المغني لابن قدامةصفحات 472-511
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 472-511
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

السَّبَقُ؛ بِالْفَتْحِ: الْجُعْلُ الَّذِي يُسَابَقُ عَلَيْهِ، وَيُسَمَّى الْخَطَرَ وَالنَّدَبَ وَالْقَرَعَ وَالرَّهْنَ.
وَيُقَالُ: سَبَقَ.
إذَا أَخَذَ وَإِذَا أَعْطَى.
وَمِنْ الْأَضْدَادِ.
وَمَتَى اسْتَبَقَ الِاثْنَانِ، وَالْجُعْلُ بَيْنَهُمَا، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ قِمَارًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَخْرَجَاهُ مُتَسَاوِيًا، مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةً، أَوْ مُتَفَاوِتًا مِثْلَ أَنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً وَالْآخَرُ خَمْسَةً.
وَلَوْ قَالَ: إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلِي عَلَيْك قَفِيزٌ حِنْطَةً.
أَوْ قَالَ إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ وَلِي عَلَيْك قَفِيزٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَإِنْ أَدْخَلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا، وَهُوَ ثَالِثٌ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا، جَازَ.
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحَكَى أَشْهَبُ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحَلِّلِ: لَا أُحِبُّهُ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالدَّخِيلِ بَأْسًا.
قَالَ: هُمْ أَعَفُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَجَعْلُهُ قِمَارًا إذَا أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَإِذَا لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ، لَمْ يَكُنْ قِمَارًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ ذَلِكَ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلِّلِ مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ مُكَافِئًا لِبَعِيرَيْهِمَا، وَرَمْيُهُ لِرَمِيَّيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فَرَسَاهُمَا جَوَادَيْنِ وَفَرَسُهُ بَطِيئٌ، فَهُوَ قِمَارٌ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُونٌ سَبْقُهُ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُمَا، جَازَ.
فَإِنْ جَاءُوا كُلُّهُمْ الْغَايَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَحْرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَقَ نَفْسِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَابِقَ فِيهِمَا، وَكَذَلِكَ إنْ سَبَقَ الْمُسْتَبِقَانِ الْمُحَلِّلَ، وَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ وَحْدَهُ، أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ وَحْدَهُ، أَحْرَزَ سَبَقَ نَفْسِهِ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُحَلِّلِ شَيْئًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ وَالْمُحَلِّلُ، أَحْرَزَ السَّابِقُ مَالَ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ سَبَقُ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّلِ نِصْفَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَبِقُونَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى لَوْ كَانُوا مِائَةً، وَبَيْنَهُمْ مُحَلِّلٌ لَا سَبَقَ مِنْهُ، جَازَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُحَلِّلُ جَمَاعَةً، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُسَابَقَةِ بِالْحَيَوَانِ]

(7914) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسَابَقَةِ بِالْحَيَوَانِ تَحْدِيدُ الْمَسَافَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لِابْتِدَاءِ عَدْوِهِمَا وَآخِرِهِ غَايَةٌ لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ أَسْبَقِهِمَا، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِتَسَاوِيهِمَا فِي الْغَايَةِ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ مُقَصِّرًا فِي أَوَّلِ عَدْوِهِ، سَرِيعًا فِي انْتِهَائِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِضِدِّ ذَلِكَ، فَيَحْتَاجُ إلَى غَايَةٍ تَجْمَعُ حَالَيْهِ، وَمِنْ الْخَيْلِ مَا هُوَ أَصْبَرُ، وَالْقَارِحُ أَصْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَسَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَمْيَالٌ أَوْ سَبْعَةٌ، وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَذَلِكَ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ.
فَإِنْ اسْتَبَقَا بِغَيْرِ غَايَةٍ، لِيُنْظَر أَيُّهُمَا يَقِفُ أَوَّلًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَقِفَ أَحَدُهُمَا حَتَّى يَنْقَطِعَ فَرَسُهُ، وَيَتَعَذَّرَ الْإِشْهَادُ عَلَى السَّبْقِ فِيهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسَابَقَةِ إرْسَالُ الْفَرَسَيْنِ أَوْ الْبَعِيرَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ أَرْسَلَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، لِيُعْلَمَ هَلْ يُدْرِكُهُ الْآخَرُ أَوْ لَا لَمْ يَجُزْ هَذَا فِي الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُدْرِكُهُ مَعَ كَوْنِهِ أَسْرَعَ مِنْهُ، لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا.
وَيَكُونُ عِنْد أَوَّلِ الْمَسَافَةِ مَنْ يُشَاهِدُ إرْسَالَهُمَا، وَيُرَتِّبُهُمَا، وَعِنْدَ الْغَايَةِ مَنْ يَضْبِطُ السَّابِقَ مِنْهُمَا؛ لِئَلَّا يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ.
وَيَحْصُلُ السَّبَقُ فِي الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ إذَا تَمَاثَلَتْ الْأَعْنَاقُ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي طُولِ الْعُنُقِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، اُعْتُبِرَ السَّبَقُ بِالْكَتِفِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالرَّأْسِ مُتَعَذِّرٌ، فَإِنَّ طَوِيلَ الْعُنُقِ قَدْ يَسْبِقُ رَأْسَهُ لِطُولِ عُنُقِهِ، لَا لِسُرْعَةِ عَدْوِهِ.
وَفِي الْإِبِلِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَفِيهَا مَا يَمُدُّ عُنُقَهُ، فَرُبَّمَا سَبَقَ رَأْسُهُ لِمَدِّ عُنُقِهِ، لَا لِسَبْقِهِ، فَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا الْكَتِفَ، فَإِنْ سَبَقَ رَأْسُ قَصِيرِ الْعُنُقِ فَهُوَ سَابِقٌ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَوْنَهُ سَابِقًا، وَإِنْ سَبَقَ طَوِيلُ الْعُنُقِ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَيْنَهُمَا فِي طُولِ الْعُنُقِ، فَقَدْ سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِهِ لَمْ يَسْبِقْهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، فَالْآخَرُ السَّابِقُ.
وَنَحْوُ هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالْأُذُنِ كَانَ سَابِقًا.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَمُدُّ الْآخَرُ عُنُقَهُ، فَيَكُونُ سَابِقًا بِأُذُنِهِ لِذَلِكَ لَا لِسَبْقِهِ.
وَإِنْ شَرَطَا السَّبْقَ بِأَقْدَامٍ مَعْلُومَةٍ، كَثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلِّ، لَمْ يَصِحّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَصِحُّ، وَيَتَخَاطَّانِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الرَّمْيِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْضَبِطُ، وَلَا يَقِفُ الْفَرَسَانِ عَنَدَ الْغَايَةِ، بِحَيْثُ يُعْرَفُ مِسَاحَةُ مَا بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ قَدْ جَعَلْت لَك هَذِهِ السَّبْقَةَ بَيْنَ النَّاسِ» . فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَدَعَا سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إنِّي قَدْ جَعَلْت إلَيْك مَا جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُنُقِي مِنْ هَذِهِ السَّبْقَةِ فِي عُنُقِك، فَإِذَا أَتَيْت الْمِيطَانَ - قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِيطَانُ مُرْسِلُهَا مِنْ الْغَايَةِ - فَصُفَّ الْخَيْلَ، ثُمَّ نَادِ: هَلْ مِنْ مُصْلِحٍ لَلِجَامٍ، أَوْ حَامِلٍ لِغُلَامٍ، أَوْ طَارِحٍ لِجَلٍّ.
فَإِذَا لَمْ يُجِبْك أَحَدٌ، فَكَبِّرْ ثَلَاثًا، ثُمَّ خَلِّهَا عِنْدَ الثَّالِثَةِ، فَيُسْعِدُ اللَّهُ

بِسَبَقِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ.
وَكَانَ عَلِيٌّ يَقْعُدُ عَلَى مُنْتَهَى الْغَايَةِ يَخُطُّ خَطًّا، وَيُقِيمُ رَجُلَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ عِنْدَ طَرَفِ الْخَطِّ طَرَفَيْهِ بَيْنَ إبْهَامَيْ أَرْجُلِهِمَا، وَتَمُرُّ الْخَيْلُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَيَقُولُ لَهُمَا: إذَا خَرَجَ أَحَدُ الْفَرَسَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِطَرَفِ أُذُنَيْهِ، أَوْ أُذُنٍ، أَوْ عَذَارٍ فَاجْعَلَا السَّبْقَةَ لَهُ، فَإِنْ شَكَكْتُمَا، فَاجْعَلُوا سَبَقَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَرَنْتُمْ ثِنْتَيْنِ، فَاجْعَلَا الْغَايَةَ مِنْ غَايَةِ أَصْغَرِ الثِّنْتَيْنِ، وَلَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا الْأَدَبُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فِي ابْتِدَاءِ الْإِرْسَالِ وَانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَضِيَّةٍ أَمَرَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَوَّضَهَا إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُتَّبَعَ، وَيُعْمَلَ بِهَا.

[فَصْلٌ مَا يُشْتَرَطُ فِي الرِّهَانِ عَلَى دَابَّتَانِ]

(7915) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي الرِّهَانِ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ، كَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَكَادُ يَسْبِقُ الْفَرَسَ، فَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمُسَابَقَةِ.
وَإِنْ كَانَتَا مِنْ نَوْعَيْنِ، كَالْعَرَبِيِّ وَالْبِرْذَوْنِ، أَوْ الْبُخْتِيِّ وَالْعِرَابِيِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَرْيِ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ، فَأَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَسْبِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، وَالضَّابِطُ الْجِنْسُ وَقَدْ وُجِدَ، وَيَكْفِي فِي الْمَظِنَّةِ احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ، وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ.

[فُصُولٌ فِي الْمُنَاضَلَةِ]

(7916) فُصُولٌ فِي الْمُنَاضَلَةِ: وَهِيَ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ، وَالْمُنَاضَلَةُ، مَصْدَرُ نَاضَلْته نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً، وَسُمِّيَ الرَّمْيُ نِضَالًا؛ لِأَنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا، فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْلِ، فَسُمِّيَ نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً، مِثْلَ قَاتَلْتُهُ قِتَالًا وَمُقَاتَلَةً، وَجَادَلْته جِدَالًا وَمُجَادَلَةً.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَدَدُ، الرَّشْقِ مَعْلُومًا، وَالرِّشْقُ؛ بِكَسْرِ الرَّاءِ: عَدَدُ الرَّمْيِ.
وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ.
وَالرَّشْقُ؛ بِفَتْحِ الرَّاءِ الرَّمْيُ نَفْسُهُ، مَصْدَرُ رَشَقْتُهُ رَشْقًا.
أَيْ رَمَيْت رَمْيًا.
وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ عِلْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْهُولًا لَأَفْضَى إلَى الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُرِيدُ الْقَطْعَ، وَالْآخَرُ يُرِيدُ الزِّيَادَةَ، فَيَخْتَلِفَانِ.

الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْإِصَابَةِ مَعْلُومًا، فَيَقُولَانِ: الرِّشْقُ عِشْرُونَ، وَالْإِصَابَةُ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ، أَوْ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْهَا، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ إصَابَةٍ نَادِرَةٍ، كَإِصَابَةِ جَمِيعِ الرَّشْقِ أَوْ إصَابَةِ تِسْعَةِ أَعْشَارِهِ، وَنَحْوِ هَذَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ.
الثَّالِثُ، اسْتِوَاؤُهُمَا فِي عَدَدِ الرَّشْقِ وَالْإِصَابَةِ، وَصِفَتِهَا، وَسَائِرِ أَحْوَالِ الرَّمْيِ.
فَإِنْ جَعَلَا رَشْقَ أَحَدِهِمَا عَشَرَةً، وَالْآخَرِ عِشْرِينَ، أَوْ شَرَطَا أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً، وَالْآخَرُ ثَلَاثَةً، أَوْ شَرَطَا إصَابَةَ أَحَدِهِمَا خَوَاسِقَ وَالْآخَرِ خَوَاصِلَ، أَوْ شَرَطَا أَنْ يَحُطَّ أَحَدُهُمَا مِنْ إصَابَتِهِ سَهْمَيْنِ، أَوْ يَحُطَّ سَهْمَيْنِ مِنْ إصَابَتِهِ بِسَهْمٍ مِنْ إصَابَةِ صَاحِبِهِ، أَوْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ بُعْدٍ، وَالْآخَرُ مِنْ قُرْبٍ، أَوْ أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا وَبَيْنَ أَصَابِعِهِ سَهْمٌ، وَالْآخَرُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ سَهْمَانِ، أَوْ أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا وَعَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ وَالْآخَرُ خَالٍ عَنْ شَاغِلٍ، أَوْ أَنْ يَحُطَّ عَنْ أَحَدِهِمَا وَاحِدًا مِنْ خَطَئِهِ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا تَفُوتُ بِهِ الْمُسَاوَاةُ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَالْغَرَضُ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ، وَزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِيهِ، وَمَعَ التَّفَاضُلِ لَا يَحْصُلُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا لِكَثْرَةِ رَمْيِهِ لَا لِحِذْقِهِ، فَاعْتُبِرَتْ الْمُسَاوَاةُ، كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ.
الرَّابِعُ، أَنْ يَصِفَا الْإِصَابَةَ، فَيَقُولَانِ: خَوَاصِلُ.
وَهُوَ الْمُصِيبُ لِلْغَرَضِ كَيْفَمَا كَانَ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ خَصَلْت مُنَاضِلِي خَصْلَةً وَخُصَلًا.
وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْقَرَعَ.
وَالْقَرْطَسَةَ، يُقَالُ: قَرْطَسَ.
إذَا أَصَابَ.
أَوْ حَوَابِي.
وَهُوَ مَا وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْ الْغَرَضِ، ثُمَّ وَثَبَ إلَيْهِ.
وَمِنْهُ يُقَالُ: حَبَا الصَّبِيُّ.
أَوْ خَوَاصِرُ.
وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْغَرَضِ، وَمِنْهُ قِيلَ: الْخَاصِرَةُ.
لِأَنَّهَا فِي جَانِبِ الْإِنْسَانِ.
أَوْ خَوَارِقُ.
وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
أَوْ خَوَاسِقُ وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ، وَثَبَتَ فِيهِ.
أَوْ مَوَارِقُ.
وَهُوَ مَا أَنْفَذَ الْغَرَضَ، وَوَقَعَ مِنْ وَرَائِهِ.
أَوْ خَوَازِمُ.
وَهُوَ مَا خَزَمَ جَانِبَ الْغَرَضِ.
وَإِنْ شَرَطَا الْخَوَاسِقَ وَالْحَوَابِيَ مَعًا، صَحَّ.
الْخَامِسُ، قَدْرُ الْغَرَضِ، وَالْغَرَضُ هُوَ مَا يُقْصَدُ إصَابَتُهُ مِنْ قِرْطَاسٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ قَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُسَمَّى غَرَضًا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ، وَيُسَمَّى شَارَةً وَشَنًّا.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَا نُصِبَ فِي الْهَدَفِ فَهُوَ الْقِرْطَاسُ، وَمَا نُصِبَ فِي الْهَوَاءِ فَهُوَ الْغَرَضُ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُهُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ، أَوْ بِتَقْدِيرِهِ بِشِبْرٍ أَوْ شِبْرَيْنِ، بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَعَتِهِ وَضِيقِهِ.
السَّادِسُ.
مَعْرِفَةُ الْمَسَافَةِ؛ إمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ، أَوْ بِالذُّرْعَانِ، فَيَقُولُ: مِائَةَ ذِرَاعٍ؛ أَوْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِقُرْبِهَا وَبُعْدِهَا، وَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَا مَسَافَةً بَعِيدَةً تَتَعَذَّرُ الْإِصَابَةُ فِي مِثْلِهَا، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَفُوتُ بِذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَا رَمَى إلَى أَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَّا عُقْبَهُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

