثْمُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: طَلَاقُ الْإِثْم، وَطَلَاقُ الْبِدْعَةِ طَلَاقُ إثْمٍ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضَّيِّقُ، وَاَلَّذِي يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهَا، وَيَمْنَعُهَا الرُّجُوعَ إلَيْهِ، هُوَ الثَّلَاثُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ، وَفِيهِ إثْمٌ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ: الضَّيِّقُ وَالْإِثْمُ.
وَإِنْ قَالَ: طَلَاقَ الْحَرَجِ وَالسُّنَّةِ.
كَانَ كَقَوْلِهِ: طَلَاقَ الْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ.

[مَسْأَلَةٌ طَلَاقُ الزَّائِلِ الْعَقْلِ بِلَا سُكْرٍ]

(5837) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَطَلَاقُ الزَّائِلِ الْعَقْلُ بِلَا سُكْرٍ، لَا يَقَعُ) . أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّ الزَّائِلَ الْعَقْلُ بِغَيْرِ سُكْرٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ.
كَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَا طَلَاقَ لَهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ.» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ.» رَوَاهُ النَّجَّادُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ، وَهُوَ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ.
وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ، كَالْبَيْعِ.
وَسَوَاءٌ زَالَ عَقْلُهُ لَجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ شُرْبُهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَقْلِ، فَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
فَأَمَّا إنْ شَرِبَ الْبَنْجَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُزِيلُ عَقْلَهُ، عَالِمًا بِهِ، مُتَلَاعِبًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّكْرَانِ فِي طَلَاقِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَقَع طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَذُّ بِشُرْبِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ زَالَ عَقْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَأَشْبَهَ السَّكْرَانَ.

[فَصْلِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَ]

(5838) فَصْلِ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَ، فَلَمَّا أَفَاقَ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِذَلِكَ، فَلَيْسَ هُوَ مُغْمَى عَلَيْهِ، يَجُوزُ طَلَاقُهُ.
وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فِي الْمَجْنُونِ يُطَلِّقُ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَمَا أَفَاقَ: إنَّك طَلَّقْت امْرَأَتَك.
فَقَالَ: أَنَا أَذْكُرُ أَنِّي طَلَّقْت، وَلَمْ يَكُنْ عَقْلِي مَعِي.
فَقَالَ: إذَا كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ طَلَّقَ، فَقَدْ طَلُقَتْ.
فَلَمْ يَجْعَلْهُ مَجْنُونًا إذَا كَانَ يَذْكُرُ الطَّلَاقَ، وَيَعْلَمُ بِهِ.
وَهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فِي مَنْ جُنُونُهُ بِذَهَابِ مَعْرِفَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبُطْلَانِ حَوَاسِّهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ جُنُونُهُ لِنُشَافٍ أَوْ كَانَ مبرسما، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ، مَعَ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ غَيْرُ ذَاهِبَةٍ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَضُرُّهُ ذِكْرُهُ لِلطَّلَاقِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَسْأَلَةٌ طَلَاقُ السَّكْرَانِ]

(5839) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي السَّكْرَانِ رِوَايَاتٌ؛ رِوَايَةٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَرِوَايَةٌ لَا يَقَعُ.
وَرِوَايَةٌ يَتَوَقَّفُ عَنْ الْجَوَابِ، وَيَقُولُ: قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا التَّوَقُّفُ عَنْ الْجَوَابِ، فَلَيْسَ بِقَوْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، إنَّمَا هُوَ تَرْكٌ لِلْقَوْلِ فِيهَا، وَتَوَقُّفٌ عَنْهَا، لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِيهَا، وَإِشْكَالِ دَلِيلِهَا.
وَيَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَقَعُ طَلَاقُهُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَالْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالْحَكَمِ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» . وَمِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ، إنْ رَكِبَ مَعْصِيَةً مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو وَبَرَةَ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: أَرْسَلَنِي خَالِدٌ إلَى عُمَرَ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَقُلْت: إنَّ خَالِدًا يَقُولُ: إنَّ النَّاسَ انْهَمَكُوا فِي الْخَمْرِ، وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ.
فَقَالَ عُمَرُ: هَؤُلَاءِ عِنْدَك فَسَلْهُمْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: نَرَاهُ إذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَبْلِغْ صَاحِبَك مَا قَالَ.
فَجَعَلُوهُ كَالصَّاحِي، وَلِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ مُكْرَهٍ صَادَفَ مِلْكَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ، كَطَلَاقِ الصَّاحِي، وَيَدُلُّ عَلَى تَكْلِيفِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْقَتْلِ، وَيُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَجْنُونَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ.
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمِ، وَطَاوُسٍ، وَرَبِيعَةَ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا ثَابِتٌ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ عُثْمَانَ أَرْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ، وَهُوَ أَصَحُّ.
يَعْنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ، مَنْصُورٌ لَا يَرْفَعُهُ إلَى عَلِيٍّ.
وَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَالنَّائِمَ، وَلِأَنَّهُ مَفْقُودُ الْإِرَادَةِ، أَشْبَهُ الْمُكْرَهُ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ؛ إذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِطَابِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ إلَى مَنْ لَا يَفْهَمُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الشَّرْطِ

بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَسَرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَلَوْ ضَرَبَتْ الْمَرْأَةُ بَطْنَهَا، فَنَفِسَتْ، سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ، وَلَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَجُنَّ، سَقَطَ التَّكْلِيفُ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة لَا يَثْبُتُ، وَأَمَّا قَتْلُهُ وَسَرِقَتُهُ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا.
(5840) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي عِتْقِهِ، وَنَذْرِهِ، وَبَيْعِهِ، وَشِرَائِهِ، وَرِدَّتِهِ، وَإِقْرَارِهِ، وَقَتْلِهِ، وَقَذْفِهِ، وَسَرِقَتِهِ، كَالْحُكْمِ فِي طَلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ.
وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ: إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ، أَوْ سَرَقَ، أَوْ زَنَى، أَوْ افْتَرَى، أَوْ اشْتَرَى، أَوْ بَاعَ فَقَالَ: أَجْبُنُ عَنْهُ، لَا يَصِحُّ مِنْ أَمْرِ السَّكْرَانِ شَيْءٌ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: حُكْمُ السَّكْرَانِ حُكْمُ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ؛ فَأَمَّا فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْمُعَاوَضَات، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ، لَا يَصِحُّ لَهُ شَيْءٌ.
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالْأَوْلَى أَنَّ مَالَهُ أَيْضًا لَا يَصِحُّ مِنْهُ؛ لَأَنْ تَصْحِيحَ تَصَرُّفَاتِهِ فِيمَا عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ تَصْحِيحُ تَصَرُّفٍ لَهُ.

[فَصْلٌ حَدُّ السُّكْرِ فِي الطَّلَاق]

(5841) فَصْلٌ: وَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَقَعُ الْخِلَافُ فِي صَاحِبِهِ، هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ، وَلَا يَعْرِفُ رِدَاءَهُ مِنْ رِدَاءِ غَيْرِهِ، وَنَعْلَهُ مِنْ نَعْلِ غَيْرِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] فَجَعَلَ عَلَامَةَ زَوَالِ السُّكْرِ عِلْمَهُ مَا يَقُولُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: اسْتَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ، أَوْ أَلْقُوا رِدَاءَهُ فِي الْأَرْدِيَةِ، فَإِنْ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، أَوْ عَرَفَ رِدَاءَهُ، وَإِلَّا فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَعْرِفَ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى الْمَجْنُونِ، فَعَلَيْهِ أَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَ]

(5842) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلَاقَ، فَطَلَّقَ، لَزِمَهُ) وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ؛ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا طَلَاقَ لَهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلَاقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ بِهِ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ طَلَاقَهُ يَقَعُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْخِرَقِيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ.
وَرُوِيَ

نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَحَمَّادٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ، أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ.» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ كَالْمَجْنُونِ.
وَوَجْهُ الْأَوْلَى قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» . وَقَوْلُهُ: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: اُكْتُمُوا الصِّبْيَانَ النِّكَاحَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقُوا.
وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ عَاقِلٍ صَادَفَ مَحَلَّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْبَالِغِ.

