باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النَّصِيبَ خَمْسَةً وَالسَّهْمَ اثْنَيْنِ، وَابْسُطْ مَا مَعَك، يَصِرْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، فَادْفَعْ خَمْسَةً إلَى صَاحِبِ النَّصِيبِ، وَإِلَى الْآخَرِ نِصْفَ بَاقِي الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ، وَإِلَى الْآخَرِ رُبُعَ الْبَاقِي خَمْسَةً، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، لِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ.
وَهَذَا الطَّرِيقُ أَخْصَرُ.
وَإِنْ عَمِلْت بِالطَّرِيقِ الثَّانِي، أَخَذَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، فَنَقَصْت سُدُسَهَا وَرُبُعَ الْبَاقِي، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَهِيَ النَّصِيبُ، ثُمَّ زِدْت عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَنَقَصْت نِصْفَهُ وَرُبُعَ الْبَاقِي مِنْهُ، يَبْقَى ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ، رُدَّهَا عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ، تَكُنْ ثَلَاثَةً، وَثَلَاثَةَ أَثْمَانِ، تَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، تَكُنْ أَحَدًا وَثَمَانِينَ، وَمِنْهَا تَصِحُّ، وَبِالْجَبْرِ تُفْضِي إلَى ذَلِكَ أَيْضًا.
[فَصْلٌ خَلَف أَمَّا وَأُخْتًا وَعَمًّا وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْعَمّ وَسُدُسِ مَا يَبْقَى]
(4642) فَصْلٌ: وَإِنْ خَلَّفَ أُمًّا وَأُخْتًا وَعَمًّا، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْعَمِّ، وَسُدُسِ مَا يَبْقَى، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْأُمِّ وَرُبْعِ مَا يَبْقَى، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْأُخْتِ وَثُلُثِ مَا يَبْقَى، فَاعْمَلْهَا بِالْمَنْكُوسِ، وَقُلْ: أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةٌ، فَابْدَأْ بِآخِرِ الْوَصَايَا، فَقُلْ: هَذَا مَالٌ ذَهَبَ ثُلُثُهُ، فَزِدْ عَلَيْهِ نِصْفَهُ ثَلَاثَةً، وَمِثْلَ نَصِيبِ الْأُخْتِ ثَلَاثَةً، صَارَتْ اثْنَيْ عَشَرَ، ثُمَّ قُلْ: هَذَا بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ رُبُعُهُ، فَزِدْ عَلَيْهِ ثُلُثَهُ، وَمِثْلَ نَصِيبِ الْأُمِّ سِتَّةً، صَارَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، ثُمَّ قُلْ: هَذَا بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ سُبُعُهُ، فَزِدْ عَلَيْهِ سُدُسَهُ، وَنَصِيبَ الْعَمِّ، صَارَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَمِنْهُ تَصِحُّ.
[فَصْلٌ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إلَّا رُبْعَ الْمَالِ]
(4643) فَصْلٌ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ، إذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إلَّا رُبُعَ الْمَالِ، فَخُذْ مَخْرَجَ الْكَسْرِ أَرْبَعَةً، وَزِدْ عَلَيْهَا سَهْمًا، تَكُنْ خَمْسَةً، فَهَذَا النَّصِيبُ، وَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا، وَاضْرِبْهُ فِي مَخْرَجِ الْكَسْرِ، تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ، تَدْفَعُ إلَى الْوَصِيِّ خَمْسَةً، وَتَسْتَثْنِي مِنْهُ أَرْبَعَةً يَبْقَى لَهُ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ.
وَإِنْ شِئْت خَصَصْت كُلَّ ابْنٍ بِرُبُعٍ، وَقَسَمْت الرُّبُعَ الْبَاقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ.
فَإِنْ قَالَ: إلَّا رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَ النَّصِيبِ.
فَزِدْ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَرُبْعًا، وَاضْرِبْهُ فِي أَرْبَعَةٍ، تَكُنْ سَبْعَةَ عَشَرَ، لِلْوَصِيِّ سَهْمَانِ، وَلِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ.
وَبِالْجَبْرِ، تَأْخُذُ مَالًا، وَتَدْفَعُ مِنْهُ نَصِيبًا إلَى الْمُوصَى لَهُ، وَتَسْتَثْنِي مِنْهُ رُبْعَ الْبَاقِي، وَهُوَ رُبْعُ مَالٍ إلَّا رُبْعَ نَصِيبٍ، صَارَ مَعَك مَالٌ وَرُبْعٌ إلَّا نَصِيبًا وَرُبْعًا، يَعْدِلُ أَنْصِبَاءَ الْبَنِينَ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجْ النَّصِيبُ خَمْسَةً، وَالْمَالُ سَبْعَةَ عَشَرَ.
فَإِنْ قَالَ: إلَّا رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
جَعَلْت الْمَخْرَجَ ثَلَاثَةً، وَزِدْت عَلَيْهِ ثُلُثَهُ، صَارَ أَرْبَعَةً، فَهُوَ النَّصِيبُ، وَتَزِيدُ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ نَصِيبًا وَثُلُثًا، وَتَضْرِبُهُ فِي ثَلَاثَةٍ، تَكُنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَهُوَ الْمَالُ.
وَإِنْ شِئْت قُلْت: الْمَالُ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْصِبَاءَ وَوَصِيَّةٌ، وَالْوَصِيَّةُ هِيَ نَصِيبٌ إلَّا رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَهَا، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ نَصِيبٍ، فَيَبْقَى رُبُعُ نَصِيبٍ، فَهُوَ الْوَصِيَّةُ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ ثَلَاثَةٌ وَرُبُعٌ، اُبْسُطْهَا، تَكُنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَلِهَذِهِ الْمَسَائِلِ طُرُقٌ سِوَى مَا ذَكَرْنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَالَ أَوْصَيْت لَك بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِي إلَّا ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ]
(4644) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيَّ إلَّا ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ.
فَخُذْ مَخْرَجَ الْكَسْرِ ثُلُثَ الثُّلُثِ، وَهُوَ تِسْعَةٌ وَزِدْ عَلَيْهَا سَهْمًا، تَكُنْ عَشَرَةً، فَهِيَ النَّصِيبُ، وَزِدْ عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَثُلُثًا، وَاضْرِبْ ذَلِكَ فِي تِسْعَةٍ، تَكُنْ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ، ادْفَعْ عَشَرَةً إلَى الْوَصِيِّ، وَاسْتَثْنِ مِنْهُ ثُلُثَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ سَهْمًا، يَبْقَى لَهُ تِسْعَةٌ، وَلِكُلِّ ابْنٍ عَشْرَةٌ.
وَإِنْ قَالَ إلَّا ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
جَعَلْت الْمَالَ سِتَّةً، وَزِدْت عَلَيْهَا سَهْمًا، صَارَتْ سَبْعَةً، فَهَذَا هُوَ النَّصِيبُ، وَزِدْت عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَنِصْفًا، وَضَرَبْته فِي سِتَّةٍ، صَارَ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، وَدَفَعْت إلَى الْوَصِيِّ سَبْعَةً، وَأَخَذْت مِنْهُ نِصْفَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ، بَقِيَ مَعَهُ سِتَّةٌ، وَبَقِيَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، لِكُلِّ ابْنٍ سَبْعَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الثُّلُثَ بَعْد الْوَصِيَّةِ هُوَ النِّصْفُ بَعْدَ النَّصِيبِ، وَمَتَى أَطْلَقَ الِاسْتِثْنَاءَ، فَلَمْ يَقُلْ: بَعْدَ النَّصِيبِ وَلَا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُحْمَلُ عَلَى مَا بَعْدَ النَّصِيبِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْبَصْرِيِّينَ يَكُونُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
[فَصْل الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْوَصِيَّة]
(4645) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إلَّا خُمُسَ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ بَعْدَ النَّصِيبِ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ بَعْدَ وَصِيَّةِ الْأَوَّلِ، فَخُذْ الْجَمِيعَ خَمْسَةً، وَزِدْ عَلَيْهَا خُمْسَهَا، تَكُنْ سِتَّةً، اُنْقُصْ ثُلُثَهَا مِنْ أَجْلِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، فَهِيَ النَّصِيبُ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا، وَزِدْ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَانْقُصْ مِنْ ذَلِكَ ثُلُثَهُ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، زِدْهَا عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ، وَاضْرِبْهَا فِي خَمْسَةٍ، تَصِرْ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَهِيَ الْمَالُ، ادْفَعْ إلَى الْأَوَّلِ أَرْبَعَةً، وَاسْتَثْنِ مِنْهُ خُمُسَ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ، يَبْقَ مَعَهُ سَهْمٌ، فَادْفَعْ إلَى الْآخَرِ ثُلُثَ الْبَاقِي سِتَّةً، يَبْقَ اثْنَا عَشَرَ، لِكُلِّ ابْنٍ أَرْبَعَةٌ.
وَبِالْجَبْرِ خُذْ مَالًا، وَأَلْقِ مِنْهُ نَصِيبًا، وَاسْتَرْجِعْ مِنْهُ خُمُسَ الْبَاقِي، يَصِرْ مَعَك مَالٌ وَخُمُسٌ إلَّا نَصِيبًا وَخُمُسًا، أَلْقِ مِنْهُ ثُلُثَ ذَلِكَ، يَبْقَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ مَالٍ إلَّا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ نَصِيبٍ، تَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَابْسُطْ، يَكُنْ الْمَالُ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَالنَّصِيبُ أَرْبَعَةً.
وَإِنْ شِئْت قُلْت: أَنْصِبَاءُ الْبَنِينَ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ ثُلُثُهُ، فَزِدْ عَلَيْهِ نِصْفَهُ، يَصِرْ أَرْبَعَةَ أَنْصِبَاءَ وَنِصْفًا وَوَصِيَّةً، وَالْوَصِيَّةُ هِيَ نَصِيبٌ إلَّا خُمُسَ الْبَاقِي، وَهُوَ نِصْفُ نَصِيبٍ وَخُمُسُ نَصِيبٍ، وَخُمُسُ وَصِيَّةٍ، أُسْقِطْهُ مِنْ النَّصِيبِ، يَبْقَ خُمُسُ نَصِيبٍ وَعُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُمُسَ وَصِيَّةٍ، تَعْدِلُ وَصِيَّةً، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَابْسُطْ، تَصِرْ ثَلَاثَةً مِنْ النَّصِيبِ، تَعْدِلُ اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَهِيَ تَتَّفِقُ بِالْأَثْلَاثِ، فَرُدَّهَا عَلَى وَفْقِهَا، تَصِرْ سَهْمًا، يَعْدِلُ أَرْبَعَةً، فَالْوَصِيَّةُ سَهْمٌ، وَالنَّصِيبُ أَرْبَعَةٌ، فَابْسُطْهَا، تَكُنْ تِسْعَةَ عَشَرَ.
فَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، قُلْت: الْمَالُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ وَصِيَّةٍ، وَهِيَ نَصِيبٌ إلَّا خُمُسَ الْبَاقِي، وَهُوَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ نَصِيبٍ، يَبْقَى عُشْرُ نَصِيبٍ، فَهُوَ الْوَصِيَّةُ.
فَابْسُطْ الْكُلَّ أَعْشَارًا تَكُنْ الْأَنْصِبَاءُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ، وَالْوَصِيَّةُ سَهْمٌ.
وَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى خُمُسَ الْمَالِ كُلَّهُ، فَالْوَصِيَّةُ عُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُمُسَ
وَصِيَّةٍ، اُجْبُرْ يَصِرْ الْعُشْرُ يَعْدِلُ وَصِيَّةً وَخُمْسًا، اُبْسُطْ يَصِيرُ النَّصِيبُ سِتِّينَ، وَالْوَصِيَّةُ خَمْسَةً، وَالْمَالُ كُلُّهُ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، أَلْقِ مِنْهَا سِتِّينَ، وَاسْتَرْجِعْ مِنْهُ خُمُسَ الْمَالِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ، يَبْقَ لَهُ خَمْسَةٌ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَا الْبَاقِي تِسْعُونَ، وَيَبْقَى مِائَةٌ وَثَمَانُونَ، لِكُلِّ ابْنٍ سِتُّونَ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى خُمُسِهَا، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ، لِلْوَصِيِّ الْأَوَّلِ سَهْمٌ، وَلِلثَّانِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلِكُلِّ ابْنٍ اثْنَا عَشَرَ.
وَبِالْجَبْرِ، تَأْخُذُ مَالًا تُلْقِي مِنْهُ نَصِيبًا، وَتَزِيدُ عَلَى الْمَالِ خَمْسَةً، يَصِرْ مَالًا وَخُمْسًا إلَّا نَصِيبًا، أَلْقِ ثُلُثَ ذَلِكَ، يَبْقَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ مَالٍ إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةً، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَابْسُطْ، يَكُنْ الْمَالُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثًا، اضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ، لِيَزُولَ الْكَسْرُ، يَصِرْ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ.
وَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى الْخُمُسَ كُلَّهُ، وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ كُلِّهِ، فَخُذْ مَخْرَجَ الْكَسْرَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَزِدْ عَلَيْهَا خُمُسَهَا، ثُمَّ اُنْقُصْ ثُلُثَ الْمَالِ كُلَّهُ، يَبْقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَهِيَ النَّصِيبُ، وَزِدْ عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ سَهْمًا، وَاضْرِبْهُ فِي الْمَالِ، يَكُنْ سِتِّينَ، وَهُوَ الْمَالُ.
وَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى خُمُسَ الْبَاقِي، وَأَوْصَى بِثُلُثِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَالْعَمَلُ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّك تَزِيدُ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَخُمْسًا، وَتَضْرِبُهَا، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ، فَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى خُمُسَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ، زِدْت عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَاحِدًا، فَصَارَتْ سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ نَقَصْت ثُلُثَ الْمَالِ كُلَّهُ، بَقِيَ أَحَدَ عَشَرَ، فَهِيَ النَّصِيبُ، ثُمَّ زِدْت عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَخُمْسًا، وَضَرَبْتهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ، تَدْفَعُ إلَى الْوَصِيِّ الْأَوَّلِ أَحَدَ عَشَرَ، وَتَسْتَثْنِي مِنْهُ خُمُسَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ، يَبْقَى مَعَهُ تِسْعَةٌ، وَتَدْفَعُ إلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ إحْدَى وَعِشْرِينَ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ، لِكُلِّ ابْنٍ أَحَدَ عَشَرَ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِثُلُثِ بَاقِي الْمَالِ، زِدْت عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَاحِدًا ثُمَّ نَقَصْت ثُلُثَ السِّتَّةَ عَشَرَ، وَلَا ثُلُثَ لَهَا فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، اُنْقُصْ ثُلُثَهَا، يَبْقَى اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، فَهِيَ النَّصِيبُ، وَخُذْ سَهْمًا، وَزِدْ عَلَيْهِ خَمْسَةً، ثُمَّ اُنْقُصْ ثُلُثَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْبَاقِي، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، زِدْهَا عَلَى سِهَامِ الْوَرَثَةِ، وَاضْرِبْهَا فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، تَكُنْ مِائَةً وَإِحْدَى وَسَبْعِينَ.
وَمِنْهَا تَصِحُّ.
[فَصْل خَلَّفَ أَرْبَعَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ إلَّا نَصِيبَ أَحَدِهِمْ]
(4646) فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَّفَ أَرْبَعَةَ بَنِينَ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ إلَّا نَصِيبَ أَحَدِهِمْ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِتَكْمِلَةِ الثُّلُثِ عَلَى نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ التُّسْعُ.
وَحِسَابُهَا أَنْ تَدْفَعَ إلَى الْوَصِيِّ وَابْنٍ ثُلُثَ الْمَالِ، يَبْقَى ثُلُثَاهُ لِثَلَاثَةِ بَنِينَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ تُسْعَانِ، فَعَلِمْت أَنْ نَصِيبَ الِابْنِ مِنْ الثُّلُثِ تُسْعَانِ، يَبْقَى تُسْعٌ لِلْوَصِيِّ.
وَإِنْ وَصَّى لِآخَرَ بِخُمُسِ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى، عَزَلْت ثُلُثَ الْمَالِ، ثُمَّ أَخَذْت مِنْهُ نَصِيبًا، وَرَدَدْته عَلَى الثُّلُثَيْنِ، وَدَفَعْت إلَى الْوَصِيِّ الثَّانِي خُمُسَ ذَلِكَ، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ ثُلُثُهُ وَخُمُسُهُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ نَصِيبٍ لِلْوَرَثَةِ، فَأَسْقِطْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ نَصِيبٍ بِمِثْلِهَا، يَبْقَى لَهُ ثَلَاثَةٌ وَخُمُسٌ، تَعْدِلُ ثُلُثًا وَخُمُسًا، فَنِصْفُ الْمَالِ إذَا يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ
أَنْصِبَاءَ، وَالْمَالُ كُلُّهُ سِتَّةٌ لِلْوَصِيَّيْنِ وَالْبَنِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمٌ.
(طَرِيقٌ آخَرُ) سِهَامُ الْبَنِينَ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ خُمُسُهُ، فَزِدْ عَلَيْهِ رُبُعَهُ لِلْوَصِيِّ الثَّانِي، صَارَتْ خَمْسَةً، ثُمَّ زِدْ عَلَى سَهْمِ ابْنٍ مَا يَكْمُلُ بِهِ الثُّلُثُ، وَهُوَ سَهْمٌ آخَرُ فَصَارَتْ سِتَّةً.
وَإِنْ شِئْت فَرَضْت الْمَالَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَتَكْمِلَةً، وَدَفَعْت التَّكْمِلَةَ إلَى صَاحِبِهَا، وَخُمُسَ الْبَاقِي إلَى صَاحِبِهِ، وَيَبْقَى لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمٌ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ سَهْمَ ابْنٍ مَعَ التَّكْمِلَةِ ثُلُثُ الْمَالِ، وَأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، فَقَابِلْ بِهِمَا نِصْفَ الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ سَهْمَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّكْمِلَةَ سَهْمٌ.
[فَصْل أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ وَلِآخَر بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ وَلِآخَرَ بِدِرْهَمِ]
(4647) فَصْلٌ وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ، وَلِآخَرَ بِدِرْهَمٍ، فَاجْعَلْ الْمَالَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ وَثَلَاثَةَ أَيْضًا، فَادْفَعْ إلَى الْوَصِيِّ الْأَوَّلِ نَصِيبًا، وَإِلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ دِرْهَمَيْنِ، بَقِيَ سَبْعَةٌ وَنَصِيبَانِ، ادْفَعْ نَصِيبَيْنِ إلَى ابْنَيْنِ، يَبْقَى سَبْعَةٌ لِلِابْنِ الثَّالِثِ، فَالنَّصِيبُ سَبْعَةٌ، وَالْمَالُ ثَلَاثُونَ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِدِرْهَمَيْنِ، فَالنَّصِيبُ سِتَّةٌ وَالْمَالُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ.
[فَصْلٌ تَرَكَ سِتّمِائَةِ وَوَصَى لِأَجْنَبِيٍّ بِمِائَةِ وَلِآخِرِ بِتَمَامِ الثُّلُث]
(4648) فَصْلٌ: وَإِنْ تَرَكَ سِتَّمِائَةٍ، وَوَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ بِمِائَةٍ، وَلِآخَرَ بِتَمَامِ الثُّلُثِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ، فَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلُ وَصِيَّتَهُ فَلِلْآخَرِ مِائَةٌ.
وَإِنْ وَصَّى لِلْأَوَّلِ بِمِائَتَيْنِ، وَلِلْآخَرِ بِبَاقِي الثُّلُثِ، فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي، سَوَاءٌ رَدَّ الْأَوَّلُ وَصِيَّتَهُ أَوْ أَجَازَهَا.
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: إنْ رَدَّ الْأَوَّلُ، فَلِلثَّانِي مِائَتَانِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمِائَتَيْنِ لَيْسَتْ بَاقِيَ الثُّلُثِ، وَلَا تَتِمَّتَهُ، فَلَا يَكُونُ مُوصًى بِهَا لِلثَّانِي، كَمَا لَوْ قَبِلَ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ وَصَّى لِوَارِثٍ بِثُلُثِهِ، وَلِآخَرَ بِتَمَامِ الثُّلُثِ، فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي.
وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، لَهُ الثُّلُثُ كَامِلًا.
[فَصْل أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِمِائَةِ وَلَثَالِث بِتَمَامِ الثُّلُثِ عَلَى الْمِائَةِ]
(4649) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ، وَلَثَالِثً بِتَمَامِ الثُّلُثِ عَلَى الْمِائَةِ، وَلَمْ يَزِدْ الثُّلُثُ عَلَى مِائَةٍ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ التَّمَامِ.
وَإِنْ زَادَ عَلَى مِائَةٍ، وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ، أُمْضِيَتْ وَصَايَاهُمْ عَلَى مَا أَوْصَى لَهُمْ بِهِ.
وَإِنْ رَدُّوا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُرَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصَايَا رَجَعَتْ إلَى نِصْفِهَا، فَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَالِهِ فِي الْوَصِيَّةِ، كَسَائِرِ الْوَصَايَا.
وَالثَّانِي، لَا شَيْءَ لِصَاحِبِ التَّمَامِ حَتَّى تَكْمُلَ الْمِائَةُ لِصَاحِبِهَا، ثُمَّ يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ الْآخَرَيْنِ
نِصْفَيْنِ، وَيُزَاحِمُ صَاحِبُ الْمِائَةِ صَاحِبَ التَّمَامِ، وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَعْدَ تَمَامِ الْمِائَةِ لِصَاحِبِهَا، وَمَا تَمَّتْ لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُزَاحِمَ بِهِ وَلَا يُعْطِيهِ، كَالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، يُزَاحِمُ الْجَدَّ بِالْأَخِ مِنْ الْأَبِ، وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا.
[مَسْأَلَة أَوْصَى لِزَيْدِ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِعَمْرِو بِرُبُعِ مَالِهِ وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ]
(4650) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلِعَمْرٍو بِرُبُعِ مَالِهِ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ؛ لِعَمْرِو سَهْمٌ؛ وَلِزَيْدٍ سَهْمَانِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِأَجْزَاءَ مِنْ الْمَالِ، أَخَذْتهَا مِنْ مَخْرَجِهَا، وَقَسَمْت الْبَاقِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا، قَسَمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْأَوْصِيَاءِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ، فِي حَالِ الْإِجَازَةِ، وَقَسَمْت الثُّلُثَيْنِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُمْ مَنْ تُجَاوِزُ وَصِيَّتُهُ الثُّلُثَ أَوْ لَا.
هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ؛ الْحَسَنُ؛ وَالنَّخَعِيُّ؛ وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَضْرِبُ الْمُوصَى لَهُ فِي حَالِ الرَّدِّ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ بَاطِلٌ، فَكَيْفَ يَضْرِبُ بِهِ؟ وَلَنَا، أَنَّهُ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ فَلَمْ تَجُزْ التَّسْوِيَةُ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِثُلُثٍ وَرُبُعٍ، أَوْ بِمِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ، وَمَالُهُ أَرْبَعُمِائَةٍ.
وَهَذَا يُبْطِلُ مَا ذَكَرُوهُ، وَلِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، ضَاقَ عَنْهَا الثُّلُثُ، فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْوَصَايَا، كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
فَعَلَى هَذَا إذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلِعَمْرٍو بِرُبُعِهِ، فَلِلْمُوصَى لَهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ، إنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ، وَيَبْقَى لَهُمْ الرُّبُعُ.
وَإِنْ رَدُّوا، فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَالْمَسْأَلَةُ كُلُّهَا مِنْ تِسْعَةٍ.
وَإِنْ أَجَازُوا لِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ، ضَرَبْت مَسْأَلَةَ الرَّدِّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ، وَأَعْطَيْت الْمُجَازَ لَهُ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ، وَالْمَرْدُودَ عَلَيْهِ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ مَضْرُوبًا فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ.
وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ لَهُمَا، وَرَدَّ الْبَاقُونَ عَلَيْهِمَا، أَعْطَيْت الْمُجِيزَ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ مَضْرُوبًا فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ، وَقَسَمْت الْبَاقِيَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
وَإِنْ اتَّفَقَتْ الْمَسْأَلَتَانِ، ضَرَبْت وَفْقَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، وَمَنْ لَهُ سَهْمٌ مِنْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مَضْرُوبٌ فِي وَفْقِ الْأُخْرَى.
وَإِنْ دَخَلَتْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْأُخْرَى، اجْتَزَأْت بِأَكْثَرِهِمَا، فَفِي مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ هَذِهِ، إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ أُمًّا وَثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، فَأَجَازُوا، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، لِلْوَصِيَّيْنِ ثَلَاثَةٌ، يَبْقَى سَهْمٌ عَلَى سِتَّةٍ، تَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ.
وَإِنْ رَدُّوا فَلِلْوَصِيَّيْنِ الثُّلُثُ ثَلَاثَةٌ، وَيَبْقَى، سِتَّةٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ سِتَّةٌ؛ فَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ.
وَإِنْ أَجَازُوا لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَهُ، ضَرَبْت وَفْقَ التِّسْعَةِ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ اثْنَا عَشَرَ فِي ثَلَاثَةٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ فِي ثَمَانِيَةٍ،
يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ أَجَازَتْ الْأُمُّ لَهُمَا وَرَدَّ الْبَاقُونَ عَلَيْهِمَا، أَعْطَيْت الْأُمَّ سَهْمًا فِي ثَلَاثَةٍ، وَالْبَاقِينَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ فِي ثَمَانِيَةٍ، صَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ، يَبْقَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
وَإِنْ أَجَازَتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَحْدَهَا، فَلَهَا تِسْعَةٌ وَلِبَاقِي الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَيَبْقَى تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ، وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
[فَصْلٌ جَاوَزَتْ الْوَصَايَا الْمَالَ]
(4651) فَصْلٌ إذَا جَاوَزَتْ الْوَصَايَا الْمَالَ، فَاقْسِمْ الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، مِثْلُ الْعَوْلِ، وَاجْعَلْ وَصَايَاهُمْ كَالْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَرَثَةِ، إذَا زَادَتْ عَلَى الْمَالِ.
وَإِنْ رَدُّوا، قَسَمْت الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ عَلَى تِلْكَ السِّهَامِ.
وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: قَالَ لِي إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ، وَثُلُثِ مَالِهِ، وَرُبُعِ مَالِهِ؟ قُلْت: لَا يَجُوزُ.
قَالَ: فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجَازُوا.
قُلْت: لَا أَدْرِي؟ قَالَ: أَمْسِكْ اثْنَيْ عَشَرَ فَأَخْرِجْ نِصْفَهَا سِتَّةً، وَثُلُثَهَا أَرْبَعَةً، وَرُبُعَهَا ثَلَاثَةً، فَاقْسِمْ الْمَالَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَلِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ، وَلِصَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةٌ.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُول: يَأْخُذُ أَكْثَرُهُمْ وَصِيَّةً مِمَّا يَفْضُلُ بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ الْبَاقِيَ إنْ أَجَازُوا، وَفِي الرَّدِّ لَا يُضْرَبُ لَأَحَدِهِمْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ نَقَصَ بَعْضُهُمْ عَنْ الثُّلُثِ، أَخَذَ أَكْثَرُهُمْ مَا يَفْضُلُ بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ، رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثَيْ مَالِهِ وَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى تِسْعَةٍ فِي الْإِجَازَةِ، وَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ فِي الرَّدِّ، كَمَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتَانِ لِأَبٍ وَأُخْتَانِ لِأُمٍّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ يَفْضُلُهُمَا بِسُدُسٍ، فَيَأْخُذُهُ، وَهُوَ وَصَاحِبُ النِّصْفِ يَفْضُلَانِ صَاحِبَ الثُّلُثِ بِسُدُسٍ، فَيَأْخُذَانِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَقْتَسِمُونَ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ أَحَدَ عَشَرَ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَمَانِيَةٌ.
وَإِنْ رَدُّوا قَسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ إنْ أَجَازُوا، وَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ فِي حَالِ الرَّدِّ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ أَجَازُوا فَلِصَاحِبِ الْمَالِ الثُّلُثَانِ، يَتَفَرَّدُ بِهِمَا، وَيُقَاسِمُ صَاحِبَ الثُّلُثِ، فَيَحْصُلُ لَهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ السُّدُسُ، وَإِنْ رَدُّوا، اقْتَسَمَا الثُّلُثَ نِصْفَيْنِ، فَلَا يَحْصُلُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ إلَّا السُّدُسُ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ جَمِيعًا.
وَلَوْ جَعَلَ مَكَانَ الثُّلُثِ سُدُسًا، لَكَانَ لِصَاحِبِ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ فِي الْإِجَازَةِ، وَيُقَاسِمُ صَاحِبَ السُّدُسِ، فَيَأْخُذُ نِصْفَهُ، وَيَبْقَى لِصَاحِبِ السُّدُسِ نِصْفُهُ سَهْمٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ.
وَفِي الرَّدِّ، يَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، فَيَجْعَلُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ التُّسْعَ سَهْمٌ مِنْ تِسْعَةٍ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا حَصَلَ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ، لِزِيَادَةِ سَهْمِ الْمُوصَى لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى حَالَةِ الْإِجَازَةِ، وَمَتَى كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ حَقٌّ فِي حَالِ الرَّدِّ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَكَّنَ الْوَارِثُ مِنْ تَغْيِيرِهِ، وَلَا تَنْقِيصِهِ، وَلَا أَخْذِهِ مِنْهُ،
وَلَا صَرْفِهِ إلَى غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ نَظِيرُهُ مَسَائِلُ الْعَوْلِ فِي الْفَرَائِضِ، وَالدُّيُونِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا نَظِيرَ لَهُ، مَعَ أَنَّ فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْوَارِثِ آكَدُ مِنْ فَرْضِ الْمُوصِي وَوَصِيَّتِهِ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْفَضْلِ فِي الْفَرْضِ الْمَفْرُوضِ، لَا يَنْفَرِدُ بِفَضْلِهِ، فَكَذَا فِي الْوَصَايَا.
[فَصْلٌ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَلِلْآخَرِ بِنِصْفِهِ]
(4652) فَصْلٌ: وَإِذَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلِلْآخَرِ بِنِصْفِهِ، فَالْمَالُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ إنْ أَجَازَا؛ لِأَنَّك إذَا بَسَطْت الْمَالَ مِنْ جِنْسِ الْكَسْرِ، كَانَ نِصْفَيْنِ، فَإِذَا ضَمَمْت النِّصْفَ الْآخَرَ، صَارَتْ ثَلَاثَةً، فَيُقْسَمُ الْمَالُ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَيَصِيرُ النِّصْفُ ثُلُثًا، كَمَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، فَإِنْ رَدُّوا، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ أَجَازُوا لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَهُ، فَلِصَاحِبِ الْمَالِ التُّسْعَانِ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُوصًى لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ أَخْذَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لَهُمَا، مُزَاحَمَةُ صَاحِبِهِ، فَإِذَا زَالَتْ مُزَاحَمَتُهُ، أَخَذَ جَمِيعَ وَصِيَّتِهِ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ حَقًّا لِصَاحِبِ الْمَالِ، أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ مِنْهُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ الْوَارِثَانِ.
وَإِنْ أَجَازَا لِصَاحِبِ الْكُلِّ وَحْدَهُ، فَلَهُ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالتُّسْعُ لِلْآخَرِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، لَيْسَ لَهُ إلَّا الثُّلُثَانِ اللَّذَانِ كَانَا لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لَهُمَا، وَالتُّسْعَانِ لِلْوَرَثَةِ.
فَإِنْ أَجَازَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ لَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُجِيزِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ.
وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِ الْمَالِ وَحْدَهُ، فَلِلْآخَرِ التُّسْعُ، وَلِلِابْنِ الْآخَرِ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِصَاحِبِ الْمَالِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ، وَالتُّسْعُ الْبَاقِي لِلْمُجِيزِ.
وَإِنْ أَجَازَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَهُ، دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصْفُ، وَهُوَ تُسْعٌ وَنِصْفُ سُدُسٍ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِي أَحَدِ الْوَجْهِيِّينَ.
وَفِي الْآخَرِ يَدْفَعُ إلَيْهِ التُّسْعَ، فَيَصِيرُ لَهُ تُسْعَانِ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ تُسْعَانِ، وَلِلْمُجِيزِ تُسْعَانِ، وَالثُّلُثُ لِلَّذِي لَمْ يُجِزْ.
وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، لِلَّذِي لَمْ يُجِزْ اثْنَا عَشَرَ، وَلِلْمُجِيزِ خَمْسَةٌ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ أَحَدَ عَشَرَ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ ثَمَانِيَةٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الرَّدِّ مِنْ تِسْعَةٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ مِنْهَا سَهْمٌ، فَلَوْ أَجَازَ لَهُ الِابْنَانِ، كَانَ لَهُ تَمَامُ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ.
فَإِذَا أَجَازَ لَهُ أَحَدُهُمَا، لَزِمَهُ نِصْفُ ذَلِكَ، وَهُوَ سَهْمٌ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ سَهْمٍ، فَيُضْرَبُ مَخْرَجُ الرُّبُعِ فِي تِسْعَةٍ، يَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ.
[مَسْأَلَة أَوْصَى لِوَلَدِهِ أَوْ لِوَلَدِ فُلَانٍ]
(4653) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ.
وَإِنْ قَالَ: لِبَنِيهِ.
فَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ) أَمَّا إذَا أَوْصَى لِوَلَدِهِ أَوْ لِوَلَدِ فُلَانٍ، فَإِنَّهُ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَالْخَنَاثَى.
لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ
يَشْمَلُ الْجَمِيعَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 91] . نَفَى الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ: لِبَنِيَّ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ.
فَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْخَنَاثَى.
هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: هُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ، دَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَهُوَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ، فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ غَلَبَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ، وَدَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ، كَلَفْظِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ.
وَلَنَا، أَنَّ لَفْظَ الْبَنِينَ يَخْتَصُّ الذُّكُورَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: 16] . وَقَالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: 14] . وَقَالَ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46] . وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَهُونَ الْبَنَاتِ.
فَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى﴾ [النحل: 58] . الْآيَةَ.
وَإِنَّمَا دَخَلُوا فِي الِاسْمِ إذَا صَارُوا قَبِيلَةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ نُقِلَ فِيهِمْ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْعُرْفِ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ.
إذَا انْتَسَبَتْ إلَى الْقَبِيلَةِ، وَلَا تَقُولُ ذَلِكَ إذَا انْتَسَبَتْ إلَى أَبِيهَا.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِبَنَاتِ فُلَانٍ]
(4654) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِبَنَاتِ فُلَانٍ، دَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ دُونَ غَيْرِهِنَّ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ كَوْنَهُ أُنْثَى.
[فَصْل أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ أَوْ لِبَنِيَّ فُلَانٍ وَلَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً]
(4655) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ، أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ.
وَلَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً، فَهُوَ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَلَدِ فُلَانٍ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، أَوْ قَالَ: وَلَا يُعْطَى وَلَدُ الْبَنَاتِ شَيْئًا.
أَوْ قَالَ: إلَّا وَلَدَ فُلَانٍ.
أَوْ فَضَّلُوا وَلَدَ فُلَانٍ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَنَحْوَ ذَلِكَ، دَخَلُوا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمْ، وَالْقَرِينَةَ صَارِفَةٌ لَهُ إلَيْهِمْ، فَصَارَ كَالتَّصْرِيحِ بِهِمْ.
وَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إخْرَاجِهِمْ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
وَإِنْ
انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةً عِبَارَةٌ عَنْ وَلَدِ الصُّلْبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] . قُلْنَا: إنَّمَا دَخَلُوا فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ابْنٌ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ، وَدَخَلُوا مَعَ الْإِنَاثِ عَلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا يَرِثُونَ مَا فَضَلَ عَنْ الْبَنَاتِ، عَلَى مَا ذُكِرَ تَفْصِيلُهُ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ هَا هُنَا، فَانْتَفَى دُخُولُهُمْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ وَلَدُ الْبَنِينَ فِي الْوَصِيَّةِ، إذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تُخْرِجُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي اسْمِ الْوَلَدِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْإِرْثِ وَالْحَجْبِ وَغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ وَصَّى لِوَلَدِ فُلَانٍ أَوْ بَنِي فُلَانٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ]
(4656) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِوَلَدِ فُلَانٍ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ، كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي تَمِيمٍ، دَخَلَ فِيهِمْ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَيَدْخُلُ وَلَدُ الرَّجُلِ مَعَهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ بَنَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ ذَكَرِهَا وَأُنْثَاهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 26] . ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] . يُرِيدُ الْجَمِيعَ.
وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [الجاثية: 16] . وَرُوِيَ أَنَّ جَوَارِيَ مِنْ الْأَنْصَارِ قُلْنَ:
نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ... يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ
وَيُقَال: امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْقَبِيلَةِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِأَخَوَاتِهِ خَاصَّةً]
(4657) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِأَخَوَاتِهِ، فَهُوَ لِلْإِنَاثِ خَاصَّةً، وَإِنْ أَوْصَى لِإِخْوَتِهِ، دَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 176] . وَقَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَجْبِهَا بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَإِنْ قَالَ لِعُمُومَتِهِ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُ الْإِخْوَةِ، يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى؛ لِأَنَّهُمْ إخْوَةُ أَبِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: لِبَنِي إخْوَتِهِ.
أَوْ لِبَنِي عَمِّهِ.
فَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، إذَا لَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِخْوَةَ وَالْعُمُومَةَ لَيْسَ لَهُمَا لَفْظٌ مَوْضُوعٌ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى سِوَى هَذَا اللَّفْظِ، وَبَنُو الْإِخْوَةِ وَالْعَمِّ لَهُمْ لَفْظٌ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ وَهُوَ لَفْظُ الْأَوْلَادِ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ اللَّفْظِ الْعَامِّ إلَى لَفْظِ الْبَنِينَ، دَلَّ عَلَى إرَادَةِ الذُّكُورِ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومَةِ أَشْبَهُ بِلَفْظِ الْإِخْوَةِ، وَلَفْظَ بَنِي الْإِخْوَةِ وَالْعَمِّ يُشْبِهُ بَنِي فُلَانٍ،
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِمَا.
وَالْحُكْمُ فِي تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لِلْبَعِيدِ مِنْ الْعُمُومَةِ وَبَنِي الْعَمِّ وَالْإِخْوَةِ، حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا فِي وَلَدِ الْوَلَدِ، مَعَ الْقَرِينَةِ وَعَدَمِهَا.
[فَصْل أَلْفَاظ الْجُمُوع فِي الْوَصِيَّة عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرِب]
(4658) فَصْلٌ: وَأَلْفَاظُ الْجُمُوعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مَا يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى بِوَضْعِهِ، كَالْأَوْلَادِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْعَالَمِينَ وَشِبْهِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، مَوْضُوعٌ لِلذُّكُورِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ إذَا اجْتَمَعُوا، كَلَفْظِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالذِّمِّيِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ الْمُذَكَّرِ، كَالْوَاوِ فِي قَامُوا، وَالتَّاءِ وَالْمِيمِ فِي قُمْتُمْ، وَهُمْ مُفْرَدَةً وَمَوْصُولَةً، وَالْكَافِ وَالْمِيمِ فِي لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ، وَنَحْوَهُ.
فَهَذَا مَتَى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَغُلِّبَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ فِيهِ، وَدَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى.
وَالثَّالِثُ، ضَرْبٌ يَخْتَصُّ الذُّكُورَ كَالْبَنِينَ وَالذُّكُورِ وَالرِّجَالِ وَالْغِلْمَانِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا الذُّكُورُ.
وَالرَّابِعُ، لَفْظٌ يَخْتَصُّ النِّسَاءَ، كَالنِّسَاءِ وَالْبَنَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالصَّادِقَاتِ، وَالضَّمَائِرِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُنَّ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْإِنَاثِ.
[فَصْلٌ وَصَّى لِلْأَرَامِلِ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ]
(4659) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِلْأَرَامِلِ، فَهُوَ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى لِأَرَامِلَ بَنِي فُلَانٍ.
فَقَالَ: قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَاَلَّذِي يُعْرَفُ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَنَّ الْأَرَامِلَ النِّسَاءُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَإِسْحَاقُ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَنْشَدَ أَحَدُهُمَا:
هَذِي الْأَرَامِلُ قَدْ قَضَّيْت حَاجَتَهَا ... فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ
وَقَالَ الْآخَرُ:
أُحِبُّ أَنْ أَصْطَادَ ضَبْيًا سَحْبَلَا ... رَعَى الرَّبِيعَ وَالشِّتَاءَ أَرْمَلَا
وَلَنَا، أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَنَّهُ النِّسَاءُ، فَلَا يُحْمَلُ لَفْظُ الْمُوصِي إلَّا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْأَرَامِلَ جَمْعُ أَرْمَلَةٍ، فَلَا يَكُونُ جَمْعًا لِلْمُذَكَّرِ؛ لِأَنَّ مَا يَخْتَلِفُ لَفْظُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي وَاحِدِهِ يَخْتَلِفُ فِي جَمْعِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَلَى قَائِلِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَخَطَّأَهُ فِيهِ، وَالشِّعْرُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَفْظُ الْأَرَامِلِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، لَقَالَ: " حَاجَتَهُمْ " إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى كَانَ لِلذَّكَرِ
وَالْأُنْثَى، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ، غُلِّبَ فِيهِ لَفْظُ التَّذْكِيرِ وَضَمِيرُهُ، فَلَمَّا رُدَّ الضَّمِيرُ عَلَى الْإِنَاثِ عُلِمَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَسَمَّى نَفْسَهُ أَرْمَلَا تَجَوُّزًا تَشْبِيهًا بِهِنَّ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ ذَكَرٌ، وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ أَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا النِّسَاءُ، وَلَا يُسَمَّى بِهِ فِي الْعُرْفِ غَيْرُهُنَّ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِنَّ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَكَانَ قَدْ خَصَّ بِهِ أَهْلُ الْعُرْفِ النِّسَاءَ، وَهُجِرَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ حَتَّى صَارَتْ مَغْمُورَةً، لَا تُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعُرْفِيَّةِ.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّة لِلْأَيَامَى]
(4660) فَصْلٌ: فَأَمَّا لَفْظُ الْأَيَامَى، فَهُوَ كَالْأَرَامِلِ، إلَّا أَنَّهُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] . وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ» . وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِينَ لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ، لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: آمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ زَوْجِهَا، وَأُمُّ عُثْمَانَ مِنْ رُقَيَّةَ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي ... وَإِنْ كُنْت أَفْتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُ
وَلَنَا، أَنَّ الْعُرْفَ يَخُصُّ النِّسَاءَ بِهَذَا الِاسْمِ، وَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ الْعُرْفِيِّ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ» . إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهَا الَّتِي تُوصَفُ بِهَذَا، وَيَضُرُّ بَوَارُهَا.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّة لِلْعُزَّابِ]
(4661) فَصْلٌ: وَالْعُزَّابُ هُمْ الَّذِينَ لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَزَبٌ، وَامْرَأَةٌ عَزَبَةٌ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَزَبًا لِانْفِرَادِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ انْفَرَدَ فَهُوَ عَزَبٌ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرًا مِنْ الْوَحْشِ انْفَرَدَ:
يَجْلُو الْبَوَارِقُ عَنْ مجلمز لَهَقٍ ... كَأَنَّهُ مُتَقَبِّي يُلْمَقُ عَزَبُ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ الْعَزَبُ بِالرِّجَالِ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ كَذَلِكَ، وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ» . وَالْعَانِسُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ: الَّذِي كَبِرَ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ.
قَالَ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ الْوَاقِفِيُّ:
فِينَا الَّذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ ... وَالْعَانِسُونَ وَفِينَا الْمُرْدُ وَالشَّيْبُ
وَالْكُهُولُ: الَّذِينَ جَازُوا الثَّلَاثِينَ، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا﴾ [آل عمران: 46] . (1) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ابْنُ ثَلَاثِينَ.
مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: اكْتَهَلَ النَّبَاتُ، إذَا تَمَّ وَقَوِيَ.
ثُمَّ لَا يَزَالُ كَهْلًا حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسِينَ، ثُمَّ يَشِيخُ، ثُمَّ لَا يُزَالُ شَيْخًا حَتَّى يَمُوتَ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لَجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ]
(4662) فَصْلٌ وَإِذَا أَوْصَى لَجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ، كَالْقَبِيلَةِ الْعَظِيمَةِ، وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، صَحَّ، وَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُدْفَعُ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْقَبِيلَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا؛ لِأَنَّهَا يَدْخُلُ فِيهَا الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَإِذَا وَقَعَتْ لِلْأَغْنِيَاءِ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ إذَا دَخَلَتْ فِيهَا الْجَهَالَةُ لَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِمَجْهُولٍ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَصِيَّةٍ صَحَّتْ لَجَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ، صَحَّتْ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ كَالْفُقَرَاءِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْأَغْنِيَاءِ قُرْبَةٌ، وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْهَدِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَنِيٍّ.
وَأَمَّا جَوَازُ الدَّفْعِ إلَى وَاحِدٍ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى الدَّفْعِ فِي الزَّكَاةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ هُنَاكَ.
[مَسْأَلَة الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ]
(4663) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ وَلِلْحَمْلِ جَائِزَةٌ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ) أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ فَتَصِحُّ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا، بِأَنْ يَكُونَ رَقِيقًا، أَوْ حَمْلَ بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ وَالْخَطَرَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ، فَجَرَى مَجْرَى إعْتَاقِ الْحَمْلِ، فَإِنْ انْفَصَلَ مَيِّتًا، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ انْفَصَلَ حَيًّا، وَعَلِمْنَا وُجُودَهُ حَالَ الْوَصِيَّةِ، أَوْ حَكَمْنَا بِوُجُودِهِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ؛ لِجَوَازِ حُدُوثِهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِمَا تَحْمِلُ جَارِيَتِي هَذِهِ، أَوْ نَاقَتِي هَذِهِ، أَوْ نَخْلَتِي هَذِهِ.
جَازَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ صِحَّتِهَا مَعَ الْغَرَرِ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ، فَصَحِيحَةٌ أَيْضًا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ جَرَتْ مَجْرَى الْمِيرَاثِ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا انْتِقَالَ الْمَالِ مِنْ الْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إلَى الْمُوصَى لَهُ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَانْتِقَالِهِ إلَى وَارِثِهِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمِيرَاثَ وَصِيَّةً، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 12] . وَالْحَمْلُ يَرِثُ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أَوْسَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِلْمُخَالِفِ
فِي الدِّينِ وَالْعَبْدِ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ، فَإِذَا وَرِثَ الْحَمْلُ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِخَطَرٍ وَغَرَرٍ، فَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ، كَالْعِتْقِ.
فَإِنْ انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ حَيًّا حِينَ الْوَصِيَّةِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ بِالشَّكِّ.
وَسَوَاءٌ مَاتَ لِعَارِضٍ، مِنْ ضَرْبِ الْبَطْنِ، أَوْ ضَرْبِ دَوَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُ لَا يَرِثُ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، لَهُ إذَا حَكَمْنَا بِوُجُودِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ.
نَقَلَ الْخِرَقِيِّ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي كُلِّ حَالٍ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ يَطَؤُهَا، فَأَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ، عَلِمْنَا وُجُودَهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ؛ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا فَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الْفُرْقَةِ، وَأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَصِيَّةِ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُعْلَمُ وُجُودُهُ إذَا كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَيُحْكَمُ بِوُجُودِهِ إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الْفُرْقَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ وَصَّى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، مَعَ اشْتِرَاطِ إلْحَاقِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَفِيًا بِاللِّعَانِ، أَوْ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ؛ لِعَدَمِ نَسَبِهِ الْمَشْرُوطِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا؛ لِكَوْنِهِ غَائِبًا فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، أَوْ مَرِيضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الْوَطْءَ، أَوْ كَانَ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا، أَوْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ يَطَؤُهَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، فَكَانَتْ فِي حُكْمِ مَنْ يَطَؤُهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَتَى أَتَتْ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِوَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ، مِثْلُ أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ غَالِبِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، أَوْ تَكُونَ أَمَارَاتُ الْحَمْلِ ظَاهِرَةً، أَوْ أَتَتْ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا بِأَمَارَاتِ الْحَمْلِ، بِحَيْثُ يُحْكَمُ لَهَا بِكَوْنِهَا حَامِلًا، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْحَمْلِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحُكْمِ، وَقَدْ انْتَفَتْ أَسْبَابُ حُدُوثِهِ ظَاهِرًا، فَيَنْبَغِي أَنْ نُثْبِتَ لَهُ الْوَصِيَّةَ، وَالْحُكْمُ بِإِلْحَاقِهِ بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ النَّسَبِ بِمُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ، نَفْيُ اسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْتَاطُ لِإِبْطَالِ الْوَصِيَّةِ، كَمَا يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ، فَلَا يَلْزَمُ إلْحَاقُ مَا لَا يُحْتَاطُ لَهُ بِمَا يُحْتَاطُ لَهُ مَعَ ظُهُورِ مَا يُثْبِتُهُ وَيُصَحِّحُهُ.
[فَصْلٌ وَصَّى بِالْحَمْلِ الْمَوْجُودِ]
(4664) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِأَصْلِ الْمَوْجُودِ، اُعْتُبِرَ وُجُودُهُ كَمَا فِي حَمْلِ الْأَمَةِ بِمَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَمْلِ الْمُوصَى لَهُ.
وَإِنْ كَانَ حَمْلَ بَهِيمَةٍ، اُعْتُبِرَ وُجُودُهُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ وُجُودُهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لَمَا تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ]
(4665) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى لِمَا تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَصِحَّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَصِحُّ، كَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا تَحْمِلُ هَذِهِ الْجَارِيَةُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، فَلَا تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ، بِخِلَافِ الْمُوصَى بِهِ، فَإِنَّهُ يُمْلَكُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُهُ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ، وَلَوْ مَاتَ إنْسَانٌ لَمْ يَرِثْهُ مِنْ الْحَمْلِ إلَّا مَنْ كَانَ مَوْجُودًا، كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.
وَلَوْ تَجَدَّدَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ بَعْد مَوْتِهِ، بِأَنْ يَسْقُطَ فِي شَبَكَتِهِ صَيْدٌ، لَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ، وَلِذَلِكَ قَضَيْنَا بِثُبُوتِ الْإِرْثِ فِي دِيَتِهِ، وَهِيَ تَتَحَدَّدُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَجَازَ أَنْ تُمْلَكَ بِالْوَصِيَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَحْدُثُ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ فُلَانٍ صَحَّ، فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
قُلْنَا: الْوَصِيَّةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ، وَلَا يَحْصُلُ الْمِيرَاثُ إلَّا لِمَوْجُودٍ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ، وَالْوَقْفُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ إثْبَاتُهُ لِلْمَعْدُومِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى]
(4666) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُمَا شَيْئًا بَعْدَ وِلَادَتِهِمَا.
وَإِنْ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ، كَالْوَقْفِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ فَلَهُ دِينَارَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَارِيَةٌ فَلَهَا دِينَارٌ.
فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وَصَّى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِيهِ.
وَإِنْ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا، فَلَهُ وَصِيَّتُهُ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ حَمْلُهَا، أَوْ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِهَا غُلَامًا.
فَلَهُ دِينَارَانِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَلَهَا دِينَارٌ.
فَوَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا، فَلَهُ وَصِيَّتُهُ.
وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ هُوَ جَمِيعَ الْحَمْلِ.
وَلَا كُلَّ مَا فِي الْبَطْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
[فَصْل أَوْصَى بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ غَلَّةِ دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ]
(4667) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ، أَوْ بُسْتَانٍ، أَوْ غَلَّةِ دَارٍ، أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ، صَحَّ، سَوَاءٌ وَصَّى بِذَلِكَ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ بِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ.
هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ؛ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَصِحُّ تَمْلِيكُهَا بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا، كَالْأَعْيَانِ.
وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي سُكْنَى الدَّارِ.
وَهُوَ قَوْلُ كُلِّ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِهَا.
فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، أُجِيزَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، فَالْوَرَثَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِ خِدْمَتِهِ سَنَةً، وَبَيْنَ تَسْلِيمِ ثُلُثِ الْمَالِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ:
إذَا أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَخْدِمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَالْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْمُوصَى لَهُ سَنَةً فَإِنْ، أَرَادَ الْوَرَثَةُ بَيْعَ الْعَبْدِ، بِيعَ عَلَى هَذَا.
وَلَنَا، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، فَوَجَبَ تَنْفِيذُهَا عَلَى صِفَتِهَا إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ مِنْهَا، كَسَائِرِ الْوَصَايَا، أَوْ كَالْأَعْيَانِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ، قُوِّمَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ؛ كَمْ قِيمَتُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ، فَقَدْ قِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنْفَعَتِهَا جَمِيعًا، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عَبْدًا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ، وَشَجَرًا لَا ثَمَرَ لَهُ، لَا قِيمَةَ لَهُ غَالِبًا.
وَقِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ.
وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَبْدُ بِمَنْفَعَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةٌ.
قِيلَ: كَمْ قِيمَتُهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟ فَإِذَا قِيلَ: عَشَرَةٌ.
عَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ تِسْعُونَ.
[فَصْلٌ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إجَارَةَ الْعَبْدِ أَوْ الدَّارِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِنَفْعِهَا]
(4668) فَصْلٌ: وَإِنْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إجَارَةَ الْعَبْدِ أَوْ الدَّارِ، فِي الْمُدَّةِ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِنَفْعِهَا، جَازَ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِاسْتِيفَائِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا، فَمَلَكَ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهَا بِالْأَعْيَانِ، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا بِالْإِجَارَةِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إخْرَاجَ الْعَبْدِ عَنْ الْبَلَدِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُخْرِجُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُهُ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ، فَيُخْرِجَهُ إلَى أَهْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالِكٌ لِنَفْعِهِ، فَمَلَكَ إخْرَاجَهُ، كَالْمُسْتَأْجِرِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لَهُ بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُدَّةً أَوْ بِمَا يُثْمِرُ أَبَدًا]
(4669) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُدَّةً، أَوْ بِمَا يُثْمِرُ أَبَدًا، لَمْ يَمْلِكْ وَاحِدٌ مِنْ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثُ إجْبَارَ الْآخَرِ عَلَى سَقْيِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى سَقْيِ مِلْكِهِ، وَلَا سَقْيِ مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَقْيَهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ، لَمْ يَمْلِكْ الْآخَرُ مَنْعَهُ.
وَإِذَا يَبِسَتْ الشَّجَرَةُ، كَانَ حَطَبُهَا لِلْوَارِثِ.
وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِثَمَرَتِهَا سَنَةً بِعَيْنِهَا، فَلَمْ تَحْمِلْ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَك ثَمَرَتُهَا أُولَ عَامٍ تُثْمِرُ.
صَحَّ، وَلَهُ ثَمَرَتُهَا أُولَ عَامٍ تُثْمِرُ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى لَهُ بِمَا تَحْمِلُ جَارِيَتُهُ أَوْ شَاتُهُ.
وَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِشَجَرَةٍ، وَلِآخَرَ بِثَمَرَتِهَا، صَحَّ، وَكَانَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ قَائِمًا مَقَامَ الْوَارِثِ، وَلَهُ مَالَهُ.
وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِلَبَنِ شَاةٍ وَصُوفِهَا، صَحَّ، كَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ.
وَإِنْ وَصَّى بِلَبَنِهَا خَاصَّةً، أَوْ صُوفِهَا خَاصَّةً، صَحَّ، وَيُقَوَّمُ الْمُوصَى بِهِ دُونَ الْعَيْنِ.
[فَصْل نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ وَسَائِرُ الْحَيَوَانَات الْمُوصَى بِنَفْعِهَا]
(4670) فَصْلٌ: فَأَمَّا نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ
النَّفَقَةَ عَلَى الرَّقَبَةِ، فَكَانَتْ عَلَى صَاحِبِهَا، كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْفَعَةٌ.
قَالَ الشَّرِيفُ: وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَلْزَمُهُ، وَالْفِطْرَةُ تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، وَوُجُوبُ التَّابِعِ عَلَى إنْسَانٍ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَتْبُوعِ عَلَيْهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ، وَهُوَ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْعَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، كَالزَّوْجِ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ لَهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضُرُّهُ، كَالْمَالِكِ لَهُمَا جَمِيعًا، يُحَقِّقُهُ أَنَّ إيجَابَ النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ لَهُ ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ، فَيَصِيرُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ: أَوْصَيْت لَك بِنَفْعِ عَبْدِي، وَأَبْقَيْت عَلَى وَرَثَتِي ضُرَّهُ.
وَإِنْ وَصَّى بِنَفْعِهِ لَإِنْسَانٍ، وَلِآخَرَ بِرَقَبَتِهِ، كَانَ مَعْنَاهُ: أَوْصَيْت لِهَذَا بِنَفْعِهِ، وَلِهَذَا بِضُرِّهِ.
وَالشَّرْعُ يَنْفِي هَذَا بِقَوْلِهِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، لِيَكُونَ ضُرُّهُ عَلَى مَنْ لَهُ نَفْعُهُ.
وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجَرَ، فَإِنَّ نَفْعَهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْمُؤَجَّرِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَجْرَ عِوَضًا عَنْ مَنَافِعِهِ.
وَقِيلَ: تَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ.
وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى إيجَابِهَا عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِنْ مَنَافِعِهِ، فَإِذَا صُرِفَ فِي نَفَقَتِهِ، فَقَدْ صُرِفَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُوصَى بِهَا إلَى النَّفَقَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ صُرِفَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ سِوَاهُ.
(4671) فَصْلٌ: وَإِذَا أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ، عَتَقَ، وَمَنْفَعَتُهُ بَاقِيَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ، لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لِلرَّقَبَةِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا.
وَإِنْ وَهَبَ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ مَنَافِعَهُ لِلْعَبْدِ، وَأَسْقَطَهَا عَنْهُ، فَلِلْوَرَثَةِ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ بَيْعَ الْعَبْدِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَيُبَاعُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ، فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَالْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكَ مَنْفَعَتِهِ يَجْتَمِعُ لَهُ الرَّقَبَةُ وَالْمَنْفَعَةُ، فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الزَّرْعِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إعْتَاقُهُ وَتَحْصِيلُ وَلَائِهِ، وَجَرُّ وَلَاءِ مَنْ يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ بِعِتْقِهِ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ.
وَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ، وَلِآخَرَ بِنَفْعِهِ، صَحَّ، وَقَامَ الْمُوصِيَةُ لَهُ بِالرَّقَبَةِ مَقَامَ الْوَارِثِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَنْفَعَةِ أُمَّته فَأَتَتْ بِوَلَدِ مِنْ زَوْج أَوْ زَنَى]
(4672) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَنْفَعَةِ أَمَتِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا، فَهُوَ مَمْلُوكٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي حُكْمِهَا، كَوَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ النَّفْعِ الْمُوصَى بِهِ.
وَلَا هُوَ مِنْ الرَّقَبَةِ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا.
وَإِنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، وَجَبَ الْمَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ لِصَاحِبِ
الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدِي أَنَّهُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبِضْعِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا مُنْفَرِدَةً، وَلَا مَعَ غَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا مُفْرَدَةً عَنْ الرَّقَبَةِ بِغَيْرِ التَّزْوِيجِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِلرَّقَبَةِ، فَتَكُونُ لِصَاحِبِهَا، وَلَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ أَخْذَ بَدَلِهَا، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَهُوَ حُرٌّ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ وَضْعِهِ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ وَلَا لِصَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَنْفَعَةِ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، وَلَا هُوَ زَوْجٌ لَهَا، وَلَا يُبَاحُ الْوَطْءُ بِغَيْرِهِمَا، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] . وَصَاحِبُ الرَّقَبَةِ لَا يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا.
وَلَا يَأْمَنُ أَنْ تَحْبَلَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى إهْلَاكِهَا، وَأَيُّهُمَا وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ؛ لِوُجُودِ الْمِلْكِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا، وَوَلَدُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ وَلَدِهَا يَوْمَ وَضَعَهُ، وَحُكْمُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا وَطِئَهَا غَيْرُهُمَا بِشُبْهَةٍ.
وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَالِكَ الرَّقَبَةِ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ، وَفِي وُجُوبِ قِيمَتِهِ عَلَيْهِ الْوَجْهَانِ، وَأَمَّا الْمَهْرُ فَعِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَالِكًا الرَّقَبَةَ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَلَهُ الْمَهْرُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ، إذَا كَانَ هُوَ الْوَاطِئَ.
وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، بِعَكْسِ ذَلِكَ فِيهِمَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ إذَا وَطِئَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا الْمَنْفَعَةَ، فَلَزِمَهُ الْحَدُّ، كَالْمُسْتَأْجِرِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مَمْلُوكًا.
(4673) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتِهَا، وَمَالِكَ الرَّقَبَةِ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ بِتَزْوِيجِهَا.
فَإِنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ، لَزِمَ تَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهَا، وَحَقُّهَا فِي ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ طَلَبَتْهُ مِنْ سَيِّدِهَا الَّذِي يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا وَنَفْعَهَا، أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَقُدِّمَ حَقُّهَا عَلَى حَقِّهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ اتَّفَقَا عَلَى تَزْوِيجِهَا قَبْلَ طَلَبِهَا، جَازَ، وَوَلِيُّهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَالِكٌ رَقَبَتِهَا؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهَا.
وَالْكَلَامُ فِي مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
[فَصْلٌ قَتَلَ الْعَبْد الْمُوصَى بِنَفْعِهِ]
فَصْلٌ: وَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ، يُشْتَرَى بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ تَعَلَّقَ بِبَدَلِهَا، إذَا لَمْ يَبْطُلْ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا.
وَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ وَالْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ يَبْطُلُ بِتَلَفِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ الْقِيمَةُ لِلْوَارِثِ، أَوْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلُ الرَّقَبَةِ، فَتَكُونُ لِصَاحِبِهَا، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ، كَمَا تَبْطُلُ بِالْإِجَارَةِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِحَبِّ زَرْعِهِ وَلِآخَر بِنَبْتِهِ]
(4675) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِحَبِّ زَرْعِهِ، وَلِآخَرَ بِنَبْتِهِ، صَحَّ، وَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالزَّرْعِ.
فَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْإِنْفَاقِ، فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرِيكَيْنِ فِي أَصْلِ الزَّرْعِ إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ سَقْيِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، فَيَخْرُجُ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ.
هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ ضَرَرًا عَلَيْهِمَا، وَإِضَاعَةً الْمَالِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَنَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ، وَلَا مَالِ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا
وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ إذَا اسْتُهْدِمَ الْحَائِطُ الْمُشْتَرَكُ، فَدَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْآخَرَ إلَى مُبَانَاتِهِ، فَامْتَنَعَ.
يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَصْلِ الزَّرْعِ.
[فَصْل أَوْصَى لَرَجُلٍ بِخَاتَمِ وَلِآخَر بِفَصِّهِ]
(4676) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لَرَجُلٍ بِخَاتَمٍ، وَلِآخَرَ بِفَصِّهِ، صَحَّ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، وَأَيُّهُمَا طَلَبَ قَلْعَ الْفَصِّ مِنْ الْخَاتَمِ أُجِيبَ إلَيْهِ، وَأُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهِ، أَوْ اصْطَلَحَا عَلَى لُبْسِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارِ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ وَغَلَّتُهَا دِينَارَانِ]
(4677) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ، وَغَلَّتُهَا دِينَارَانِ، صَحَّ.
فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ بَيْعَ نِصْفِهَا وَتَرْكَ النِّصْفِ الَّذِي أَجْرُهُ دِينَارٌ، فَلَهُ مَنْعُهُمْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ أَجْرُهُ عَنْ الدِّينَارِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، فَلَهُمْ بَيْعُ مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمْ تَرْكُ الثُّلُثِ.
فَإِنْ كَانَتْ غَلَّتُهُ دِينَارًا، أَوْ أَقَلَّ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرِ، فَلَهُ دِينَارٌ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
[فَصْل الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ]
(4678) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إذَا صَحَّتْ بِالْمَعْدُومِ فَبِذَلِكَ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ، وَهَذَا يُورَثُ، فَيُوصَى بِهِ؛ فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ، وَسَلَّمَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلِلْوَصِيِّ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمُعِينِ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ]
(4679) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِبِشْرٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِبَكْرٍ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِهِ، ثُمَّ وَصَّى لِآخَرَ
بِثُلُثِهِ، أَوْ وَصَّى بِجَمِيعِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ الْأُولَى.
وَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَدَاوُد: وَصِيَّتُهُ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لِلثَّانِي بِمَا وَصَّى بِهِ لِلْأَوَّلِ، فَكَانَ رُجُوعًا، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا وَصَّيْت بِهِ لِبِشْرٍ فَهُوَ لِبَكْرٍ.
وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ تُنَافِي الْأُولَى، فَإِذَا أَتَى بِهَا كَانَ رُجُوعًا، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا لِوَرَثَتِي.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَصَّى لَهُمَا بِهَا، فَاسْتَوَيَا فِيهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُمَا: وَصَّيْت لَكُمَا بِالْجَارِيَةِ.
وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ صَرَّحَ فِيهِ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ لِبِشْرٍ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ التَّشْرِيكَ، فَلَمْ تَبْطُلْ وَصِيَّةُ الْآخَرِ بِالشَّكِّ.
[فَصْلٌ وَصَّى بِعَبْدِ لِرَجُلٍ ثُمَّ وَصَّى لِآخَرَ بِثُلُثِهِ]
(4680) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ وَصَّى لِآخَرَ بِثُلُثِهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا.
وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي ثُلُثُهُ كَامِلًا.
وَإِنْ وَصَّى بِعَبْدِهِ لِاثْنَيْنِ، فَرَدَّ أَحَدُهُمَا وَصِيَّتَهُ، فَلِلْآخَرِ نِصْفُهُ.
وَإِنْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ بِثُلُثَيْ مَالِهِ، فَرَدَّ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، وَرَدَّ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ وَصِيَّتَهُ، فَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِهِ مُنْفَرِدًا، وَزَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ، فَكَمُلَ لَهُ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ.
[فَصْل أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ أَبَاهُ وَصَّى بِالثُّلُثِ لِبِشْرِ وَأَقَامَ آخَرُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِالثُّلُثِ]
(4681) فَصْلٌ: إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ أَبَاهُ وَصَّى بِالثُّلُثِ لِبِشْرٍ، وَأَقَامَ آخَرُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِالثُّلُثِ، فَرَدَّ الْوَارِثُ الْوَصِيَّتَيْنِ، وَكَانَ الْوَارِثُ رَجُلًا عَاقِلًا عَدْلًا، وَشَهِدَ بِالْوَصِيَّةِ، حَلَفَ مَعَهُ الْمُوصَى لَهُ، وَاشْتَرَكَا فِي الثُّلُثِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُشَارِكُهُ الْمُقَرُّ لَهُ.
بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَيْسَ بِحُجَّةِ شَرْعِيَّةٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لَيْسَ بِعَدْلٍ، أَوْ كَانَ امْرَأَةً، فَالثُّلُثُ لِمَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ ثَابِتَةٌ، وَلَمْ تَثْبُتْ وَصِيَّةُ الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِالثُّلُثِ، أَوْ بِهَذَا الْعَبْدِ، وَأَقَرَّ لِفُلَانٍ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فَالْمُقَرُّ بِهِ بَيْنَهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِآخَرَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْأَوَّلِ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَنْقُصُ بِهِ حَقُّ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَيَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَيَحْلِفَ مَعَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَيُشَارِكَهُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ لِلْأَوَّلِ بِبَيِّنَةٍ
وَإِنْ أَقَرَّ لِلثَّانِي فِي الْمَجْلِسِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ ثَبَتَ فِي الْجَمِيعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ.
وَالثَّانِي، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ الْوَاحِدَ كَالْحَالِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ: وَإِذَا خَلَّفَ ابْنًا وَأَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفٍ لِآخَرَ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَالْأَلْفُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ،
وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي.
وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ ثَبَتَ فِي الثُّلُثِ كَامِلًا، لِإِقْرَارِهِ بِهِ مُنْفَرِدًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا، أَوْ صِغَارًا، أَوْ إلَى شَهْرٍ
أَوْ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ فِي الْمَجْلِس.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ مَا أَوْصَيْت بِهِ لِبِشْرِ فَهُوَ لِبَكْرِ]
(4682) مَسْأَلَةٌ؛ (وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْت بِهِ لِبِشْرٍ فَهُوَ لِبَكْرٍ.
كَانَتْ لِبَكْرٍ) هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَهُوَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ؛ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ بِذِكْرِهِ أَنَّ مَا أَوْصَى بِهِ مَرْدُودٌ إلَى الثَّانِي، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: رَجَعْت عَنْ وَصِيَّتِي لِبِشْرٍ وَأَوْصَيْت بِهَا لِبَكْرٍ
بِخِلَافِ مَا إذَا وَصَّى بِشَيْءٍ وَاحِدٍ لِرَجُلَيْنِ، أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ التَّشْرِيكَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَتْ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ يَقِينًا، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ.
[فَصْلٌ قَالَ مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانِ فَنِصْفُهُ لِفُلَانِ أَوْ ثُلُثُهُ]
(4683) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَنِصْفُهُ لِفُلَانٍ، أَوْ ثُلُثُهُ.
كَانَ رُجُوعًا فِي الْقَدْرِ الَّذِي وَصَّى بِهِ لِلثَّانِي خَاصَّةً، وَبَاقِيهِ لِلْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ]
(4684) فَصْلٌ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِي جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ، وَفِي بَعْضِهِ، إلَّا الْوَصِيَّةَ بِالْإِعْتَاقِ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ بِهِ أَيْضًا.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتِهِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَّا الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ، كَالتَّدْبِيرِ
وَلَنَا، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ عَنْهَا، كَغَيْرِ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ تُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ تَنْجِيزِهَا، كَهِبَةِ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَفَارَقَ التَّدْبِيرَ، فَإِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ، كَتَعْلِيقِهِ عَلَى صِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ.
[فَصْلٌ يَحْصُل الرُّجُوع بِقَوْلِهِ رَجَعَتْ فِي وَصِيَّتِي أَوْ أَبْطَلَتْهَا أَوْ غَيْرَتهَا]
(4685) فَصْلٌ: وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِقَوْلِهِ: رَجَعْت فِي وَصِيَّتِي.
أَوْ أَبْطَلْتهَا، أَوْ غَيَّرْتهَا.
أَوْ مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ.
أَوْ فَهُوَ لِوَرَثَتِي.
أَوْ فِي مِيرَاثِي.
وَإِنْ أَكَلَهُ، أَوْ أَطْعَمَهُ، أَوْ أَتْلَفَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ فَفَصَّلَهُ وَلَبِسَهُ، أَوْ جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، فَهُوَ رُجُوعٌ.
قَالَ
ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِطَعَامٍ فَأَكَلَهُ، أَوْ بِشَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ بِجَارِيَةٍ فَأَحْبَلَهَا، أَوْ أَوْلَدَهَا، أَنَّهُ يَكُونُ رُجُوعًا
وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَهُ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ، فَكَانَ رُجُوعًا، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ.
وَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ، أَوْ أَوْجَبَ الْهِبَةَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ، كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِلرُّجُوعِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِيجَابِهِ لِلْهِبَةِ، وَوَصِيَّتِهِ بِبَيْعِهِ أَوْ إعْتَاقِهِ، لِكَوْنِهِ وَصَّى بِمَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ الْأُولَى، وَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ، وَالتَّدْبِيرُ أَقْوَى مِنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَيَسْبِقُ أَخْذَ الْمُوصَى لَهُ
وَإِنْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِهِ حَقًّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَكَانَ أَعْظَمَ مِنْ عَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ.
وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَأَشْبَهَ إجَارَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ.
[فَصْلٌ وَصَى بِحُبِّ ثُمَّ طَحَنَهُ أَوْ بِدَقِيقِ فَعَجَنَهُ فِي الْوَصِيَّة بِشَيْءِ مَعِين ثُمَّ خَلِّطْهُ بِغَيْرِهِ]
(4686) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِحَبٍّ ثُمَّ طَحَنَهُ، أَوْ بِدَقِيقٍ فَعَجَنَهُ، أَوْ بِعَجِينٍ فَخَبَزَهُ، أَوْ بِخُبْزٍ فَفَتَّهُ، أَوْ جَعَلَهُ فَتِيتًا.
كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ اسْمَهُ وَعَرَّضَهُ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَدَلَّ عَلَى رُجُوعِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَإِنْ وَصَّى بِكَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ فَغَزَلَهُ، أَوْ بِغَزْلٍ فَنَسَجَهُ، أَوْ بِثَوْبٍ فَقَطَعَهُ، أَوْ بِنَقْرَةٍ فَضَرَبَهَا، أَوْ شَاةٍ فَذَبَحَهَا، كَانَ رُجُوعًا.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الِاسْمَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَكَانَ رُجُوعًا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يُزِيلُ الِاسْمَ.
فَإِنَّ الثَّوْبَ لَا يُسَمَّى غَزْلًا، وَالْغَزْلَ لَا يُسَمَّى كَتَّانًا.
[فَصْلٌ وَصَى بِشَيْءِ مَعِين ثُمَّ خَلِّطْهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْه لَا يَتَمَيَّز مِنْهُ]
(4687) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ بِذَلِكَ تَسْلِيمُهُ، فَيَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ.
فَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ.
وَإِنْ وَصَّى بِقَفِيزِ قَمْحٍ مِنْ صُبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، سَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا، أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهَا، أَوْ دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشَاعًا.
وَبَقِيَ مُشَاعًا.
وَقِيلَ: إنْ خَلَطَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ، كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْمُوصَى بِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ خَيْرٍ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ تَسْلِيمُ خَيْرٍ مِنْهُ، فَصَارَ مُتَعَذِّرَ التَّسْلِيمِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ دُونَهُ.
[فَصْلٌ حَدَثَ بِالْمُوصَى بِهِ مَا يُزِيلُ اسْمَهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُوصِي]
(4688) فَصْلٌ: وَإِذَا حَدَثَ بِالْمُوصَى بِهِ مَا يُزِيلُ اسْمَهُ، مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُوصِي، مِثْلُ إنْ سَقَطَ الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ فَصَارَ زَرْعًا، أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ فَصَارَتْ فَضَاءً، فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ.
وَإِنْ كَانَ انْهِدَامُ الدَّارِ لَا يُزِيلُ اسْمَهَا، سُلِّمَتْ إلَيْهِ دُونَ مَا انْفَصَلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ حِينَ الِاسْتِحْقَاقِ يَقَعُ عَلَى الْمُتَّصِلِ دُونَ الْمُنْفَصِلِ.
وَيَتْبَعُ الدَّارَ فِي الْوَصِيَّةِ مَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ جُحُود الْوَصِيَّة]
(4689) فَصْلٌ: وَإِنْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ، فَلَا يَبْطُلُ بِالْجُحُودِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَالثَّانِي، يَكُونُ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إيصَالَهُ إلَى الْمُوصَى لَهُ.
وَإِنْ غَسَلَ الثَّوْبَ، أَوْ لَبِسَهُ، أَوْ جَصَّصَ الدَّارَ، أَوْ سَكَنَهَا، أَوْ أَجَّرَ الْأَمَةَ، أَوْ زَوَّجَهَا، أَوْ عَلَّمَهَا، أَوْ وَطِئَهَا، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ وَلَا الِاسْمَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ وَطْءَ الْأَمَةِ رُجُوعٌ.
لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِلْخُرُوجِ عَنْ جَوَازِ النَّقْلِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ، وَلَا يُفْضِي إلَيْهِ يَقِينًا، فَأَشْبَهَ لُبْسَ الثَّوْبِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَتْلَفَهُ، وَلَيْسَ بِرُجُوعٍ.
[فَصْل قَالَ هَذَا ثُلُثِي لِفُلَانِ وَيُعْطَى فُلَانٌ مِنْهُ مِائَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ]
(4690) فَصْلٌ: نَقَلَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ قَالَ: هَذَا ثُلُثِي لِفُلَانٍ، وَيُعْطَى فُلَانٌ مِنْهُ مِائَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ.
فَهُوَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا، وَيُعْطَى هَذَا مِائَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِنْ مَاتَ وَفَضَلَ شَيْءٌ، رُدَّ إلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ.
فَحُكِمَ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ وَإِنْفَاذِهَا، عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ الْمُوصِي.
[مَسْأَلَةٌ كَتَبَ وَصِيَّةً وَلَمْ يُشْهِدْ فِيهَا]
(4691) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً، وَلَمْ يُشْهِدْ فِيهَا، حُكِمَ بِهَا، مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ، فَوُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ، وَلَمْ يُشْهِدْ فِيهَا، وَعُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ، يُقْبَلُ مَا فِيهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْخَطُّ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَا يُشْهِدُ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَخْتُومَةِ حَتَّى يَسْمَعَهَا الشُّهُودُ مِنْهُ، أَوْ تُقْرَأَ عَلَيْهِ، فَيُقِرَّ بِمَا فِيهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ
؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ بِالشَّهَادَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ رَأَى حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَهُ خَتْمُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ، أَوْ رَأَى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ، لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ إنْفَاذُ الْحُكْمِ بِمَا وَجَدَهُ، وَلَا لِلشَّاهِدِ الشَّهَادَةُ بِمَا رَأَى خَطَّهُ بِهِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي الشَّهَادَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ.» وَلَمْ يَذْكُرْ شَهَادَتَهُ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِي هَذَا، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يَتَسَامَحُ فِيهَا، وَلِهَذَا صَحَّ تَعْلِيقُهَا عَلَى الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ، وَصَحَّتْ لِلْحَمْلِ، بِهِ، وَبِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَبِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ، فَجَازَ أَنْ يَتَسَامَحَ فِيهَا بِقَبُولِ الْخَطِّ، كَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ.
[فَصْلٌ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ]
(4692) فَصْلٌ: وَإِنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَقَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ.
أَوْ قَالَ: هَذِهِ وَصِيَّتِي، فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَا.
فَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ.
لَا يَجُوزُ حَتَّى يَسْمَعُوا مِنْهُ مَا فِيهِ، أَوْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّ بِمَا فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ خَطُّهُ الْمُجَرَّدُ، فَهَذَا أَوْلَى
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى، وَمَكْحُولٌ، وَنُمَيْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ.
وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ بِكُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عُمَّالِهِ وَأُمَرَائِهِ، فِي أَمْرِ وِلَايَتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَسُنَنِهِ، ثُمَّ مَا عَمِلَتْ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ بَعْدَهُ مِنْ كُتُبِهِمْ إلَى وُلَاتِهِمْ، بِالْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاءُ وَالْفُرُوجُ وَالْأَمْوَالُ، يَبْعَثُونَ بِهَا مَخْتُومَةً، لَا يَعْلَمُ حَامِلُهَا مَا فِيهَا، وَأَمْضُوهَا عَلَى وُجُوهِهَا، وَذَكَرَ اسْتِخْلَافَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِكِتَابٍ، كَتَبَهُ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ مَعَ شُهْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ فِي عُلَمَاءِ الْعَصْرِ، فَكَانَ إجْمَاعًا
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كِتَابٌ لَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ مَا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، فَأَمَّا مَا ثَبَتَ مِنْ الْوَصِيَّةِ، بِشَهَادَةِ أَوْ إقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ وَيُعْمَلُ بِهِ، مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ، وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْمُوصَى بِهِ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضٍ فَيَبْرَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يَمُوتَ بَعْدُ أَوْ يُقْتَلَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
(4693) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ الْمُوصِي وَصِيَّتَهُ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا
وَأَحْوَطُ لِمَا فِيهَا.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ، أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ، وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] . أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ، عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هَذَا ذِكْرُ مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، إنْ حَدَثَ بِي حَادِثُ الْمَوْتِ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِي إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، ثُمَّ إلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمَا فِي حِلٍّ وَبَلٍّ فِيمَا وَلِيَا وَقَضَيَا، وَأَنَّهُ لَا تُزَوَّجُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ عَبْدِ اللَّهِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَيَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ، عَلَى ذَلِكَ يَحْيَا وَيَمُوتُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَوْصَى فِيمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِكَذَا وَكَذَا، وَأَنَّ هَذِهِ وَصِيتُهُ إنْ لَمْ يُغَيِّرْهَا.
[مَسْأَلَةٌ مَا أَعْطَى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ]
(4694) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَا أَعْطَى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنَجَّزَةَ، كَالْعِتْقِ، وَالْمُحَابَاةِ، وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، إذَا كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ فَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ كَانَتْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَهِيَ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي الْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ أَنَّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَهَذَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ مَعَ سِرَايَتِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ.
هَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ، فَكَانَتْ عَطِيَّةً فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ، كَالْوَصِيَّةِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ الْعَطَايَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاء]
(4695) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْعَطَايَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَقِفَ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
الثَّانِي، أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
الثَّالِثُ، أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ فِي الصِّحَّةِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْت لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَفْظُهُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ ". الرَّابِعُ، أَنَّهُ يُزَاحِمُ بِهَا الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ.
الْخَامِسُ، أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ حَالَ الْمَوْتِ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا، أَنَّهَا لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا.
وَإِنْ كَثُرَتْ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ عَلَى الزِّيَادَةِ مِنْ الثُّلُثِ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، لَا لِحَقِّهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ إجَازَتَهَا وَلَا رَدَّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ.
لِأَنَّ التَّبَرُّعَ بِهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ، فَفِيمَا قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ التَّبَرُّعُ وَلَا الْعَطِيَّةُ، بِخِلَافِ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْعَطِيَّةُ مِنْهُ، وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُعْطِي، وَالْقَبْضُ، فَلَزِمَتْ كَالْوَصِيَّةِ إذَا قُبِلَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقُبِضَتْ.
الثَّانِي، أَنَّ قَبُولَهَا عَلَى الْفَوْرِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُعْطِي وَكَذَلِكَ رَدُّهَا، وَالْوَصَايَا لَا حُكْمَ لِقَبُولِهَا وَلَا رَدِّهَا إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْعَطِيَّةَ تُصْرَفُ فِي الْحَالِ، فَتُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَ شُرُوطُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ
الثَّالِثُ، أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِهَا الْمَشْرُوطَةِ لَهَا فِي الصِّحَّةِ؛ مِنْ الْعِلْمِ، وَكَوْنُهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ وَغَرَّرَ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ، وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ.
الرَّابِعُ، أَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، إلَّا فِي الْعِتْقِ، فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْهُمْ تَقْدِيمُهُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَسْرِي وَقْفُهُ، وَيَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ، كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ.
وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ بِثَمَرَةٍ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْعِتْقِ، كَعَطِيَّةِ الصَّدَقَةِ، وَكَمَا لَوْ تَسَاوَى الْحَقَّانِ.
الْخَامِسُ، أَنَّ الْعَطَايَا إذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِهَا، بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ عِتْقًا
أَوْ غَيْرَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجَمِيعُ سَوَاءٌ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، وَكَانَتْ الْمُحَابَاةُ مُتَقَدِّمَةً قُدِّمَتْ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ سُوِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ حَقٌّ آدَمِيٌّ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، فَقُدِّمَتْ، إذَا تَقَدَّمَتْ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِذَا تَسَاوَى جِنْسُهَا سُوِّيَ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّهَا عَطَايَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، فَسُوِّيَ بَيْنَهَا، كَالْوَصِيَّةِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا عَطِيَّتَانِ مُنَجَّزَتَانِ، فَكَانَتْ أُولَاهُمَا أَوْلَى، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى مُحَابَاةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ عِتْقًا عِنْدَ صَاحِبَيْهِ.
وَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمُنَجَّزَةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي، فَإِذَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الثُّلُثِ، لَزِمَتْ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَلَوْ شَارَكَتْهَا الثَّانِيَةُ، لَمَنَعَ ذَلِكَ لُزُومَهَا فِي حَقِّ الْمُعْطِي؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ بَعْضِهَا بِعَطِيَّةٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْوَصَايَا، فَإِنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَاسْتَوَيَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حَالِ لُزُومِهِمَا، بِخِلَافِ الْمُنَجَّزَتَيْنِ
وَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَابَاةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ الدَّيْنِ لَمَا كَانَتْ مِنْ الثُّلُثِ.
فَأَمَّا إنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، كَأَنْ وَكَّلَ جَمَاعَةً فِي هَذِهِ التَّبَرُّعَاتِ، فَأَوْقَعُوهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَكَمَّلْنَا الْعِتْقَ كُلَّهُ فِي بَعْضِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مِنْ غَيْرِ الْعِتْقِ، قَسَمْنَا الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَطَايَاهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ
وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْعِتْقِ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعِتْقِ يُكْمِلُ الْأَحْكَامَ، وَلَا تَكْمُلُ الْأَحْكَامُ إلَّا بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ فِي قِسْمَةِ الْعِتْقِ عَلَيْهِمْ إضْرَارًا بِالْوَرَثَةِ وَالْمَيِّتِ وَالْعَبِيدِ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَفِيهَا عِتْقٌ وَغَيْرُهُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُقَدَّمَ الْعِتْقُ لِتَأْكِيدِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، يُسَوَّى بَيْنَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ تَسَاوَتْ فِي اسْتِحْقَاقِهَا، فَتَسَاوَتْ فِي تَنْفِيذِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا حَصَلَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ
السَّادِسُ، أَنَّ الْوَاهِبَ إذَا مَاتَ قَبْلَ تَقْبِيضِهِ الْهِبَةَ الْمُنَجَّزَةَ، كَانَتْ الْخِيرَةُ لِلْوَرَثَةِ، إنْ شَاءُوا قَبَّضُوا، وَإِنْ شَاءُوا مَنَعُوا، وَالْوَصِيَّةُ تَلْزَمُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ.
[فَصْلٌ قَالَ الْمَرِيض إذَا أَعْتَقَتْ سَعْدًا فَسَعِيد حُرّ ثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا]
(4696) فَصْلٌ: إذَا قَالَ الْمَرِيضُ: إذَا أَعْتَقْت سَعْدًا، فَسَعِيدٌ حُرٌّ.
ثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا، عَتَقَ سَعِيدٌ أَيْضًا إنَّ خَرَجَا مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ، وَلَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ سَعْدًا سَبَقَ بِالْعِتْقِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ عِتْقَهُ شَرْطٌ لِعِتْقِ سَعِيدٍ، فَلَوْ رَقَّ بَعْضُهُ لَفَاتَ إعْتَاقُ سَعِيدٍ أَيْضًا لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ مَا يُعْتَقُ بِهِ بَعْضُ سَعِيدٍ، عَتَقَ تَمَامُ الثُّلُثِ مِنْهُ
وَإِنْ قَالَ: إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ.
ثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمْ، عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ، أَوْ وَاحِدٌ وَبَعْضُ آخَرَ، عَتَقَ سَعْدٌ وَأُقْرِعَ بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عِتْقُ أَحَدِهِمَا شَرْطًا فِي عِتْقِ الْآخَرِ.
وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا، وَحُصُولِ التَّشْقِيصِ فِي الْآخَرِ
وَإِنْ قَالَ: إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ، أَوْ فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ فِي حَالِ إعْتَاقِي سَعْدًا.
فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ عِتْقَ سَعْدٍ شَرْطٌ لِعِتْقِهِمَا، فَلَوْ رَقَّ بَعْضُهُ لَفَاتَ شَرْطُ عِتْقِهِمَا، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ.
وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِعْتَاقُ فِي الْمَرَضِ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ قَالَ إنَّ تَزَوَّجَتْ فَعَبْدِي حُرّ فَتَزَوَّجَ فِي مَرَضه بِأَكْثَر مِنْ مَهْر الْمِثْل]
(4697) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فَعَبْدِي حُرٌّ.
فَتَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الثُّلُثِ.
وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْمُحَابَاةُ أَوْ الْعَبْدُ، فَالْمُحَابَاةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْعِتْقِ، لِكَوْنِ التَّزْوِيجِ شَرْطًا فِي عِتْقِهِ، فَقَدْ سَبَقَتْ عِتْقَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَسَاوَيَا؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمُحَابَاةِ، وَشَرْطٌ لِلْعِتْقِ، فَلَا يَسْبِقُ وُجُودُ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ، فَيَكُونَانِ سَوَاءً.
ثُمَّ هَلْ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ عَلَى الْمُحَابَاةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
وَهَذَا فِيمَا إذَا ثَبَتَتْ الْمُحَابَاةُ بِأَنْ لَا تَرِثَ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ؛ إمَّا لِوُجُودِ مَانِعٍ مِنْ الْإِرْثِ، أَوْ لِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهَا فِي حَيَاتِهِ، إمَّا بِمَوْتِهَا أَوْ طَلَاقِهَا أَوْ نَحْوِهِ.
فَأَمَّا إنْ وَرَثَتْهُ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ لَهَا إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَيَكُونُ مُتَقَدِّمًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ فِي حَالِ تَزْوِيجِي.
فَتَزَوَّجَ وَأَصْدَقَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَسَاوَيَانِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ جُعِلَ جَعَالَةً لِإِيقَاعِ الْعِتْقِ، كَمَا فِي عِتْقِ سَعْدٍ وَسَعِيدٍ، وَبُطْلَانُ الْمُحَابَاةِ لَا يُبْطِلُ التَّزْوِيجَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ
وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْته، يَكُونُ الْعِتْقُ سَابِقًا، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ، إنَّمَا ثَبَتَتْ بِتَمَامِ التَّزْوِيجِ، وَالْعِتْقُ قَبْلَ تَمَامِهِ، فَيَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْمُحَابَاةِ، فَيَتَقَدَّمُ لِهَذَا الْمَعْنَى، لَا سِيَّمَا إذَا تَأَكَّدَ بِقُوَّتِهِ وَكَوْنِهِ لِغَيْرِ وَارِثٍ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ الْمَرِيض شِقْصًا مِنْ عَبْد ثُمَّ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ آخَر وَلَمْ يَخْرُج مِنْ الثُّلُث إلَّا الْعَبْد الْأَوَّل]
(4698) فَصْلٌ: إذَا أَعْتَقَ الْمَرِيضُ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ آخَرَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْعَبْدُ الْأَوَّلُ، عَتَقَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ حِينَ يَلْفِظُ بِإِعْتَاقِ شِقْصِهِ
وَإِنْ خَرَجَ الْأَوَّلُ وَبَعْضُ الثَّانِي، عَتَقَ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَعْتَقَ الشِّقْصَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصَانِ، عَتَقَا وَرَقَّ بَاقِي الْعَبْدَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا أَحَدُهُمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ عَتَقَ الشِّقْصَانِ وَبَاقِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا، يُكْمَلُ الْعِتْقُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا
وَالثَّانِي، يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، لِأَنَّهُ أَوْقَعَ عِتْقًا مُشَقَّصًا فَلَمْ يُكْمِلْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ، وَلِهَذَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصَانِ أَعْتَقْنَاهُمَا، وَلَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُكْمِلْهُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَلَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ النَّصِيبَيْنِ، وَأَنْ يُكْمَلَ عِتْقُهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا النَّصِيبَانِ وَقِيمَةُ بَاقِي أَحَدِهِمَا، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ كَمُلَ الْعِتْقُ فِيهِ، لِأَنَّ الْمُوصِيَ أَوْصَى بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ، فَجَرَى مَجْرَى إعْتَاقِهِمَا، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ مِلْك الْمَرِيض مِنْ يُعْتِق عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَض]
(4699) فَصْلٌ: وَإِذَا مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَالْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ، عَتَقَ، وَوَرِثَ الْمَرِيضَ إذَا مَاتَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْتَقُ، وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَصِيَّةٌ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْمِيرَاثِ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَصِيَّةً لَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ.
وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عِتْقَ الْمَوْهُوبِ وَصِيَّةً، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَوَرِثَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ سَعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ، وَلَمْ يَرِثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يُحْتَسَبُ بِقِيمَتِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ قِيمَتِهِ شَيْءٌ سَعَى فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَصِيَّةَ هِيَ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ بِعَطِيَّةٍ أَوْ إتْلَافٍ، أَوْ التَّسَبُّبُ إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَقَبُولُ الْهِبَةِ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ
وَلَا إتْلَافٍ لِمَالِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ يَتْلَفُ بِتَحْصِيلِهِ فَأَشْبَهَ قَبُولَهُ لِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ، أَوْ لِمَا يَتْلَفُ بِبَقَائِهِ.
فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَفَارَقَ الشِّرَاءَ؛ فَإِنَّهُ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ فِي ثَمَنِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَوَاضِعَ: إذَا وَقَفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ صَحَّ، وَلَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ.
قَالَ الْخَبْرِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافًا
فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ حَمَّلَهُ الثُّلُثَ عَتَقَ وَوَرِثَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَبَاقِيهِ عَلَى الرِّقِّ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ إذَا وَرِثَهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَيُحْتَسَبُ بِقِيمَتِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ قِيمَتِهِ شَيْءٌ سَعَى فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيَرِثُ كَالْمَوْهُوبِ وَالْمَوْرُوثِ
وَهُوَ قِيَاسُ
قَوْلِهِ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَجْعَلْ الْوَقْفَ وَصِيَّةً وَإِجَازَةً لِلْوَارِثِ، فَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ وَصِيَّةً لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الثَّمَنُ وَصِيَّةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وَلَا وَصِيَّةَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَاوَضَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَقَنْطَرَةٍ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْمِيرَاثَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا حَمَّلَهُ الثُّلُثَ عَتَقَ وَوَرِثَ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ لَهُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا
وَقِيلَ: يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَصَارَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فَتَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ، وَيَبْطُلُ عِتْقُهُ وَإِرْثُهُ، فَيُفْضِي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ، فَكَانَ إبْطَالُ تَوْرِيثِهِ أَوْلَى.
وَقِيلَ عَلَى مَذْهَبِهِ: شِرَاؤُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ وَصِيَّةٌ، وَالْوَصِيَّةُ تَقِفُ عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَالْبَيْعُ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا.
وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ: مَرِيضٌ وُهِبَ لَهُ ابْنُهُ، فَقَبِلَهُ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَخَلَّفَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَابْنًا آخَرَ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ، وَلَهُ مِائَةٌ وَلِأَخِيهِ مِائَةٌ
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ، عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَرِثُ، وَالْمِائَتَانِ كُلُّهَا لِلِابْنِ الْحُرِّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَرِثُ نِصْفَ نَفْسِهِ، وَنِصْفَ الْمِائَتَيْنِ، وَيَحْتَسِبُ بِقِيمَةِ نِصْفِ الْبَاقِي مِنْ مِيرَاثِهِ.
إنْ كَانَ قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ، وَبَقِيَّةُ التَّرِكَةِ مِائَةً، عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالْمِائَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ، لِأَنَّهُ قَدْرُ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ، وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى عِنْدَهُ كَالْعَبْدِ لَا يَرِثُ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: الرَّجُلُ يُعْتِقُ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ.
وَالْمَرْأَةُ تُعْتِقُ عَبْدَهَا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَيَأْبَيَانِ ذَلِكَ.
وَالْعَبْدُ الْمَوْهُوبُ يُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ.
وَالْمُشْتَرِي لِلْعَبْدِ يُعْتِقُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُمَا مُعْسِرَانِ.
فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي قِيمَتِهِ، وَهُوَ حُرٌّ يَرِثُ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ رَقَبَتِهِ، وَيَسْعَى فِي رُبْعِ قِيمَتِهِ لِأَخِيهِ.
وَإِنْ وُهِبَ لَهُ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُنَّ، وَلَا وَارِثَ، عَتَقْنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُنَّ فَكَذَلِكَ، فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَبْرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، يُعْتَقُ ثُلُثُهُنَّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَفِي الْآخَرِ يُعْتَقْنَ كُلُّهُنَّ؛ لِكَوْنِ وَصِيَّةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ جَائِزَةً فِي جَمِيعِ مَالِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ تَرَكَ مَالًا يَخْرُجْنَ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقْنَ وَوَرِثْنَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اشْتَرَاهُنَّ أَوْ وُهِبْنَ لَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُنَّ، وَلَا وَارِثَ، عَتَقْنَ، وَتَسْعَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمِّ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ وَرِثَا لَكَانَ لَهُمَا خُمُسَا الرِّقَابِ، وَذَلِكَ رَقَبَةٌ وَخُمْسٌ، بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَكَانَ يَبْقَى عَلَيْهِمَا سِعَايَةٌ، إذَا بَقِيَتْ عَلَيْهِمَا سِعَايَةٌ لَمْ يَرِثَا، وَكَانَتْ لَهُمَا الْوَصِيَّةُ، وَهِيَ رَقَبَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ
وَأَمَّا الْأُخْتُ
لِلْأَبَوَيْنِ، فَإِذَا وَرِثَتْ، عَتَقَتْ؛ لِأَنَّ لَهَا ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الرِّقَابِ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا، فَوَرِثَتْ وَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: تُبْغِضُ، وَتَسْعَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ، لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، فِي خُمْسَيْ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَرِثُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ رَقَبَةٍ.
عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ يُعْتَقْنَ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى الْمَرِيضُ أَبَاهُ بِأَلْفٍ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ثُمَّ مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنًا]
(4700) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى الْمَرِيضُ أَبَاهُ بِأَلْفٍ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، ثُمَّ مَاتَ، وَخَلَّفَ ابْنًا، فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ الْخَبْرِيُّ يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَى الْمَرِيضِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ جَدُّهُ، وَيَكُونُ ثُلُثُ وَلَائِهِ لِلْمُشْتَرِي، وَثُلُثَاهُ لِابْنِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقِيلَ: هُوَ مَذْهَبٌ لِلشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ ثُلْثُهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَيَسْعَى لِلِابْنِ فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَقُ سُدُسُهُ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ، وَيَسْعَى فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِ قِيمَتِهِ لِلِابْنِ، وَلَا وَصِيَّةَ لَهُ.
وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الِابْنُ عِتْقَهُ.
وَقِيلَ: يُفْسَخُ فِي ثُلُثَيْهِ، وَيُعْتَقُ فِي ثُلُثِهِ، وَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ؛ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ، فَإِنْ تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَوَرِثَ سُدُسَ الْأَلْفَيْنِ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ نَحْوُهُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقِيلَ عَلَى قَوْلِهِ: يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ.
وَقِيلَ: شِرَاؤُهُ مَفْسُوخٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَرِثُ الْأَبُ سُدُسَ التَّرِكَةِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ، يَحْتَسِبُ بِهَا مِنْ رَقَبَتِهِ، وَيَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَلَا وَصِيَّةَ لَهُ.
وَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ بِأَلْفٍ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، وَمَاتَ، وَخَلَّفَ أَبَاهُ، عَتَقَ كُلُّهُ بِالشِّرَاءِ، فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَفِي الثَّانِي، يُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَثُلُثَاهُ عَلَى جَدِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ لِلْأَبِ، وَلَا يَرِثْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَرِثُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ سُدُسِهِ.
وَإِنْ تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَوَرِثَ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ الْأَلْفَيْنِ، وَلِلْأَبِ السُّدُسُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ لِلْأَبِ سُدُسُ التَّرِكَةِ خَمْسُمِائَةٍ، وَبَاقِيهَا لِلِابْنِ يُعْتَقُ مِنْهَا، وَيَأْخُذُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ
وَإِنْ خَلَّفَ مَالًا يَخْرُجُ الْمَبِيعُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَيَرِثُ مِنْهُ.
كَأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ الْمُشْتَرِي أَبًا حُرًّا، وَلَكِنْ خَلَّفَ أَخًا حُرًّا، وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا، عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ عَلَى الثَّانِي، وَيَرِثُ الْأَخُ ثُلُثَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَسْعَى لِعَمِّهِ فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَقُ كُلُّهُ،
وَلَا سِعَايَةَ.
وَإِنْ خَلَّفَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ عَتَقَ، وَوَرِثَ الْأَلْفَيْنِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ، فِي الْأَقْوَالِ كُلِّهَا.
إلَّا مَا قِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، إنَّهُ يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ.
وَقِيلَ: شِرَاؤُهُ بَاطِلٌ، فَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ بِأَلْفٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، وَقِيمَتُهُ ثُلُثَا أَلْفٍ، وَخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْبَائِعِ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ حَابَاهُ بِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ التَّرِكَةِ سِوَاهُ، فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُهُ، وَهُوَ تُسْعُ أَلْفٍ، وَيَرُدُّ التُّسْعَيْنِ، فَتَكُونُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، يُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَرِثُ أَخُوهُ ثُلُثَيْهِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلِلْبَائِعِ ثُلُثُ الْمُحَابَاةِ، وَيَرُدُّ ثُلُثَيْهَا، فَيَكُونُ مِيرَاثًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الثُّلُثُ لِلْبَائِعِ، وَيَسْعَى الْمُشْتَرِي فِي قِيمَتِهِ لِأَخِيهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَسْعَى فِي نِصْفِ رَقَبَتِهِ، وَيَرِثُ نِصْفَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُحَابَاةُ مُقَدَّمَةٌ لِتَقْدِيمِهَا، وَيَرِثُ الِابْنُ الْحُرُّ أَخَاهُ فَيَمْلِكُهُ.
وَقِيلَ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ، وَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَلَا تُقَدَّمُ الْمُحَابَاةُ؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهَا تَقْرِيرَ مِلْكِ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ
وَقِيلَ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْأَلْفِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَتَنْفُذُ الْمُحَابَاةُ فِي ثُلُثِ الْبَاقِي، وَهُوَ تُسْعَا أَلْفٍ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِ أَلْفٍ، فَتَكُونُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، تَقْدِيمُ الْعِتْقِ عَلَى الْمُحَابَاةِ، فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ ثُلُثَيْ الْأَلْفِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّانِي، أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثُهُ، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ تُسْعَا أَلْفٍ، وَيَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِهَا، كَمَا قُلْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْبَائِعِ بِالْمُحَابَاةِ الثُّلُثُ، وَيَرُدُّ الثُّلُثَ، وَيَسْعَى الِابْنُ فِي قِيمَتِهِ لِأَخِيهِ
وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ: يَرُدُّ الْبَائِعُ ثُلُثَ الْأَلْفِ، فَيَكُونُ لِلِابْنِ الْحُرِّ، وَيُعْتَقُ الْآخَرُ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ.
وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: يَرُدُّ الْبَائِعُ ثُلُثَ الْأَلْفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الِابْنِ الْمُشْتَرِي لِلْحُرِّ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، وَقِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَمَنْ أَعْتَقَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جَعَلَهُ حُرًّا، وَمِنْ جَعَلَ ذَلِكَ وَصِيَّةً لَهُ، أَعْتَقَ ثُلُثَهُ بِالشِّرَاءِ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى أَخِيهِ، إلَّا فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، فَإِنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ بَقِيَّةَ أَخِيهِ، فَيَمْلِكُ مِنْ رَقَبَتِهِ قَدْرَ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ تُسْعَا رَقَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ ثَمَنَهُ مِنْ الثُّلُثِ دُونَ قِيمَتِهِ
وَقِيلَ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ.
وَقِيلَ: فِي جَمِيعِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْعَى لِأَخِيهِ فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَسْعَى لَهُ فِي نِصْف قِيمَتِهِ.
فَإِنْ تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ عَتَقَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ هِيَ الثَّمَنُ مَعَ الْأَلْفَيْنِ، وَالثَّمَنُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، فَيُعْتَقُ وَيَرِثُ نِصْفَ الْأَلْفَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: يُعْتَقُ، وَلَا يَرِثُ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: التَّرِكَةُ قِيمَتُهُ مَعَ الْأَلْفَيْنِ، وَذَلِكَ خَمْسَةُ آلَافٍ
فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَقُ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَلْفٌ وَثُلُثَا أَلْفٍ، وَيَسْعَى لِأَخِيهِ فِي أَلْفٍ وَثُلُثِ أَلْفٍ.
وَفِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ: يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُ ذَلِكَ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ، وَيَسْعَى لِأَخِيهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَالْأَلْفَانِ لِأَخِيهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَلَوْ اشْتَرَى الْمَرِيضُ ابْنَيْ عَمٍّ لَهُ بِأَلْفٍ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ، فَأَعْتَقَ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ وَهَبَهُ أَخَاهُ، ثُمَّ مَاتَ وَخَلَّفَهُمَا وَخَلَّفَ مَوْلَاهُ، فَإِنَّ قِيَاسَ قَوْلِ الْقَاضِي، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثَا الْمُعْتَقِ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْمَوْلَى عِتْقَ جَمِيعِهِ، ثُمَّ يَرِثُ بِثُلُثَيْهِ ثُلُثَيْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِهِ، وَيَبْقَى تُسْعُهُ وَثُلُثُ أَخِيهِ لِلْمَوْلَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ كُلُّهُ، وَيَرِثَ أَخَاهُ، فَيُعْتَقَانِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْإِعْتَاقِ وَارِثًا لِثُلُثَيْ التَّرِكَةِ، فَتَنْفُذُ إجَازَتُهُ فِي إعْتَاقِ بَاقِيهِ، فَتَكْمُلُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ، ثُمَّ يَكْمُلُ الْمِيرَاثُ لَهُ
وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ: يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ، وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ إعْتَاقَ وَصِيَّةٍ لَهُ، فَيَبْطُلُ إعْتَاقُهُ، ثُمَّ يَبْطُلُ إرْثُهُ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ.
وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِي، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ وَابْنُ الْعَمِّ الْآخَرُ لِلْمَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ ثُلُثَا الْمُعْتَقِ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ ثُلُثِهِ، وَلَا يَرِثُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف، وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ أَخُوهُ بِالْهِبَةِ، وَيَكُونَانِ أَحَقَّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْمَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَاهُمَا، أَخَذَ ذَلِكَ الْمَالَ بِالْمِيرَاثِ، وَيَغْرَمُ الْمُعْتِقُ لِأَخِيهِ الْمَوْهُوبِ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْأَوَّلِ وَصِيَّةٌ لَهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ.
وَقَدْ صَارَ وَارِثًا مَعَ أَخِيهِ، فَوَرِثَ نِصْفَ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ، وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ، وَوَرِثَ أَخُوهُ الْبَاقِيَ، وَكَانَ أَخُوهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ هِبَةً مِنْ الْمَرِيضِ لَهُ، فَعَتَقَ بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يُعْتَقْ مِنْ الْمَرِيضِ، فَلَمْ يَكُنْ عِتْقُهُ وَصِيَّةً، بَلْ اسْتَهْلَكَهَا بِالْعِتْقِ الَّذِي جَرَى فِيهَا، فَيَغْرَمُ الْأَوَّلُ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ لِأَخِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَهُمَا عَتَقَا، وَغَرِمَ الْأَوَّلُ لِأَخِيهِ نِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ، وَلَمْ يَغْرَمْ لَهُ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَرِثَانِ، وَلَا يُعْتَقَانِ حَتَّى تَجُوزَ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ مَتَى بَقِيَتْ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ، لَمْ يَرِثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُعْتَقْ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْفُذَ لِلْمُعْتَقِ وَصِيَّةً لِيَصِيرَ حُرًّا فَيُعْتَقَ أَخُوهُ بِعِتْقِهِ، وَقَدْ جَازَتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ رَقَبَتِهِ
؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَيَرِثَانِ جَمِيعًا، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُول: قَدْ صِرْت أَنَا وَأَنْتَ وَارِثَيْنِ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْئًا دُونِي، وَقَدْ كَانَتْ رَقَبَتِي لَك وَصِيَّةً وَعَتَقَتْ مِنْ قِبَلِك، فَاضْمَنْ لِي نِصْفَ رَقَبَتِي.
فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَهُنَاكَ مَالٌ غَيْرُهُمَا، أَخَذَ الثَّانِي نِصْفَهُ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِأَخِيهِ الْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ كَانَ لِلْمَرِيضِ ثَلَاثَة آلَاف فَتَبَرُّع بِأَلْفِ ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِمَّا بَقِيَ وَلَهُ ابْن]
(4701) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْمَرِيضِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَتَبَرَّعَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِمَّا بَقِيَ وَلَهُ ابْنٌ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَيْسَ الشِّرَاءُ وَصِيَّةً: يُعْتَقُ الْأَبُ وَيَنْفُذُ مِنْ التَّبَرُّعِ قَدْرُ ثُلُثِ الْمَالِ حَالَ الْمَوْتِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ سُدُسُهُ، وَبَاقِيهِ لِلِابْنِ.
عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ جَعَلَهُ وَصِيَّةً: لَا يُعْتَقُ أَبٌ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْمَرِيضِ إنَّمَا يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ، وَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَإِذَا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ، وَيَرِثُهُ الِابْنُ، فَيُعْتَقُ
عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَإِنْ وُهِبَ لَهُ أَبُوهُ، عَتَقَ، وَوَرِثَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ إنْ وَرِثَهُ
وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَقْ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْإِعْتَاقِ بِالْقَوْلِ، بِدَلِيلِ نُفُوذِهِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْفُذَ بِالْقَوْلِ.
[فَصْلٌ مِلْك الْمَرِيض مَنْ يَرِثُهُ مِمَّنْ لَا يُعْتِق عَلَيْهِ كَابْنِ عَمّه فَأَعْتَقَهُ فِي مَرَضه]
(4702) فَصْلٌ: وَإِنْ مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يَرِثُهُ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، كَابْنِ عَمِّهِ، فَأَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، كَانَ إعْتَاقُهُ وَصِيَّةً مُعْتَبَرَةً مِنْ الثُّلُثِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ مَالِكُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ، فَاعْتُبِرَ عِتْقُهُمْ مِنْ الثُّلُثِ.
فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْمُعْتَقِ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَرِيضٍ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فِي مَرَضِهِ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ، عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ.
لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ إقْرَارُهُ لِوَارِثٍ، فَلَا يُقْبَلُ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ عِتْقِهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ مِيرَاثُهُ، فَكَانَ إعْتَاقُهُ مِنْ غَيْرِ تَوْرِيثٍ أَوْلَى.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي، أَنَّهُ يُعْتَقُ وَيَرِثُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، لَيْسَ بِقَاتِلٍ، وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِهِ، وَيَرِثُ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
وَلَا يَرِثُ، عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، يَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ.
[فَصْلٌ مَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ]
(4703) فَصْلٌ: وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَجِنَايَةِ عَبْدِهِ، وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ جَائِزٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ، فَيُقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً يَسْتَمْتِعُ بِهَا، كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، بِثَمَنِ مِثْلِهَا، أَوْ اشْتَرَى مِنْ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي لَا يَأْكُلُ مِثْلُهُ مِنْهَا جَازَ، وَصَحَّ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، قُدِّمَ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ
؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] .
[فَصْلٌ قَضَى الْمَرِيض بَعْض غُرَمَائِهِ وَوَفَتْ تَرَكَتْهُ بِسَائِرِ الدُّيُون]
(4704) فَصْلٌ فَأَمَّا إنْ قَضَى الْمَرِيضُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ، وَوَفَّتْ تَرِكَتُهُ بِسَائِرِ الدُّيُونِ صَحَّ قَضَاؤُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، وَمُشَارَكَتَهُ فِيمَا أَخَذَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ بِمَرَضِهِ، فَمَنَعَتْ تَصَرُّفَهُ فِيهِ بِمَا يَنْقُصُ دُيُونَهُمْ، كَتَبَرُّعِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى بِقَضَاءِ بَعْضِ دُيُونِهِ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَلِكَ إذَا قَضَاهَا.
وَالثَّانِي، أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَلَا مُشَارَكَتَهُ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَأَدَّى ثَمَنَهُ، أَوْ بَاعَ بَعْضَ مَالِهِ وَسَلَّمَهُ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ثِيَابًا مُثَمَّنَةً صَحَّ، وَلَوْ وَصَّى بِتَكْفِينِهِ فِي ثِيَابٍ مُثَمَّنَةٍ لَمْ يَصِحَّ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ إيفَاءَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَضَاءٌ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ، وَقَدْ صَحَّ عَقِيبَ الْبَيْعِ، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَاخَى، إذْ لَا أَثَرَ لِتَرَاخِيهِ.
[فَصْلٌ تَبَرُّع الْمَرِيض أَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ أَقَرَّ بِدِينِ]
(4705) فَصْلٌ: وَإِذَا تَبَرَّعَ الْمَرِيضُ، أَوْ أَعْتَقَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، لَمْ يَبْطُلْ تَبَرُّعُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ.
عَتَقَ الْعَبْدُ، وَلَمْ يُرَدَّ إلَى الرِّقِّ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِيمَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ.
[فَصْل الْأَمْرَاض عَلَى أَرْبَعَة أَقْسَام فِي تَصْرِف الْمَرِيض فِي الْوَصِيَّة]
(4706) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي هَذِهِ أَحْكَامُهُ شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَتَّصِلَ بِمَرَضِهِ الْمَوْتُ، وَلَوْ صَحَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي أَعْطَى فِيهِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحُكْمُ عَطِيَّتِهِ حُكْمُ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا، وَالْأَمْرَاضُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ غَيْرُ مَخُوفٍ، مِثْل وَجَعِ الْعَيْنِ، وَالضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ الْيَسِيرِ، وَحُمَّى سَاعَةٍ، فَهَذَا حُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ
الضَّرْبُ الثَّانِي، الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ؛ كَالْجُذَامِ، وَحُمَّى الرُّبْعِ، وَالْفَالِجِ فِي انْتِهَائِهِ، وَالسُّلِّ فِي ابْتِدَائِهِ، وَالْحُمَّى الْغِبِّ، فَهَذَا الضَّرْبُ إنْ أُضْنِيَ صَاحِبُهَا عَلَى فِرَاشِهِ، فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ، بَلْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ، فَعَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى حَرْبٌ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي وَصِيَّةِ الْمَجْذُومِ وَالْمَفْلُوجِ: مِنْ الثُّلُثِ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا صَارَا صَاحِبَيْ فِرَاشٍ.
وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَجْهًا فِي صَاحِبِ الْأَمْرَاضِ الْمُمْتَدَّةِ، أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنْ صُلْبِ الْمَالِ
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَعْجِيلُ الْمَوْتِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَبْرَأُ فَهُوَ كَالْهَرِمِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَرِيضٌ صَاحِبُ فِرَاشٍ يَخْشَى التَّلَفَ، فَأَشْبَهَ صَاحِبَ الْحُمَّى الدَّائِمَةِ، وَأَمَّا الْهَرِمُ فَإِنْ صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ، مَنْ تَحَقَّقَ تَعْجِيلُ مَوْتِهِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ قَدْ اخْتَلَّ، مِثْلَ مَنْ ذُبِحَ، أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ، فَهَذَا لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَلَا لِعَطِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ عَقْلٌ ثَابِتٌ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتَ الْعَقْلِ، كَمَنْ خُرِقَتْ حَشْوَتُهُ، أَوْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ وَتَبَرُّعُهُ، وَكَانَ تَبَرُّعُهُ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَرَجَتْ حَشْوَتُهُ، فَقُبِلَتْ وَصِيَّتُهُ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ.
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ ضَرْبِ ابْنِ مُلْجَمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى، فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ، مَرَضٌ مَخُوفٌ، لَا يَتَعَجَّلُ مَوْتُ صَاحِبِهِ يَقِينًا، لَكِنَّهُ يَخَافُ ذَلِكَ، كَالْبِرْسَامِ، وَهُوَ بُخَارٌ يَرْقَى إلَى الرَّأْسِ، وَيُؤَثِّرُ فِي الدِّمَاغِ، فَيَخْتَلُّ الْعَقْلُ، وَالْحُمَّى الصَّالِبُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ؛ لِأَنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ، فَيُذْهِبُ الْقُوَّةَ، وَذَاتَ الْجَنْبِ وَهُوَ قُرْحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ، وَوَجَعِ الْقَلْبِ وَالرِّئَةِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا، فَلَا يَنْدَمِلُ جُرْحُهَا، وَالْقُولَنْجِ، وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ، وَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مَخُوفَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا حُمَّى أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهِيَ مَعَ الْحُمَّى أَشَدُّ خَوْفًا.
فَإِنْ ثَاوَرَهُ الدَّمُ، وَاجْتَمَعَ فِي عُضْوٍ، كَانَ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَارَةِ الْمُفْرِطَةِ.
وَإِنْ هَاجَتْ بِهِ الصَّفْرَاءُ، فَهِيَ مَخُوفَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُورِثُ يُبُوسَةً، وَكَذَلِكَ الْبَلْغَمُ إذَا هَاجَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبُرُودَةِ، وَقَدْ تَغْلِبُ عَلَى الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ فَتُطْفِئُهَا.
وَالطَّاعُونُ مَخُوفٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ.
وَأَمَّا الْإِسْهَالُ، فَإِنْ كَانَ مُنْخَرِقًا لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ، فَهُوَ مَخُوفٌ، وَإِنْ كَانَ سَاعَةً؛ لِأَنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي هَلَاكِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْخَرِقًا، لَكِنَّهُ يَكُونُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ فَضْلَةِ الطَّعَامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَحِيرٌ وَتَقْطِيعٌ كَأَنْ يَخْرُجَ مُتَقَطِّعًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَخُوفًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُ.
وَإِنْ دَامَ الْإِسْهَالُ، فَهُوَ مَخُوفٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ زَحِيرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ، رُجِعَ فِيهِ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ الْأَطِبَّاءُ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ طَبِيبَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ثِقَتَيْنِ بَالِغَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ وَأَهْلُ الْعَطَايَا، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا ذَلِكَ.
وَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الطَّبِيبِ الْعَدْلِ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الدَّعَاوَى.
فَهَذَا الضَّرْبُ وَمَا أَشْبَهِهِ، عَطَايَاهُ صَحِيحَةٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قِصَّةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: اعْهَدْ إلَى النَّاسِ.
فَعَهِدَ إلَيْهِمْ وَوَصَّى، فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِ عَهْدِهِ وَوَصِيَّتِهِ.
وَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، عَهِدَ إلَى عُمَرَ، فَنَفَّذَ عَهْدَهُ.
[مَسْأَلَةٌ عَطِيَّةُ الْحَامِلِ]
(4707) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ)
يَعْنِي عَطِيَّتَهَا مِنْ الثُّلُثِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٌ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: إذَا أَثْقَلَتْ لَا يَجُوزُ لَهَا إلَّا الثُّلُثُ.
وَلَمْ يَحِدْ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ: عَطِيَّةُ الْحَامِلِ مِنْ الثُّلُثِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عَطِيَّةُ الْحَامِلِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، مَا لَمْ يَضْرِبْهَا الْمَخَاضُ، فَإِذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَعَطِيَّتُهَا مِنْ الثُّلُثِ
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ضَرْبِ الْمَخَاضِ لَا تَخَافُ الْمَوْتَ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَخَافُ الْمَوْتَ إذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ الْأَمْرَاضِ الْمُمْتَدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ صَاحِبَ فِرَاشٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ: عَطِيَّتُهَا كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَلَامَتُهَا.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ سِتَّةَ الْأَشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الْوِلَادَةُ فِيهِ، وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ
وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهَا إذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، كَانَ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ.
وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا أَلَمَ بِهَا، وَاحْتِمَالُ وُجُودِهِ خِلَافُ الْعَادَةِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِاحْتِمَالِهِ الْبَعِيدِ مَعَ عَدَمِهِ، كَالصَّحِيحِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ بَقِيَتْ الْمَشِيمَةُ مَعَهَا، فَهُوَ مَخُوفٌ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ مَعَهَا، فَهُوَ مَخُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يَصْعُبُ خُرُوجُهُ، وَإِنْ وَضَعَتْ الْوَلَدَ، وَخَرَجَتْ الْمَشِيمَةُ، وَحَصَلَ ثَمَّ وَرَمٌ أَوْ ضَرْبَانِ شَدِيدٌ، فَهُوَ مَخُوفٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي النُّفَسَاءِ: إنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ، فَعَطِيَّتُهَا مِنْ الثُّلُثِ
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ أَلَمٌ لِلُزُومِهِ لِذَلِكَ فِي الْغَالِبِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ، كَانَتْ كَالْمَرِيضِ، وَحُكْمُهَا بَعْدَ السَّقْطِ كَحُكْمِهَا بَعْدَ وَضْعِ الْوَلَدِ التَّامِّ.
وَإِنْ أَسْقَطَتْ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً، فَلَا حُكْمَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَرَضٌ أَوْ أَلَمٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ مُجَرَّدَ الدَّمِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ.
[فَصْلٌ يُحَصِّل الْخَوْف فِي مَوَاضِع خَمْسَة تَقُوم مَقَام الْمَرَض فِي تَصْرِف الْمَرِيض الْمُوصِي]
(4708) فَصْلٌ: وَيَحْصُلُ الْخَوْفُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فِي مَوَاضِعَ خَمْسَةٍ، تَقُومُ مَقَامَ الْمَرَضِ؛ أَحَدُهَا، إذَا الْتَحَمَ الْحَرْبُ، وَاخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ، وَكَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مُكَافِئَةً لِلْأُخْرَى أَوْ مَقْهُورَةً.
فَأَمَّا الْقَاهِرَةُ مِنْهُمَا بَعْدَ ظُهُورِهَا، فَلَيْسَتْ خَائِفَةً.
وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَخْتَلِطُوا، بَلْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزَةً، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا رَمْيٌ بِالسِّهَامِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَتْ حَالَةَ خَوْفٍ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الدِّينِ أَوْ مُفْتَرِقَتَيْنِ
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَنَحْوُهُ عَنْ مَكْحُولٍ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ بِمَخُوفٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرِيضٍ.
وَلَنَا، أَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هَاهُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرَضِ أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ إنَّمَا جُعِلَ مَخُوفًا لِخَوْفِ صَاحِبِهِ التَّلَفَ، وَهَذَا كَذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، كَانَ عِتْقُهُ مِنْ الثُّلُثِ
وَعَنْهُ: إذَا الْتَحَمَ الْحَرْبُ، فَوَصِيَّتُهُ مِنْ الْمَالِ كُلِّهِ.
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا رِوَايَةً ثَانِيَةً، وَتُسَمَّى الْعَطِيَّةُ وَصِيَّةً تَجَوُّزًا؛ لِكَوْنِهَا فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ، وَلِكَوْنِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَالِ كُلِّهِ.
لَكِنْ يَقِفُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ حُكْمَ وَصِيَّةِ الصَّحِيحِ وَخَائِفِ التَّلَفِ وَاحِدٌ.
الثَّانِيَةُ، إذَا قُدِّمَ لِيُقْتَلَ، فَهِيَ حَالَةُ خَوْفٍ، سَوَاءٌ أُرِيدَ قَتْلُهُ لِلْقِصَاصِ، أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَخُوفٌ.
وَالثَّانِي: إنْ جُرِحَ فَهُوَ مَخُوفٌ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ صَحِيحُ الْبَدَنِ، وَالظَّاهِرُ الْعَفْوُ عَنْهُ
وَلَنَا، أَنَّ التَّهْدِيدَ بِالْقَتْلِ جُعِلَ إكْرَاهًا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَصِحَّةَ الْبَيْعِ، وَيُبِيحُ كَثِيرًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَوْلَا الْخَوْفُ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا حُكِمَ لِلْمَرِيضِ وَحَاضِرِ الْحَرْبِ بِالْخَوْفِ مَعَ ظُهُورِ السَّلَامَةِ، وَبَعْدَ وُجُودِ التَّلَفِ، فَمَعَ ظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ أَوْلَى، وَلَا عِبْرَةَ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ فَإِنَّ الْمَرَضَ لَمْ يَكُنْ مُثْبِتًا لِهَذَا الْحُكْمِ لِعَيْنِهِ، بَلْ لِخَوْفِ إفْضَائِهِ إلَى التَّلَفِ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، لِظُهُورِ التَّلَفِ.
الثَّالِثَةُ، إذَا رَكِبَ الْبَحْرَ، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَإِنْ تَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَهَبَّتْ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، فَهُوَ مَخُوفٌ.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22] . الرَّابِعَةُ، الْأَسِيرُ وَالْمَحْبُوسُ، إذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْقَتْلُ، فَهُوَ خَائِفٌ، عَطِيَّتُهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ لَمَّا حَبَسَ الْحَجَّاجُ إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ: لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا الثُّلُثُ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَطِيَّةُ الْأَسِيرِ مِنْ الثُّلُثِ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ.
وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ ابْتِدَاءً.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ: الْغَازِي عَطِيَّتُهُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَقَالَ
مَسْرُوقٌ: إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْمَحْصُورُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَحْبُوسُ يَنْتَظِرُ الْقَتْلَ أَوْ تُفْقَأُ عَيْنَاهُ، هُوَ فِي ثُلُثِهِ
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْحَبْسِ وَالْأَسْرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْقَتْلِ لَيْسَ بِمَرَضٍ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ فِي الْخَوْفِ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَخَافُ التَّلَفَ عَطِيَّتُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
الْخَامِسَةُ، إذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلْدَةٍ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَخُوفٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضٍ، وَإِنَّمَا يُخَافُ الْمَرَضُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ خُرُوج الْعَطِيَّة مِنْ الثُّلُث حَالَ الْمَوْت]
(4709) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْعَطِيَّةِ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ، فَمَهْمَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَطِيَّةَ صَحَّتْ فِيهِ حَالَ الْعَطِيَّةِ، فَإِنْ نَمَا الْمُعْطَى أَوْ كَسَبَ شَيْئًا، قُسِمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، عَلَى قَدْرِ مَا لَهُمَا فِيهِ، فَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الدَّوْرِ.
فَمِنْ ذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، فَلِلْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَبَاقِيهِ لِسَيِّدِهِ، فَيَزْدَادُ بِهِ مَالُ السَّيِّدِ، وَتَزْدَادُ الْحُرِّيَّةُ لِذَلِكَ، وَيَزْدَادُ حَقُّهُ مِنْ كَسْبِهِ، فَيَنْقُصُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ، مِنْ الْكَسْبِ، وَيَنْقُصُ بِذَلِكَ قَدْرُ الْمُعْتَقِ مِنْهُ، فَيُسْتَخْرَجُ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ.
فَيُقَالُ: عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْوَرَثَةِ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ شَيْئَانِ، لِأَنَّ لَهُمْ مِثْلَيْ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَى الْعَبْدِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ كَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ، فَصَارَ لِلْعَبْدِ شَيْئَانِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ، فَيُقْسَمُ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ، يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ، وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا.
وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ، فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْئَانِ، صَارَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، وَلَهُمْ شَيْئَانِ، فَيُقْسَمُ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ أَخْمَاسًا، يُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ خُمُسَاهُ وَخُمُسَا كَسْبِهِ.
وَإِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كَسْبِهِ
مَعَ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَلَهُمْ شَيْئَانِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، وَلَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ، وَلَهُمْ الثُّلُثُ مِنْهُمَا.
وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ، وَلَهُمْ شَيْئَانِ، فَالْجَمِيعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَنِصْفٌ، إذَا بَسَطْتهَا أَنْصَافًا صَارَتْ سَبْعَةً، لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا، فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لَهُمْ.
إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً، فَكَسَبَ تِسْعَةً، فَاجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا، فَقُلْ: عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ، أَشْيَاءَ، وَلَهُمْ مِائَتَا شَيْءٍ.
وَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَهُمْ مِائَتَا جُزْءٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَانِ مِنْ كَسْبِهِ
وَإِنْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ، صُرِفَا فِي الدَّيْنِ وَلَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ
الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّبَرُّعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ، صُرِفَ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ.
مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا يُقْسَمُ عَلَى مَا يُعْمَلُ فِي الْعَبْدِ الْكَامِلِ وَكَسْبِهِ.
فَلَوْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ كَقِيمَتِهِ، صُرِفَ فِيهِ نِصْفُ الْعَبْدِ، وَنِصْفُ كَسْبِهِ، وَقُسِمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْعِتْقِ نِصْفَيْنِ.
وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْكَسْبِ وَإِنْ كَسَبَ الْعَبْدُ مِثْلَ قِيمَتِهِ، وَلِلسَّيِّدِ مَالٌ مِثْلُ قِيمَتِهِ، قَسَمْت الْعَبْدَ وَمِثْلَيْ قِيمَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَلِكُلِّ شَيْءٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، فَيُعْتَقُ مِنْ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَكَسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ قِيمَتِهِ، لَكَمُلَتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، وَيُقْسَمُ الْعَبْدَانِ وَكَسْبُهُمَا عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَالْبَاقِي لَهُمْ.
وَإِنْ بَدَأَ بِعِتْقِ الْأَدْنَى عَتَقَ كُلُّهُ، وَأَخَذَ كَسْبَهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَكَسْبِهِ مِثْلَيْ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ، وَهُوَ نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ، وَيَبْقَى نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيُعْتَقُ رُبُعُهُ، وَلَهُ رُبُعُ كَسْبِهِ، وَيَرِقُّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَيَتْبَعُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ.
وَذَلِكَ مِثْلَا مَا انْعَتَقَ مِنْهُمَا.
وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، قَرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ، فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ بَدَأَ بِإِعْتَاقِهِ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ ثَلَاثَة أَعْبُد قِيمَتهمْ سَوَاء وَعَلَيْهِ دَيْن بِقَدْرِ قِيمَة أَحَدهمْ وَكَسْب أَحَدهمْ مِثْل قِيمَته]
فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ، قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ أَحَدِهِمْ، وَكَسَبَ أَحَدُهُمْ مِثْلَ قِيمَتِهِ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ لِإِخْرَاجِ الدَّيْنِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ بِيعَ فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُكْتَسِبِ وَالْآخَرِ، لِأَجْلِ، الْحُرِّيَّةِ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَالْمُكْتَسِبُ وَمَالُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَبَاقِيهِ وَبَاقِي كَسْبِهِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَالٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ
وَلَوْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُكْتَسِبِ، لَقَضَيْنَا الدَّيْنَ بِنِصْفِهِ وَنِصْفِ كَسْبِهِ، ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَ بَاقِيهِ وَبَيْنَ الْعَبْدَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِهِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَلِلْوَرَثَةِ مَا بَقِيَ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُكْتَسِبِ، عَتَقَ بَاقِيهِ، وَأَخَذَ بَاقِيَ كَسْبِهِ، ثُمَّ نَقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِإِتْمَامِ الثُّلُثِ، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ.
لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَوْهُوبًا لَإِنْسَانٍ، كَانَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ مِثْلُ مَا لِلْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ وَنَفْسِهِ، فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيِي الْقِيمَة بِكَلِمَةِ وَاحِدَة وَلَا مَال لَهُ غَيْرهمَا فَمَاتَ أَحَدهمَا]
(4711) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ الْقِيمَةِ، بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أَقْرَعَ بَيْنَ الْحَيِّ
وَالْمَيِّتِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ فَالْحَيُّ رَقِيقٌ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَيِّتَ نِصْفُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ مَعَ الْوَرَثَةِ مِثْلَيْ نِصْفِهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْحَيِّ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَلَا يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَال لَهُ سِوَاهُ قِيمَته عَشْرَة فَمَاتَ قَبْل سَيِّده وَخَلَف عِشْرِينَ]
(4712) فَصْلٌ: رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدًا، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَمَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ، وَخَلَّفَ عِشْرِينَ، فَهِيَ لِسَيِّدِهِ بِالْوَلَاءِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا، وَكَذَلِكَ إنْ خَلَّفَ أَرْبَعِينَ وَبِنْتًا.
وَإِنْ خَلَّفَ عَشْرَةً، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، وَلِسَيِّدِهِ شَيْئَانِ، وَقَدْ حَصَلَ فِي يَدِ سَيِّدِهِ عَشْرَةٌ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ نِصْفَهُ حُرٌّ، وَبَاقِيَهُ رَقِيقٌ، وَالْعَشَرَةُ يَسْتَحِقُّهَا السَّيِّدُ، نِصْفُهَا بِحُكْمِ الرِّقِّ، وَنِصْفُهَا بِالْوَلَاءِ.
فَإِنْ خَلَّفَ الْعَبْدُ ابْنًا، فَلَهُ مِنْ رَقَبَتِهِ شَيْءٌ، وَمِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، يَكُونُ لِأَبِيهِ بِالْمِيرَاثِ، وَلِسَيِّدِهِ شَيْئَانِ، فَتُقْسَمُ الْعَشَرَةُ عَلَى ثَلَاثَةٍ، لِلِابْنِ ثُلُثُهَا، وَلِلسَّيِّدِ ثُلُثَاهَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ
وَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا، فَلَهَا نِصْفُ شَيْءٍ، وَلِلسَّيِّدِ شَيْئَانِ، فَصَارَتْ الْعَشَرَةُ عَلَى خَمْسَةٍ، لِلْبِنْتِ خُمُسُهَا، وَلِلسَّيِّدِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ خُمُسَيْ الْعَبْدِ مَاتَ حُرًّا.
وَإِنْ خَلَّفَ الْعَبْدُ عِشْرِينَ وَابْنًا، فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْئَانِ، يَكُونَانِ لِابْنِهِ، وَلِسَيِّدِهِ شَيْئَانِ، فَصَارَتْ الْعِشْرُونَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ ابْنِهِ نِصْفَيْنِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَتَقَ مِنْهُ نِصْفُهُ.
فَإِنْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَكَانَ ابْنَ مُعْتَقِهِ، وَرِثَهُ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ حُرًّا، لِكَوْنِ السَّيِّدِ مَلَكَ عِشْرِينَ، وَهِيَ مِثْلَا قِيمَتِهِ، فَعَتَقَ، وَجَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى سَيِّدِهِ، فَوَرِثَهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنَ مُعْتَقِهِ، لَمْ يَنْجَرَّ وَلَاؤُهُ، وَلَمْ يَرِثْهُ سَيِّدُ أَبِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ خَلَّفَ هَذَا الِابْنُ عِشْرِينَ، وَلَمْ يُخَلِّفْ أَبُوهُ شَيْئًا، أَوْ مَلَكَ السَّيِّدُ عِشْرِينَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ.
وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ عِشْرِينَ، لَمْ يَنْجَرَّ وَلَاءُ الِابْنِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُ، جَرَّ مِنْ وَلَاءِ ابْنِهِ بِقَدْرِهِ، فَلَوْ خَلَّفَ الِابْنُ عَشَرَةً، وَمَلَكَ السَّيِّدُ خَمْسَةً، فَإِنَّك تَقُولُ: عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ، وَيَجُرُّ مِنْ وَلَاءِ أَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ مَعَ خَمْسَتِهِ، وَهُمَا يَعْدِلَانِ شَيْئَيْنِ، وَبَاقِي الْعَشَرَةِ لِمَوْلَى أُمِّهِ.
فَيُقْسَمُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَمَوْلَى الْأُمِّ نِصْفَيْنِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ نِصْفُهُ، وَحَصَلَ لِلسَّيِّدِ خُمُسُهُ مِنْ مِيرَاثِ ابْنِهِ، وَكَانَتْ لَهُ خَمْسَةٌ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ.
فَإِنْ مَاتَ الِابْنُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، وَخَلَّفَ مَالًا، وَحَكَمْنَا بِعِتْقِ الْأَبِ أَوْ عِتْقِ بَعْضِهِ، وَرِثَ مَالَ ابْنِهِ إنْ كَانَ حُرًّا، أَوْ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ إنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، وَلَمْ يَرِثْ سَيِّدُهُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ خِلَافٌ تَرَكْت ذِكْرَهُ كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ.
[فَصْل فِي الْمُحَابَاةِ فِي الْمَرَضِ]
(4713) فَصْلٌ: فِي الْمُحَابَاةِ فِي الْمَرَضِ، وَهِيَ أَنْ يُعَاوِضَ بِمَالِهِ، وَيَسْمَحَ لِمَنْ عَاوَضَهُ بِبَعْضِ عِوَضِهِ، وَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ؛