السَّابِعُ، تَعْيِينُ الرُّمَاةِ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ الْإِبْهَامِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةٌ حِذْقِ الرَّامِي بِعَيْنِهِ، لَا مَعْرِفَةُ حِذْقِ رَامِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلَوْ عَقَدَ اثْنَانِ نِضَالًا عَلَى أَرْبَعٍ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةٌ، لَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْقَوْسِ وَالسِّهَامِ، وَلَوْ عَيَّنَهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ، وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ إلَّا بِالرَّامِي، لَا بِاخْتِلَافِ الْقَوْسِ وَالسِّهَامِ.
وَفِي الرِّهَانِ يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُسَابَقُ بِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الْفَرَسِ، لَا حِذْقِ الرَّاكِبِ.
وَكُلُّ مَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ، إذَا تَلِفَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَانْفَسَخَ بِتَلَفِ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ حِذْقِ الرَّامِي، أَوْ عَدْوِ الْفَرَسِ، وَقَدْ فَاتَتْ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ، وَلَا يُعْرَفُ حِذْقُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ، يَجُوزُ إبْدَالُهُ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا تَلِفَ، قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ.
فَإِنْ شَرَطَا أَنْ لَا يَرْمِيَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَوْسِ، وَلَا بِغَيْرِ هَذَا السَّهْمِ، أَوْ لَا يَرْكَبَ غَيْرُ هَذَا الرَّاكِبِ فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَشْبَهَتْ مَا إذَا شَرْطَ إصَابَةً بِإِصَابَتَيْنِ.
الثَّامِنُ، أَنْ تَكُونَ الْمُسَابَقَةُ فِي الْإِصَابَةِ.
وَلَوْ قَالَا: السَّبَقُ لِأَبْعَدِنَا رَمْيًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الرَّمْيِ الْإِصَابَةُ.
لَا بُعْدُ الْمَسَافَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّمْيِ إمَّا قَتْلُ الْعَدُوِّ، أَوْ جَرْحُهُ، أَوْ الصَّيْدُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَكُلُّ هَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْإِصَابَةِ، لَا مِنْ الْإِبْعَادِ.

[فَصْلٌ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ]

(7917) فَصْلٌ: وَالْمُنَاضَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، تُسَمَّى الْمُبَادَرَةَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَا: مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَهُوَ السَّابِقُ.
فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إلَيْهَا مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الرَّشْقِ، فَقَدْ سَبَقَ.
فَإِذَا رَمَيَا عَشَرَةً عَشَرَةً، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسًا، وَلَمْ يُصِبْ الْآخَرُ خَمْسًا، فَالْمُصِيبُ خَمْسًا هُوَ السَّابِقُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ إلَى خَمْسٍ، وَسَوَاءٌ أَصَابَ الْآخَرُ أَرْبَعًا، أَوْ مَا دُونَهَا، أَوْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا، وَلَا حَاجَةَ إلَى إتْمَامِ الرَّشْقِ؛ لِأَنَّ السَّبْقَ قَدْ حَصَلَ بِسَبْقِهِ إلَى مَا شَرَطَا السَّبْقَ إلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَشْرِ خَمْسًا، فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا وَلَا يُكْمِلَانِ الرَّشْقَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ قَدْ حَصَلَتْ، وَاسْتَوَيَا فِيهَا، فَإِنْ رَمَى أَحَدُهُمَا عَشْرًا فَأَصَابَ خَمْسًا، وَرَمَى الْآخَرُ تِسْعًا فَأَصَابَ أَرْبَعًا، لَمْ يُحْكَمْ بِالسَّبْقِ وَلَا بِعَدَمِهِ، حَتَّى يَرْمِيَ الْعَاشِرَ، فَإِنْ أَخْطَأَ بِهِ، فَقَدْ سَبَقَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَصَابَ بِهِ، فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ مِنْ التِّسْعَةِ إلَّا ثَلَاثًا، فَقَدْ سَبَقَهُ الْأَوَّلُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى رَمْيِ الْعَاشِرِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُصِيبُ بِهِ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مَسْبُوقًا.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَقُولَ: أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِإِصَابَةٍ أَوْ إصَابَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً، فَقَدْ سَبَقَ.
وَيُسَمَّى مُفَاضَلَةً وَمُحَاطَّةً؛ لِأَنَّ مَا تَسَاوَيَا فِيهِ مِنْ الْإِصَابَةِ مَحْطُوطٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.
وَيَلْزَمُ إكْمَالُ الرَّشْقِ؛ إذَا كَانَ فِي إتْمَامِهِ فَائِدَةٌ، فَإِذَا قَالَا: أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِثَلَاثٍ، فَهُوَ سَابِقٌ.
فَرَمَيَا اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَمْيَةً، فَأَصَابَهَا أَحَدُهُمَا،

وَأَخْطَأَهَا الْآخَرُ كُلَّهَا، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُ الرَّشْقِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ الْآخَرُ الثَّمَانِيَ الْبَاقِيَةَ، يَحُطُّهَا الْأَوَّلُ، وَلَا يَخْرُجُ الْأَوَّلُ بِهَذَا عَنْ كَوْنِهِ سَابِقًا.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ إنَّمَا أَصَابَ مِنْ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَشْرًا، لَزِمَهُمَا أَنْ يَرْمِيَا الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، فَإِنْ أَصَابَاهَا، أَوْ أَخْطَآ، أَوْ أَصَابَهَا الْأَوَّلُ وَحْدَهُ.
فَقَدْ سَبَقَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إتْمَامِ الرَّشْقِ، فَإِنْ أَصَابَهَا الْآخَرُ، وَأَخْطَأَهَا الْأَوَّلُ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَرْمِيَا الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْحَكَمُ فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا كَالْحُكْمِ فِي الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ، وَأَنَّهُ مَتَى أَصَابَاهَا، أَوْ أَخْطَآ، أَوْ أَصَابَهَا الْأَوَّلُ، فَقَدْ سَبَقَ، وَلَا يَرْمِيَانِ مَا بَعْدَهَا.
وَإِنْ أَصَابَهَا الْآخَرُ وَحْدَهُ، رَمَيَا مَا بَعْدَهَا.
وَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ فِي إتْمَامِ، الرَّشْقِ فَائِدَةٌ لِأَحَدِهِمَا لَزِمَ إتْمَامُهُ، وَإِنْ يَئِسَ مِنْ الْفَائِدَةِ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ الْعَدَدِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا بِهِ صَاحِبَهُ، أَوْ يُسْقِطَ أَحَدُهُمَا بِهِ سَبْقَ صَاحِبِهِ، لَزِمَ الْإِتْمَامُ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِذَا كَانَ السَّبْقُ يَحْصُلُ بِثَلَاثِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ، فَرَمَيَا ثَمَانِي عَشْرَةَ، فَأَخْطَآهَا، أَوْ أَصَابَاهَا، أَوْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ فِيهَا، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُ الرَّشْقِ لِأَنَّ؛ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا هَاتَيْنِ الرَّمْيَتَيْنِ، وَيُخْطِئَهُمَا الْآخَرُ، وَلَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَضَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِخَمْسِ إصَابَاتٍ فَمَا زَادَ، لَمْ يَلْزَمْ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الْآخَرِ بِالسَّهْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ لَا يُخْرِجُ الْآخَرَ عَنْ كَوْنِهِ فَاضِلًا بِثَلَاثِ إصَابَاتٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْهُ إلَّا بِأَرْبَعٍ، رَمَيَا السَّهْمَ الْآخَرَ، فَإِنْ أَصَابَهُ الْمَفْضُولُ وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِمَا رَمْيُ الْآخَرِ فَإِنْ أَصَابَهُ الْمَفْضُولُ أَيْضًا، سَقَطَ سَبْقُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أَخْطَآ فِي أَحَدِ السَّهْمَيْنِ، أَوْ أَصَابَ الْأَوَّلُ فِي أَحَدِهِمَا، فَهُوَ سَابِقٌ.
فَصْلٌ: الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَا: أَيُّنَا أَصَابَ خَمْسًا مِنْ عِشْرِينَ، فَهُوَ سَابِقٌ.
فَمَتَى أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسًا مِنْ الْعِشْرِينَ، وَلَمْ يُصِبْهَا الْآخَرُ، فَالْأَوَّلُ سَابِقٌ، وَإِنْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا، أَوْ لَمْ يُصِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَمْسًا، فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا.
وَهَذِهِ فِي مَعْنَى الْمُحَاطَّةِ، فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ إتْمَامُ الرَّشْقِ مَا كَانَ فِي إِتْمَامِهِ فَائِدَة، فَإِذَا خَلَا عَنْ الْفَائِدَةِ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ.
وَمَتَى أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمَا سَابِقٌ.
إنْ رَمَيَا سِتَّ عَشْرَةَ رَمْيَةً، وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ، وَلَا سَابِقَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا الْأَرْبَعَةَ كُلَّهَا، وَلَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّمْيِ، هَلْ هُوَ مُبَادَرَةٌ أَوْ مُحَاطَّةٌ أَوْ مُفَاضَلَةٌ؟ لِأَنَّ غَرَضَ الرُّمَاةِ يَخْتَلِفُ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ تَكْثُرُ إصَابَتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الِانْتِهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِالْعَكْسِ، فَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ، لِيُعْلَمَ مَا دَخَلَ فِيهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى النِّضَالِ الْمُبَادَرَةُ، وَأَنَّ مَنْ بَادَرَ إلَى الْإِصَابَةِ فَهُوَ السَّابِقُ؛ فَإِنَّهُ إذَا شُرِطَ أَنَّ السَّبْقَ لِمَنْ أَصَابَ خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَسَبَقَ إلَيْهَا وَاحِدٌ، فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.

[فَصْل شَرَطَا إصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنْ الْهَدَفِ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ مَا قَرُبَ مِنْ إصَابَةِ أَحَدِهِمَا مَا بَعُدَ مِنْ إصَابَةِ الْآخَرِ]

(7919) فَصْلٌ فَإِنْ شَرَطَا إصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنْ الْهَدَفِ، عَلَى أَنْ يَسْقُطَ مَا قَرُبَ مِنْ إصَابَةِ أَحَدِهِمَا مَا بَعُدَ مِنْ إصَابَةِ الْآخَرِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ فَضَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا شَرَطَاهُ، كَانَ سَابِقًا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمُحَاطَّةِ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ شِبْرٌ، وَأَصَابَ الْآخَرُ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ، أَسْقَطَ الْأَوَّلَ، وَأَنْ أَصَابَ الْأَوَّلُ الْغَرَضَ، أَسْقَطَ الثَّانِيَ، فَإِنْ أَصَابَ الثَّانِي الدَّائِرَةَ الَّتِي فِي الْغَرَضِ، لَمْ يُسْقِطْ بِهِ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ لِلْإِصَابَةِ، فَلَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إذَا أَصَابَاهُ جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا ذَلِكَ.
وَإِنْ شَرَطَا إنْ يَحْسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَاسِقَهُ بِإِصَابَتَيْنِ، جَازَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَفْضُلْ صَاحِبَهُ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ اسْتَوَيَا.

[فَصْلٌ مَا هِيَ السُّنَّةُ فِي الرَّمْيِ بَيْن الْمُتَسَابِقِينَ]

(7920) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ يَرْمِيَانِ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ يَمْضِيَانِ إلَيْهِ، فَيَأْخُذَانِ السِّهَامَ يَرْمِيَانِ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ فِعْلَ أَصْحَابِ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ، الْجَنَّةِ» وَقَالَ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: رَأَيْت حُذَيْفَةَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ يَقُولُ: أَنَا بِهَا، أَنَا بِهَا.
فِي قَمِيصٍ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَالْهَدَفُ مَا يُنْصَبُ الْغَرَضُ عَلَيْهِ؛ إمَّا تُرَابٌ مَجْمُوعٌ، وَإِمَّا حَائِطٌ.
وَيُرْوَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ، يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا.
فَإِنْ جَعَلُوا غَرَضًا وَاحِدًا، جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ، وَهُوَ عَادَةُ أَهْلِ عَصْرِنَا.
وَلَا بُدَّ فِي الْمُنَاضَلَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ أَحَدُهُمَا بِالرَّمْيِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ رَمَيَا مَعًا، أَفْضَى إلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَمْ يُعْرَفْ الْمُصِيبُ مِنْهُمَا.
فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ أَجْنَبِيًّا، قُدِّمَ مَنْ يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَتَشَاحَّا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَأَيُّهُمَا كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ فَبَدَرَهُ الْآخَرُ فَرَمَى، لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِسَهْمِهِ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ.
وَإِذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ، بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي، تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ شَرَطَا الْبُدَاءَةَ لِأَحَدِهِمَا فِي كُلِّ الْوُجُوهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُنَاضَلَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَهَذَا تَفَاضُلٌ، فَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمَا، جَازَ؛ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْإِصَابَةِ، وَلَا فِي تَجْوِيدِ الرَّمْيِ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَبْدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ، جَازَ؛ لِتَسَاوِيهِمَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الْبُدَاءَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرْنَا غَيْرَ لَازِمٍ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَجْوِيدِ رَمْيٍ، وَلَا كَثْرَةِ إصَابَةٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ الرُّمَاةِ يَخْتَارُ التَّأَخُّرَ عَلَى الْبِدَايَةِ، فَيَكُونُ وُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ كَعَدَمِهِ.
إذَا رَمَى الْبَادِئُ بِسَهْمٍ، رَمَى الثَّانِي بِسَهْمٍ كَذَلِكَ، حَتَّى يَقْضِيَا رَمْيَهُمَا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُنَاضَلَةِ يَقْتَضِي الْمُرَاسَلَةَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى التَّسَاوِي، وَأَنْجَزُ لِلرَّمْيِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُصْلِحُ قَوْسَهُ وَيَعْدِلُ

سَهْمَهُ، حَتَّى يَرْمِيَ الْآخَرُ.
وَإِنْ رَمَيَا بِسَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ، فَحَسَنٌ، وَهُوَ الْعَادَةُ بَيْنَ الرُّمَاةِ فِيمَا رَأَيْنَا.
وَإِنْ اشْتَرَطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا رَشْقًا، ثُمَّ يَرْمِيَ الْآخَرُ، أَوْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا عَدَدًا، ثُمَّ يَرْمِيَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الْمُنَاضَلَةِ، وَإِنْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْبَيْعِ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ مِنْ النُّقُودِ وَالْخِيَارِ وَالْأَجَلِ لِمَا كَانَ غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ الْمَقْصُودِ.

[فَصْلٌ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا أَرْشَاقًا كَثِيرَةً]

(7921) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا أَرْشَاقًا كَثِيرَةً، جَازَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ عَلَى الْقَلِيلِ، جَازَ عَلَى الْكَثِيرِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً.
ثُمَّ إنْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ فِي هَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا قَدْ يَضْعُفُ عَنْ الرَّمْيِ كُلِّهِ مَعَ حِذْقِهِ.
وَإِنْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ، جَازَ وَحُمِلَ عَلَى التَّعْجِيلِ وَالْحُلُولِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ، فَيَرْمِيَانِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ، إلَّا أَنْ يَعْرِضَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ رِيحٍ أَوْ تَشَوُّشِ السِّهَامِ، أَوْ لِحَاجَتِهِ إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ الْمَطَرُ فَإِنَّهُ يُرْخِي الْوَتَرَ، وَيُفْسِدُ الرَّشْقَ إذَا جَاءَ اللَّيْلُ تَرَكَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُ الرَّمْيِ بِاللَّيْلِ، فَحُمِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا الرَّمْيَ لَيْلًا، فَيَأْخُذَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً، مُنِيرَةً، اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا رَمَيَا فِي ضَوْءِ شَمْعَةٍ أَوْ مِشْعَلٍ.
وَإِنْ عَرَضَ عَارِضٌ يَمْنَعُ الرَّمْيَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ كُسِرَ قَوْسٌ، أَوْ قُطِعَ وَتَرٌ، أَوْ انْكَسَرَ سَهْمٌ، جَازَ إبْدَالُهُ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، أُخِّرَ الرَّمْيُ حَتَّى يَزُولَ الْعَارِضُ.

[فَصْلٌ أَرَادَ أَحَدُهُمَا فِي السَّبَقِ التَّطْوِيلَ وَالتَّشَاغُلَ عَنْ الرَّمْيِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ]

(7922) فَصْلٌ: فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا التَّطْوِيلَ، وَالتَّشَاغُلَ عَنْ الرَّمْيِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، مِنْ مَسْحِ الْقَوْسِ وَالْوَتَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، إرَادَةَ التَّطْوِيلِ عَلَى صَاحِبِهِ، لَعَلَّهُ يَنْسَى الْقَصْدَ الَّذِي أَصَابَ بِهِ، أَوْ يَفْتُرُ، مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَطُولِبَ بِالرَّمْيِ، وَلَا يُدْهَشُ بِالِاسْتِعْجَالِ بِالْكُلِّيَّةِ، بِحَيْثُ يُمْنَعُ مِنْ تَحَرِّي الْإِصَابَةِ.
وَيُمْنَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يَغِيظُ بِهِ صَاحِبَهُ، مِثْلُ أَنْ يَرْتَجِزَ، وَيَفْتَخِرَ، وَيَتَبَجَّحَ بِالْإِصَابَةِ، وَيُعَنِّفَ صَاحِبَهُ عَلَى الْخَطَأِ، أَوْ يُظْهِرَ لَهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ.
وَهَكَذَا الْحَاضِرُ مَعَهُمَا، مِثْلُ الْأَمِيرِ وَالشَّاهِدَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، يُكْرَهُ لَهُمْ مَدْحُ الْمُصِيبِ، وَزَهْزَهَتُهُ، وَتَعْنِيفُ الْمُخْطِئِ وَزَجْرُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ قَلْبِ أَحَدِهِمَا وَغَيْظَهُ.

[فَصْل تَشَاحَّا فِي مَوْضِعِ الْوُقُوفِ الْمُتَسَابِقِينَ]

(7923) فَصْلٌ: وَإِذَا تَشَاحَّا فِي مَوْضِعِ الْوُقُوفِ، فَإِنْ كَانَ مَا طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا أَوْلَى، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْمَوْقِفَيْنِ يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، أَوْ رِيحًا يُؤْذِيهِ اسْتِقْبَالُهَا، وَنَحْو ذَلِكَ، وَالْآخَرُ يَسْتَدْبِرُهَا، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ اسْتِدْبَارَهَا؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي شَرْطِهِمَا اسْتِقْبَالُ ذَلِكَ، فَالشَّرْطُ أَمْلَكُ، كَمَا قُلْنَا فِي الرَّمْيِ لَيْلًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَوْقِفَانِ سَوَاءً، كَانَ

ذَلِكَ إلَى الَّذِي لَهُ الْبُدَاءَةُ، فَيَتْبَعُهُ الْآخَرُ، فَإِذَا كَانَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَقَفَ حَيْثُ شَاءَ، وَيَتْبَعُهُ الْأَوَّلُ.

[فَصْل عَقْدُ النِّضَالِ عَلَى جَمَاعَةٍ]

(7924) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ عَقْدُ النِّضَالِ عَلَى جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى أَصْحَابٍ لَهُ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ: ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ.
فَأَمْسَكَ الْآخَرُونَ، وَقَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ؟ قَالَ: ارْمُوا، وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ، جَازَ أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ، وَهَذَا يَحْصُلُ فِي الْجَمَاعَتَيْنِ، فَجَازَ، كَمَا فِي سِبَاقِ الْخَيْلِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ، وَسَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلُّ حِزْبٍ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ.
فَإِنْ عَقَدَ النِّضَالَ جَمَاعَةٌ لِيَتَنَاضَلُوا حِزْبَيْنِ.
فَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ يَجُوزُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، وَقَبْلَ التَّفَاضُلِ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَنْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحِزْبَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا تَفَاضَلُوا، عَقَدُوا النِّضَالَ بَعْدَهُ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، يَجُوزُ الْعَقْدُ قَبْلَ التَّفَاضُلِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا وَقَعَتْ عَلَى الْحُذَّاقِ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ، وَعَلَى الْكَوَادِنِ فِي الْآخَرِ، فَيَبْطُلُ مَقْصُودُ النِّضَالِ، بَلْ يَكُونُ لِكُلِّ حِزْبٍ رَئِيسٌ، فَيَخْتَارُ أَحَدُهُمَا وَاحِدًا، ثُمَّ يَخْتَارُ الْآخَرُ وَاحِدًا كَذَلِكَ، حَتَّى يَتَفَاضَلُوا جَمِيعًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْخِيَارُ إلَى أَحَدِهِمَا فِي الْجَمِيعِ، وَلَا أَنْ يَخْتَارَ جَمِيعَ حِزْبِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَارُ الْحُذَّاقَ كُلَّهُمْ فِي حِزْبِهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ رَئِيسُ الْحِزْبَيْنِ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إلَى حِزْبِهِ، فَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّئِيسَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّسَاوِي.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُبْتَدِئِ بِالْخِيَارِ مِنْهُمَا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَخْتَارُ أَوَّلًا، وَأُخْرِجُ السَّبَقَ، أَوْ يُخْرِجُهُ أَصْحَابِي.
لَمْ يَحُزْ لِأَنَّ السَّبَقَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالسَّبْقِ لَا فِي مُقَابَلَةِ تَفَضُّلِ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ.

[فَصْلٌ أَخْرُجْ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ السَّبَقَ مِنْ عِنْدِهِ فَسَبَقَ حِزْبُهُ]

(7925) فَصْلٌ: وَإِذَا أَخْرَجَ أَحَدُ الزَّعِيمِينَ السَّبَقَ مِنْ عِنْدِهِ، فَسَبَقَ حِزْبُهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى حِزْبِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ دُونَهُمْ.
وَإِنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَكُونُ لِلْحِزْبِ الْآخَرِ بِالسَّوِيَّةِ، مَنْ أَصَابَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، كَمَا أَنَّهُ عَلَى الْحِزْبِ الْآخَرِ بِالسَّوِيَّةِ.
وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ، يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْإِصَابَةِ.
وَلَيْسَ

لِمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالْإِصَابَةِ، فَكَانَ عَلَى قَدْرِهَا، وَاخْتَصَّ بِمَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِينَ فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ؛ لِالْتِزَامِهِمْ لَهُ، وَقَدْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ.
"

[فَصْلٌ كَانَ النِّضَالُ بَيْنَ حِزْبَيْنِ فِي السَّبَّاقِ]

(7926) فَصْلٌ: وَمَتَى كَانَ النِّضَالُ بَيْنَ حِزْبَيْنِ، اُشْتُرِطَ كَوْنُ الرَّشْقِ يُمْكِنُ قَسْمُهُ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ كَسْرٍ، وَيَتَسَاوُونَ فِيهِ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثٌ، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ رُبُعٌ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَقِيَ سَهْمٌ أَوْ أَكْثَرُ، لَا يُمْكِنُ الْجَمَاعَةَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ.

[فَصْلٌ كَانُوا حِزْبَيْنِ فَدَخَلَ مَعَهُمْ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُونَهُ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ الرَّمْي]

(7927) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانُوا حِزْبَيْنِ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُونَهُ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ، وَكَانَ يُحْسِنُ الرَّمْيَ، جَازَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَأُخْرِجَ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ مَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَتِهِ آخَرُ، أَوْ يَخْتَارُ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ وَاحِدًا، وَيَخْتَارُ الْآخَرُ آخَرَ فِي مُقَابَلَتِهِ.
وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْبَاقِينَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَبْطُلُ.
فَلِكُلِّ حِزْبٍ الْخِيَارُ لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِمْ.
وَإِنْ بَانَ رَامِيًا، لَكِنَّهُ قَلِيلُ الْإِصَابَةِ، فَقَالَ حِزْبُهُ: ظَنَنَّاهُ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ، أَوْ لَمْ نَعْلَمْ، أَوْ بَانَ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ.
فَقَالَ الْحِزْبُ الْآخِرُ: ظَنَنَّاهُ قَلِيلَ الْإِصَابَةِ.
لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَكَانَ كَمَنْ عَرَفُوهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ دُخُولِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَقْدِ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ دُونَ الْحِذْقِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ، فَبَانَ حَاذِقًا أَوْ نَاقِصًا فِيهَا، لَمْ يُؤَثِّرْ.

[فَصْل يَقُولُوا نَقْرَعُ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ فَهُوَ السَّابِقُ]

(7928) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولُوا: نُقْرِعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، فَهُوَ السَّابِقُ.
وَلَا أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، فَالسَّبَقُ ﴿عَلَيْهِ﴾ . وَلَا أَنْ يَقُولُوا: نَرْمِي، فَأَيُّنَا أَصَابَ فَالسَّبَقُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ، فَلَا يُسْتَحَقُّ بِالْقُرْعَةِ، وَلَا بِالْإِصَابَةِ، وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ مُقَدَّمَ حِزْبٍ، وَفُلَانٌ مُقَدَّمَ الْآخَرِ، ثُمَّ فُلَانٌ ثَانِيًا مِنْ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ، وَفُلَانٌ ثَانِيًا مِنْ الْحِزْبِ الثَّانِي، كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحِزْبِ يَكُونُ إلَى زَعِيمِهِ، وَلَيْسَ لِلْحِزْبِ الْآخَرِ مُشَارَكَتُهُ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا شَرَطُوهُ كَانَ فَاسِدًا.

[فَصْلٌ تُنَاضِل اثْنَانِ وَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا السَّبَقَ]

(7929) فَصْلٌ: وَإِذَا تَنَاضَلَ اثْنَانِ، وَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا السَّبَقَ، فَقَالَ أَجْنَبِيٌّ: أَنَا شَرِيكُك فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ، إنْ نَضَلَكَ فَنِصْفُ السَّبَقِ عَلَيَّ، وَإِنْ نَضَلْته فَنِصْفُهُ لِي.
لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُتَنَاضِلُونَ ثَلَاثَةً فِيهِمْ مُحَلِّلٌ، فَقَالَ رَابِعٌ لِلْمُسْتَبِقَيْنِ: أَنَا شَرِيكُكُمَا فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ.
كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْغُنْمَ وَالْغُرْمَ إنَّمَا يَكُونَ مِنْ الْمُنَاضِلِ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَرْمِي، فَلَا يَكُونُ لَهُ غُنْمٌ وَلَا غُرْمٌ.
وَلَوْ شَرَطَا فِي النِّضَالِ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ الْمُسْتَبِقُ كَانَ عَلَيْهِ السَّبَقُ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ السَّبَقَ

عَلَى النِّضَالِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى النِّضَالِ، فَكَانَ فَاسِدًا.

[فَصْلٌ فَضَلَ فِي السَّبَّاقِ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ صَاحِبَهُ]

(7930) فَصْلٌ: وَلَوْ فَضَلَ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ صَاحِبَهُ، فَقَالَ الْمَفْضُولُ: اطْرَحْ فَضْلَك، وَأُعْطِيك دِينَارًا.
لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ، وَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْهُ.
وَإِنْ فَسَخَا الْعَقْدَ، وَعَقَدَا عَقْدًا آخَرَ، جَازَ.
وَإِنْ لَمْ يَفْسَخَاهُ، وَلَكِنْ رَمَيَا تَمَامَ الرَّشْقِ، فَتَمَّتْ الْإِصَابَةُ لَهُ مَعَ مَا أَسْقَطَهُ، اسْتَحَقَّ السَّبَقَ، وَرَدَّ الدِّينَارَ إنْ كَانَ أَخَذَهُ.

[فَصْلٌ كَانَ شَرْطُهُمَا الْمُتَسَابِقِينَ حَوَاصِلَ]

(7931) فَصْلٌ: إذَا كَانَ شَرْطُهُمَا حَوَاصِلَ، وَهِيَ الْإِصَابَةُ الْمُطْلَقَةُ، اُعْتُدَّ بِهَا كَيْفَمَا وُجِدَتْ، بِشَرْطِ أَنْ يُصِيبَ بِنَصْلِ السَّهْمِ، فَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ، أَوْ بِفَوْقِهِ، نَحْوَ أَنْ يَنْقَلِبَ السَّهْمُ بَيْنَ يَدَيْ الْغَرَضِ، فَيُصِيبَ فَوْقَهُ الْغَرَضَ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ سَيِّئِ الْخَطَأِ.
وَإِنْ انْقَطَعَ السَّهْمُ قِطْعَتَيْنِ، فَأَصَابَتْ الْقِطْعَةُ الْأُخْرَى، لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ جِلْدًا خِيطَ عَلَيْهِ شَنْبَرٌ كَشَنْبَرِ الْمُنْخُلِ، وَجَعَلَا لَهُ عُرًى وَخُيُوطًا تُعَلَّقُ بِهِ فِي الْعُرَى، فَأَصَابَ الشَّنْبَرَ أَوْ الْعُرَى، نَظَرْت فِي شَرْطِهِمَا؛ فَإِنْ شُرِطَ إصَابَةُ الْغَرَضِ، اُعْتُدَّ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَضِ، فَأَمَّا الْمَعَالِيقُ، وَهِيَ الْخُيُوطُ، فَلَا يُعْتَدُّ لَهُ بِإِصَابَتِهَا عَلَى كِلَا الشَّرْطَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْجِلْدَةِ، وَلَا مِنْ الْغَرَضِ، فَأَشْبَهَ إصَابَةَ الْهَدَفِ.

[فَصْلٌ أَطَارَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي مَوْضِعِهِ]

(7932) فَصْلٌ: وَإِنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا حَوَاصِلَ، اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ فِي مَوْضِعِهِ أَصَابَهُ.
وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ صَلَابَةُ الْهَدَفِ كَصَلَابَةِ الْغَرَضِ، فَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ، اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَكَانَهُ لَثَبَتَ فِيهِ، كَثُبُوتِهِ فِي الْهَدَفِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي، لَمْ يُحْتَسَبْ.
وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ أَصْلَبَ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ، أَوْ كَانَ رِخْوًا، لَمْ يُحْتَسَبْ السَّهْمُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ هَلْ كَانَ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ بَقِيَ مَكَانَهُ أَوَّلًا؟ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِالسَّهْمِ الَّذِي وَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا؟ وَإِنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْغَرَضِ، اُحْتُسِبَ بِهِ عَلَى رَامِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْغَرَضِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ، حُسِبَ عَلَيْهِ أَيْضًا، لَا لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا اتَّفَقَا عَلَى رَمْيِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا أَلْقَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ عَلَى وَجْهِهِ.

[فَصْلٌ رَمْي فَأَخْطَأَ لَعَارِضٍ]

(7933) فَصْلٌ: وَإِذَا رَمَى فَأَخْطَأَ لِعَارِضٍ؛ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ، أَوْ حَيَوَانٍ اعْتَرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرُدُّ

السَّهْمَ عَرْضًا، لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّهْمِ؛ لِأَنَّ خَطَأَهُ لِلْعَارِضِ، لَا لِسُوءِ رَمْيِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ أَصَابَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، وَلِأَنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَصْرِفَ الرَّمْيَ الشَّدِيدَ فَيُخْطِئَ، يَجُوزُ أَنْ تَصْرِفَ السَّهْمَ الْمُخْطِئَ عَنْ خَطَئِهِ فَيَقَعَ مُصِيبًا، فَتَكُونَ إصَابَتُهُ بِالرِّيحِ، لَا بِحِذْقِ رَمْيِهِ.
فَأَمَّا إنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ، فَمَرَقَهُ، وَأَصَابَ الْغَرَضَ حُسِبَ لَهُ؛ لِأَنَّ إصَابَتَهُ لِسَدَادِ رَمْيِهِ، وَمُرُوقَهُ لِقُوَّتِهِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ لَيِّنَةً خَفِيفَةً، لَا تَرُدُّ السَّهْمَ عَادَةً، لَمْ يُمْنَعْ؛ لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو مِنْ رِيحٍ، وَلِأَنَّ الرِّيحَ اللَّيِّنَةَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي الرَّمْيِ الرَّخْوِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.

[فَصْلٌ كَانَ شَرْطُهُمَا الْمُتَسَابِقِينَ خَوَاسِقَ]

(7934) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ، وَالْخَاسِقُ: مَا ثَقَبَ الْغَرَضَ، وَثَبَتَ فِيهِ.
فَمَتَى أَصَابَ الْغَرَضَ بِنَصْلِهِ، وَثَبَتَ فِيهِ، حُسِبَ لَهُ، وَإِنْ خَدَشَهُ وَلَمْ يَثْقُبْهُ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، وَحُسِبَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرَقَ مِنْهُ اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ رَمْيِهِ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْخَاسِقِ، وَإِنْ خَرَقَهُ، وَهُوَ أَنْ يَثْقُبَهُ، وَيَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُحْتَسَبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَقَبَ ثَقْبًا يَصْلُحُ لِلْخَسْقِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ السَّهْمُ لِسَبَبٍ آخَرَ، مِنْ سَعَةِ الثَّقْبِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يُحْتَسَبُ لَهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُمَا الْخَوَاسِقُ، وَالْخَاسِقُ مَا ثَبَتَ، وَثُبُوتُهُ يَكُونُ بِحِذْقِ الرَّامِي، وَقَصْدِهِ بِرَمْيِهِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُ السَّهْمِ مِنْ الثُّبُوتِ لِمُصَادَفَتِهِ مَا يَمْنَعُ الثُّبُوتَ؛ مِنْ حَصَاةٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ عَظْمٍ، أَوْ أَرْضٍ غَلِيظَةٍ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ، لَمْ يُعَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِضَ مَنَعَهُ مِنْ الثُّبُوتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَنَعَهُ عَارِضٌ مِنْ الْإِصَابَةِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعَارِضِ، نَظَرْت، فَإِنْ عُلِمَ مَوْضِعُ الثَّقْبِ بِاتِّفَاقِهِمَا أَوْ بِبَيِّنَةٍ، نُظِرَ فِي الْمَوْضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي، وَلَا يَمِينَ؛ لِأَنَّ الْحَالَ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا ادَّعَاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَوْضِعَ الثَّقْبِ، إلَّا أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ خَرَقَ الْغَرَضَ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَمْنَعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِغَيْرِ يَمِينٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ.
وَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ مَا يَمْنَعُ، وَادَّعَى الْمُصَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ السَّهْمُ فِي مَوْضِعٍ وَرَاءَهُ مَا يَمْنَعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِصَابَةِ مَعَ احْتِمَالِ مَا يَقُولُهُ الْمُصِيبُ.
وَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ خَرَقَ أَيْضًا، فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْل شَرْطًا خَاسِقًا فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي ثَقْبٍ فِي الْغَرَضِ أَوْ مَوْضِعٍ بَالٍ]

فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطًا خَاسِقًا، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي ثَقْبٍ فِي الْغَرَضِ أَوْ مَوْضِعٍ بَالٍ، فَنَقَبَهُ وَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ مُعَلَّقًا فِي الْغَرَضِ نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ صَلِيبًا كَصَلَابَةِ الْغَرَضِ، فَثَبَتَ فِيهِ، حُسِبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ الْغَرَضَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَثَبَتَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ تُرَابًا أُهِيلَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ هَلْ كَانَ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعًا مِنْهُ قَوِيًّا أَوْ لَا.
وَإِنْ صَادَفَ السَّهْمَ فِي ثَقْبٍ فِي الْغَرَضِ قَدْ ثَبَتَ فِي الْهَدَفِ مَعَ قِطْعَةٍ مِنْ الْغَرَضِ،

فَقَالَ الرَّامِي: خُسِقَتْ، وَهَذِهِ الْجِلْدَةُ قَطَعَهَا سَهْمِي لِشِدَّةِ الرَّمْيَةِ.
فَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ، وَقَالَ: بَلْ هِيَ كَانَتْ مَقْطُوعَةً.
فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْغَرَضَ كَانَ صَحِيحًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّامِي، وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا؛ إنْ كَانَ الْهَدَفُ رِخْوًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا صُلْبًا، اُعْتُدَّ بِهِ، وَإِنْ وَقَعَ سَهْمُهُ فِي سَهْمٍ ثَابِتٍ فِي الْغَرَضِ، اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ لَوْلَا فَوْقَ السَّهْمِ الثَّابِتِ لَخَسَقَ.
وَإِنْ أَصَابَ السَّهْمُ، ثُمَّ سَبَحَ عَنْهُ، فَخَسَقَ، اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ ارْمِ هَذَا السَّهْمَ فَإِنْ أَصَبْت بِهِ فَلَكَ دِرْهَمٌ]

(7936) فَصْلٌ: إذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: ارْمِ هَذَا السَّهْمَ، فَإِنْ أَصَبْت بِهِ، فَلَكَ دِرْهَمٌ.
صَحَّ، وَكَانَ جَعَالَةً؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالًا لَهُ فِي فِعْلٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا نِضَالًا؛ لِأَنَّ النِّضَالَ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ عَلَى أَنْ يَرْمُوا جَمِيعًا، وَيَكُونُ الْجُعْلُ لِبَعْضِهِمْ إذَا كَانَ سَابِقًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ أَصَبْت بِهِ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَعَلَيْك دِرْهَمٌ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قِمَارٌ.
وَإِنْ قَالَ: ارْمِ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ، فَإِنْ كَانَ صَوَابُك أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِك، فَلَكَ دِرْهَمٌ.
صَحَّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْجُعْلَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِصَابَةِ الْمَعْلُومَةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعَشَرَةِ أَقَلُّهُ سِتَّةٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَجْهُولٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَقَلِّ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ صَوَابُك أَكْثَرَ، فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْت بِهِ دِرْهَمٌ.
صَحَّ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: ارْمِ عَشَرَةً، وَلَك بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْت بِهِ مِنْهَا دِرْهَمٌ.
أَوْ قَالَ: فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ زَائِدٍ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْمُصِيبَاتِ دِرْهَمٌ.
لِأَنَّ الْجُعْلَ مَعْلُومٌ بِتَقْدِيرِهِ بِالْإِصَابَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ اسْتَقِ لِي مِنْ هَذَا الْبِئْرِ، وَلَك بِكُلِّ دَلْوٍ تَمْرَةٌ.
أَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي، فَلَهُ بِكُلِّ عَبْدٍ دِرْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ: وَإِنْ كَانَ خَطَؤُك أَكْثَرَ، فَعَلَيْك دِرْهَمٌ.
أَوْ نَحْوَ هَذَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ قِمَارٌ.
وَإِنْ قَالَ: ارْمِ عَشَرَةً، فَإِنْ أَخْطَأْتهَا فَعَلَيْك دِرْهَمٌ.
أَوْ نَحْوَ هَذَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْقَابِلِ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا.
وَلَوْ قَالَ الرَّامِي لِأَجْنَبِيٍّ: إنْ أَخْطَأْت، فَلَكَ دِرْهَمٌ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِذَلِكَ.

[فَصْلٌ عَقَدَا النِّضَالَ وَلَمْ يَذْكُرَا قَوْسًا]

(7937) فَصْلٌ: وَإِذَا عَقَدَا النِّضَالَ، وَلَمْ يَذْكُرَا قَوْسًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْقَوْسِ، إمَّا الْعَرَبِيَّةِ، وَإِمَّا الْعَجَمِيَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَا نَوْعَ الْقَوْسِ الَّذِي يَرْمِيَانِ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِالتَّعْيِينِ لِلنَّوْعِ، فَيَجِبُ ذَلِكَ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا يَرْمِيَانِ بِالنُّشَّابِ فِي الِابْتِدَاءِ، صَحَّ، وَيَنْصَرِفُ إلَى الرَّمْيِ بِالْقَوْسِ الْأَعْجَمِيَّةِ؛ لِأَنَّ سِهَامَهَا هُوَ الْمُسَمَّى بِالنُّشَّابِ، وَسِهَامُ الْعَرَبِيَّةِ

يُسَمَّى نَبْلًا.
فَإِنْ عَيَّنَ نَوْعًا مِنْ الْقِسِيِّ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَحْذَقَ بِالرَّمْيِ بِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
وَإِنْ عَيَّنَا قَوْسًا بِعَيْنِهَا، لَمْ تَتَعَيَّنْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَنْكَسِرُ، وَيُحْتَاجُ إلَى إبْدَالِهَا؛ لِأَنَّ الْحِذْقَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَيْنِ الْقَوْسِ، بِخِلَافِ النَّوْعِ.
وَإِنْ تَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَالْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِقَوْسِ الزُّنْبُورِ، وَالْآخَرُ بِقَوْسِ الْجَرْخِ، أَوْ قَوْسِ الْحُسْبَانِ، وَهُوَ قَوْسٌ سِهَامُهُ قِصَارٌ، يُجْعَلُ فِي مَجْرًى مِثْلِ الْقَصَبَةِ، ثُمَّ يَرْمِي بِهَا، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَا جِنْسٍ، فَصَحَّتْ الْمُسَابَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا، كَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ.
وَالثَّانِي، لَا تَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْإِصَابَةِ، فَجَرَى مَجْرَى الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ جِنْسَيْنِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ نَوْعَيْ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ.

[فَصْلٌ الرَّمْيِ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ]

(7938) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إبَاحَةُ الرَّمْيِ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ.
وَنَصَّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ رَأَى مَعَ رَجُلٍ قَوْسًا فَارِسِيَّةً، فَقَالَ: أَلْقِهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِرِمَاحِ الْقَنَا، فَبِهَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ الدِّينَ، وَبِهَا يُمَكِّنُ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَلَنَا، انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الرَّمْيِ بِهَا، وَإِبَاحَةِ حَمْلِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَازَ فِي أَكْثَرِ الْأَعْصَارِ، وَهِيَ الَّتِي يَحْصُلُ الْجِهَادُ بِهَا فِي عَصْرِنَا وَأَكْثَرِ الْأَعْصَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَعَنَهَا لِأَنَّ حَمَلَتَهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الْعَجَمُ، وَلَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا بَعْدُ، وَمَنَعَ الْعَرَبَ مِنْ حَمْلِهَا لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا، وَلِهَذَا أَمَرَ بِرِمَاحِ الْقَنَا، وَلَوْ حَمَلَ إنْسَانٌ رُمْحًا غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا.
وَحَكَى أَحْمَدُ، أَنَّ قَوْمًا اسْتَدَلُّوا عَلَى الْقِسِيِّ الْفَارِسِيَّةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] . يَعْنِي أَنَّ هَذَا مِمَّا اسْتَطَاعَهُ مِنْ الْقُوَّةِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ.

[مَسْأَلَةٌ الْجُنُبُ فِي السَّبَقِ]

(7939) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إذَا أُرْسِلَ الْفُرْسَانُ أَنْ يُجَنِّبَ أَحَدُهُمَا إلَى فَرَسِهِ فَرَسًا، يُحَرِّضُهُ عَلَى الْعَدْوِ، وَلَا يَصِيحُ بِهِ وَقْتَ سِبَاقِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا جَنَبَ وَلَا جَلَبَ» ) مَعْنَى الْجَنَبِ، أَنْ يُجَنِّبَ الْمُسَابِقُ إلَى فَرَسِهِ فَرَسًا لَا رَاكِبَ عَلَيْهِ، يُحَرِّضُ الَّذِي تَحْتَهُ عَلَى الْعَدْوِ، وَيَحُثُّهُ عَلَيْهِ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يُجَنِّبَ فَرَسًا يَتَحَوَّلُ عِنْدَ الْغَايَةِ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهَا أَقَلَّ كَلَالًا

وَإِعْيَاءً.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كَذَا قِيلَ، وَلَا أَحْسَبُ هَذَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ الَّتِي يُسَابَقُ عَلَيْهَا لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي يَتَحَوَّلُ عَنْهَا، فَمَا حَصَلَ السَّبْقُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الَّتِي يَتَحَوَّلُ إلَيْهَا، فَمَا حَصَلَتْ الْمُسَابَقَةُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْحَلْبَةِ، وَمِنْ شَرْطِ السِّبَاقِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذَا مَتَى احْتَاجَ إلَى التَّحَوُّلِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ، فَرُبَّمَا سُبِقَ بِاشْتِغَالِهِ، لَا سُرْعَةِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الْفَرَسِ فِي الْحَلْبَةِ كُلِّهَا، فَمَتَى كَانَ إنَّمَا يَرْكَبُهُ فِي آخِرِ الْحَلْبَةِ، فَمَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ.
وَأَمَّا الْجَلَبُ، فَهُوَ أَنْ يَتْبَعَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ، يَرْكُضُ خَلْفَهُ، وَيَجْلِبُ عَلَيْهِ، وَيَصِيحُ وَرَاءَهُ، يَسْتَحِثُّهُ بِذَلِكَ عَلَى الْعَدْوِ.
هَكَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَلَبُ وَالْجَنَبُ فِي الرِّهَانِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ كَقَوْلِ مَالِكٍ.
وَحُكِيَ عَنْهُ، أَنَّ مَعْنَى الْجَلَبِ أَنْ يَحْشُرَ السَّاعِي أَهْلَ الْمَاشِيَةِ لِيَصْدُقَهُمْ، قَالَ: فَلَا يَفْعَلْ، لِيَأْتِهِمْ عَلَى مِيَاهِهِمْ فَيَصْدُقَهُمْ.
وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبَ فِي الرِّهَانِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي السِّبَاقِ وَفِي آخِرِهِ: «وَلَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» . وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ، فَلَيْسَ مِنَّا.»

[كِتَاب الْأَيْمَان]

ِ الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا وَثُبُوتِ حُكْمِهَا، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] . الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] . وَأَمَرَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَلِفِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: 53] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: 3] . وَالثَّالِثُ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] . وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي وَاَللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ أَكْثَرُ قَسَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ". ثَبَتَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ، وَثُبُوتِ أَحْكَامِهَا.
وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَوْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
(7940) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ قَاصِدٍ إلَى الْيَمِينِ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» . وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ؟ وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ مُكَلَّفٍ، فَانْعَقَدَتْ، كَيَمِينِ الْمُخْتَارِ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» . وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحّ كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ.

[فَصْلٌ حُكْم الْيَمِينُ مِنْ الْكَافِرِ]

(7941) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْيَمِينُ مِنْ الْكَافِرِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ، سَوَاءٌ حَنِثَ فِي كُفْرِهِ أَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إذَا حَنِثَ بَعْدَ إسْلَامِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ.

وَلَنَا «، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ» . وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَسَمِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] . وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْعِبَادَاتُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فَأَمَّا مَا يَلْزَمُهُ بِنَذْرِهِ أَوْ يَمِينِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَتِهِ.

[فَصْلٌ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاته]

(7942) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصِفَاتِهِ، نَحْوَ أَنْ يَحْلِفَ بِأَبِيهِ، أَوْ الْكَعْبَةِ، أَوْ صَحَابِيٍّ، أَوْ إمَامٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا أَصْلُ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1] . ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: 1] . ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: 1] . «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ السَّائِلِ عَنْ الصَّلَاةِ: أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ، إنْ صَدَقَ» . وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْعُشَرَاءِ: «وَأَبِيك لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَك» . وَلَنَا، مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْرَكَهُ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . قَالَ عُمَرُ: فَمَا حَلَفْت بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، ذَاكِرًا وَلَا آثَرَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
يَعْنِي وَلَا حَاكِيًا لَهَا عَنْ غَيْرِي.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ حَلَفَ إنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ كَذَبَ، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَأَمَّا قَسَمُ اللَّهِ بِمَصْنُوعَاتِهِ، فَإِنَّمَا أَقْسَمَ بِهِ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَلِلَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا وَجْهَ لِلْقِيَاسِ عَلَى إقْسَامِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِي إقْسَامِهِ إضْمَارَ الْقَسَمِ بِرَبِّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: 1] . أَيْ وَرَبِّ الضُّحَى.

وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ إنَّ صَدَقَ ". فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ، فَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ فَلَمْ يَقُولُوهَا فِيهِ.
وَحَدِيثُ أَبِي الْعُشَرَاءِ، قَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ كَانَ يَثْبُتُ.
يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي إبَاحَةِ الذَّبْحِ فِي الْفَخِذِ.
ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَدْ كَانَ يَحْلِفُ بِهَا كَمَا حَلَفَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نُهِيَ عَنْ الْحَلِفِ بِهَا، وَلَمْ يَرِدْ بَعْدَ النَّهْيِ إبَاحَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ، وَهُوَ يَرْوِي الْحَدِيثَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَمَا حَلَفْت بِهَا ذَاكِرًا، وَلَا آثَرَا.
ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ حَلَفَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ سَيِّئَةٌ، وَالْحَسَنَةُ تَمْحُو السَّيِّئَةَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا عَمِلْت سَيِّئَةً، فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا» . وَلِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ عَظَّمَ غَيْرَ اللَّهِ تَعْظِيمًا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلِهَذَا سُمِّيَ شِرْكًا؛ لِكَوْنِهِ أَشْرَكَ غَيْرَ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي تَعْظِيمِهِ بِالْقَسَمِ بِهِ، فَيَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
تَوْحِيدًا لِلَّهِ - تَعَالَى، وَبَرَاءَةً مِنْ الشِّرْكِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَلْيَقُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.

[فَصْلٌ الْإِفْرَاطُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى]

(7943) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: 10] . وَهَذَا ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ فِعْلِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يُوجِبُ كَرَاهَتَهُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْأَيْمَانُ كُلُّهَا مَكْرُوهَةٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] . وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْلِفُ كَثِيرًا، وَقَدْ كَانَ يَحْلِفُ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ أَيْمَانًا كَثِيرَةً، وَرُبَّمَا كَرَّرَ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ «قَالَ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ: وَاَللَّهِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا.
وَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، مَعَهَا أَوْلَادُهَا، فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ.
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا» . وَلَوْ كَانَ هَذَا مَكْرُوهًا، لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.
وَلِأَنَّ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَعْظِيمٌ لَهُ، وَرُبَّمَا ضَمَّ إلَى يَمِينِهِ وَصْفَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَيَكُونُ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا فَعَلْت كَذَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَا إنَّهُ قَدْ كَذَبَ، وَلَكِنْ قَدْ غُفِرَ لَهُ بِتَوْحِيدِهِ» . وَأَمَّا الْإِفْرَاطُ فِي الْحَلِفِ، فَإِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ الْكَذِبِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] . فَمَعْنَاهُ لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاَللَّهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ بِرًّا وَلَا تَقْوَى وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَمْتَنِعَ مِنْ فِعْلِهِ، لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَحْنَثَ فِيهَا، فَنُهُوا عَنْ الْمُضِيِّ فِيهَا.
قَالَ أَحْمَدُ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادِهِ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] : الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَصِلَ قَرَابَتَهُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ لَهُ مَخْرَجًا فِي التَّكْفِيرِ، فَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْتَلَّ بِاَللَّهِ، فَلِيُكَفِّرْ، وَلْيَبَرَّ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ يَسْتَلِجَّ أَحَدُكُمْ فِي يَمِينِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك.
وَقَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَادَ إلَى الْيَمِينِ، فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، لَا عَلَى كُلِّ يَمِينٍ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لَهُمْ إذًا.

[فَصْلٌ وَالْأَيْمَانُ تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ]

(7944) فَصْلٌ: وَالْأَيْمَانُ تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، وَاجِبٌ، وَهِيَ الَّتِي يُنْجِي بِهَا إنْسَانًا مَعْصُومًا مِنْ هَلَكَةٍ، كَمَا رُوِيَ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ:

خَرَجْنَا نُرِيدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا، وَحَلَفْت أَنَا أَنَّهُ أَخِي، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَدَقْت، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
فَهَذَا وَمِثْلُهُ وَاجِبٌ لِأَنَّ إنْجَاءَ الْمَعْصُومِ وَاجِبٌ، وَقَدْ تَعَيَّنَ فِي الْيَمِينِ، فَيَجِبُ، وَكَذَلِكَ إنْجَاءُ نَفْسِهِ، مِثْلُ أَنْ تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ.
الثَّانِي، مَنْدُوبٌ، وَهُوَ الْحَلِفُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ؛ مِنْ إصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ، أَوْ إزَالَةِ حِقْدٍ مِنْ قَلْبِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَالِفِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ دَفْعِ شَرٍّ، فَهَذَا مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالْيَمِينُ مُفْضِيَةٌ إلَيْهِ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ، أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُ إلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ الْمَعَاصِي.
وَالثَّانِي، لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، وَلَا حَثَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا عَلَيْهِ، وَلَا نَدَبَهُ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَاعَةً لَمْ يُخِلُّوا بِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ النَّذْرِ، وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ، الْمُبَاحُ، مِثْلُ الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ، وَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءِ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] . وَمِنْ صُورِ اللَّغْوِ قَوْلُهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَيَبِينُ بِخِلَافِهِ.
فَأَمَّا الْحَلِفُ عَلَى الْحُقُوقِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
ذَكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إلَى عُمَرَ، فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ، فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ، فَرَدَّهَا عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَك.
فَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ، وَلَمْ يَحْلِفْ، فَقَالَ: خِفْت أَنْ يُوَافِقَ قَدَرٌ بَلَاءً، فَيُقَالَ: بِيَمِينِ عُثْمَانَ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ مُبَاحٌ فِعْلُهُ كَتَرْكِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالْحَلِفِ عَلَى الْحَقِّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَمْنَعُكُمْ الْيَمِينُ مِنْ حُقُوقِكُمْ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ فِي يَدِي لَعَصًا.
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، فِي كِتَابِ " قُضَاةِ الْبَصْرَةِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ فِي نَخْلٍ ادَّعَاهُ أُبَيٌّ، فَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَلِمَ يُعْفِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إنْ

عَرَفْت شَيْئًا اسْتَحْقَقْته بِيَمِينِي، وَإِلَّا تَرَكْته، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي، وَمَا لِأُبَيٍّ فِيهِ حَقٌّ.
فَلَمَّا خَرَجَا وَهَبَ النَّخْلَ لِأُبَيٍّ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ الْيَمِينِ؟ فَقَالَ: خِفْت أَنْ لَا أَحْلِفَ، فَلَا يَحْلِفُ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ بَعْدِي، فَيَكُونَ سُنَّةً.
وَلِأَنَّهُ حَلِفُ صِدْقٍ عَلَى حَقٍّ، فَأَشْبَهَ الْحَلِفَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ.
الرَّابِعُ، الْمَكْرُوهُ، وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224] . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَلَفَ لَا يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْإِفْكِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: 22] وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور: 22] أَيْ لَا يَمْتَنِعْ.
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ مَانِعَةٌ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ، أَوْ حَامِلَةٌ عَلَى فِعْلِ الْمَكْرُوهِ، فَتَكُونُ مَكْرُوهَةً.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَأَنْكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: " لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ". فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا.
وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَلْ قَالَ: " أَفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ ". قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ هَذَا، فَإِنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِهَا، لَا تَزِيدُ عَلَى تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ مَا تَرَكَهُ تَطَوُّعٌ، وَقَدْ بَيَّنَهُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: " إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ". وَلِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ إنْ تَضَمَّنَتْ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ، فَقَدْ تَنَاوَلَتْ فِعْلَ الْوَاجِبِ، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِ كُلِّهِ، بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا، وَهَذَا فِي الْفَضْلِ يَزِيدُ عَلَى مَا قَابَلَهُ مِنْ تَرْكِ التَّطَوُّعِ، فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْإِثْبَاتِ بِهَا عَلَى تَرْكِهَا، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ، فَكَيْفَ يُنْكَرُ، وَلِأَنَّ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى هَذِهِ الْيَمِينِ بَيَانَ حُكْمٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ تَرْكَ التَّطَوُّعِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ، وَلَوْ أَنْكَرَ عَلَى الْحَالِفِ، لَحَصَلَ ضِدُّ هَذَا، وَتَوَهَّمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لُحُوقَ الْإِثْمِ بِتَرْكِهِ فَيَفُوتُ الْغَرَضُ.
وَمِنْ قِسْمِ الْمَكْرُوهِ الْحَلِفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَلِفُ مُنْفِقٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقٌ لِلْبَرَكَةِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ، الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ الْحَلِفُ الْكَاذِبُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَمَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: 14] . وَلِأَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ، فَإِذَا كَانَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ، كَانَ أَشَدَّ فِي التَّحْرِيمِ.
وَإِنْ أَبْطَلَ بِهِ حَقًّا، أَوْ اقْتَطَعَ بِهِ مَالَ مَعْصُومٍ، كَانَ أَشَدَّ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77] . وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْحَلِفُ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ؛ فَإِنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، فَكَانَ الْحَلِفُ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَالْوَسِيلَةُ تَأْخُذُ حُكْمَ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ.

[فَصْلٌ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ]

(7945) فَصْلٌ: وَمَتَى كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، كَانَ حَلُّهَا مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ حَلَّهَا بِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَنْدُوبٍ، أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ، فَحَلُّهَا مَكْرُوهٌ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ، فَحَلُّهَا مُبَاحٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ حَلُّهَا مُبَاحًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] ؟ قُلْنَا: هَذَا فِي الْأَيْمَانِ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] إلَى قَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92] . وَالْعَهْدُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَمَعَ الْيَمِينِ أَوْلَى؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: 91] وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] . وَلِهَذَا نَهَى عَنْ نَقْضِ الْيَمِينِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَذَمَّهُمْ عَلَيْهِ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَلَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، فَحَلُّهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي وَاَللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتهَا» . وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَحَلُّهَا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ حَلَّهَا بِفِعْلِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْعَلْهُ]

(7946) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَلَمْ يَفْعَلْهُ، أَوْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْيَمِينُ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، هِيَ الَّتِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْأَفْعَالِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْحِنْثَ مَتَى كَانَ طَاعَةً، لَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً.
وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهَا تَرْكُهَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ.

يَعْنِي فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الْحِنْثِ.
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَلَا إثْمَ فِي الطَّاعَةِ.
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ كَالنَّذْرِ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وَقَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَحَدِيثُهُمْ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَنَا؛ لِأَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ مِنْهُ وَأَثْبَتُ.
ثُمَّ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ لِإِثْمِ الْحَلِفِ، وَالْكَفَّارَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَفَّارَةُ الْمُخَالَفَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحِنْثَ طَاعَةٌ.
قُلْنَا: فَالْيَمِينُ غَيْرُ طَاعَةٍ، فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِلْمُخَالَفَةِ، وَلِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - إذَا حَلَفَ بِهِ وَلَمْ يَبَرَّ يَمِينَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، نَظَرْنَا فِي يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ فَفَعَلَهُ، حَنِثَ، وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَكَانَتْ يَمِينُهُ مُؤَقَّتَةً بِلَفْظِهِ، أَوْ نِيَّتِهِ، أَوْ قَرِينَةِ حَالِهِ، فَفَاتَ الْوَقْتُ، حَنِثَ، وَكَفَّرَ.
وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَالْفِعْلُ مُمْكِنٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْعَلَ فَلَا يَحْنَثُ؛ وَلِهَذَا «قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَّا نَأْتِي الْبَيْتَ، وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: فَأَخْبَرْتُك أَنَّك تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَإِنَّك آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] . وَهُوَ حَقٌّ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى شَيْء فَفَعَلَهُ نَاسِيًا]

(7947) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا.
فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ، إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ.
هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَا حِنْثَ عَلَى النَّاسِي فِي طَلَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] .

وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ

غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ.
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفِي الْيَمِينِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَصْدُ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ قَاصِدًا لِفِعْلِهِ، فَلَزِمَهُ الْحِنْثُ، كَالذَّاكِرِ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ، مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَلَا إثْمَ عَلَى النَّاسِي.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، فَهُوَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ.

[فَصْلٌ فَعَلَهُ غَيْرَ عَالَمٍ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ الْحَلِف]

(7948) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، كَرَجُلٍ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ يَحْسَبُهُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ حَلَفَ إنَّهُ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، فَأَعْطَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ، فَوَجَدَ مَا أَخَذَهُ رَدِيئًا، أَوْ حَلَفَ: لَا بِعْت لِزَيْدٍ ثَوْبًا.
فَوَكَّلَ زَيْدٌ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَبِيعُهُ، فَدَفَعَهُ إلَى الْحَالِفِ، فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، فَهُوَ كَالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ.

[فَصْلٌ الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ]

(7949) فَصْلٌ: وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُلْجَأَ إلَيْهِ، مِثْلَ مَنْ يَحْلِفُ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا.
أَوْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأُخْرِجَ مَحْمُولًا، أَوْ مَدْفُوعًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ.
فَهَذَا لَا يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ دَخَلَ مَرْبُوطًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.
الثَّانِي أَنْ يُكْرَهَ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَتَانِ، كَالنَّاسِي.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، فَوَجَبَ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إكْرَاهٍ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ، كَمَا لَوْ حُمِلَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْكَفَّارَةَ فِي الصَّيْدِ، بَلْ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ]

(7950) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَتَى بِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ) . هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى يَمِينَ الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَعُدُّ مِنْ الْيَمِينِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ لَهَا، الْيَمِينَ الْغَمُوسَ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: هِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَالْبَتِّيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَتْ مِنْهُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُخَالَفَةُ مَعَ الْقَصْدِ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، كَالْمُسْتَقْبِلَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، فَلَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، كَاللَّغْوِ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى مَاضٍ، فَأَشْبَهْت اللَّغْوَ، وَبَيَانُ كَوْنِهَا غَيْرَ مُنْعَقِدَةٍ، أَنَّهَا لَا تُوجِبُ بِرًّا، وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَارَنَهَا مَا يُنَافِيهَا، وَهُوَ الْحِنْثُ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ، كَالنِّكَاحِ الَّذِي قَارَنَهُ الرَّضَاعُ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ إثْمَهَا، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرُوِيَ فِيهِ: «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ لَهُنَّ؛ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَبَهْتُ الْمُؤْمِنِ، وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» . وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلَةِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حَلُّهَا وَالْبِرُّ فِيهَا، وَهَذِهِ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، فَلَا حَلَّ لَهَا.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْحَلِفِ عَلَى فِعْلٍ يَفْعَلُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

[مَسْأَلَةٌ الْكَفَّارَة إنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ عَقْدِ الْيَمِينِ]

(7951) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ عَقْدَ الْيَمِينِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي تَمُرُّ عَلَى لِسَانِهِ فِي عَرَضِ حَدِيثِهِ، مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهَا، لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ.
نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: اللَّغْوُ عِنْدِي أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْيَمِينِ، يَرَى أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَالرَّجُلُ يَحْلِفُ فَلَا يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلَى شَيْءٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ: إنَّ اللَّغْوَ الْيَمِينُ الَّتِي لَا يَعْقِدُ عَلَيْهَا قَلْبَهُ؛ عُمَرُ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْقَاسِمُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ

رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ، يَعْنِي اللَّغْوَ فِي الْيَمِينِ: «هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ، لَا وَاَللَّهِ.
وَبَلَى وَاَللَّهِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ: وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، مَوْقُوفًا.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ، أَيْمَانُ اللَّغْوِ، مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ، وَالْهَزْلِ، وَالْمُزَاحَةِ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَأَيْمَانُ الْكَفَّارَةِ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْأَمْرِ، فِي غَضَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَيَفْعَلَنَّ، أَوْ لَيَتْرُكَنَّ، فَذَلِكَ عَقْدُ الْأَيْمَانِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا الْكَفَّارَةَ.
وَلِأَنَّ اللَّغْوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْكَلَامُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَذَلِكَ.
وَمِمَّنْ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ فِي هَذَا؛ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ.
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] . فَجَعَلَ الْكَفَّارَةَ لِلْيَمِينِ الَّتِي يُؤَاخَذُ بِهَا، وَنَفَى الْمُؤَاخَذَةَ بِاللَّغْوِ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا إيجَابَ الْكَفَّارَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي لَا مَأْثَمَ فِيهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْمُؤَاخَذَةُ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ نَفَاهَا فِي اللَّغْوِ، فَلَا تَجِبُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ، وَبَيَانِ الْأَيْمَانِ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ، خَرَجَ مِنْهَا تَفْسِيرًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ مَقْبُولٌ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ]

(7952) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ، فَلَمْ يَكُنْ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
يُرْوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ.
وَمِمَّنْ قَالَ: هَذَا لَغْوُ الْيَمِينِ.
مُجَاهِدٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ فِي الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ حَقًّا، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، أَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، وَلَيْسَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وُجِدَتْ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، فَأَوْجَبَتْ الْكَفَّارَةَ، كَالْيَمِينِ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] . وَهَذِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهَا كَفَّارَةٌ، كَيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلْمُخَالَفَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَنِثَ نَاسِيًا.
وَفِي الْجُمْلَةِ، لَا كَفَّارَةَ فِي يَمِينٍ عَلَى مَاضٍ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ؛ مَا هُوَ صَادِقٌ فِيهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ إجْمَاعًا.
وَمَا تَعَمَّدَ الْكَذِبَ فِيهِ،

فَهُوَ يَمِينُ الْغَمُوسِ، لَا كَفَّارَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهَا كَفَّارَةٌ.
وَمَا يَظُنُّهُ حَقًّا، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ.
فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، فَمَا عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وَقَصَدَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَالَفَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَمَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا جَرَتْ عَلَى لِسَانِهِ، فَهُوَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ.
وَكَلَامُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهَا قَالَتْ: أَيْمَانُ اللَّغْوِ؛ مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ وَالْمُزَاحَةِ، وَالْهَزْلِ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَأَيْمَانُ الْكَفَّارَةِ؛ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْأَمْرِ، فِي غَضَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَيَفْعَلَنَّ أَوْ لَيَتْرُكَنَّ، فَذَلِكَ عَقْدُ الْأَيْمَانِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهَا الْكَفَّارَةَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، فِي " جَامِعِهِ ": الْأَيْمَانُ أَرْبَعَةٌ؛ يَمِينَانِ يُكَفَّرَانِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ.
فَيَفْعَلُ.
أَوْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ.
ثُمَّ لَا يَفْعَلُ.
وَيَمِينَانِ لَا يُكَفَّرَانِ، أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت.
وَقَدْ فَعَلَ، أَوْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ فَعَلْت.
وَمَا فَعَلَ.

[مَسْأَلَة الْيَمِينُ الْمُكَفِّرَة]

(7953) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْيَمِينُ الْمُكَفَّرَةُ، أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ، أَوْ بِاَللَّهِ، أَوْ تَاللَّهِ.
فَحَنِثَ، أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، يَقُولُونَ: مَنْ حَلَفَ بَاسِمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَحَنِثَ، أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إذَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، الَّتِي لَا يُسَمَّى بِهَا سِوَاهُ.
وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، مَا لَا يُسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ.
وَنَحْوِ هَذَا، فَالْحَلِفُ بِهَذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالثَّانِي، مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مَجَازًا، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ، مِثْلَ الْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَالرَّبِّ، وَالرَّحِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالْقَاهِرِ، وَالْمَلِكِ، وَالْجَبَّارِ.
وَنَحْوِهِ، فَهَذَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ مَجَازًا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17] . ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: 125] . وَقَوْلُهُ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: 50] وَ.
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42] فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ وَقَالَ: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] . وَقَالَ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128] . فَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ أَطْلَقَ، كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
وَإِنْ نَوَى

بِهِ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، فَيَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إلَى مَا نَوَاهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ إذَا قَالَ: وَالرَّبِّ، وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ.
كَانَ يَمِينًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، كَالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ مَعَ التَّعْرِيفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ، فَأَشْبَهَتْ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ.
الثَّالِثُ، مَا يُسَمَّى بِهِ اللَّهُ - تَعَالَى، وَغَيْرُهُ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِإِطْلَاقِهِ، كَالْحَيِّ، وَالْعَالِمِ، وَالْمَوْجُودِ، وَالْمُؤْمِنِ، وَالْكَرِيمِ، وَالشَّاكِرِ.
فَهَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَانَ يَمِينًا، وَإِنْ أَطْلَقَ، أَوْ قَصَدَ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَيَخْتَلِفُ هَذَا الْقِسْمُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ، فَفِي الْأَوَّلِ يَكُونُ يَمِينًا، وَفِي الثَّانِي لَا يَكُونُ يَمِينًا.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَالشَّافِعِيُّ، فِي هَذَا الْقِسْمِ: لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ، فَمَعَ الِاشْتِرَاكِ لَا تَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ، وَالنِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، قَاصِدًا بِهِ الْحَلِفَ بِهِ، فَكَانَ يَمِينًا مُكَفَّرَةً، كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النِّيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ.
نَقُولُ بِهِ، وَمَا انْعَقَدَ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ إنَّمَا انْعَقَدَ بِالِاسْمِ الْمُحْتَمِلِ، الْمُرَادِ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ، كَالْكِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، لِنِيَّتِهِ.

[فَصْلٌ الْقَسَمُ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى]

(7954) فَصْلٌ: وَالْقَسَمُ بِصِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى، كَالْقَسَمِ بِأَسْمَائِهِ.
وَصِفَاتُهُ تَنْقَسِمُ أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، مَا هُوَ صِفَاتٌ لِذَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهَا، كَعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَكَلَامِهِ.
فَهَذِهِ تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَثَرُ بِالْقَسَمِ بِبَعْضِهَا، فَرُوِيَ أَنَّ النَّارَ تَقُولُ: " قَطُّ قَطُّ، وَعِزَّتِك ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ يَقُولُ: " وَعِزَّتِك، لَا أَسْأَلُك غَيْرَهَا ". وَفِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] . الثَّانِي، مَا هُوَ صِفَةٌ لِلذَّاتِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا مَجَازًا، كَعِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهَذِهِ صِفَةٌ لِلذَّاتِ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعْلُومِ وَالْمَقْدُورِ اتِّسَاعًا، كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَك فِينَا.
وَيُقَالُ: اللَّهُمَّ

قَدْ أَرَيْتنَا قُدْرَتَك، فَأَرِنَا عَفْوَك.
وَيُقَالُ: اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ.
أَيْ مَقْدُورِهِ.
فَمَتَى أَقْسَمَ بِهَذَا، كَانَ يَمِينًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إذَا قَالَ: وَعِلْمِ اللَّهِ.
لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمَعْلُومَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَكَانَتْ الْيَمِينُ بِهِ يَمِينًا مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ، كَالْعَظَمَةِ، وَالْعِزَّةِ، وَالْقُدْرَةِ، وَيَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْقُدْرَةِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَلَّمُوهَا، وَهِيَ قَرِينَتُهَا.
فَأَمَّا إنْ نَوَى الْقَسَمَ بِالْمَعْلُومِ، وَالْمَقْدُورِ، اُحْتُمِلَ أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِالِاسْمِ غَيْرَ صِفَةٍ لِلَّهِ، مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ مَا نَوَاهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْقَسَمَ بِمَحْلُوفٍ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا غَيْرُ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ يَمِينًا بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ نِيَّةُ غَيْرِ صِفَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ لِلصِّفَةِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ نِيَّةُ غَيْرِ الصِّفَةِ، كَالْعَظَمَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ، فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُعَرَّفَةِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ، كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، أَنَّهَا تَكُونُ يَمِينًا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْصَرِفُ إلَّا إلَى اسْمِ اللَّهِ، كَذَا هَذَا.
الثَّالِثُ، مَالًا يَنْصَرِفُ بِإِطْلَاقِهِ إلَى صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ يَنْصَرِفُ بِإِضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - لَفْظًا أَوْ نِيَّةً، كَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَالْأَمَانَةِ، وَنَحْوِهِ.
فَهَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا مُكَفَّرَةً إلَّا بِإِضَافَتِهِ أَوْ نِيَّتِهِ.
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ قَالَ وَحَقِّ اللَّه]

(7955) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا كَفَّارَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ طَاعَتُهُ وَمَفْرُوضَاتُهُ، وَلَيْسَتْ صِفَةً لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ لِلَّهِ حُقُوقًا يَسْتَحِقُّهَا لِنَفْسِهِ؛ مِنْ الْبَقَاءِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْجَلَالِ، وَالْعِزَّةِ، وَقَدْ اقْتَرَنَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بِالْحَلِفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَتَنْصَرِفُ إلَى صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: وَقُدْرَةِ اللَّهِ.
وَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ الْقَسَمَ بِمَخْلُوقٍ، فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْحَلِفِ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، إلَّا أَنَّ احْتِمَالَ الْمَخْلُوقِ بِهَذَا اللَّفْظِ أَظْهَرُ.

[فَصْلٌ قَالَ لَعَمْرُ اللَّهِ]

(7956) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُ اللَّهِ.
فَهِيَ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، إنْ قَصَدَ الْيَمِينَ، فَهِيَ يَمِينٌ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ يَمِينًا بِتَقْدِيرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَعَمْرُ اللَّهِ مَا أُقْسِمُ بِهِ.
فَيَكُونُ مَجَازًا، وَالْمَجَازُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْإِطْلَاقُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِ اللَّهِ، فَكَانَ يَمِينًا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، كَالْحَلِفِ بِبَقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَلِفُ بِبَقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَحَيَاتِهِ.
وَيُقَالُ: الْعَمْرُ وَالْعُمُرُ وَاحِدٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَحَقِّ اللَّهِ.
وَقَدْ

ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] . وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَلَا لَعَمْرُ الَّذِي قَدْ زُرْتُهُ حِجَجًا ... وَمَا أُرِيقَ عَلَى الْأَنْصَابِ مِنْ جَسَدِ وَقَالَ آخَرُ: إذَا رَضِيَتْ كِرَامُ بَنِي قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا وَقَالَ آخَرُ: وَلَكِنْ لَعَمْرُ اللَّهِ مَا ظَلَّ مُسْلِمًا ... كَغُرِّ الثَّنَايَا وَاضِحَاتِ الْمَلَاغِمِ وَهَذَا فِي الشِّعْرِ، وَالْكَلَامِ كَثِيرٌ.
وَأَمَّا احْتِيَاجُهُ إلَى التَّقْدِيرِ، فَلَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا اشْتَهَرَ فِي الْعُرْفِ، صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دُونَ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ، عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، وَمَتَى احْتَاجَ اللَّفْظُ إلَى التَّقْدِيرِ، وَجَبَ التَّقْدِيرُ لَهُ، وَلَمْ يَجُزْ اطِّرَاحُهُ، وَلِهَذَا يُفْهَمُ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى نِيَّةِ قَائِلِهِ وَقَصْدِهِ، كَمَا يُفْهَمُ أَنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الْقَسَمُ، وَيُفْهَمُ مِنْ الْقَسَمِ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ فِي أَشْعَارِهِمْ الْقَسَمُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَيُفْهَمُ مِنْ الْقَسَمِ الَّذِي حُذِفَ فِي جَوَابِهِ حَرْفُ " لَا " أَنَّهُ مُقَدَّرٌ مُرَادٌ، كَهَذَا الْبَيْتِ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]-.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 93] . التَّقْدِيرُ، فَكَذَا هَاهُنَا.
وَإِنْ قَالَ: عَمْرَك اللَّهَ كَمَا فِي قَوْلِهِ:

أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَك اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ فَقَدْ قِيلَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: نَشَدْتُك اللَّهَ.
وَلِهَذَا يُنْصَبُ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرِي، أَوْ عَمْرَك.
فَلَيْسَ بِيَمِينٍ؛ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، فِي قَوْلِهِ: لَعَمْرُك: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ مَخْلُوقٍ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَحَيَاتِي.
وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَكُونُ قَسَمًا بِحَيَاةِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الْعَمْرُ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ، لَعَمْرُك قَسَمِي، أَوْ مَا أُقْسِمُ بِهِ، وَالْعَمْرُ: الْحَيَاةُ أَوْ الْبَقَاءُ.

[فَصْلٌ قَالَ وَأَيْمُ اللَّهِ أَوْ وَأَيْمَن اللَّهِ]

(7957) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَيْمُ اللَّهِ، أَوْ وَايُمْن اللَّهِ.
فَهِيَ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْسِمُ بِهِ، وَانْضَمَّ إلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ، فَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ يَمِينٍ، وَحُذِفَتْ النُّونُ فِيهِ فِي الْبَعْضِ تَخْفِيقًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْيَمِينِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَيَمِينُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ.
وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ.

[فَصْلٌ حُرُوفُ الْقَسَمِ]

(7958) فَصْلٌ: وَحُرُوفُ الْقَسَمِ ثَلَاثَةٌ؛ الْبَاءُ، وَهِيَ الْأَصْلُ، وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ جَمِيعًا.
وَالْوَاوُ، وَهِيَ بَدَلٌ مِنْ الْبَاءِ، وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُظْهَرِ دُونَ الْمُضْمَرِ لِذَلِكَ، وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، وَبِهَا جَاءَتْ أَكْثَرُ الْأَقْسَامِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْبَاءُ الْأَصْلَ، لِأَنَّهَا الْحَرْفُ الَّذِي تَصِلُ بِهِ الْأَفْعَالُ الْقَاصِرَةُ عَنْ التَّعَدِّي إلَى مَفْعُولَاتِهَا، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْقَسَمِ، أُقْسِمُ بِاَللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: 109] . وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ، وَتَخْتَصُّ بَاسِمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَهُوَ اللَّهُ، وَلَا تَدْخُلُ عَلَى غَيْرِهِ فَيُقَالُ: تَاللَّهِ.
وَلَوْ قَالَ: تَالرَّحْمَنِ، أَوْ تَالرَّحِيمِ.
لَمْ يَكُنْ قَسَمًا.
فَإِذَا أَقْسَمَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ، كَانَ قَسَمًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَكَلَامِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: 56] . ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 91] . ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 85] . ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: 73] . ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] . وَقَالَ الشَّاعِرُ:

تَاللَّهِ يَبْقَى عَلَى الْأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ ... بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الضَّيَّانُ وَالْآسُ فَإِنْ قَالَ: مَا أَرَدْت بِهِ الْقَسَمَ.
لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فِي الْقَسَمِ، وَاقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْجَوَابُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: تَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ.
إذَا قَالَ: أَرَدْت أَنَّ قِيَامِي بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ.
لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ.
وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحَرْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِمَالِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ بِجَوَابِ الْقَسَمِ، فَيُمْنَعُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ.

[فَصْل أَقْسَمَ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ]

(7959) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقْسَمَ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَقَالَ: اللَّهِ لَأَقُومَنَّ.
بِالْجَرِّ أَوْ النَّصْبِ، كَانَ يَمِينًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ يَمِينًا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ سَائِغٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الشَّرْعِ، فَرُوِيَ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ: آللَّهِ إنَّك قَتَلْته؟ . قَالَ: اللَّهِ إنِّي قَتَلْته» . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَقَالَ لِرُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ: اللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً؟ قَالَ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً» . وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَقَالَ أَيْضًا: فَقَالَتْ يَمِينَ اللَّهِ مَا لَكَ حِيلَةٌ وَقَدْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَيْهِ؛ إحْدَاهُمَا؛ الْجَوَابُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ.
وَالثَّانِي، النَّصْبُ وَالْجَرُّ فِي اسْمِ

اللَّهِ - تَعَالَى؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ يَمِينًا، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ.
وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ.
بِالرَّفْعِ، وَنَوَى الْيَمِينَ، فَهِيَ يَمِينٌ، لَكِنَّهُ قَدْ لَحَنَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهُ.
بِالرَّفْعِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْجَوَابِ بِجَوَابِ الْقَسَمِ كَافِيَةٌ، وَالْعَامِّيُّ لَا يَعْرِفُ الْإِعْرَابَ فَيَأْتِي بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ عُدُولَهُ عَنْ إعْرَابِ الْقَسَمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ قَسَمًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ قَسَمًا فِي غَيْرِهِمْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُجِبْهُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ.

[فَصْلٌ مَا يُجَابُ الْقَسَمُ]

(7960) فَصْلٌ وَيُجَابُ الْقَسَمُ بِأَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ؛ حَرْفَانِ لِلنَّفْيِ، وَهُمَا " مَا " وَ " لَا "، وَحَرْفَانِ لِلْإِثْبَاتِ، وَهُمَا " إنَّ " وَ " اللَّامُ " الْمَفْتُوحَةُ.
وَتَقُومُ " إنْ " الْمَكْسُورَةُ، مَقَامَ " مَا " النَّافِيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: 107] . وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ أَفْعَلُ.
بِغَيْرِ حَرْفٍ، فَالْمَحْذُوفُ هَاهُنَا " لَا "، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 85] أَيْ لَا تَفْتَأُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَاللَّهِ يَبْقَى عَلَى الْأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ وَقَالَ آخَرُ: فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا أَيْ: لَا أَبْرَحُ.

[فَصْلٌ قَالَ لَاهَا اللَّهِ وَنَوَى الْيَمِينَ]

(7961) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: لَاهَا اللَّهِ.
وَنَوَى الْيَمِينَ.
فَهُوَ يَمِينٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي سَلَبَ قَتِيلِ أَبِي قَتَادَةَ: لَاهَا اللَّهِ، إذَا تَعَمَّدَ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُعْطِيك سَلَبَهُ؟ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَدَقَ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ» ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عُرْفٌ وَلَا نِيَّةٌ، وَلَا فِي جَوَابِهِ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَسَمِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

[مَسْأَلَةٌ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِآيَةِ مِنْهُ أَوْ بِكَلَامِ اللَّهِ]

(7962) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (أَوْ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ، أَوْ بِآيَةٍ مِنْهُ، أَوْ بِكَلَامِ اللَّهِ، يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُعْهَدُ الْيَمِينُ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَجَلَالِ اللَّهِ، وَعَظَمَتِهِ.

وَقَوْلُهُمْ: هُوَ مَخْلُوقٌ.
قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ مَعَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: 28] . أَيْ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يُعْهَدُ الْيَمِينُ بِهِ.
فَيَلْزَمُهُمْ قَوْلُهُمْ: وَكِبْرِيَاءِ اللَّهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْحَلِفَ بِآيَةٍ مِنْهُ كَالْحَلِفِ بِجَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.

[فَصْلٌ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ]

(7963) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَحْلِفُ بِالْمُصْحَفِ.
وَلَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ إمَامُنَا، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِالْمُصْحَفِ إنَّمَا قَصَدَ الْحَلِفَ بِالْمَكْتُوبِ فِيهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.

[مَسْأَلَةٌ أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ]

(7964) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (أَوَتَصَدَّقَ بِمِلْكِهِ، أَوْ بِالْحَجِّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، بِأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِهِ شَيْئًا، أَوْ يَحُثَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَدَقَةُ مَالِي، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ.
فَهَذَا يَمِينٌ، حُكْمُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَحْنَثَ، فَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الْمَنْذُورِ، وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَيُسَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ نَذْرُ التَّبَرُّرِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا شَيْءَ فِي الْحَلِفِ بِالْحَجِّ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَالْحَكَمِ: لَا شَيْءَ فِي الْحَلِفِ بِصَدَقَةِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، لِحُرْمَةِ الِاسْمِ، وَهَذَا مَا حَلَفَ بِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا يَجِبُ مَا سَمَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ عَلَى طَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْجُوزَجَانِيُّ، فِي " الْمُتَرْجَمِ ". وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ، أَوْ الْهَدْيِ، أَوْ جَعْلِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي الْمَسَاكِينِ، أَوْ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ يَمِينٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] . وَدَلِيلُ أَنَّهُ يَمِينٌ، أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ، وَيُسَمَّى قَائِلُهُ حَالِفًا، وَفَارَقَ نَذْرَ التَّبَرُّرِ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْبِرَّ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، وَهَا هُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ قُرْبَةً وَلَا بِرًّا، فَأَشْبَهَ الْيَمِينَ مِنْ وَجْهٍ وَالنَّذْرَ مِنْ وَجْهٍ، فَخُيِّرَ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ الْكَفَّارَةُ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ.
وَالْأَوَّلُ أُولَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ فِعْلَ مَا نَذَرَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ، كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ.
وَفَارَقَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِالِاسْمِ الْمُحْتَرَمِ، فَاذًّا خَالَفَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، تَعْظِيمًا لِلِاسْمِ، بِخِلَافِ هَذَا.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالْعَهْدِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (أَوْ بِالْعَهْدِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِالْعَهْدِ، أَوْ قَالَ: وَعَهْدِ اللَّهِ، وَكَفَالَتِهِ.
فَذَلِكَ يَمِينٌ، يَجِبُ تَكْفِيرُهَا إذَا حَنِثَ فِيهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ.
وَحَلَفَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِالْعَهْدِ أَنْ لَا تُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرَ، فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ إذَا ذَكَرَتْهُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَاعْهَدَاهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْعَهْدُ شَدِيدٌ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: 34] . وَيَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إذَا حَلَفَ بِالْعَهْدِ وَحَنِثَ، مَا اسْتَطَاعَ.
وَعَائِشَةُ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، ثُمَّ تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا، وَتَقُولُ: وَاعْهَدَاهُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَمِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ، الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَلَعَلَّهمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْعَهْدَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ الْحَلِفُ بِهِ يَمِينًا، كَمَا لَوْ قَالَ: وَخَلْقِ اللَّهِ.
وَقَدْ وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَأَفْعَلَنَّ.
ثُمَّ حَنِثَ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ.
وَلَنَا، أَنَّ عَهْدَ اللَّهِ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ وَنَهَانَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: 60] . وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ صِفَةٌ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتِحْقَاقُهُ لِمَا تَعَبَّدَنَا بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا بِإِطْلَاقِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَكَلَامِ اللَّهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَأَفْعَلَنَّ.
أَوْ قَالَ: وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ لَأَفْعَلَنَّ.
فَهُوَ يَمِينٌ،

وَإِنْ قَالَ: وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ لَأَفْعَلَنَّ.
وَنَوَى عَهْدَ اللَّهِ، كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَلِفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ إنْ كَانَتْ لِلْعَهْدِ، يَجِبُ أَنْ تَنْصَرِفَ إلَى عَهْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي عُهِدَتْ الْيَمِينُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ وَالثَّانِيَةُ، لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ إلَى ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ، فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا.

[مَسْأَلَةٌ الْحَلِف بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِسْلَامِ]

(7966) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (أَوْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِسْلَامِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْحَلِفِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِسْلَامِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ، إنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنْ الْقُرْآنِ، إنْ فَعَلَ.
أَوْ يَقُولَ: هُوَ يَعْبُدُ الصَّلِيبَ، أَوْ يَعْبُدُك، أَوْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى، إنْ فَعَلَ.
أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ.
يُرْوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا صِفَتِهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَنِي.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى النَّدْبِ، دُونَ الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذَا قَالَ: أَكْفُرُ بِاَللَّهِ، أَوْ أُشْرِكُ بِاَللَّهِ.
فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذَا حَنِثَ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ.
فِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا، فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَقَالَ: «عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَلِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُوجِبُ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ، فَكَانَ الْحَلِفُ يَمِينًا، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، فَإِنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ نَصٌّ، وَلَا هِيَ فِي قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لِاسْمِهِ، وَإِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَلَا تَتَحَقَّقُ التَّسْوِيَةُ.

[فَصْلٌ قَالَ هُوَ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَالزِّنَى إنْ فَعَلَ ثُمَّ حَنِثَ]

(7967) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَالزِّنَى إنْ فَعَلَ.
ثُمَّ حَنِثَ، أَوْ قَالَ: هُوَ يَسْتَحِلُّ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ الصِّيَامِ

أَوْ الزَّكَاةِ.
فَهُوَ كَالْحَلِفِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ ذَلِكَ يُوجِبُ الْكُفْرَ.
وَإِنْ قَالَ: عَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَنِي، أَوْ فِي كُلِّ مَا افْتَرَضَ عَلَيَّ، أَوْ مَحَوْت الْمُصْحَفَ، أَوْ أَنَا أَسْرِقُ، أَوْ أَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إنْ فَعَلْت.
وَحَنِثَ، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا دُونَ الشِّرْكِ، وَإِنْ قَالَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ، أَوْ أَقْطَعَ يَدَهُ، أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ، إنْ فَعَلَ.
ثُمَّ حَنِثَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَاللَّيْثُ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا قَالَ: عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: مَحَوْت الْمُصْحَفَ.
وَإِنْ قَالَ: لَا يَرَانِي اللَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا إنْ فَعَلْت.
وَحَنِثَ.
فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا فِي هَذَا وَمِثْلِهِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ.

[فَصْلٌ الْحَلِفُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ]

(7968) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

[مَسْأَلَةٌ الْحَلِفُ بِتَحْرِيمِ مَمْلُوكِهِ أَوْ شَيْء مِنْ الْمَال]

(7969) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (أَوْ بِتَحْرِيمِ مَمْلُوكِهِ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت.
وَفَعَلَ، أَوْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت.
ثُمَّ فَعَلَ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ كَفَّرَ.
وَإِنْ قَالَ: هَذَا الطَّعَامُ حَرَامٌ عَلَيَّ.
فَهُوَ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِهِ.
وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ،، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِيمَنْ قَالَ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ: يَمِينٌ مِنْ الْأَيْمَانِ، يُكَفِّرُهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ يَمِينٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُهُ.
وَعَنْهُ: إنْ نَوَى طَلَاقًا، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَعَنْ الضَّحَّاكِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالُوا: الْحَرَامُ يَمِينُ طَلَاقٍ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ مَا نَوَى.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ، فَلَغَا مَا قَصَدَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ رَبِيبَتِي.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] إلَى قَوْلِهِ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] . سَمَّى تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ يَمِينًا، وَفَرَضَ لَهُ تَحِلَّةً، وَهِيَ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْت أَنَا وَحَفْصَةُ، أَنَّ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْتَقُلْ: إنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ.
فَدَخَلَ عَلَى

إحْدَانَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا، بَلْ شَرِبْت عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ» . فَنَزَلَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ.
قُلْنَا: مَا ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ صَاحِبَةِ الْقِصَّةِ الْحَاضِرَةِ لِلتَّنْزِيلِ، الْمُشَاهِدَةِ لِلْحَالِ، أَوْلَى، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ لَوْ سَمِعَا قَوْلَ عَائِشَةَ، لَمْ يَعْدِلَا بِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَصِيرَا إلَى غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يُصَارُ إلَى قَوْلِهِمَا، وَيُتْرَكُ قَوْلُهَا؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينًا.
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ، كَانَ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْحَلَالِ الَّذِي حُرِّمَ، وَلَيْسَتْ زَوْجَةً، فَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِتَحْرِيمِهَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ فِي كُلِّ حَلَالٍ حُرِّمَ، بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْحَلَالَ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، كَتَحْرِيمِ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِهَا.
وَإِذَا قَالَ: هَذِهِ رَبِيبَتِي.
يَقْصِدُ تَحْرِيمَهَا، فَهُوَ ظِهَارٌ.

[مَسْأَلَةٌ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ]

(7970) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (أَوْ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ، أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَسَوَاءٌ نَوَى الْيَمِينَ، أَوْ أَطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِاَللَّهِ.
وَلَمْ يَقُلْ: أُقْسِمُ، وَلَا أَشْهَدُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْفِعْلَ، كَانَ يَمِينًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَمِينًا بِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ مُقَدَّرٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِذَا أَظْهَرَ الْفِعْلَ، وَنَطَقَ بِالْمُقَدَّرِ، كَانَ أَوْلَى بِثُبُوتِ حُكْمِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: 109] . وَقَالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] وَيَقُولُ الْمُلَاعِنُ فِي لِعَانِهِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ.
وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ.
وَأَنْشَدَ أَعْرَابِيٌّ عُمَرَ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهُ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ ذَكَرَ الْفِعْلَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، فَقَالَ: أَقْسَمْت بِاَللَّهِ، أَوْ شَهِدْت بِاَللَّهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

رَوَاحَةَ: أَقْسَمْت بِاَللَّهِ لَتَنْزِلَنَّهُ وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَقْسَمْت بِاَللَّهِ.
الْخَبَرَ عَنْ قَسَمٍ مَاضٍ، أَوْ بِقَوْلِهِ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ.
عَنْ قَسَمٍ يَأْتِي بِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّ ادَّعَى إرَادَةَ ذَلِكَ، قُبِلَ مِنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ نَوَى شَيْئًا أَوْ أَرَادَهُ، مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: شَهِدْت بِاَللَّهِ أَنِّي آمَنْت بِاَللَّهِ.
فَلَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَعْزِمُ بِاَللَّهِ.
يَقْصِدُ الْيَمِينَ، فَهُوَ يَمِينٌ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَمِينٌ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ، وَلَا الِاسْتِعْمَالِ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَقْصِدُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْيَمِينَ، وَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَوَابُهُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ، فَيَكُونُ يَمِينًا.
فَأَمَّا إنْ نَوَى بِقَوْلِهِ غَيْرَ الْيَمِينَ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا.

[فَصْلٌ الْإِيلَاءَ وَالْحَلِفَ وَالْقَسَمِ وَاحِدٌ]

(7971) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ، أَوْ أُولِي بِاَللَّهِ، أَوْ حَلَفْت بِاَللَّهِ، أَوْ آلَيْت بِاَللَّهِ، أَوْ أَلْيَةً بِاَللَّهِ، أَوْ حَلِفًا بِاَللَّهِ، أَوْ قَسَمًا بِاَللَّهِ.
فَهُوَ يَمِينٌ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ.
وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي تَفْصِيلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ وَالْحَلِفَ وَالْقَسَمَ وَاحِدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] . وَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ، لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدَ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: أُولِي بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إلَى مِنًى ... وَمَطَارِحِ الْأَكْوَارِ حَيْثُ تَبِيتُ

وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَلِيَّةً بِالْيَعْمُلَاتِ تَرْتَمِي ... بِهَا النَّجَاءُ بَيْنَ أَجْوَازِ الْفَلَا وَقَالَ: بَلْ قَسَمًا بِالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ هَلْ ... لِمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هَذَا مُنْتَهَى

[فَصْلٌ أَقْسَمْت أَوْ آلَيْت أَوْ حَلَفْت أَوْ شَهِدْت لَأَفْعَلَنَّ وَلَمْ يَذْكُرْ بِاَللَّهِ]

(7972) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَقْسَمْت، أَوْ آلَيْت، أَوْ حَلَفْت، أَوْ شَهِدْت لَأَفْعَلَنَّ.
وَلَمْ يَذْكُرْ بِاَللَّهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا يَمِينٌ، سَوَاءٌ نَوَى الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، إنْ نَوَى الْيَمِينَ بِاَللَّهِ كَانَ يَمِينًا، وَإِلَّا فَلَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِغَيْرِهِ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا حَتَّى يَصْرِفَهُ بِنِيَّتِهِ إلَى مَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِيَمِينٍ وَإِنْ نَوَى.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا عَرِيَتْ عَنْ اسْمِ اللَّهِ وَصِفَتِهِ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَقْسَمْت بِالْبَيْتِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا عُرْفُ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْت مِمَّا أَخْطَأْت.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُبَايِعَنَّهُ.
فَبَايَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: «أَبْرَرْت قَسَمَ عَمِّي، وَلَا هِجْرَةَ» . وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1] إلَى قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2] . فَسَمَّاهَا يَمِينًا، وَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمًا.
وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ، عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل