باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْلٌ انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَلَمَّا تَغْتَسِلْ فَهَلْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِطُهْرِهَا]
(6081) فَصْلٌ: إذَا انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمَّا تَغْتَسِلْ، فَهَلْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِطُهْرِهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَلِزَوْجِهَا رَجْعَتُهَا فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعِدَّةِ: فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ.
وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَبِي مُوسَى، وَعُبَادَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَرُوِيَ عَنْ شَرِيكٍ: لَهُ الرَّجْعَةُ وَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً.
وَوَجْهُ هَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ أَكْثَرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ لَا تَزُولُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَكَذَلِكَ هَذَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ الطُّهْرِ قَبْلَ الْغُسْلِ.
وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَالْقُرْءُ: الْحَيْضُ.
وَقَدْ زَالَتْ، فَيَزُولُ التَّرَبُّصُ.
وَفِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «وَقُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ.
وَقَالَ: دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكَ» . يَعْنِي أَيَّامَ حَيْضِكِ.
وَلِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ تَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنُونَتهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَحِلُّهَا لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ تَعْلِيقِ الزَّوْجِ، كَالطَّلَاقِ وَسَائِرِ الْعَدَدِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ الْغُسْلَ اخْتِيَارًا أَوْ لِجُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ، لَمْ تَحِلَّ؛ أَمَّا أَنْ يُقَالَ بِقَوْلِ شَرِيكٍ، أَنَّهَا تَبْقَى مُعْتَدَّةً وَلَوْ بَقِيَتْ عِشْرِينَ سَنَةً.
وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . فَإِنَّهَا تَصِيرُ عِدَّتُهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ قُرْءٍ.
أَوْ يُقَالُ: تَنْقَضِي الْعِدَّةُ قَبْلَ الْغُسْلِ، فَيَكُونُ رُجُوعًا عَنْ قَوْلِهِمْ وَيُحْمَلُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِمْ: حَتَّى تَغْتَسِلَ.
أَيْ: يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا وَحَمَلَتْ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي]
(6082) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا، وَحَمَلَتْ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي، انْقَطَعَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الْأَوَّلِ بِوَطْءِ الثَّانِي.
وَهَلْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَهَا فِي عِدَّةِ الْحَمْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا، أَنَّهُ لَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْضِ عِدَّتَهُ، فَحُكْمُ نِكَاحِهِ بَاقٍ، يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ، وَإِنَّمَا انْقَطَعَتْ عِدَّتُهُ لِعَارِضٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وُطِئَتْ فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَتَبْقَى سَائِرُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ ارْتِجَاعَهَا إذَا عَادَتْ إلَى عِدَّتِهِ، فَمَلَكَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَمْلَ، انْقَضَتْ عِدَّةُ الثَّانِي، وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَلَهُ ارْتِجَاعُهَا حِينَئِذٍ وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوَضْعِ تَعُودُ إلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَسِبْ بِهِ، فَكَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ فِيهِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ حَائِضًا، فَإِنَّ لَهُ رَجْعَتَهَا فِي حَيْضِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْتَدُّ بِهَا
وَإِنْ حَمَلَتْ حَمْلًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، فَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فِي حَمْلِهَا مِنْ الثَّانِي، إذَا رَاجَعَهَا فِي هَذَا الْحَمْلِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي، لَمْ يَصِحَّ؛ وَإِنْ بَانَ مِنْ الْأَوَّلِ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ، وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رَاجَعَهَا مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَةِ الرَّجْعَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ يُبْطِلُهَا الشَّكُّ فِي صِحَّتِهَا، وَعَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِيمَا إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، فَصَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فَإِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ يَشُكُّ فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ الْمَنْسِيَّةُ أَوْ غَيْرُهَا؟ وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَتَطَهَّرَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، فَهُنَا أَوْلَى.
فَإِنْ رَاجَعَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ، وَبَانَ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ الثَّانِي صَحَّتْ رَجْعَتُهُ، وَإِنْ بَانَ مِنْ الْأَوَّلِ، لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِوَضْعِهِ.
[مَسْأَلَة الْمُرَاجَعَةُ فِي الطَّلَاق]
(6083) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَالْمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: اشْهَدَا أَنِّي قَدْ رَاجَعْت امْرَأَتِي.
بِلَا وَلَيٍّ يَحْضُرُهُ، وَلَا صَدَاقٍ يَزِيدُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ تَجُوزُ الرَّجْعَةُ بِلَا شَهَادَةٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى وَلِيٍّ، وَلَا صَدَاقٍ، وَلَا رِضَى الْمَرْأَةِ، وَلَا عِلْمِهَا.
بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ، وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لَهَا، وَاسْتِبْقَاءٌ لِنِكَاحِهَا، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا، وَتَرْكَهَا فِرَاقًا وَسَرَاحًا، فَقَالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] . وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] . وَإِنَّمَا تَشَعَّثَ النِّكَاحُ بِالطَّلْقَةِ وَانْعَقَدَ بِهَا سَبَبُ زَوَالِهِ، فَالرَّجْعَةُ تُزِيلُ شُعْثَهُ، وَتَقْطَعُ مُضِيَّهُ، إلَى الْبَيْنُونَةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجِبُ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَلِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَوَجَبَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ، وَعَكْسُهُ الْبَيْعُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا تَجِبُ الشَّهَادَةُ.
وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى شَهَادَةٍ، كَسَائِرِ حُقُوقِ الزَّوْجِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِشْهَادُ، كَالْبَيْعِ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ السُّنَّةَ الْإِشْهَادُ.
فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ شَرْطٌ.
فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا حَالَ الرَّجْعَةِ، فَإِنْ ارْتَجَعَ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وُجُودُهَا فِي الرَّجْعَةِ، دُونَ الْإِقْرَارِ بِهَا، إلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ الِارْتِجَاعَ، فَيَصِحُّ.
[فَصْلٌ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ]
(6084) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ؛ لِقَوْلِهِ: الْمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُولَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا اسْتِبَاحَةُ بُضْعٌ مَقْصُودٍ، أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ فِيهِ، فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْ الْقَادِرِ بِغَيْرِ قَوْلٍ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْقَوْلِ فِعْلٌ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْقَوْلِ، فَلَمْ تَحْصُلْ بِهِ الرَّجْعَةُ، كَالْإِشَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِالْوَطْءِ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ.
اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَيُشْهِدُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ: تَكُونُ رَجْعَةً إذَا أَرَادَ بِهِ الرَّجْعَةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ تُفْضِي إلَى بَيْنُونَةٍ، فَتَرْتَفِعُ بِالْوَطْءِ، كَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَمَعَهُ خِيَارٌ، فَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ بِالْوَطْءِ يَمْنَعُ عَمَلَهُ، كَوَطْءِ الْبَائِعِ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا: الْوَطْءُ مُبَاحٌ.
حَصَلَتْ الرَّجْعَةُ بِهِ، كَمَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّوْكِيلُ فِي طَلَاقِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مُحَرَّمٌ.
لَمْ تَحْصُلْ الرَّجْعَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْحِلِّ، كَوَطْءِ الْمُحَلِّلِ.
[فَصْلٌ تُحَصِّل الرَّجْعَة إذَا قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةِ أَوْ كَشَفَ فَرْجَهَا وَنَظَرَ إلَيْهِ]
(6085) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَبَّلَهَا، أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ، أَوْ كَشَفَ فَرْجَهَا وَنَظَرَ إلَيْهِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، هُوَ رَجْعَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يُسْتَبَاحُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَحَصَلَتْ الرَّجْعَةُ بِهِ كَالْوَطْءِ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَابُ عِدَّةٍ وَلَا مَهْرٍ، فَلَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ، كَالنَّظَرِ.
فَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِهَا، فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِمْتَاعٍ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّ الرَّجْعَةَ تَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَحْرُمُ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَيَحِلُّ مِنْ الزَّوْجَةِ، فَحَصَلَتْ بِهِ الرَّجْعَةُ، كَالِاسْتِمْتَاعِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ، فَلَمْ تَكُنْ رَجْعَةً، كَاللَّمْسِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَأَمَّا اللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَالنَّظَرُ لِذَلِكَ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَأَشْبَهَ الْحَدِيثَ مَعَهَا.
[فَصْل الْأَلْفَاظُ الَّتِي تُحَصِّل بِهَا الرَّجْعَةُ]
(6086) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْقَوْلُ فَتَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَأَلْفَاظُهُ: رَاجَعْتُك، وَارْتَجَعْتُك، وَرَدَدْتُك، وَأَمْسَكْتُك.
لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَرَدَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالرَّدُّ وَالْإِمْسَاكُ وَرَدَ بِهِمَا الْكِتَابُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] . وَقَالَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] يَعْنِي: الرَّجْعَةَ.
وَالرَّجْعَةُ وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» . وَقَدْ اُشْتُهِرَ هَذَا الِاسْمُ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعُرْفِ، كَاشْتِهَارِ اسْمِ الطَّلَاقِ فِيهِ، فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا رَجْعَةً، وَالْمَرْأَةَ رَجْعِيَّةً.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهَا هُوَ الصَّرِيحُ وَحْدَهُ، لِاشْتِهَارِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِنَا فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَقُولَ: رَاجَعْت امْرَأَتِي إلَى نِكَاحِي أَوْ زَوْجَتِي.
أَوْ رَاجَعْتهَا لِمَا وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِي.
فَإِنْ قَالَ: نَكَحْتُهَا.
أَوْ: تَزَوَّجْتُهَا.
فَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ.
وَهَلْ تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ، وَالرَّجْعَةُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، وَلَا تَحْصُلُ بِالْكِنَايَةِ، كَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي، تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ.
أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ تُبَاحُ بِهِ الْأَجْنَبِيَّةُ، فَالرَّجْعِيَّةُ أَوْلَى.
وَعَلَى هَذَا، يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الرَّجْعَةَ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كِنَايَةً تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
[فَصْلٌ قَالَ رَاجَعْتُك لِلْمَحَبَّةِ أَوْ قَالَ لِلْإِهَانَةِ وَقَالَ أَرَدْت أَنَّنِي رَاجَعْتُك لِمَحَبَّتِي]
(6087) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: رَاجَعْتُك لِلْمَحَبَّةِ.
أَوْ قَالَ: لِلْإِهَانَةِ.
وَقَالَ: أَرَدْت أَنَّنِي رَاجَعْتُك لِمَحَبَّتِي إيَّاكِ، أَوْ إهَانَةً لَك.
صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالرَّجْعَةِ، وَبَيَّنَ سَبَبَهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّنِي كُنْت أَهَنْتُك، أَوْ أُحِبُّك، وَقَدْ رَدَدْتُك بِفِرَاقِي إلَى ذَلِكَ.
فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ.
وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، صَحَّتْ الرَّجْعَةُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الرَّجْعَةِ، وَضَمَّ إلَيْهِ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِسَبَبِهَا، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَلَا يَزُولُ اللَّفْظُ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِالشَّكِّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ تَعْلِيقُ الرَّجْعَة عَلَى شَرْطٍ]
(6088) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ عَلَى شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَلَوْ قَالَ: رَاجَعْتُك إنْ شِئْت.
لَمْ يَصِحَّ كَذَلِكَ.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَقَدْ رَاجَعْتُك.
لَمْ يَصِحَّ كَذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ أَبُوك، فَقَدْ رَاجَعْتُك.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ.
(6089) فَصْلٌ: فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الرِّدَّةِ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الرِّدَّةِ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرُ النِّكَاحِ، وَالرِّدَّةَ تُنَافِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قُلْنَا: تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ.
لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ.
فَالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ ارْتَجَعَهَا فِي نِكَاحِهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إمْسَاكٍ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ الرِّدَّةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الرَّجْعَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ.
وَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ قَدْ ارْتَجَعْتُك]
(6090) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: قَدْ ارْتَجَعْتُك.
فَقَالَتْ: قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِك.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَا ادَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا، فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا، قُبِلَ قَوْلُهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] . قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: هُوَ الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ.
فَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ، لَمْ يُحْرِجْنَ بِكِتْمَانِهِ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ تَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ، كَالنِّيَّةِ مِنْ الْإِنْسَانِ فِيمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ، أَوْ أَمْرٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى التَّابِعِيِّ قَبُولُ خَبَرِ الصَّحَابِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَأَمَّا مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَعَلَى الْخِلَافِ فِي الْقُرُوءِ، هَلْ هِيَ الْحَيْضُ أَوْ الْأَطْهَارُ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ الْحَيْضُ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ، وَذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا مَعَ آخِرِ الطُّهْرِ، ثُمَّ تَحِيضَ بَعْدَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ تَطْهُرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ تَطْهُرَ ثَلَاثَةَ عَشْرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً،
ثُمَّ تَطْهُرَ لَحْظَةً، لِيُعْرَفَ بِهَا انْقِطَاعُ الْحَيْضِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ مِنْ عِدَّتِهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا، لِمَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا، وَلَوْ صَادَفَتْهَا رَجْعَتُهُ لَمْ تَصِحَّ.
وَمَنْ اعْتَبَرَ الْغُسْلَ فِي قَضَاء الْعِدَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَقْتٍ يُمْكِنُ الْغُسْلُ فِيهِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرْءُ الْحَيْضُ، وَالطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
فَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ تَزِيدُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي الطُّهْرَيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ.
وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ طُهْرِهَا، فَتَحْتَسِبُ بِهَا قُرْءًا، ثُمَّ تَحْتَسِبُ طُهْرَيْنِ آخَرَيْنِ سِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَبَيْنَهُمَا حَيْضَتَانِ يَوْمَيْنِ، فَإِذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لَحْظَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا.
زِدْنَا عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي الطُّهْرَيْنِ، فَيَكُونُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَتِسْعَةَ عَشَرِ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَبِأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَبِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ.
فَمَتَى ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عِنْدَ أَحَدٍ فِيمَا أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ صِدْقُهَا.
وَإِنْ ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ شُرَيْحًا قَالَ: إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ، وَجَاءَتْ بِبَيِّنَةِ مِنْ النِّسَاءِ الْعُدُولِ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا، مِمَّنْ يُرْضَى صِدْقُهُ وَعَدْلُهُ، أَنَّهَا رَأَتْ مَا يُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ مِنْ الطَّمْثِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قالون.
وَمَعْنَاهُ بِالرُّومِيَّةِ: أَصَبْت أَوْ أَحْسَنْت.
فَأَخَذَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الشَّهْرِ.
فَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ فِي أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، صَدَّقَهَا، عَلَى حَدِيثِ: «إنَّ الْمَرْأَةَ اُؤْتُمِنَتْ عَلَى فَرْجِهَا» . وَلِأَنَّ حَيْضَهَا فِي الشَّهْرِ ثَلَاثُ حِيَضٍ يَنْدُرُ جِدًّا، فَرُجِّحَ بِبَيِّنَةٍ وَلَا يَنْدُرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الشَّهْرِ كَنُدْرَتِهِ فِيهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ.
وَقَالَ: الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ عِدَّةٌ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ: لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ يَوْمًا.
وَقَالَ صَاحِبَاهُ: لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَثَلَاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أَيَّامٍ، وَطُهْرَانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا.
وَالْخِلَافُ فِي هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ، وَفِي الْقُرُوءِ مَا هِيَ، وَقَدْ سَبَقَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ قَبُولُ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ بَيِّنَتَهَا عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي شَهْرٍ.
وَلَوْلَا تَصَوُّرُهُ لَمَا قُبِلَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَلَا سُمِعَتْ فِيهِ دَعْوًى، وَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمَا قُلْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ ادَّعَتْ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا، وَلَا يُصْغَى إلَى بَيِّنَتِهَا؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ كَذِبَهَا.
فَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى دَعْوَاهَا حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا مَا يُمْكِنُ صِدْقُهَا فِيهِ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى دَعْوَاهَا الْمَرْدُودَةِ، لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي مُحَالًا، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كُلِّهَا، أَوْ فِيمَا يُمْكِنُ مِنْهَا، قُبِلَ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ صِدْقُهَا.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَاسِقَةِ وَالْمَرْضِيَّةِ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالْكَافِرَةِ؛ لِأَنَّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِ، كَإِخْبَارِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ فِيمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ بَيِّنَةٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَلَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ تَدَّعِيَ وَضْعَ الْوَلَدِ لِتَمَامٍ، أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ قَبْلَ كَمَالِهِ، فَإِنْ ادَّعَتْ وَضْعَهُ لِتَمَامٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْمُلُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ سَقْطٍ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مَا أَتَى عَلَيْهِ ثَمَانُونَ يَوْمًا، لِأَنَّهُ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً بَعْدَ الثَّمَانِينَ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُضْغَةً بِحَالٍ.
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا؛ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَتَهَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: طَلَّقْتُكِ فِي شَوَّالٍ.
فَتَقُولَ هِيَ: بَلْ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُهَا، فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَلَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ، قُبِلَ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا تُقِرُّ عَلَى نَفْسِهَا بِمَا هُوَ أَغْلَظُ.
وَلَوْ انْعَكَسَتْ الدَّعْوَى، فَقَالَ: طَلَّقْتُك فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَلِي رَجْعَتُك.
فَقَالَتْ: بَلْ طَلَّقْتَنِي فِي شَوَّالٍ، فَلَا رَجْعَةَ لَك.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ نِكَاحِهِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، فِي إثْبَاتِ الطَّلَاقِ وَنَفْيِهِ فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا.
فَأَنْكَرَهَا الزَّوْجُ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ: عَلَيْهَا الْيَمِينُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا يَمِينٌ.
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَا يَمِينَ فِي نِكَاحٍ وَلَا طَلَاقٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا يَصِحُّ بَذْلُهَا، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، كَالْحُدُودِ.
وَالْأَوَّلُ؛ أَوْلَى؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ يُمْكِنُ صِدْقُ مُدَّعِيهِ، فَيَجِبُ الْيَمِينُ فِيهِ، كَالْأَمْوَالِ.
فَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَصِحُّ بَذْلُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ، وَلَهُ رَجْعَتُهَا، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ النُّكُولُ مِنْهَا، ظَهَرَ صِدْقُ الزَّوْجِ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ، وَالْيَمِينُ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ قَوِيَ جَانِبُهُ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِالْيَدِ فِي الْعَيْنِ، وَبِالْأَصْلِ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فِي الدَّيْنِ.
هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ ادَّعَى الزَّوْجُ فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا أَمْسِ أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ]
(6091) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا أَمْسِ، أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الرَّجْعَةَ، مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهَا، كَالطَّلَاقِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَإِنْ قَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا: كُنْت رَاجَعْتُك فِي عِدَّتِك.
فَأَنْكَرَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِإِجْمَاعِهِمْ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَاهَا فِي زَمَنٍ لَا يَمْلِكُهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَحُصُولُ الْبَيْنُونَةِ.
فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا، وَبَقَاؤُهَا، فَبَدَأَتْ فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي.
فَقَالَ: قَدْ كُنْت رَاجَعْتُك.
فَأَنْكَرَتْهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ خَبَرَهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مَقْبُولٌ؛ لِإِمْكَانِهِ، فَصَارَتْ دَعْوَاهُ لِلرَّجْعَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَلَمْ تُقْبَلْ.
فَإِنْ سَبَقَهَا بِالدَّعْوَى، فَقَالَ: قَدْ كُنْت رَاجَعْتُك أَمْسِ.
فَقَالَتْ: قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ دَعْوَاك.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ لِلرَّجْعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي زَمَنٍ الظَّاهِرُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِهِ.
وَلَوْ سَبَقَ فَقَالَ: قَدْ رَاجَعْتُكِ.
فَقَالَتْ: قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ.
فَأَنْكَرَهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ، سَوَاءٌ سَبَقَهَا بِالدَّعْوَى، أَوْ سَبَقَتْهُ.
وَهُوَ وَجْهٌ ثَانٍ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْبَيْنُونَةُ، وَالْأَصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهَا، وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ سَابِقًا، قُبِلَ قَوْلُهُ مَسْبُوقًا، كَسَائِرِ مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي مَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ وَهُوَ يُنْكِرُهُ، فَكَانَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْمُولِي وَالْعِنِّينُ إصَابَةَ امْرَأَتِهِ، فَأَنْكَرَتْهُ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ قَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ الْبَيْنُونَةِ، وَهُوَ مُفْضٍ إلَيْهَا، مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَرْفَعُهُ وَيُزِيلُ حُكْمَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ [قَوْلَ] مَنْ يُنْكِرُهُ، بِخِلَافِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَقَعَ الْقَوْلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَلَا رَجْعَةَ؛ لِأَنَّ خَبَرَهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا يَكُونُ
بَعْدَهَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ، فَلَا يُقْبَلُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
[فَصْل اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ فَقَالَ قَدْ أَصَبْتُك فَلَّى رَجْعَتُك فَأَنْكَرَتْهُ]
(6092) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتُك، فَلِي رَجْعَتُك.
فَأَنْكَرَتْهُ، أَوْ قَالَتْ: قَدْ أَصَابَنِي، فَلِي الْمَهْرُ كَامِلًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِصَابَةَ، فَهُوَ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِبَيْنُونَتِهَا، وَأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
وَإِنْ أَنْكَرَتْهَا هِيَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَلَا تَسْتَحِقُّ إلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَنْكَرَتْهَا، فَهِيَ مُقِرَّةٌ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ، وَإِنْ أَنْكَرَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
هَذَا إنْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ قَبْضِهَا لَهُ وَادَّعَى إصَابَتَهَا فَأَنْكَرَتْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهَا بِهِ وَلَا يَدَّعِيهِ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُنْكِرَ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ الْمُولِي وَالْعِنِّينِ فِي الْإِصَابَةِ، وَلَمْ تَقْبَلُوهُ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْمُولِيَ وَالْعِنِّينَ يَدَّعِيَانِ مَا يُبْقِي النِّكَاحَ عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَمْنَعُ فَسْخَهُ، وَالْأَصْلُ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَسَلَامَتُهُ، فَكَانَ قَوْلُهُمَا مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ، فَقُبِلَ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ وَقَعَ مَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ وَيُزِيلُهُ، وَهُوَ مَا وَالَى بَيْنُونَةً، وَقَدْ اخْتَلَفَا فِيمَا يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ وَيُثْبِتُ لَهُ الرَّجْعَةَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ، فَكَانَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، وَلِأَنَّ الْمُولِيَ وَالْعِنِّينَ يَدَّعِيَانِ الْإِصَابَةَ فِي مَوْضِعٍ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْخَلْوَةُ وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمَا اسْتَحَقَّتَا الْفَسْخَ بِعَدَمِ الْوَطْءِ، فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ تَتَحَقَّقْ خَلْوَةٌ وَلَا تَمْكِينٌ، لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ الْمَهْرُ كَامِلًا، فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَمْرٍ ظَاهِرٍ لَا يَخْتَصُّ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ مُدَّعِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَهَلْ يُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّ مَنْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ هَاهُنَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[فَصْل وَالْخَلْوَةُ كَالْإِصَابَةِ فِي إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي خَلَا بِهَا]
(6093) فَصْلٌ: وَالْخَلْوَةُ كَالْإِصَابَةِ، فِي إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي خَلَا بِهَا، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فِي الْقَدِيمِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يُصِيبَهَا.
وَبِهِ قَالَ النُّعْمَانُ، وَصَاحِبَاهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَابَةٍ، فَلَا تَسْتَحِقُّ رَجْعَتَهَا، كَغَيْرِ الَّتِي خَلَا بِهَا.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] /إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] . وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ لَا عِوَضَ فِيهِ،
وَلَمْ تَسْتَوْفِ عَدَدَهُ، فَثَبَتَ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ كَالْمُصَابَةِ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، فَمَلَكَ رَجْعَتَهَا، كَالَّتِي أَصَابَهَا.
وَفَارَقَ الَّتِي لَمْ يَخْلُ بِهَا، فَإِنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ لَا عِدَّةَ لَهَا، وَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ لِلْمُعْتَدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ.
[فَصْل ادَّعَى زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا فَكَذَّبَتْهُ وَصَدَّقَهُ مَوْلَاهَا]
(6094) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَكَذَّبَتْهُ وَصَدَّقَهُ مَوْلَاهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَ مَوْلَاهَا مَقْبُولٌ فِي نِكَاحِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي رَجْعَتِهَا، كَالْحُرَّةِ إذَا أَقَرَّتْ.
وَلَنَا أَنَّ قَوْلَهَا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مَقْبُولٌ، فَقُبِلَ فِي إنْكَارِهَا لِلرَّجْعَةِ كَالْحُرَّةِ، وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ مِنْهُمَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ النِّكَاحُ، فَيَكُونُ الْمُنَازِعُ هِيَ دُونَ سَيِّدِهَا، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ، بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ.
وَإِنْ صَدَّقَتْهُ هِيَ وَكَذَّبَهُ مَوْلَاهَا، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ يَتَعَلَّقَ بِهَا، وَحَلَّتْ لَهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ أَنَّ مُطَلِّقَهَا كَانَ رَاجَعَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِ إنْكَارِهَا قَبُولُ تَصْدِيقِهَا، كَالَّتِي تَزَوَّجَتْ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إنْكَارُهَا، وَلَا يُقْبَلُ تَصْدِيقُهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَوْلَاهَا إذَا عَلِمَ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي رَجْعَتِهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَا تَزْوِيجُهَا.
وَإِنْ عَلِمَتْ هِيَ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي رَجْعَتِهَا، فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى سَيِّدِهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا إلَّا مُكْرَهَةً، كَمَا قَبْلَ طَلَاقِهَا.
[فَصْلٌ قَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي ثُمَّ قَالَتْ مَا انْقَضَتْ الرَّجْعَةُ بَعْدُ]
(6095) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي.
ثُمَّ قَالَتْ: مَا انْقَضَتْ بَعْدُ.
فَلَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِكَذِبِهَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَقُبِلَ إقْرَارُهَا.
وَلَوْ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، ثُمَّ رَاجَعْتهَا.
ثُمَّ أَقَرَّتْ بِكَذِبِهَا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَأَنْكَرَتْ مَا ذَكَرَ عَنْهَا، وَأَقَرَّتْ أَنَّ عِدَّتَهَا، لَمْ تَنْقَضِ، فَالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِخَبَرِهَا عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَجَعَتْ عَنْ خَبَرِهَا، فَقُبِلَ رُجُوعُهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ثَانِيَةً]
(6096) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ثَانِيَةً، بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْعِدَّةِ)
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ ثَانٍ، أَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ؛ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَاقِعَةٌ فِي حَقِّ مَدْخُولٍ بِهَا، فَاقْتَضَتْ عِدَّةً كَامِلَةً، كَالْأُولَى.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا طَلَاقَانِ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا إصَابَةٌ، وَلَا خَلْوَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ عِدَّةٍ، كَمَا لَوْ وَالَى بَيْنَهُمَا، أَوْ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ نَكَحَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ طَلَّقَهَا، ثُمَّ فُسِخَ نِكَاحُهَا لِعَيْبٍ فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ لِعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا لِرَضَاعٍ أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ.
[فَصْل طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا]
(6097) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَهَا، ثُمَّ رَاجَعَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْعِدَّةِ.
نَقَلَهَا الْمَيْمُونِي.
وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا طَلَاقَانِ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا دُخُولٌ بِهَا، فَكَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا دُخُولٌ، فَلَمْ يَجِبْ بِالطَّلَاقِ مِنْهَا عِدَّةٌ، كَمَا لَوْ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَالثَّانِيَةُ، تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ.
نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ.
وَهِيَ أَصَحُّ.
وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَجَابِرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَجْمَع الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ مَالِكٍ، إنْ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا بَنَتْ، وَإِلَّا اسْتَأْنَفَتْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ الرَّجْعَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْإِصْلَاحَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: 228] . وَاَلَّذِي قَصَدَ الْإِضْرَارَ لَمْ يَقْصِدْ الْإِصْلَاحَ.
وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحِ مَدْخُولٍ بِهَا فِيهِ، فَأَوْجَبَ عِدَّةً كَامِلَةً، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ طَلَاقٌ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الطَّلْقَةَ الْأُولَى شَعَّثَتْ النِّكَاحَ، وَالرَّجْعَةَ لَمَّتْ شُعْثَهُ، وَقَطَعَتْ عَمَلَ الطَّلَاقِ، فَصَارَ الطَّلَاقُ الثَّانِي فِي نِكَاحٍ غَيْرِ مُشَعَّثٍ مَدْخُولٍ بِهَا فِيهِ، فَأَوْجَبَ عِدَّةً كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً، كَذَا هَاهُنَا.
وَيُفَارِقُ الطَّلَاقَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ.
فَإِنَّهُ جَاءَ بَعْدَ طَلَاقٍ مُفْضٍ إلَى بَيْنُونَةٍ.
فَإِنْ رَاجَعَهَا ثُمَّ دَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ صَارَ كَالنَّاكِحِ ابْتِدَاءً إذَا وَطِئَ.
[فَصْل خَالَعَ زَوْجَتَهُ أَوْ فُسِخَ النِّكَاحُ ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا]
(6098) فَصْلٌ: وَإِنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ، أَوْ فُسِخَ النِّكَاحُ ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا؛ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحِ مَدْخُولٍ بِهَا فِيهِ، لَمْ يَتَقَدَّمْهُ طَلَاقٌ سِوَاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، بَنَتْ عَلَى الْعِدَّةِ الْأُولَى، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الرَّجْعَةِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ، اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ عِدَّةٌ، كَمَا لَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
وَفَارَقَ الرَّجْعَةَ؛ لِأَنَّهَا رَدَّتْ الْمَرْأَةَ إلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ الطَّلَاقُ الثَّانِي فِي نِكَاحٍ اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ، وَهَذَا النِّكَاحُ جَدِيدٌ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ دُخُولٌ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَأَمَّا بِنَاؤُهَا عَلَى الْعِدَّةِ الْأُولَى، فَلِأَنَّهَا إنَّمَا قُطِعَ فِي حُكْمِهَا النِّكَاحُ، وَقَدْ زَالَ، فَيَعُودُ إلَيْهَا.
وَلَوْ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ أَسْلَمَ هُوَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ وَطْئِهِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ ارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَعَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ وَطِئَ فِيهِ، أَشْبَهَ الطَّلَاقَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ.
[فَصْل مَتَى وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ]
(6099) فَصْلٌ: وَمَتَى وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ، وَقُلْنَا: إنَّ الْوَطْءَ لَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ مِنْ الْوَطْءِ، وَيَدْخُلَ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَتَدَاخَلَتَا، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَهَا، وَلَهُ ارْتِجَاعُهَا فِي بَقِيَّةِ الْعِدَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا عِدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ، فَإِذَا مَضَتْ الْبَقِيَّةُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ارْتِجَاعُهَا فِي بَقِيَّةِ عِدَّةِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهَا عِدَّةٌ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فَإِنْ حَبِلَتْ مِنْ الْوَطْءِ، صَارَتْ فِي عِدَّةِ الْوَطْءِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا الْبَقِيَّةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ لِوَاحِدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا بِالْأَقْرَاءِ، وَتَنْقَضِي الْعِدَّتَانِ جَمِيعًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا قَبْلَ وَضْعِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْ الطَّلَاقِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ مُعْتَدَّةً مِنْ الْوَطْءِ خَاصَّةً.
وَهَلْ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مَضَى تَوْجِيهُهُمَا فِيمَا إذَا حَمَلَتْ مِنْ وَطْءِ زَوْجٍ ثَانٍ، فَإِذَا وَضَعَتْ أَتَمَّتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، وَلَهُ ارْتِجَاعُهَا فِي هَذِهِ الْبَقِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا حَامِلًا، ثُمَّ وَطِئَهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَسْتَأْنِفَ عِدَّةً لِلْوَطْءِ بَعْدَ وَضَعَ الْحَمْلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَا رَجْعَةَ لَهُ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا سَوَاءً.
[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَهَا ثُمَّ أَشْهَدْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ فَاعْتَدَّتْ ثُمَّ نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا]
(6100) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا طَلَّقَهَا، ثُمَّ أَشْهَدْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، فَاعْتَدَّتْ، ثُمَّ نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، رُدَّتْ إلَيْهِ، وَلَا يُصِيبُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى هِيَ زَوْجَةُ الثَّانِي وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذَا رَاجَعَهَا، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ، صَحَّتْ الْمُرَاجَعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى رِضَاهَا، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى عِلْمِهَا كَطَلَاقِهَا.
فَإِذَا رَاجَعَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، ثَبَتَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَأَنَّ نِكَاحَ الثَّانِي فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ غَيْرِهِ، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، إنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَنَافِعٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقَدَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ فِي الظَّاهِرِ، وَمَعَ الثَّانِي مَزِيَّةُ الدُّخُولِ، فَقُدِّمَ بِهَا.
وَلَنَا أَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ صَحَّتْ، وَتَزَوَّجَتْ وَهِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي مَا دَخَلَ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَرُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي.
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَتَعْتَدُّ، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ.
وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا، رُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ.
وَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَهَا مَعَ عِلْمِهَا بِالرَّجْعَةِ، أَوْ عِلْمِ أَحَدِهِمَا، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَالْوَطْءُ مُحَرَّمٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْهُمَا، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِي فِي الْحَدِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةَ غَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِي الرَّجْعَةِ بَيِّنَةٌ، فَأَنْكَرَهُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَكِنْ إنْ أَنْكَرَاهُ جَمِيعًا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِمَا، وَإِنْ اعْتَرَفَا لَهُ بِالرَّجْعَةِ، ثَبَتَتْ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ سَوَاءً.
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ الزَّوْجُ وَحْدَهُ، فَقَدْ اعْتَرَفَ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ، فَتَبِينُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوْ نِصْفُهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا عَنْهُ، وَلَا تُسَلَّمُ الْمَرْأَةُ إلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ الثَّانِي عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي حَقِّهِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا.
وَهَلْ هُوَ مَعَ يَمِينِهَا أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحْلِفُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا، فَإِذَا أَنْكَرَتْ لَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ بِإِنْكَارِهَا.
وَإِنْ اعْتَرَفَتْ الْمَرْأَةُ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ،
لَمْ يُقْبَلْ اعْتِرَافُهَا عَلَى الزَّوْجِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا إنَّمَا يُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهَا فِي حَقِّهَا.
وَهَلْ يُسْتَحْلَفُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُسْتَحْلَفُ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى فِي النِّكَاحِ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْهُ.
وَالثَّانِي، يُسْتَحْلَفُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ دَعْوَى فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالْمَالِ.
فَإِنْ حَلَفَ فَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ.
فَإِنْ زَالَ نِكَاحُهُ بِطَلَاقٍ، أَوْ فَسْخٍ، أَوْ مَوْتٍ، رُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ رَدِّهَا إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الثَّانِي، فَإِذَا زَالَ، زَالَ الْمَانِعُ، وَحُكِمَ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ الْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ.
وَلَا يَلْزَمُهَا لِلْأَوَّلِ مَهْرٌ بِحَالٍ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ عَلَيْهَا لَهُ مَهْرًا.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ أَنَّهَا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بُضْعِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَأَشْبَهَ شُهُودَ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا.
وَلَنَا أَنَّ مِلْكَهَا اسْتَقَرَّ عَلَى الْمَهْرِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ، أَوْ أَسْلَمَتْ، أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ وَهِيَ فِي نِكَاحِ الثَّانِي، فَيَنْبَغِي أَنْ تَرِثَهُ؛ لِإِقْرَارِهِ بِزَوْجِيَّتِهَا، أَوْ إقْرَارِهَا بِذَلِكَ.
وَإِنْ مَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا، لِأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ مِيرَاثِ الزَّوْجِ الثَّانِي، كَمَا لَمْ تُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ نِكَاحِهِ، وَيَرِثُهَا الزَّوْجُ الثَّانِي؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ الثَّانِي، لَمْ تَرِثْهُ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ صِحَّةَ نِكَاحِهِ فَتُنْكِرُ مِيرَاثَهُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُطَلَّقَةَ الْمَبْتُوتَةَ إذَا مَضَى زَمَنٌ بَعْدَ طَلَاقِهَا يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتَيْنِ]
(6101) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، ثُمَّ أَتَتْهُ فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحهَا إذَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْهَا الصِّدْقَ وَالصَّلَاحَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لَمْ يَنْكِحْهَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ قَوْلُهَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْمَبْتُوتَةَ، إذَا مَضَى زَمَنٌ بَعْدَ طَلَاقِهَا، يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ وَوَطْءٌ، فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا؛ إمَّا لِمَعْرِفَتِهِ بِأَمَانَتِهَا، أَوْ بِخَبَرِ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْحَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهَا، كَمَا لَوْ أَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ نِكَاحُهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا، وَالْوَرَعُ أَنْ لَا يَنْكِحَهَا.
وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، وَلَمْ يُوجَدْ غَلَبَةُ ظَنٍّ تَنْقُلُ عَنْهُ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ عَنْهَا.
[فَصْل أَخْبَرَتْ الزَّوْجَ أَصَابَهَا فَأَنْكَرَ الرَّجْعَةَ]
فَصْلٌ: وَإِذَا أَخْبَرَتْ أَنَّ الزَّوْجَ أَصَابَهَا، فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي حِلِّهَا لِلْأَوَّلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي الْمَهْرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُهُ إذَا لَمْ يُقِرَّ بِالْخَلْوَةِ بِهَا.
فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَصَابَهَا.
لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِتَحْرِيمِهَا.
فَإِنْ عَادَ فَأَكْذَبَ نَفْسَهُ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْت صِدْقَهَا.
دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْن اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِذَا عَلِمَ حِلَّهَا لَهُ، لَمْ تَحْرُمْ بِكَذِبِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ.
وَلَوْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَصَابَهَا.
لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حِلِّهَا لَهُ خَبَرٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ، لَا حَقِيقَةُ الْعِلْمِ.
[فَصْل طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَغَابَ وَقَضَتْ عِدَّتَهَا وَأَرَادَتْ التَّزَوُّجَ]
(6103) فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَغَابَ، وَقَضَتْ عِدَّتَهَا، وَأَرَادَتْ التَّزَوُّجَ، فَقَالَ وَكِيلُهُ: تَوَقَّفِي كَيْ لَا يَكُونَ رَاجَعَك.
لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا التَّوَقُّفُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، وَحِلُّ النِّكَاحِ، فَلَا يَجِبُ الزَّوَالُ عَنْهُ بِأَمْرِ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا التَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لَوَجَبَ عَلَيْهَا التَّوَقُّفُ قَبْلَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الرَّجْعَةِ مَوْجُودٌ، سَوَاءٌ قَالَ أَوْ لَمْ يَقُلْ، فَيُفْضِي إلَى تَحْرِيمِ النِّكَاحِ عَلَى كُلِّ رَجْعِيَّةٍ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا أَبَدًا.
[فَصْل قَالَتْ قَدْ تَزَوَّجْت مَنْ أَصَابَنِي ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا]
(6104) فَصْلٌ: فَإِذَا قَالَتْ: قَدْ تَزَوَّجْت مَنْ أَصَابَنِي.
ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا، لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُبِيحَ لِلْعَقْدِ قَدْ زَالَ، فَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا عَقَدَ عَلَيْهَا، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إبْطَالٌ لِلْعَقْدِ الَّذِي لَزِمَهَا بِقَوْلِهَا، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ الْإِقْرَارِ.
[كِتَابُ الْإِيلَاءِ]
[شُرُوطَ الْإِيلَاءِ]
ِ الْإِيلَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحَلِفُ.
يُقَالُ: آلَى يُولِي إيلَاءً وَأَلِيَّةً.
وَجَمْعُ الْأَلِيَّةِ أَلَايَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ
وَيُقَالُ: تَأَلَّى يَتَأَلَّى.
وَفِي الْخَبَرِ: «مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكْذِبُهُ» . فَأَمَّا الْإِيلَاءُ فِي الشَّرْعِ، فَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] . وَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَآنِ: " يُقْسِمُونَ ".
(6105) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالْمُولِي الَّذِي يَحْلِفُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَطَأَ زَوْجَتَهُ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَجُمْلَتُهُ أَن