[فَصْلٌ مَنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ مِنْ الصَّبِيَّانِ]

(5843) فَصْلٌ: وَأَكْثَرُ الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَدَ، تَحْدِيدُ مَنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ بِكَوْنِهِ يَعْقِلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي.
وَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَبُو الْحَارِثِ: إذَا عَقَلَ الطَّلَاقَ، جَازَ طَلَاقُهُ، مَا بَيْنَ عَشْرٍ إلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِدُونِ الْعَشْرِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ حَدٌّ لِلضَّرْبِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إذَا أَحْصَى الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، جَازَ طَلَاقُهُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ إذَا بَلَغَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ.
وَعَنْ الْحَسَنِ: إذَا عَقَلَ، وَحَفِظَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: إذَا جَاوَزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.

[فَصْلٌ طَلَاقَ الصَّبِيِّ]

(5844) فَصْلٌ: وَمَنْ أَجَازَ طَلَاقَ الصَّبِيِّ، اقْتَضَى مَذْهَبُهُ أَنْ يَجُوزَ تَوْكِيلُهُ فِيهِ، وَتَوَكُّلُهُ لِغَيْرِهِ.
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ، فِي رَجُلٍ قَالَ لَصَبِيٍّ: طَلِّقْ امْرَأَتِي.
فَقَالَ: قَدْ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا.
لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْقِلَ الطَّلَاقَ فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ صَبِيَّةٌ فَقَالَتْ: صَيِّرْ أَمْرِي إلَيَّ.
فَقَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك.
فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي.
فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ مِثْلُهَا يَعْقِلُ الطَّلَاقَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ حَتَّى يَبْلُغَ.
وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَجُوزُ الْوِكَالَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ، صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ فِيهِ، كَالْبَالِغِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا تُجِيزُ طَلَاقَهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ طَلَاقُ السَّفِيه]

(5845) فَصْلٌ: فَأَمَّا السَّفِيهُ، فَيَقَعُ طَلَاقُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ رَأْي أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَمَنَعَ مِنْهُ عَطَاءٌ.
وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، مَالِكٌ لِمَحَلِّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ كَالرَّشِيدِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ، كَالْمُفْلِسِ.

[مَسْأَلَةٌ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ]

(5846) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ، لَمْ يَلْزَمْهُ) لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَقَعُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَشُرَيْحٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَأَجَازَهُ أَبُو قِلَابَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ، فِي مَحَلٍّ يَمْلِكُهُ، فَيَنْفُذُ، كَطَلَاقِ غَيْرِ الْمُكْرَهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ: فِي إكْرَاهٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْت ابْنَ دُرَيْدٍ وَأَبَا طَاهِرٍ النَّحْوِيَّيْنِ، فَقَالَا: يُرِيدُ الْإِكْرَاهَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُكْرِهَ انْغَلَقَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى المبرسم وَالْمَجْنُونُ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ، كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا.

[فَصْلٌ إكْرَاهِ الْحَاكِمِ الْمُولِي عَلَى الطَّلَاقِ]

(5847) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ، نَحْوُ إكْرَاهِ الْحَاكِمِ الْمُولِي عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا لَمْ يَفِيئْ، وَإِكْرَاهِهِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ زَوْجَهُمَا وَلِيَّانِ، وَلَا يُعْلَمُ السَّابِقُ مِنْهُمَا عَلَى الطَّلَاقِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، فَصَحَّ، كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ إكْرَاهُهُ عَلَى الطَّلَاقِ لِيَقَعَ طَلَاقُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ.

[مَسْأَلَةٌ الْإِكْرَاه عَلَى الطَّلَاق]

(5848) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَكُونُ مُكْرَهًا حَتَّى يُنَالَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ، مِثْلُ الضَّرْبِ أَوْ الْخَنْقِ أَوْ عَصْرِ السَّاقِ وَمَا أَشْبَهَ، وَلَا يَكُونُ التَّوَاعُدُ إكْرَاهًا) أَمَّا إذَا نِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ، كَالضَّرْبِ، وَالْخَنْقِ، وَالْعَصْرِ، وَالْحَبْسِ، وَالَغَطِ فِي الْمَاءِ مَعَ الْوَعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا بِلَا إشْكَالٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا، فَأَرَادُوهُ عَلَى الشِّرْكِ، فَأَعْطَاهُمْ، فَانْتَهَى إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: «أَخَذَك الْمُشْرِكُونَ فَغَطُّوك فِي الْمَاءِ، وَأَمَرُوك أَنْ تُشْرِكَ بِاَللَّهِ، فَفَعَلْت، فَإِنْ أَخَذُوك مَرَّةً أُخْرَى، فَافْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَيْسَ الرَّجُلُ أَمِينًا عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَجَعْته، أَوْ ضَرَبْته، أَوْ أَوْثَقْته.
وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُودِ فِعْلٍ يَكُونُ بِهِ إكْرَاهًا.
فَأَمَّا الْوَعِيدُ بِمُفْرَدِهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَيْسَ بِإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِالرُّخْصَةِ مَعَهُ، هُوَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ: " أَخَذُوك فَغَطُّوك فِي الْمَاءِ ". فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا فِيمَا كَانَ مِثْلَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ الْوَعِيدَ بِمُفْرَدِهِ إكْرَاهٌ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: حَدُّ الْإِكْرَاهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ، أَوْ ضَرْبًا شَدِيدًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْوَعِيدِ، فَإِنَّ الْمَاضِيَ مِنْ الْعُقُوبَةِ لَا يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْشَى مِنْ وُقُوعِهِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ فِعْلُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَا يَتَوَعَّدُهُ بِهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ فِيمَا بَعْدُ، وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّهُ مَتَى تَوَعَّدَهُ بِالْقَتْلِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِعْلُ، أَفْضَى إلَى قَتْلِهِ، وَإِلْقَائِهِ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا يُفِيدُ ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ بِالْإِكْرَاهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَقَعَ طَلَاقُهُ، فَيَصِلُ الْمُكْرِهُ إلَى مُرَادِهِ، وَيَقَعُ الضَّرَرُ

بِالْمُكْرَهِ، وَثُبُوتُ الْإِكْرَاهِ فِي حَقِّ مَنْ نِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ لَا يَنْفِي ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الَّذِي تَدَلَّى يَشْتَارُ عَسَلًا، فَوَقَفْت امْرَأَتُهُ عَلَى الْحَبْلِ، وَقَالَتْ: طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَإِلَّا قَطَعْته، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَقَالَتْ: لَتَفْعَلْنَ أَوْ لَأَفْعَلْنَ.
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَرَدَّهُ إلَيْهَا.
رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ.
وَهَذَا كَانَ وَعِيدًا.

[فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ الْإِكْرَاهِ فِي الطَّلَاق ثَلَاثَةُ أُمُورٍ]

(5849) فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ الْإِكْرَاهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ قَادِرٍ بِسُلْطَانِ أَوْ تَغَلُّبٍ، كَاللِّصِّ وَنَحْوِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: إنَّ أَكْرَهَهُ اللِّصُّ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ وَقَعَ.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لِأَنَّ اللِّصَّ يَقْتُلُهُ.
وَعُمُومُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي دَلِيلِ الْإِكْرَاهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، وَاَلَّذِينَ أَكْرَهُوا عَمَّارًا لَمْ يَكُونُوا لُصُوصًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَمَّارٍ: «إنْ عَادُوا فَعُدْ» . وَلِأَنَّهُ إكْرَاهٌ، فَمَنَعَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، كَإِكْرَاهِ اللُّصُوصِ.
الثَّانِي، أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ نُزُولُ الْوَعِيدِ بِهِ، إنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَى مَا طَلَبَهُ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَسْتَضِرُّ بِهِ ضَرَرًا كَثِيرًا، كَالْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالْقَيْدِ، وَالْحَبْسِ الطَّوِيلِ، فَأَمَّا الشَّتْمُ، وَالسَّبُّ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ.
فَأَمَّا الضَّرَرُ الْيَسِيرُ فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُبَالِي بِهِ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ، عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إخْرَاقًا بِصَاحِبِهِ، وَغَضًّا لَهُ، وَشُهْرَةً فِي حَقِّهِ، فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَإِنْ تَوَعَّدَ بِتَعْذِيبِ وَلَدِهِ، فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا حَقَّ بِغَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ، وَالْوَعِيدُ بِذَلِكَ إكْرَاهٌ، فَكَذَلِكَ هَذَا.

[فَصْلٌ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ فَطَلَّقَ غَيْرَهَا]

فَصْلٌ: وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ، فَطَلَّقَ غَيْرَهَا، وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلْقَةٍ، فَطَلَّقَ ثَلَاثًا، وَقَعَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَإِنْ طَلَّقَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا وَغَيْرَهَا، وَقَعَ طَلَاقُ غَيْرِهَا دُونَهَا.
وَإِنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ دَفْعِ الْإِكْرَاهِ، وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ وَاخْتَارَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ، فَلَا يَبْقَى إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ.
وَإِنْ طَلَّقَ، وَنَوَى بِقَلْبِهِ غَيْرَ امْرَأَتِهِ، أَوْ تَأَوَّلَ

فِي يَمِينِهِ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ دَلِيلٌ لَهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ وَقَصْدَهَا بِالطَّلَاقِ، لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا أَنَّهُ يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ عَلَى نِيَّتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقَعْ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْضُرُهُ التَّأْوِيلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَتَفُوتُ الرُّخْصَةُ.

[بَابُ تَصْرِيحِ الطَّلَاقِ وَغَيْره]

ِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِلَفْظٍ، فَلَوْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، لَمْ يَقَعْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إذَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ طَلُقَتْ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، فِي مِنْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ: أَلَيْسَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ؟ . وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِالنِّيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ.
وَإِنْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ، فَاللَّفْظُ يَنْقَسِمُ فِيهِ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَالْكِنَايَةُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَهُ، أَوْ يَأْتِيَ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ.

[مَسْأَلَة قَالَ قَدْ طَلَّقْتُك أَوْ قَدْ فَارَقْتُك أَوْ قَدْ سَرَّحْتُك]

(5851) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُك، أَوْ قَدْ فَارَقْتُك، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُك.
لَزِمَهَا الطَّلَاقُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ؛ الطَّلَاقُ، وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، إلَى أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَحْدَهُ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ لَا غَيْرُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا يُوقِعُ الطَّلَاقَ بِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةَ لَا تَفْتَقِرُ عِنْدَهُ إلَى النِّيَّةِ.
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ كَثِيرًا، فَلَمْ يَكُونَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَرَدَ بِهَا الْكِتَابُ بِمَعْنَى الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ، كَلَفْظِ الطَّلَاقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَقَالَ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] وَقَالَ

سُبْحَانَهُ ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] وَقَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الصَّرِيحَ فِي الشَّيْءِ مَا كَانَ نَصَّا فِيهِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، إلَّا احْتِمَالًا بَعِيدًا، وَلَفْظَةُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ إنْ وَرَدَا فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَقَدْ وَرَدَا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَفِي الْعُرْفِ كَثِيرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] وَقَالَ ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: 4] فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِفُرْقَةِ الطَّلَاقِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَرْكُ ارْتِجَاعِهَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ، سَابِقٌ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَلَا دَلَالَةٍ، بِخِلَافِ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ.
فَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، إذَا قَالَ: طَلَّقْتُك، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ مُطَلَّقَةٌ.
وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
وَإِنْ قَالَ: فَارَقْتُك.
أَوْ: أَنْتِ مُفَارَقَةٌ، أَوْ سَرَّحْتُك، أَوْ أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ.
فَمَنْ يَرَاهُ صَرِيحًا أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ صَرِيحًا لَمْ يُوقِعْهُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي: فَارَقْتُك أَيْ بِجِسْمِي، أَوْ بِقَلْبِي أَوْ بِمَذْهَبِي، أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ يَدِي، أَوْ شُغْلِي، أَوْ مِنْ حَبْسِي، أَوْ أَيْ سَرَّحْت شَعْرَك.
قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي: أَنْتِ طَالِقٌ أَيْ: مِنْ وَثَاقِي.
أَوْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَقُولُ: طَلَبْتُك.
فَسَبَقَ لِسَانِي، فَقُلْت: طَلَّقْتُك.
وَنَحْوُ ذَلِكَ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ، لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: اسْقِينِي مَاءً.
فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ.
أَنَّهُ لَا طَلَاقَ فِيهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ، فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مَا فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ وَاسِعًا.
وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ؟ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ، أَوْ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ ظَاهِرٌ فِي الطَّلَاقِ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ مُخَالِفَةً لِلظَّاهِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَلَا تُقْبَلُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَأَبِي الْحَارِثِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَكَمِ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقِيلَ: كَمَا لَوْ قَالَ؛ أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ، هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا، قَالَ: وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُقْبَلُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ فِي الْعُرْف، فَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَشْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا، أَوْ صِغَارًا، أَوْ إلَى شَهْرٍ.
فَأَمَّا إِنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي اللَّفْظِ، فَقَالَ: طَلَّقْتُك

مِنْ وَثَاقِي، أَوْ فَارَقْتُك بِجِسْمِي، أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ يَدِي.
فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْكَلَامِ يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ، كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ، فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ.
أَنَّهُ إنْ نَوَى أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ طَلَاقًا مَاضِيًا، أَوْ مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَعَلَى قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا يَقَعُ.
وَالثَّانِي، لَا يَقَعُ.
وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرَ صَرِيحَةٍ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ صَرِيحٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُتَصَرِّفَةٌ مِنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ، فَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
(5852) فَصْلٌ: فَأَمَّا لَفْظَةُ الْإِطْلَاقِ، فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عُرْفُ الشَّرْعِ، وَلَا الِاسْتِعْمَالُ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ كِنَايَاتِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا احْتِمَالًا، أَنَّهَا صَرِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَعَلْت وَأَفْعَلْت، نَحْوُ عَظَّمْته وَأَعْظَمْته، وَكَرَّمْته وَأَكْرَمْته.
وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِمُطَّرِدٍ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: حَيَّيْته مِنْ التَّحِيَّةِ، وَأَحْيَيْته مِنْ الْحَيَاةِ، وَأَصْدَقْت الْمَرْأَةَ صَدَاقًا، وَصَدَّقْت حَدِيثَهَا تَصْدِيقًا، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَقْبَلَ وَقَبِلَ، وَأَدْبَرَ وَدَبَرَ، وَأَبْصَرَ وَبَصُرَ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ بِحَرَكَةٍ أَوْ حَرْفٍ، فَيَقُولُونَ: حَمْلٌ لِمَا فِي الْبَطْنِ، وَبِالْكَسْرِ لِمَا عَلَى الظَّهْرِ، وَالْوَقْرُ بِالْفَتْحِ الثِّقَلُ فِي الْأُذُنِ، وَبِالْكَسْرِ لِثِقَلِ الْحِمْلِ.
وَهَا هُنَا فَرَّقَ بَيْنَ حَلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، بِالتَّضْعِيفِ فِي أَحَدِهِمَا، وَالْهَمْزَةِ فِي الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدًا لَقِيلَ طَلَّقْت الْأَسِيرَيْنِ، وَالْفَرَسَ، وَالطَّائِرَ، فَهُوَ طَالِقٌ، وَطَلَّقْت الدَّابَّةَ، فَهِيَ طَالِقٌ، وَمُطَلَّقَةٌ.
وَلَمْ يُسْمَعْ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ الطَّلَاقُ]

فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهِ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْأَعْيَانُ لَا تُوصَفُ بِالْمَصَادِرِ إلَّا مَجَازًا.
وَالثَّانِي، أَنَّ الطَّلَاقَ لَفْظٌ صَرِيحٌ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ، كَالْمُتَصَرِّفِ مِنْهُ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي عُرْفِهِمْ، قَالَ الشَّاعِرُ: نَوَّهْت بِاسْمِي فِي الْعَالَمِينَ ... وَأَفْنَيْت عُمْرِي عَامًا فَعَامَا فَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ... وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا تَمَامًا وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مَجَازٌ.
قُلْنَا: نَعَمْ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا مَحْمَلَ لَهُ يَظْهَرُ سِوَى هَذَا الْمَحْمَلِ، فَتَعَيَّنَ فِيهِ.

[فَصْلٌ صَرِيحُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ]

(5854) فَصْلٌ: وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ بهشتم، فَإِذَا أَتَى بِهَا الْعَجَمِيُّ، وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ كِنَايَةٌ، لَا يُطَلِّقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ خَلَّيْتُك، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِلِسَانِهِمْ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّلَاقِ، يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَتْ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ صَرِيحَةً، لَمْ يَكُنْ فِي الْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ لِلطَّلَاقِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا بِمَعْنَى خَلَّيْتُك، فَإِنَّ مَعْنَى طَلَّقْتُك خَلَّيْتُك أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لَهُ، يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، كَانَ صَرِيحًا، كَذَا هَذِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ، كَانَتْ طَلَاقًا، كَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ، وَالشَّافِعِيُّ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ لَهَا فِي الْغَضَبِ أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ لَطَمَهَا فَقَالَ هَذَا طَلَاقُك]

(5855) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهَا فِي الْغَضَبِ: أَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ لَطَمَهَا، فَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (5856) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ، إذَا نَوَاهُ بِهِ وَقَعَ، وَلَا يَقَعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَا دَلَالَةِ حَالٍ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي: أَنْتَ حُرَّةٌ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ.
فَأَمَّا إذَا لَطَمَهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا كِنَايَةً، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ، وَلَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ، وَلَا حُكْمٌ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَك.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقًا، هَذَا الضَّرْبُ مِنْ أَجْلِهِ، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ هَذَا صَرِيحًا.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ مُحْتَمِلٌ لِهَذَا أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا يُوقِعُهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ، فَيَكُونُ الْغَضَبُ قَائِمًا مَقَامَ النِّيَّةِ، كَمَا قَامَ مَقَامَهَا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَطْمُهُ لَهَا قَرِينَةً تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ الْغَضَبِ، فَجَرَى مَجْرَاهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِطَلَاقِك، لِكَوْنِ الطَّلَاقِ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ، فَصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ بِصَرِيحِ؛ لِأَنَّهُ احْتَاجَ إلَى تَقْدِيرٍ، وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ، وَلَا مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ شَرْعًا، وَلَا عُرْفًا، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْكِنَايَاتِ.
وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا لَوْ أَطْعَمَهَا، أَوْ سَقَاهَا، أَوْ كَسَاهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك.
أَوْ لَوْ فَعَلَتْ الْمَرْأَةُ فِعْلًا مِنْ قِيَامٍ، أَوْ قُعُودٍ، أَوْ فَعَلَ هُوَ فِعْلًا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك.
فَهُوَ مِثْلُ لَطْمِهَا، إلَّا فِي أَنَّ اللَّطْمَ يَدُلُّ عَلَى الْغَضَبِ الْقَائِمِ مَقَامَ النِّيَّةِ، فَيَكُونُ هُوَ أَيْضًا قَائِمًا مَقَامَهَا فِي وَجْهٍ، وَمَا ذَكَرْنَا لَا يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهَا.

[فَصْلٌ أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ الْغَضَبِ فِي الطَّلَاقِ]

(5857) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ الْغَضَبِ، فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ؛: إحْدَاهُمَا، يَقَعُ الطَّلَاقُ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي: إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ.
فِي الرِّضَى، لَا فِي الْغَضَبِ، فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، لَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ فِي: اعْتَدِّي، وَاخْتَارِي، وَأَمْرُك بِيَدِك.
كَقَوْلِنَا فِي الْوُقُوعِ.
وَاحْتَجَّا بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَنْوِهِ بِهِ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ، كَحَالِ الرِّضَى، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لَا يَتَغَيَّرُ بِالرِّضَى وَالْغَضَبِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْكِنَايَاتِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْفُرْقَةِ إلَّا نَادِرًا، نَحْوُ قَوْلِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ.
وَاعْتَدِّي.
وَاسْتَبْرِئِي.
وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك.
وَأَنْتَ بَائِنٌ.
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَقَعُ فِي حَالِ الْغَضَبِ.
وَجَوَابُ سُؤَالِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، نَحْوُ: اذْهَبِي.
وَاخْرُجِي.
وَرُوحِي.
وَتَقَنَّعِي.
لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ فِي الْوُقُوعِ، إنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ.
وَهُوَ مِمَّا لَا يَسْتَعْمِلُهُ الْإِنْسَانُ فِي حَقِّ زَوْجَتِهِ غَالِبًا إلَّا كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْغَضَبِ وُقُوعُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ يُوجَدُ كَثِيرًا غَيْرَ مُرَادٍ بِهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الرِّضَى، فَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْغَضَبِ، إذْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، وَالتَّكَلُّمِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ، كَانَ مُجَرَّدُ ذِكْرِهِ يُظَنُّ مِنْهُ إرَادَةُ الطَّلَاقِ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَجِيئُهُ عَقِيبَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ، أَوْ فِي حَالِ الْغَضَبِ، قَوِيَ الظَّنُّ، فَصَارَ ظَنًّا غَالِبًا.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، أَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تُغَيِّرُ حُكْمَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لَرَجُلٍ: يَا عَفِيفُ ابْنَ الْعَفِيفِ.
حَالَ تَعْظِيمِهِ، كَانَ مَدْحًا لَهُ، وَإِنْ قَالَهُ فِي حَالِ شَتْمِهِ وَتَنْقُصهُ، كَانَ قَذْفًا وَذَمًّا.
وَلَوْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَغْدِرُ بِذَمِّهِ، وَلَا يَظْلِمُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ، وَمَا أَحَدٌ أَوْفَى ذِمَّةً مِنْهُ.
فِي حَالِ الْمَدْحِ، كَانَ مَدْحًا بَلِيغًا، كَمَا قَالَ حَسَّانُ: فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ... أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ وَلَوْ قَالَهُ فِي حَالِ الذَّمِّ كَانَ هِجَاءً قَبِيحًا، كَقَوْلِ النَّجَاشِيِّ: قَبِيلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ وَقَالَ آخَرُ: كَأَنَّ رَبِّي لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ ... سِوَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إنْسَانَا

وَهَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِجَاءٌ قَبِيحٌ وَذَمٌّ، حَتَّى حُكِيَ عَنْ حَسَّانَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ سَلَّحَ عَلَيْهِمْ.
وَلَوْلَا الْقَرِينَةُ وَدَلَالَةُ الْحَالِ، كَانَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَدْحِ وَأَبْلَغِهِ.
وَفِي الْأَفْعَالِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَصْدَ رَجُلًا بِسَيْفٍ، وَالْحَالُ يَدُلُّ عَلَى الْمَزْحِ وَاللَّعِبِ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، وَلَوْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَى الْجِدِّ، جَازَ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ.
وَالْغَضَبُ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الطَّلَاقِ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ.

[فَصْلٌ أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ سُؤَالِ الطَّلَاقِ]

(5858) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ سُؤَالِ الطَّلَاقِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَتَى بِهَا فِي حَالِ الْغَضَبِ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ.
وَالْوَجْهُ لِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّوْجِيهِ، إلَّا أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ هَاهُنَا، أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِ النِّيَّةِ، قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: إذَا قَالَ: لَمْ أَنْوِهِ.
صُدِّقَ فِي ذَلِكَ، إذَا لَمْ تَكُنْ سَأَلْته الطَّلَاقَ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا غَضَبٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِهِ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ، وَكَوْنِهِ فِي حَالِ الْغَضَبِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَنْصَرِفُ إلَى السُّؤَالِ، فَلَوْ قَالَ: لِي عِنْدَك دِينَارٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَوْ: صَدَقْت.
كَانَ إقْرَارًا بِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ.
وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي أَوْ بِعْتُك ثَوْبِي هَذَا.
فَقَالَ: قَبِلْت.
صَحَّ وَكَفَى، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَرَادَ بِالْكِنَايَةِ حَالَ الْغَضَبِ، أَوْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ غَيْرَ الطَّلَاقِ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ بِالصَّرِيحِ لَمْ يَقَعْ، فَبِالْكِنَايَةِ أَوْلَى.
وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، أَنَّهُ يُصَدَّقُ إنْ كَانَ فِي الْغَضَبِ، وَلَا يُصَدَّقُ إنْ كَانَ جَوَابًا لِسُؤَالِ الطَّلَاقِ.
وَنُقِلَ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيئَةٌ، أَوْ بَائِنٌ.
وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ذِكْرُ طَلَاقٍ وَلَا غَضَبٌ، صُدِّقَ.
فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ مَعَ وُجُودِهِمَا.
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ إلَى قَوْمٍ فَقَالُوا: لَا نُزَوِّجُك حَتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك.
فَقَالَ: قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا.
فَزَوَّجُوهُ، ثُمَّ أَمْسَكَ امْرَأَته، فَقَالُوا: أَلَمْ تَقُلْ إنَّك طَلَّقْت ثَلَاثًا؟ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنِّي تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا، ثُمَّ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا، ثُمَّ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا؟ فَسُئِلَ عُثْمَانُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَهُ نِيَّتُهُ.
وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِيهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ لَفْظًا، وَقَالَ: أَرَدْت التَّوْكِيدَ.

[مَسْأَلَة الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْكِنَايَاتِ]

(5859) مَسْأَلَةٌ؛ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ أَنْتِ بَرِيَّةٌ، أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ، أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك، أَوْ الْحَقِي بِأَهْلِك.
فَهُوَ عِنْدِي ثَلَاثٌ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُفْتِيَ بِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ) أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، كَرَاهِيَةُ الْفُتْيَا فِي هَذِهِ الْكِنَايَاتِ، مَعَ مَيْلِهِ إلَى أَنَّهَا ثَلَاثٌ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي " الْإِرْشَادِ " عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ؛

إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا ثَلَاثٌ.
وَالثَّانِيَةُ، يَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ.
اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: يُرْجَعُ إلَى مَا نَوَى، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَقَعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، وَلَا يَقْتَضِي عَدَدًا.
وَرَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يَزِيدُهَا فِي مَهْرِهَا إنْ أَرَادَ رَجْعَتَهَا.
وَلَوْ وَقَعَ ثَلَاثًا لَمْ يُبَحْ لَهُ رَجْعَتُهَا، وَلَوْ لَمْ تَبِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ، «أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ: آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً.
فَرَدَّهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ» . قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ: مَا أَشْرَفَ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ: " الْحَقِي بِأَهْلِك ". وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْكِنَايَاتِ مَعَ النِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَقَعُ اثْنَتَانِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَقْضِي الْبَيْنُونَةَ دُونَ الْعَدَدِ، وَالْبَيْنُونَةُ بَيْنُونَتَانِ صُغْرَى وَكُبْرَى، فَالصُّغْرَى بِالْوَاحِدَةِ، وَالْكُبْرَى بِالثَّلَاثِ، وَلَوْ أَوْقَعْنَا اثْنَتَيْنِ كَانَ مُوجِبُهُ الْعَدَدَ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِيهِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ: يَقَعُ بِهَا الثَّلَاثُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إلَّا فِي خُلْعٍ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، وَالْبَيْنُونَةُ تَحْصُلُ فِي الْخُلْعِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِوَاحِدَةٍ، فَلَمْ يُزَدْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَفِي غَيْرِهِمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهَا، وَوَجْهُ أَنَّهَا ثَلَاثٌ أَنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْبَتَّةِ: قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ قَوْلٌ صَحِيحٌ ثَلَاثًا.
وَقَالَ عَلِيٌّ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، فِي الْبَائِنِ: إنَّهَا ثَلَاثٌ.
وَرَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَاصِمٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: إنَّ ظِئْرِي هَذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَهَلْ تَجِدَانِ لَهُ رُخْصَةً؟ فَقَالَا: لَا، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَسَلْهُمْ، ثُمَّ ارْجِعْ إلَيْنَا، فَأَخْبِرْنَا.
فَسَأَلَهُمْ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ ثَلَاثٌ.
وَذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ مُتَابَعَتَهُمَا.

وَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَ أَلْبَتَّةَ وَاحِدَةً، ثُمَّ جَعَلَهَا بَعْدَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ.
وَهَذِهِ أَقْوَالُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِطَلَاقٍ تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، أَوْ نَوَى الثَّلَاثَ، وَاقْتِضَاؤُهُ لِلْبَيْنُونَةِ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ.
وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الْبَتَّ الْقَطْعُ، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ النِّكَاحَ كُلَّهُ، وَلِذَلِكَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، كَمَا قَالَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي.
وَبَتَلَهُ هُوَ الْقَطْعُ أَيْضًا؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي مَرْيَمَ الْبَتُولُ؛ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ النِّكَاحِ.
وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّبَتُّلِ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ عَنْ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْخَلِيَّةُ وَالْبَرِيَّةُ يَقْتَضِيَانِ الْخُلُوَّ مِنْ النِّكَاحِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ لِلَّفْظِ مَعْنَى، فَاعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ، إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ وَيُؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِدُونِ الثَّلَاثِ، فَوَقَعَتْ ضَرُورَةُ الْوَفَاءِ بِمَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ وَاحِدَةٍ بَائِنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، فَكَذَلِكَ بِكِنَايَاتِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا، وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ أَوْجَبَتْ الثَّلَاثَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، أَوْجَبَتْهَا فِي غَيْرِهَا، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
فَأَمَّا حَدِيثُ رُكَانَةَ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ إسْنَادَهُ، فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِابْنَةِ الْجَوْنِ: " الْحَقِي بِأَهْلِك ". فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّلَاثَ، وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّفَظَاتِ الَّتِي قَالَ الصَّحَابَةُ فِيهَا بِالثَّلَاثِ، وَلَا هِيَ مِثْلُهَا، فَيُقْصَرُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْكِنَايَةَ بِالنِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ.
قُلْنَا: نَعَمْ، إلَّا أَنَّ الصَّرِيحَ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثٍ تَحْصُلُ بِهَا الْبَيْنُونَةُ، وَإِلَى مَا دُونَهَا مِمَّا لَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ، فَكَذَلِكَ الْكِنَايَةُ تَنْقَسِمُ كَذَلِكَ، فَمِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ الْمُحَصِّلِ لِلْبَيْنُونَةِ، وَهُوَ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ، وَمِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْوَاحِدَةِ، وَهُوَ مَا عَدَاهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(5860) فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ؛ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهَذِهِ الْكِنَايَاتِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، كَقَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ، فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِقَوْلِهِ: وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الصَّرِيحِ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَلِأَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ.

[فَصْلٌ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَة]

(5861) فَصْلٌ: وَالْكِنَايَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛

ظَاهِرَةٌ، وَهِيَ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ؛ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَأَمْرُك بِيَدِك.
الْحُكْمُ فِيهَا مَا بَيَّنَّاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ، أَوْ أَلْبَتَّةَ.
فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ بِهَا الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك.
وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا، فَهِيَ ثَلَاثٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا، وَلَا مَثْنَوِيَّةَ.
هَذِهِ مِثْلُ الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ ثَلَاثًا، هَكَذَا هُوَ عِنْدِي.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ قَالَ: وَلَا رَجْعَةَ لِي فِيهَا.
بِالْوَاوِ، فَكَذَلِكَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: تَكُونُ رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ الطَّلْقَةَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَطَفَ عَلَيْهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الصِّفَةَ تَصِحُّ مَعَ الْعِطْفِ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك بِعَشْرَةِ وَهِيَ مَغْرِبِيَّةٌ صَحَّ، وَكَانَ صِفَةً لِلثَّمَنِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2] . وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنًا أَوْ وَاحِدَةً بَتَّةً.
فَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، أَنَّهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَيَلْغُو مَا بَعْدَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مُتَقَدِّمًا، إنْ نَوَى وَاحِدَةً تَكُونُ بَائِنًا وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَقَعُ عَلَيْك.
وَالثَّانِيَةُ: هِيَ ثَلَاثٌ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي الثَّلَاثَ، فَوَقَعَ، وَلَغَا قَوْلُهُ: وَاحِدَةً.
كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا.
وَالثَّالِثَةُ، رَوَاهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، يَزِيدُهَا فِي مَهْرِهَا إنْ أَرَادَ رَجْعَتَهَا.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْقَعَ بِهَا وَاحِدَةً بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمَا كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَلَا احْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا، وَلَوْ وَقَعَ ثَلَاثٌ لَمَا حَلَّتْ لَهُ رَجْعَتُهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَرَّجُ فِي جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ، فَوَقَعَ عَلَى مَا أَوْقَعَهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَقْتَضِ عَدَدًا، فَلَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَحَمَلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ حَنْبَلٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
الْقَسَمُ الثَّانِي، مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَهِيَ ضَرْبَانِ؛ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ عَشْرَةٌ؛ الْحَقِي بِأَهْلِك.
وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك.
وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك.
وَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَجٌ.
وَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
وَاذْهَبِي فَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْت.

وَغَطِّي شَعْرَك.
وَأَنْتِ حُرَّةٌ.
وَقَدْ أَعْتَقْتُك.
فَهَذِهِ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ؛: إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا ثَلَاثٌ.
وَالثَّانِيَةُ، تَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَوَاحِدَةٌ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي، مَقِيسٌ عَلَى هَذِهِ، وَهِيَ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك.
وَحَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ.
وَتَقَنَّعِي.
وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك.
فَهَذِهِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَهَا.
وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: الْحَقِي بِأَهْلِك.
أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ: «الْحَقِي بِأَهْلِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَقَدْ نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ: " الْحَقِي بِأَهْلِك ". وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا غَيْرَ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا، فَيَكُونَ غَيْرَ طَلَاقِ السُّنَّةِ.
فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك.
لَا يَخْتَصُّ الثَّلَاثَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْوَاحِدَةِ، كَمَا يَكُونُ مِنْ الثَّلَاثِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ لِسَوْدَةِ ابْنَةِ زَمْعَةَ: اعْتَدِّي» ، فَجَعَلَهَا تَطْلِيقَةً.
وَرَوَى هُشَيْمٌ أَنْبَأْنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ نُعَيْمَ بْنَ دَجَاجَةَ الْأَسَدِيُّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ عَلَيَّ حَرَجٌ.
وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَمَّا إنَّهَا لَيْسَتْ بِأَهْوَنِهِنَّ.
وَأَمَّا سَائِرُ اللَّفَظَاتِ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ ظَاهِرَةٌ؛ فَلِأَنَّ مَعْنَاهَا مَعْنَى الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك.
إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَبْتُوتَةِ، أَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ وَسُلْطَانٌ.
وَقَوْلُهُ: أَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ أَعْتَقْتُك.
يَقْتَضِي ذَهَابَ الرِّقِّ عَنْهَا، وَخُلُوصَهَا مِنْهُ، وَالرِّقُّ هَاهُنَا النِّكَاحُ.
وَقَوْلُهُ: أَنْتِ حَرَامٌ يَقْتَضِي بَيْنُونَتَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ.
وَكَذَلِكَ: حَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ، لِأَنَّك بِنْتِ مِنِّي.
وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ وَاحِدَةٌ.
فَلِأَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: حَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ.
أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِك، إذْ لَا يُمْكِنُ حِلُّهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْوَاحِدَةُ تُحِلُّهَا.
وَكَذَلِكَ: انْكِحِي مَنْ شِئْت.
وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ، يَتَحَقَّقُ مَعْنَاهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا.
الْقَسَمُ الثَّالِثُ، الْخَفِيَّةُ نَحْوُ: اُخْرُجِي.
وَاذْهَبِي.
وَذُوقِي.
وَتَجَرَّعِي.
وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ.
وَاخْتَارِي.
وَوَهَبْتُك لِأَهْلِك.
وَسَائِرُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفُرْقَةِ، وَيُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثٌ إنْ نَوَى ثَلَاثًا، وَاثْنَتَانِ إنْ نَوَاهُمَا، وَوَاحِدَةٌ إنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا ظَهَرَ مِنْ الطَّلَاقِ فَهُوَ عَلَى مَا ظَهَرَ، وَمَا عَنَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى، مِثْلُ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك.
إذَا نَوَى وَاحِدَةً، أَوْ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، وَمِثْلُ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك.
وَإِذَا نَصَّ فِي هَاتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ، فَكَذَلِكَ

سَائِرُ الْكِنَايَاتِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ اثْنَتَانِ، وَإِنْ نَوَاهُمَا وَقَعَ وَاحِدَةٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ.
فَهِيَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ، لَكِنَّهَا لَا تَقَعُ بِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَاحِدَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَغْنَاك اللَّهُ.
فَهِيَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ: أَغْنَاك اللَّهُ بِالطَّلَاقِ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] .

[فَصْلٌ الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِالْكِنَايَاتِ]

(5862) فَصْلٌ: وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِالْكِنَايَاتِ رَجْعِيٌّ، مَا لَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّهَا بَوَائِنُ، إلَّا: اعْتَدِّي.
وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك.
وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا، كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَمَا سَلَّمُوهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ قُلْنَا: فَيَنْبَغِي أَنْ تَبِينَ بِثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا تَبِينُ إلَّا بِثَلَاثٍ أَوْ عِوَضٍ.

[فَصْلٌ مَا لَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ]

(5863) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا لَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ، كَقَوْلِهِ: اُقْعُدِي.
وَقُومِي.
وَكُلِي.
وَاشْرَبِي.
وَاقْرَبِي.
وَأَطْعِمِينِي وَاسْقِينِي.
وَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك.
وَغَفَرَ اللَّهُ لَك.
وَمَا أَحْسَنَك.
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ، وَلَا تَطْلُقُ بِهِ، وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ، فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: كُلِي.
وَاشْرَبِي.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَقَوْلِنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ: كُلِي أَلَمَ الطَّلَاقِ.
وَاشْرَبِي كَأْسَ الْفِرَاقِ.
فَوَقَعَ بِهِ، كَقَوْلِنَا: ذُوقِي، وَتَجَرَّعِي.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُسْتَعْمَلُ بِمُفْرَدِهِ إلَّا فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، كَنَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: 19] . وَقَالَ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] . فَلَمْ يَكُنْ كِنَايَةً، كَقَوْلِهِ: أَطْعِمِينِي.
وَفَارَقَ ذُوقِي.
وَتَجَرَّعِي؛ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكَارِهِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]

﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: 50] . ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 48] . وَكَذَلِكَ التَّجَرُّعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 17] . فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمَا مَا لَيْسَ مِثْلَهُمَا.

[فَصْلٌ قَالَ أَنَا مِنْك طَالِقٌ]

(5864) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ.
أَوْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، فَقَالَتْ: أَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: تَطْلُقُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْقَاسِمِ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ النِّكَاحِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَحَّ فِي أَحَدِهِمَا صَحَّ فِي الْآخَرِ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَلَمْ يَقَعْ وَإِنْ نَوَى، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ: مِنْك.
لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لَوَقَعَ بِذَلِكَ، كَالْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْمَرْأَةَ مَمْلُوكَةٌ، فَلَمْ يَقَعْ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِإِضَافَةِ الْإِزَالَةِ إلَى الْمَالِكِ، كَالْعِتْقِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُطَلَّقٌ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ.
وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَلَّكْت امْرَأَتِي أَمْرَهَا، فَطَلَّقَتْنِي ثَلَاثًا.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَطَّأَ اللَّهُ نَوَاهَا، إنَّ الطَّلَاقَ لَك وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْك.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (5865) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ.
أَوْ بَرِيءٌ.
فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَةِ صَرِيحِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَقَعْ بِإِضَافَةِ كِنَايَتِهِ إلَيْهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَالثَّانِي، يَقَعُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْنُونَةِ وَالْبَرَاءَةِ يُوصَفُ بِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، يُقَالُ: بَانَ مِنْهَا، وَبَانَتْ مِنْهُ.
وَبَرِئَ مِنْهَا، وَبَرِئَتْ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْفُرْقَةِ يُضَافُ إلَيْهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] . وَيُقَالُ: فَارَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَفَارَقَهَا.
وَلَا يُقَالُ: طَلَّقَتْهُ.
وَلَا سَرَّحَتْهُ.
وَلَا تَطْلُقَا.
وَلَا تُسَرَّحَا.

وَإِنْ قَالَ: أَنَا بَائِنٌ.
وَلَمْ يَقُلْ: مِنْك.
فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك.
فَقَالَتْ: أَنْتِ بَائِنٌ.
وَلَمْ تَقُلْ: مِنِّي.
أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ قَالَتْ: أَنَا بَائِنٌ.
وَنَوَتْ، وَقَعَ.
وَإِنْ قَالَتْ: أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ.
فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ]

(5866) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ، نَوَاهُ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، بَلْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَوْلُ يَكْتَفِي فِيهِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، إذَا كَانَ صَرِيحًا فِيهِ، كَالْبَيْعِ.
وَسَوَاءٌ قَصَدَ الْمَزْحَ أَوْ الْجِدَّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ جِدَّ الطَّلَاقِ وَهَزْلَهُ سَوَاءٌ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَنَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَعُبَيْدَةَ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَأَمَّا لَفْظُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ، فَيُنْبِي عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ؛ فَمَنْ جَعَلَهُ صَرِيحًا أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ صَرِيحًا لَمْ يُوقِعْ بِهِ الطَّلَاقَ حَتَّى يَنْوِيَهُ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ.

[فَصْلٌ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ]

(5867) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ لِلطَّلَاقِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، كَالْمُكْرَهِ.
فَإِنْ نَوَى مُوجِبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ اخْتِيَارُ مَا لَا يَعْلَمُهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا لَمْ يَكْفُرْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ إذَا نَوَى مُوجِبَهَا؛ لِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ نَاوِيًا مُوجِبَهُ، فَأَشْبَهَ الْعَرَبِيَّ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ الْعَرَبِيُّ: بهشتم.
وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا.

[فَصْلٌ قَالَ لُزُوجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ]

(5868) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
أَوْ قَالَ لِحَمَاتِهِ: ابْنَتُك طَالِقٌ.
وَلَهَا بِنْتٌ سِوَى امْرَأَتِهِ.
أَوْ كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ، فَقَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَاقَ غَيْرِهَا.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ.
لَمْ يُصَدَّقْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَقَالَ لَحْمَاتِهِ: ابْنَتُك طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت ابْنَتَك الْأُخْرَى، الَّتِي لَيْسَتْ بِزَوْجَتِي، فَقَالَ: يَحْنَثُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، فِي رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ، اسْمَاهُمَا فَاطِمَةُ، فَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا، فَقَالَ: فَاطِمَةُ طَالِقٌ.
يَنْوِي الْمَيِّتَةَ، فَقَالَ: الْمَيِّتَةُ تَطْلُقُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: كَأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ فِي الْحُكْمِ.

وَقَالَ الْقَاضِي، فِيمَا إذَا نَظَرَ إلَى امْرَأَتِهِ، وَأَجْنَبِيَّةٍ، فَقَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ.
فَهَلْ يُقْبَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْبَلُ هَاهُنَا، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا إذَا قَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت أَجْنَبِيَّةً اسْمُهَا زَيْنَبُ.
لِأَنَّ زَيْنَبَ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَبِيَّةَ بِصَرِيحِهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ، وَقَدْ عَارِضَهُ دَلِيلٌ آخِرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَظْهَرُ، فَصَارَ اللَّفْظُ فِي زَوْجَتِهِ أَظْهَرَ، فَلَمْ يُقْبَلْ خِلَافُهُ، أَمَّا إذَا قَالَ: إحْدَاهُمَا.
فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَبِيَّةَ بِصَرِيحِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ امْرَأَتِهِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِهَا، كَمَا لَوْ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ.
عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ إحْدَاكُمَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا، وَزَيْنَبُ يَتَنَاوَلُ وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا، ثُمَّ تَعَيَّنَتْ الزَّوْجَةُ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ الطَّلَاقِ، وَخِطَابُ غَيْرِهَا بِهِ عَبَثٌ، كَمَا إذَا قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
ثُمَّ لَوْ تَنَاوَلَهَا بِصَرِيحِهِ لَكِنَّهُ صَرَفَهُ عَنْهَا دَلِيلٌ، فَصَارَ ظَاهِرًا فِي غَيْرِهَا، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: " أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ". لَمْ يَنْصَرِفْ إلَّا إلَى الْكَاذِبِ مِنْهُمَا وَحْدَهُ، وَلَمَّا قَالَ حَسَّانُ، يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا سُفْيَانَ: فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ لَمْ يَنْصَرِفْ شَرُّهُمَا إلَّا إلَى أَبِي سُفْيَان وَحْدَهُ، وَخَيْرُهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ.
وَهَذَا فِي الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَدِينُ فِيهِ، فَمَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَجْنَبِيَّةَ، لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ.
وَلَوْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَتِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ ظُلْمًا، أَوْ يَتَخَلَّصَ بِهَا مِنْ مَكْرُوهٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الصَّارِفِ إلَيْهَا.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ زَوْجَتَهُ، وَلَا الْأَجْنَبِيَّةَ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الطَّلَاقِ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهَا وَيَصْلُحُ لَهَا، وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا، فَوَقَعَ بِهِ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا.

[فَصْلٌ لَهُ امْرَأَتَانِ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ فَقَالَ يَا حَفْصَةُ فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ]

(5869) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ؛ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، أَوْ نَوَى الْمُجِيبَةَ وَحْدَهَا، طَلُقَتْ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ دُونَ غَيْرِهَا.
وَإِنْ قَالَ: مَا خَاطَبْت بِقَوْلِي: أَنْتِ طَالِقٌ.
إلَّا حَفْصَةَ، وَكَانَتْ حَاضِرَةً، طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّ الْمُجِيبَةَ عَمْرَةُ، فَخَاطَبْتهَا بِالطَّلَاقِ، وَأَرَدْت طَلَاقَ حَفْصَةَ.
طَلُقَتَا مَعًا، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْت الْمُجِيبَةَ حَفْصَةَ فَطَلَّقْتهَا.
طَلُقَتْ حَفْصَةُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِي عَمْرَةَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَطْلُقُ أَيْضًا.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِالطَّلَاقِ، وَهِيَ مَحِلٌّ لَهُ، فَطَلُقَتْ، كَمَا لَوْ قَصَدَهَا.

وَالثَّانِيَةُ، لَا تَطْلُقُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَقَالَ: فُلَانَةُ أَنْتِ طَالِقٌ.
فَالْتَفَتَتْ، فَإِذَا هِيَ غَيْرُ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا، قَالَ: قَالَ إبْرَاهِيمُ: يَطْلُقَانِ.
وَالْحَسَنُ يَقُولُ: تَطْلُقُ الَّتِي نَوَى.
قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: تَطْلُقُ الَّتِي نَوَى.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا بِالطَّلَاقِ، فَلَمْ تَطْلُقْ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ طَاهِرٌ.
فَسَبَقَ لِسَانُهُ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تَطْلُقْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَطْلُقُ الْمُجِيبَةُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِالطَّلَاقِ، فَطَلُقَتْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهَا، وَلَا تَطْلُقُ الْمَنْوِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهَا بِالطَّلَاقِ، وَلَمْ تَعْتَرِفْ بِطَلَاقِهَا، وَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُجِيبَةَ عَمْرَةُ، فَإِنَّ الْمَنْوِيَّةَ تَطْلُقُ بِإِرَادَتِهَا بِالطَّلَاقِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ بِالِاعْتِرَافِ بِهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ بِمَا لَا يُوجِبُ لَا يُوجِبُ، وَلِأَنَّ الْغَائِبَةَ مَقْصُودَةٌ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، فَطَلُقَتْ كَمَا لَوْ عِلْمَ الْحَالَ.
(5870) فَصْلٌ: وَإِنْ أَشَارَ إلَى عَمْرَةَ، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ، أَنْتِ طَالِقٌ.
وَأَرَادَ طَلَاقَ عَمْرَةَ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى نِدَاءِ حَفْصَةَ، طَلُقَتْ عَمْرَةُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِلَفْظِهِ إلَّا طَلَاقَهَا، وَإِنَّمَا سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِ مَا أَرَادَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَاهِرٌ.
فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى أَنْتِ طَالِقٌ.
وَإِنْ أَتَى بِاللَّفْظِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهَا عَمْرَةُ، طَلُقَتَا مَعًا، عَمْرَةُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا، وَإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا، وَحَفْصَةُ بِنِيَّتِهِ، وَبِلَفْظِهِ بِهَا.
وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهَا حَفْصَةُ، طَلُقَتْ حَفْصَةُ، وَفِي عَمْرَةَ رِوَايَتَانِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ لَقِيَ أَجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ فَقَالَ فُلَانَةُ أَنْتَ طَالِقٌ]

(5871) فَصْلٌ: وَإِنْ لَقِيَ أَجْنَبِيَّةً، ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، فَقَالَ: فُلَانَةُ أَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِذَا هِيَ أَجْنَبِيَّةٌ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِالطَّلَاقِ غَيْرَهَا، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَصَدَ زَوْجَتَهُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، فَطَلُقَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَأَرَدْت طَلَاقَ زَوْجَتِي.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ زَوْجَتِهِ، احْتَمَلَ؛ وَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَصَدَ امْرَأَتَهُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَطْلُقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهَا بِالطَّلَاقِ، وَلَا ذَكَرَ اسْمَهَا مَعَهُ.
وَإِنْ عَلِمَهَا أَجْنَبِيَّةً، وَأَرَادَ بِالطَّلَاقِ زَوْجَتَهُ، طَلُقَتْ.
وَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا بِالطَّلَاقِ، لَمْ تَطْلُقْ.

[فَصْلٌ لَقِيَ امْرَأَتَهُ فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ]

(5872) فَصْلٌ: وَإِنْ لَقِيَ امْرَأَتَهُ، فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ تَنَحِّي يَا مُطَلَّقَةُ.
أَوْ لَقِيَ أَمَتَهُ، فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً، فَقَالَ: أَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ تَنَحِّي يَا حُرَّةُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، فِيمَنْ لَقِيَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: تَنَحِّي يَا مُطَلَّقَةُ، أَوْ يَا حُرَّةُ.
وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا، فَإِذَا هِيَ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ: لَا يَقَعُ بِهِمَا طَلَاقٌ وَلَا حُرِّيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِمَا ذَلِكَ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِمَا شَيْءٌ، كَسَبْقِ اللِّسَانِ إلَى مَا لَمْ يُرِدْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَعْتِقَ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ النَّاسِ مُخَاطَبَةُ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا بِقَوْلِهِ: يَا حُرَّةُ.
وَتَطْلُقُ الزَّوْجَةُ؛ لِعَدَمِ الْعَادَةِ بِالْمُخَاطَبَةِ بِقَوْلِهِ: يَا مُطَلَّقَةُ.

[فَصْلٌ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ]

(5873) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَيْرُ الصَّرِيحِ؛ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ، أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَحَرَامٌ.
يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
قَالَ الْقَاضِي، فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الطَّلَاقِ فِي الْعُرْفِ، فَصَارَتْ كَالصَّرِيحِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ كِنَايَةٌ لَمْ تُعْرَفْ بِإِرَادَةِ الطَّلَاقِ بِهَا، وَلَا اخْتَصَّتْ بِهِ، فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِهَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ، وَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ، فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ، فَإِنْ وُجِدَتْ فِي ابْتِدَائِهِ، وَعَرِيَتْ عَنْهُ فِي سَائِرِهِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَقَعُ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتَ بَائِنٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ، وَعَرِيَتْ نِيَّتُهُ حِينَ قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ، لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي صَاحَبَتْهُ النِّيَّةُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ.
وَلَنَا أَنَّ مَا تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ يَكْتَفِي فِيهِ بِوُجُودِهَا فِي أَوَّلِهِ، كَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَأَمَّا إنْ تَلَفَّظَ بِالْكِنَايَةِ غَيْرَ نَاوٍ، ثُمَّ نَوَى بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ، وَكَمَا لَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ بِالْغُسْلِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ.

[مَسْأَلَةٌ قِيلَ لَهُ أَلِك امْرَأَةٌ فَقَالَ لَا وَأَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ]

(5874) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلِك امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ: لَا.
وَأَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتهَا.
وَأَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ) إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا أَرَادَ الْكَذِبَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا لِي امْرَأَةٌ.
كِنَايَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ، وَإِذَا نَوَى الْكَذِبَ فَمَا نَوَى الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَقَعْ.
وَهَكَذَا لَوْ نَوَى أَنَّهُ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ تَخْدُمُنِي، أَوْ تُرْضِينِي، أَوْ أَنِّي كَمَنْ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل