المغني لابن قدامةصفحات 250-289
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 250-289
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُ أُمِّهِ عَلَى رَضَاعِهِ، دَنِيئَةً كَانَتْ أَوْ شَرِيفَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً وَلَا نَعْلَمُ فِي عَدَمِ إجْبَارِهَا عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُفَارَقَةً خِلَافًا، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَعَ الزَّوْجِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى رَضَاعِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهَا إنْ كَانَتْ شَرِيفَةً لَمْ تَجْرِ عَادَةُ مِثْلِهَا بِالرَّضَاعِ لِوَلَدِهَا، لَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُرْضِعُ فِي الْعَادَةِ، أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا، وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الرَّضَاعِ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ، أَوْ لِحَقِّ الزَّوْجِ، أَوْ لَهُمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا عَلَى خِدْمَتِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ، لَلَزِمَهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَلْزَمُ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ، فَلَزِمَ الْأَبَ عَلَى الْخُصُوصِ، كَالنَّفَقَةِ، أَوْ كَمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ، لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمَا، لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ

[الْفَصْلُ الثَّانِي الْأُمَّ إذَا طَلَبَتْ إرْضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا]

(6563) الْفَصْلُ الثَّانِي: إنَّ الْأُمَّ إذَا طَلَبَتْ إرْضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَسَوَاءٌ وَجَدَ الْأَبُ مُرْضِعَةً مُتَبَرِّعَةً أَوْ لَمْ يَجِدْ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ، فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا عَلَى رَضَاعِهِ، لَمْ يَجُزْ؛

لِأَنَّ الْمَنَافِعَ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا مَا هُوَ أَوْ بَعْضُهُ حَقٌّ لَهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ الْوَلَدَ، فَهَلْ لَهَا أَجْرُ الْمِثْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً، فَطَلَبَتْ أَجْرَ الْمِثْلِ، فَأَرَادَ انْتِزَاعَهُ مِنْهَا لِيُسَلِّمَهُ إلَى مَنْ تُرْضِعُهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعَةً، أَوْ مَنْ تُرْضِعُهُ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ، فَلَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْتِزَامُ الْمُؤْنَةِ مَعَ دَفْعِ حَاجَةِ الْوَلَدِ بِدُونِهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ طَلَبَتْ الْأَجْرَ، لَمْ يَلْزَمْ الْأَبَ بَذْلُهَا لَهَا، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، وَتَأْتِي الْمُرْضِعَةُ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِأَحَدِهِمَا وَلَنَا، عَلَى الْأَوَّلِ، مَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ، أَنَّهُ عَقْدُ إجَارَةٍ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ إذَا أَذِنَ فِيهِ، فَجَازَ مَعَ الزَّوْجِ، كَإِجَارَةِ نَفْسِهَا لِلْخِيَاطَةِ أَوْ الْخِدْمَةِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَنَافِعَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ لَوْ مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْحَضَانَةِ، لَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَيْهَا، وَلَمْ تَجُزْ إجَارَةُ نَفْسِهَا لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَلَكَانَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ إجَارَةُ نَفْسِهَا لِأَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ وَلِهَذَا جَازَتْ بِإِذْنِهِ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَهَا، فَقَدْ أَذِنَ لَهَا فِي إجَارَةِ نَفْسِهَا، فَصَحَّ، كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْأُمِّ، إذَا طَلَبَتْ أَجْرَ مِثْلِهَا، عَلَى الْمُتَبَرِّعَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَلِأَنَّ الْأُمَّ أَحْنَى وَأَشْفَقُ، وَلَبَنَهَا أَمْرَأُ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهَا، فَكَانَتْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ رَضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا؛ وَلِأَنَّ فِي رَضَاعِ غَيْرِهَا تَفْوِيتًا لِحَقِّ الْأُمِّ مِنْ الْحَضَانَةِ، وَإِضْرَارًا بِالْوَلَدِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُ حَقِّ الْحَضَانَةِ الْوَاجِبِ، وَالْإِضْرَارُ بِالْوَلَدِ لِغَرَضِ إسْقَاطِ حَقٍّ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَبِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ حَقِّ الْوَلَدِ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ، وَتَفْوِيتِ [حَقِّ] الْأُمِّ فِي إرْضَاعِهِ لَبَنَهَا، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَتْ بِرَضَاعِهِ فَأَمَّا إنْ طَلَبْت الْأُمُّ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا، وَوَجَدَ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، أَوْ مُتَبَرِّعَةً، جَازَ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِاشْتِطَاطِهَا، وَطَلَبِهَا مَا لَيْسَ لَهَا، فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْله: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرْضِعَةً إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَتَا فِي الْأَجْرِ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَجْرَ مِثْلِهَا.

[فَصْلٌ طَلَبَتْ ذَاتُ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ إرْضَاعَ وَلَدِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، بِإِذْنِ زَوْجِهَا]

(6564) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَبَتْ ذَاتُ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ إرْضَاعَ وَلَدِهَا، بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، بِإِذْنِ زَوْجِهَا، ثَبَتَ حَقُّهَا، وَكَانَتْ أَحَقَّ

بِهِ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأُمَّ إنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ الْإِرْضَاعِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَإِذَا أَذِنَ فِيهِ، زَالَ الْمَانِعُ، فَصَارَتْ كَغَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ، وَإِنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ، سَقَطَ حَقُّهَا؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهَا إلَى ذَلِكَ.

[فَصْلٌ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا وَهِيَ فِي حِبَالِ وَالِدِهِ فَاحْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةِ نَفَقَةٍ]

(6565) فَصْلٌ: وَإِنْ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، وَهِيَ فِي حِبَالِ وَالِدِهِ، فَاحْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةِ نَفَقَةٍ، لَزِمَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وَلِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، فَإِذَا زَادَتْ حَاجَتُهَا، زَادَتْ كِفَايَتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ]

[مَسْأَلَةٌ عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْمَمَالِيكِ]

مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَعَلَى مُلَّاكِ الْمَمْلُوكِينَ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَيَكْسُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِينَ عَلَى مُلَّاكِهِمْ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ، وَمَنَافِعُهُ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ، فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، كَبَهِيمَتِهِ وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ سَيِّدِهِ، أَوْ دُونَهُ، أَوْ فَوْقَهُ، وَأُدْمِ مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ» وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ جِنْسِ طَعَامِهِ؛ لِقَوْلِهِ: " فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ " فَجَمَعْنَا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ، وَحَمَلْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْإِجْزَاءِ، وَحَدِيثَ خَبَرِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ نَفَقَتَهُ مِنْ كَسْبِهِ، إنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَيَأْخُذَ كَسْبَهُ، أَوْ يَجْعَلَهُ بِرَسْمِ خِدْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ، فَإِنْ جَعَلَ نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ، فَكَانَتْ وَفْقَ الْكَسْبِ، صَرَفَهُ إلَيْهَا، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْكَسْبِ شَيْءٌ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَوَزٌ، فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمَامُهَا

وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَبِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَالِبِ الْكِسْوَةِ لِأَمْثَالِ الْعَبْدِ، فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُلْبِسَهُ مِنْ لِبَاسِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ عَبِيدِهِ الذُّكُورِ فِي الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ، وَبَيْنَ إمَائِهِ إنْ كُنَّ لِلْخِدْمَةِ أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ مَنْ هُوَ لِلْخِدْمَةِ، وَفِيهِنَّ مَنْ هُوَ لِلِاسْتِمْتَاعِ، فَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ مِنْ يَزِيدُهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْعُرْفِ، وَلِأَنَّ غَرَضَهُ تَحْمِيلُ مَنْ يَزِيدُهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ، بِخِلَافِ الْخَادِمَةِ.

[فَصْلٌ تَوَلَّى أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ فَيَأْكُلَ الْخَادِمُ]

(6567) فَصْلٌ: إذَا تَوَلَّى أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ، فَيَأْكُلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْهُ، وَلَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ، حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَلْيَدْعُهُ، وَلْيُجْلِسْهُ فَإِنْ أَبَى، فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَى تَرْوِيغِ اللُّقْمَةِ، غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ وَالدَّسَمِ، وَتَرْوِيَتُهَا بِذَلِكَ، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يَشْتَهِيه لِحُضُورِهِ فِيهِ، وَتَوَلِّيه إيَّاهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] الْآيَةَ، وَلِأَنَّ نَفْسَ الْحَاضِرِ تَتُوقُ مَا لَا تَتُوقُ نَفْسُ الْغَائِبِ.

[فَصْلٌ التَّرَفُّق فِي مُعَامَلَةِ الْخَادِمِ]

(6568) فَصْلٌ: وَلَا يُكَلِّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، وَهُوَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَيَقْرُبُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيُؤْذِيه، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ.

[فَصْلٌ لَا يُجْبَرُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ]

(6569) فَصْلٌ: وَلَا يُجْبَرُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيه، وَمَا فَضَلَ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، كَالْكِتَابَةِ.
وَإِنْ طَلَبَ الْعَبْدُ ذَلِكَ، وَأَبَاهُ السَّيِّدُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، جَازَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «أَبَا ظَبْيَةَ حَجَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ، وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ عَلَى رَقِيقِهِمْ خَرَاجًا، فَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ.
وَجَاءَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَهُ

أَنْ يَسْأَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
ثُمَّ يَنْتَظِرُ، فَإِنْ كَانَ ذَا كَسْبٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَفْضُلُ مِنْ كَسْبِهِ عَنْ نَفَقَتِهِ وَخَرَاجِهِ شَيْءٌ، جَازَ، فَإِنَّ لَهُمَا بِهِ نَفْعًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَحْرِصُ عَلَى الْكَسْبِ، وَرُبَّمَا فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ يَزِيدُهُ فِي نَفَقَتِهِ، وَيَتَّسِعُ بِهِ.
وَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ نَفَقَتِهِ، لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَلَّفَ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ الْمُخَارَجَةَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهُ الْكَسْبَ سَرَقَ، وَلَا تُكَلِّفُوا الْمَرْأَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا الْكَسْبَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا.
وَلِأَنَّهُ مَتَى كَلَّفَ غَيْرَ ذِي الْكَسْبِ خَرَاجًا، كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ". وَرُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ.

[فَصْلٌ مَرِضَ الْمَمْلُوكُ أَوْ زَمِنَ أَوْ عَمِيَ أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ عَلَى مِنْ تَلْزَم نَفَقَته]

(6570) فَصْلٌ: وَإِذَا مَرِضَ الْمَمْلُوكُ، أَوْ زَمِنَ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ مَعَ الْعَمَى وَالزَّمَانَةِ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مَعَهُمَا، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.

[مَسْأَلَة لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ]

(6571) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إعْفَافُ مَمْلُوكِهِ، إذَا طَلَبَ ذَلِكَ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، كَإِطْعَامِ الْحَلْوَاءِ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] . وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْد الطَّلَبِ.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَلَمْ يُزَوِّجْهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا، أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ، فَمَا صَنَعَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ.
وَلَوْلَا وُجُوبُ إعْفَافِهِمَا لَمَا لَحِقَ السَّيِّدَ الْإِثْمُ بِفِعْلِهِمَا، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، دَعَا إلَى تَزْوِيجِهِ،

فَلَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ غَالِبًا، وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَالنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ الْحَلْوَاءِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهِ، أَوْ تَمْلِيكِهِ أَمَةً يَتَسَرَّاهَا.
وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُبَاحٌ لِلْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ، وَفِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا تُعْلَمُ حَاجَتُهُ إلَّا بِطَلَبِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنَّ إجْبَارَ الْعَبْدِ الْكَبِيرِ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرُ جَائِزٍ.
فَأَمَّا الْأَمَةُ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا، فَيُغْنِيَهَا بِاسْتِمْتَاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا.

[فَصْلٌ لِلسَّيِّدِ تَمْكِين الْعَبْد مِنْ الِاسْتِمْتَاع مِنْ زَوْجَته]

(6572) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا لِأَنَّ إذْنَهُ فِي النِّكَاحِ إذْنٌ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الْمُعْتَادِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ لَيْلًا وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا.

[مَسْأَلَةٌ لِلْعَبْدِ طَلَبُ بَيْعِهِ إذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ]

(6573) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنَّ امْتَنَعَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ إذَا طَلَبَ الْمَمْلُوكُ ذَلِكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا امْتَنَعَ مِمَّا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ امْتِنَاعُ السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِخْلَالِ بِسَدِّ خَلَّاتِهِ إضْرَارٌ بِهِ، وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَاجِبَةٌ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهُ؛ وَلِذَلِكَ أَبَحْنَا لِلْمَرْأَةِ فَسْخَ النِّكَاحِ عِنْدَ عَجْزِ زَوْجِهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عَبْدُك يَقُولُ: أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي.
وَامْرَأَتُك تَقُولُ: أَطْعِمْنِي أَوْ طَلِّقْنِي» . وَهَذَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ مَتَى وَفَّى بِحُقُوقِ عَبْدِهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ بَيْعَهُ، لَمْ يُجْبَرْ السَّيِّدُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: اسْتَبَاعَتْ الْمَمْلُوكَةُ، وَهُوَ يَكْسُوهَا مِمَّا يَلْبَسُ، وَيُطْعِمُهَا مِمَّا يَأْكُلُ.
قَالَ لَا تُبَاعُ، وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى زَوْجٍ، فَتَقُولَ: زَوِّجْنِي.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَإِسْحَاقُ، فِي الْعَبْدِ يُحْسِنُ إلَيْهِ سَيِّدُهُ، وَهُوَ يَسْتَبِيعُ:

لَا يَبِعْهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ، وَالْحَقَّ لَهُ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْعَبْدِ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا، وَلَا عَلَى بَيْعِ بَهِيمَتِهِ مَعَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ مُكَاتَبه إلَّا أَنْ يَعْجِزَ]

(6574) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ مُكَاتَبِهِ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَوْجَبَ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ إكْسَابَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهُ، وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا، فَلَا يَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ، وَلَا إجَارَتَهُ، وَلَا إعَارَتَهُ، وَلَا أَخْذَ كَسْبِهِ، وَلَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ، عَنْهُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، فَإِذَا عَجَزَ، عَادَ رَقِيقًا قِنًّا، وَعَادَ إلَيْهِ مِلْكُ نَفْعِهِ، وَأَكْسَابُهُ، فَعَادَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَمَة لِغَيْرِ وَلَدِهَا]

(6575) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَمَةَ) لِغَيْرِ وَلَدِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ أَمَّا إذَا أَرَادَ اسْتِرْضَاعَ أَمَتِهِ لِغَيْرِ وَلَدِهَا، مَعَ كَوْنِهِ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا؛ لِنَقْصِهِ مِنْ كِفَايَتِهِ، وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لِوَلَدِهَا إلَى غَيْرِهِ، مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنْقِصَ الْكَبِيرَ مِنْ كِفَايَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّ وَلَدِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ، كَالْفَاضِلِ مِنْ كَسْبِهَا عَنْ مُؤْنَتِهَا، أَوْ كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا، وَبَقِيَ لَبَنُهَا.

[مَسْأَلَةٌ رُهِنَ الْمَمْلُوكُ عَلَى مَنْ نَفَقَته]

(6576) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا رُهِنَ الْمَمْلُوكُ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ) وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ.
وَنَفَقَتُهُ مِنْ غُرْمِهِ» . وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، وَنَمَاؤُهُ لَهُ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ.
وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الرَّهْنِ.

[مَسْأَلَةٌ أَبَقَ الْعَبْدُ فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ]

(6577) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ)

إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقَدْ قَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَقَامَ سَيِّدِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِنْفَاقٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَدَائِهِ مِنْهُ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَدَّى الْحَاكِمُ عَنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى امْرَأَتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فِي مَنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُ، أَوْ الْوَدِيعَةِ، أَوْ الْجِمَالِ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ.

[فَصْل لسَّيِّدِ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ]

(6578) فَصْلٌ: وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ إذَا أَذْنَبَا، بِالتَّوْبِيخِ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ، كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ، وَامْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ، وَلَا ضَرْبُهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَإِنْ أَذْنَبَ، وَلَا لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيّ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، لَيْسَ لَنَا إلَّا خَادِمٌ وَاحِدٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعْتَاقِهَا، فَأَعْتَقْنَاهَا» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ.»

[فَصْل مَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً فَلَهُ نَفَقَتُهَا]

(6579) فَصْلٌ وَمَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، مِنْ عَلْفِهَا، أَوْ إقَامَةِ مَنْ يَرْعَاهَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّا يُذْبَحُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ، بَلْ يَأْمُرُهُ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا الْخُصُومَةُ، وَلَا يُنْصَبُ عَنْهَا خَصْمٌ، فَصَارَتْ كَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا نَفَقَةُ حَيَوَانٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِلسُّلْطَانِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ، وَيُفَارِقُ نَفَقَةَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ، بِيعَتْ عَلَيْهِ، كَمَا يُبَاعُ الْعَبْدُ

إذَا طَلَبَ الْبَيْعَ عِنْدَ إعْسَارِ سَيِّدِهِ بِنَفَقَتِهِ، وَكَمَا يَفْسَخُ نِكَاحَهُ إذَا أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ.
وَإِنْ عَطِبَتْ الْبَهِيمَةُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ، خُيِّرَ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ، أُجْبِرَ عَلَى الْإِنْقَاقِ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ الزَّمِنِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَمِّلَ الْبَهِيمَةَ مَا لَا تُطِيقُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعَبْدِ، وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ.
وَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِضْرَارًا بِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَبَنُ أُمِّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ.

[كِتَابُ الْجِرَاحِ]

[فَصْلٌ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ]

ِ يَعْنِي كِتَابَ الْجِنَايَاتِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالْجِرَاحِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِهَا بِهِ، وَالْجِنَايَةُ: كُلُّ فِعْلِ عُدْوَانٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ.
لَكِنَّهَا فِي الْعُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ، وَسَمَّوْا الْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا، وَنَهْبًا، وَسَرِقَةً، وَخِيَانَةً، وَإِتْلَافًا.
(6580) فَصْلٌ: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92] . وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] . الْآيَةَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى عُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ، فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذِهِ كَثِيرَةٍ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا، فَسَقَ، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُقْبَلُ.
لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ.
وَلِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا نَسْخٌ وَلَا تَغْيِيرٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ إلَّا صِدْقًا.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] . فَجَعَلَهُ دَاخِلًا فِي الْمَشِيئَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] . وَفِي الْحَدِيثِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: إنَّ رَجُلًا قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا، ثُمَّ سَأَلَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، وَلَكِنْ اُخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السَّوْءِ، إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، فَاعْبُدْ اللَّهَ فِيهَا.
فَخَرَجَ تَائِبًا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ، فَاجْعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا.
فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ، فَجَعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا» . وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِنْ الْكُفْرِ، فَمِنْ الْقَتْلِ أَوْلَى.
وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ، أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ، وَلَهُ الْعَفْوُ إذَا شَاءَ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ.
قُلْنَا: لَكِنْ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ.

[مَسْأَلَةٌ وَالْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ]

(6581) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَالْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ عَمْدٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ، وَخَطَأٌ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْقَتْلَ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي.
وَأَنْكَرَ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ، فَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ، فَلَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَنَا.
وَجَعَلَهُ مِنْ قِسْمِ الْعَمْدِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهَ الْعَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ: " قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ ". وَهَذَا نَصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ.
وَقَسَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، فَزَادَ قِسْمًا رَابِعًا، وَهُوَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ، نَحْوَ أَنْ يَنْقَلِبَ نَائِمٌ عَلَى شَخْصٍ فَيَقْتُلَهُ، أَوْ يَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُلْوٍ، وَالْقَتْلُ بِالسَّبَبِ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ، وَقَتْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ قِسْمِ الْخَطَإِ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَعْمِدْ الْفِعْلَ، أَوْ عَمَدَهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَصْدِ الصَّحِيحِ، فَسَمَّوْهُ خَطَأً، فَأَعْطَوْهُ حُكْمَهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْخِرَقِيِّ بِذَلِكَ، فَقَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ: عَمْدُهُمَا خَطَأٌ.

[مَسْأَلَةٌ الْقَتْلُ الْعَمْدُ]

(6582) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَالْعَمْدُ مَا ضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ الْغَالِبُ أَنْ يَقْتُلَ مِثْلُهُ، أَوْ أَعَادَ الضَّرْبَ بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا الْغَالِبُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَنَّهُ يُتْلِفُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمْدَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُحَدِّدِ، وَهُوَ مَا يَقْطَعُ، وَيَدْخُلُ فِي الْبَدَنِ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالسِّنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُحَدِّدُ فَيَجْرَحُ، مِنْ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْحَجَرِ، وَالْقَصَبِ،

وَالْخَشَبِ، فَهَذَا كُلُّهُ إذَا جَرَحَ بِهِ جُرْحًا كَبِيرًا، فَمَاتَ، فَهُوَ قَتْلٌ عَمْدٌ، لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَغِيرًا، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ، أَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةِ، أَوْ شَوْكَةٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ فِي مَقْتَلِ، كَالْعَيْنِ، وَالْفُؤَادِ، وَالْخَاصِرَةِ، وَالصُّدْغِ، وَأَصْلِ الْأُذُنِ، فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِذَلِكَ فِي الْمَقْتَلِ، كَالْجُرْحِ بِالسِّكِّينِ فِي غَيْرِ الْمَقْتَلِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ؛ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَغَ فِي إدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ، فَهُوَ كَالْجُرْحِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، وَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ، كَالْكَبِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْغَوْرُ يَسِيرًا، أَوْ جَرَحَهُ بِالْكَبِيرِ جُرْحًا لَطِيفًا، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ فَمَا دُونَهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمَّنَّا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا قِصَاصَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ، وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ حُصُولَ الْمَوْتِ بِغَيْرِهِ ظَاهِرًا، كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا، لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ مَوْتِهِ فِي الْحَالِ، وَمَوْتِهِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ وَالثَّانِي، فِيهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، أَوْ قَطَعَ أُنْمُلَتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إدَارَةُ الْحُكْمِ، وَضَبْطُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَجَبَ رَبْطُهُ بِكَوْنِهِ مُحَدَّدًا، وَلَا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْحِكْمَةِ فِي آحَادِ صُوَرِ الْمَظِنَّةِ، بَلْ يَكْفِي احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ فِيمَا إذَا بَقِيَ ضِمْنًا، مَعَ أَنَّ الْعَمْدَ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ اتِّحَادِ الْآلَةِ وَالْفِعْلِ، بِسُرْعَةِ الْإِفْضَاءِ وَإِبْطَائِهِ، وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً، وَهَذَا لَهُ سِرَايَةٌ وَمَوْرٌ، فَأَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةُ، وَلِلشَّافِعِيِّ، مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مَا ذَكَرْنَا.

النَّوْعُ الثَّانِي، الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ، مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الزَّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فَهَذَا عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَحَمَّادٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ: الْعَمْدُ مَا كَانَ بِالسِّلَاحِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِالنَّارِ.
وَعَنْهُ فِي مُثْقَلِ الْحَدِيدِ رِوَايَتَانِ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَإِ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» . فَسَمَّاهُ عَمْدَ الْخَطَإِ، وَأَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ الْعَمْدَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ، فَيَجِبُ ضَبْطُهُ بِمَظِنَّتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، لِحُصُولِ الْعَمْدِ بِدُونِهِ فِي الْجُرْحِ الصَّغِيرِ، فَوَجَبَ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ.

وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] . وَهَذَا مَقْتُولٌ ظُلْمًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] . وَرَوَى أَنَسٌ «، أَنْ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ حَجَرَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا يُودِي، وَإِمَّا يُقَادُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُثْقَلِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ، وَقَرَنَ بِهِ الْحَجَرَ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُشْبِهُهُمَا.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.
مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِمَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الْغَلَبَةِ بِهِ، وَإِذَا شَكَكْنَا، لَمْ نُوجِبْهُ مَعَ الشَّكِّ، وَصَغِيرُ الْجُرْحِ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالنَّارِ، أَوْ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ، يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، كَاللَّتِّ، وَالسِّنْدَانِ، وَالْمِطْرَقَةِ، أَوْ حَجَرٍ ثَقِيلٍ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ، وَحَدَّ الْخِرَقِيِّ الْخَشَبَةَ الْكَبِيرَةَ، بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، يَعْنِي الْعَمْدَ الَّتِي تَتَّخِذُهَا الْأَعْرَابُ لِبُيُوتِهَا، وَفِيهَا دِقَّةٌ، فَأَمَّا عَمَدُ الْخِيَامِ فَكَبِيرَةٌ، تَقْتُلُ غَالِبًا، فَلَمْ يُرِدْهَا الْخِرَقِيِّ وَإِنَّمَا حَدَّ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارِيَتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» . وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ بِعَمْدٍ.
وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، فَهُوَ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطًا، أَوْ صَخْرَةً، أَوْ خَشَبَةً عَظِيمَةً، أَوْ مَا أَشْبَهَ مِمَّا يُهْلِكُهُ غَالِبًا، فَيُهْلِكَهُ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا

النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ صَغِيرٍ، كَالْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ، أَوْ يَلْكُزَهُ بِيَدَيْهِ فِي مَقْتَلٍ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ؛ لَمَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ فِي زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ، بِحَيْثُ تَقْتُلُهُ تِلْكَ الضَّرْبَةُ، أَوْ كَرَّرَ الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ، لَوْ عَصَرَ خُصْيَتَهُ عَصْرًا شَدِيدًا فَقَتَلَهُ بِعَصْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ، إلَّا أَنْ يَصْغُرَ جِدًّا، كَالضَّرْبَةِ بِالْقَلَمِ وَالْإِصْبَعِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ الْقَتْلُ بِهِ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِهِ.

وَكَذَلِكَ إنْ مَسَّهُ بِالْكَبِيرِ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَتْلِ، وَلَيْسَ هَذَا بِقَتْلٍ.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَمْنَعَ خُرُوجَ نَفَسِهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ خِرَاطَةً، ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي خَشَبَةٍ أَوْ شَيْءٍ، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ، فَيَخْتَنِقُ وَيَمُوتُ، فَهَذَا عَمْدٌ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ، أَوْ بَقِيَ زَمَنًا، لِأَنَّ هَذَا أَوْحَى أَنْوَاعِ الْحَنَقِ، وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ مِنْ الْوُلَاةِ فِي اللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنْ الْمُفْسِدِينَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْنُقَهُ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ، أَوْ مِنْدِيلٍ، أَوْ حَبْلٍ، أَوْ يُغَمِّهِ بِوِسَادَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ، أَوْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيَمُوتَ، فَهَذَا إنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقِصَاصُ.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا فِي الْعَادَةِ، بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْمَوْتُ مِنْهُ، فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ لَمْسِهِ.
وَإِنْ خَنَقَهُ، وَتَرَكَهُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ، وَإِنْ تَنَفَّسَ وَصَحَّ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَا قَوَدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ثُمَّ مَاتَ

النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يُلْقِيه فِي مَهْلَكَةٍ، وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ كَرَأْسِ جَبَلٍ، أَوْ حَائِطٍ عَالٍ، يَهْلِكُ بِهِ غَالِبًا، فَيَمُوتَ، فَهُوَ عَمْدٌ.
الثَّانِي: أَنْ يُلْقِيَهُ فِي نَارٍ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ، إمَّا لِكَثْرَةِ الْمَاءِ وَالنَّارِ، وَإِمَّا لِعَجْزِهِ عَنْ التَّخَلُّصِ، لَمَرَضٍ، أَوْ ضَعْفٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كَوْنِهِ مَرْبُوطًا، أَوْ مَنَعَهُ الْخُرُوجَ، أَوْ كَوْنِهِ فِي حُفْرَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصُّعُودِ مِنْهَا، وَنَحْوُ هَذَا، أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ ذَاتِ نَفَسٍ، فَمَاتَ بِهِ، عَالِمًا بِذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا.
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، فَلَبِثَ فِيهِ اخْتِيَارًا حَتَّى مَاتَ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا حَصَلَ مَوْتُهُ بِلُبْثِهِ فِيهِ، وَهُوَ فِعْلُ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ.
وَإِنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا، أَوْ كَوْنِهِ فِي طَرَفٍ مِنْهَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ؛ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ، فَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ لِنَفْسِهِ بِإِقَامَتِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ، لَكِنْ يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ النَّارُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالْإِلْقَاءِ الْمُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ، وَتَرْكُ التَّخَلُّصِ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ، كَمَا لَوْ فَصَدَهُ

فَتَرَك شَدَّ فَصَادِهِ مَعَ إمْكَانِهِ، أَوْ جَرَحَهُ فَتَرَكَ مُدَاوَاةَ جُرْحِهِ، وَفَارَقَ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْلِكُ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ النَّاسُ لِلْغُسْلِ وَالسِّبَاحَةِ وَالصَّيْدِ، وَأَمَّا النَّارُ فَيَسِيرُهَا يُهْلِكُ.
وَإِنَّمَا تُعْلَمُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّخَلُّصِ بِقَوْلِهِ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى التَّخَلُّصِ.
أَوْ نَحْوَ هَذَا؛ لِأَنَّ النَّارَ لَهَا حَرَارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَرُبَّمَا أَزْعَجَتْهُ حَرَارَتُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ، أَوْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ بِأَلَمِهَا وَرَوْعَتِهَا.
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي لُجَّةٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي مَهْلَكَةٍ فَهَلَكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَرِقَ فِيهَا.
وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ آدَمِيُّ آخَرُ.
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ، فَأَكَلَهُ سَبُعٌ، أَوْ الْتَقَمَهُ حُوتٌ أَوْ تِمْسَاحٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِهِ.

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَسَدٍ أَوْ نَمِرٍ، فِي مَكَان ضَيِّقٍ، كَزُبْيَةِ وَنَحْوِهَا، فَيَقْتُلَهُ، فَهَذَا عَمْدٌ، فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا فَعَلَ السَّبُعُ بِهِ فِعْلًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ الْآدَمِيُّ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِهِ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ صَارَ آلَةً لِلْآدَمِيِّ، فَكَانَ فِعْلُهُ.
كَفِعْلِهِ.
وَإِنْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بَيْنَ يَدَيْ الْأَسَدِ، أَوْ النَّمِرِ، فِي فَضَاءٍ، فَأَكَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَكَذَلِكَ إنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، فَنَهَشَتْهُ فَقَتَلَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَسَدَ وَالْحَيَّةَ يَهْرُبَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَكَانَ عَمْدًا مَحْضًا، كَسَائِرِ الصُّوَرِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُمَا يَهْرُبَانِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْأَسَدَ يَأْخُذُ الْآدَمِيَّ الْمُطْلَقَ، فَكَيْفَ يَهْرُبُ مِنْ مَكْتُوفٍ أُلْقِيَ إلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ، وَالْحَيَّةُ إنَّمَا تَهْرُبُ فِي مَكَان وَاسِعٍ، أَمَّا إذَا ضَاقَ الْمَكَانُ، فَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا بِالنَّهْشِ، عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَنْ أُلْقِيَ مَكْتُوفًا فِي أَرْضٍ مُسَبَّعَةٍ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ، فَقَتَلَتْهُ، أَنَّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ.
وَهَذَا تَنَاقُضٌ شَدِيدٌ؛ فَإِنَّهُ نَفَى الضَّمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي صُورَةٍ كَانَ الْقَتْلُ فِيهَا أُغْلَبَ، وَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي صُورَةٍ كَانَ فِيهَا أَنْدَرَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ هَاهُنَا، وَيَجِبُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا مُتَعَمِّدًا تَلِفَ بِهِ.
لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا.
وَإِنْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً أَوْ سَبُعًا فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، كَثُعْبَانِ الْحِجَازِ، أَوْ سَبُعٍ صَغِيرٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، فِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ، وَهَذَا جُرْحٌ، وَلِأَنَّ الْحَيَّةَ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا.

وَالثَّانِي: هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَشْبَهَ الضَّرْبَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ.
وَإِنْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مُسَبَّعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ، أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، فَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا عَمْدًا، فَأَفْضَى إلَى هَلَاكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا فَمَاتَ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَاهُ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْهَدْ وُصُولَ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ وُصُولِ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَاتَ بِهَا، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، إمَّا لِكَوْنِهَا تَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَعَدَمَهُ، أَوْ لَا تُعْهَدُ أَصْلًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.

الضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْبِسَهُ فِي مَكَان، وَيَمْنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مُدَّةً لَا يَبْقَى فِيهَا حَتَّى يَمُوتَ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ، فَإِذَا كَانَ عَطْشَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، مَاتَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَإِنْ كَانَ رَيَّانَ وَالزَّمَنُ بَارِدٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ، لَمْ يَمُتْ إلَّا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ فَيُعْتَبَرُ هَذَا فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَفِيهِ الْقَوَدُ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ.
وَإِنْ شَكَكْنَا فِيهَا، لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ، لَا سِيَّمَا الْقِصَاصُ الَّذِي يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ

النَّوْعُ الْخَامِسُ: أَنْ يَسْقِيَهُ سُمًّا، أَوْ يُطْعِمَهُ شَيْئًا قَاتِلًا، فَيَمُوتَ بِهِ، فَهُوَ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَقْتُلُ غَالِبًا.
وَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ، وَقَدَّمَهُ إلَيْهِ، فَأَكَلَهُ أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَأَكَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ مُخْتَارًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا، فَطَعَنَ بِهَا نَفْسَهُ، وَلِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَوَى «، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقْتُلْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ: وَهَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَلَنَا، خَبَرُ الْيَهُودِيَّةِ، فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ فِيهِ: فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُتِلَتْ.
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَيُتَّخَذُ طَرِيقًا إلَى الْقَتْلِ كَثِيرًا، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ مِنْهُ.
وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يُقْتَلَ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْتُلْهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ فَلَمَّا مَاتَ، أَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَسَأَلَهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَقَتَلَهَا، فَنَقَلَ أَنَسٌ صَدْرَ الْقِصَّةِ دُونَ آخِرِهَا.

وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، جَمْعًا بَيْن الْخَبَرَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ قَتْلَهَا؛ لِكَوْنِهَا مَا قَصَدَتْ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ، إنَّمَا قَصَدَتْ قَتَلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاخْتَلَّ الْعَمْدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بِشْرٍ، وَفَارَقَ تَقْدِيمَ السِّكِّينِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقَدَّمُ إلَى الْإِنْسَانِ لِيَقْتُلَ بِهَا نَفْسَهُ، إنَّمَا تُقَدَّمُ إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَضَرَّتِهَا وَنَفْعِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُدِّمَ إلَيْهِ السُّمُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ.
فَأَمَّا إنْ خَلَطَ السُّمَّ بِطَعَامِ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَدَخَلَ إنْسَانٌ فَأَكَلَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَوَقَعَ فِيهَا، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ قَتْلَ الْآكِلِ، مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ظَالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دَارِهِ، فَتَرَكَ السُّمَّ فِي الطَّعَامِ لِيَقْتُلهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إذَا دَخَلَ لِيَسْرِقَ مِنْهَا، وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ بِإِذْنِهِ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ لِذَلِكَ.
وَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ، أَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا مَسْمُومًا، وَأَخْبَرَهُ بِسُمِّهِ فَأَكَلَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ عَالِمًا بِحَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا، فَوَجَأَ بِهَا نَفْسَهُ.
وَإِنْ سَقَى إنْسَانًا سُمًّا، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ، فَأَكَلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَكَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
فَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا أَوْ لَا؟ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ، عُمِلَ بِهَا.
وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: هُوَ يَقْتُلُ النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ الْقَوِيِّ.
أَوْ غَيْرَ هَذَا، عُمِلَ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَةِ مَا سَقَى.
وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتِلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَاتِلٌ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ السُّمَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَاتِلٌ.
وَهَذِهِ شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْقَوَدُ.

النَّوْعُ السَّادِسُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَيَلْزَمُهُ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِسِكِّينِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ كَانَ مِمَّا يَقْتُلُ وَلَا يَقْتُلُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدُ الْخَطَإِ، فَأَشْبَهَ ضَرْبَ الْعَصَا

النَّوْعُ السَّابِعُ: أَنْ يَتَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يُكْرِهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ، فَيَقْتُلَهُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ جَمِيعًا، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ دُونَ الْمُبَاشِرِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَنَقْلِ فِعْلِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُكْرَهِ، كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ عَلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُكْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّبَبِ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ، وَالْآمِرِ مَعَ الْقَاتِلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَفِي الْمُكْرَهِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ، فَهُوَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ، وَالْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ، فَأَشْبَهَ الْمَرْمِيَّ بِهِ عَلَى إنْسَانٍ.
وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ، أَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْسَعَهُ حَيَّةً، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَى أَسَدٍ فِي زُبْيَةٍ.
وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ، أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا ظُلْمًا لِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الِامْتِنَاعِ، وَلِذَلِكَ أَثِمَ بِقَتْلِهِ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ عِنْد الْإِكْرَاهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ فِي قَتْلِهِ نَجَاةَ نَفْسِهِ، وَخَلَاصَهُ مِنْ شَرِّ الْمُكْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْقَاتِلَ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ.
وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا دِيَةَ عَلَى الْمُكْرَهِ؛ بِنَاءً مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ آلَةٌ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ، وَإِنَّمَا هُمَا شَرِيكَانِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا، كَالشَّرِيكَيْنِ بِالْفِعْلِ، وَكَمَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْمُبَاشِرِ، وَالرِّدْءِ وَالْمُبَاشِرِ فِي الْمُحَارَبَةِ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ أَحَبَّ الْوَلِيُّ قَتْلَ أَحَدِهِمَا، وَأَخْذَ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ الْعَفْوَ عَنْهُ، فَلَهُ ذَلِكَ.

الضَّرْب الثَّانِي: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، فَقُتِلَ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا، وَاعْتَرَفَا بِتَعَمُّدِ الْقَتْلِ ظُلْمًا، وَكَذِبِهِمَا فِي شَهَادَتِهِمَا، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ، فَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ، فَقَطَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا، لَقَطَعْت أَيْدِيَكُمَا.
وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ يَدِهِ.
وَلِأَنَّهُمَا تَوَصَّلَا إلَى قَتْلِهِ بِسَبَبٍ يَقْتُلُ غَالِبًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، كَالْمُكْرِهِ.

الضَّرْبُ الثَّالِثُ، الْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ، عَالِمًا بِذَلِكَ مُتَعَمِّدًا فَقَتَلَهُ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ،

وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الشَّاهِدَيْنِ، وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ أَقَرَّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِ الشُّهُودِ، وَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ أَقَرَّ الشَّاهِدَانِ وَالْحَاكِمُ وَالْوَلِيُّ جَمِيعًا بِذَلِكَ، فَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ عَمْدًا وَعُدْوَانًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ، وَالْمُبَاشَرَةُ تُبْطِلُ حُكْمَ السَّبَبِ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ.
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا لَمْ يُقِرَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِ ظُلْمًا، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَالْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَسَبِّبُونَ.
وَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْحَاكِمِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ تَسَبُّبَهُ أَخَصُّ مِنْ تَسَبُّبِهِمْ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ وَقَتْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاشِرَ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ.
وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الْمُقِرُّ بِالتَّعَمُّدِ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ، وَإِنَّمَا وَكَّلَ فِيهِ، نَظَرْت فِي الْوَكِيلِ؛ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ، وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا، فَهُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْقَتْلِ عَمْدًا ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، فَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْقَتْلُ الْعَمْدُ فِيهِ الْقَوَدُ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ]

(6583) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَفِيهِ الْقَوَدُ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعَمْدِ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنهمْ فِي وُجُوبِهِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ خِلَافًا، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ بِعُمُومِهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] . يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ مِنْهُ، شَفَقَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ، فَتَبْقَى الْحَيَاةُ فِي مَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ.
وَقِيلَ: إنَّ الْقَاتِلَ تَنْعَقِدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَةِ الْمَقْتُولِ، فَيُرِيدُ قَتْلَهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ.
وَيُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ قَبِيلَتِهِ اسْتِيفَاءً، فَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَطْعٌ لِسَبَبِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] . الْآيَةَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ، أَوْ خَبَلٍ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ أَنْ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ»

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ؛ أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ، أَوْ يَقْتُلُوا» . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْعَمْدُ قَوَدٌ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ» . وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ قَتَلَ عَامِدًا، فَهُوَ قَوَدٌ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: «مَنْ قَتَلَ عَامِدًا، فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» . وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ.
يَعْنِي إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءُ يَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ، فَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَلَبِهِ، وَلَوْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، لَمْ يَكُنْ لِشُرَكَائِهِ الْقِصَاصُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَيَخْتَارَ الْقِصَاصَ، أَوْ يُوَكِّلَ، وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ وَيَخْتَارَاهُ.
وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا.
يَعْنِي مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ، فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا.
اُشْتُرِطَ كَوْنُ الْمَقْتُولِ حُرًّا مُسْلِمًا لِتَتَحَقَّقَ الْمُكَافَأَةُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يُكَافِئُ الْمُسْلِمَ، وَالْعَبْدَ لَا يُكَافِئُ الْحُرَّ.

[فَصْلٌ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ يُقَادُ بِهِ قَاتِلُهُ]

فَصْلٌ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ يُقَادُ بِهِ قَاتِلُهُ، وَإِنْ كَانَ مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ، مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ، وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ، أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ.
وَكَذَلِكَ إنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَالسُّلْطَانِ وَالسُّوقَةِ، وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الصِّفَاتِ، لَمْ يَمْنَعْ الْقِصَاصَ، بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُمُومَاتُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» . وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَات وَالْفَضَائِلِ، يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ الْقِصَاصِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفَوَاتِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُهُ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ.

[فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]

فَصْلٌ: (6585) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بَلْ مَتَى قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا عَامِدًا عَالِمًا بِإِسْلَامِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يُهَاجِرْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ هَاجَرَ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ، عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَاجَرَ، ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، كَرَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَقَتَلَ

أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ، وَلَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ كَقَوْلِهِ.
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا بِالدِّيَةِ، عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مِنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا ظُلْمًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ دَارٍ يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ إذَا كَانَ فِيهَا إمَامٌ، يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إمَامٌ، كَدَارِ الْإِسْلَامِ.

[فَصْلٌ قَتْلُ الْغِيلَةِ]

(6586) فَصْلٌ: وَقَتْلُ الْغِيلَةِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، وَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ دُونَ السُّلْطَانِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يُقْتَلَ بِهِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ.
وَالْغِيلَةُ عِنْدَهُ، أَنْ يُخْدَعَ الْإِنْسَانُ، فَيُدْخَلَ بَيْتًا أَوْ نَحْوَهُ، فَيُقْتَلَ أَوْ يُؤْخَذَ مَالُهُ.
وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ عُمَرَ، فِي الَّذِي قُتِلَ غِيلَةً: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَأَقَدْتُهُمْ.
بِهِ وَبِقِيَاسِهِ عَلَى الْمُحَارِبِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] . وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ» . وَلِأَنَّهُ قَتِيلٌ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ، فَكَانَ أَمْرُهُ إلَى وَلِيِّهِ، كَسَائِرِ الْقَتْلَى، وَقَوْلُ عُمَرَ: لَأَقَدْتُهُمْ بِهِ.
أَيْ أَمْكَنْت الْوَلِيَّ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ مِنْهُمْ.

[فَصْلٌ قَتَلَ رَجُلًا، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ]

(6587) فَصْلٌ: وَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ، أَوْ أَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ يُكَابِرهُ عَلَى مَالِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ.
رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَسَوَاءٌ وُجِدَ فِي دَارِ الْقَاتِلِ، أَوْ فِي غَيْرِهَا، أَوْ وُجِدَ مَعَهُ سِلَاحٌ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه، فَلَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
وَإِنْ اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يَتَغَدَّى، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَعْدُو، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ خَلْفَهُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عُمَرَ، فَجَاءَ الْآخَرُونَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا يَقُولُونَ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنِّي ضَرَبْت فَخِذِي امْرَأَتِي، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلْتُهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ، فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرَّجُلِ وَفَخِذِي الْمَرْأَةِ.
فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ

فَهَزَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَقَالَ: إنَّ عَادُوا فَعُدْ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ "، وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَيْشِ، وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلَانِ فَقَالَا: أَعْطِنَا شَيْئًا.
فَأَلْقَى إلَيْهِمَا طَعَامًا كَانَ مَعَهُ، فَقَالَا: خَلِّ عَنْ الْجَارِيَةِ.
فَضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ، فَقَطَعَهُمَا بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلِأَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ، فَسَقَطَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا، أَوْ فِي حَدٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ.
وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَكَذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ شَبَهِ الْعَمْدِ]

(6588) فَصْلٌ قَالَ: (وَشِبْهُ الْعَمْدِ مَا ضَرَبَهُ بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ، أَوْ لَكَزَهُ، أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا، الْأَغْلَبُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ، فَلَا قَوَدَ فِي هَذَا، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) شِبْهُ الْعَمْدِ أَحَدُ أَقْسَامِ الْقَتْلِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛ إمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ لَهُ، فَيُسْرِفُ فِيهِ، كَالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ، وَالْوَكْزِ وَالْيَدِ، وَسَائِرِ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا إذَا قَتَلَ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الضَّرْبَ دُونَ الْقَتْلِ، وَيُسَمَّى عَمْدَ الْخَطَإِ وَخَطَأَ الْعَمْدِ؛ لِاجْتِمَاعِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فِيهِ، فَإِنَّهُ عَمَدَ الْفِعْلَ، وَأَخْطَأَ فِي الْقَتْلِ، فَهَذَا لَا قَوَدَ فِيهِ.
وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَجَعَلَهُ مَالِكٌ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ، فَمَنْ زَادَ قِسْمًا ثَالِثًا، زَادَ عَلَى النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِفِعْلٍ عَمَدَهُ، فَكَانَ عَمْدًا، كَمَا لَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةِ فَقَتَلَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبُ فِعْلِ عَمْدٍ، فَكَانَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ.
وَلَنَا.
مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَوْجَبَ دِيَتَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ عَمْدًا، وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» . وَفِي لَفْظٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ، مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا نَصٌّ، وَقَوْلُهُ هَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ.
قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ ثَبَتَا بِالْكِتَابِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، كَقَتْلِ الْخَطَإِ.

[مَسْأَلَةٌ الْقَتْلُ الْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ]

(6589) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ، أَوْ يَفْعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، فَيَئُولَ إلَى إتْلَافِ حُرٍّ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، فَتَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْخَطَأَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَا يُرِيدُ بِهِ إصَابَةَ الْمَقْتُولِ، فَيُصِيبَهُ وَيَقْتُلَهُ، مِثْلَ أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا، فَيُصِيبَ إنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرَ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ، أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْخَطَإِ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] . وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لَهُ عَهْدٌ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] . وَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ بِهِ الدِّيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَاصًا، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي عَمْدِ الْخَطَأِ، فَفِي الْخَطَأِ أَوْلَى.

[فَصْلٌ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا فَقَتَلَ آدَمِيًّا]

(6590) فَصْلٌ: وَإِنْ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا، فَقَتَلَ آدَمِيًّا، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ بَهِيمَةٍ، أَوْ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَيَقْتُلَهُ، فَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ، أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ هَذَا عَمْدٌ؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ رَمَى نَصْرَانِيًّا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى أَسْلَمَ، أَنَّهُ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا، قَتَلَ بِهِ إنْسَانًا.

[مَسْأَلَةٌ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْقَتْلِ الْخَطَأِ]

(6591) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْتُلَ فِي بِلَادِ الرُّومِ مَنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَيَكُونُ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَتَمَ إسْلَامَهُ، إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى التَّخَلُّصِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، بِلَا دِيَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] هَذَا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَطَإِ، وَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ كَافِرًا، وَيَكُونُ مُسْلِمًا.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا خَطَأٌ، لَا يُوجِبُ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ مُسْلِمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّهُ صَيْدًا فَبَانَ آدَمِيًّا وَإِلَّا أَنَّ هَذَا لَا تَجِبُ بِهِ دِيَةٌ أَيْضًا، وَلَا يَجِبُ إلَّا الْكَفَّارَةُ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ،

وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» . وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] . وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً، وَتَرْكُهُ ذِكْرَهَا فِي هَذَا الْقِسْمِ، مَعَ ذِكْرِهَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَذِكْرُهُ لِهَذَا قِسْمًا مُفْرَدًا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، وَيُخَصُّ بِهَا عُمُومُ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ.

[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ الْمُسْلِمِ بِكَافِرٍ]

(6592) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى مُسْلِمٍ قِصَاصًا بِقَتْلِ كَافِرٍ، أَيَّ كَافِرٍ كَانَ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَمُعَاوِيَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ خَاصَّةً.
قَالَ أَحْمَدُ: الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ قَالَا: دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ قَتَلَهُ يُقْتَلُ بِهِ.
هَذَا عَجَبٌ، يَصِيرُ الْمَجُوسِيُّ مِثْلَ الْمُسْلِمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا هَذَا الْقَوْلُ، وَاسْتَبْشَعَهُ.
وَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . وَهُوَ يَقُولُ: يُقْتَلُ بِكَافِرٍ.
فَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، وَاحْتَجُّوا بِالْعُمُومَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَبِمَا رَوَى ابْن الْبَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» . وَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عِصْمَةً مُؤَبَّدَةً، فَيُقْتَلُ بِهِ قَاتِلُهُ، كَالْمُسْلِمِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَلِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالْكُفْرِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ، كَالْمُسْتَأْمَنِ، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَاتٌ بِحَدِيثِنَا، وَحَدِيثُهُمْ لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ.
قَالَهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ.
يَرْوِيه ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ إذَا أَسْنَدَ، فَكَيْفَ إذَا أَرْسَلَ؟ وَالْمَعْنَى فِي الْمُسْلِمِ أَنَّهُ مُكَافِئٌ لِلْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ، فَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجَمَاعَةَ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَادُ بِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَعَنْهُ: يُقْتَلُ بِهِ؛ لِمَا سَبَقَ فِي الذِّمِّيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ قَتَلَ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ]

(6593) فَصْلٌ فَإِنْ قَتَلَ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ، أَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ.
فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُقْتَصُّ مِنْهُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالِ وُجُوبِهَا دُونَ حَالِ اسْتِيفَائِهَا، كَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْلَامِهِ، كَالدَّيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْتَلَ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . وَلِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يُقْتَلُ بِكَافِرٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا حَالَ قَتْلِهِ، وَلِأَنَّ إسْلَامَهُ لَوْ قَارَنَ السَّبَبَ، مَنَعَ عَمَلَهُ، فَإِذَا طَرَأَ أَسْقَطَ حُكْمَهُ.

[فَصْلٌ جَرَحَ مُسْلِمٌ كَافِرًا فَأَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمًا]

(6594) فَصْلٌ وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ كَافِرًا، فَأَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ، ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمًا بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ قَاتِلُهُ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مَعْدُومٌ حَالَ الْجِنَايَةِ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَرْشِ بِحَالَةِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ، فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ، دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ اُعْتُبِرَ حَالَ الْجُرْحِ، وَجَبَ دِيَتَانِ، وَلَوْ قَطَعَ حُرٌّ يَدَ عَبْدٍ، ثُمَّ عَتَقَ وَمَاتَ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ؛ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ حَالَ الْجِنَايَةِ، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ حُرٍّ اعْتِبَارًا بِحَالِ الِاسْتِقْرَارِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، أَوْ نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ، فَهِيَ الَّتِي وُجِدَتْ فِي مِلْكِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ حَصَلَ بَحْرِيَّته، وَلَا حَقَّ لَهُ فِيمَا حَصَلَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدِّيَةَ، لَمْ يَسْتَحِقّ أَكْثَرِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْقِيمَةِ حَصَلَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ، وَإِعْتَاقُهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ، أَنَّ عَلَى الْجَانِي قِيمَتَهُ لِلسَّيِّدِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْجِنَايَةِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ.
أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ.

قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَنْ قَطَعَ يَدَ ذِمِّيٍّ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ، ضَمِنَهُ بِدِيَةِ ذِمِّيٍّ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَمَاتَ، فَعَلَى الْجَانِي قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِصَاصِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْجِنَايَةِ، دُونَ حَالِ السِّرَايَةِ، فَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ مَضْمُونَةٌ، فَإِذَا أَتْلَفَتْ حُرًّا مُسْلِمًا، وَجَبَ ضَمَانُهُ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ ثَانٍ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ.
لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الزَّائِدِ عَلَى الْقِيمَةِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ لِلْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحْمَدُ.
وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَدَّرٌ بِمَا تُفْضِي إلَيْهِ السِّرَايَةُ دُونَ مَا تُتْلِفُهُ الْجِنَايَةُ بِدَلِيلِ أَنَّ مِنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَلْزَمْ الْجَانِيَ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ، وَلَوْ قَطَعَ إصْبَعًا، فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ، لَوَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ، فَكَذَلِكَ إذَا سَرَتْ إلَى نَفْسِ حُرٍّ مُسْلِمٍ، تَجِبُ دِيَتُهُ كَامِلَةً.
فَأَمَّا إنْ جَرَحَ مُرْتَدًّا، أَوْ حَرْبِيًّا فَسَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ قَبْلَ السِّرَايَةِ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَلَمْ يَضْمَنْ سِرَايَتَهُ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ]

(6595) فَصْلٌ: وَلَوْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ، ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ، لَمْ يَجِبْ فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَلَا مَضْمُونٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ يَدَ ذِمِّيٍّ فَصَارَ حَرْبِيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ.
وَأَمَّا الْيَدُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهَا.
وَذَكَرِ الْقَاضِي وَجْهًا فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِ حُكْمِ سِرَايَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَلِلشَّافِعِي فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ قَوْلَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَطْعٌ هُوَ قَتْلٌ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَتْلُ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَطْعَ لَمْ يَصِرْ قَتْلًا.
وَهَلْ تَجِبُ دِيَةُ الطَّرَفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلٌ لِغَيْرِ مَعْصُومٍ.
وَالثَّانِي: تَجِبُ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ سِرَايَةِ الْجُرْحِ لَا يُسْقِطَ ضَمَانَهُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ.
فَعَلَى هَذَا، هَلْ يَجِبُ ضَمَانُهُ بِدِيَةِ الْمَقْطُوعِ، أَوْ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ دِيَةِ النَّفْسِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ دِيَةُ الْمَقْطُوعِ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ، فَفِيهِ دِيَتَانِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرَايَةِ، فَأَشْبَهَ انْقِطَاعَ حُكْمِهَا بِانْدِمَالِهَا، أَوْ بِقَتْلِ آخَرَ لَهُ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَفَارَقَ أَصْلَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ قَتْلًا؛

وَلِأَنَّ الِانْدِمَالَ وَالْقَتْلَ مَنَعَ وُجُودَ السِّرَايَةِ، وَالرِّدَّةَ مَنَعَتْ ضَمَانَهَا، وَلَمْ تَمْنَعْ جَعَلَهَا قَتْلًا.
وَلِلشَّافِعِي مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مِمَّا قُلْنَا.

[فَصْلٌ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ نَصْرَانِيٍّ فَتَمَجَّسَ]

فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ نَصْرَانِيٍّ فَتَمَجَّسَ، وَقُلْنَا: لَا يُقَرُّ.
فَهُوَ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُقَرُّ عَلَيْهِ.
وَجَبَتْ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ.
وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مَجُوسِيٍّ، فَتَنَصَّرَ، ثُمَّ مَاتَ، وَقُلْنَا: يُقَرُّ.
وَجَبَتْ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي، أَنْ تَجِبَ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ فِي الْأُولَى، وَدِيَةُ مَجُوسِيٍّ فِي الثَّانِيَةِ، كَقَوْلِهِمْ فِي مَنْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ ذِمِّيٍّ فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ ضَمِنَهُ بِقِيمَةِ عَبْدٍ ذِمِّيٍّ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ.

[فَصْلٌ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ]

(6597) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ تَسْرِي فِي مِثْلِهِ الْجِنَايَةُ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ.
وَهَلْ يَجِبُ فِي الطَّرَفِ الَّذِي قُطِعَ فِي إسْلَامِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ كُلِّهَا، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ جَمِيعُهَا فِي الْإِسْلَامِ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي الْإِسْلَامِ، وَالْآخَرُ: فِي الرِّدَّةِ، فَمَاتَ مِنْهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُسْلِمٌ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَاحْتِمَالُ السِّرَايَةِ حَالَ الرِّدَّةِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ السَّبَبِ الْمَعْلُومِ بِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ بِمَرَضٍ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، أَوْ بِالْجُرْحِ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَوْتِ، فَأَمَّا الدِّيَةُ، فَتَجِبُ كَامِلَةً، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُ نِصْفِهَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحٍ مَضْمُونٍ وَسِرَايَةٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ، فَوَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ إنْسَانٌ وَجَرَحَ نَفْسَهُ، فَمَاتَ مِنْهُمَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ لَا تَسْرِي فِي مِثْلِهِ الْجِنَايَةُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالٍ لَوْ مَاتَ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا مُتَكَافِئَانِ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ وَالْمَوْتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ.
وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ خَطَأً وَجَبْت الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ نَفْسًا مَعْصُومَةً.

[فَصْلٌ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ثُمَّ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ]

(6598) فَصْلٌ: وَإِنْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ، ثُمَّ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ مِنْهُمَا، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، وَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِذَلِكَ.
وَسَوَاءٌ تَسَاوَى الْجُرْحَانِ، أَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا، مِثْلَ إنْ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي الْحَالَيْنِ كَجُرْحِ رَجُلَيْنِ.
وَهَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ الَّذِي قَطَعَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى

مَنْ قَطَعَ طَرَفَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَارْتَدَّ، وَمَاتَ فِي رِدَّتِهِ.
وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فِي رِدَّتِهِ أَوَّلًا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَطَعَ طَرَفَهُ الْآخَرَ، وَمَاتَ مِنْهُمَا، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ]

(6599) فَصْلٌ: وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَتَلَ الْيَهُودِيَّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا» وَلِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ فَبِمَنْ فَوْقَهُ أَوْلَى.
وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ.
فَلَوْ قَتَلَ النَّصْرَانِيُّ مَجُوسِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا، قُتِلَ بِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي النَّصْرَانِيِّ يُقْتَلُ بِالْمَجُوسِيِّ إذَا قَتَلَهُ، قِيلَ: فَكَيْفَ يُقْتَلُ بِهِ، وَدِيَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ؟ فَقَالَ: أَذْهَبُ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ رَجُلًا بِامْرَأَةٍ.
يَعْنِي أَنَّهُ قَتَلَهُ بِهَا مَعَ اخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا، وَلِأَنَّهُمَا تَكَافَآ فِي الْعِصْمَةِ بِالذِّمَّةِ وَنَقِيصَةِ الْكُفْرِ، فَجَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ تَسَاوَى دِينُهُمَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْل لَا يُقْتَلُ ذِمِّيٌّ بِحَرْبِيٍّ]

(6600) فَصْلٌ: وَلَا يُقْتَلُ ذِمِّيٌّ بِحَرْبِيٍّ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ، وَلَا دِيَةَ فِيهِ لِذَلِكَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيُّ بِقَتْلِهِ، وَالِدَيْهِ إذَا عَفَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ فِي قَتْلِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْقِصَاصُ دُونِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَضْمَنُهُ الْمُسْلِمُ لَا يَضْمَنُهُ الذِّمِّيُّ، كَالْحَرْبِيِّ.

[فَصْل قَاتِلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ]

(6601) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهًا، أَنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الْقَوَدَ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ إلَى الْإِمَامِ، فَيَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ سِوَاهُ، كَمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا قَتَلَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقِّهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ، وَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ، فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْحَرْبِيِّ، وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِالْمُرْتَدِّ، وَفَارَقَ الْقَاتِلَ، فَإِنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ.
وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، فَاخْتَصَّ بِمُسْتَحِقِّهِ، وَهَا هُنَا يَجِبُ قَتْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَشْبَهَ الْمُرْتَدَّ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُحَارِبِ الَّذِي تَحَتَّمَ قَتْلُهُ.

[فَصْلٌ يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ]

(6602) فَصْلٌ: وَيُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَيُقَدَّمُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
وَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ

الْقِصَاصِ، فَلَهُ دِيَةُ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ مَاتَ، تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ.
وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَحَدِهِمَا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِيهِ أَيْضًا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ، وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ بَاقِيَةٌ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ، وَمُطَالَبَتِهِ بِالْإِسْلَامِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ كَافِرٌ، فَيُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، كَالْأَصْلِيِّ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ قَدْ زَالَتْ عِصْمَتُهُ وَحُرْمَتُهُ، وَحِلُّ نِكَاحِ الْمُسْلِمَاتِ، وَشِرَاءُ الْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ، وَصِحَّةُ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا مُطَالَبَتُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَغْلِيظِ كُفْرِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ؛ لِسُوءِ حَالِهِ، فَإِذَا قُتِلَ بِالذِّمِّيِّ مِثْلُهُ فَمِنْ هُوَ دُونَهُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ]

(6603) فَصْلٌ: وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مُشْتَرَطٌ حَالَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ، وَفَارَقَ مِنْ عَلِمَهُ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ إلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ.

[مَسْأَلَةٌ قَتْلُ الْحَرِّ بِالْعَبْدِ]

(6604) فَصْلٌ: (وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِعُمُومِ الْآيَات وَالْأَخْبَارِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» . وَلِأَنَّهُ آدَمِيُّ مَعْصُومٌ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي السَّلَامَةِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَاتٌ بِهَذَا، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ لَا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ]

(6605) فَصْلٌ: وَلَا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَدَاوُد، أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِمَا رَوَى

قَتَادَةُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
مَعَ الْعُمُومَاتِ وَالْمَعْنَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَعَنْ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ لَمْ أَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا يُقَادُ الْمَمْلُوكُ مِنْ مَوْلَاهُ، وَالْوَلَدُ مِنْ وَالِدِهِ لَأَقَدْته مِنْك» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ، فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَنَفَاهُ عَامًا، وَمَحَا اسْمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْخَلَّالُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ قِبَلِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ.
وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ، جُلِدَ مِائَةً، وَحُرِمَ سَهْمُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ، فَلَمْ يَثْبُتْ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ، إنَّمَا هِيَ صَحِيفَةٌ.
وَقَالَ عَنْهُ أَحْمَدُ: إنَّمَا سَمِعَ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
وَلِأَنَّ الْحَسَنَ أَفْتَى بِخِلَافِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ.
وَقَالَ: إذَا قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ يُضْرَبُ.
وَمُخَالَفَتُهُ لَهُ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ.

[فَصْلٌ لَا يُقْطَعُ طَرَفٌ بِطَرَفِ الْعَبْدِ]

(6606) فَصْلٌ: وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُ الْحُرِّ بِطَرَفِ الْعَبْدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنهمْ، وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَيُقْتَلُ بِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ، فَبِمَنْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ أَوْلَى، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ.
وَمَتَى وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْعَبْدِ، فَعَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ إلَى الْمَالِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ، فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، كَالْقِصَاصِ.
ثُمَّ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ: بِعْهُ، وَادْفَعْ إلَيَّ ثَمَنَهُ.
لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّق بِذِمَّتِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا، فَبَرِئَ مِنْهَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ.
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ، وَاخْتَارَ فِدَاءَهُ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ جَمِيعًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرْنَاهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لِيَمْلِكَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إتْلَافَهُ، فَكَانَ مِلْكًا لَهُ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ تَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْعَفْوِ كَالْحُرِّ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَتَعَلَّقُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ، كَمَا لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ الَّذِي عَفَا لِأَجْلِهِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ، فَكَانَ لَهُ عِوَضُهُ، كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ.

[فَصْلٌ الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ]

فَصْلٌ: وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي النَّفْسِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَالِمٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِصَاصِ تَسَاوِي قِيمَتِهِمْ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمْ لَمْ يَجْرِ بَيْنهمْ قِصَاصٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ هَذَا بِمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَلَا.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ بَيْنَ الْعَبِيدِ قِصَاصٌ، فِي نَفْسٍ وَلَا جُرْحٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَمْوَالٌ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] . وَهَذَا نَصٌّ مِنْ الْكِتَابِ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، لِأَنَّ تَفَاوُتَ الْقِيمَةِ كَتَفَاوُتِ الدِّيَةِ وَالْفَضَائِلِ، فَلَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ.
(6608) فَصْلٌ: وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنهمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَالِمٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنهمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ مَالٌ، فَلَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِيهَا، كَالْبَهَائِمِ، وَلِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْأَطْرَافِ مُعْتَبَرٌ فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ، وَلَا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ بِالنَّاقِصَةِ، وَأَطْرَافُ الْعَبِيدِ لَا تَتَسَاوَى.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] ، الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَجَرَى بَيْنَ الْعَبِيدِ، كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ (6609) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي طَرَفِ الْعَبْدِ، وَجَبَ لِلْعَبْدِ، وَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ.

[فَصْلٌ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ]

(6610) فَصْلٌ: وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا، ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ، قُتِلَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا، ثُمَّ عَتَقَ الْجَارِحُ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ، قُتِلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعِتْقِ بَعْدَهُ، وَلِأَنَّ التَّكَافُؤَ مَوْجُودٌ حَالَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ، وَهِيَ السَّبَبُ، فَاكْتُفِيَ بِهِ.
وَلَوْ جَرَحَ حُرٌّ ذِمِّيٌّ عَبْدًا ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَأُسِرَ وَاسْتُرِقَّ، لَمْ يُقْتَلْ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ حُرٌّ.

[فَصْلٌ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا عَمْدًا]

(6611) فَصْلٌ: وَإِذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا عَمْدًا، فَسَيِّدُ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، فَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ، تَعَلَّقَ الْمَالُ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ، وَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ، فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ، فَدَاهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ قِيمَتَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ سَيِّدَهُ إنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ، لَزِمَهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَهُ لِلْبَيْعِ، رُبَّمَا زَادَ فِيهِ مُزَايِدٌ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ.
فَإِنْ قَتَلَ عَشْرَةُ أَعْبُدٍ عَبْدًا لِرَجُلِ عَمْدًا، فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ، فَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ قَتْلَهُمْ، فَلَهُ قَتْلُهُمْ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ عَبْدِهِ بِرِقَابِهِمْ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُهَا، يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا أَوْ يَفْدِيه سَيِّدُهُ، فَإِنْ اخْتَارَ قَتْلَ بَعْضِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْ الْبَعْضِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ قَتْلَ جَمِيعِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْ جَمِيعِهِمْ.
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَهُ قَتْلُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ، سَقَطَ حَقُّهُ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ بِرَقَبَتِهِ، فَإِنْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْأَوَّلُ، قُتِلَ بِالثَّانِي.
وَإِنْ قَتَلَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَقْرَعَ بَيْنَ السَّيِّدَيْنِ، فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، اقْتَصَّ، وَسَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ.
وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ، أَوْ عَفَا سَيِّدُ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ عَنْ الْقِصَاصِ إلَى مَالٍ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَالِ بِالرَّقَبَةِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْقِصَاصِ، كَمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ.
فَإِنْ قَتَلَهُ الْآخَرُ، سَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِنْ عَفَا الثَّانِي، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْقَتِيلِ الثَّانِي بِرَقَبَتِهِ أَيْضًا، وَيُبَاعُ فِيهِمَا، وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ، وَلَمْ نُقَدِّمْ الْأَوَّلَ بِالْقِيمَةِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ بَيْنَهُمَا، وَالْقِيمَةُ يُمْكِنُ تَبَعُّضُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَحَقُّ الْأَوَّلِ أَسْبَقُ.
قُلْنَا: لَا يُرَاعَى السَّبْقُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ أَمْوَالًا لَجَمَاعَةٍ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.
فَأَمَّا إنْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ كَانَ لَهُمَا الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّهُمَا إلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ.
وَإِنْ قَتَلَ عَبْدَيْنِ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ لَأَحَدِهِمَا، أَيِّهِمَا كَانَ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْآخَرِ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إلَى مَالٍ، وَتَتَعَلَّقُ قِيمَتُهُمَا جَمِيعًا بِرَقَبَتِهِ.

[فَصْلٌ الْعَبْدُ إذَا قَتَلَ عَبْدًا]

(6612) فَصْلٌ: وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ الْقِنُّ بِالْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ بِهِ، وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَد، وَيُقْتَلُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدٌ، فَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] .

وَقَدْ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْمُكَاتَبِ عَبْدًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا، أَوْ لَمْ يُؤَدِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي، أَوْ لَمْ يَمْلِكْ، إلَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فَقَدْ صَارَ حُرًّا.
فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ، فَلَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ.
وَإِنْ أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَالِ الْكِتَابَةِ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا، وَمِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِحُرِّيَّتِهِ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ، أَجَازَ قَتْلَهُ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَتَلَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا، لَهُ وَفَاءٌ وَوَارِثٌ سِوَى مَوْلَاهُ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْجُرْحِ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَوْلَى، وَحِينَ الْمَوْتِ الْوَارِثَ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا لِمَنْ يَثْبُتُ حَقُّهُ فِي الطَّرَفَيْنِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] . وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قِنًّا، لَوَجَبَ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ، فَإِذَا كَانَ مُكَاتَبًا، كَانَ أَوْلَى، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا.
وَمَا ذَكَرُوهُ شَيْءٌ بَنَوْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَلَا نُسَلِّمُهُ.

[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ الْكَافِرُ الْعَبْدَ عَمْدًا]

(6613) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا قَتَلَ الْكَافِرُ الْعَبْدَ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ يَعْنِي الْكَافِرَ الْحُرَّ، لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، لِفِقْدَانِ التَّكَافُؤِ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَحُدُّ بِقَذْفِهِ، فَلَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ؛ فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا كَانَ يَسُوقُ حِمَارًا بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، فَنَخَسَهُ بِهَا فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَرَادَ إكْرَاهَهَا عَلَى الزِّنَى، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاهُمْ.
فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ.
وَرُوِيَ فِي شُرُوطِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ: أَنْ أَلْحِقْ بِالشُّرُوطِ: مَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا، فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ.
وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُنَافِي الْأَمَانَ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ.
فَعَلَى هَذَا، عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَيُؤَدَّبُ بِمَا يَرَاهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ.

[فَصْل قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا كَافِرًا]

(6614) فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا كَافِرًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَقْتُلُ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ.
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ عَبْدًا، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَقْتُلُ نِصْفَ الْحُرِّ بِعَبْدٍ.
وَإِنْ قَتَلَهُ حُرٌّ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الرَّقِيقَ لَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ.
وَإِنْ قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، قُتِلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَقَعُ بَيْن الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ.

[فَصْلٌ الْقِصَاصُ بَيْنَ الْوُلَاةِ وَالْعُمَّالِ وَبَيْن رَعِيَّتِهِمْ]

(6615) فَصْلٌ: وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْن الْوُلَاةِ وَالْعُمَّالِ وَبَيْنَ رَعِيَّتِهِمْ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ لَرَجُلٍ شَكَا إلَيْهِ عَامِلًا أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ ظُلْمًا: لَئِنْ كُنْت صَادِقًا، لِأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ.
وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُقِيدُ مِنْ نَفْسِهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ، فَقَالَ: إنِّي لَمْ أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَلْيَرْفَعْهُ إلَيَّ، أَقُصُّهُ مِنْهُ.
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، أَتَقُصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: أَيْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَقُصُّهُ مِنْهُ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ.
وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهَذَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا إيلَادٌ، فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، كَسَائِرِ الرَّعِيَّةِ.

[فَصْل قَتَلَ الْقَاتِلَ غَيْرُ وَلِيِّ الدَّمِ]

(6616) فَصْلٌ: وَإِذَا قَتَلَ الْقَاتِلَ غَيْرُ وَلِيِّ الدَّمِ، فَعَلَى قَاتِلِهِ الْقِصَاصُ، وَلِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي الْأَوَّلِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ: يُقْتَلُ قَاتِلُهُ، وَيَبْطُلُ دَمُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ مَحَلُّهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ.
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي هَاشِمٍ: لَا قَوَدَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُبَاحَ الدَّمِ، فَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ قِصَاصٌ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ.
وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاتِلِهِ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لَمْ يَتَحَتَّمْ قَتْلُهُ، وَلَمْ يُبَحْ لِغَيْرِ وَلِيِّ الدَّمِ قَتْلُهُ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي الْأَوَّلِ، أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا تَعَذَّرَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ مَاتَ، أَوْ عَفَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ، أَوْ حَدَثَ مَانِعٌ.
وَفَارَقَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ؛ فَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الثَّانِي عَلَى الدِّيَةِ، أَخَذُوهَا وَدَفَعُوهَا إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ، ضُمَّ مَا قَبَضُوا مِنْ الدِّيَةِ إلَى سَائِرِ تَرِكَتِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ مَعَ سَائِرِ أَهْلِ الدُّيُونِ فِي تَرِكَتِهِ وَدِيَتِهِ، وَإِنْ أَحَالَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ الثَّانِي وَرَثَةَ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ بِالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي، صَحَّتْ الْحَوَالَةُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ دِيَةُ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ عَلَى قَاتِلِ قَاتِلِهِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّ وَرَثَتِهِ، فَكَانَ غَرَامَتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِي، وَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ عَمْدًا، وَجَبْت الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ.
بِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يَسْقُطُ حَقُّ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ.
وَتَوْجِيه الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

[مَسْأَلَةٌ لَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ]

(6617) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالطِّفْلُ، وَالزَّائِلُ الْعَقْلِ، لَا يُقْتَلَانِ بِأَحَدٍ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَائِلِ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ، مِثْلَ النَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِمَا.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» . وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَزَائِلِ الْعَقْلِ كَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَهُمْ كَالْقَاتِلِ خَطَأً.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ فِي الْقِصَاصِ]

(6618) فَصْلٌ: فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ، فَقَالَ الْجَانِي: كُنْت صَبِيًّا حَالَ الْجِنَايَةِ.
وَقَالَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ: كُنْت بَالِغًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ، إذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْقِصَاصِ.
وَإِنْ قَالَ: قَتَلْته وَأَنَا مَجْنُونٌ.
وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ جُنُونَهُ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا لِذَلِكَ، إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ عُرِفَ لَهُ جُنُونٌ، ثُمَّ عُلِمَ زَوَالُهُ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَإِنْ ثَبَتَتْ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ، حُكِمَ لَهُ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا، فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: كُنْتَ سَكْرَانَ.
وَقَالَ الْقَاتِلُ: كُنْت مَجْنُونًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَاجْتِنَابُ الْمُسْلِمِ فِعْلَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.

[فَصْل قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ]

(6619) فَصْلٌ: فَإِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ، ثُمَّ جُنَّ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ.
وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ، ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَالَ جُنُونِهِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ يُقْبَلُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا رَجَعَ.

[فَصْلٌ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى السَّكْرَانِ إذَا قَتَلَ حَالَ سُكْرِهِ]

(6620) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى السَّكْرَانِ إذَا قَتَلَ حَالَ سُكْرِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَقَامُوا سُكْرَهُ مُقَامَ قَذْفِهِ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَاذِفِ، فَلَوْلَا أَنَّ

قَذْفَهُ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ عَلَيْهِ، لَمَا وَجَبَ الْحَدُّ بِمَظِنَّتِهِ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ، فَالْقِصَاصُ الْمُتَمَحَّضُ حَقُّ آدَمِيٍّ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَالْحَدُّ، لَأَفْضَى إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى، شَرِبَ مَا يُسْكِرُهُ، ثُمَّ يَقْتُلُ وَيَزْنِي وَيَسْرِقُ، وَلَا يَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ وَلَا مَأْثَمٌ، وَيَصِيرُ عِصْيَانُهُ سَبَبًا لِسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَنْهُ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا.
وَفَارَقَ هَذَا الطَّلَاقَ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ بِخِلَافِ الْقَتْلِ.
فَأَمَّا إنْ شَرِبَ أَوْ أَكَلَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ غَيْرَ الْخَمْرِ، عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، فَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِحَيْثُ صَارَ مَجْنُونًا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَزُولُ قَرِيبًا وَيَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَدَاوٍ، فَهُوَ كَالسُّكْرِ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ فِي الْقِصَاصِ]

(6621) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ، وَالْجَدُّ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِ وَلَدِهِ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ أَوْ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُقْتَلُ بِهِ؛ لِظَاهِرِ آيِ الْكِتَابِ، وَالْأَخْبَارِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ، وَلِأَنَّهُمَا حُرَّانِ مُسْلِمَانِ مِنْ أَهْلِ الْقِصَاصِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَدْ رَوَوْا فِي هَذَا الْبَابِ أَخْبَارًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ قَتَلَهُ حَذْفًا بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَإِنْ ذَبَحَهُ، أَوْ قَتَلَهُ قَتْلًا لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ عَمَدَ إلَى قَتْلِهِ دُونَ تَأْدِيبِهِ، أُقِيدَ بِهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» . أَخْرَجَ النَّسَائِيّ حَدِيثَ عُمَرَ، وَرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ، وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، مُسْتَفِيضٌ عِنْدَهُمْ، يَسْتَغْنِي بِشُهْرَتِهِ وَقَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ عَنْ الْإِسْنَادِ فِيهِ، حَتَّى يَكُونَ الْإِسْنَادُ فِي مِثْلِهِ مَعَ شُهْرَتِهِ تَكَلُّفًا.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . وَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ تَمْلِيكُهُ إيَّاهُ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِيَّةِ، بَقِيَتْ الْإِضَافَةُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ إيجَادِهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَسَلَّطَ بِسَبَبِهِ عَلَى إعْدَامِهِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ يَخُصُّ الْعُمُومَاتِ، وَيُفَارِقُ الْأَبُ سَائِرَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا بِالْحَذْفِ بِالسَّيْفِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ، وَالْأَبُ بِخِلَافِهِ.
(6622) فَصْلٌ: وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا كَالْأَبِ فِي هَذَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ مُسْقِطِي الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيِّ: يُقْتَلُ بِهِ.

وَلَنَا أَنَّهُ وَالِدٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، كَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَالْعِتْقِ إذَا مَلَكَهُ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ كَالْجَدِّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْبِنْتِ يُسَمَّى ابْنًا، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْحَسَنِ: إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» .

[مَسْأَلَةٌ الْأُمُّ فِي الْقِصَاصِ كَالْأَبِ]

(6623) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ كَالْأَبِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْد مُسْقِطِي الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْأُمِّ فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ، فِي أُمِّ وَلَدٍ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا: تُقْتَلُ.
قَالَ: مَنْ يَقْتُلُهَا؟ قَالَ: وَلَدُهَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأُمِّ بِقَتْلِ وَلَدِهَا.
وَخَرَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْأُمَّ تُقْتَلُ بِوَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ، فَتُقْتَلُ بِهِ، كَالْأَخِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» . وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، فَأَشْبَهْت الْأَبَ، وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبِرِّ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِنَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْهَا، وَالْوِلَايَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ؛ بِدَلِيلِ انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ بِقَتْلِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْ الْجَدِّ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ، وَعَنْ الْأَبِ الْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ، أَوْ الرَّقِيقِ.
وَالْجَدَّةُ وَإِنْ عَلَتْ فِي ذَلِكَ كَالْأُمِّ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَدِّ.
(6624) فَصْلٌ: وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَالِدُ مُسَاوِيًا لِلْوَلَدِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقِصَاصِ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ حَالٍ، فَلَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ وَلَدَهُ الْمُسْلِمَ، أَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ، أَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ وَلَدَهُ الْحُرَّ، أَوْ قَتَلَ الْحُرُّ وَلَدَهُ الْعَبْدَ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ وَلَدَهُ، وَانْتِفَاءُ الْمُكَافَأَةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ وَالِدَهُ.

[فَصْلٌ ادَّعَى نَفَرَانِ نَسَبَ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ ثُمَّ قَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا]

(6625) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى نَفَرَانِ نَسَبَ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، ثُمَّ قَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ ابْنَهُمَا.
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ، قَتَلَاهُ، لَمْ يُقْتَلْ أَبُوهُ، وَقُتِلَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْأَبِ فِي قَتْلِ ابْنِهِ.
وَإِنْ رَجَعَا جَمِيعًا عَنْ الدَّعْوَى، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا عَنْ إقْرَارِهِمَا بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِحَقِّ سِوَاهُ، أَوْ كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ وَاحِدٌ، فَأُلْحِقَ

بِهِ، ثُمَّ جَحَدَهُ.
وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا، صَحَّ رُجُوعُهُ، وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ لَمْ يُبْطِلْ نَسَبَهُ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ، وَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعِ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ الْأَبَ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، فَقَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، وَإِنْ نَفَيَا نَسَبَهُ، لَمْ يَنْتَفِ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ نَفَاهُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْتَفِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ، فَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللَّعَّانِ.
وَفَارَقَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا رَجَعَ عَنْ دَعْوَاهُ، لَحِقَ الْآخَرَ، وَهَا هُنَا لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ.
وَالثَّانِي، أَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ ثَمَّ بِالِاعْتِرَافِ، فَيَسْقُطُ بِالْجَحْدِ، وَهَا هُنَا يَثْبُتُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْوَطْءِ، فَلَا يَنْتَفِي بِالْجَحْدِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَا قُلْنَا، سَوَاءٌ.

[فَصْل قَتَلَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ صَاحِبَهُ وَلَهُمَا وَلَدٌ]

(6626) فَصْلٌ: وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ صَاحِبَهُ، وَلَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ، لِوَلَدِهِ، وَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ قِصَاصٌ عَلَى وَالِده؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ لَهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ سِوَاهُ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ، لَوَجَبَ لَهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ وُجُوبُهُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْضُهُ، سَقَطَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ.
وَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ مِنْهُمَا، وَجَبَ الْقِصَاصُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يُقْتَلُ الزَّوْجُ بِامْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ.
وَلَنَا، عُمُومَاتُ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ مُتَكَافِئَانِ، يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَذْفِ صَاحِبِهِ، فَيُقْتَلُ بِهِ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ مَلَكَهَا.
غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهَا حُرَّةٌ، وَإِنَّمَا مَلَكَ مَنْفَعَةَ الِاسْتِمْتَاعِ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَأْجَرَةَ؛ وَلِهَذَا تَجِبْ دِيَتُهَا عَلَيْهِ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهَا، وَلَا يَرِثُ مِنْهَا إلَّا قَدْرَ مِيرَاثِهِ، وَلَوْ قَتَلَهَا غَيْرُهُ، كَانَ دِيَتُهَا أَوْ الْقِصَاصُ لِوَرَثَتِهَا، بِخِلَافِ الْأَمَةِ.

[فَصْلٌ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ فَوَرِثَهُ ابْنُهُ أَوْ أَحَدًا يَرِثُ ابْنُهُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مِيرَاثِهِ]

(6627) فَصْلٌ: وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ، فَوَرِثَهُ ابْنُهُ، أَوْ أَحَدًا يَرِثُ ابْنُهُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مِيرَاثِهِ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ قَتَلَ خَالَ ابْنِهِ، فَوَرِثَتْ أُمُّ ابْنِهِ الْقِصَاصَ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ بِقَتْلِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ، فَوَرِثَهَا ابْنُهُ، سَقَطَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ مَا مُنِعَ مُقَارِنًا أُسْقِطَ طَارِئًا، وَتَجِبُ الدِّيَةُ.
وَلَوْ قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ أَخَا زَوْجِهَا، فَصَارَ الْقِصَاصُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ لِابْنِهَا، سَقَطَ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ صَارَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً، أَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْل قَتَلَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْمُكَاتَبِ الْمُكَاتَبَ أَوْ عَبْدًا لَهُ]

(6628) فَصْلٌ: وَإِذَا قَتَلَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْمُكَاتَبِ الْمُكَاتَبَ، أَوْ عَبْدًا لَهُ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ قِصَاصٌ.
وَإِنْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَحَدَ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقْتَلُ بِعَبْدِهِ.

[فَصْل ابْنَانِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَبَاهُ وَالْآخَرُ أُمَّهُ]

(6629) فَصْلٌ: ابْنَانِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَبَاهُ، وَالْآخَرُ أُمَّهُ، فَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا مَوْجُودَةً حَالَ قَتْلِ الْأَوَّلِ، فَالْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ الثَّانِي وَرِثَ جُزْءًا مِنْ دَمِ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا قُتِلَ وَرِثَهُ قَاتِلُ الْأَوَّلِ، فَصَارَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ، فَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ، وَوَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى أَخِيهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ، وَرِثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِحَقٍّ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ، وَتَقَاصَّا بِمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا فَضَلَ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ لَهُ عَلَى أَخِيهِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْن الْأَبَوَيْنِ قَائِمَةً، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ لِأَخِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ وَحْدَهُ دُونَ قَاتِلِهِ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَ صَاحِبَهُ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ أَخَاهُ؛ لِكَوْنِهِ قَتْلًا بِحَقٍّ، فَلَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ ابْنٌ، أَوْ ابْنُ ابْنٍ يَحْجُبُ الْقَاتِلَ، فَيَكُونَ لَهُ قَتْلُ عَمِّهِ، وَيَرِثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ.
وَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ، احْتَمَلَ أَنْ يُبْدَأَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا تُسَاوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَيَصِيرَا إلَى الْقُرْعَةِ، وَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ أَوَّلًا، إمَّا بِمُبَادَرَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ، وَرِثَهُ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُوبًا عَنْ مِيرَاثِهِ كُلِّهِ، فَلَوْ وَرِثَ الْقَتِيلُ قُتِلَ الْآخَرُ.
وَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، ثُمَّ قَتَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْعَافِيَ، وَرِثَهُ أَيْضًا، وَسَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ.
وَإِنْ تَعَافَيَا جَمِيعًا عَلَى الدِّيَةِ، تَقَاصَّا بِمَا اسْتَوَيَا فِيهِ، وَوَجَبَ لِقَاتِلِ الْأُمِّ الْفَضْلُ عَلَى قَاتِلِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ عَقْلَ الْأُمِّ نِصْفُ عَقْلِ الْأَبِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْقُطَ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِهِ، كَسُقُوطِ الدِّيَتَيْنِ إذَا تَسَاوَتَا، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى اسْتِيفَائِهِمَا مَعًا، وَاسْتِيفَاءُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ حَيْفٌ، فَلَا يَجُوزُ، فَتَعَيَّنَ السُّقُوطُ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ يَحْجُبُ عَمَّهُ عَنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَرِثَهُ ابْنُهُ، ثُمَّ لِابْنِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَرِثُهُ ابْنُهُ، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِابْنَيْنِ مَالَ أَبِيهِ وَمَالَ جَدِّهِ الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهُ دُونَ الَّذِي قَتَلَهُ أَبُوهُ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ نِصْفَ مَالِ أَخِيهِ وَنِصْفَ قِصَاصِ نَفْسِهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ، وَوَرِثَ مَالَ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ وَنِصْفَ مَالِ أَخِيهِ

وَنِصْفَ مَالِ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ، وَوَرِثَتْ الْبِنْتُ الَّتِي قُتِلَ أَبُوهَا نِصْفَ مَالِ أَبِيهَا وَنِصْفَ مَالِ جَدِّهَا الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهَا، وَلَهَا عَلَى عَمِّهَا نِصْفُ دِيَةِ قَتِيلِهِ.

[فَصْلٌ أَرْبَعَةُ إخْوَةٍ قَتَلَ الْأَوَّلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ الرَّابِعَ]

(6630) فَصْلٌ: أَرْبَعَةُ إخْوَةٍ، قَتَلَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ، وَالثَّالِثُ الرَّابِعَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ الرَّابِعَ، لَمْ يَرِثْهُ، وَوَرِثَهُ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ، وَقَدْ كَانَ لِلرَّابِعِ نِصْفُ قِصَاصِ الْأَوَّلِ، فَرَجَعَ نِصْفُ قِصَاصِهِ إلَيْهِ، فَسَقَطَ، وَوَجَبَ لِلثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَانَ لِلْأَوَّلِ قَتْلُ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِثْ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ شَيْئًا، فَإِنْ قَتَلَهُ، وَرِثَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَيَرِثُ مَا يَرِثُهُ عَنْ أَخِيهِ الثَّانِي، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِكَمَالِهَا يُقَاصُّهُ بِنِصْفِهَا.
وَإِنْ كَانَ لَهُمَا وَرَثَةٌ، كَانَ فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ مِثْلُ الَّذِي فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

[مَسْأَلَة يُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَالِدَيْنِ]

(6631) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً ثَانِيَةً، أَنَّ الِابْنَ لَا يُقْتَلُ بِأَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ بِحَقِّ النَّسَبِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِلْآيَاتِ، وَالْأَخْبَارِ، وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَعْظَمُ حُرْمَةً وَحَقًّا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِذَا قُتِلَ بِالْأَجْنَبِيِّ، فَبِالْأَبِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، فَيُقْتَلُ بِهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ آكَدُ، وَالِابْنُ مُضَافٌ إلَى أَبِيهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ مَعَ الْوَلَدِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ عَنْ سُرَاقَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُقَادُ الْأَبُ مِنْ ابْنِهِ، وَلَا الِابْنُ مِنْ أَبِيهِ» . وَالثَّانِي: أَنَّهُ «كَانَ يُقِيدُ الْأَبَ مِنْ ابْنِهِ، وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيهِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ؛ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي كُتُبِ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَا أَظُنُّ لَهُ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ مُتَدَافِعَانِ، يَجِبُ اطِّرَاحُهُمَا، وَالْعَمَلُ بِالنُّصُوصِ الْوَاضِحَةِ الثَّابِتَةِ، وَالْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.

[مَسْأَلَةٌ يُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ]

(6632) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا قَتَلُوا وَاحِدًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْقِصَاصُ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل