باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَأَصْحَابَهُ مَا أَحْرَمُوا بِهَا مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ، فَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ تَارِكِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا مَا كَانَا يُحْرِمَانِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ، أَفَتَرَاهُمَا يَرَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْمَامٍ لَهَا وَيَفْعَلَانِهِ، هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَهَّمَهُ أَحَدٌ.
وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى عِمْرَانَ إحْرَامَهُ مِنْ مِصْرِهِ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَكَرِهَ أَنْ يَتَسَامَعَ النَّاسُ، مَخَافَةَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ.
أَفَتَرَاهُ كَرِهَ إتْمَامَ الْعُمْرَةِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ النَّاسُ بِالْأَفْضَلِ، هَذَا لَا يَجُوزُ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِمَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
(2277) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ، فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إلَى الْمِيقَاتِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ.
فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
وَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ.
وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، كَالْوُقُوفِ، وَطَوَافِ الْقُدُومِ، فَيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مُحْرِمًا فِي الْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّس بِأَفْعَالِ الْحَجِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، فَلَبَّى، سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ، لَمْ يَسْقُطْ.
وَعَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ: لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَا حَجَّ لِمَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» . رُوِيَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا.
وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتِهِ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ، أَوْ كَمَا لَوْ طَافَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُلَبِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الدَّمَ وَجَبَ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلَا يَزُولُ هَذَا بِرُجُوعِهِ وَلَا بِتَلْبِيَتِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا رَجَعَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْإِحْرَامَ مِنْهُ، وَلَمْ يَهْتِكْهُ.
[فَصْل لَوْ أَفْسَدَ الْمُحْرِم مِنْ دُون الْمِيقَات حَجّه لَمْ يَسْقُط عَنْهُ الدَّم]
(2278) فَصْلٌ: وَلَوْ أَفْسَدَ الْمُحْرِمُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ حَجَّهُ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ هَذَا الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، كَبَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ، وَكَجَزَاءِ الصَّيْدِ.
[فَصْل الْمُجَاوِز لِلْمِيقَاتِ مِمَّنْ لَا يُرِيد النُّسُك]
(2279) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُجَاوِزُ لِلْمِيقَاتِ، مِمَّنْ لَا يُرِيدُ النُّسُكَ، فَعَلَى قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ، بَلْ يُرِيدُ حَاجَةً فِيمَا سِوَاهُ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ بَدْرًا مَرَّتَيْنِ، وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَا يُحْرِمُونَ، وَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا.
ثُمَّ مَتَى بَدَا لِهَذَا الْإِحْرَامُ، وَتُجَدَّدَ لَهُ الْعَزْمُ عَلَيْهِ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، فَجَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ، يَرْجِعُ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَيُحْرِمُ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَاَلَّذِي يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً» . وَلِأَنَّهُ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ.
فَكَانَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ.
وَلِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، إذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ، ثُمَّ عَادَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْمِيقَاتِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ) .
الْقِسْمُ الثَّانِي، مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ، إمَّا إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا، فَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مَنْ يَدْخُلُهَا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ مِنْ خَوْفٍ، أَوْ لِحَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، كَالْحَشَّاشِ، وَالْحَطَّابِ، وَنَاقِلِ الْمِيرَةِ وَالْفَيْحِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَهَؤُلَاءِ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ حَلَالًا وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَحْرَمَ يَوْمَئِذٍ، وَلَوْ أَوْجَبْنَا الْإِحْرَامَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ زَمَانِهِ مُحْرِمًا، فَسَقَطَ لِلْحَرَجِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لَأَحَدٍ دُخُولُ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، إلَّا مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إحْرَامٍ كَغَيْرِهِ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمَتَى أَرَادَ هَذَا النُّسُكَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ لَا يُكَلَّفُ الْحَجَّ كَالْعَبْدِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَرَادُوا الْإِحْرَامَ، فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ، وَقَالُوا فِي الْعَبْدِ: عَلَيْهِ دَمٌ وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي جَمِيعِهِمْ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَمٌ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ، كَقَوْلِهِ.
وَيَتَخَرَّجُ فِي الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ كَذَلِكَ، قِيَاسًا عَلَى الْكَافِرِ يُسْلِمُ؛ لِأَنَّهُمْ تَجَاوَزُوا الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَأَحْرَمُوا دُونَهُ، فَلَزِمَهُمْ الدَّمُ، كَالْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَأَشْبَهُوا الْمَكِّيَّ، وَمَنْ قَرْيَتُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْهَا، وَفَارَقَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ إذَا تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْمُكَلَّفُ الَّذِي يَدْخُلُ لِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ.
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَرَمَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِهِ، كَحَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّارِعِ إيجَابُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ دُخُولَهَا، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَجِبْ بِنَذْرِ الدُّخُولِ، كَسَائِرِ الْبُلْدَانِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى أَرَادَ هَذَا الْإِحْرَامَ بَعْدَ تَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، كَالْمُرِيدِ لِلنُّسُكِ.
[فَصْل مِنْ دَخَلَ الْحَرَم بِغَيْرِ إحْرَام مِمَّنْ يَجِب عَلَيْهِ الْإِحْرَام]
(2280) فَصْلٌ: وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ أَتَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي سَنَتِهِ، أَوْ مَنْذُورَةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَجْزَأَهُ عَنْ عُمْرَةِ الدُّخُولِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ مُرُورَهُ عَلَى الْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ يُوجِبُ الْإِحْرَامَ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ، كَالْمَنْذُورِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِتَحِيَّةِ الْبُقْعَةِ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ سَقَطَ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
فَإِنْ قِيلَ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُرَتَّبَاتِ تُقْضَى، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا، فَأَمَّا إنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، سَوَاءٌ أَرَادَ النُّسُكَ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ.
[فَصْل مِنْ كَانَ مَنْزِله دُون الْمِيقَات خَارِجًا مِنْ الْحَرَم]
فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ، فَحُكْمُهُ فِي مُجَاوَزَةِ قَرْيَتِهِ إلَى مَا يَلِي الْحَرَمَ، حُكْمُ الْمُجَاوِزِ لِلْمِيقَاتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ مِيقَاتُهُ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ.
[مَسْأَلَة خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ]
(2282) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَخَشِيَ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَاتَهُ الْحَجُّ، أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فِيمَا نَعْلَمُهُ.
إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ، فَلَا حَجَّ لَهُ.
وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَمَاكِنِ، كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ.
وَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» . وَإِنَّمَا أَبَحْنَا لَهُ الْإِحْرَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ، مُرَاعَاةً لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ وَاجِبٍ فِيهِ مَعَ فَوَاتِهِ.
وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ؛ لِعَدَمِ الرُّفْقَةِ، أَوْ الْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ لِصٍّ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ لَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَهُوَ كَخَائِفِ الْفَوَاتِ، فِي أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
[بَابُ ذِكْرِ الْإِحْرَامِ]
[مَسْأَلَة مِنْ سُنَن الْإِحْرَام الِاغْتِسَال]
ِ (2283) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، وَقَدْ دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، فَإِذَا بَلَغَ الْمِيقَاتَ، فَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ) قَوْلُهُ: (وَقَدْ دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ) . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ؛ لِكَوْنِهِ إحْرَامًا بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَأَشْبَهَ الْإِحْرَامَ بِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَلِأَنَّ فِي صِحَّتِهِ اخْتِلَافًا، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ صَحَّ، وَإِذَا بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى وَقْتِ الْحَجِّ، جَازَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ.
وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] . تَقْدِيرُهُ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ، أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ.
فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ وَقْتُهُ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ إحْرَامِهِ عَلَيْهِ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْهُرِ مِيقَاتٌ.
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نُسُكَيْ الْقِرَانِ، فَجَازَ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، كَالْعُمْرَةِ، أَوْ أَحَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، فَصَحَّ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ كَمِيقَاتِ الْمَكَانِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ بِهِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ طَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِمَا رَوَى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ، وَاغْتَسَلَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَهِيَ نُفَسَاءُ، أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ.
وَأَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ، وَهِيَ حَائِضٌ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، فَسُنَّ لَهَا الِاغْتِسَالُ، كَالْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ جَائِزٌ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا نَسِيَ الْغُسْلَ، يَغْتَسِلُ إذَا ذَكَرَ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مَنْ تَرَكَ الْغُسْلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ
وَهِيَ نُفَسَاءُ: (اغْتَسِلِي) فَكَيْفَ الطَّاهِرُ؟ فَأَظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ أَحْيَانًا، وَيَتَوَضَّأُ أَحْيَانًا.
وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ، وَلَا يَجِبُ الِاغْتِسَالُ، وَلَا نُقِلَ الْأَمْرُ بِهِ إلَّا لِحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ غَيْرَهُمَا، وَلِأَنَّهُ لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَأَشْبَهَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ.
(2284) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، لَمْ يُسَنَّ لَهُ التَّيَمُّمُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ مَشْرُوعٌ، فَنَابَ عَنْهُ التَّيَمُّمُ، كَالْوَاجِبِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ غُسْلٌ مَسْنُونٌ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُنْتَقَضٌ بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ، أَنَّ الْوَاجِبَ يُرَادُ لِإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَالتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْمَسْنُونُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَالتَّيَمُّمُ لَا يُحَصِّلُ هَذَا، بَلْ يَزِيدُ شُعْثًا وَتَغْيِيرًا، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَلَمْ يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، وَلَا تَكْرَارُ الْمَسْحِ بِهِ.
[فَصْل يُسْتَحَبّ التَّنَظُّف لِلْإِحْرَامِ]
(2285) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ بِإِزَالَةِ الشُّعْثِ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُسَنُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ وَالطِّيبُ، فَسُنَّ لَهُ هَذَا كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَقَلْمَ الْأَظْفَارِ، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ.
[مَسْأَلَة فِي مَلَابِس الْإِحْرَام]
(2286) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ) يَعْنِي إزَارًا وَرِدَاءً، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا، فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ» . وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فِي شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَا يُخَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ، كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ.
وَلَوْ لَبِسَ إزَارًا مُوَصَّلًا، أَوْ اتَّشَحَ بِثَوْبٍ مَخِيطٍ، جَازَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا نَظِيفَيْنِ؛ إمَّا جَدِيدَيْنِ، وَإِمَّا غَسِيلَيْنِ؛ لِأَنَّنَا أَحْبَبْنَا لَهُ التَّنَظُّفَ فِي بَدَنِهِ، فَكَذَلِكَ فِي ثِيَابِهِ، كَشَاهِدِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَوْلَى
أَنْ يَكُونَا أَبْيَضَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ، فَأَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» .
[مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَام أَنَّ يَتَطَيَّب فِي بَدَنه خَاصَّة]
(2287) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَطَيَّبُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ خَاصَّةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، أَوْ أَثَرُهُ كَالْعُودِ وَالْبَخُورِ وَمَاءِ الْوَرْدِ.
هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَمُعَاوِيَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعُرْوَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ.
وَكَانَ عَطَاءٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَعْنِي سَاعَةً.
ثُمَّ قَالَ: اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَانْزِعْ عَنْك الْجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ابْتِدَائِهِ، فَمُنِعَ اسْتَدَامَتْهُ كَاللُّبْسِ.
وَلَنَا، قَوْلُ عَائِشَةَ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.
قَالَتْ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «طَيَّبْته بِأَطْيَبِ الطِّيبِ.
وَقَالَتْ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ» . وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ طِيبِ الْمِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَحَدِيثُهُمْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ خَلُوقٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي بَعْضِهَا: وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ.
وَفِي بَعْضِهَا: عَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ.
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ طِيبَ الرَّجُلِ كَانَ مِنْ الزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ مَنْهِيُّ عَنْهُ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، فَفِيهِ أَوْلَى.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» . وَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَحَدِيثُنَا فِي سَنَةِ عَشْرٍ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ شَأْنُ صَاحِبِ الْجُبَّةِ قَبْلَ حَجَّةِ
الْوَدَاعِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْآثَارِ، أَنَّ قِصَّةَ صَاحِبِ الْجُبَّةِ كَانَتْ عَامَ حُنَيْنٍ، بِالْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ إنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ، فَحَدِيثُنَا نَاسِخٌ لِحَدِيثِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ، قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَنْهَى عَنْ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَقَالَ: لَأَنْ أُطْلَى بِالْقَطِرَانِ أَحَبُّ إلَى مِنْ ذَلِكَ.
قُلْنَا تَمَامُ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَطُوفُ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا» .
فَإِذَا صَارَ الْخَبَرُ حُجَّةً عَلَى مَنْ احْتَجَّ بِهِ، فَإِنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ عُمِرَ وَغَيْرِهِ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ.
[فَصْل إنْ طَيَّبَ الْمُحْرِم ثَوْبه فَلَهُ اسْتِدَامَة لَبِسَهُ مَا لَمْ يَنْزِعهُ]
(2288) فَصْلٌ: وَإِنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ، فَلَهُ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ، مَا لَمْ يَنْزِعْهُ، فَإِنْ نَزَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ، فَإِنْ لَبِسَهُ افْتَدَى؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الطِّيبِ، وَلُبْسُ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ نَقَلَ الطِّيبَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، افْتَدَى؛ لِأَنَّهُ تَطَيَّبَ فِي إحْرَامِهِ، وَكَذَا إنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ، أَوْ نَحَّاهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ عَرِقَ الطِّيبُ، أَوْ ذَابَ بِالشَّمْسِ، فَسَالَ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، فَجَرَى مَجْرَى النَّاسِي.
قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَاهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
[مَسْأَلَة الْمُسْتَحَبّ أَنْ يُحْرِم عَقِيب الصَّلَاة إذَا حَضَرَ وَقْتهَا]
(2289) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَإِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ حَضَرَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، أَحْرَمَ عَقِيبَهَا، وَإِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا وَأَحْرَمَ عَقِيبَهُمَا.
اسْتَحَبَّ ذَلِكَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْإِحْرَامَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا بَدَأَ بِالسَّيْرِ، سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك: الْإِحْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوْ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ، فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا عَلَا الْبَيْدَاءَ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ.
كُلِّهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «رَكِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاحِلَتَهُ، حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ» ، وَقَالَ أَنَسٌ: «لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَاسْتَوَتْ بِهِ، أَهَلَّ.» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَهَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً» . رَوَاهُنَّ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَوْلَى الْإِحْرَامُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: ذَكَرْت لِابْنِ عَبَّاسٍ إهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِحْرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاحِلَتَهُ، وَاسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً، أَهَلَّ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ، فَقَالُوا: أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ الرَّاحِلَةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا إلَّا ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى عَلَا الْبَيْدَاءَ، فَأَهَلَّ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ، فَقَالُوا: أَهَلَّ حِينَ عَلَا الْبَيْدَاءَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ.
وَهَذَا لَفْظُ الْأَثْرَمِ.
وَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ وَزِيَادَةُ عِلْمٍ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَكَيْفَمَا أَحْرَمَ جَازَ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ.
[مَسْأَلَة الْإِحْرَامَ يَقَعُ بِالنُّسُكِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ تَمَتُّعٍ وَإِفْرَادٍ وَقِرَانٍ]
(2290) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ أَرَادَ التَّمَتُّعَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَقَعُ بِالنُّسُكِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ؛ تَمَتُّعٍ، وَإِفْرَادٍ، وَقِرَانٍ.
فَالتَّمَتُّعُ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ.
وَالْإِفْرَادُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا.
وَالْقِرَانُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ بِهِمَا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ الطَّوَافِ.
فَأَيُّ ذَلِكَ أَحْرَمَ بِهِ جَازَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ وَالْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ بِأَيِّ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ شَاءَ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِهَا، فَاخْتَارَ إمَامُنَا التَّمَتُّعَ، ثُمَّ الْإِفْرَادَ، ثُمَّ الْقِرَانَ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ اخْتِيَارُ التَّمَتُّعِ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَعِكْرِمَةُ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: إنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَنَ حِينَ سَاقَ الْهَدْيَ وَمَنَعَ كُلَّ مِنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ الْحِلِّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ.
وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إلَى اخْتِيَارِ الْقِرَانِ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ، حِينَ لَبَّى بِهِمَا، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَرُوِيَ عَنْ مَرْوَان بْن الْحَكَمِ، قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَسَمِعَ عَلِيًّا يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَلَمْ نَكُنْ نُهِينَا عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا، فَلَمْ أَكُنْ أَدَعُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِك» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ الْقِرَانَ مُبَادَرَةٌ إلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ، وَإِحْرَامٌ بِالنُّسُكَيْنِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَفِيهِ زِيَادَةُ نُسُكٍ
هُوَ الدَّمُ، فَكَانَ أَوْلَى.
وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، إلَى اخْتِيَارِ الْإِفْرَادِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْحَجِّ تَامًّا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى جَبْرٍ، فَكَانَ أَوْلَى.
قَالَ عُثْمَانُ: أَلَا إنَّ الْحَجَّ التَّامَّ مِنْ أَهْلِيكُمْ، وَالْعُمْرَةَ التَّامَّةَ مِنْ أَهْلِيكُمْ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، كَانُوا يُجَرِّدُونَ الْحَجَّ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ، أَنْ يَحِلُّوا، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً» . فَنَقَلَهُمْ مِنْ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ إلَى الْمُتْعَةِ، وَلَا يَنْقُلُهُمْ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا
وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا، إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا، وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ، وَقَالَ: «لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت، مَا سُقْت الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً» . قَالَ جَابِرٌ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ، بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً.
فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْت الْهَدْيَ، لَفَعَلْت مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ» . وَفِي لَفْظٍ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْت كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت، مَا أَهْدَيْت.
فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا فَنَقَلَهُمْ إلَى التَّمَتُّعِ، وَتَأَسَّفَ إذْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى فَضْلِهِ.
وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] دُونَ سَائِرِ الْأَنْسَاكِ.
وَلِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَجْتَمِعُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ كَمَالِهِمَا، وَكَمَالِ أَفْعَالِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ، مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ، فَكَانَ ذَلِكَ أُولَى، فَأَمَّا الْقِرَانُ فَإِنَّمَا يُؤْتَى فِيهِ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ، وَتَدْخُلُ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ فِيهِ، وَالْمُفْرِدُ فَإِنَّمَا يَأْتِي بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَإِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَهُ مِنْ التَّنْعِيمِ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إجْزَائِهَا عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ الْقِرَانِ، وَلَا خِلَافَ فِي إجْزَاءِ التَّمَتُّعِ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، فَكَانَ أَوْلَى.
فَأَمَّا حُجَّتُهُمْ، فَإِنَّمَا احْتَجُّوا بِفِعْلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ، أَنَّا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمًا بِغَيْرِ التَّمَتُّعِ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِأَحَادِيثِهِمْ لَأُمُورٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ رُوَاةَ أَحَادِيثِهِمْ قَدْ رَوَوْا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ، مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا.
الثَّانِي، أَنَّ رِوَايَتَهُمْ اخْتَلَفَتْ، فَرَوَوْا مَرَّةً أَنَّهُ أَفْرَدَ، وَمَرَّةً أَنَّهُ تَمَتَّعَ، وَمَرَّةً أَنَّهُ قَرَنَ، وَالْقَضِيَّةُ وَاحِدَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، فَيَجِبُ اطِّرَاحُهَا كُلِّهَا، وَأَحَادِيثُ الْقِرَانِ أَصَحُّهَا حَدِيثُ أَنَسٍ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَنَسًا، ذَهِلَ أَنَسٌ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ أَنَسٌ يَتَوَلَّجُ عَلَى النِّسَاءِ.
يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ كَثِيرُ الْوَهْمِ.
قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
الثَّالِثُ، أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَمَتِّعًا.
رَوَى ذَلِكَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةُ، وَأَبُو مُوسَى، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ، بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ الْحِلِّ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ، فَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «إنِّي لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُتْعَةِ، وَإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» يَعْنِي الْعُمْرَةَ فِي الْحَجِّ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ اخْتَلَفَ هُوَ وَعُثْمَانُ فِي الْمُتْعَةِ بِعُسْفَانَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: «مَا تُرِيدُ إلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنْهَى عَنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلنَّسَائِيِّ، وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ: «أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعَ؟ قَالَ: بَلَى» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ» . وَعَنْهُ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك؟ فَقَالَ: إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي، وَقَلَّدْت هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ سَعْدٌ: صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ رَاجِحَةٌ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ وَأَعْلَمُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِالْمُتْعَةِ عَنْ نَفْسِهِ، فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ، فَلَا تُعَارَضُ بِظَنِّ غَيْرِهِ.
وَلِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهِيَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تُحْرِمُ إلَّا بِأَمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهَا بِأَمْرٍ، ثُمَّ يُخَالِفُ إلَى غَيْرِهِ.
وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، بِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا لِأَجْلِ هَدْيِهِ، حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَصَارَ قَارِنًا، وَسَمَّاهُ مَنْ سَمَّاهُ مُفْرِدًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ وَحْدَهَا، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى التَّعَارُضِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْمُتْعَةِ عَنْ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ إلَّا بِالِانْتِقَالِ إلَى الْأَفْضَلِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَنْقُلَهُمْ مِنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْأَدْنَى، وَهُوَ الدَّاعِي إلَى الْخَيْرِ، الْهَادِي إلَى الْفَضْلِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِتَأَسُّفِهِ عَلَى فَوَاتِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِقَالِهِ وَحِلِّهِ، لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ، وَهَذَا ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ.
الثَّالِثُ، أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِفِعْلِهِ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَوْلِ، لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِفِعْلِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْوِصَالِ مَعَ فِعْلِهِ لَهُ، وَنِكَاحِهِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ، مَعَ قَوْلِهِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كَانَتْ مُتْعَةُ الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قُلْنَا: هَذَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ، يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ وَقَوْلَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَعْلَمُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وَهَذَا عَامٌّ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبَاحَةِ التَّمَتُّعِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فَضْلِهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأْنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الْمُتْعَةُ لَنَا خَاصَّةً، أَوْ هِيَ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: بَلْ هِيَ لِلْأَبَدِ» .
وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «أَلِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ، دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ هَذَا، وَمَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُجِيزُونَ التَّمَتُّعَ، وَيَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَجَوَّزَ الْمُتْعَةَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْجَرَ الْفُجُورِ، وَيَقُولُونَ: إذَا انْفَسَخَ صَفَرْ، وَبَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الْأَثَرُ، حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ.
فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَدَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَقَدْ خَالَفَ أَبَا ذَرٍّ عَلِيٌّ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ، وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عِمْرَانُ: «تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ» ، فَقَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: «فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي الْمُتْعَةَ» - وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ
بِالْعَرْشِ.
يَعْنِي الَّذِي نَهَى عَنْهَا، وَالْعَرْشُ: بُيُوتُ مَكَّةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، حِينَ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: أَفَيَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ، الْمُتْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى عُمَرَ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ» . قُلْنَا: هَذَا حَالُهُ فِي مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، كَحَالِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، بَلْ هُوَ أَدْنَى حَالًا، فَإِنَّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَمُعَاوِيَةُ.
قُلْنَا: فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ نَهْيَهُمْ عَنْهَا، وَخَالَفُوهُمْ فِي فِعْلِهَا، وَالْحَقُّ مَعَ الْمُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ دُونَهُمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا إنْكَارَ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَاعْتِرَافَ عُثْمَانَ لَهُ، وَقَوْلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مُنْكِرًا لِنَهْيِ مَنْ نَهَى، وَقَوْلَ سَعْدٍ عَائِبًا عَلَى مُعَاوِيَةَ نَهْيَهُ عَنْهَا، وَرَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ بِحُجَجٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ عَنْهَا، بَلْ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ نَهَى عَنْهَا فِي كَلَامِهِ، مَا يَرُدُّ نَهْيَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ إنِّي لِأَنْهَاكُمْ عَنْهَا، وَإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ، وَنَهَى عَمَّا فِيهِمَا، حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُقْبَلَ نَهْيُهُ، وَلَا يُحْتَجَّ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ سُئِلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَهَى عُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ؟ قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ مَا نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، وَلَكِنْ قَدْ نَهَى عُثْمَانُ.
وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَأَمَرَ بِهَا، فَقِيلَ: إنَّك تُخَالِفُ أَبَاك.
قَالَ: إنَّ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ الَّذِي يَقُولُونَ.
وَلَمَّا نَهَى مُعَاوِيَةُ عَنْ الْمُتْعَةِ، أَمَرَتْ عَائِشَةُ حَشَمَهَا وَمَوَالِيَهَا أَنْ يُهِلُّوا بِهَا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: حَشَمُ أَوْ مَوَالِي عَائِشَةَ.
فَأَرْسَلَ إلَيْهَا: مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: أَحْبَبْت أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الَّذِي قُلْت لَيْسَ كَمَا قُلْت.
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ فُلَانًا يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ.
قَالَ: اُنْظُرُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا فِيهِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَقَدْ صَدَقَ.
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ، وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ، الَّذِينَ مَعَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، أَمْ الَّذِينَ خَالَفُوهُمَا؟ ثُمَّ قَدْ ثَبَتَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ؟ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَقَالَ عُرْوَةُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَاهُمْ سَيَهْلَكُونَ، أَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُونَ نَهَى عَنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَأَمَرَ بِهَا، فَقَالَ: إنَّك تُخَالِفُ أَبَاك، فَقَالَ: عُمَرُ لَمْ يَقُلْ الَّذِي يَقُولُونَ.
فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ، قَالَ: أَفَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ عُمَرُ؟ . رَوَى الْأَثْرَمُ هَذَا كُلَّهُ.
[فَصْل الْإِحْرَام بِعُمْرَةِ]
(2291) فَصْلٌ: فَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِعُمْرَةٍ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهَا لِي، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي، وَمَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي.
فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ النُّطْقُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ، لِيَزُولَ الِالْتِبَاسُ، فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ،
وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَفَاهُ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، حَتَّى تَنْضَافَ إلَيْهَا التَّلْبِيَةُ، أَوْ سَوْقُ الْهَدْيِ؛ لِمَا رَوَى خَلَّادُ بْنُ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أَصْحَابَك أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، فَكَانَ لَهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ وَالْأُضْحِيَّةَ لَا يَجِبَانِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَذَلِكَ النُّسُكُ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَيْسَ فِي آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهَا، كَالصِّيَامِ، وَالْخَبَرُ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ، فَإِنَّ مَنْطُوقَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَوْلَى، وَلَوْ وَجَبَ النُّطْقُ، لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ شَرْطًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ وَاجِبَاتٍ الْحَجِّ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ فِي آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ، بِخِلَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَأَمَّا الْهَدْيُ وَالْأُضْحِيَّةُ، فَإِيجَابُ مَالٍ، فَأَشْبَهَ النَّذْرَ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ نَطَقَ بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ، نَحْوُ أَنْ يَنْوِيَ الْعُمْرَةَ، فَيَسْبِقَ لِسَانُهُ إلَى الْحَجِّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، انْعَقَدَ مَا نَوَاهُ دُونَ مَا لَفَظَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى هَذَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ النِّيَّةُ، وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَادُ، وَاللَّفْظُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ النِّيَّةِ فِيمَا يُعْتَبَرُ لَهُ اللَّفْظُ دُونَ النِّيَّةِ.
[فَصْل لَبَّى أَوْ سَاقَ الْهَدْي مِنْ غَيْرِ نِيَّة]
(2292) فَصْلٌ: فَإِنْ لَبَّى، أَوْ سَاقَ الْهَدْيَ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَتْ لَهُ النِّيَّةُ لَمْ يَنْعَقِدْ بِدُونِهَا، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة اشْتِرَاط الْمَحْصِر عِنْدَ الْإِحْرَامِ]
(2293) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَشْتَرِطُ فَيَقُولُ: إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي.
فَإِنْ حُبِسَ حَلَّ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، أَنْ يَشْتَرِطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، فَيَقُولَ: إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي.
وَيُفِيدُ هَذَا الشَّرْطُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ إذَا عَاقَهُ عَائِقٌ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، وَنَحْوه، أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ مَتَى حَلَّ بِذَلِكَ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الِاشْتِرَاطَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؛ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارٌ.
وَذَهَبَ إلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَعَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ، وَشُرَيْحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّافِعِيُّ إذْ هُوَ
بِالْعِرَاقِ.
وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَطَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِاشْتِرَاطَ يُفِيدُ سُقُوطَ الدَّمِ، فَأَمَّا التَّحَلُّلُ فَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِكُلِّ إحْصَارٍ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ، وَيَقُولُ: حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
فَلَمْ يُفِدْ الِاشْتِرَاطُ فِيهَا، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حُجِّي، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ ضُبَاعَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَكَيْفَ أَقُولُ؟ فَقَالَ: قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَمَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي.
فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا قَوْلَ لَأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بُقُولِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدِيثٌ لَكَانَ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ مَعَ مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ، مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى، وَالْعِبَارَةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَأْدِيَةِ الْمَعْنَى.
قَالَ إبْرَاهِيمُ: خَرَجْنَا مَعَ عَلْقَمَةَ، وَهُوَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ إنْ تَيَسَّرَتْ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ.
وَكَانَ شُرَيْحٌ يَشْتَرِطُ: اللَّهُمَّ قَدْ عَرَفْت نِيَّتِي، وَمَا أُرِيدُ، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا تُتِمُّهُ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ.
وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَسْوَدِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةِ: قُلْ، اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَإِيَّاهُ نَوَيْت، فَإِنْ تَيَسَّرَ، وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ.
وَنَحْوُهُ عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ.
[فَصْل نَوَى الْمَحْصِر الِاشْتِرَاط وَلَمْ يَتَلَفَّظ بِهِ]
(2294) فَصْلٌ: فَإِنْ نَوَى الِاشْتِرَاطَ، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِعَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَالْإِحْرَامُ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ تَابِعُهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطٌ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَوْلُ، كَالِاشْتِرَاطِ فِي النَّذْر وَالْوَقْفِ وَالِاعْتِكَافِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُولِي مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي) .
[مَسْأَلَة إنْ أَرَادَ الْإِفْرَاد قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيد الْحَجّ وَيَشْتَرِطُ الْإِفْرَادُ]
(2295) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ أَرَادَ الْإِفْرَادَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ.
وَيَشْتَرِطُ) الْإِفْرَادُ: هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا مِنْ الْمِيقَاتِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، وَالْحُكْمُ فِي إحْرَامِهِ كَالْحُكْمِ فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ، سَوَاءٌ، فِيمَا يَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَحُكْمِ الِاشْتِرَاطِ.
[مَسْأَلَة إنْ أَرَادَ الْقِرَان قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيد الْعُمْرَة وَالْحَجّ]
(2296) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ أَرَادَ الْقِرَانَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ.
وَيَشْتَرِطُ)
مَعْنَى الْقِرَانِ: الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا، أَوْ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ.
وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الْمَشْرُوعَةِ، الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ قَالُوا: أَمَّا هَذَا فَلَا.
قَالَ: إنَّهَا مَعَهُنَّ - يَعْنِي مَعَ الْمَنْهِيَّاتِ - وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ.
وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُوَافِقْ الصَّحَابَةُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْإِجْمَاعِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حِينَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ بِالْإِحْلَالِ، وَقَالَ: «لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت، لَمَا سُقْت الْهَدْيَ.
وَكَانَ قَارِنًا، فَحَمَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى النَّهْيِ» . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْل يُسْتَحَبّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُعِين مَا أُحَرِّم بِهِ]
(2297) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَيِّنَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: الْإِطْلَاقُ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى طَاوُسٌ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ، لَا يُسَمِّي حَجًّا، يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْإِحْصَارَ، أَوْ تَعَذَّرَ فِعْلُ الْحَجِّ عَلَيْهِ، فَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ» .
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ إنَّمَا أَحْرَمُوا بِمُعَيَّنٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي حَجَّتِهِ، يَطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَفْعَالِهِ، وَيَقِفُونَ عَلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ وَبَاطِنِهِ، أَعْلَمُ بِهِ مِنْ طَاوُسٍ، وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَحْتَجُّ بِالْمَرَاسِيلِ الْمُفْرَدَةِ، فَكَيْفَ يَصِيرُ إلَى هَذَا، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَاتِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالِاحْتِيَاطُ مُمْكِنٌ، بِأَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَإِنْ شَاءَ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، فَكَانَ قَارِنًا.
[فَصْل أَطْلَقَ الْإِحْرَام فَنَوَى الْإِحْرَام بِنُسُكِ وَلَمْ يُعِين حَجًّا وَلَا عَمْرَة]
(2298) فَصْلٌ: فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِحْرَامَ، فَنَوَى الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، صَحَّ، وَصَارَ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ مَعَ الْإِبْهَامِ، فَصَحَّ مَعَ الْإِطْلَاقِ.
فَإِذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا، فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّ الْأَنْسَاكِ شَاءَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِمَا شَاءَ مِنْهَا، فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إلَى ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى صَرْفُهُ إلَى الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مَكْرُوهٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْعُمْرَةُ
أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا مُوسَى، حِينَ أَحْرَمَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْعَلَهُ عُمْرَةً.
كَذَا هَاهُنَا.
[فَصْل إبْهَام الْإِحْرَام]
(2299) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ إبْهَامُ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى، قَالَ: قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ لِي: «بِمَ أَهْلَلْت؟ . قُلْت: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: أَحْسَنْت.
فَأَمَرَنِي فَطُفْت بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: حِلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى جَابِرٌ، وَأَنَسٌ، أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِمَ أَهْلَلْت؟ قَالَ: أَهْلَلْت بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» قَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ: (فَاهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا) . وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَوْلَا أَنَّ مَعِي هَدْيًا لَحَلَلْت) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
ثُمَّ لَا يَخْلُو مَنْ أَبْهَمَ إحْرَامَهُ مِنْ أَحْوَالٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنَّ عَلِيًّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَاذَا قُلْت حِينَ فَرَضْت الْحَجَّ؟) قَالَ: قُلْت: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ، فَلَا تَحِلَّ الثَّانِي، أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، فَيَكُون حُكْمُهُ حُكْمَ النَّاسِي، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ.
الثَّالِثُ، أَنْ لَا يَكُونَ فُلَانٌ أَحْرَمَ، فَيَكُونَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
الرَّابِعُ، أَنْ لَا يَعْلَمَ هَلْ أَحْرَمَ فُلَانٌ، أَوْ لَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ لَمْ يُحْرِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إحْرَامِهِ، فَيَكُونُ إحْرَامُهُ هَاهُنَا مُطْلَقًا، يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ، فَإِنْ صَرَفَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَحَسَنٌ، وَإِنْ طَافَ قَبْلَ صَرْفِهِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِطَوَافِهِ؛ لِأَنَّهُ طَافَ لَا فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ.
[فَصْل أُحَرِّم بِنُسُكِ ثُمَّ نَسِيَهُ قَبْل الطَّوَاف]
(2300) فَصْلٌ: إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، ثُمَّ نَسِيَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّ الْأَنْسَاكِ شَاءَ، فَإِنَّهُ إنْ صَرَفَهُ إلَى عُمْرَةٍ، وَكَانَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً، فَقَدْ أَصَابَ، وَإِنْ كَانَ حَجًّا مُفْرَدًا أَوْ قِرَانًا فَلَهُ فَسْخُهُمَا إلَى الْعُمْرَةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْقِرَانِ، وَكَانَ الْمَنْسِيُّ قِرَانًا، فَقَدْ أَصَابَ، وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً، فَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَيَصِيرُ قَارِنًا، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا، لَغَا إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ، وَصَحَّ بِالْحَجِّ، وَسَقَطَ فَرْضَهُ، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْإِفْرَادِ، وَكَانَ مُفْرِدًا، فَقَدْ أَصَابَ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَصَارَ قَارِنًا
فِي الْحُكْمِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُفْرِدٌ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَكَذَلِكَ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عُمْرَةً.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعِلْمِ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصْرِفُهُ إلَى الْقِرَانِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَتَحَرَّى، فَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِط الْعِبَادَةِ، فَيَدْخُلُهُ التَّحَرِّي كَالْقِبْلَةِ.
وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ عَلَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ، فَعَلَى هَذَا إنْ صَرَفَهُ إلَى الْمُتْعَةِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ.
عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَيُجْزِئُهُ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا.
وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْعُمْرَةِ، إذْ مِنْ الْمُحْتَمِلِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا مُفْرَدًا، وَلَيْسَ لَهُ إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَتَكُونُ صِحَّةُ الْعُمْرَةِ مَشْكُوكًا فِيهَا، فَلَا تَسْقُطُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِالشَّكِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْقِرَانِ يَقِينًا، وَلَا يَجِبُ الدَّمُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ.
فَأَمَّا إنْ شَكَّ بَعْدَ الطَّوَافِ، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَّا إلَى الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ غَيْرُ جَائِزٍ.
فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ الْحَجِّ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ النُّسُكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً، فَلَمْ يَصِحَّ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا بَعْدَ طَوَافِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَجًّا، وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَعَ الشَّكِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِلشَّكِّ فِيمَا يُوجِبُ الدَّمَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِلشَّكِّ فِيمَا يُوجِبُهُ.
وَإِنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الْوُقُوفِ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى، جَعَلَهُ عُمْرَةً، فَقَصَّرَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً فَقَدْ أَصَابَ وَكَانَ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ كَانَ إفْرَادًا أَوْ قِرَانًا لَمْ يَنْفَسِخْ بِتَقْصِيرِهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ بِكُلِّ حَالٍ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، أَوْ غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَقْصِيرِهِ، وَإِنْ شَكَّ، وَلَمْ يَكُنْ طَافَ وَسَعَى، جَعَلَهُ قِرَانًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ قَارِنًا فَقَدْ أَصَابَ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَصَارَ قَارِنًا، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا لَغَا إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ، وَصَحَّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ جَازَ أَيْضًا، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا، وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِ سَبَبِهِ.
[فَصْل أُحَرِّم بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ]
(2301) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ، انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، وَلَغَتْ الْأُخْرَى.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، يَنْعَقِدُ بِهِمَا، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا، وَلَمْ يُتِمَّهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ لَا يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِمَا، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِحْرَامُ بِهِمَا، كَالصَّلَاتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَضَاؤُهَا؟ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا مَعًا؛ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إحْرَامِهِ بِهِمَا.
[مَسْأَلَة التَّلْبِيَة فِي الْإِحْرَام]
(2302) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى) التَّلْبِيَةُ فِي الْإِحْرَامِ مَسْنُونَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا، وَأَمَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ، وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْعَجُّ، وَالثَّجُّ» . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَمَعْنَى الْعَجِّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجِّ إسَالَةُ الدِّمَاءِ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ.
وَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي، إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، يَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ.
وَعَنْ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهَا مِنْ شَرْطِ الْإِحْرَامِ، لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا، كَالتَّكْبِيرِ لِلصَّلَاةِ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْإِهْلَالُ.
وَعَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ: هُوَ التَّلْبِيَةُ.
وَلِأَنَّ النُّسُكَ عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ، فَكَانَ فِيهَا ذِكْرٌ وَاجِبٌ، كَالصَّلَاةِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا ذِكْرٌ، فَلَمْ تَجِبْ فِي الْحَجِّ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ.
وَفَارَقَ الصَّلَاةَ، فَإِنَّ النُّطْقَ يَجِبُ فِي آخِرِهَا؛ فَوَجَبَ فِي أَوَّلِهَا، وَالْحَجُّ بِخِلَافِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِهَا إذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، وَابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَاسْتَوَتْ بِهِ، أَهَلَّ» . رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِحْرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَاسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً، أَهَلَّ.
يَعْنِي لَبَّى، وَمَعْنَى الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ.
إذَا صَاحَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ صَاحُوا.
فَيُقَالُ: اسْتَهَلَّ الْهِلَالُ.
ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ صَائِحٍ مُسْتَهِلٌّ، وَإِنَّمَا يَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ.
[فَصْل رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ]
(2303) فَصْلٌ: وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَنَسٌ: سَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا صُرَاخًا.
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ، حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهُمْ مِنْ التَّلْبِيَةِ.
وَقَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، فَلَا يَأْتِي الرَّوْحَاءَ حَتَّى يَصْحَلَ صَوْتُهُ.
وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ زِيَادَةً عَلَى الطَّاقَةِ؛ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ وَتَلْبِيَتُهُ.
[مَسْأَلَة تَلْبِيَة رَسُول اللَّهِ]
(2304) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك) هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ «تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ.
وَالتَّلْبِيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ.
إذَا لَزِمَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِك وَأَمْرِك، غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا شَارِدٌ عَلَيْك.
هَذَا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، وَثَنَّوْهَا وَكَرَّرُوهَا؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ، كَمَا قَالُوا: حَنَانَيْكَ.
أَيْ رَحْمَةً بَعْدَ رَحْمَةٍ، أَوْ رَحْمَةً مَعَ رَحْمَةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجَابَةُ نِدَاءِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ، قِيلَ لَهُ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ.
فَقَالَ: رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي.
قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ.
فَنَادَى إبْرَاهِيمُ: أَيُّهَا النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ.
قَالَ فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . أَفَلَا تَرَى النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يُلَبُّونَ.
وَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ.
بِكَسْرِ الْأَلِفِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَالْفَتْحُ جَائِزٌ، إلَّا أَنَّ الْكَسْرَ أَجْوَدُ.
قَالَ ثَعْلَبٌ: مَنْ قَالَ أَنَّ بِفَتْحِهَا فَقَدْ خَصَّ، وَمَنْ قَالَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ فَقَدْ عَمَّ.
يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ الْحَمْدَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمِنْ فَتَحَ فَمَعْنَاهُ لَبَّيْكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَك، أَيْ لِهَذَا السَّبَبِ.
[فَصْل لَا تُسْتَحَبّ الزِّيَادَة عَلَى تَلْبِيَة رَسُولِ اللَّهِ وَلَا تَكْرَه]
فَصْلٌ: وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا تُكْرَهُ.
وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ جَابِرٍ: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّوْحِيدِ: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك) . وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلْبِيَتَهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي بِتَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ عُمَرُ: لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا وَمَرْغُوبًا إلَيْك، لَبَّيْكَ.
هَذَا مَعْنَاهُ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَيُرْوَى أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ، وَلَا تُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَزِمَ تَلْبِيَتَهُ فَكَرَّرَهَا، وَلَمْ يَزِدْ
عَلَيْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدًا سَمِعَ بَعْضَ بَنِي أَخِيهِ وَهُوَ يُلَبِّي: يَا ذَا الْمَعَارِجِ.
فَقَالَ: إنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[فَصْل يُسْتَحَبّ ذَكَر مَا أُحَرِّم بِهِ فِي تَلْبِيَته]
(2306) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ مَا أَحْرَمَ بِهِ فِي تَلْبِيَته.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ شِئْت لَبَّيْت بِالْحَجِّ، وَإِنْ شِئْت لَبَّيْت بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِنْ شِئْت بِعُمْرَةٍ، وَإِنْ لَبَّيْت بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ بَدَأْت بِالْعُمْرَةِ، فَقُلْت: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ: مَا سَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَلْبِيَتِهِ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً.
وَسَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ.
فَضَرَبَ صَدْرَهُ، وَقَالَ: تُعْلِمُهُ مَا فِي نَفْسِك.
وَلَنَا مَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» . وَقَالَ جَابِرٌ: «قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» . مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: «سَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا صُرَاخًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصْرُخُ بِالْحَجِّ فَحَلَلْنَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، وَانْطَلَقْنَا إلَى مِنًى.» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ مِنْ حَدِيثِهِمْ.
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ يُخَالِفُهُ قَوْلُ أَبِيهِ؛ فَإِنَّ النَّسَائِيَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ «الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّهُ أَوَّلَ مَا حَجَّ لَبَّى بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ.
فَقَالَ: هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك» . وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي تَلْبِيَتِهِ، فَلَا بَأْسَ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا.
[فَصْل لَا بَأْسَ بِالْحَجِّ عَنْ الرَّجُلِ وَلَا يُسَمِّيه]
(2307) فَصْلٌ: وَإِنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، كَفَاهُ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ عَنْهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِالْحَجِّ عَنْ الرَّجُلِ، وَلَا يُسَمِّيهِ.
وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي التَّلْبِيَةِ، فَحَسَنٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا حَجَّ عَنْ رَجُلٍ يَقُولُ أَوَّلَ مَا يُلَبِّي: عَنْ فُلَانٍ.
ثُمَّ لَا يُبَالِي أَنْ لَا يَقُولَ بَعْدُ.
وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي سَمِعَهُ يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ: «لَبِّ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ» . وَمَتِّي أُتِيَ بِهِمَا جَمِيعًا.
بَدَأَ بِذِكْرِ الْعُمْرَةِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ أَنَسٍ، إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ.»
[اسْتِدَامَةُ التَّلْبِيَةِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ]
(2308) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ لَا يَزَالُ يُلَبِّي إذَا عَلَا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا الْتَقَتْ الرِّفَاقُ، وَإِذَا غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَةِ) يُسْتَحَبُّ اسْتِدَامَةُ التَّلْبِيَةِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُضَحِّي لِلَّهِ، يُلَبِّي حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، إلَّا غَابَتْ بِذُنُوبِهِ، فَعَادَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وَهِيَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَمَّى الْخِرَقِيِّ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إذَا لَقِيَ رَاكِبًا، أَوْ عَلَا أَكَمَةً، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا عَلَا نَشَزًا، وَإِذَا لَقِيَ رَاكِبًا، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَدْ كَانَ قَبْلُ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ: لَا يُلَبِّي عِنْدَ اصْطِدَامِ الرِّفَاقِ.
وَقَوْلُ النَّخَعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ، - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا.
[فَصْل يُجْزِئ مِنْ التَّلْبِيَة فِي دُبُر الصَّلَاة مَرَّة وَاحِدَة]
(2309) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ مِنْ التَّلْبِيَةِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا شَيْءٌ يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ، يُلَبُّونَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ؟ قُلْت: أَلَيْسَ يُجْزِئُهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ؟ قَالَ: بَلَى.
وَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَكَذَا التَّكْبِيرُ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فِي أَيَّامِ الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ ذِكْرٍ وَخَيْرٍ، وَتَكْرَارُهُ ثَلَاثًا حَسَنٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرِ.
[فَصْل لَا يُسْتَحَبّ رَفَعَ الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ فِي الْأَمْصَار]
(2310) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فِي الْأَمْصَارِ، وَلَا فِي مَسَاجِدِهَا، إلَّا فِي مَكَّةَ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَمَجْنُونٌ، إنَّمَا التَّلْبِيَةُ إذَا بَرَزْت.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُلَبِّي فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، أَخْذًا مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ.
وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ، وَجَاءَتْ الْكَرَاهَةُ لِرَفْعِ الصَّوْتِ فِيهَا عَامًّا إلَّا الْإِمَامَ خَاصَّةً، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهَا عَلَى عُمُومِهَا.
فَأَمَّا مَكَّةُ فَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ النُّسُكِ
، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَسَائِرُ مَسَاجِدِ الْحَرَمِ، كَمَسْجِدِ مِنًى، وَفِي عَرَفَاتٍ أَيْضًا.
[فَصْل لَا يُلَبِّي بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّة]
(2311) فَصْلٌ: وَلَا يُلَبِّي بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلَا يُشْرَعُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، كَالْأَذَانِ وَالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ.
[فَصْل لَا بَأْس بِالتَّلْبِيَةِ فِي طَوَاف الْقُدُوم]
(2312) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالتَّلْبِيَةِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ.
وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ إلَّا عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ لَا يُلَبِّي.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِي؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِذِكْرٍ يَخُصُّهُ، فَكَانَ أَوْلَى.
وَلَنَا، أَنَّهُ زَمَنُ التَّلْبِيَةِ، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّلْبِيَةِ وَالذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي الطَّوَافِ.
وَيُكْرَهُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لِئَلَّا يَشْغَلَ الطَّائِفِينَ عَنْ طَوَافِهِمْ وَأَذْكَارِهِمْ.
وَإِذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ، سَأَلَ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ» . وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ، فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] . لَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْت مَعِي.
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، شُرِعَ فِيهَا ذِكْرُ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كَالْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ.
[فَصْل لَا بَأْس أَنْ يُلَبِّيَ الْحَلَّال]
(2313) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ الْحَلَالُ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَكَرِهَهُ مَالِكٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ذِكْرٌ يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ، فَلَمْ يُكْرَهْ لِغَيْرِهِ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ.
[مَسْأَلَة الْمَرْأَة يُسْتَحَبّ لَهَا أَنَّ تَغْتَسِل عِنْد الْإِحْرَام]
(2314) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ؛) (لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الِاغْتِسَالَ مَشْرُوعٌ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَمَا يُشْرَعُ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ آكَدُ؛ لِوُرُودِ الْخَبَرِ فِيهِمَا.
قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ:
«اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ، إذَا أَتَيَا عَلَى الْوَقْتِ، يَغْتَسِلَانِ، وَيُحْرِمَانِ، وَيَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِإِهْلَالِ الْحَجِّ، وَهِيَ حَائِضٌ.
وَإِنْ رَجَتْ الْحَائِضُ الطُّهْرَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِيقَاتِ، أَوْ النُّفَسَاءُ، اُسْتُحِبَّ لَهَا تَأْخِيرُ الِاغْتِسَالِ حَتَّى تَطْهُرَ؛ لِيَكُونَ أَكْمَلَ لَهَا، فَإِنْ خَشِيت الرَّحِيلَ قَبْلَهُ، اغْتَسَلَتْ، وَأَحْرَمَتْ.
[مَسْأَلَة مَنْ أُحَرِّم وَعَلَيْهِ قَمِيص خَلَعَهُ وَلَمْ يَشُقّهُ]
(2315) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ خَلَعَهُ، وَلَمْ يَشُقَّهُ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَأَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ، أَنَّهُ يَشُقُّ ثِيَابَهُ؛ لِئَلَّا يَتَغَطَّى رَأْسُهُ حِينَ يَنْزِعُ الْقَمِيصَ مِنْهُ.
وَلَنَا، مَا رَوَى يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ، بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاعَةً، ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
قَالَ عَطَاءٌ: كُنَّا قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ نَقُولُ فِي مَنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ، فَلْيَخْرِقْهَا عَنْهُ.
فَلَمَّا بَلَغَنَا هَذَا الْحَدِيثُ، أَخَذْنَا بِهِ، وَتَرَكْنَا مَا كُنَّا نُفْتِي بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ فِي شَقِّ الثَّوْبِ إضَاعَةَ مَالِيَّتِهِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
(2316) فَصْلٌ: وَإِذَا نَزَعَ فِي الْحَالِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُر الرَّجُلَ بِفِدْيَةٍ.
وَإِنْ اسْتَدَامَ اللُّبْسَ بَعْدَ إمْكَانِ نَزْعِهِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ مُحَرَّمٌ كَابْتِدَائِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الرَّجُلَ بِنَزْعِ جُبَّتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ لِمَا مَضَى فِيمَا نَرَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، فَجَرَى مَجْرَى النَّاسِي.
[مَسْأَلَة أَشْهُر الْحَجّ]
(2317) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهُرُ الْحَجِّ
شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ، وَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197] . وَلَا يُمْكِنُ فَرْضُهُ بَعْدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فِيهِ رُكْنُ الْحَجِّ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَفِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، مِنْهَا: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالنَّحْرُ، وَالْحَلْقُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالرُّجُوعُ إلَى مِنًى، وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِإِحْرَامِهِ، وَلَا لِأَرْكَانِهِ، فَهُوَ كَالْمُحَرَّمِ، وَلَا يَمْتَنِعُ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَنْ شَيْئَيْنِ، وَبَعْضِ الثَّالِثِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: عِشْرُونَ جَمْعُ عَشْرٍ، وَإِنَّمَا هِيَ عُشْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] .
وَالْقُرْءُ الطُّهْرُ عِنْدَهُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ احْتَسَبَتْ بِبَقِيَّتِهِ.
وَتَقُولُ الْعَرَبُ: ثَلَاثٌ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُمْ فِي الثَّالِثَةِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197] . أَيْ فِي أَكْثَرِهِنَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب مَا يَتَوَقَّى الْمُحْرِم وَمَا أُبِيحَ لَهُ]
[مَسْأَلَةٌ يَتَوَقَّى فِي إحْرَامِهِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ]
ُ (2318) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم: (وَيَتَوَقَّى فِي إحْرَامِهِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْ الرَّفَثِ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَالْفُسُوقِ، وَهُوَ السِّبَابُ، وَالْجِدَالِ، وَهُوَ الْمِرَاءُ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ (مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ) قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] . وَهَذَا صِيغَتُهُ صِيغَةُ النَّفْيِ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233] . وَالرَّفَثُ: هُوَ الْجِمَاعُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: الرَّفَثُ: غَشَيَانُ النِّسَاءِ، وَالتَّقْبِيلُ، وَالْغَمْزُ، وَأَنْ يَعْرِضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنْ الْكَلَامِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ لَغَا الْكَلَامِ.
وَأَنْشَدَ قَوْلَ الْعَجَّاجِ: عَنْ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وَقِيلَ: الرَّفَثُ؛ هُوَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ ذِكْرِ الْجِمَاعِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَنْشَدَ بَيْتًا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ الْجِمَاعِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّمَا الرَّفَثُ مَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاءُ.
وَفِي لَفْظٍ: مَا قِيلَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ النِّسَاءِ.
وَكُلُّ مَا فُسِّرَ بِهِ الرَّفَثُ يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَجْتَنِبَهُ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْجِمَاعِ أَظْهَرُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْأَئِمَّةِ لَهُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] فَأَمَّا الْفُسُوقُ: فَهُوَ السِّبَابُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: الْفُسُوقُ الْمَعَاصِي.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ.
وَقَالُوا أَيْضًا: الْجِدَالُ الْمِرَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَك حَتَّى تُغْضِبَهُ.
وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] . أَيْ: لَا مُجَادَلَةَ، وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْلَى.
[مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ لِلْمُحْرِمِ قِلَّة الْكَلَام إلَّا فِيمَا يَنْفَع]
(2319) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قِلَّةُ الْكَلَامِ، إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَحْرَمَ كَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ قِلَّةَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ حَالٍ، صِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ اللَّغْوِ، وَالْوُقُوعِ فِي الْكَذِبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ، فَإِنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . قَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِنْ «حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَرُوِيَ فِي (الْمُسْنَدِ) ، عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: أُصُولُ السُّنَنِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ، هَذَا أَحَدُهَا.
وَهَذَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّهُ حَالُ عِبَادَةٍ وَاسْتِشْعَارٍ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُشْبِهُ الِاعْتِكَافَ، وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، بِأَنَّ شُرَيْحًا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، كَانَ إذَا أَحْرَمَ كَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ.
فَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَعْلِيمٍ لِجَاهِلٍ، أَوْ يَأْمُرَ بِحَاجَتِهِ، أَوْ يَسْكُتَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا مَأْثَمَ فِيهِ، أَوْ أَنْشَدَ شِعْرًا لَا يَقْبُحُ، فَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَا يُكْثِرُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ:
كَأَنَّ رَاكِبَهَا غُصْنٌ بِمِرْوَحَةٍ ... إذَا تَدَلَّتْ بِهِ أَوْ شَارِبٌ ثَمِلُ
اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَالْفَضِيلَةُ الْأَوَّلُ.
[مَسْأَلَة لَا يَتَفَلَّى الْمُحْرِم وَلَا يَقْتُل الْقَمْل وَيْحك رَأْسَهُ وَجَسَده حَكَّا رَفِيقًا]
(2320) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَتَفَلَّى الْمُحْرِمُ، وَلَا يَقْتُلُ الْقَمْلَ، وَيَحُكُّ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ حَكًّا رَفِيقًا) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي إبَاحَةِ قَتْلِ الْقَمْلِ؛ فَعَنْهُ إبَاحَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ الْهَوَامِّ أَذًى، فَأُبِيحَ قَتْلُهُ، كَالْبَرَاغِيثِ وَسَائِرِ مَا يُؤْذِي، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» . يَدُلُّ بِمَعْنَاهُ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِ كُلِّ مَا يُؤْذِي بَنِي آدَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَعَنْهُ أَنَّ قَتْلَهُ مُحَرَّمٌ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ عَنْهُ، فَحُرِّمَ كَقَطْعِ الشَّعْرِ، وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: احْلِقْ رَأْسَك» . فَلَوْ كَانَ قَتْلُ الْقَمْلِ أَوْ إزَالَتُهُ مُبَاحًا، لَمْ يَكُنْ كَعْبٌ لِيَتْرُكهُ حَتَّى يَصِيرَ كَذَلِكَ، أَوْ لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِإِزَالَتِهِ خَاصَّةً.
وَالصِّئْبَانُ كَالْقَمْلِ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِ الْقَمْلِ، أَوْ إزَالَتِهِ بِإِلْقَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ قَتْلِهِ بِالزِّئْبَقِ، فَإِنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَحْرُمْ لِحُرْمَتِهِ، لَكِنْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ، فَعَمَّ الْمَنْعُ إزَالَتَهُ كَيْفَمَا كَانَتْ.
وَلَا يَتَفَلَّى، فَإِنَّ التَّفَلِّيَ عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ الْقَمْلِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ.
وَيَجُوزُ لَهُ حَكُّ رَأْسِهِ، وَيَرْفُقُ فِي الْحَكِّ، كَيْ لَا يَقْطَعَ شَعْرًا، أَوْ يَقْتُلَ قَمْلَةً، فَإِنْ حَكَّ فَرَأَى فِي يَده شَعْرًا، أَحْبَبْنَا أَنْ يَفْدِيَهُ احْتِيَاطًا، وَلَا يَجِبُ
عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَلَعَهُ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْقَمْلِ الَّذِي فِي شَعْرِهِ، فَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ.
(2321)
فَصْلٌ: فَإِنْ خَالَفَ وَتَفَلَّى، أَوْ قَتَلَ قَمْلًا، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حِينَ حَلَقَ رَأْسَهُ، قَدْ أَذْهَبَ قَمْلًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ، وَلِأَنَّ الْقَمْلَ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْبَعُوضَ وَالْبَرَاغِيثَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَلَا هُوَ مَأْكُولٌ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: هِيَ أَهْوَنُ مَقْتُولٍ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ مُحْرِمٍ أَلْقَى قَمْلَةً، ثُمَّ طَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا.
فَقَالَ: تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُبْتَغَى.
وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً، قَالَ: يُطْعِمُ شَيْئًا.
فَعَلَى هَذَا أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَاهُ، سَوَاءٌ قَتَلَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: تَمْرَةٌ فَمَا فَوْقَهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى مَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ التَّقْدِيرَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّقْرِيبِ لِأَقَلِّ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ.
[فَصْلٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ بِرِفْقٍ]
فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ بِرِفْقٍ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْطِسَ فِي الْمَاءِ، وَيُغَيِّبَ فِيهِ رَأْسَهُ.
وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ سِتْرٌ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسِتْرٍ، وَلِهَذَا لَا يَقُومُ مَقَامَ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ بِالْجُحْفَةِ: تَعَالَ أُبَاقِيك أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا فِي الْمَاءِ.
وَقَالَ: رُبَّمَا قَامَسْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالْجُحْفَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ.
رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسِتْرٍ مُعْتَادٍ، أَشْبَهَ صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ وَضْعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، قَالَ: «أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَأَتَيْته وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ أَرْسَلَنِي إلَيْك عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُك: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: صُبَّ.
فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّك رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ.
[فَصْلٌ يَكْرَه لِلْمُحْرِمِ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالسِّدْرِ وَالْخَطْمَيْ وَنَحْوهمَا]
(2323) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ لَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ بِالسِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ وَنَحْوِهِمَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الشُّعْثِ، وَالتَّعَرُّضِ لِقَلْعِ الشَّعْرِ.
وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
فَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ صَاحِبَاهُ: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْخِطْمِيَّ تُسْتَلَذُّ رَائِحَتُهُ، وَتُزِيلُ الشُّعْثَ، وَتَقْتُلُ الْهَوَامَّ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْفِدْيَةُ كَالْوَرْسِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ، فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَّهُ بَعِيرُهُ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَرَ بِغَسْلِهِ بِالسِّدْرِ، مَعَ إثْبَاتِ حُكْمِ الْإِحْرَامِ فِي حَقِّهِ، وَالْخِطْمِيُّ كَالسِّدْرِ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، فَلَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَالتُّرَابِ.
وَقَوْلُهُمْ: تُسْتَلَذُّ رَائِحَتُهُ.
مَمْنُوعٌ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِالْفَاكِهَةِ وَبَعْضِ التُّرَابِ.
وَإِزَالَةُ الشُّعْثِ تَحْصُلُ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَقَتْلُ الْهَوَامِّ لَا يُعْلَمُ حُصُولُهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْوَرْسِ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَلِذَلِكَ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ الْغَسْلِ، أَوْ فِي ثَوْبٍ لَمُنِعَ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[مَسْأَلَة الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقُمَّص وَالْعَمَائِمِ وَالسَّرَاوِيلَات وَالْخِفَافِ وَالْبَرَانِسِ]
(2324) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَلْبَسُ الْقُمَّصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقُمَّصِ، وَالْعَمَائِمِ، وَالسَّرَاوِيلَاتِ، وَالْخِفَافِ، وَالْبَرَانِسِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَلْبَسُ الْقُمَّصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إلَّا أَحَدًا لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
نَصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَأَلْحَقَ بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ مَا فِي مَعْنَاهَا، مِثْلَ الْجُبَّةِ، وَالدُّرَّاعَةِ، وَالثِّيَابِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِهِ بِمَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ، وَلَا سَتْرُ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِمَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ، كَالْقَمِيصِ لِلْبَدَنِ، وَالسَّرَاوِيلِ لِبَعْضِ الْبَدَنِ، وَالْقُفَّازَيْنِ لِلْيَدَيْنِ، وَالْخُفَّيْنِ لِلرِّجْلَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِبَاسُ شَيْءٍ مِنْ الْمَخِيطِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الذُّكُورُ دُونَ النِّسَاءِ.
[مَسْأَلَة لَمْ يَجِدْ الْمُحْرِم إزَارًا]
(2325) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا، لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدَ نَعْلَيْنِ، لَبِسَ الْخُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعْهُمَا، وَلَا فِدَاءَ عَلَيْهِ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ، إذَا لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّيْنِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى جَابِرٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي لُبْسِهِمَا عِنْدَ ذَلِكَ، فِي قَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا، إلَّا مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا: عَلَى كُلِّ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ الْفِدْيَةُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
وَلِأَنَّ مَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ مَعَ وُجُودِ الْإِزَارِ، وَجَبَتْ مَعَ عَدَمِهِ، كَالْقَمِيصِ.
وَلَنَا، خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِبَاحَةِ، ظَاهِرٌ فِي إسْقَاطِ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِلُبْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِدْيَةً، وَلِأَنَّهُ يَخْتَصُّ لُبْسُهُ بِحَالَةِ عَدَمِ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ، كَالْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ.
فَأَمَّا الْقَمِيصُ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ، وَيَسْتَتِرَ، بِخِلَافِ السَّرَاوِيلِ.
[فَصْلٌ إذَا لَبِسَ الْمُحْرِم الْخُفَّيْنِ]
(2326) فَصْلٌ: وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ، لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعُهُمَا، فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ.
وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَقْطَعُهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، افْتَدَى.
وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِزِيَادَةٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَقَلَّتْ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ: (مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) . مَعَ قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ، يَلْبَسُهُمَا كَمَا هُمَا.
مَعَ مُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ السَّرَاوِيلَ، وَقَطْعُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ، فَإِنَّ لُبْسَ الْمَقْطُوعِ مُحَرَّمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ، كَلُبْسِ الصَّحِيحِ، وَفِيهِ إتْلَافُ مَالِهِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَتِهِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: (وَلْيَقْطَعْهُمَا) مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ.
كَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي (أَمَالِي أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشْرَانَ) ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، أَنَّ نَافِعًا قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ: وَلْيَقْطَعْ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعَهُمَا» ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِقَطْعِهِمَا، قَالَتْ صَفِيَّةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْته بِهَذَا رَجَعَ.
وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، فِي (شَرْحِهِ) بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أَنَّهُ طَافَ وَعَلَيْهِ خُفَّانِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَالْخُفَّانِ مَعَ الْقَبَاءِ، فَقَالَ: قَدْ لَبِسْتُهُمَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك.
يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِقَطْعِهِمَا مَنْسُوخًا؛ فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا، وَقَالَ: اُنْظُرُوا أَيَّهُمَا كَانَ قَبْلُ؛ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ.
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، قَالَ: «نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» . فَيَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ نَاسِخًا لَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ، إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ لُبْسِهِمَا لُبْسُهُمَا عَلَى حَالِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ.
وَالْأَوْلَى قَطْعُهُمَا، عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَأَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ.
[فَصْلٌ لَبِسَ الْمُحْرِم الْمَقْطُوع مَعَ وُجُودِ النَّعْلِ]
(2327) فَصْلٌ: فَإِنْ لَبِسَ الْمَقْطُوعَ، مَعَ وُجُودِ النَّعْلِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لُبْسُهُ مُحَرَّمًا، وَفِيهِ فِدْيَةٌ، لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِهِمَا، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَطَ فِي إبَاحَةِ لُبْسِهِمَا عَدَمَ النَّعْلَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِمَا، وَلِأَنَّهُ مَخِيطٌ لِعُضْوٍ عَلَى قَدْرِهِ، فَوَجَبَتْ عَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ، كَالْقُفَّازَيْنِ.
[فَصْلٌ لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِم النَّعْلَ الَّتِي لَهَا قَيْدٌ]
(2328) فَصْلٌ: فَأَمَّا اللَّالَكَةُ، وَالْجُمْجُمُ، وَنَحْوُهُمَا، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَهَا قَيْدٌ.
وَهَذَا أَشَدُّ مِنْ النَّعْلِ الَّتِي لَهَا قَيْدٌ.
وَقَدْ قَالَ فِي رَأْسِ الْخُفِّ الصَّغِيرِ: لَا يَلْبَسُهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْقَدَمَ، وَقَدْ عُمِلَ لَهَا عَلَى قَدْرِهَا، فَأَشْبَهَ الْخُفَّ فَإِنْ عَدِمَ النَّعْلَيْنِ، كَانَ لَهُ لُبْسُ ذَلِكَ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ لُبْسَ الْخُفِّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَمَا دُونَ الْخُفِّ أَوْلَى.
[فَصْلٌ النَّعْل يُبَاح لَبِسَهَا لِلْمُحْرِمِ كَيْفَمَا كَانَتْ]
(2329) فَصْلٌ: فَأَمَّا النَّعْلُ، فَيُبَاحُ لُبْسُهَا كَيْفَمَا كَانَتْ، وَلَا يَجِبُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهَا وَرَدَتْ مُطْلَقًا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْقَيْدِ فِي النَّعْلِ: يَفْتَدِي؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْرِفُ النِّعَالَ هَكَذَا.
وَقَالَ: إذَا أَحْرَمْت فَاقْطَعْ الْمَحْمَلَ الَّذِي عَلَى النِّعَالِ، وَالْعَقِبَ الَّذِي يُجْعَلُ لِلنَّعْلِ، فَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: فِيهِ دَمٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي (الْإِرْشَادِ) : فِي الْقَيْدِ وَالْعَقِبِ الْفِدْيَةُ، وَالْقَيْدُ: هُوَ السَّيْرُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الزِّمَامِ.
قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا كَرِهَهُمَا إذَا كَانَا عَرِيضَيْنِ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ قَطْعُ الْخُفَّيْنِ السَّاتِرَيْنِ لِلْقَدَمَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ فَقَطْعُ سَيْرِ النَّعْلِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ مُعْتَادٌ فِي النَّعْلِ، فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ، كَسَائِرِ سُيُورِهَا، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْقَيْدِ وَالْعَقِبِ رُبَّمَا تَعَذَّرَ مَعَهُ الْمَشْيُ فِي النَّعْلَيْنِ؛ لِسُقُوطِهِمَا بِزَوَالِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَجِبْ، كَقَطْعِ الْقُبَالِ.
[فَصْلٌ وَجَدَ الْمُحْرِم نَعْلًا لَمْ يُمَكِّنهُ لَبِسَهَا]
(2330) فَصْلٌ: وَإِنْ وَجَدَ نَعْلًا لَمْ يُمْكِنْهُ لُبْسُهَا، فَلَهُ لُبْسُ الْخُفِّ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ كَالْمَعْدُومِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّعْلُ لِغَيْرِهِ، أَوْ صَغِيرَةً، وَكَالْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، وَالرَّقَبَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُهُ عِتْقُهَا، وَلِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ لُبْسِهَا قَامَ مَقَامَ الْعَدَمِ، فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الْخُفِّ، فَكَذَلِكَ فِي إسْقَاطِ الْفِدْيَةِ.
وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةِ؛ لِقَوْلِهِ: (مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ) . وَهَذَا وَاجِدٌ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِد عَلَيْهِ الرِّدَاء وَلَا غَيْره إلَّا الْإِزَار وَالْهِمْيَان]
(2331) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ الرِّدَاءَ، وَلَا غَيْرَهُ، إلَّا الْإِزَارَ وَالْهِمْيَانَ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ
لِذَلِكَ زِرًّا وَعُرْوَةً، وَلَا يُخْلِلْهُ بِشَوْكَةٍ وَلَا إبْرَةٍ وَلَا خَيْطٍ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَخِيطِ.
رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ وَأَنَا مَعَهُ، أُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْ ثَوْبِي مِنْ وَرَائِي، ثُمَّ أَعْقِدُهُ؟ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تَعْقِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَعَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مَعْبَدٍ، زِرَّ عَلَيَّ طَيْلَسَانِي.
وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ لَهُ: كُنْت تَكْرَهُ هَذَا.
قَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفْتَدِيَ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَّشِحَ بِالْقَمِيصِ، وَيَرْتَدِيَ بِهِ، وَيَرْتَدِيَ بِرِدَاءِ مُوَصَّلٍ، وَلَا يَعْقِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْمَخِيطُ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ.
[فَصْلٌ يَجُوز لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِد إزَاره عَلَيْهِ]
(2332) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ إزَارَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَيُبَاحُ، كَاللِّبَاسِ لِلْمَرْأَةِ.
وَإِنْ شَدَّ وَسَطَهُ بِالْمِنْدِيلِ، أَوْ بِحَبْلٍ، أَوْ سَرَاوِيلَ، جَازَ إذَا لَمْ يَعْقِدْهُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي مُحْرِمٍ حَزَمَ عِمَامَةً عَلَى وَسَطِهِ: لَا تَعْقِدْهَا.
وَيُدْخِلُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ.
قَالَ طَاوُسٌ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قَدْ شَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ، فَأَدْخَلَهَا هَكَذَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشُقَّ أَسْفَلَ إزَارِهِ نِصْفَيْنِ، وَيَعْقِدَ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ السَّرَاوِيلَ.
وَلَا يَلْبَسُ الرَّانَّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ مَعْمُولٌ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ الْمَلْبُوسِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْخُفَّ.
[مَسْأَلَة لِبْسُ الْهِمْيَانِ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ]
(2333) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَلْبَسُ الْهِمْيَانَ، وَيُدْخِلُ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، وَلَا يَعْقِدُهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لُبْسَ الْهِمْيَانِ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْقَاسِمِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَدِّمُوهُمْ وَمُتَأَخِّرُوهُمْ.
وَمَتَى أَمْكَنَهُ أَنْ يُدْخِلَ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، وَيَثْبُتَ بِذَلِكَ، لَمْ يَعْقِدْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَقْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِعَقْدِهِ عَقَدَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُرَخِّصُونَ فِي عَقْدِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ، وَلَا يُرَخِّصُونَ فِي عَقْدِ غَيْرِهِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَوْثِقْ عَلَيْك نَفَقَتَك.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي (الشَّرْحِ) ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحْرِمِ فِي الْهِمْيَانِ أَنْ يَرْبِطَهُ، إذَا كَانَتْ فِيهِ نَفَقَتُهُ.» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْثِقُوا عَلَيْكُمْ نَفَقَاتِكُمْ.
وَرَخَّصَ فِي الْخَاتَمِ وَالْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُحْرِمِ يَشُدُّ الْهِمْيَانَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إذَا كَانَتْ فِيهِ نَفَقَتُهُ،
يَسْتَوْثِقُ مِنْ نَفَقَتِهِ.
وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى شَدِّهِ، فَجَازَ، كَعِقْدِ الْإِزَارِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْهِمْيَانِ نَفَقَةٌ، لَمْ يَجُزْ عَقْدُهُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمِنْطَقَةُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْهِمْيَانَ وَالْمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ، وَكَرِهَهُ نَافِعٌ مَوْلَاهُ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ نَفَقَةٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِيمَا فِيهِ النَّفَقَةُ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمُحْرِمِ يَلْبَسُ الْمِنْطَقَةَ مِنْ وَجَعِ الظَّهْرِ، أَوْ حَاجَةٍ إلَيْهَا.
قَالَ: يَفْتَدِي.
فَقِيلَ لَهُ: أَفَلَا تَكُونُ مِثْلَ الْهِمْيَانِ؟ قَالَ: لَا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ، وَأَنَّهُ أَبَاحَ شَدَّ الْهِمْيَانِ، إذَا كَانَتْ فِيهِ النَّفَقَةُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْهِمْيَانَ تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ، وَالْمِنْطَقَةُ لَا نَفَقَةَ فِيهَا، فَأُبِيحَ شَدُّ مَا فِيهِ النَّفَقَةُ، لِلْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهَا، وَلَمْ يُبَحْ شَدُّ مَا سِوَى ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتْ فِيهِمَا نَفَقَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَفَقَةٌ، فَهُمَا سَوَاءٌ.
وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ: أُوثِقْ عَلَيْك نَفَقَتَك.
فَرَخَّصَتْ فِيهَا إذَا كَانَتْ فِيهَا النَّفَقَةُ.
وَلَمْ يُبِحْ أَحْمَدُ شَدَّ الْمِنْطَقَةِ لِوَجَعِ الظَّهْرِ، إلَّا أَنْ يَفْتَدِيَ؛ لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لِمَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ لِدَفْعِ الْبَرْدِ، أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِإِزَالَةِ أَذَى الْقَمْلِ، أَوْ تَطَيَّبَ لِأَجْلِ الْمَرَضِ.
[مَسْأَلَة لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْتَجِم وَلَا يَقْطَع شَعْرًا]
(2334) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ، وَلَا يَقْطَعَ شَعْرًا) أَمَّا الْحِجَامَةُ إذَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا فَمُبَاحَةٌ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ تَدَاوٍ بِإِخْرَاجِ دَمٍ، فَأَشْبَهَ الْفَصْدَ، وَبَطَّ الْجُرْحِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْتَجِمُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَرَى فِي الْحِجَامَةِ دَمًا.
وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِدْيَةً، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ، فَأَشْبَهَ شُرْبَ الْأَدْوِيَةِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي قَطْعِ الْعُضْوِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْخِتَانِ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ.
فَإِنْ احْتَاجَ فِي الْحِجَامَةِ إلَى قَطْعِ شَعْرٍ، فَلَهُ قَطْعُهُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ، فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ قَطْعُ الشَّعْرِ.
وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ حَلْقُ الشَّعْرِ لِإِزَالَةِ أَذَى الْقَمْلِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196] . الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُ حَلْقُ شَعْرٍ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، كَمَا لَوْ حَلَقَهُ لِإِزَالَةِ قَمْلِهِ.
فَأَمَّا إنْ قَطَعَ عُضْوًا عَلَيْهِ شَعْرٌ، أَوْ جِلْدَةً عَلَيْهَا شَعْرٌ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ زَالَ تَبَعًا لِمَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ.
[مَسْأَلَة الْمُحْرِمَ إذَا احْتَاجَ إلَى تَقَلُّدِ السَّيْفِ فَلَهُ ذَلِكَ]
(2335) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا احْتَاجَ إلَى تَقَلُّدِ السَّيْفِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَأَبَاحَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ تَقَلُّدَهُ.
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: «لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا إلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ» . - الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ - وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَةِ حَمْلِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ، وَيَخْفِرُوا الذِّمَّةَ، وَاشْتَرَطُوا حَمْلَ السِّلَاحِ فِي قِرَابِهِ.
فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا، إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ.
وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ.
وَالْقِيَاسُ إبَاحَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمَلْبُوسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَمَلَ قِرْبَةً فِي عُنُقِهِ، لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمُحْرِمِ يُلْقِي جِرَابَهُ فِي رَقَبَتِهِ، كَهَيْئَةِ الْقِرْبَةِ.
قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
[مَسْأَلَة إبَاحَةُ لُبْسِ الْقَبَاءِ لِلْمُحْرِمِ مَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ]
(2336) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ الْقَبَاءَ وَالدُّوَاجَ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ) ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إبَاحَةُ لُبْسِ الْقَبَاءِ، مَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: إذَا أَدْخَلَ كَتِفَيْهِ فِي الْقَبَاءِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَخِيطٌ لَبِسَهُ الْمُحْرِمُ عَلَى الْعَادَةِ فِي لُبْسِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إذَا كَانَ عَامِدًا، كَالْقَمِيصِ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ» . وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِي مَسْأَلَةِ إنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ.
وَلِأَنَّ الْقَبَاءَ لَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ بِوَضْعِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ، إذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، كَالْقَمِيصِ يَتَّشِحُ بِهِ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالرِّدَاءِ الْمُوَصَّلِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى لُبْسِهِ مَعَ إدْخَالِ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ.
[مَسْأَلَة كَرَاهَة الِاسْتِظْلَالَ فِي الْمَحْمِلِ لِلْمُحْرِمِ خَاصَّةً وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ]
(2337) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُظَلِّلُ عَلَى رَأْسِهِ فِي الْمَحْمِلِ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) كَرِهَ أَحْمَدُ الِاسْتِظْلَالَ فِي الْمَحْمِلِ خَاصَّةً، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، كَالْهَوْدَجِ وَالْعَمَّارِيَّة وَالْكَبِيسَة وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى الْبَعِيرِ.
وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ.
وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: لَا يَسْتَظِلُّ أَلْبَتَّةَ.
وَرَخَّصَ فِيهِ رَبِيعَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَطَاءٍ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْحُصَيْنِ، قَالَتْ: «حَجَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْت أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّظَلُّلُ فِي الْبَيْتِ وَالْخِبَاءِ، فَجَازَ فِي حَالِ الرُّكُوبِ، كَالْحَلَالِ، وَلِأَنَّ مَا حَلَّ لِلْحَلَالِ حَلَّ لِلْمُحْرِمِ، إلَّا مَا قَامَ عَلَى تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بُقُولِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَى عَطَاءٌ قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ عَلَى رَحْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عُودًا يَسْتُرُهُ مِنْ الشَّمْسِ، فَنَهَاهُ.
وَعَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُحْرِمًا عَلَى رَحْلٍ، قَدْ رَفَعَ ثَوْبًا عَلَى عُودٍ يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ الشَّمْسِ، فَقَالَ: اضْحَ لِمَنْ أَحْرَمْت لَهُ.
أَيْ اُبْرُزْ لِلشَّمْسِ.
رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّهُ سَتَرَ بِمَا يَقْصِدُ بِهِ التَّرَفُّهَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَطَّاهُ.
وَالْحَدِيثُ ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَلَمْ يَكْرَهْ أَنْ يَسْتَتِرَ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ لِلِاسْتِدَامَةِ، وَالْهَوْدَجُ بِخِلَافِهِ، وَالْخَيْمَةُ وَالْبَيْتُ يُرَادَانِ لِجَمْعِ الرَّحْلِ وَحِفْظِهِ، لَا لِلتَّرَفُّهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ حَرَامًا، وَلَا مُوجِبًا لِفِدْيَةٍ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُحْرِمِ يَسْتَظِلُّ عَلَى الْمَحْمِلِ؟ قَالَ: لَا.
وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: اضْحَ لِمَنْ أَحْرَمْت لَهُ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ فَعَلَ يُهْرِيقُ دَمًا؟ قَالَ: أَمَّا الدَّمُ فَلَا.
قِيلَ: فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: عَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ: نَعَمْ، أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَغْلَطُونَ فِيهِ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَتَرَ رَأْسَهُ بِمَا يُسْتَدَامُ وَيُلَازِمُهُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ يُلَاقِيهِ.
وَيُرْوَى عَنْ الرِّيَاشِيِّ قَالَ: رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ الْمُعَذَّلِ فِي الْمَوْقِفِ، فِي يَوْمٍ حُرّ شَدِيد، وَقَدْ ضُحَى لِلشَّمْسِ، فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَلَوْ أَخَذْت بِالتَّوَسُّعَةِ.
فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
ضَحَّيْت لَهُ كَيْ أَسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إذَا الظِّلُّ أَضْحَى فِي الْقِيَامَةِ قَالِصَا
فَوَا أَسَفَا إنْ كَانَ سَعْيُك بَاطِلًا ... وَيَا حَسْرَتَا إنْ كَانَ حَجُّك نَاقِصَا "
[فَصْلٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِالسَّقْفِ وَالْحَائِطِ وَالشَّجَرَةِ وَالْخِبَاءِ]
(2338) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِالسَّقْفِ وَالْحَائِطِ وَالشَّجَرَةِ وَالْخِبَاءِ، وَإِنْ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهَا ثَوْبًا يَسْتَظِلُّ بِهِ، عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ صَحَّ بِهِ النَّقْلُ، فَإِنَّ جَابِرًا قَالَ فِي حَدِيثِ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَأَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا.
وَلَا بَأْسَ أَيْضًا أَنْ يَنْصِبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا يَقِيهِ الشَّمْسَ وَالْبَرْدَ، إمَّا أَنْ يُمْسِكَهُ إنْسَانٌ، أَوْ يَرْفَعَهُ عَلَى عُودٍ،
عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، «أَنَّ بِلَالًا أَوْ أُسَامَةَ كَانَ رَافِعًا ثَوْبًا يَسْتُرُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْحَرِّ» . وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِدَامَةُ، فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، كَالِاسْتِظْلَالِ بِحَائِطٍ.
[مَسْأَلَة تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَاصْطِيَادِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ]
(2339) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَصِيدُهُ، وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَلَالًا وَلَا حَرَامًا) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَاصْطِيَادِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ.
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] . وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ إلَى الصَّيْدِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟» . وَفِي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ: «فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْته» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
وَسُؤَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ: (هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟) يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بِذَلِكَ لَوْ وُجِدَ مِنْهُمْ.
وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، فَحُرِّمَ، كَنَصْبِهِ الْأُحْبُولَةَ.
[فَصْلٌ لَا يَحِلّ لِلْمُحْرِمِ الْإِعَانَة عَلَى الصَّيْد]
(2340) فَصْلٌ: وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْإِعَانَةُ عَلَى الصَّيْدِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «ثُمَّ رَكِبْت، وَنَسِيت السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْت لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نُعِينُك عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَاسْتَعَنْتهمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الْإِعَانَةِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ، فَحُرِّمَ، كَالْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الْآدَمِيِّ.
[فَصْلٌ دَلَّ الْمُحْرِمُ حَلَالًا عَلَى الصَّيْدِ فَأَتْلَفَهُ]
(2341) فَصْلٌ: وَيَضْمَنُ الصَّيْدَ بِالدَّلَالَةِ، فَإِذَا دَلَّ الْمُحْرِمُ حَلَالًا عَلَى الصَّيْدِ فَأَتْلَفَهُ، فَالْجَزَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُحْرِمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَبَكْرٍ الْمُزَنِيّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ، فَلَا يَضْمَنُ بِالدَّلَالَةِ، كَالْآدَمِيِّ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِ أَبِي قَتَادَةَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟» وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ نَصَبَ أُحْبُولَةً، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ.
[فَصْلٌ دَلَّ الْمُحْرِم مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْد فَقَتَلَهُ]
(2342) فَصْلٌ: فَإِنْ دَلَّ مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْدِ، فَقَتَلَهُ فَالْجَزَاءُ بَيْنَهُمَا.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ يَسْتَقِلُّ بِجَزَاءٍ كَامِلٍ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا.
فَكَذَلِكَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا ضَمَانَ عَلَى الدَّالِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَاجِبَ جَزَاءُ الْمُتْلَفِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، فَيَكُونُ الْجَزَاءُ وَاحِدًا، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مَا سَبَقَ، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَدْلُولِ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا لَا يَرَاهُ إلَّا بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ، ثُمَّ دَلَّ الْآخَرُ آخَرَ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى عَشَرَةٍ، فَقَتَلَهُ الْعَاشِرُ، كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
وَإِنْ قَتَلَهُ الْأَوَّلُ، لَمْ يَضْمَنْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدُلَّهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِي ضَمَانِهِ أَحَدٌ.
وَلَوْ كَانَ الْمَدْلُولُ رَأَى الصَّيْدَ قَبْلَ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِ وَالْمُشِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي تَلَفِهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ دَلَالَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ وُجِدَ مِنْ الْمُحْرِمِ حَدَثٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ، مِنْ ضَحِكٍ، أَوْ اسْتِشْرَافٍ إلَى الصَّيْدِ، فَفَطِنَ لَهُ غَيْرُهُ فَصَادَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ؛ بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْقَاحَّةِ، وَمِنَّا الْمُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ، إذْ بَصُرْت بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْت، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِي يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ، إذْ نَظَرْت، فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «فَلَمَّا كُنَّا بِالصِّفَاحِ فَإِذَا هُمْ يَتَرَاءَوْنَ.
فَقُلْت: أَيَّ شَيْءٍ تَنْظُرُونَ؟ فَلَمْ يُخْبِرُونِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْل أَعَارَ الْمُحْرِم قَاتَلَ الصَّيْد سِلَاحًا]
(2343) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعَارَ قَاتِلَ الصَّيْدِ سِلَاحًا، فَقَتَلَهُ بِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ دَلَّهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعَارُ مِمَّا لَا يَتِمُّ قَتْلُهُ إلَّا بِهِ، أَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ رُمْحًا وَمَعَهُ رُمْحٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ بِمُنَاوَلَتِهِ سَوْطَهُ أَوْ رُمْحَهُ، أَوْ أَمَرَهُ بِاصْطِيَادِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ: وَاَللَّهِ لَا نُعِينُك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟» . وَكَذَلِكَ إنْ أَعَارَهُ سِكِّينًا، فَذَبَحَهُ بِهَا.
فَإِنْ أَعَارَهُ آلَةً لِيَسْتَعْمِلهَا فِي غَيْرِ الصَّيْدِ، فَاسْتَعْمَلَهَا فِي الصَّيْدِ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَحِكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ، فَفَطِنَ لَهُ إنْسَانٌ، فَصَادَهُ.
[فَصْلٌ دَلَّ الْحَلَّال مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْد فَقَتَلَهُ]
(2344) فَصْلٌ: وَإِنْ دَلَّ الْحَلَالُ مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْدِ، فَقَتَلَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الصَّيْدَ بِالْإِتْلَافِ،
فَبِالدَّلَالَةِ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ، فَيُشَارِكَهُ فِي الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
[فَصْلٌ صَادَ الْمُحْرِم صَيْدًا لَمْ يَمْلِكهُ]
(2345) فَصْلٌ: وَإِنْ صَادَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ حَتَّى حَلَّ، لَزِمَهُ إرْسَالُهُ، وَلَيْسَ لَهُ ذَبَحَهُ، فَإِنْ فَعَلَ، أَوْ تَلِفَ الصَّيْدُ، ضَمِنَهُ، وَحَرُمَ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ ضَمِنَهُ بِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ حَالَ إحْرَامِهِ، وَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ مُنِعَ مِنْهَا بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ كَانَ الْإِحْرَامُ بَاقِيًا.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ أَكْلَهُ وَعَلَيْهِ ضَمَانَهُ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ ذَبْحِ الصَّيْدِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بَعْدَ الْحِلِّ.
وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ وَاَلَّذِي صَادَهُ بَعْدَ الْحِلِّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ.
[مَسْأَلَة تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صَادَهُ أَوْ ذَبَحَهُ]
(2346) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَأْكُلُهُ إذَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِهِ) لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صَادَهُ أَوْ ذَبَحَهُ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] .
وَإِنْ صَادَهُ حَلَالٌ وَذَبَحَهُ، وَكَانَ مِنْ الْمُحْرِمِ إعَانَةٌ فِيهِ، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ إشَارَةٌ إلَيْهِ، لَمْ يُبَحْ أَيْضًا.
وَإِنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَيْضًا أَكْلُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَكْلُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِشَارَةِ وَالْأَمْرِ وَالْإِعَانَةِ، وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ مُذَكًّى، لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ وَلَا فِي سَبَبِهِ صُنْعٌ مِنْهُ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ أَكْلُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُصَدْ لَهُ.
وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِكُلِّ حَالٍ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ.
وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ لِعُمُومِ
قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] . وَرُوِيَ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ «أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجْلَ حِمَارٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: عَجُزَ حِمَارٍ.» وَفِي رِوَايَةٍ: شِقَّ حِمَارٍ.
رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الْحَارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمَانَ عَلَى الطَّائِفِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، وَصَنَعَ فِيهِ مِنْ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ
وَلَحْمِ الْوَحْشِ، فَبَعَثَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: أَطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلَالًا، فَأَنَا حُرُمٌ.
ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ أَشْجَعَ، أَتَعْلَمُونَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى إلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ» ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
وَلِأَنَّهُ لَحْمُ صَيْدٍ فَحَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ، كَمَا لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ،؛ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَبَيَانُ الْمُخْتَلِفِ مِنْهَا، فَإِنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَكْلِ مِمَّا أُهْدِيَ إلَيْهِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ ظَنِّهِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ، لِمَا قَدَّمْت مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِأَكْلِ الْحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ.
وَعَنْ طَلْحَةَ، «أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ، وَهُوَ رَاقِدٌ، فَأَكَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَتَوَرَّعَ بَعْضٌ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي (الْمُوَطَّأِ) ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ، إذَا حِمَارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ، فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ وَهُوَ صَاحِبُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ» . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَأَحَادِيثُهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْرٌ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِمْ، فَتَعَيَّنَ ضَمُّ هَذَا الْقَيْدِ إلَيْهَا لِحَدِيثِنَا، وَجَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَدَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ صِيدَ لِلْمُحْرِمِ، فَحُرِّمَ، كَمَا لَوْ أَمَرَ أَوْ أَعَانَ.
[فَصْلٌ مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مِنْ الصَّيْد لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْحَلَالِ]
(2347) فَصْلٌ: وَمَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ، لِكَوْنِهِ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْحَلَالِ أَكْلُهُ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ، أَطْعِمُوهُ حَلَالًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِمْ، وَحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، حِينَ رَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّيْدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ أَكْلِهِ.
وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ حَلَالٌ، فَأُبِيحَ لِلْحَلَالِ أَكْلُهُ، كَمَا لَوْ صِيدَ لَهُمْ.
وَهَلْ يُبَاحُ أَكْلُهُ لِمُحْرِمٍ آخَرَ؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ إبَاحَتُهُ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» . وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ صَيْدٌ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا.
وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ، وَقَالَ: إنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ، فَحَلَّ لَهُ كَمَا لَوْ صَادَهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