الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الرِّوَايَةِ، إنْ أَدَّى عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يَعْتِقْ.
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُؤَدِّيهِ الْإِمَامُ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَجْزًا، وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ الْفَسْخَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ، عَجَّزَهُ السَّيِّدُ إنْ أَحَبَّ، فَإِنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ نَجْمًا، حَتَّى حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ، عَجَّزَهُ السَّيِّدُ إنْ أَحَبَّ، وَعَادَ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ.
وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ عَجَّزَ نَفْسَهُ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجْبَرُ عَلَى اكْتِسَابِ مَا يُؤَدِّيهِ فِي الْكِتَابَةِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْعَقْدِ اسْتِحْقَاقُ الْحُرِّيَّةِ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي، فَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهَا، كَمَا لَوْ أَدَّى.
فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ أَدَائِهِ، جَازَ بِعَجْزِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ.
وَجْهًا وَاحِدًا.
[مَسْأَلَةٌ أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ وَمَاتَ وَفِي يَدِهِ وَفَاءٌ]
(8718) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ، وَمَاتَ وَفِي يَدِهِ وَفَاءٌ وَفَضْلٌ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ.
فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى، لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي.
فَقَدْ مَاتَ رَقِيقًا، فَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي.
فَقَدْ مَاتَ حُرًّا، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: الْأَصَحُّ أَنَّهُ تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ، وَيَمُوتُ عَبْدًا، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ، وَالزُّهْرِيِّ.
وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْفَسِخَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ عُلِّقَ بِشَرْطٍ مُطْلَقٍ، فَيَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا، فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَالرِّوَايَةُ
الثَّانِيَةُ، يَعْتِقُ، وَيَمُوتُ حُرًّا، وَلِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَمَا فَضَلَ لِوَرَثَتِهِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاوِيَةَ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَطَاوُسٌ، وَشُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: يَكُونُ حُرًّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي.
وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، مَا قَدَّمْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْآخَرِ، كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَحَدُ مَنْ تَمَّتْ بِهِ الْكِتَابَةُ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ كَالسَّيِّدِ.
وَالْأُولَى أَوْلَى.
وَتُفَارِقُ الْكِتَابَةُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِتَلَفِهِ،
وَالْمُكَاتَبُ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَالْعَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ، فَإِذَا تَلِفَ قَبْلَ تَمَامِ الْأَدَاءِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ حُرِّيَّتِهِ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
[فَصْلٌ انْفِسَاخُ الْكِتَابَةِ]
(8719) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ، وَيَمُوتُ عَبْدًا، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ أَدَاءِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُمَا، فَإِنَّهُ يَمُوتُ حُرًّا، فِي مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ فِي كِتَابَتِهِ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ كُلِّهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، أُجْبِرَ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَالْأَدَاءِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا، أَوْ مِيرَاثًا، وَرِثَ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى» . وَعَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالنَّخَعِيِّ: إذَا أَدَّى الشَّطْرَ، فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا أَدَّى قَدْرَ قِيمَتِهِ، فَهُوَ غَرِيمٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ انْفِسَاخُ الْكِتَابَةِ بِالْجُنُونِ]
(8720) فَصْلٌ: وَلَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِالْجُنُونِ، كَالرَّهْنِ، وَفَارَقَ الْمَوْتُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْعَيْنِ، وَالْمَوْتُ يُفَوِّتُ الْعَيْنَ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْكِتَابَةِ الْعِتْقُ، وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ عِتْقُ الْمَيِّتِ، وَالْجُنُونُ لَا يُنَافِيهِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ عِتْقِ الْمَجْنُونِ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ أَدَّى إلَيْهِ الْمَالَ، عَتَقَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَبَضَ مِنْهُ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ يَدِهِ، فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ بَرَاءَتَهُ مِنْ الْمَالِ، فَيَعْتِقُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ، كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُحْضِرَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَتَثْبُتُ الْكِتَابَةُ بِالْبَيِّنَةِ، فَيَبْحَثُ الْحَاكِمُ عَنْ مَالِهِ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا، سَلَّمَهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَعَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا جَعَلَ، لَهُ أَنْ يُعَجِّزَهُ، وَيُلْزِمَهُ الْإِنْقَاقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ قِنًّا، ثُمَّ إنْ وَجَدَ لَهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا يَفِي بِمَالِ الْكِتَابَةِ، أَبْطَلَ فَسْخَ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْبَاطِنَ بَانَ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ، فَبَطَلَ حُكْمُهُ، كَمَا إذَا أَخْطَأَ النَّصَّ وَحَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ، إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى السَّيِّدِ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ.
وَإِنْ أَفَاقَ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ، بَطَلَ أَيْضًا فَسْخُ السَّيِّدِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، فَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْلِفَ السَّيِّدَ الْحَاكِمُ، أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى مَالَ الْكِتَابَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهُ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَيَدَّعِيهِ، فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْلَافِهِ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ انْفِسَاخُ الْكِتَابَةِ بِقَتْلِ الْمُكَاتَبِ]
(8721) فَصْلٌ: وَقَتْلُ الْمُكَاتِبِ كَمَوْتِهِ فِي انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ السَّيِّدَ أَوْ الْأَجْنَبِيَّ.
وَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ سَيِّدَهُ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَعَادَ مَا فِي يَدِهِ إلَى سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْقَاتِلُ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْقَتْلِ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْمَقْتُولِ.
قُلْنَا: هَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مَالُ الْمُكَاتَبِ مِيرَاثًا، بَلْ بِحُكْمِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْقَاتِلُ الْمِيرَاثَ خَاصَّةً، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، إذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، حَلَّ دَيْنُهُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَتَقَتْ.
وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ خَلَفَ وَفَاءً، وَقُلْنَا: إنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ.
فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ.
فَلَهُ الْقِيمَةُ عَلَى سَيِّدِهِ تُصْرَفُ إلَى وَرَثَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِهِ فِي حَيَاتِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْوَفَاءُ يَحْصُلُ بِإِيجَابِ الْقِيمَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِهَا، وَجَبَتْ، كَمَا لَوْ خَلَفَ وَفَاءً؛ لِأَنَّ دِيَةَ الْمَقْتُولِ كَتَرِكَتِهِ، فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ مِنْهَا، وَانْصِرَافِهَا إلَى وُرَّاثِهِ بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَا فَرْقَ، فِيمَا ذَكَرْنَا، بَيْنَ أَنْ يَخْلُفَ وَارِثًا، أَوْ لَا يَخْلُفَ وَارِثًا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا سِوَى سَيِّدِهِ، لَمْ تَجِبْ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ بِحَالٍ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يُصْرَفُ مَالُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ صَرْفَهُ إلَى سَيِّدِهِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَالْقَاتِلُ لَا مِيرَاثَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ أَجْنَبِيًّا، وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لَسَيِّدِهِ، إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ، فَإِنَّهَا تَجِبُ لِوَرَثَتِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ انْفِسَاخُ الْكِتَابَةِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ]
(8722) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ، كَانَ الْعَبْدُ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَمَا أَدَّى فَبَيْنَ وَرَثَةِ سَيِّدِهِ، مَقْسُومًا كَالْمِيرَاثِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ، لَا سَبِيلَ إلَى فَسْخِهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يُؤَدِّي نُجُومَهُ، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا، إلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لِمَوْرُوثِهِمْ، وَيَكُونُ مَقْسُومًا
بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَإِنْ أَدَّى إلَى بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ لَمْ يَعْتِقْ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَأَدَّى إلَى بَعْضِهِمْ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا، وَكَانَ لَهُ وَكِيلٌ، دَفَعَ نَصِيبَهُ إلَى وَكِيلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ، دَفَعَ نَصِيبَهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَعَتَقَ.
وَإِنْ كَانَ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ، دَفَعَ نَصِيبَهُ إلَى وَلِيِّهِ؛ إمَّا ابْنِهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ أَمِينِهِ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ وَصِيَّانِ، لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِالدَّفْعِ إلَيْهِمَا مَعًا.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ رَشِيدًا، قَبَضَ لِنَفْسِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى غَيْرِهِ لِيَقْبِضَ لَهُ، لِأَنَّ الرَّشِيدَ وَلِيُّ نَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ رَشِيدًا، وَبَعْضُهُمْ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ، فَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمُهُ لَوْ انْفَرَدَ.
وَإِنْ أَذِنَ بَعْضُهُمْ لَهُ فِي الْأَدَاءِ إلَى الْآخَرِ، وَكَانَ الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ رَشِيدًا، فَأَدَّى إلَى الْآخَرِ جَمِيعَ حَقِّهِ، عَتَقَ نَصِيبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَسْرِي عِتْقُهُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْضَ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ إلَى السَّيِّدِ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، بَرِئَ مِنْهُ، وَعَتَقَ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ، عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، عَتَقَ.
وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ، كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَدَّى إلَى بَعْضِهِمْ بِإِذْنِ الْآخَرِ.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ نَصِيبُ مَنْ أَبْرَأَهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ، أَوْ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ بِإِذْنِ شُرَكَائِهِ، أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا لَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعِتْقُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ مِنْ بَعْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ حَقِّهِ.
وَلَنَا، عَلَى سِرَايَةِ عِتْقِهِ، أَنَّهُ إعْتَاقٌ لِبَعْضِ الْعَبْدِ الَّذِي يَجُوزُ إعْتَاقُهُ، مِنْ مُوسِرٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْرِيَ عِتْقُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ قِنًّا، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَسَرَى، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ: فِي السِّرَايَةِ ضَرَرٌ بِالشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ، فَيُرَدُّ إلَى الرِّقِّ.
قُلْنَا: إذَا كَانَ الْعِتْقُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ يُزِيلُ الرِّقَّ الْمُتَمَكِّنَ، الَّذِي لَا كِتَابَةَ فِيهِ، فَلَأَنْ يُزِيلَ عَرَضِيَّةَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ الْمُكَاتَبُ يَمُوتُ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ كِتَابَتِهِ]
(8723) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ) ، أَمَّا إذَا عَجَزَ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَبْدًا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ مَوْرُوثِهِمْ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْمَالِ، وَأَمَّا إذَا أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ، وَعَتَقَ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ: يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمُكَاتَبِهِ، يَخْتَصُّ بِهِ عَصَبَاتُهُ دُونَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَنَقَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَإِسْحَاقَ.
وَرَوَى حَنْبَلٌ، وَصَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ سَيِّدُهُ، وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ كِتَابَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْوَلَاءُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا وَلَاءَ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ دَيْنٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا كَاتَبْنَ، أَوْ أَعْتَقْنَ.
وَلِكُلٍّ وَجْهٌ.
وَاَلَّذِي أَرَاهُ وَيَغْلِبُ عَلَيَّ أَنَّهُنَّ يَرِثْنَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَزَ بَعْدَ وَفَاةِ السَّيِّدِ، رُدَّ رَقِيقًا.
وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ بِمَوْتِ الْمُكَاتِبِ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُمْ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ، لَهُمْ كَمَا لَوْ أَدَّى إلَى الْمُشْتَرِي.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالْعِتْقِ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ أَدَّى إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مَا بَقِيَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ لِلسَّيِّدِ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالشِّرَاءِ، أَنَّ السَّيِّدَ نَقَلَ حَقَّهُ فِي الْبَيْعِ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَالْوَارِثُ يَخْلُفُ الْمَوْرُوثَ وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَهُ مَوْرُوثُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ لِمَوْرُوثِهِ، وَالْوَلَاءُ مِمَّا أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ لِلْمَوْرُوثِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْهُ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْمُكَاتَبَ]
(8724) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْوَرَثَةُ صَحَّ عِتْقُهُمْ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ، فَصَحَّ عِتْقُهُمْ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ، وَهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ نَصِيبَهُ، فَعَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شُرَكَائِهِ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ؛ لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَهُ وَلَاءُ مَا أَعْتَقَهُ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَغَيْرِ الْمُكَاتَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ أَعْتَقُوهُ كُلُّهُمْ قَبْلَ عَجْزِهِ، كَانَ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ، ثُمَّ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ أَدَّى إلَى الْبَاقِينَ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ عَجَزَ فَرَدُّوهُ إلَى الرِّقَّ، كَانَ وَلَاءُ نَصِيبِ الْمُعْتِقِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا إعْتَاقُهُ، لَعَادَ سَهْمُهُ رَقِيقًا، كَسِهَامِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، فَلَمَّا أَعْتَقَهُ، كَانَ هُوَ الْمُنْعِمَ عَلَيْهِ فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ دُونَهُمْ.
فَأَمَّا إنْ أَبْرَأَهُ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ، عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، فِيمَا إذَا أَدَّى إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ
الْإِبْرَاءَ جَرَى مَجْرَى اسْتِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَنْعَمُوا عَلَيْهِ بِمَا عَتَقَ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقُوهُ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ نَصِيبِهِ، كَانَ فِي وَلَائِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ بَاعَ الْوَرَثَةُ الْمُكَاتَبَ أَوْ وَهَبُوهُ]
(8725) فَصْلٌ: إذَا بَاعَ الْوَرَثَةُ الْمُكَاتَبَ، أَوْ وَهَبُوهُ، صَحَّ بَيْعُهُمْ وَهِبَتُهُمْ، لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمُكَاتِبِ، وَالْمُكَاتِبُ يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ فَكَذَلِكَ وَرَثَتُهُ، وَيَكُونُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ مُبْقًى عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَعَجَّزَهُ، عَادَ رَقِيقًا لَهُ، وَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ، كَانَ وَلَاؤُهُ لِمَنْ يُؤَدِّي إلَيْهِ.
عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ وَلَاءَهُ لِلْوَرَثَةِ، إذَا أَدَّى إلَيْهِمْ.
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إبْطَالَ سَبَبِ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلسَّيِّدِ الَّذِي كَاتَبَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ إنْ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ عَقَدَهَا، فَعَتَقَ بِهَا، فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ بِبَيْعِهِ أَبْطَلَ حَقَّ نَفْسِهِ، وَلَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إبْطَالَ حَقِّ مَوْرُوثِهِمْ.
[فَصْلٌ وَصَّى السَّيِّدُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ لِرَجُلٍ]
(8726) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى السَّيِّدُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ لِرَجُلٍ، صَحَّ.
فَإِنْ سَلَّمَ مَالَ الْكِتَابَةِ إلَى الْمُوصَى لَهُ، أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، بَرِئَ مِنْهُ، وَعَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ، عَتَقَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّى.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ، لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ، وَلَا وَصَّى لَهُ بِهَا، وَإِنَّمَا وَصَّى لَهُ بِالْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَإِنْ عَجَزَ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ، عَادَ عَبْدًا لِلْوَرَثَةِ، وَمَا قَبَضَهُ الْوَصِيُّ - الْمُوصَى لَهُ - مِنْ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْأَمْرُ فِي تَعْجِيزِهِ إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لَهُمْ بِتَعْجِيزِهِ، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ لَهُمْ، فَكَانَتْ الْخِيرَةُ فِي ذَلِكَ إلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ، فَإِنَّ حَقَّهُ وَوَصِيَّتَهُ تَبْطُلُ بِتَعْجِيزِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ حَقٌّ.
وَإِنْ وَصَّى بِمَالِ الْكِتَابَةِ لِلْمَسَاكِينِ، وَوَصَّى إلَى رَجُلٍ بِقَبْضِهِ وَتَفْرِيقِهِ بَيْنَهُمْ، صَحَّ.
وَمَتَى سَلَّمَ الْمَالَ إلَى الْوَصِيِّ، بَرِئَ، وَعَتَقَ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ.
وَإِنْ دَفَعَهُ الْمُكَاتَبُ إلَى الْمَسَاكِينِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ، وَلَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إلَى الْوَصِيِّ دُونَهُ.
وَإِنْ وَصَّى بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى غُرَمَائِهِ، تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ عَطِيَّةً لَهُ.
فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَوْصَى بِقَضَاءِ دُيُونِهِ مُطْلَقًا، كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيِّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَيَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِلْوَرَثَةِ، وَلَهُمْ أَنْ يَقْضُوا الدَّيْنَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلِلْوَصِيِّ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ حَقٌّ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُمْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
.
[فَصْلٌ إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدًا فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ كَاتَبَهُ، فَصَدَّقَاهُ]
(8727) فَصْلٌ: إذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدًا، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ كَاتَبَهُ، فَصَدَّقَاهُ، ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ
لَهُمَا.
وَإِنْ أَنْكَرَاهُ، وَكَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ، وَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِمَا.
وَإِنْ عَجَزَ، فَلَهُمَا رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ.
وَإِنْ لَمْ يُعَجِّزَاهُ، وَصَبَرَا عَلَيْهِ، لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ.
وَإِنْ عَجَّزَهُ أَحَدُهُمَا، وَأَبَى الْآخَرُ تَعْجِيزَهُ، بَقِيَ نِصْفُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَعَادَ نِصْفُهُ الْآخَرُ رَقِيقًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ، وَعَدَمُ الْكِتَابَةِ، وَتَكُونُ أَيْمَانُهُمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَيَحْلِفَانِ بِاَللَّهِ أَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّ أَبَاهُمَا كَاتَبَهُ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، فَإِنْ حَلَفَا، ثَبَتَ رِقُّهُ، وَإِنْ نَكَلَا، قُضِيَ عَلَيْهَا، أَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَضَى بِرَدِّهَا، فَيَحْلِفُ الْعَبْدُ، وَتَثْبُتُ الْكِتَابَةُ.
وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قُضِيَ بِرِقِّ نِصْفِهِ، وَكِتَابَةِ نِصْفِهِ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ فِي نِصْفِهِ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فِي نِصْفِهِ الْآخَرِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَحَلَفَ الْمُنْكِرُ، صَارَ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا قِنًّا.
فَإِنْ شَهِدَ الْمُقِرُّ عَلَى أَخِيهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ كَمُلَتْ الشَّهَادَةُ، وَثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ فِي جَمِيعِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْعَبْدُ مَعَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، أَوْ لَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ مَعَهُ، وَحَلَفَ الْمُنْكِرُ، كَانَ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا، وَيَكُونُ كَسْبُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْكِرِ نِصْفَيْنِ، وَنَفَقَتُهُ مِنْ كَسْبِهِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى مَالِكِ نِصْفِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ كَانَ عَلَى الْمُنْكِرِ نِصْفُ نَفَقَتِهِ، ثُمَّ إنْ اتَّفَقَ هُوَ وَمَالِكُ نِصْفِهِ عَلَى الْمُهَايَأَةِ مُعَاوَمَةً أَوْ مُشَاهَرَةً، أَوْ كَيْفَمَا كَانَ، جَازَ.
وَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا حِيَازَةَ نَصِيبِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، لَزِمَ الْآخَرَ إجَابَتُهُ، كَالْأَعْيَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ تَأْخِيرُ حَقِّهِ الْحَالِّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ كَتَأْخِيرِ دَيْنِهِ الْحَالِّ.
فَإِنْ اقْتَسَمَا الْكَسْبَ مُهَايَأَةً، أَوْ مُنَاصَفَةً، فَلَمْ يَفِ بِأَدَاءِ نُجُومِهِ فَلِلْمُقِرِّ رَدُّهُ، فِي الرِّقِّ، وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ قَدْ أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الْكَسْبِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُنْكِرُ وَالْمُقِرُّ فِيمَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ، فَقَالَ الْمُنْكِرُ: هَذَا كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ دَعْوَى الْكِتَابَةِ وَكَسَبَهُ فِي حَيَاةِ أَبِينَا.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُقِرُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ يَدَّعِي كَسْبَهُ فِي وَقْتٍ، الْأَصْلُ عَدَمُهُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُكَاتَبُ فِي ذَلِكَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكَاتَبِ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ خَاصَّةً، وَلَمْ يَسْرِ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْعِتْقَ، وَلَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّبَبُ مِنْ أَبِيهِ، وَهَذَا حَاكٍ عَنْ أَبِيهِ، مُقِرٌّ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ كَالشَّاهِدِ، وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ يَزْعُمُ أَنَّ نَصِيبَ أَخِيهِ حُرٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَ مِنْ الْعَبْدِ مِثْلَ مَا قَبَضَ، فَقَدْ حَصَلَ أَدَاءُ مَالِ الْكِتَابَةِ إلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَعَتَقَ كُلُّهُ بِذَلِكَ، وَوَلَاءُ هَذَا النِّصْفِ لِلْمُقِرِّ لِأَنَّ أَخَاهُ لَا يَدَّعِيهِ وَهَذَا الْمُقِرُّ يَدَّعِي أَنَّهُ كُلَّهُ قَدْ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ، وَهَذَا الْوَلَاءُ الَّذِي عَلَى هَذَا النِّصْفِ نَصِيبِي مِنْ الْوَلَاءِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، كَقَوْلِنَا.
وَالثَّانِي، الْوَلَاءُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِمَوْرُوثِهِمَا، فَكَانَ لَهُمَا بِالْمِيرَاثِ.
وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَاهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يُمْنَعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْأَبِ، وَاخْتِصَاصُ أَحَدِ الِابْنَيْنِ بِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا دَيْنًا لِأَبِيهِ عَلَى إنْسَانٍ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّيْنِ، وَيَخْتَصُّ بِهِ دُونَ أَخِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَرِثُهُ عَنْ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَيَاهُ مَعًا، وَأَقَامَا بِهِ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا مَعَ الشَّاهِدِ، وَأَبَى الْآخَرُ.
فَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ، عَتَقَ، وَسَرَى إلَى بَاقِيهِ، إنْ كَانَ مُوسِرًا.
وَهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ» . وَلِأَنَّهُ مُوسِرٌ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، فَسَرَى إلَى بَاقِيهِ، كَغَيْرِ الْمُكَاتَبِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي: لَا تَعْتِقُ إلَّا حِصَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ الْمُقِرَّ، فَهُوَ مُنَفِّذٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرَ، لَمْ يَصِرْ إلَى نَصِيبِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ لِغَيْرِهِ، وَفِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ إلَيْهِ إبْطَالُ سَبَبِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ مَنْعُ الْمُكَاتَبِ مِنْ السَّفَرِ]
(8728) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْ السَّفَرِ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ.
وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرٍ تَحِلُّ نُجُومُ كِتَابَتِهِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ النُّجُومِ فِي وَقْتِهَا، وَالرُّجُوعُ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ فَمُنِعَ مِنْهُ، كَالْغَرِيمِ الَّذِي يَحِلُّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّةِ سَفَرِهِ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ: فِي مَوْضِعٍ: لَهُ السَّفَرُ.
وَفِي قَوْلٍ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ.
فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فِيهَا قَوْلَانِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، إنَّمَا هِيَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ؛ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ: لَهُ السَّفَرُ.
إذَا كَانَ قَصِيرًا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ مِنْهُ، إذَا كَانَ بَعِيدًا، يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ نُجُومِهِ، وَالرُّجُوعُ فِي رِقِّهِ عِنْدَ عَجْزِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ الْمَدِينَ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَيَبْطُلُ بِالْحُرِّ الْغَرِيمِ.
[فَصْلٌ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ لَا يُسَافِرَ]
(8729) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ لَا يُسَافِرَ، فَقَالَ الْقَاضِي: الشَّرْطُ بَاطِلٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ، كَشَرْطِ تَرْكِ الِاكْتِسَابِ، وَلِأَنَّهُ
غَرِيمٌ، فَلَمْ يَصِحَّ شَرْطُ تَرْكِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ رَجُلٌ قَرْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُسَافِرَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ.» وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَهُ فِيهِ فَائِدَةٌ، فَلَزِمَ كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْدًا مَعْلُومًا.
وَبَيَانُ فَائِدَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ إبَاقَهُ وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى سَيِّدِهِ، فَيَفُوتُ الْعَبْدُ وَالْمَالُ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُ الْقَرْضَ فَإِنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ جَانِبِ الْمُقْرِضِ، مَتَى شَاءَ طَالَبَ بِأَخْذِهِ، وَمَنَعَ الْغَرِيمَ السَّفَرَ قَبْلَ إيفَائِهِ فَكَانَ الْمَنْعُ مِنْ السَّفَرِ حَاصِلًا بِدُونِ شَرْطِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ السَّيِّدَ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ إلَّا بِشَرْطِهِ وَفِيهِ حِفْظُ عَبْدِهِ وَمَالِهِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَحْصِيلِهِ.
وَهَذَا أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَوْلَى.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ، فَإِنْ سَافَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَهُ رَدُّهُ إنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهُ، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ تَعْجِيزَهُ، وَرَدَّهُ إلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِمَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفِ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ كِتَابَةً صَحِيحَةً، لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَعْجِيزَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ شَرَطَ فِي كِتَابَتِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ]
(8730) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ فِي كِتَابَتِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إنْ رَأَيْتَهُ يَسْأَلُ تَنْهَاهُ.
فَإِنْ قَالَ: لَا أَعُودُ.
لَمْ يَرُدَّهُ عَنْ كِتَابَتِهِ فِي مَرَّةٍ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لَازِمٌ، وَأَنَّهُ إنْ خَالَفَ مَرَّةً، لَمْ يُعَجِّزْهُ، وَإِنْ خَالَفَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا رَآهُ يَسْأَلُ مَرَّةً فِي مَرَّةٍ، عَجَّزَهُ، كَمَا إذَا حَلَّ نَجْمٌ فِي نَجْمٍ، عَجَّزَهُ.
فَاعْتَبَرَ الْمُخَالَفَةَ فِي مَرَّتَيْنِ كَحُلُولِ نَجْمَيْنِ.
وَإِنَّمَا صَحَّ الشَّرْطُ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . وَلِأَنَّ لَهُ فِي هَذَا فَائِدَةً وَغَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَلَا يُطْعِمَهُ مِنْ صَدَقَتِهِمْ وَأَوْسَاخِهِمْ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمُكَاتَبِ سَهْمًا مِنْ الصَّدَقَةِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] . وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ تَرْكِ طَلَبِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ زَوَاجُ الْمُكَاتَبِ]
(8731) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) . وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ» . وَلِأَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ نَاقِصَ الْقِيمَةِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ مِنْ كَسْبِهِ، فَيَعْجِزُ عَنْ تَأْدِيَةِ نُجُومِهِ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، كَالتَّبَرُّعِ بِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: نِكَاحُهُ مَوْقُوفٌ إنْ أَدَّى تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا، وَإِنْ عَجَزَ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ.
وَلَنَا الْخَبَرُ وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُنِعَ مِنْهُ لِلضَّرَرِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْهِبَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا أَصْلَ لَهُ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، يُؤَدَّى مِنْ كَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً، فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَوَلَدُهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا.
فَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي النِّكَاحِ، صَحَّ مِنْهُ.
فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى صِحَّةِ تَزْوِيجِهِ، إذَا أَذِنَ لَهُ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ، زَالَ الْمَانِعُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ فِي النِّكَاحِ، صَحَّ مِنْهُ، فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى.
[فَصْلٌ تَسَرَّى الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ]
(8732) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ التَّسَرِّي بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ التَّسَرِّي.
وَلَنَا، أَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرٌ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ، كَالتَّزْوِيجِ.
وَبَيَانُ الضَّرَرِ فِيهِ أَنَّهُ رُبَّمَا أَحْبَلَهَا، وَالْحَبَلُ مَخُوفٌ فِي بَنَاتِ آدَمَ، فَرُبَّمَا تَلِفَتْ وَرُبَّمَا وَلَدَتْ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ، رَجَعَتْ إلَى السَّيِّدِ نَاقِصَةً، فَإِذَا مُنِعَ مِنْ التَّزْوِيجِ لِضَرَرِهِ، فَهَذَا أَوْلَى.
فَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّسَرِّي جَازَ لَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَضُرُّ بِهِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى مَنْعِهِ مِنْ الْعِتْقِ، فَلَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ، وَلِأَنَّهُ نَاقِصُ الْمِلْكِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّسَرِّي، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ فِي التَّسَرِّي، جَازَ، فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِأَجْلِ الضَّرَرِ بِالسَّيِّدِ، فَجَازَ تَأْدِيبُهُ، كَالتَّزْوِيجِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا تَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ شَيْءٌ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ حَبِلَتْ، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ إذَا سَقَطَ بِالشُّبْهَةِ، لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَيَكُونُ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَعَتَقَ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِأَبِيهِ الْحُرِّ، وَإِنْ عَجَزَ، وَعَادَ إلَى الرِّقِّ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ أَيْضًا، وَيَكُونَانِ مَمْلُوكَيْنِ لِلسَّيِّدِ.
فَأَمَّا الْأَمَةُ، فَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ عِتْقِهِ وَعَجْزِهِ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُكَاتَبِ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا لَهُ حُرْمَةُ الْحُرِّيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَيَعْتِقُ بِعِتْقِ أَبِيهِ، فَكَذَلِكَ أُمُّهُ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْمُكَاتَبِ، إنْ عَتَقَ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَإِنْ رَقَّ، رَقَّتْ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِحَالٍ، وَلَهُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِمَمْلُوكٍ، فِي مِلْكٍ غَيْرِ تَامٍّ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ فِي حَالِ رِقِّهِ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا مَضَى.
وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَكَمْنَا أَنَّهَا حَمَلَتْهُ حُرًّا؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَتَيَقَّنْ وُجُودَهُ فِي حَالِ الرِّقِّ، وَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ يُزَوِّجُ الْمُكَاتَبُ عَبِيدَهُ وَإِمَاءَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ]
(8733) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُزَوِّجَ عَبِيدَهُ وَإِمَاءَهُ، بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَمَلَكَهُ، كَالْإِجَارَةِ.
وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ ". وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ قَالَ فِي " الْخِصَالِ ": لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ دُونَ الْعَبْدِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ تَزْوِيجِهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ ذِمَّةٍ عَلَى مَنَافِعِهَا، فَأَشْبَهَ إجَارَتَهَا.
وَلَنَا، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ إنْ زَوَّجَ الْعَبْدَ، لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَمَهْرُهَا، وَشَغَلَهُ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ، وَنَقْصِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ، مَلَكَ الزَّوْجُ بُضْعَهَا، وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا، وَقَلَّتْ الرَّغَبَاتُ فِيهَا، وَرُبَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْمُكَاتَبِ، فَرُبَّمَا عَجَّزَهُ ذَلِكَ عَنْ أَدَاءِ نُجُومِهِ، وَإِنْ عَجَزَ، عَادَ رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ،
مَعَ مَا تَعَلَّقَ بِهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَلَحِقَهُمْ مِنْ النَّقْصِ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ، كَإِعْتَاقِهِمْ، وَفَارَقَ إجَارَةَ الدَّارِ، فَإِنَّهَا مِنْ جِهَاتِ الْمَكَاسِبِ عَادَةً.
فَعَلَى هَذَا، إنْ وَجَبَ تَزْوِيجُهُمْ، لِطَلَبِهِمْ ذَلِكَ، وَحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ، بَاعَهُمْ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَتَى طَلَبَ التَّزْوِيجَ، خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ بَيْعِهِ وَتَزْوِيجِهِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَالْمَنْعَ مِنْ أَجْلِهِ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ.
[فَصْلٌ إعْتَاقُ الْمُكَاتَبِ رَقِيقَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ]
(8734) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ إعْتَاقُ رَقِيقِهِ، إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى سَيِّدِهِ، بِتَفْوِيتِ مَالِهِ فِيمَا لَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مَالٌ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ.
فَإِنْ أَعْتَقَ، لَمْ يَصِحَّ إعْتَاقُهُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ، وَيَقِفَ عَلَى إذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى آخِرِ أَمْرِ الْمُكَاتَبِ؛ فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ مُعْتَقُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ، رَقَّ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، كَقَوْلِنَا فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ، إنَّهُمْ مَوْقُوفُونَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَالْهِبَةِ، وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا مُنِعَ مِنْهُ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَسَائِرِ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ ذَوِي أَرْحَامِهِ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يُعْتِقُهُمْ الشَّرْعُ عَلَى مَالِكِهِمْ بِمِلْكِهِمْ، وَالْمُكَاتَبُ مِلْكُهُ نَاقِصٌ، فَلَمْ يَعْتِقْ بِهِ، فَإِذَا عَتَقَ كَمُلَ مِلْكُهُ، فَعَتَقُوا حِينَئِذٍ، وَالْمُعْتَقُ إنَّمَا يَعْتِقُ بِالْإِعْتَاقِ الَّذِي كَانَ بَاطِلًا، فَلَا تَتَيَقَّنُ صِحَّتُهُ إذَا كَمُلَ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الْمِلْكِ فِي الثَّانِي لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ كَامِلًا حِينَ الْإِعْتَاقِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ سَائِرُ تَبَرُّعَاتِهِ بِأَدَائِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ، صَحَّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَهُ بِمَالِهِ يَفُوقُ الْمَقْصُودَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَهُوَ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِيهِ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ الْوَلَاءِ وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ نَاقِصٌ، وَالسَّيِّدُ لَا يَمْلِكُ إعْتَاقَ مَا فِي يَدِهِ وَلَا هِبَتَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى التَّبَرُّعِ بِهِ، جَازَ، كَالرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، جَازَ، وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَإِنْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، كَانَ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، كَمَا يَرِقُّ مَمَالِيكُهُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ.
هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ إنَّمَا صَحَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَكَانَ كَالنَّائِبِ لَهُ.
[فَصْلٌ الْمُكَاتَبُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ]
(8735) فَصْلٌ: وَالْمُكَاتَبُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، فَلَيْسَ لَهُ اسْتِهْلَاكُهُ، وَلَا هِبَتُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ، فَيَعُودُ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْكِتَابَةِ تَحْصِيلُ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ، وَهِبَةُ مَالِهِ تُفَوِّتُ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ، جَازَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابَةِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَجَازَ بِاتِّفَاقِهِمَا، كَالرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ.
فَأَمَّا الْهِبَةُ بِالثَّوَابِ، فَلَا تَصِحُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: تَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِيهَا مُعَاوَضَةً.
وَلَنَا، أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي تَقْدِيرِ الثَّوَابِ، يُوجِبُ الْغَرَرَ فِيهَا، وَلِأَنَّ عِوَضَهَا يَتَأَخَّرُ، فَتَكُونُ كَالْبَيْعِ نَسِيئَةً.
وَإِنْ أَذِنَ فِيهَا السَّيِّدُ، جَازَتْ.
وَإِنْ وَهَبَ لِسَيِّدِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ الْهِبَةَ إذْنٌ فِيهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ لِابْنِ سَيِّدِهِ الصَّغِيرِ.
[فَصْلٌ إهْدَاءُ الْمُكَاتَبِ هَدِيَّةً]
(8736) فَصْلٌ: وَلَا يُحَابِي فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَلَا يُعِيرُ دَابَّةً، وَلَا يُهْدِي هَدِيَّةً.
وَأَجَازَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ إعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَهَدِيَّةِ الْمَأْكُولِ وَدُعَائِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَأْذُونِ لَهُ، وَلَا يَنْحَطُّ الْمُكَاتَبُ عَنْ دَرَجَتِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْهِبَةِ وَلَا يُوصِي بِمَالِهِ، وَلَا يَحُطُّ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْئًا، وَلَا يُقْرِضُ، وَلَا يَضْمَنُ، وَلَا يَتَكَفَّلُ بِأَحَدٍ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ بِمَالِهِ، فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْهِبَةِ.
[فَصْلٌ حَجُّ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ]
(8737) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ إنْ احْتَاجَ إلَى إنْفَاقِ مَالِهِ فِيهِ.
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ، إذَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَحُجُّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَمَّا بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَا يُنْفِقُ مَالًا فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْعِتْقِ.
فَأَمَّا إنْ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ مِنْ غَيْرِ إنْفَاقِ مَالِهِ، كَاَلَّذِي تَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِإِحْجَاجِهِ، أَوْ يَخْدِمُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ إذَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَجْرِي مَجْرَى تَرْكِهِ لِلْكَسْبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ]
(8738) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ إعْتَاقٍ، فَلَمْ تَجُزْ مِنْ الْمُكَاتَبِ، كَالْمُنَجَّزِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْكِتَابَةَ، كَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
وَاخْتَارَ
الْقَاضِي جَوَازَ الْكِتَابَةِ.
وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ ". وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ مَوْقُوفٌ - كَقَوْلِهِ فِي الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ فَإِنْ أَذِنَ فِيهَا السَّيِّدُ، صَحَّتْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهَا قَوْلَانِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ، فَعَجَزَا جَمِيعًا، صَارَا رَقِيقَيْنِ لِلسَّيِّدِ.
وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ أَدَّى الثَّانِي، فَوَلَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُكَاتِبِهِ.
وَإِنْ أَدَّى الْأَوَّلُ، وَعَجَزَ الثَّانِي، صَارَ رَقِيقًا لِلْأَوَّلِ.
وَإِنْ عَجَزَ الْأَوَّلُ، وَأَدَّى الثَّانِي، فَوَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ أَدَّى الثَّانِي قَبْلَ عِتْقِ الْأَوَّلِ، عَتَقَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَوَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوَلَاءِ، وَالْوَلَاءُ لَا يُوقَفُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُورَثُ بِهِ، فَهُوَ كَالنَّسَبِ وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَقِفُ، كَذَلِكَ سَبَبُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَوْقُوفٌ، إنْ أَدَّى عَتَقَ، وَالْوَلَاءُ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلسَّيِّدِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْتِقْ فِي مِلْكِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ، كَمَا لَمْ يَقِفْ النَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ.
فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ يَقِفُ عَلَى بُلُوغِ الْغُلَامِ، وَانْتِسَابِهِ إذَا لَمْ تَلْحَقْهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِ الْوَاطِئِينَ، وَكَذَلِكَ الْمِيرَاثُ يُوقَفُ، عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْمِيرَاثِ، وَبَيْنَ الْوَلَاءِ، أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ لِشَخْصٍ، ثُمَّ يَنْتَقِلَ، وَهُوَ مَا يَجُرُّهُ مَوَالِي الْأَبِ مِنْ مَوْلَى الْأُمِّ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، وَالنَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
فَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ قَبْلَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ، وَقُلْنَا: الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ.
وَرِثَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْقُوفٌ.
فَمِيرَاثُهُ أَيْضًا مَوْقُوفٌ.
[فَصْلٌ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ نَسِيئَةً]
(8739) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَسِيئَةً، وَإِنْ بَاعَ السِّلْعَةَ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِالْمَالِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمَالِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ بِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ، بِنَاءً عَلَى الضَّارِبِ، أَنَّ لَهُ الْبَيْعَ نَسِيئَةً.
فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ.
وَسَوَاءٌ أَخَذَ بِالثَّمَنِ ضَمِينًا، أَوْ رَهْنًا، أَوْ لَمْ يَأْخُذْ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَمْ يَزُلْ، فَإِنَّ الرَّهْنَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتْلَفَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفْلِسَ الْغَرِيمُ وَالضَّمِينُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ مَعَ الرَّهْنِ أَوْ الضَّمِينِ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِهِ، وَالْعَوَارِضُ نَادِرَةٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
فَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُسَاوِي حَالًّا، وَجَعَلَ الزِّيَادَةَ مُؤَجَّلَةً، جَازَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ رِبْحٌ.
وَإِنْ اشْتَرَى نَسِيئَةً، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ، وَقَدْ يَتْلَفُ، أَوْ يَجْحَدُهُ الْغَرِيمُ.
وَلَيْسَ لَهُ
أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ سَلَمًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ نَسِيئَةً.
وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ نَسِيئَةً.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِضَ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ وَفِيهِ خَطَرٌ بِهِ.
وَلَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ مُضَارَبَةً؛ لِأَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَيُغَرِّرُ بِهِ.
وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ قِرَاضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَشِرَاؤُهُ]
(8740) فَصْلٌ: وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ.
بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ إلَّا بِالِاكْتِسَابِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ، أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ.
وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيُعْطِيَ، فِيمَا فِيهِ الصَّلَاحُ لِمَالِهِ، وَالتَّوْفِيرُ عَلَيْهِ.
وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ؛ فِي مَأْكَلِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَكُسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهُ، وَعَلَى رَقِيقِهِ، وَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ.
وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبِيدِهِ، وَتَعْزِيرُهُمْ، إذَا فَعَلُوا مَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ، فَمَلَكَهُ، كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ.
وَلَا يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ وِلَايَةٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا.
وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ، وَالْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ شِرَاءٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لِلشِّقْصِ سَيِّدَهُ، فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ.
وَإِنْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ شِقْصًا لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سَيِّدِهِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَإِنْ وَجَبَتْ لِلسَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ شُفْعَةٌ، فَادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّ سَيِّدَهُ عَفَا عَنْهَا، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ أَنْكَرَهُ السَّيِّدُ، كَانَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ فِي الْبَيْعِ بِالْمُحَابَاةِ، صَحَّ مِنْهُ وَكَانَ لِسَيِّدِهِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِالْمُحَابَاةِ - مَعَ إذْنِ سَيِّدِهِ فِيهِ - صَحِيحٌ.
يَصِحُّ إقْرَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْعَيْبِ، وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِذَلِكَ، وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا، فَلَهُ الْإِقْرَارُ بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ السَّيِّدُ مَعَ مُكَاتَبِهِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ]
(8741) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَبِيعُهُ سَيِّدُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا رِبًا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ فِي الْأَظْهَرِ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَا رِبًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ، وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ، وَلَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ إذَا شَرَطَ، وَلَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ السَّيِّدَ مَعَ مُكَاتَبِهِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشُّفْعَةَ
عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ لِسَيِّدِهِ حَقٌّ فِي مَا بِيَدِهِ؛ لِكَوْنِهِ بِعَرَضِيَّةِ أَنْ يُعَجِّزَهُ، فَيَعُودَ إلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ جَرَيَانَ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَلَا النَّسَاءِ فِي مَا يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ.
[فَصْلٌ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ مِنْ الْكِتَابَةِ وَلِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ]
فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنٌ، مِثْلُ إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ مِنْ الْكِتَابَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ، وَكَانَا نَقْدًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، حَالَّيْنِ، أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ أَجَلًا وَاحِدًا، تَقَاصَّا، وَتَسَاقَطَا لِأَنَّهُمَا إذَا تَسَاقَطَا بَيْنَ الْأَجَانِبِ، فَمَعَ السَّيِّدِ وَمُكَاتَبِهِ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَا نَقْدَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ، كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ، فَجَعَلَهَا قِصَاصًا بِهَا، جَازَ، بِخِلَافِ الْحُرَّيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَفَارَقَ الْعَبْدَ الْقِنَّ؛ فَإِنَّهُ بَاقٍ فِي تَصَرُّفِ سَيِّدِهِ، وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ خَالِصٌ لِسَيِّدِهِ، لَهُ أَخْذُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يَجُوزُ مَعَ التَّرَاضِي بِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي مُوسَى: يَجُوزُ إذَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، وَتَبَايَعَاهُ، وَلَا يَثْبُتُ التَّقَابُضُ قَبْلَ تَرَاضِيهِمَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ؛ فَأَمَّا إنْ كَانَا عَرْضَيْنِ، أَوْ عَرْضًا وَنَقْدًا، لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا بِغَيْرِ تَرَاضِيهِمَا بِحَالٍّ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
وَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ حَقَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْآخَرِ عِوَضًا عَنْ مَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ، جَازَ، إذَا لَمْ يَكُنْ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ عَنْ سَلَمٍ، فَإِنْ ثَبَتَ عَنْ سَلَمٍ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ، إنَّ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ مَعَ سَيِّدِهِ فِي هَذَا، حُكْمُ الْأَجَانِبِ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وَطْءُ الرَّجُلِ مُكَاتَبَتَهُ]
(8743) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (8744) الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: فِي وَطْئِهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَهُوَ حَرَامٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ،
وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقِيلَ: لَهُ وَطْؤُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهَا الْوَطْءُ عَنْ السَّعْيِ عَمَّا هِيَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ يَمِينِهِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: 30] .
وَلَنَا، أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَزَالَ مِلْكَ اسْتِخْدَامِهَا، وَمِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعَةِ بُضْعِهَا فِيمَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَأَزَالَ حِلَّ وَطْئِهَا، كَالْبَيْعِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُزَوَّجَةِ، فَنَقِيسُ عَلَيْهَا مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ هَاهُنَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ عَنْ مَنَافِعِهَا، جُمْلَةً، وَلِهَذَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، كَانَ الْمَهْرُ لَهَا، وَتُفَارِقُ أُمُّ الْوَلَدِ؛ فَإِنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِمَوْتِهِ فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ وَالْمُوصَى بِهَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ الْعِتْقَ بِمَوْتِهِ اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا، لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ.
(8745)
الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا شَرَطَ وَطْأَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا: لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ بِالشَّرْطِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، فَسَدَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا فَاسِدًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِرُكْنِ الْعَقْدِ، وَلَا شَرْطِهِ، فَلَمْ يُفْسِدْهُ، كَالصَّحِيحِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، لَهُ شَرْطُ نَفْعِهَا، فَصَحَّ، كَشَرْطِ اسْتِخْدَامِهَا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا، وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِحِلِّ وَطْئِهَا، إنَّمَا كَانَ لِحَقِّهَا، فَإِذَا شَرَطَهُ عَلَيْهَا، جَازَ، كَالْخِدْمَةِ، وَلِأَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ بَعْضُ مَا كَانَ لَهُ، فَصَحَّ، كَاشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ، وَفَارَقَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهَا.
[فَصْلٌ وَطِئَ الْمُكَاتَبَةَ مَعَ الشَّرْطِ]
(8746) فَصْلٌ: فَإِنْ وَطِئَهَا مَعَ الشَّرْطِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا تَعْزِيرَ وَلَا مَهْرَ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَمْلِكُهُ، وَيُبَاحُ لَهُ، فَأَشْبَهَ وَطْأَهَا قَبْلَ
كِتَابَتِهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَقَدْ أَسَاءَ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ بِوَطْئِهَا، كَالْبَيْعِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِوَطْئِهَا، كَأَمَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمَرْهُونَةِ، وَتُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَالْكِتَابَةُ لَا تُزِيلُهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لَهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهَا الْمَمْنُوعَ مِنْ اسْتِيفَائِهَا، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا، كَمَنَافِعِ بَدَنِهَا.
[فَصْلٌ أَوْلَدَ الْمُكَاتَبَةَ]
(8747) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، سَوَاءٌ وَطِئَهَا بِشَرْطٍ أَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، كَغَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ مِنْ مَمْلُوكَتِهِ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ، وَلَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ.
[فَصْلٌ وَطْءُ بِنْتِ الْمُكَاتَبَةِ]
(8748) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ بِنْتِهَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأُمِّهَا مَوْقُوفَةٌ مَعَهَا، فَلَمْ يُبَحْ وَطْؤُهَا كَأُمِّهَا، وَلَا يُبَاحُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ ثَبَتَ فِيهَا تَبَعًا، وَلَمْ يَكُنْ وَطْؤُهَا مُبَاحًا حَالَ الْعَقْدِ بِشَرْطِهِ.
فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيَأْثَمُ، وَيُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فَرْجًا مُحَرَّمًا، وَلَهَا مَهْرٌ عَلَيْهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ كَسْبِهَا، يَكُونُ لِأُمِّهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ حُرِّيَّتِهَا.
وَإِنْ أَحْبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ أُمَّهَا لَا تَمْلِكُهَا، وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ.
[فَصْلٌ وَطْءُ جَارِيَةِ مُكَاتَبَتِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ]
(8749) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةِ مُكَاتَبَتِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ اتِّفَاقًا، فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ، وَعُزِّرَ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالِكَهَا، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لِسَيِّدِهَا، وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا بِوَطْئِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِوَطْئِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهَا، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ.
[فَصْلٌ إجْبَارُ مُكَاتَبَتِهِ أَوْ ابْنَتِهَا أَوْ أَمَتِهَا عَلَى التَّزْوِيجِ]
(8750) فَصْلٌ: وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَ مُكَاتَبَتِهِ وَلَا ابْنَتِهَا وَلَا أَمَتِهَا عَلَى التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ عَنْ نَفْعِهَا،
وَنَفْعِ بُضْعِهَا، وَعَنْ عِوَضِهِ.
وَلَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا التَّزْوِيجُ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ لِلزَّوْجِ حَقًّا فِيهَا، فَرُبَّمَا عَجَزَتْ، وَعَادَتْ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا.
فَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَلِيُّ ابْنَتِهَا وَجَارِيَتِهَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْجَارِيَةَ الْقِنَّ، وَالْمَهْرُ لِلْمُكَاتَبَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَهْرِهِنَّ إذَا وَطِئَهُنَّ السَّيِّدُ.
[مَسْأَلَةٌ السَّيِّدُ إذَا وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ]
(8751) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أُدِّبَ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ حَدُّ الزَّانِي، وَكَانَ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ، عُزِّرَا، وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ، عُذِرَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا وَالْآخَرُ جَاهِلًا، عُزِّرَ الْعَالِمُ وَعُذِرَ الْجَاهِلُ.
وَلَا يَخْرُجُ بِالْوَطْءِ عَنْ الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: إنْ طَاوَعَتْهُ، فَقَدْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهَا، وَعَادَتْ قِنًّا.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمُطَاوَعَةِ عَلَى الْوَطْءِ، كَالْإِجَارَةِ، وَالْبَيْعِ بَعْدَ لُزُومِهِ.
فَأَمَّا الْمَهْرُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا، أَكْرَهَهَا أَوْ طَاوَعَتْهُ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَجِبُ إذَا أَكْرَهَهَا، وَلَا يَجِبُ إذَا طَاوَعَتْهُ.
وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُطَاوِعَةَ بَذَلَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَصَارَتْ كَالزَّانِيَةِ.
وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُهُ فِي الْحَالَيْنِ.
وَأَنْكَرَ أَصْحَابُهُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ، وَقَالُوا: لَا يُعْرَفُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا، فَوَجَبَ لَهَا، كَعِوَضِ بَدَنِهَا، وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ فِي يَدِ نَفْسِهَا، وَمَنَافِعُهَا لَهَا، وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ، كَانَ الْمَهْرُ لَهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي حَالِ الْمُطَاوَعَةِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنْهُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، فَوَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةِ عَقْدٍ مُطَاوِعَةً.
فَإِنْ تَكَرَّرَ وَطْؤُهَا، وَكَانَ قَدْ أَدَّى مَهْرَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، فَلِلثَّانِي مَهْرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَطَعَ حُكْمَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى عَنْ الْأَوَّلِ، لَمْ يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا عَنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، فَلَمْ يَكُنْ إلَّا مَهْرًا وَاحِدًا، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
(8752)
فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهَا نَجْمٌ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْمَهْرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، تَقَاصَّا، وَأَخَذَ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ.
[مَسْأَلَةٌ السَّيِّدُ إذَا اسْتَوْلَدَ مُكَاتَبَتَهُ]
(8753) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الْعَجْزِ وَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، وَبَيْنَ الْمُضِيِّ عَلَى كِتَابَتِهَا.
فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإِنْ عَجَزَتْ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عَجْزِهَا انْعَتَقَتْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
وَيَسْقُطُ عَنْهَا مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتَهَا وَمَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا اسْتَوْلَدَ مُكَاتَبَتَهُ فَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَمْلُوكَتِهِ وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ وَلَا تَجِبُ قِيمَتُهُ؛ لِذَلِكَ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِذَلِكَ، وَلَا تَبْطُلُ كِتَابَتُهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهَا وَقَدْ اجْتَمَعَ لَهَا سَبَبَانِ يَقْتَضِيَانِ الْعِتْقَ أَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ، هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ
وَقَالَ الْحَكَمُ: تَبْطُلُ كِتَابَتُهَا؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعِتْقِ فَتَبْطُلُ بِالِاسْتِيلَادِ كَالتَّدْبِيرِ.
وَلَنَا أَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا تَبْطُلُ بِالْوَطْءِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعِتْقِ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ فَلَمْ تَبْطُلْ بِذَلِكَ كَالتَّعْلِيقِ بِصِفَةٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ وَتُفَارِقُ الْكِتَابَةُ التَّدْبِيرَ مِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا أَنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعِتْقُ عَقِيبَ الْمَوْتِ، وَالِاسْتِيلَادُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهِ بِحَالٍ فَاسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ التَّدْبِيرِ، وَالْكِتَابَةُ سَبَبٌ يَتَعَجَّلُ بِهَا الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ وَيَكُونُ مَا فَضَلَ مِنْ كَسْبِهَا لَهَا وَيَمْلِكُ بِهَا مَنَافِعَهَا وَكَسْبَهَا وَتَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِ سَيِّدِهَا وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِيلَادِ فَيَجِبُ أَنْ تَبْقَى لِبَقَاءِ فَائِدَتِهَا الثَّانِي أَنَّ الْكِتَابَةَ أَقْوَى مِنْ التَّدْبِيرِ لِلُزُومِهَا وَكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ عَنْهَا وَلَا بِبَيْعِ الْمُكَاتَبِ وَلَا هِبَتِهِ.
الثَّالِثُ أَنَّ التَّدْبِيرَ تَبَرُّعٌ وَالْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَازِمٌ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهَا سَبَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْحُرِّيَّةَ، فَأَيُّهُمَا تَمَّ قَبْلَ صَاحِبِهِ ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ بِهِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ؛ لِأَنَّ انْضِمَامَ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ مَعَ كَوْنِهِ لَا يُنَافِيهِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ، فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ بِالْكِتَابَةِ وَمَا فَضَلَ مِنْ كَسْبِهَا فَهُوَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ بِالْكِتَابَةِ لَهُ مَا فَضَلَ مِنْ نُجُومِهِ.
وَإِنْ عَجَزَتْ وَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ بَطَلَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ وَبَقِيَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ مُنْفَرِدًا كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَاتَبَةً، وَلَهُ وَطْؤُهَا وَتَزْوِيجُهَا وَإِجَارَتُهَا وَتَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَمَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا، وَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ عَجْزِهَا انْعَتَقَتْ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ وَتَسْقُطُ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ فَسَقَطَ الْعِوَضُ الْمَبْذُولُ فِي تَحْصِيلِهَا كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا سَيِّدُهَا بِالْعِتْقِ وَمَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِحُكْمِ الِاسْتِيلَادِ وَبَطَلَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُكَاتَبَةِ
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " كِتَابِهِ ": مَا فَضَلَ فِي يَدِهَا لَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا
وَقَعَ فِي الْكِتَابَةِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا كَالْإِبْرَاءِ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَلِأَنَّ مِلْكَهَا كَانَ ثَابِتًا عَلَى مَا فِي يَدِهَا وَلَمْ يَحْدُثْ إلَّا مَا يُزِيلُ حَقَّ سَيِّدِهَا عَنْهَا فَيَقْتَضِي زَوَالَ حَقِّهِ عَمَّا فِي يَدِهَا وَتَقْرِيرَ مِلْكِهَا وَخُلُوصَهُ لَهَا كَمَا اقْتَضَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا، وَهَذَا أَصَحُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الْمُكَاتَبَةُ إنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا]
(8754) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا عَتَقَتْ وَسَقَطَتْ كِتَابَتُهَا، وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِهَا كَمَا لَوْ عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى قَوْلِهِمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ أَعْتَقَهَا بِرِضَاهُ فَيَكُونَ رِضًى مِنْهُ بِإِعْطَائِهَا مَالَهَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ بِالِاسْتِيلَادِ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ رِضَى الْوَرَثَةِ وَاخْتِيَارِهِمْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالُ الْمُكَاتَبِ يَصِيرُ لِلسَّيِّدِ بِإِعْتَاقِهِ لَتَمَكَّنَ السَّيِّدُ مِنْ أَخْذِ مَالِ الْمُكَاتَبِ مَتَى شَاءَ، فَمَتَى كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي أَخْذِ مَالِهِ، إمَّا لِكَثْرَتِهِ وَفَضْلِهِ عَنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ، وَإِمَّا لِغَرَضٍ لَهُ فِي بَعْضِ أَعْيَانِ مَالِهِ، أَعْتَقَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ، وَهَذَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْدُ الْكِتَابَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُشْرَعَ.
[فَصْلٌ الْمُكَاتَبَةُ إنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بَعْدَ اسْتِيلَادِهَا.]
(8755) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بَعْدَ اسْتِيلَادِهَا فَلَهُ حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ، أَيُّهُمَا سَبَقَ عَتَقَ بِهِ كَالْأُمِّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا فَيَثْبُتَ لَهُ مَا يَثْبُتُ لَهَا وَإِنْ مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَقِيَ لِلْوَلَدِ سَبَبُ الِاسْتِيلَادِ وَحْدَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِهَا فَقَالَتْ: وَلَدْتُهُ بَعْدَ كِتَابَتِي أَوْ بَعْدَ وِلَايَتِي.
وَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ قَبْلَهُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا رَقِيقًا، لِسَيِّدِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِمَا وَهِيَ تَدَّعِي مَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ.
وَإِنْ زَوَّجَ مُكَاتَبُهُ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْهُ وَاخْتَلَفَا فِي وَلَدِهَا فَقَالَ السَّيِّدُ: هُوَ لِي؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ بَيْعِهَا لَك وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَلْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مِلْكِهِ وَيَدِ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَيُفَارِقُ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِي مِلْكَهُ.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَكَاتَبَاهَا ثُمَّ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا]
(8756) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَكَاتَبَاهَا ثُمَّ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا أُدِّبَ فَوْقَ أَدَبِ الْوَاطِئِ؛ لِمُكَاتَبَتِهِ الْخَالِصَةِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ هَاهُنَا حَرُمَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ الشَّرِكَةِ وَالْكِتَابَةِ، فَهُوَ آكَدُ وَإِثْمُهُ أَعْظَمُ وَأَدَبُهُ أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِيمَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ وَاحِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ نَجْمٌ قَبَضَتْ الْمَهْرَ، فَإِذَا حَلَّ نَجْمُهَا سَلَّمَتْهُ إلَيْهِمَا، وَإِنْ حَلَّ نَجْمُهَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَكَانَ فِي يَدِهَا بِقَدْرِهِ دَفَعَتْهُ إلَى الَّذِي لَمْ يَطَأْهَا وَاحْتَسَبَتْ عَلَى الْوَاطِئِ بِالْمَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ وَكَانَ بِقَدْرِ نَجْمِهَا أَوْ دُونَهُ أَخَذَتْ مِنْ الْوَاطِئِ نِصْفَهُ وَسَلَّمَتْهُ
إلَى الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ فَاتَّفَقَا عَلَى أَخْذِهِ عِوَضًا عَنْ مَالِ الْكِتَابَةِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا قَبَضَتْهُ وَدَفَعَتْهُ مِمَّا عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ عِوَضِهِ أَوْ غَيْرِهِ،
وَإِنْ عَجَزَتْ فَسَخَا الْكِتَابَةَ وَكَانَ فِي يَدِهَا بِقَدْرِ الْمَهْرِ أَخَذَهُ الَّذِي لَمْ يَطَأْ وَسَقَطَ الْمَهْرُ مِنْ ذِمَّةِ الْوَاطِئِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ كَانَ لِلَّذِي لَمْ يَطَأْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَاطِئِ بِنِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، فَإِنْ حَبِلَتْ مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ مَعَ نِصْفِ الْمَهْرِ الْوَاجِبِ لَهَا - مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا - إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا أَدَّاهُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ذَكَرَ مِثْلَ هَذَا فِي بَابِ الْعِتْقِ، فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ، وَمُكَاتَبَتُهُ لَهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَتَكُونُ مُبْقَاةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا بِمَا تُسَاوِي مُكَاتَبَتَهُ مُبْقَاةً عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابَتِهَا.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ الْإِحْبَالُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ بِالْقَوْلِ يُعْتَبَرُ الْيَسَارُ فِي سِرَايَتِهِ، وَنَصِيبُ الْوَاطِئِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ وَحُكْمُ الْكِتَابَةِ، وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ إلَّا حُكْمُ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّتْ إلَيْهِمَا عَتَقَتْ وَبَطَلَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، وَإِنْ عَجَزَتْ وَفَسَخَا الْكِتَابَةَ ثَبَتَ لِنِصْفِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، وَنِصْفُهَا قِنٌّ لَا يُقَوَّمُ عَلَى الْوَارِثِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَقٍ.
وَإِنْ مَاتَ الْوَاطِئُ قَبْلَ عَجْزِهَا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَسَقَطَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ فِيهِ وَكَانَ الْبَاقِي مُكَاتَبًا،
وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مُوسِرًا فَقَدْ ثَبَتَ لِنِصْفِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، وَنِصْفُهَا الْآخَرُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَدَّتْ إلَيْهِمَا عَتَقَتْ كُلُّهَا وَوَلَاؤُهَا لَهُمَا، وَإِنْ عَجَزَتْ وَفَسَخَا الْكِتَابَةَ قَوَّمْنَاهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْوَاطِئِ، فَيَدْفَعُ إلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ وَتَصِيرُ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ عَتَقَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ وَلَاؤُهَا لَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَى الْمُوسِرِ وَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ فِي نِصْفِ الشَّرِيكِ، وَتَصِيرُ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَنِصْفُهَا مُكَاتَبًا لِلْوَاطِئِ، فَإِنْ أَدَّتْ نَصِيبَهُ إلَيْهِ عَتَقَتْ وَسَرَى إلَى الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَعَتَقَ جَمِيعُهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ فَفَسَخَ الْكِتَابَةَ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ خَاصَّةً، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ كُلُّهَا.
وَلَنَا أَنَّ بَعْضَهَا أُمُّ وَلَدٍ فَكَانَ جَمِيعُهَا كَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ مُوسِرًا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْوَلَدَ حَاصِلٌ مِنْ جَمِيعِهَا، وَهُوَ كُلُّهُ مِنْ الْوَاطِئِ وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ لِجَمِيعِهَا، وَيُفَارِقُ الْإِعْتَاقُ فَإِنَّهُ أَضْعَفُ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ.
وَلَنَا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَبْطُلُ بِالتَّقْوِيمِ أَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَا تَبْطُلُ مَعَ بَقَائِهَا بِفِعْلٍ صَدَرَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ اسْتَوْلَدَهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ تَحْبَلْ مِنْهُ فَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنَّهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فِيهِ شُبْهَةٌ وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ كَذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا لَا تَجِبُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ شَرِيكِهِ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ حِينِ الْعَلُوقِ وَفِي تِلْكَ الْحَالِ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فَلَمْ يَضْمَنْهُ، وَالثَّانِيَةُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ سَبِيلِ هَذَا النِّصْفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِشَرِيكِهِ فَقَدْ تَلِفَ رِقُّهُ عَلَيْهِ فَكَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ أَبُو بَكْرٍ وَاخْتَارَ أَنَّهَا إنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ التَّقْوِيمِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَاطِئِ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ التَّقْوِيمِ غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِهِ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَاطِئُ الِاسْتِبْرَاءَ وَأَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الِاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ وَكَانَ حُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمَهَا، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الِاسْتِبْرَاءِ لَحِقَ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا وَقْتَ الِاسْتِبْرَاءِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءً.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَوَطِئَاهَا جَمِيعًا]
(8757) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَاهَا جَمِيعًا فَقَدْ وَجَبَ لَهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا حِينَ وَطِئَهَا الْأَوَّلُ فَعَلَيْهِ مَهْرُ بِكْرٍ، وَعَلَى الْآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ، فَإِنْ كَانَ نَجْمُهَا لَمْ يَحِلَّ فَلَهَا مُطَالَبَتُهُمَا بِالْمَهْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ النَّجْمُ قَدْ حَلَّ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمَهْرِ تَقَاصَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُقَاصَّةِ، فَإِنْ أَدَّتْ إلَيْهِمَا عَتَقَتْ، وَكَانَ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ بِالْمَهْرَيْنِ، وَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ نَفْسِهَا وَفَسَخَا الْكِتَابَةَ بَعْدَ قَبْضِهَا الْمَهْرَيْنِ لَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا مُطَالَبَةَ الْآخَرِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا قَبَضَتْهُمَا وَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَا فِي يَدِهَا اقْتَسَمَاهُمَا، وَإِنْ تَلِفَا أَوْ بَعْضُهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَمْلُوكِهِ،
وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرَيْنِ - وَهُمَا سَوَاءٌ - سَقَطَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ تَقَاصَّ مِنْهُمَا بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ قَبَضَتْ الْبَعْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ رَجَعَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ مَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَبَضَتْ الْبَعْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ - أَوْ قَبَضَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ رَجَعَ مَنْ قُبِضَ مِنْهُ الْأَكْثَرُ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ الَّتِي أَدَّاهَا، وَإِنْ أَفْضَاهَا أَحَدُهُمَا بِوَطْئِهِ فَعَلَيْهِ لَهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ فِي الْحُرَّةِ يُوجِبُ ثُلُثَ دِيَتِهَا فَوَجَبَ فِي الْأَمَةِ ثُلُثُ قِيمَتِهَا مَعَ الْمَهْرِ.
فَصْلٌ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ فِي الْإِفْضَاءِ قَدْرُ نَقْصِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فَرْعٌ عَلَى الْوَاجِبِ فِي إفْضَاءِ الْحُرَّةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ فُسِخَتْ الْكِتَابَةُ رَجَعَ مَنْ لَمْ يَفُضَّهَا عَلَى الْآخَرِ
بِنِصْفِ قِيمَةِ الْإِفْضَاءِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ الَّذِي أَفْضَاهَا أَوْ وَطِئَهَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَبَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ عَجْزِهَا فَادَّعَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ ادَّعَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَوْلَدَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاتَّفَقَا عَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا.]
(8759) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْلَدَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاتَّفَقَا عَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَاحِقُ النَّسَبِ بِهِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا انْفَرَدَ بِإِيلَادِهَا سَوَاءٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَدْ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ وَأَوْلَدَهَا فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةُ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا ثُمَّ أَوْلَدَهَا وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لَهَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَبْطُلْ وَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ سَبِيلِهِ أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا لَهُ، حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ نِصْفِ قِيمَةِ الْأَوَّلِ خِلَافًا، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا تَقَاصَّا بِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَسَاوَيَا فِيهِ، وَيَرْجِعُ ذُو الْفَضْلِ بِفَضْلِهِ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمْكَنَ التَّقْوِيمُ فِيهَا
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ عَلَى الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِيلَادِ، وَمَهْرُ الْمُكَاتَبَةِ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا، وَلِأَنَّ سَيِّدَهَا لَوْ وَطِئَهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ عِوَضُ نَفْعِهَا فَكَانَ لَهَا كَأُجْرَتِهَا.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا وَالثَّانِي مُعْسِرًا فَيَكُونَ كَالْحَالِ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً.
قَالَ الْقَاضِي: إلَّا أَنَّ وَلَدَهُ يَكُونُ مَمْلُوكًا؛ لِإِعْسَارِهِ بِقِيمَتِهِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَرِقُّ لِإِعْسَارِ وَالِدِهِ، بِدَلِيلِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ مِنْ أَمَةٍ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ وَكُلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِعْسَارِ وَالْيَسَارِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْيَسَارُ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ وَلَيْسَ عِتْقُ هَذَا بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ، إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ فِي الْوَطْءِ فَلَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ الْيَسَارِ فِيهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حُرٌّ وَتَجِبُ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّةِ أَبِيهِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَا مُعْسِرَيْنِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا جَمِيعًا، نِصْفُهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَنِصْفُهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلثَّانِي.
قَالَ: وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ مَهْرِهَا لِصَاحِبِهِ، وَفِي وَلَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ حُرًّا وَفِي ذِمَّةِ أَبِيهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ،
وَالثَّانِي نِصْفُهُ حُرٌّ وَبَاقِيهِ عَبْدٌ لِشَرِيكِهِ إلَّا أَنَّ نِصْفَ وَلَدِ الْأَوَّلِ عَبْدٌ قِنٌّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلنِّصْفِ الْبَاقِي مِنْ الْأُمِّ.
وَأَمَّا النِّصْفُ الْبَاقِي مِنْ وَلَدِ الثَّانِي فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ لِنِصْفِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ لِلْأَوَّلِ، فَكَانَ نِصْفُهُ الرَّقِيقُ تَابِعًا لَهَا فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ أَرَادَ مَا إذَا عَجَزَتْ وَفَسَخَتْ الْكِتَابَةَ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى الْكِتَابَةِ فَإِنَّ لَهَا الْمَهْرَ كَامِلًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا حُكِمَ بِرِقِّ نِصْفِ وَلَدِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُهَا فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ يَكُونُ تَابِعًا لَهَا
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا وَالثَّانِي مُوسِرًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّالِثِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ وَلَدَ الثَّانِي حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَبَتَتْ لِنِصْفِهِ بِفِعْلِ أَبِيهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَسَرَى إلَى جَمِيعِهِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ وَلَمْ تُقَوَّمْ عَلَيْهِ الْأُمُّ؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَوَّمَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أُمِّهِ فِي هَذَا، فَإِذَا مَنَعَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ السِّرَايَةَ فِي الْأُمِّ مَنَعَهُ فِيمَا هُوَ تَابِعٌ لَهَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَ الْقَاضِي.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَوْلَدَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا.]
(8760) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ فَعَلَى قَوْلِنَا لَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ لِصَاحِبِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِي بِإِحْبَالِي إيَّاهَا وَوَجَبَ لِشَرِيكِي عَلَيَّ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَلِي عَلَيْهِ قِيمَةُ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَوْلَدْتُهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِي.
وَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا لَهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا.
فَعَلَى هَذَا إنْ اسْتَوَى مَا يَدَّعِيهِ وَمَا يُقِرُّ بِهِ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا وَلَا يَمِينَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لِي عَلَيْك مِثْلُ مَا لَك عَلَيَّ، وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ، فَتَسَاقَطَا.
وَإِنْ زَادَ مَا يُقِرُّ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ يُكَذِّبُهُ فِي إقْرَارِهِ، وَإِنْ زَادَ مَا يَدَّعِيهِ فَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الزِّيَادَةِ وَيَثْبُتُ لِلْأَمَةِ حُكْمُ الْعِتْقِ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَوْتِهِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى شَرِيكِهِ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي الْأَمَةِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لِمَنْ تَقَعُ الْقُرْعَةُ لَهُ، وَالثَّانِي تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا وَلَا يَطَؤُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
قَالَ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ.
وَأَمَّا الْقَاضِي فَاخْتَارَ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الْمَهْرَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيُقِرُّ لَهُ بِنِصْفِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ عِنْدَهُمْ لِسَيِّدِهَا دُونَهَا وَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهَا بِمَوْتِ الْأَوَّلِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْآخَرِ، وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْآخَرُ عَتَقَتْ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهَا قَدْ مَاتَ يَقِينًا، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقِرٌّ بِأَنَّ نِصْفَهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَيُصَدِّقُهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَسْرِي مَعَ الْإِعْسَارِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
يُقِرُّ لِصَاحِبِهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَالْآخَرُ يُصَدِّقُهُ فَيَتَقَاصَّانِ إنْ تَسَاوَيَا، وَإِنْ فَضَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الْفَضْلَ تَحَالَفَا وَسَقَطَ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ لِلْآخَرِ بِالْفَضْلِ سَقَطَ؛ لِتَكْذِيبِ الْمُقِرِّ لَهُ بِهِ
وَفِي الْوَلَدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُ حُرًّا فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَلَى الْآخَرِ نِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي نِصْفُهُ حُرٌّ فَيُقِرُّ بِأَنَّ نِصْفَ الْوَلَدِ مَمْلُوكٌ لِشَرِيكِهِ فَيَكُونُ الْوَلَدَانِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَتَقَاصَّانِ إنْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْوَلَدَيْنِ وَلَا يَمِينَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا فَالْمُوسِرُ يُقِرُّ لِلْمُعْسِرِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَنِصْفِ مَهْرِهَا، وَيَدَّعِي عَلَيْهِ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ، وَالْمُعْسِرُ يُقِرُّ لِلْمُوسِرِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ فَيَسْقُطُ إقْرَارُ الْمُوسِرِ لِلْمُعْسِرِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَدَّعِيهِ وَلَا يُصَدِّقُهُ فِيهِ وَيَتَقَاصَّانِ بِالْمَهْرِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ، وَيَدْفَعُ الْمُعْسِرُ إلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِهِ وَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ جَمِيعَ قِيمَةِ الْوَلَدِ فَأَقَرَّ لَهُ بِنِصْفِهَا، وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُوسِرُ عَلَى نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُعْسِرُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَإِنَّ نَصِيبَ الْمُوسِرِ مِنْهَا أُمُّ وَلَدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَبَاقِيَهَا يَتَنَازَعَانِهِ؛ فَإِنْ مَاتَ الْمُوسِرُ أَوَّلًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَوَلَاؤُهُ لِوَرَثَتِهِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُعْسِرُ عَتَقَ بَاقِيهَا، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْسِرُ أَوَّلًا لَمْ يَعْتِقْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوسِرُ عَتَقَ جَمِيعُهَا.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَطِئَاهَا مَعًا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ.]
(8761) فَصْلٌ: فَإِنْ وَطِئَاهَا مَعًا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ لَا يُمْكِنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مِثْلُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا مِنْهُمَا أَوْ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ وَطِئَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْوَلَدَ مَنْفِيٌّ عَنْهُمَا وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُمَا حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ بِأَدَائِهَا، وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِبْرَاءَ قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ فِي الْأَمَةِ كَاللِّعَانِ فِي الْحُرَّةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ دُونَ صَاحِبِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ؛ مِنْ وُجُوبِ الْمَهْرِ لَهَا وَقِيمَةِ نِصْفِهَا لِشَرِيكِهِ مَعَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا الَّذِي لَمْ تَحْبَلْ مِنْ وَطْئِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الثَّانِيَ فَقَدْ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ بَاقِيَةً فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ قَدْ فُسِخَتْ فَالْمَهْرُ لِلَّذِي اسْتَوْلَدَهَا، وَقَدْ وَجَبَ لِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِهَا، وَفِي قِيمَةِ نِصْفِ الْوَلَدِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ لِلْأَوَّلِ تَقَاصَّا بِقَدْرِ أَقَلِّ الْحَقَّيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا
رَجَعَ بِحَقِّهِ عَلَى الَّذِي أَحْبَلَهَا.
وَأَمَّا الْقَاضِي فَقَالَ فِي هَذَا الْقِسْمِ: الْحُكْمُ فِي الْأَوَّلِ كَالْحُكْمِ فِيهِ إذَا انْفَرَدَ بِالْوَطْءِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ وَالتَّطْوِيلِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ نَظَرْنَا، فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، فَإِنْ كَانَ فَسَخَ الْكِتَابَةَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِعَجْزِهَا فَالْمَهْرُ لَهُ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفْسَخْ فَالْمَهْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ زَوَالِ الْكِتَابَةِ فِي حَقِّهِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُ مَهْرِهَا؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا قِنٌّ لَهُ، وَعَلَيْهِ النِّصْفُ لَهَا - إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ فَسَخَ الْكِتَابَةَ - أَوْ لَهُ إنْ كَانَ فَسَخَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا فَنَصِيبُهُ مِنْهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَهَا عَلَيْهِمَا الْمَهْرَانِ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَجَزَتْ أَوْ أَدَّتْ قَدْ تَقَدَّمَ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ الثَّانِي فَالْحُكْمُ فِي وَطْءِ الْأَوَّلِ كَالْحُكْمِ فِيهِ إذَا وَطِئَ مُنْفَرِدًا فَلَمْ يُحْبِلْهَا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ، فَإِنْ فَسَخَا الْكِتَابَةَ قَوَّمْنَاهَا عَلَيْهِ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ رَضِيَ الثَّانِي بِالْمُقَامِ عَلَى الْكِتَابَةِ قَوَّمْنَا عَلَيْهِ نَصِيبَ الْأَوَّلِ وَصَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَنِصْفُهَا مُكَاتَبٌ، وَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ فَيَتَقَاصَّانِ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مُعْسِرًا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا وَلَدَتْ مِنْ الْأَوَّلِ وَكَانَ مُعْسِرًا لَا فَضْلَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا فَيَلْحَقُ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا، فَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ قَافَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدٍ فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ.]
(8762) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدٍ فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ وَمِثْلَهُ لِسَيِّدِهِ صَارَ حُرًّا بِالْكِتَابَةِ إنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُعْسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ وَصَارَ نِصْفُ قِيمَتِهِ عَلَى الَّذِي كَاتَبَهُ لِشَرِيكِهِ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ مُكَاتَبَتُهُ، وَتَصِحُّ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا أَوْ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ - وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الشَّرِيكُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ الْحَكَمِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَمَالِكٍ وَالْعَنْبَرِيِّ، وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ وَحَمَّادٌ كِتَابَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ فَعَلَ رَدَدْتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَدَهُ فَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ
، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِحُّ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ وَلَا تَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إذْنُهُ فِيمَا مَضَى
فِي ذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي تَأْدِيَةِ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ جَمِيعِ كَسْبِهِ، وَلَا يَرْجِعُ الْآذِنُ بِشَيْءٍ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ جَمِيعُهُ مُكَاتَبًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنْ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا صَحَّتْ كِتَابَتُهُ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيهِ مِلْكًا لَمْ تَصِحَّ كِتَابَتُهُ سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الشَّرِيكُ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ تَقْتَضِي إطْلَاقَهُ فِي رَدِّ الْكَسْبِ وَالْمُسَافَرَةِ، وَمِلْكُ نِصْفِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَمْنَعُهُ أَخْذُ نَصِيبِهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ كَسْبًا لَهُ وَيَسْتَحِقَّ سَيِّدُهُ نِصْفَهُ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَدَّى عَتَقَ جَمِيعُهُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَ كِتَابَتِهِ وَيَعْتِقَ جَمِيعُهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى نِصْفِهِ فَصَحَّ كَبَيْعِهِ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ فَصَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَمَا لَوْ مَلَكَ جَمِيعَهُ، وَلِأَنَّهُ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ فَصَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَالْعَبْدِ الْكَامِلِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا - عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - أَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّرِيكُ عِنْدَ الْبَاقِينَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَقْتَضِي الْمُسَافَرَةَ وَالْكَسْبَ وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ قُلْنَا: أَمَّا الْمُسَافَرَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ الْمُقْتَضَيَاتِ الْأَصْلِيَّةِ فَوُجُودُ مَانِعٍ مِنْهَا لَا يَمْنَعُ أَصْلَ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا الْكَسْبُ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ كَسْبَهُ وَأَخْذَهُ الصَّدَقَةَ بِجُزْئِهِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ شَيْئًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا حَقَّ لِلشَّرِيكِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا حَصَلَ بِهِ، كَمَا لَوْ وَرِثَ شَيْئًا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، وَأَمَّا الْكَسْبُ فَإِنْ هَايَأَهُ مَالِكُ نِصْفِهِ فَكَسَبَ فِي نَوْبَتِهِ شَيْئًا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُهَايِئْهُ فَكَسَبَ بِجُمْلَتِهِ شَيْئًا كَانَ بَيْنَهُمَا لَهُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ وَلِسَيِّدِهِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْمَمْلُوكِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَسَبَ قَبْلَ كِتَابَتِهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَ سَيِّدَيْهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ بَعْضَ الْكِتَابَةِ فَيَعْتِقُ جَمِيعُهُ.
قُلْنَا: يَبْطُلُ هَذَا بِمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي عِوَضَ الْبَعْضِ وَيَعْتِقُ الْجَمِيعُ، عَلَى أَنَّنَا نَقُولُ: لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ هُوَ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ مَالِكُ نِصْفِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَهَا وَلِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْجَمِيعُ بِالْأَدَاءِ وَإِنَّمَا يَعْتِقُ الْجُزْءُ الْمُكَاتَبُ لَا غَيْرُ، وَبَاقِيهِ إنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ لَا بِالْكِتَابَةِ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا كَمَا لَوْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ عَتَقَ جَمِيعُهُ، فَإِذَا جَازَ جَمِيعُهُ بِإِعْتَاقِ بَعْضِهِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا يَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إذَا كَاتَبَ نَصِيبَهُ لَمْ تَسْرِ الْكِتَابَةُ وَلَمْ يَتَعَدَّ الْجُزْءَ الَّذِي كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَسْرِ كَالْبَيْعِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مُكَاتِبِهِ شَيْئًا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى شَرِيكِهِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ أَذِنَ الشَّرِيكُ فِي كِتَابَتِهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي كِتَابَةِ نَصِيبِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ بَاقِيًا لَهُ، وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا فِي الْكِتَابَةِ
وَهَذَا إذَا كَانَ الْكَسْبُ بِجَمِيعِهِ فَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ مِنْ جَمِيعِ كَسْبِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ
الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ تَقْتَضِي الْعِتْقَ بِبَرَاءَتِهِ مِنْ الْعِوَضِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِدَفْعِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَإِنْ أَدَّى إلَيْهِمَا جَمِيعًا عَتَقَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فَإِذَا عَتَقَ سَرَى إلَى سَائِرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ أَوْ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ عَلَى صِفَةٍ فَعَتَقَ بِهَا، وَيَرْجِعُ الشَّرِيكُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ، فَأَمَّا إنْ مَلَكَ الْعَبْدُ شَيْئًا بِجُزْئِهِ الْمُكَاتَبِ، مِثْلُ أَنْ هَايَأَهُ سَيِّدُهُ فَكَسَبَ شَيْئًا فِي نَوْبَتِهِ أَوْ أَعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهِ، وَلَهُ أَدَاءُ جَمِيعِهِ فِي كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَأَشْبَهَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ بَعْدَ إعْطَاءِ الشَّرِيكِ حَقَّهُ.
فَلَوْ كَانَ ثُلُثُهُ حُرًّا وَثُلُثُهُ مُكَاتَبًا وَثُلُثُهُ رَقِيقًا، فَوَرِثَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ مِيرَاثًا، وَأَخَذَ بِجُزْئِهِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ، فَلَهُ دَفْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَحَقَّ بِجُزْئِهِ الرَّقِيقِ شَيْئًا مِنْهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ مَالِكُهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِذَا أَدَّى جَمِيعَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ فَإِذَا كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ وَلَمْ يَتَعَدَّ نَصِيبَهُ، كَمَا إذَا وَاجَهَهُ بِالْعِتْقِ إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نَقُولُ فِيهَا بِالِاسْتِسْعَاءِ فَإِنَّهُ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُكَاتَبْ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَرَى إلَى بَاقِيهِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ مِلْكًا لِرَجُلٍ فَكَاتَبَ بَعْضَهُ.]
(8763) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ مِلْكًا لِرَجُلٍ فَكَاتَبَ بَعْضَهُ جَازَ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَصَحَّتْ فِي بَعْضِهِ كَالْبَيْعِ، فَإِذَا أَدَّى جَمِيعَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَرَى الْعِتْقُ فِيهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَإِلَى مِلْكِهِ أَوْلَى، وَيَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى سَيِّدِهِ مِثْلَيْ كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ مَا يَكْسِبُهُ يَسْتَحِقُّهُ سَيِّدُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ، وَنِصْفَهُ يُؤَدِّي فِي الْكِتَابَةِ إلَّا أَنْ يَرْضَى سَيِّدُهُ بِتَأْدِيَةِ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابَةِ فَيَصِحُّ فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمَالَ كُلَّهُ عَتَقَ نِصْفُهُ بِالْكِتَابَةِ وَبَاقِيهِ بِالسِّرَايَةِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْعَبْدُ لِرَجُلَيْنِ فَكَاتَبَاهُ مَعًا.]
(8764) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِرَجُلَيْنِ فَكَاتَبَاهُ مَعًا جَازَ سَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الْعِوَضِ أَوْ اخْتَلَفَا فِيهِ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ نَصِيبَاهُمَا فِيهِ أَوْ اخْتَلَفَ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْمَالِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ وَلِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْمَالِ مَنَعَ التَّفَاضُلَ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَنْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِمَالِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ عَجَزَ، رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِذَلِكَ.
وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْقِدُ عَلَى نَصِيبِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ انْتِفَاعَ أَحَدِهِمَا بِمَالِ الْآخَرِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَيَات الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ زَوَالِهِ فَلَا يَضُرُّ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّي إلَيْهِمَا عَلَى التَّسَاوِي، وَإِذَا عَجَزَ قُسِمَ مَا كَسَبَهُ بَيْنَهُمَا عَلَى
قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُنْتَفِعًا إلَّا بِمَا يُقَابِلُ مِلْكَهُ، وَعَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ زَوَالِ الْكِتَابَةِ إلَى حُكْمِ الرِّقِّ كَأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالتَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ يَقْتَضِي التَّسَاوِيَ فِي أَدَائِهِ إلَيْهِمَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وَفَاءُ كِتَابَةِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ، فَيَعْتِقُ نَصِيبُهُ وَيَسْرِي إلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ، قُلْنَا: يُمْكِنُ أَدَاءُ كِتَابَتِهِ إلَيْهِمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فَيَعْتِقُ عَلَيْهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُكَاتَبَ أَحَدَهُمَا عَلَى مِائَةٍ فِي نَجْمَيْنِ، فِي كُلِّ نَجْمٍ خَمْسُونَ، وَيُكَاتَبَ الْآخَرُ عَلَى مِائَتَيْنِ فِي نَجْمَيْنِ، فِي النَّجْمِ الْأَوَّلِ خَمْسُونَ، وَفِي الثَّانِي مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَيَكُونُ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا فَيُؤَدِّي إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ، عَلَى أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: لَا يَسْرِي الْعِتْقُ إلَى نَصِيبِ الْآخَرِ مَادَامَ مُكَاتَبًا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُفْضِي إلَى مَا ذَكَرُوهُ، عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ قُدِّرَ إفْضَاؤُهُ إلَيْهِ فَلَا مَانِعَ فِيهِ مِنْ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْكِتَابَةِ - وَهُوَ الْعِتْقُ بِهَا،
وَيُمْكِنُ وُجُودُ سِرَايَةِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِأَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى مِثْلَيْ قِيمَتِهِ، فَإِذَا عَتَقَ عَلَيْهِ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَسَلَّمَ لَهُ بَاقِيَ الْمَالِ، وَحَصَلَ لَهُ وَلَاءُ الْعَبْدِ وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا، ثُمَّ لَوْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَكِنْ قَدْ رَضِيَ بِهِ حِينَ كِتَابَتِهِ عَلَى أَقَلَّ مِمَّا كَاتَبَهُ بِهِ شَرِيكُهُ، وَالضَّرَرُ الْمَرْضِيُّ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَضْرُورِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَيَسْرِي عِتْقُهُ وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ وَهُوَ جَائِزٌ، فَهَذَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّنْجِيمِ وَلَا فِي أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا فِي النُّجُومِ قَبْلَ النَّجْمِ الْأَخِيرِ أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِمَا إلَّا عَلَى السَّوَاءِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا بِالْأَدَاءِ عَلَى الْآخَرِ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي مِيقَاتِ النُّجُومِ وَقَدْرِ الْمُؤَدَّى فِيهِمَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ.
وَالثَّانِي يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعَجِّلَ لِمَنْ تَأَخَّرَ نَجْمُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَيُعْطِيَ مَنْ قَلَّ نَجْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي الدَّفْعِ إلَى الْآخَرِ قَبْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُنْظِرَهُ مَنْ حَلَّ نَجْمُهُ، أَوْ يَرْضَى مَنْ لَهُ الْكَثِيرُ بِأَخْذِ دُونِ حَقِّهِ، وَإِذَا أَمْكَنَ إفْضَاءُ الْعَقْدِ إلَى مَقْصُودِهِ فَلَا نُبْطِلُهُ بِاحْتِمَالِ عَدَمِ الْإِفْضَاءِ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْعَبْدُ لِرَجُلَيْنِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ.]
(8765) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يُقَدِّمَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ مَا سَوَاءٌ فِيهِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي كَسْبِهِ، وَحَقُّهُمَا مُتَعَلِّقٌ
بِمَا فِي يَدِهِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَيَعُودَ إلَى الرِّقِّ، وَيَتَسَاوَيَانِ فِي كَسْبِهِ فَيَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْفَضْلِ بَعْدَ انْتِفَاعِهِ بِهِ مُدَّةً.
فَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ، وَلِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حِصَّتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ - ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ - أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ فَجَازَ بِإِذْنِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ، أَوْ أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَبْضِ الْبَيْعِ قَبْلَ تَوْفِيَةِ ثَمَنِهِ، أَوْ أَذِنَا لِلْمُكَاتَبِ فِي التَّبَرُّعِ، وَلِأَنَّهُمَا لَوْ أَذِنَا لَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِشَيْءٍ صَحَّ قَبْضُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ لَهُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ مِلْكٌ لَهُ فَلَا يَنْفُذُ إذْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا حَقُّ سَيِّدِهِ فِي ذِمَّتِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُكَاتَبِ، تَعْلِيقٌ عَلَى الْعِلَّةِ ضِدُّ مَا تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِلْكًا لَهُ يَقْتَضِي جَوَازَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا الْمَنْعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِهِ، فَإِذَا أَذِنَ زَالَ الْمَانِعُ فَصَحَّ التَّقْبِيضُ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ وَخُلُوِّهِ مِنْ الْمَانِعِ، ثُمَّ يَبْطُلُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا مَالَ الْكِتَابَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبِهِ.
هَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَيَضْمَنُهُ فِي الْحَالِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ مُكَاتَبًا مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ، وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ الَّذِي عَتَقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَنِصْفَهُ بِالسِّرَايَةِ، فَحِصَّةُ مَا عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ لِلْعَبْدِ، وَحِصَّةُ مَا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ لِسَيِّدِهِ.
وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ يَكُونُ الْبَاقِي كُلُّهُ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ كَانَ مِلْكًا لَهُ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِعِتْقِهِ كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: لَا يَسْرِي الْعِتْقُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَسْرِي عِنْدَ عَجْزِهِ، فَعَلَى قَوْلِهِمَا يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّى إلَى الْآخَرِ عَتَقَ عَلَيْهِمَا، وَوَلَاؤُهُ لَهُمَا وَمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ عَجَزَ وَفُسِخَتْ كِتَابَتُهُ قُوِّمَ عَلَى الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ وَكَانَ وَلَاءُ جَمِيعِهِ لَهُ وَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِي نِصْفِهِ.
وَإِنْ مَاتَ فَقَدْ مَاتَ وَنِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ، وَلِسَيِّدِهِ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ نَصِيبُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا خَلَفَهُ مِثْلَ مَا أَخَذَهُ شَرِيكُهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَلَهُ نِصْفُ مَا بَقَّى وَالْبَاقِي لِوَرَثَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ نَسَبِهِ فَهُوَ لِلَّذِي أَدَّى إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فَمَا أَخَذَهُ الْقَابِضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، وَلَا تَعْتِقُ حِصَّتُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ
لَمْ يَسْتَوْفِ عِوَضَهُ، وَلِغَيْرِ الْقَابِضِ مُطَالَبَةُ الْقَابِضِ بِنَصِيبِهِ مِمَّا قَبَضَهُ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَوَاءٌ.
وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ غَيْرُ الْقَابِضِ بِنَصِيبِهِ حَتَّى أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَيْهِ كِتَابَتَهُ صَحَّ وَعَتَقَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْآخَرِ حَقَّهُ فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا وَيَسْتَوْفِي الَّذِي لَمْ يَقْبِضْ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَاهُ فَأَدَّى إلَى أَحَدِهِمَا كِتَابَتَهُ ثُمَّ مَاتَ وَهُوَ يَسْعَى لِلْآخَرِ لِمَنْ مِيرَاثُهُ؟ قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ مَا كَسَبَ الْعَبْدُ فِي كِتَابَتِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَيَرْجِعُ هَذَا عَلَى الْآخَرِ بِنَصِيبِهِ مِمَّا أَخَذَ وَمِيرَاثُهُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا قَالَ.
[فَصْلٌ الشَّرِيكَانِ إذَا عَجَزَ مُكَاتَبُهُمَا.]
(8766) فَصْلٌ: وَإِنْ عَجَزَ مُكَاتَبُهُمَا فَلَهُمَا الْفَسْخُ وَالْإِمْضَاءُ، فَإِنْ فَسَخَا جَمِيعًا أَوْ أَمْضَيَا الْكِتَابَةَ جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا وَأَمْضَى الْآخَرُ جَازَ وَعَادَ نِصْفُهُ رَقِيقًا قِنًّا وَنِصْفُهُ مُكَاتَبًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِي جَمِيعِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَوْ بَقِيَتْ فِي نِصْفِهِ لَعَادَ مِلْكُ الَّذِي فَسَخَ الْكِتَابَةَ إلَيْهِ نَاقِصًا.
وَلَنَا، أَنَّهَا كِتَابَةٌ فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِفَسْخِ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِكِتَابَتِهِ، لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُفْرَدَانِ فَلَمْ يَنْفَسِخْ أَحَدُهُمَا بِفَسْخِ الْآخَرِ كَالْبَيْعِ، وَمَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ ضِمْنًا؛ لِتَصَرُّفِ الشَّرِيكِ فِي نَصِيبِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ كَإِعْتَاقِ الشَّرِيكِ؛ وَلِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ تَصِحُّ مُكَاتَبَةُ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ، فَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ الْعَقْدُ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَأَنْ يَبْطُلَ فِي دَوَامِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ ضَرَرَهُ حَصَلَ بِعَقْدِهِ وَفَسْخِهِ فَلَا يَزُولُ بِفَسْخِ عَقْدِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ فِي فَسْخِ الْكِتَابَةِ ضَرَرًا بِالْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، وَلَيْسَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ الَّذِي فَسَخَ بِأَوْلَى مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الَّذِي لَمْ يَفْسَخْ، بَلْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الَّذِي لَمْ يَفْسَخْ أَوْلَى لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّ ضَرَرَ الَّذِي فَسَخَ حَصَلَ ضِمْنًا؛ لِبَقَاءِ عَقْدِ شَرِيكِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَضَرَرَ شَرِيكِهِ بِزَوَالِ عَقْدِهِ وَفَسْخِ تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ضَرَرَ الَّذِي فَسَخَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ فِي مَوْضِعٍ، وَلَا أَصْلَ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُكْمِ وَلَا يُعْرَفُ
لَهُ نَظِيرٌ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اطِّرَاحِهَا، وَضَرَرُ شَرِيكِهِ بِفَسْخِ عَقْدِهِ مُعْتَبَرٌ فِي سَائِرِ عُقُودِهِ: مِنْ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَرَهْنِهِ.
. وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ أَوْلَى.
الثَّالِثُ: أَنَّ ضَرَرَ الْفَسْخِ يَتَعَدَّى إلَى الْمُكَاتَبِ فَيَكُونُ ضَرَرًا بِاثْنَيْنِ، وَضَرَرَ الْفَاسِخِ لَا يَتَعَدَّاهُ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ تَسَاوِي الضَّرَرَيْنِ لَوَجَبَ إبْقَاءُ الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ الْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ رَاجِحٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُكَاتَبُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.]
(8767) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ اسْتَقْبَلَ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ حَوْلًا ثُمَّ زَكَّاهُ إنْ كَانَ نِصَابًا) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَإِذَا عَتَقَ صَارَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ حِينَئِذٍ فَيَبْتَدِئُ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ يَوْمِ عَتَقَ، فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ إنْ كَانَ نِصَابًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَيَصِيرُ هَذَا كَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ زَكَوِيٌّ يَبْلُغُ نِصَابًا فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا مِنْ حِينَ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حِينَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا عَتَقَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ أَبْقَاهُ لَهُ سَيِّدُهُ.
[مَسْأَلَةٌ فَسْخُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ.]
(8768) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ نَجْمًا حَتَّى حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ عَجَّزَهُ السَّيِّدُ إنْ أَحَبَّ وَعَادَ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ فَسْخَهَا قَبْلَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْعَقْدِ مُؤَجَّلًا، وَإِذَا حَلَّ النَّجْمُ فَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ حَلَّ فَأَشْبَهَ دَيْنَهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَلَهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرُهُ بِهِ - سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ سَمَحَ بِتَأْخِيرِهِ أَشْبَهَ دَيْنَهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ اخْتَارَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْلِكْ الْعَبْدُ الْفَسْخَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ أَوْ نَجْمَانِ أَوْ نُجُومُهُ كُلُّهَا فَوَقَفَ السَّيِّدُ عَنْ مُطَالَبَتِهِ وَتَرَكَهُ بِحَالِهِ، أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ مَا داما ثَابِتَيْنِ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَجَّلَهُ بِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْحَالَّ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ كَالْقَرْضِ.
وَإِنْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمَانِ فَعَجَزَ عَنْهُمَا فَاخْتَارَ السَّيِّدُ فَسْخَ كِتَابَتِهِ وَرَدَّهُ إلَى الرِّقِّ فَلَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُضُورِ حَاكِمٍ وَلَا سُلْطَانٍ، وَلَا تَلْزَمُهُ الِاسْتِنَابَةُ.
فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَكُونُ عَجْزُهُ إلَّا عِنْدَ قَاضٍ، وَحُكِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إذَا عَجَزَ اُسْتُؤْنِيَ بَعْدَ الْعَجْزِ سَنَتَيْنِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: شَهْرَيْنِ.
. وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ فَأَدَّى إلَيْهِ تِسْعَمِائَةِ دِينَارٍ وَعَجَّزَهُ عَنْ مِائَةِ دِينَارٍ فَرَدَّهُ إلَى الرِّقِّ.
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا فَأَدَّى عَشَرَةَ آلَافٍ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إنِّي قَدْ طُفْتُ الْعِرَاقَ وَالْحِجَازَ فَرُدَّنِي فِي الرِّقِّ، فَرَدَّهُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا فَقَالَ لَهُ: أَنَا عَاجِزٌ.
فَقَالَ لَهُ: اُمْحُ كِتَابَتَكَ.
فَقَالَ: اُمْحُ أَنْتَ.
وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ فَقَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ كَاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أَوَاقٍ فَهُوَ رَقِيقٌ.» وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَجَزَ عَنْ عِوَضِهِ فَمَلَكَ مُسْتَحِقُّهُ فَسْخَهُ كَالسَّلَمِ إذَا تَعَذَّرَ الْمُسْلِمُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ فَسْخُ عَقْدٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْحَاكِمِ كَفَسْخِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ كَانَتْ الْكِتَابَةُ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ، غَيْرَ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ؟ قُلْنَا: هِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ الطَّرَفَيْنِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ فَسْخَهَا بِحَالٍ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ وَيَمْتَنِعَ مِنْ الْكَسْبِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ - أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَضَمَّنُ إعْتَاقًا بِصِفَةٍ، وَمَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصِفَةٍ لَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهَا وَيَلْزَمُ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ الْإِتْيَانُ بِالصِّفَةِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ لِحَظِّ الْعَبْدِ دُونَ سَيِّدِهِ فَكَانَ الْعَقْدُ لَازِمًا لِمَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ حَظَّ غَيْرِهِ، وَصَاحِبُ الْحَظِّ بِالْخِيَارِ فِيهِ كَمَنْ ضَمِنَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا، أَوْ كَفَلَ لَهُ، أَوْ رَهَنَ عِنْدَهُ رَهْنًا.
[فَصْلٌ الْمُكَاتَبُ إنْ حَلَّ نَجْمٌ فَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ.]
(8769) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ حَلَّ نَجْمٌ وَاحِدٌ فَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ حَتَّى يَحِلَّ نَجْمَانِ قَبْلَ أَدَائِهِمَا.
وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ رَقِيقًا حَتَّى يَقُولَ: قَدْ عَجَزْتُ.
وَقِيلَ عَنْهُ: إذَا أَدَّى أَكْثَرَ مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يُرَدَّ إلَى الرِّقِّ وَأُتْبِعَ بِمَا بَقِيَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ وَاحِدٍ فَلِسَيِّدِهِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ دَخَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ مَالَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ
الْمَالَ فِي نُجُومِهِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُهُ، وَلِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَلِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ النَّجْمِ فِي وَقْتِهِ فَجَازَ فَسْخُ كِتَابَتِهِ كَالنَّجْمِ الْأَخِيرِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا يُرَدُّ الْمُكَاتَبُ فِي الرِّقِّ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ، وَلِأَنَّ مَا بَيْنَ النَّجْمَيْنِ مَحِلٌّ لِأَدَاءِ الْأَوَّلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ عَنْهُ حَتَّى يَفُوتَ مَحِلُّهُ بِحُلُولِ الثَّانِي.
[فَصْلٌ الْمُكَاتَبُ إذَا حَلَّ النَّجْمُ وَمَالُهُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ.]
(8770) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَّ النَّجْمُ وَمَالُهُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ طُولِبَ بِأَدَائِهِ وَلَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ قَبْلَ الطَّلَبِ كَمَا لَا يَجُوزُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ بِمُجَرَّدِ وُجُوبِ الدَّفْعِ قَبْلَ الطَّلَبِ، فَإِنْ طُلِبَ مِنْهُ فَذُكِرَ أَنَّهُ غَائِبٌ عَنْ الْمَجْلِسِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ قَرِيبًا، لَمْ يَجُزْ فَسْخُ الْكِتَابَةِ، وَأُمْهِلَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِي بِهِ إذَا طَلَبَ الْإِمْهَالَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسِيرٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ؛ لِيَبِيعَهُ بِجِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ أُمْهِلَ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ غَائِبًا أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمْهَالُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ يَرْجُو قُدُومَهُ اُسْتُؤْنِيَ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً لَا أَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ وَالْقُرْبِ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ وَاجِدًا لِمَا يُؤَدِّيهِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ وَقَالَ: قَدْ عَجَزْتُ.
فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ: يَمْلِكُ السَّيِّدُ فَسْخَ الْكِتَابَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: وَإِذَا حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُؤَدِّهِ حَتَّى حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ عَجَّزَهُ السَّيِّدُ - إنْ أَحَبَّ - فَعَلَّقَ جَوَازَ الْفَسْخِ عَلَى عَدَمِ الْأَدَاءِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْعِوَضِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَأَمَّا إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الْمَالِ كُلِّهِ فَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا.
[فَصْلٌ حَلَّ النَّجْمُ وَالْمُكَاتَبُ غَائِبٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.]
(8771) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَّ النَّجْمُ وَالْمُكَاتَبُ غَائِبٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ سَافَرَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي السَّفَرِ الْمَانِعِ مِنْ الْأَدَاءِ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَيُثْبِتُ عِنْدَهُ حُلُولَ مَالِ الْكِتَابَةِ لِيَكْتُبَ الْحَاكِمُ إلَى الْمُكَاتَبِ فَيَعْلَمُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ كَتَبَ بِذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ لِيَجْعَلَ لِلسَّيِّدِ فَسْخَ الْكِتَابَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ طَالَبَهُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ السَّيِّدُ؛ لِيُؤَدِّيَ مَالَ الْكِتَابَةِ، أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِي أَوَّلِ حَالِ الْإِمْكَانِ عِنْدَ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ - إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَّا مَعَهَا - لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ حَالِ الْإِمْكَانِ وَمَضَى زَمَنُ الْمَسِيرِ، ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ خِيَارُ الْفَسْخِ.
فَإِنْ وَكَّلَ السَّيِّدُ فِي بَلَدِ الْمُكَاتَبِ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ مَالَ الْكِتَابَةِ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ.
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الدَّفْعِ ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ خِيَارُ الْفَسْخِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ لِلْوَكِيلِ الْفَسْخَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ، جَازَ، وَلَهُ الْفَسْخُ إذَا ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ بِبَيِّنَةٍ بِحَيْثُ يَأْمَنُ الْمُكَاتَبُ إنْكَارَ السَّيِّدِ وَكَالَتَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُكَاتَبَ الدَّفْعُ إلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُ جَوَازَ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ فَيُنْكِرَ السَّيِّدُ وَكَالَتَهُ وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالْمَالِ، وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي أَنَّهُ وَكِيلٌ أَوْ كَذَّبَهُ.
وَإِنْ كَتَبَ حَاكِمُ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ السَّيِّدُ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُكَاتَبُ؛ لِيَقْبِضَ مِنْهُ الْمَالَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الدُّخُولُ فِيهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يُكَلَّفُ الْقَبْضَ لِلْبَالِغِ الرَّشِيدِ فَإِنْ اخْتَارَ الْقَبْضَ جَرَى مَجْرَى الْوَكِيلِ، وَمَتَى قَبَضَ مِنْهُ الْمَالَ عَتَقَ.
[فَصْلٌ دَفَعَ الْمُكَاتَبُ الْعِوَضَ فِي الْكِتَابَةِ فَبَانَ مُسْتَحِقًّا.]
(8772) فَصْلٌ: قَالَ وَإِذَا دَفَعَ الْعِوَضَ فِي الْكِتَابَةِ فَبَانَ مُسْتَحِقًّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ، وَكَانَ هَذَا الدَّفْعُ كَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ لَهُ: إنْ أَدَّيْتَ الْآنَ وَإِلَّا فُسِخَتْ كِتَابَتُكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا، فَإِنْ بَانَ مَعِيبًا مِثْلُ أَنْ كَاتَبَهُ عَلَى عُرُوضٍ مَوْصُوفَةٍ فَقَبَضَهَا فَأَصَابَ بِهَا عَيْبًا بَعْدَ قَبْضِهَا نُظِرَتْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ وَأَمْسَكَهَا اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِرُّ الْعِتْقُ وَلَمْ يُعْطِهِ جَمِيعَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ؟ فَإِنَّ مَا يُقَابِلُ الْعَيْبَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَشَرَةٍ فَأَعْطَاهُ تِسْعَةً،
قُلْنَا: إمْسَاكُهُ الْمَعِيبَ رَاضِيًا بِهِ رِضًى مِنْهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَجَرَى مَجْرَى إبْرَائِهِ مِنْ بَقِيَّةِ كِتَابَتِهِ.
وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَأَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ أَوْ رَدَّهُ فَلَهُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ وَلَهُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ، فَإِذَا حُكِمَ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَبْطُلْ كَعَقْدِ الْخُلْعِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ فَأَشْبَهَ الْخُلْعَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَيُحْكَمُ بِارْتِفَاعِ الْعِتْقِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِاسْتِقْرَارِ الْأَدَاءِ وَقَدْ ارْتَفَعَ الْأَدَاءُ فَارْتَفَعَ الْعِتْقُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالتَّرَاضِي فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ بِوُجُودِ الْعَيْبِ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَأَخْذَ الْأَرْشِ فَلَهُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ، وَلِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَعْتِقُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَظَنُّ وُقُوعِ الْعِتْقِ لَا يُوقِعُهُ إذَا بَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ كَمَا لَوْ بَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا.
وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَ السَّيِّدِ أَوْ حَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ اسْتَقَرَّ أَرْشُ الْعَيْبِ، وَالْحُكْمُ فِي ارْتِفَاعِ الْعِتْقِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْطَيْتَنِي عَبْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَعْطَاهُ عَبْدًا فَبَانَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحِقًّا لَمْ يَعْتِقْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: إنْ أَعْطَيْتَهُ مِلْكًا وَلَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ مِلْكًا وَلَمْ يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ.
(8773) فَصْلٌ: وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ ظَاهِرًا فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ: أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَعْتِقْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا حَصَلَ لَهُ بِالْأَدَاءِ، فَلَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّ سَيِّدَهُ قَصَدَ بِذَلِكَ عِتْقَهُ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَهُوَ أَخْيَرُ بِمَا نَوَى.
[مَسْأَلَةٌ مَا يَأْخُذُهُ السَّيِّدُ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ.]
(8774) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا قَبَضَ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ اسْتَقْبَلَ بِزَكَاتِهِ حَوْلًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ - كَمَالٍ اسْتَفَادَهُ بِكَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ - فَيَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ مُكَاتَبِهِ، وَلِهَذَا جَرَى الرِّبَا بَيْنَهُمَا وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ تَامٍّ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ حَوْلًا كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُكَاتَبُ إذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ.]
(8775) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ بُدِئَ بِجِنَايَتِهِ قَبْلَ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ سَيِّدُهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ جِنَايَتِهِ أَوْ يُسَلِّمَهُ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ وَيُؤَدِّي مِنْ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: جِنَايَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ.
قَالَ عَطَاءٌ: وَيَرْجِعُ سَيِّدُهُ بِهَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إذَا قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً كَانَتْ كِتَابَتُهُ وَوَلَاؤُهُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ» وَلِأَنَّهَا جِنَايَةُ عَبْدٍ فَلَمْ تَجِبْ فِي ذِمَّةِ سَيِّدِهِ كَالْقِنِّ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِأَدَاءِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ سَوَاءٌ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ أَوْ لَمْ يَحِلَّ.
وَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ السَّيِّدَ يُشَارِكُ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ فَيَضْرِبُ بِقَدْرِ مَا حَلَّ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا دَيْنَانِ فَيَتَحَاصَّانِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَلَنَا أَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ الْعَبْدِ يُقَدَّمُ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ وَحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ هَاهُنَا، يُحَقِّقُهُ أَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عِوَضِهِ وَهُوَ مَالُ الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَانَ مُسْتَقِرًّا، وَدَيْنَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَإِذَا قُدِّمَ عَلَى الْمُسْتَقِرِّ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مُسْتَقِرٌّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَقِرَّةً.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَفْدِي نَفْسَهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ؛ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ مُوجَبِ جِنَايَتِهِ وَهُوَ أَرْشُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ بَدَلِ الْمَحِلِّ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْأَرْشُ، فَإِنْ بَدَأَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَوَفَّى بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَإِلَّا بَاعَ الْحَاكِمُ مِنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَبَاقِيهِ بَاقٍ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَعُودُ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ أَبْقَاهُ عَلَى الْكِتَابَةِ فَأَدَّى، عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُوسِرًا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ وَبَاقِيهِ رَقِيقٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَالٌ وَلَمْ يَفِ بِالْجِنَايَةِ إلَّا قِيمَتُهُ كُلُّهَا بِيعَ كُلُّهُ فِيهَا وَبَطَلَتْ كِتَابَتُهُ، وَإِنْ بَدَأَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى سَيِّدِهِ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ سَأَلَ الْحَاكِمَ فَحَجَرَ عَلَى الْمُكَاتَبِ ثَبَتَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَكَانَ النَّظَرُ فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَصِحُّ دَفْعُهُ إلَى سَيِّدِهِ، وَيَرْتَجِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَإِنْ وَفَّى وَإِلَّا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ حَجَرَ عَلَيْهِ صَحَّ دَفْعُهُ إلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي حَقًّا عَلَيْهِ فَجَازَ كَمَا لَوْ قَضَى بَعْضُ غُرَمَائِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ وَيَكُونُ
الْأَرْشُ فِي ذِمَّتِهِ فَيَضْمَنُ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَهُوَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ وَاجِبًا بِالْجِنَايَةِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ الِاسْتِحْقَاقِ فَكَانَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَإِنْ عَجَزَ فَفَسَخَ السَّيِّدُ كِتَابَتَهُ فَدَاهُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيمَا إذَا فَدَاهُ سَيِّدُهُ قَوْلَانِ يَعْنِي رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: يَفْدِيهِ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
[فَصْلٌ جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَاتٍ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ.]
(8776) فَصْلٌ: وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَاتٍ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ وَاسْتَوَى الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَلَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا تَعَلَّقَتْ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ، وَكَذَا إنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي حَالِ كِتَابَتِهِ وَبَعْضُهَا بَعْدَ تَعْجِيزِهِ فَهِيَ سَوَاءٌ، وَيَتَعَلَّقُ جَمِيعُهَا بِالرَّقَبَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ اسْتِيفَاؤُهُ وَتَبْطُلُ حُقُوقُ الْآخَرِينَ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ اسْتَوْفَى الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ يَسْتَوْفِيهِ إذَا انْفَرَدَ فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَزَاحَمُوا فَإِذَا أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ سَقَطَ حَقُّهُ وَتَزَاحَمَ الْبَاقُونَ كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا كَمَا فِي الْوَصَايَا فَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْجِنَايَةِ الْوَاحِدَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَجَّزَهُ الْغُرَمَاءُ وَعَادَ قِنًّا بِيعَ وَتَحَاصُّوا فِي ثَمَنِهِ كَذَلِكَ هَاهُنَا فَأَمَّا إنْ عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ فَعَادَ قِنًّا خُيِّرَ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ قَتَلَهُ.
وَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَاتِ كُلِّهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَقَدْ فَوَّتَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِاخْتِيَارِ إمْسَاكِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَرْشِ وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَعْتَقَهُ أَوْ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ فِيهِمَا تَلِفَتْ مَالِيَّتُهُ فَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْمَحَلُّ بَاقٍ وَهَاهُنَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَبَيْعُهُ.
وَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ فِدَاءَ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْجِيزِهِ أَوْ عِتْقِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا يَفْدِي نَفْسَهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ.
وَالثَّانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَاتِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْأَرْشِ قَائِمٌ غَيْرُ تَالِفٍ وَيُمْكِنُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ يُبَاعُ فِيهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ.
[فَصْلٌ جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.]
(8777) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَالسَّيِّدُ خَصْمُهُ فِيهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ وَجَبَ كَمَا تَجِبُ عَلَى عَبْدِهِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ لِلزَّجْرِ فَيَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ فِي حَقِّ سَيِّدِهِ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ابْتِدَاءً وَجَبَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَعَ سَيِّدِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ يَصِحُّ أَنْ يُبَايِعَهُ وَيَثْبُتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ الْمَالُ وَالْحُقُوقُ كَذَلِكَ الْجِنَايَةُ، وَيَفْدِي نَفْسَهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يَفْدِيهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، فَإِنْ وَفَّى مَا فِي يَدِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَلِسَيِّدِهِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ وَأَخْذُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ، فَإِذَا عَجَّزَهُ وَفَسَخَ الْكِتَابَةَ سَقَطَ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ عَبْدًا قِنًّا، وَلَا يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ الْقِنِّ مَالٌ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَلَا مَالَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ وَقَدْ أَتْلَفَهَا فَسَقَطَ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ، فَإِذَا تَلِفَتْ الرَّقَبَةُ بَقِيَ الْحَقُّ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ، وَهَلْ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ كُلُّهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَيَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ مُطَالَبَتَهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ.
وَإِنْ اخْتَارَ تَأْخِيرَ الْأَرْشِ وَالْبِدَايَةَ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ جَازَ، وَيَعْتِقُ إذَا قَبَضَ مَالَ الْكِتَابَةِ كُلَّهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ قَبْلَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ؛ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ.
وَلَنَا أَنَّ الْحَقَّيْنِ جَمِيعًا لِلسَّيِّدِ فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ عَتَقَ فَفِي حَقِّ السَّيِّدِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ فَيُمْكِنُ تَقَدَّمُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إذَا أَدَّى عَتَقَ وَيَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ؛ فَإِنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْ جَمِيعُ الْأَرْشِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِ سَيِّدِهِ فَلِوَرَثَتِهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، وَفِي الْخَطَأِ الْمَالُ، وَفِيمَا يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ رِوَايَتَانِ.
وَحُكْمُ الْوَرَثَةِ مَعَ الْمُكَاتَبِ حُكْمُ سَيِّدِهِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ وَالْعَبْدُ لَوْ عَادَ قِنًّا لَكَانَ لَهُمْ وَإِنْ جَنَى عَلَى مَوْرُوثِ سَيِّدِهِ فَوَرِثَهُ سَيِّدُهُ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى سَيِّدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَلَى مَا مَضَى.
[فَصْلٌ اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَرْشٌ وَثَمَنٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الدُّيُونِ مَعَ مَالِ الْكِتَابَةِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ يَفِي بِهَا.]
(8778) فَصْلٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَرْشُ جِنَايَةٍ وَثَمَنُ مَبِيعٍ أَوْ عِوَضُ قَرْضٍ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الدُّيُونِ مَعَ مَالِ