المغني لابن قدامةصفحات 128-167
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 128-167
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَصَدَّقَهُ، بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، بَطَلَ السَّلْمُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَالْمُقِرُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَهُ الدِّرْهَمَانِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ أَوْ فِي كِيسٍ]

(3848) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ، أَوْ فِي كِيسٍ، أَوْ زَيْتٌ فِي جَرَّةٍ، أَوْ تِبْنٌ فِي غِرَارَةٍ، أَوْ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ، أَوْ كِيسٌ فِي صُنْدُوقٍ.
أَوْ قَالَ: غَصَبْت مِنْهُ ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ، أَوْ زَيْتًا فِي زِقٍّ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَكُونُ مُقِرًّا بِالْمَظْرُوفِ دُون الظَّرْفِ.
هَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الظَّرْفَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي ظَرْفٍ لِلْمُقِرِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ.
وَالثَّانِي، يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: عِنْدِي عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَصْبِ: يَلْزَمُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْمِنْدِيلَ يَكُونُ ظَرْفًا لِلثَّوْبِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ فِي حَالِ الْغَصْبِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: غَصَبْت ثَوْبًا وَمِنْدِيلًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمِنْدِيلُ لِلْغَاصِبِ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلثَّوْبِ، فَيَقُولُ: غَصَبْت ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ لِي.
وَلَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ، فَإِذَا أَطْلَقَ، كَانَ مُحْتَمِلًا لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: غَصَبْت دَابَّةً فِي إصْطَبْلِهَا.
أَوْ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِي مِنْدِيلٍ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي جَرَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ، أَوْ جِرَابٌ فِيهِ تَمْرٌ، أَوْ قِرَابٌ فِيهِ سِكِّينٌ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ خَاتَمٌ فِيهِ فَصُّ.
فَكَذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ بِفَصِّهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْفَصَّ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَاتَمِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِيهِ عَلَمٌ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ.
وَأَطْلَقَ، لَزِمَهُ الْخَاتَمُ بِفَصِّهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَاتَمِ يَجْمَعُهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ.
لَزِمَهُ الثَّوْبُ بِطِرَازِهِ.

[فَصْل قَالَ لَهُ عِنْدِي دَارٌ مَفْرُوشَةٌ أَوْ دَابَّةٌ مُسْرِجَة أَوْ عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ]

(3849) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دَارٌ مَفْرُوشَةٌ، أَوْ دَابَّةٌ مُسْرَجَةٌ، أَوْ عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ.
فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَلْزَمُهُ عِمَامَةُ الْعَبْدِ دُونَ الْفَرْشِ أَوْ السَّرْجِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَدُهُ عَلَى عِمَامَتِهِ، وَيَدُهُ كَيَدِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَدَ لِلدَّابَّةِ وَالدَّارِ.

وَلَنَا، أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ سَرْجَ الدَّابَّةِ لِصَاحِبِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ سَرْجًا عَلَى دَابَّةِ أَحَدِهِمَا، كَانَ لِصَاحِبِهَا، فَصَارَ كَعِمَامَةِ الْعَبْدِ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دَابَّةٌ بِسَرْجِهَا، أَوْ دَارٌ بِفَرْشِهَا، أَوْ سَفِينَةٌ بِطَعَامِهَا.
كَانَ مُقِرًّا بِهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تُعَلِّقُ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ أَوْ إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِينَارٌ]

(3850) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، أَوْ دِينَارٌ.
أَوْ: إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِينَارٌ.
كَانَ مُقِرًّا بِأَحَدِهِمَا، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ " أَوْ " وَ " إمَّا " فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ، وَتَقْتَضِي أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ لَا جَمِيعَهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِرْهَمَانِ.
كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ، وَالثَّانِي مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشَّكِّ.

[مَسْأَلَة أَقَرَّ بِشَيْءِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ]

(3851) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، أُخِذَ بِالْكُلِّ، وَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا) . لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ.
وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ النَّحْوِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمْ: يَصِحُّ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ الْكُلَّ، فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ.
لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدٌ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 83] . وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] . فَاسْتَثْنَى فِي مَوْضِعٍ الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ، وَفِي مَوْضِعٍ الْعِبَادَ مِنْ الْغَاوِينَ، وَأَيُّهُمَا كَانَ الْأَكْثَرَ فَقَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ.
وَأَنْشَدُوا: أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ... ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّامًا فَاسْتُثْنِيَ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ.
وَمُشَبَّهٌ بِهِ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْبَعْضَ، فَجَازَ، كَاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، فَجَازَ فِي الْأَكْثَرِ، كَالتَّخْصِيصِ وَالْبَدَلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْأَقَلِّ، وَقَدْ أَنْكَرُوا اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ.
لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ عِيًّا مِنْ الْكَلَامِ وَلُكْنَةً.
وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: يُقَالُ: صُمْت الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا.
وَلَا يُقَالُ:

صُمْت الشَّهْرَ إلَّا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَيُقَالُ: لَقِيت الْقَوْمَ جَمِيعَهُمْ إلَّا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: لَقِيت الْقَوْمَ إلَّا أَكْثَرَهُمْ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِي الْكَلَامِ، لَمْ يَرْتَفِعْ بِهِ مَا أَقَرَّ بِهِ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.
وَكَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، بَلْ خَمْسَةٌ.
فَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ التَّنْزِيلِ، فَإِنَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى اسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهُمْ الْأَقَلُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: 24] . وَفِي الْأُخْرَى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ وَهُمْ الْأَقَلُّ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ الْعِبَادِ، وَهُمْ غَيْرُ غَاوِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] . وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42] مُبْقًى عَلَى عُمُومِهِ، لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] . أَيْ لَكِنْ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ فَإِنَّهُمْ غَوَوْا بِاتِّبَاعِك.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى لِأَتْبَاعِهِ ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: 22] . وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ.
وَأَمَّا الْبَيْتُ فَقَالَ ابْنُ فَضَالٍ النَّحْوِيُّ: هُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ، لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْعَرَبِ.
عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَهُ كَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْهَا، وَالْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ: ثُمَّ نُعَارِضُهُ بِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ، أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي الْأَقَلِّ وَحَسَّنَتْهُ، وَنَفَتْهُ فِي الْأَكْثَرِ وَقَبَّحَتْهُ، فَلَمْ يَجُزْ قِيَاسُ مَا قَبَّحُوهُ عَلَى مَا جَوَّزُوهُ وَحَسَّنُوهُ.

[فَصْلٌ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ فِي الْإِقْرَار]

(3852) فَصْلٌ: وَفِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْإِبْطَالَ بِمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ، فَجَازَ كَالْأَقَلِّ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِهِمْ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ، وَالنِّصْفُ لَيْسَ بِقَلِيلٍ.
.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا سَبْعَةً إلَّا خَمْسَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ]

(3853) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ، إلَّا سَبْعَةً، إلَّا خَمْسَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
صَحَّ، وَكَانَ مُقِرًّا بِسِتَّةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى الْكُلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ سَقَطَ إنْ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَصَلَهُ بِاسْتِثْنَاءِ آخَر اسْتَعْمَلْنَاهُ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ

مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَمَّا بَقِيَ، فَإِنَّ خَمْسَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ، اسْتَثْنَاهَا مِنْ سَبْعَةٍ، بَقِيَ أَرْبَعَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عَشَرَةٍ، بَقِيَ مِنْهَا سِتَّةٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَمَانِيَةٌ، إلَّا أَرْبَعَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ، إلَّا دِرْهَمًا.
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى النِّصْفَ.
وَصَحَّ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، فَلَزِمَهُ خَمْسَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ، إلَّا خَمْسَةً، إلَّا ثَلَاثَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ، إلَّا دِرْهَمًا.
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّ فِي الْآخَرِ، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِسَبْعَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةٌ، إلَّا سِتَّةً، إلَّا أَرْبَعَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
فَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ مُقِرٌّ بِسِتَّةٍ.
وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
إلَّا دِرْهَمًا.
كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ، إلَّا ثَلَاثَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، فَبَطَلَ فَإِذَا بَطَلَ الثَّانِي بَطَلَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا يَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَطَلَ، لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ، فَبَطَلَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ.
وَالثَّانِي، يَصِحُّ، وَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لَمَّا بَطَلَ، جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مِنْ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَهُ لِبُطْلَانِ مَا بَيْنَهُمَا.
وَالثَّالِثُ، يَصِحُّ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَيَبْقَى مِنْهَا دِرْهَمٌ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِقْرَارِ، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ عِنْدَهُمْ صَحِيحٌ.
وَوَافَقَهُمْ الْقَاضِي فِي هَذَا الْوَجْهِ.
وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ، إلَّا دِرْهَمًا.
بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ مِثْلُ مَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ]

(3854) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ.
فَالْمُسْتَثْنَى دَرَاهِمُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَثْنِي فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، إلَّا خَمْسِينَ دِرْهَمًا.
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ كَذَلِكَ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ الْأَلْفُ مُبْهَمًا، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُمَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلِأَنَّ لَفْظَهُ فِي الْأَلْفِ مُبْهَمٌ وَالدِّرْهَمُ لَمْ يُذْكَرْ تَفْسِيرًا لَهُ، فَيَبْقَى عَلَى إبْهَامِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ، فَمَتَى عُلِمَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ عُلِمَ أَنَّ الْآخَرَ مِنْ جِنْسِهِ، كَمَا لَوْ عُلِمَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ، وَعِلَّتُهُ تَلَازُمُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْجِنْسِ، فَمَا ثَبَتَ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ فِي الْآخَرِ، فَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْجِنْسِ، بَطَلَ

الِاسْتِثْنَاءُ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمَا يُنْظَرُ فِي الْمُسْتَثْنَى، إنْ كَانَ مِثْلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، بَطَلَ، وَإِلَّا صَحَّ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الْأَلْفِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، إذَا كَانَ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنْهُ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا]

(3855) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا.
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ.
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَإِنْ قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
فَكَذَلِكَ.
وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا إلَّا لِمَا يَلِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَأَلْفُ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفٌ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ مِائَةٌ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا؛ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ الْمُفَسَّرَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْجُمَلِ الْمُبْهَمَةِ وَجِنْسِ الْعَدَدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: 23] . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَقَالَ عَنْتَرَةُ: فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الْغُرَابِ الْأَسْحَمِ وَلِأَنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَكَانَ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ، وَهُوَ صَالِحٌ لِتَفْسِيرِهَا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَوْلِهِ: أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
وَسَائِر الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجْعَلُ الْمُجْمَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

[فَصْل قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ]

(3856) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ، أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ.
فَالْمُجْمَلُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةٌ، أَوْ أَلْفُ ثَوْبٍ وَعِشْرُونَ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنِ حَامِدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ إلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يُعْطَفُ عَلَى جِنْسِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] . وَلِأَنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ فَرُجِعَ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى الْمُقِرِّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهَا.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ عَطَفَ عَلَى الْمُبْهَمِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ، وَإِنْ عَطَفَ مَذْرُوعًا أَوْ مَعْدُودًا، لَمْ يَكُنْ تَفْسِيرًا؛ لِأَنَّ عَلَيَّ لِلْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ عَطَفَ عَلَيْهِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ كَقَوْلِهِ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
وَلَنَا، أَنَّ الْعَرَبَ تَكْتَفِي بِتَفْسِيرِ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17] . وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ مُبْهَمًا مَعَ مُفَسَّرٍ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَكَانَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمُبْهَمَ يَحْتَاجُ إلَى التَّفْسِيرِ، وَذِكْرُ التَّفْسِيرِ فِي الْجُمْلَةِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ يَصْلُحُ أَنْ يُفَسِّرَهُ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ، أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] . فَإِنَّهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْعَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْعَشْرَ بِغَيْرِ هَاءٍ عَدَدٌ لِلْمُؤَنَّثِ، وَالْأَشْهَرُ مُذَكَّرَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّ بِغَيْرِهَا.
الثَّانِي، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَشْهُرًا لَقَالَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
بِالتَّرْكِيبِ، لَا بِالْعَطْفِ، كَمَا قَالَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 30] . وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ.
قُلْنَا قَدْ قَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفْسِيرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ.
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
فَالدِّرْهَمُ ذُكِرَ لِلتَّفْسِيرِ، وَلِهَذَا لَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَدَدُ، فَصَلَحَ تَفْسِيرُ الْجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مِائَةُ دِرْهَمٍ.
فَإِنَّهُ ذَكَرَ الدِّرْهَمَ لِلْإِيجَابِ، لَا لِلتَّفْسِيرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ زَادَ بِهِ الْعَدَدَ.
قُلْنَا: هُوَ صَالِحٌ لِلْإِيجَابِ وَالتَّفْسِيرِ مَعًا، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى التَّفْسِيرِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ، صِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُقِرِّ عَنْ الْإِلْبَاسِ وَالْإِبْهَامِ، وَصَرْفًا لَهُ إلَى الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ.
وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ.
قُلْنَا: فَمَتَى عُطِفَ مَا يَجِبُ بِهَا عَلَى مَا يَجِبُ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا وَالْآخَرُ مُفَسَّرًا، وَأَمْكَنَ تَفْسِيرُهُ بِهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ، مِثْلُ أَنْ يُعْطَفَ عَدَدُ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ، وَيَبْقَى الْمُبْهَمُ عَلَى إبْهَامِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وَعَشْرٌ.

[مَسْأَلَة قَالَ لَهُ عِنْدِيّ عَشَرَةُ دَرَاهِم ثُمَّ قَالَ وَدِيعَةٌ]

(3857) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةٌ.
كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَقَالَ: لَهُ عِنْدِي دَرَاهِمُ.
فُسِّرَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ فَسَّرَهُ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَقْتَضِيه، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ.
وَفَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ، بِحَيْثُ لَوْ ادَّعَى تَلَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ رَدَّهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَإِنْ فَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، قُبِلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ رَدَدْتهَا إلَيْهِ.
أَوْ تَلِفَتْ.
لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْإِقْرَارِ، وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ، فَإِنَّ الْأَلْفَ الْمَرْدُودَ وَالتَّالِفَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ أَصْلًا، وَلَا هِيَ وَدِيعَةٌ، وَكُلُّ كَلَامٍ يُنَاقِضُ الْإِقْرَارَ وَيُحِيلُهُ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا قَالَ: لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ دَفَعْتهَا إلَيْك.
صُدِّقَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ، أَوْ رَدَّهَا، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ.
وَإِنْ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي، وَظَنَنْت أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، ثُمَّ عَرَفْت أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ هَلَكَتْ.
فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.

[مَسْأَلَة قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ثُمَّ قَالَ وَدِيعَةً]

(3858) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةً.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ كَذَا.
ثُمَّ فَسَّرَهُ الْوَدِيعَةِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، فَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ هَذَا تَلَفَهَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ، وَإِذَا ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ تَلَفِهَا، قُبِلَ مِنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَرَدُّهَا، فَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ.
وَفَسَّرَهَا بِذَلِكَ، احْتَمَلَ صِدْقَهُ، فَقُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ وَصَلَهُ بِكَلَامِهِ، فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِيعَةً.
وَلِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ " عَلَيَّ " بِمَعْنَى " عِنْدِي " كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَنَّهُ قَالَ ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: 14] . أَيْ عِنْدِي.
وَلَنَا، أَنَّ " عَلَيَّ " لِلْإِيجَابِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَيَّ.
كَانَ ضَامِنًا لَهُ، الْوَدِيعَةُ لَيْسَتْ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا هِيَ عَلَيْهِ، إنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مَجَازٌ، طَرِيقُهُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ، أَوْ إقَامَةُ حَرْفٍ مَقَامَ حَرْفٍ، وَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ.
لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَنْ اثْنَيْنِ، وَعَنْ وَاحِدٍ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] . وَمَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ.
وَقَالَ:

أَرَدْت نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَحَذَفْت الْمُضَافَ وَأَقَمْت الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ.
لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ.
وَلَوْ قَالَ: لَك مِنْ مَالِي أَلْفٌ.
قَالَ: صَدَقْت، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت أَنَّ عَلَيْك مِنْ مَالِي أَلْفًا، وَأَقَمْت اللَّامَ مَقَامَ " عَلَيَّ " كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] . لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
وَلَوْ قُبِلَ فِي الْإِقْرَارِ مُطْلَقُ الِاحْتِمَالِ، لَسَقَطَ، وَلَقُبِلَ فِي تَفْسِيرِ الدَّرَاهِمِ بِالنَّاقِصَةِ وَالزَّائِفَةِ وَالْمُؤَجَّلَةِ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ.
ثُمَّ قَالَ: كَانَ وَدِيعَةً فَتَلِفَ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ.
وَقَدْ سَبَقَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا.

[فَصْلٌ قَالَ لَك عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَحْضَرَهَا وَقَالَ هَذِهِ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا وَهِيَ وَدِيعَةٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي]

(3859) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَك عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ.
ثُمَّ أَحْضَرَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا، وَهِيَ وَدِيعَةٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي.
فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هَذِهِ وَدِيعَةٌ، وَاَلَّتِي أَقْرَرْت بِهَا غَيْرُهَا، وَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْك.
فَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْوَجْهَيْنِ، وَتَعْلِيلُهُمَا مَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ كَانَ قَالَ فِي إقْرَارِهِ: لَك عَلَيَّ مِائَةٌ فِي ذِمَّتِي.
فَإِنَّ الْقَاضِيَ وَافَقَ هَاهُنَا فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَيْنٌ لَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ.
قَالَ: وَقَدْ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ: فِي ذِمَّتِي أَدَاؤُهَا.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ تَعَدَّى فِيهَا، فَكَانَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ وَجْهَانِ.
فَأَمَّا إنْ وَصَلَ ذَلِكَ بِكَلَامِهِ، فَقَالَ: لَك عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً.
قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَصَحَّ.
كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ نَاقِصَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً دَيْنًا، أَوْ مُضَارَبَةً دَيْنًا.
صَحَّ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ يَتَعَدَّى فِيهَا، فَتَكُونُ دَيْنًا.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا.
لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِذَلِكَ دَيْنًا.
وَإِنْ قَالَ: عِنْدَهُ مِائَةٌ وَدِيعَةً، شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا.
لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَصِيرُ بِالشَّرْطِ مَضْمُونَةً.
وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ عَارِيَّةً.
لَزِمَتْهُ، وَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، سَوَاءٌ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَارِيَّةِ فِي الدَّرَاهِمِ أَوْ بِفَسَادِهَا؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ضُمِنَ فِي الْفَاسِدِ.
وَإِنْ قَالَ: أَوْدَعَنِي مِائَةً، فَلَمْ أَقْبِضْهَا.
أَوْ أَقْرَضَنِي مِائَةً، فَلَمْ آخُذْهَا.
قُبِلَ قَوْلُهُ مُتَّصِلًا، وَلَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا.
وَهَكَذَا إذَا قَالَ: نَقَدَنِي مِائَةً، فَلَمْ أَقْبِضْهَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْل قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ أَوْ لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ]

(3860) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ.
أَوْ: لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ.
طُولِبَ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ قَالَ: نَقَدَ عَنِّي أَلْفًا فِي ثَمَنِهِ.
كَانَ قَرْضًا، وَإِنْ قَالَ: نَقَدَ فِي ثَمَنِهِ أَلْفًا.
قُلْنَا: بَيِّنْ كَمْ ثَمَنُ الْعَبْدِ، وَكَيْفَ كَانَ الشِّرَاءُ؟ فَإِنْ قَالَ:

إيجَابٌ وَاحِدٌ، وَزَنَ أَلْفًا وَوَزَنْت أَلْفًا.
كَانَ مُقِرًّا بِنِصْفِ الْعَبْدِ، وَإِنْ قَالَ: وَزَنْت أَنَا أَلْفَيْنِ.
كَانَ مُقِرًّا بِثُلُثِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ قَدْرَ مَا ذَكَرَهُ، أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْبِنُ وَقَدْ يُغْبَنُ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْنَاهُ بِإِيجَابَيْنِ.
قِيلَ: فَكَمْ اشْتَرَى مِنْهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نِصْفًا، أَوْ ثُلُثًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ.
قُبِلَ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَافَقَ الْقِيمَةَ أَوْ خَالَفَهَا.
وَإِنْ قَالَ: وَصَّى لَهُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَصُرِفَ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ أَلْفٌ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا مِنْ مَالِهِ، مِنْ غَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِي ثَمَنِهِ.
وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ مِنْ جِنَايَةٍ جَنَاهَا الْعَبْدُ فَتَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ، قُبِلَ ذَلِكَ، وَلَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ، وَدَفْعُ الْأَلْفِ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ بِأَلْفٍ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الذِّمَّةِ.
وَالثَّانِي، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ، فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ، كَالْجِنَايَةِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ جَمِيعِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ فِي مَالِيِّ هَذَا أَلْفٌ أَوْ مِنْ مَالِيِّ أَلْفٌ وَفَسَّرَهُ بِدَيْنِ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ]

(3861) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي مَالِي هَذَا أَلْفٌ، أَوْ مِنْ مَالِي أَلْفٌ.
وَفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ، قُبِلَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ هُوَ لِغَيْرِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: فِي مَالِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ مَالًا بَعْضُهُ لِغَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ مَالَ غَيْرِهِ إلَيْهِ، لِاخْتِصَاصٍ لَهُ بِهِ، أَوْ يَدٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ وِلَايَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5] وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي النِّسَاءِ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . وَقَالَ لِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] فَلَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ مَعَ احْتِمَالِ صِحَّتِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت هِبَةً.
قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ.
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيضِهَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِيهَا لَا تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ فِي دَارِي هَذِهِ نِصْفُهَا، أَوْ مِنْ دَارِي بَعْضُهَا، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي مَنْ قَالَ: نِصْفُ عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ.
لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُهُ.
وَإِنْ قَالَ: نِصْفُ مَالِي هَذَا لِفُلَانٍ.
لَا أَعْرِفُ هَذَا.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إذَا قَالَ: فَرَسِي هَذِهِ لِفُلَانٍ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ.
فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْإِقْرَارِ.

فَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نِصْفُهُ، أَوْ لَهُ نِصْفُ هَذِهِ الدَّارِ.
فَهُوَ إقْرَارٌ صَحِيحٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ أَلْفٌ.
صَحَّ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ.
فَهُوَ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ عَلَى التَّرِكَةِ.
وَإِنْ قَالَ: فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي.
وَقَالَ: أَرَدْت هِبَةً.
قُبِلَ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَى أَبِيهِ، فَمُقْتَضَاهُ مَا خَلَّفَهُ، فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُقَرِّ بِهِ فِيهِ، وَإِذَا أَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَى نَفْسِهِ، فَمَعْنَاهُ مَا وَرِثْته وَانْتَقَلَ إلَيَّ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِذَا أَضَافَ إلَيْهِ مِنْهُ جُزْءًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِكَةٌ]

(3862) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِكَةٌ.
صَحَّ إقْرَارُهُ، وَلَهُ تَفْسِيرُهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مُقِرًّا بِنِصْفِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] . فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَنَا، أَنَّ أَيَّ جُزْءٍ كَانَ لَهُ مِنْهُ، فَلَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، فَكَانَ لَهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا شَاءَ، كَالنِّصْفِ، وَلَيْسَ إطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ مَجَازًا، وَلَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ، وَالْآيَةُ تُثْبِتُ التَّسْوِيَةَ فِيهَا بِدَلِيلٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا.

[فَصْلٌ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ]

(3863) فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ: وَإِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ.
أَوْ كَذَا.
صَحَّ إقْرَارُهُ، وَلَزِمَهُ تَفْسِيرُهُ.
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَيُفَارِقُ الدَّعْوَى، حَيْثُ لَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً؛ لِكَوْنِ الدَّعْوَى لَهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ مَعَ الْجَهَالَةِ دُونَ مَالِهِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا لَمْ يُصَحِّحْ دَعْوَاهُ، فَلَهُ دَاعٍ إلَى تَحْرِيرِهَا، وَالْمُقِرُّ لَا دَاعِيَ لَهُ إلَّا التَّحْرِيرُ، وَلَا يُؤْمَنُ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ، فَيَضِيعُ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ، فَأَلْزَمْنَاهُ إيَّاهُ مَعَ الْجَهَالَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ، حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْعَلُ نَاكِلًا، وَيُؤْمَرُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ بَيَّنَ شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ، ثَبَتَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيَانِ، قِيلَ لَهُ: إنْ بَيَّنْت، وَإِلَّا جَعَلْنَاك نَاكِلًا، وَقَضَيْنَا عَلَيْك.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنْ بَيَّنْت وَإِلَّا حَلَّفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيه، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَيْك.
فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا أَحَلَفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَى الْمُقِرِّ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ، فَيُحْبَسُ بِهِ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ.
وَمَعَ ذَلِكَ مَتَى عَيَّنَهُ الْمُدَّعِي وَادَّعَاهُ، فَنَكَلَ الْمُقِرُّ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ.
وَإِنْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، أُخِذَ وَرَثَتُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَى مَوْرُوثِهِمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ وَقَدْ صَارَتْ إلَى الْوَرَثَةِ، فَيَلْزَمُهُمْ مَا لَزِمَ مَوْرُوثَهُمْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحَقُّ مُعَيَّنًا.
وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ الْمَيِّتُ تَرِكَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَمَتَى فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ وَثَبَتَ، إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَيَدَّعِيَ جِنْسًا آخَرَ، أَوْ لَا يَدَّعِيَ شَيْئًا، فَيَبْطُلَ إقْرَارُهُ.

وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً، كَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ، أَوْ قِشْرَةِ بَاذِنْجَانَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ اعْتِرَافٌ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ثَابِتٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ فِي الشَّرْعِ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ، وَتَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، فَالْإِيجَابُ يَتَنَاوَلُهُ.
وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا يَجِبُ ضَمَانُهُ، وَهَذَا لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَبَّةِ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ وَنَحْوِهَا، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً عَلَى انْفِرَادِهِ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَدِّ قَذْفٍ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى مَالٍ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ عَلَيَّ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَيَئُولُ إلَى الْمَالِ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ، أَوْ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ، فَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
وَهَذَا الْإِقْرَارُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ تَفْسِيرُهُ بِهِ، إذَا أَرَادَ أَنَّ حَقًّا عَلَيَّ رَدُّ سَلَامِهِ إذَا سَلَّمَ، وَتَشْمِيتُهُ إذَا عَطَسَ؛ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا: يَرُدُّ سَلَامَهُ، وَيُشَمِّتُ عَطْسَتَهُ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ» . وَإِنْ قَالَ: غَصَبْته شَيْئًا.
وَفَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ، قُبِلَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْغَصْبِ يَقَعُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْته نَفْسَهُ.
لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الْفَصْلُ أَكْثَرُهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلْ تَفْسِيرُ إقْرَارِهِ بِغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الشَّيْءُ فِي الْإِقْرَارِ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَصَحَّ التَّفْسِيرُ كَالْمَكِيلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ.

[فَصْل الْإِقْرَار بِمَالِ]

(3864) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ [الذاريات: 19] . وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ؛

أَحَدُهَا، كَقَوْلِنَا.
وَالثَّانِي؛ لَا يُقْبَلُ إلَّا أَوَّلُ نِصَابٍ مِنْ نُصُبِ الزَّكَاةِ، مِنْ نَوْعِ أَمْوَالِهِمْ.
وَالثَّالِثُ، مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ، وَيَصِحُّ مَهْرًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَلَنَا، أَنَّ غَيْرَ مَا ذَكَرُوهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، وَيَتَمَوَّلُ عَادَةً، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ، كَاَلَّذِي وَافَقُوا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا آيَةُ الزَّكَاةِ فَهِيَ عَامَّةٌ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ [الذاريات: 19] . لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، ثُمَّ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَالتَّزْوِيجُ جَائِزٌ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ، وَبِمَا دُونَ النِّصَابِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ كَثِيرٌ، أَوْ جَلِيلٌ، أَوْ خَطِيرٌ.
جَازَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَالٌ.
لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ، وَيَكُونُ صَدَاقًا عِنْدَهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
وَبِهِ قَالَ صَاحِبَاهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَالِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ أَقَلَّ زِيَادَةٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَدْرَ الدِّيَةِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: اثْنَانِ وَسَبْعُونَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: 25] . وَكَانَتْ غَزَوَاتُهُ وَسَرَايَاهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْحَبَّةَ لَا تُسَمَّى مَالًا عَظِيمًا وَلَا كَثِيرًا.
وَلَنَا، أَنَّ مَا فُسِّرَ بِهِ الْمَالُ فُسِّرَ بِهِ الْعَظِيمُ، كَاَلَّذِي سَلَّمُوهُ، وَلِأَنَّ الْعَظِيمَ وَالْكَثِيرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا فِي اللُّغَةِ، وَلَا الْعُرْفِ، وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْقَلِيلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَحْتَقِرُ الْكَثِيرَ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَى تَفْسِيرِهِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ مَالٍ إلَّا وَهُوَ عَظِيمٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَظِيمًا عِنْدَهُ؛ لِفَقْرِ نَفْسِهِ وَدَنَاءَتِهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ لِلْكَثِيرِ، وَكَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ كَثِيرًا لَا يَمْنَعُ الْكَثْرَةَ فِيمَا دُونَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: 45] . فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 249] . فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَالَ: عَظِيمٌ جِدًّا، أَوْ عَظِيمٌ عَظِيمٌ.
كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْهُ؛ لِمَا قَرَّرْنَاهُ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ فَفَسَّرَهُ بِأَكْثَر مِنْهُ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا]

(3865) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ.
فَفَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا، لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَتُفَسَّرُ الزِّيَادَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ أَرَادَ، وَلَوْ حَبَّةً أَوْ أَقَلَّ.
وَإِنْ قَالَ مَا عَلِمْت لِفُلَانٍ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَكْثَر مِنْهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَبْلَغَ الْمَالِ حَقِيقَةً لَا يُعْرَفُ فِي الْأَكْثَرِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَيَمْلِكُ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُقِرُّ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ إلَى مَا اعْتَقَدَهُ الْمُقِرُّ مَعَ يَمِينِهِ، إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَالِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِمَالِهِ، لَمْ يَقْبَلْ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَالَ فُلَانٍ أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرُهُ، أَوْ قَالَهُ عَقِيبَ الشَّهَادَةِ بِقَدْرِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ بَقَاءً أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ بَرَكَةً، لِكَوْنِهِ مِنْ الْحَلَالِ، أَوْ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ.
فَقَالَ: لَك عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ مُبْهَمَةٌ، لِاحْتِمَالِهَا مَا ذَكَرْنَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهُ فُلُوسًا، أَوْ حَبَّ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دَخَنٍ، فَرَجَعَ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ.
وَهَذَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي الْعَدَدِ، أَوْ فِي الْقَدْرِ، وَتَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ مَا أُضِيفَ أَكْثَرُ إلَيْهِ، لَا يُفْهَمُ فِي الْإِطْلَاقِ غَيْرُ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ [غافر: 82] . وَأَخْبَرَ عَنْ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا﴾ [الكهف: 34] ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا﴾ [سبأ: 35] . وَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ دُونَ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ جِيَادًا صِحَاحًا وَازِنَةً حَالَّةً.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ.
لَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهَا الْوَدِيعَةِ.
وَلَوْ رَجَعَ إلَى مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ لَسَقَطَ الْإِقْرَارُ.
وَاحْتِمَالُ مَا ذَكَرُوهُ أَبْعَدُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي لَمْ يَقْبَلُوا تَفْسِيرَهُ بِهَا، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا شَيْئًا]

(3866) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، إلَّا شَيْئًا.
قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يَحْتَمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ.
فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَّا قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ مُبْهَمٌ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: إلَّا شَيْئًا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مُعْظَمُ أَلْفٍ، أَوْ جُلُّ أَلْفٍ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفٍ.
لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ، وَيَحْلِفُ عَلَى الزِّيَادَةِ إنْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا]

(3867) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا.
فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: (3868) أَحَدُهَا، أَنْ يَقُولَ: كَذَا.
بِغَيْرِ تَكْرِيرٍ وَلَا عَطْفٍ.
الثَّانِيَةُ، أَنْ يُكَرِّرَ بِغَيْرِ عَطْفٍ.
الثَّالِثَةُ، أَنْ يَعْطِفَ، فَيَقُولَ: كَذَا وَكَذَا.
فَأَمَّا الْأُولَى، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ.
لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ.
بِالرَّفْعِ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ.
وَتَقْدِيرُهُ شَيْءٌ هُوَ دِرْهَمٌ، فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ بَدَلًا مِنْ كَذَا.
الثَّانِي، أَنْ يَقُولَ: دِرْهَمٍ.
بِالْجَرِّ، فَيَلْزَمُهُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، أَوْ بَعْضُ دِرْهَمٍ.
وَيَكُونُ كَذَا كِنَايَةً عَنْهُ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَقُولَ: دِرْهَمًا.
بِالنَّصْبِ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ، وَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى التَّفْسِيرِ، وَهُوَ التَّمْيِيزُ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ، كَأَنَّهُ قَطَعَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِدِرْهَمٍ.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ.
الرَّابِعُ، أَنْ يَذْكُرَهُ بِالْوَقْفِ، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَ حَرَكَةَ الْجَرِّ لِلْوَقْفِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّ " كَذَا " اسْمٌ مُبْهَمٌ فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ فِي حَالِ الْجَرِّ وَالْوَقْفِ.
(3869) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، إذَا قَالَ: كَذَا كَذَا.
بِغَيْرِ عَطْفٍ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي " كَذَا " بِغَيْرِ تَكْرَارٍ سَوَاءٌ، لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ.
وَلَا يَقْتَضِي تَكْرِيرُهُ الزِّيَادَةَ، كَأَنَّهُ قَالَ: شَيْءٌ شَيْءٌ.
وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَهُ بِالْجَرِّ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَضَافَ جُزْءًا إلَى جُزْءٍ، ثُمَّ أَضَافَ الْجُزْءَ الْآخَرَ إلَى الدِّرْهَمِ، فَقَالَ: نِصْفَ تُسْعِ دِرْهَمٍ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا كَذَا.
لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ دِرْهَمٍ، وَنَحْوَهُ.
(3870) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، إذَا عَطَفَ، فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٌ.
بِالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهُمَا دِرْهَمًا، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: هُمَا دِرْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمًا.
بِالنَّصْبِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّ " كَذَا " يَحْتَمِلُ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُمَا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، جَازَ، وَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا.
وَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، فَإِذَا فَسَّرَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ عَادَ التَّفْسِيرُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، كَقَوْلِهِ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا.
يَعُودُ التَّفْسِيرُ إلَى الْعِشْرِينَ، وَكَذَا هَاهُنَا.
وَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ، يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ.
وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه، فَيَلْزَمُهُ بِهَا دِرْهَمٌ، وَالْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى إبْهَامِهَا، فَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ.
وَهَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ التَّمِيمِيِّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا قَالَ: كَذَا دِرْهَمًا.
لَزِمَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ.
وَإِنْ قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا.
لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ.
وَإِنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا.
لَزِمَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ عُطِفَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ يُفَسَّرُ بِذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ.
بِالْجَرِّ لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُضَافُ إلَى الْوَاحِدِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ إذَا قَالَ: كَذَا كَذَا، أَوْ كَذَا وَكَذَا.
يَلْزَمُهُ بِهِمَا أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قُلْنَا، وَيَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دَرَاهِمُ.
لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَلَا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْأَمْرَيْنِ، جَازَ التَّفْسِيرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ مُوجِبًا لِأَكْثَرَ مِنْ الْمُكَرَّرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْمُفْرَدِ عِشْرُونَ، وَبِالْمُكَرَّرِ أَحَدَ عَشَرَ، وَلَا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَنَاوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ بِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ بِمُكَرَّرِهِ.

[فَصْل قَالَ غَصَبْتُكَ أَوْ غَبَنْتُك]

(3871) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُك، أَوْ غَبَنْتُك.
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ، وَيَغِبْنَهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ.
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُك شَيْئًا.
وَفَسَّرَهُ بِغَصْبِ نَفْسِهِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مَفْعُولَيْنِ، فَجَعَلَهُ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ وَشَيْئًا الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَالٍ، قُبِلَ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، أَوْ سِرْجِينٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْهَرُهُ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ، أَوْ بِمَا لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ أَخْذَ ذَلِكَ لَيْسَ بِغَصْبٍ.

[فَصْل الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ]

(3872) فَصْلٌ: وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ صَحِيحٌ، وَمَا كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ، كَالْمَعْلُومِ.

[مَسْأَلَة قَالَ لَهُ عِنْدِيّ رَهْنٌ فَقَالَ الْمَالِكُ وَدِيعَةٌ]

(3873) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي رَهْنٌ.
فَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ.
كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ) . إنَّمَا قَدَّمَ قَوْلَ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ ثَبَتَتْ لَهُ بِالْإِقْرَارِ، وَادَّعَى الْمُقَرُّ دَيْنًا لَا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَالٍ لِغَيْرِهِ، وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بِهِ تَعَلُّقًا، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ.

وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ، وَقَالَ: اسْتَأْجَرْتهَا.
أَوْ بِثَوْبٍ وَادَّعَى أَنَّهُ قَصَّرَهُ، أَوْ خَاطَهُ بِأَجْرٍ يَلْزَمُ الْمُقَرَّ لَهُ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقًّا، فَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ، وَلِي سُكْنَاهَا سَنَةً.

[فَصْلٌ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ]

(3874) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ.
فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَلْ لِي عَلَيْك أَلْفٌ، وَلَا شَيْءَ لَك عِنْدِي.
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْأَلْفِ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مَبِيعًا، فَأَشْبَهَ مَا إذَا قَالَ: هَذَا رَهْنٌ.
فَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ.
أَوْ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلِي عِنْدَهُ مَبِيعٌ لَمْ أَقْبِضْهُ.
وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ فِي مُقَابَلَةِ حَقٍّ لَهُ، وَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَالَهُ، لَمْ يُسَلِّمْ لِلْمُقَرِّ لَهُ مَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ.
قَالَ: بَلْ مَلَّكْتنِيهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَفَارَقَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ: عِنْدِي رَهْنٌ.
فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ وَدِيعَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّهْنِ.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: بِعْتُك نَفْسَك بِأَلْفٍ.
فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ.
عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَنْفَكُّ عَنْ الثَّمَنِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَمْ أَقْبِضْهُ مُنْفَصِلًا أَوْ مُتَّصِلًا.
فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ.
ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهُ.
فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ تَعَلَّقَ بِالْمَبِيعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَبْضِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ.
ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ.
لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُ وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَمْ يُقْبَلْ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ.
ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: مُؤَجَّلٌ.

[فَصْلٌ قَالَ بِعْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ قَالَ بَلْ زَوَّجْتنِيهَا]

(3875) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: بِعْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ.
قَالَ: بَلْ زَوَّجْتنِيهَا.
فَلَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الِاسْتِيلَادِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اعْتِرَافِ الْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا لِمُدَّعِي الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا، وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيَدَّعِي حِلَّهَا لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَيَثْبُتُ الْحِلُّ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا تُرَدُّ إلَى الْبَائِعِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَ الِاسْتِيلَادِ، فَالْبَائِعُ يُقِرُّ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُهَا حُرٌّ، وَأَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهُ، وَيَدَّعِي الثَّمَنَ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ؛ لِإِقْرَارِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَلَا تُرَدُّ الْأَمَةُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُهَا إلَّا قَدْرَ الْمَهْرِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُوبِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي

سَبَبِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَحَالَفَانِ، وَلَا يَجِبُ مَهْرٌ وَلَا ثَمَنٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ عَلَى الْبَائِعِ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْيَمِينَ فِي إنْكَارِ النِّكَاحِ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ عَلَى زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا سَيِّدٌ، وَكِلَاهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: نَفَقَتُهَا فِي كَسْبِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ؛ لِأَنَّنَا أَزَلْنَا عَنْهَا مِلْكَ السَّيِّدِ، وَأَثْبَتْنَا لَهَا حُكْمَ الِاسْتِيلَادِ.
فَإِنْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ مَالًا، فَلِلْبَائِعِ قَدْرُ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَهُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَهَا، وَتَرِكَتُهَا لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ لِلْبَائِعِ بِهَا، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيهِ.
وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهِيَ مِلْكُهُ، وَتَرِكَتُهَا كُلَّهَا لَهُ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيه، وَبَقِيَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ.
وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ، فَقَدْ مَاتَتْ حُرَّةً، فَمِيرَاثُهَا لِوَلَدِهَا وَوَرَثَتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ، فَمِيرَاثُهَا مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الثَّمَنَ عَلَى الْوَاطِئِ، وَلَيْسَ مِيرَاثُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَهَا.
وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ، فَعِنْدِي أَنَّهَا تُقَرُّ فِي يَدِ الزَّوْجِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى حِلِّهَا لَهُ، وَاسْتِحْقَاقِهِ إمْسَاكَهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ.
وَلَا تُرَدُّ إلَى السَّيِّدِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ.
وَلِلْبَائِعِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْمَهْرِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ.
وَالْأَمْرُ فِي الْبَاطِنِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ صَادِقًا، فَالْأُمَّةُ حَلَالٌ لِزَوْجِهَا بِالْبَيْعِ.
وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ.
وَالْقَدْرُ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ، إنْ كَانَ السَّيِّدُ صَادِقًا، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ ثَمَنًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ مَهْرًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ، وَلَا يَحْتَاجُ السَّيِّدُ إلَى الْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ فِيهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَتَحَالَفَانِ مَعًا، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مَا ثَبَتَ، وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَدَّعِيهِ، وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ إلَى سَيِّدِهَا، وَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَرْجِعُ إلَيْهِ، فَيَمْلِكُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَمَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي السِّلْعَةِ عِنْدَ فَلْسِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ هَاهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ، فَيَحْتَاجُ السَّيِّدُ أَنْ يَقُولَ: فَسَخْت الْبَيْعَ.
وَتَعُودُ إلَيْهِ مِلْكًا.
وَالثَّانِي، تَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ مَعَ إمْكَانِهِ.
فَعَلَى هَذَا يَبِيعُهَا الْحَاكِمُ وَيُوَفِّيه ثَمَنَهَا، فَإِنْ كَانَ وَفْقَ حَقِّهِ، فَحَسَنٌ.
وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، أَخَذَهُ، وَإِنْ زَادَ، فَالزِّيَادَةُ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُقِرُّ بِهَا لِلْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَهَلْ تُقَرُّ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ رَجَعَ الْبَائِعُ، وَقَالَ: صَدَقَ خَصْمِي، مَا بِعْته إيَّاهَا، بَلْ زَوَّجْته.
لَمْ يُقْبَلْ فِي إسْقَاطِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَلَا فِي اسْتِرْجَاعِهَا إنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَقُبِلَ فِي إسْقَاطِ الثَّمَنِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ، وَأَخْذِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، وَاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهَا وَمِيرَاثِ وَلَدِهَا.
وَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجُ، ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ]

(3876) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، أَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ لِغَيْرِهِمَا فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا مِنْ سَيِّدِهِ، عَتَقَ فِي الْحَالِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ حُرٌّ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِرِقِّهِ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي اسْتِنْقَاذًا وَاسْتِخْلَاصًا، فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ، حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ؛ لِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَرَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا، فَدَفَعَا إلَى الزَّوْجِ عِوَضًا لِيَخْلَعَهَا، صَحَّ، وَكَانَ فِي حَقِّهِ خُلْعًا صَحِيحًا، وَفِي حَقِّهِمَا اسْتِخْلَاصًا، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ: مَا أَعْتَقْته.
وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: مَا أَعْتَقْته.
وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: مَا أَعْتَقَهُ إلَّا الْبَائِعُ وَأَنَا اسْتَخْلَصْته.
فَإِنْ مَاتَ وَخَلَّفَ مَالًا، فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ قَوْلِهِ، فَالْمَالُ لَهُ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ، لِأَنَّ الرَّاجِعَ إنْ كَانَ الْبَائِعَ، فَقَالَ: صَدَقَ الْمُشْتَرِي، كُنْت أَعْتَقْته.
فَالْوَلَاءُ لَهُ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِعُ الْمُشْتَرِيَ، قُبِلَ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ، وَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ.
وَإِنْ رَجَعَا مَعًا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوقَفَ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَأَحَدِهِمَا، وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقَرُّ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِذَلِكَ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ لِرَجُلِ بِعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ]

(3877) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت لَك بِهِ.
قَالَ: بَلْ هُوَ غَيْرُهُ.
لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه، وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَبْدٌ سِوَاهُ.
فَإِنْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ، فَادَّعَاهُ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: صَدَقْت، هَذَا لِي الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ آخَرُ لِي عِنْدَك.
لَزِمَهُ تَسْلِيمُ هَذَا، وَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ.

[مَسْأَلَة مَاتَ فَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ]

(3878) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ، فَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ، لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْوَارِثَيْنِ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ ثَالِثٍ، مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ الْمُنْكِرِ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْكِرٌ، وَلَمْ تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ، وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُشَارِكُهُ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى

يُقِرُّوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، فَلَا يَرِثُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ مَالٍ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ، فَلَزِمَهُ الْمَالُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، فَأَنْكَرَ الْآخَرُ.
وَفَارَقَ مَا إذَا أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ؛ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِبُطْلَانِهِ.
وَلِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهُ بِمَالٍ يَدَّعِيه الْمُقَرُّ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ، أَوْ أَقَرَّ لَهُ وَصِيَّةً، فَأَنْكَرَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَهُ فَضْلُ مَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيرَاثِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَشَرِيكٌ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَ اثْنَانِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ، لَزِمَهُ دَفْعُ نِصْفِ مَا فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ، لَزِمَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ، فَصَارَ كَالْغَاصِبِ، فَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ غَصَبَ بَعْضَ التَّرِكَةِ أَجْنَبِيٌّ.
وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ التَّرِكَةِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِهَا، فَإِذَا هَلَكَ بَعْضُهَا، أَوْ غُصِبَ، تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِبَاقِيهَا، وَاَلَّذِي فِي يَدِ الْمُنْكِرِ كَالْمَغْصُوبِ، فَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَجْنَبِيٌّ.
وَلَنَا، أَنَّ التَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا فِي يَدِهِ إلَّا الثُّلُثَ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ.
وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِ وَحِصَّةِ أَخِيهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَخُصُّهُ، كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ، وَكَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ بِدَيْنٍ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَهُ بِالنَّسَبِ أَجْنَبِيٌّ ثَبَتَ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا، لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَالْوَصِيَّةِ.
وَفَارَقَ مَا إذَا غَصَبَ بَعْضَ التَّرِكَةِ وَهُمَا اثْنَانِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ، وَهَا هُنَا يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مِنْ كُلّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ صَادِقًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ نَصِيبَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ.
وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ أَوْ ثُلُثَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

[فَصْلٌ إقْرَار جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِنَسَبِ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي الْمِيرَاثِ]

(3879) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِنَسَبِ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي الْمِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَرَثَةُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي مِيرَاثِهِ، وَدُيُونِهِ، وَالدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَبَيِّنَاتِهِ، وَدَعَاوِيهِ، وَالْأَيْمَانِ الَّتِي لَهُ وَعَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي النَّسَبِ.
وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إذَا قَدِمْت مَكَّةَ أَنْ أَنْظُرَ إلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، وَأَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْنُهُ.
فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . فَقَضَى بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ.
وَقَالَ " احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ". وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ النَّسَبَ عَلَى غَيْرِهِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالشَّهَادَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالدَّيْنِ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْعَدَدُ فِيهِ، كَإِقْرَارِ الْمَوْرُوثِ، وَاعْتِبَارِهِ بِالشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ وَلَا الْعَدَالَةُ، وَيَبْطُلُ بِالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ.

[فَصْلٌ شُرُوطِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ]

(3880) فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِوَلَدٍ، اُعْتُبِرَ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَجْهُولَ النَّسَبِ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَسَبَهُ الثَّابِتَ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيه.
الثَّانِي، أَنْ لَا يُنَازِعَهُ فِيهِ مُنَازِعٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَازَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ تَعَارَضَا، فَلَمْ يَكُنْ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
الثَّالِثُ، أَنْ يُمْكِنَ صِدْقُهُ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُولَدَ لِمِثْلِهِ.
الرَّابِعُ، أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا قَوْلَ لَهُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، أَوْ يُصَدِّقَ الْمُقِرَّ إنْ كَانَ ذَا قَوْلٍ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُهُ.
فَإِنْ كَبِرَ وَعَقَلَ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ ادَّعَى مِلْكَ عَبْدٍ صَغِيرٍ فِي يَدِهِ، وَثَبَتَ بِذَلِكَ مِلْكُهُ، فَلَمَّا كَبِرَ جَحَدَ ذَلِكَ.
وَلَوْ طَلَبَ إحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ عَادَ فَجَحَدَ النَّسَبَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ إنْسَانٌ بِأَنَّ هَذَا أَبُوهُ، فَهُوَ كَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ إقْرَارًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، كَإِقْرَارٍ بِأَخٍ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ، وَشَرْطٌ خَامِسٌ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُقِرِّ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً لَا وَارِثَ مَعَهُمَا، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ الْإِمَامُ مَعَهُ، ثَبَتَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُسْلِمِينَ، فِي مُشَارَكَةِ الْوَارِثِ وَأَخْذِ الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ بِنْتًا أَوْ أُخْتًا أَوْ أُمًّا أَوْ ذَا فَرْضٍ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ، كَالِابْنِ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الرَّدَّ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَلَهُمْ فِيمَا إذَا وَافَقَهُ الْإِمَامُ فِي الْإِقْرَارِ وَجْهَانِ.
وَهَذَا مِنْ فُرُوعِ الرَّدِّ، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَأُخْتٌ، أَوْ أُخْتٌ وَزَوْجٌ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَأْخُذَانِ الْمَالَ كُلَّهُ.
وَإِذَا أَقَرَّ بِابْنِ ابْنِهِ، وَابْنُهُ مَيِّتٌ، اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِعَمٍّ وَهُوَ ابْنُ جَدِّهِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

(3881) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ غَيْرَ وَارِثٍ، لِكَوْنِهِ رَقِيقًا، أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِ مَوْرُوثِهِ، أَوْ قَاتِلًا، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَرِثُ، شَارَكَ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ، لِوُجُودِ أَحَدِ الْمَوَانِعِ فِيهِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَرِثْ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقِرُّ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.

[فَصْل كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَأَقَرَّ الْمُكَلَّفُ بِأَخٍ ثَالِثٍ]

(3882) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَأَقَرَّ الْمُكَلَّفُ بِأَخٍ ثَالِثٍ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ.
فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، فَأَقَرَّا بِهِ أَيْضًا، ثَبَتَ نَسَبُهُ؛ لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ.
وَإِنْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ.
وَلَوْ كَانَ الْوَارِثَانِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ، فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ وَوَرِثَهُ الْمُقِرُّ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَرِيكُهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ وَارِثٌ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، لَمْ يَثْبُت النَّسَبُ بِقَوْلِ الْبَاقِي مِنْهُمَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّ الْوَرَثَةِ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ الثَّانِي مَقَامَهُ، فَإِذَا وَافَقَ الْمُقِرَّ فِي إقْرَارِهِ ثَبَتَ النَّسَبُ، وَإِنْ خَالَفَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَالْمَوْرُوثِ.
وَإِنْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ، وَخَلَّفَ ابْنًا، فَأَقَرَّ بِاَلَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُوهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ؛ لِإِقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ؛ لِإِنْكَارِ الْمَيِّتِ لَهُ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ]

(3883) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ، كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، وَأَخٍ مِنْ أَبٍ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، وَابْنِ ابْنٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَوَرِثَ وَسَقَطَ الْمُقِرُّ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَلَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ.
فَسَقَطَ، بَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَخَرَجَ الْمُقَرُّ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا، فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ، وَيَسْقُطُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ وَتَوْرِيثُهُ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إسْقَاطِ نَسَبِهِ وَتَوْرِيثِهِ، فَأَثْبَتْنَا النَّسَبَ دُونَ الْمِيرَاثِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ابْنٌ ثَابِتُ النَّسَبِ، لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ أَحَدُ مَوَانِعِ الْإِرْثِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] .

أَيْ فَيَرِثُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ سَبَبٌ لِلْمِيرَاثِ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ حُكْمِهِ عَنْهُ، وَلَا يُوَرَّثُ مَحْجُوبٌ بِهِ مَعَ وُجُودِهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ.
وَمَا احْتَجُّوا بِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ كَوْنِ الْمُقِرِّ وَارِثًا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُقَرِّ بِهِ، وَخُرُوجُهُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ الْإِرْثِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِابْنَ إذَا أَقَرَّ بِأَخٍ فَإِنَّهُ يَرِثُ، مَعَ كَوْنِهِ يَخْرُجُ بِإِقْرَارِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ بِهِ، فَصَارَ إقْرَارًا مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ طِفْلًا أَوْ مَجْنُونًا، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ، فَقَدْ أَقَرَّ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ.
قُلْنَا: وَمِثْلُهُ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْقَوْلِ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ فَأَقَرَّ الْبَالِغُ بِأَخٍ آخَر، لَمْ يُقْبَلْ، وَلَمْ يَقُولُوا: أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَتُهُ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ إنْسَانٍ عَبْدٌ مَحْكُومٌ لَهُ بِمِلْكِهِ، فَأَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ، ثَبَتَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ يَخْرُجُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ كَوْنِهِ مَالِكًا، كَذَا هَاهُنَا.

[فَصْلٌ خَلَّفَ ابْنًا فَأَقَرَّ بِأَخٍ]

(3884) فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا، فَأَقَرَّ بِأَخٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِثَالِثٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ.
فَإِنْ قَالَ الثَّالِثُ: الثَّانِي لَيْسَ بِأَخٍ لَنَا.
فَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ نَسَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ وَارِثٌ مُنْكِرٌ لِنَسَبِ الثَّانِي، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ نَسَبُهُ ثَابِتًا قَبْلَ الثَّانِي.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرِ: لَا يَسْقُطُ نَسَبُهُ وَلَا مِيرَاثُهُ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ، فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ لَوْ أَنْكَرَ الثَّالِثَ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُ نَسَبِ مَنْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِقَوْلِهِ، كَالْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ الِابْنُ بِأَخَوَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً]

(3885) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الِابْنُ بِأَخَوَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا.
وَإِنْ تَكَاذَبَا، فَفِيهِمَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ.
وَالثَّانِي، يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ الْإِقْرَارُ بِهِ مِنْ ثَابِتِ النَّسَبِ، هُوَ كُلَّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُصَدِّقُ صَاحِبَهُ دُونَ الْآخَرِ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَفِي الْآخَرِ وَجْهَانِ.

وَإِنْ كَانَا تَوْأَمَيْنِ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا، وَلَمْ يَلْتَفِت إلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ تَجَاحَدَا مَعًا، أَوْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ كَذِبَهُمَا، فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِنَسَبِ أَحَدِهِمَا، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي النَّسَبِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرَيْنِ، دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ نَسَبُ الْكَبِيرَيْنِ الْمُتَجَاحِدَيْنِ.
وَهَلْ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ، وَلَمْ يَجْحَدْهُ أَحَدٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَارِثٌ، وَلَمْ يُقِرَّ بِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ كُلُّ الْوَرَثَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، وَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْمِيرَاثِ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ أَوْ لَمْ نَقُلْ؛ لِأَنَّهُ مُقَرٌّ بِهِ.

[فَصْلٌ خَلَّفَ امْرَأَةً وَأَخًا فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِابْنِ لِلْمَيِّتِ وَأَنْكَرَ الْأَخُ]

(3886) فَصْلٌ: إذَا خَلَّفَ امْرَأَةً وَأَخًا، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ.
وَأَنْكَرَ الْأَخُ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَدَفَعَتْ إلَيْهِ ثُمْنَ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ الْفَضْلَةُ الَّتِي فِي يَدِ الزَّوْجَةِ عَنْ مِيرَاثِهَا.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ وَحْدَهُ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ الْمَالِ.
فَإِنْ خَلَّفَ اثْنَيْنِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِامْرَأَةٍ لِأَبِيهِ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ، وَيَدْفَعُ إلَيْهَا نِصْفَ الْمِيرَاثِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ زَالَتْ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُقَرُّ بِهِ حَقُّهَا مِنْ الْمِيرَاثِ.
وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ: لَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَ هَذَا، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَيُقِرَّ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ بِأَخٍ لِلْمَيِّتِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، أَوْ مِنْ أَبٍ، أَوْ مِنْ أُمٍّ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ، دَفَعَ إلَيْهِمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تُسْعٌ، وَفِي يَدِهِ سُدْسٌ، وَهُوَ تُسْعٌ وَنِصْفُ تُسْعٍ، فَيَفْضُلُ فِي يَدِهِ نِصْفُ تُسْعٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ.

[فَصْلٌ شَهِدَ مِنْ الْوَرَثَةِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبِ مُشَارِك لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ]

(3887) فَصْل: وَإِذَا شَهِدَ مِنْ الْوَرَثَةِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ إذَا لَمْ يَكُونَا مُتَّهَمَيْنِ.
وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِ الْمَيِّتِ بِهِ.
وَإِنْ كَانَا مُتَّهَمَيْنِ، كَأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ يَشْهَدَانِ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ، فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتَانِ مِنْ أَبَوَيْنِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ الْعَوْلَ، فَيَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمَا الثُّلُثُ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا بِأَخٍ مِنْ أَبٍ، فِي مَسْأَلَةٍ مَعَهُمَا أُمٌّ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ، لَمْ تُقْبَلْ

شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ أُخْتَهُ، فَيَذْهَبُ الْعَوْلُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَثَبَتَ النَّسَبُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبِ مُشَارِك لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ وَثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا]

(3888) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ، وَثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُمَا بَيِّنَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ النَّسَبُ، كَالْوَاحِدِ.
وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَالَةُ وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالْإِقْرَارُ بِخِلَافِهِ.

[فَصْل أَقَرَّ بِنَسَبِ مَيِّتٍ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ]

(3889) فَصْلٌ: إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ مَيِّتٍ، صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَوَرِثَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ دُونَ مِيرَاثِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَصْدِ أَخْذِ مِيرَاثِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا إرْثُهُ؛ لِذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ فِي حَيَاتِهِ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَثْبُتُ بِهِ، كَحَالَةِ الْحَيَاةِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ حَيًّا مُوسِرًا، أَوْ الْمُقِرُّ فَقِيرًا، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَيَمْلِكُ الْمُقِرُّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ، وَإِيقَافَهُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا عَاقِلًا، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ، أَشْبَهَ الصَّغِيرَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْمُكَلَّفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ الْمُكَلَّفِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُقِرُّ، ثُمَّ صَدَّقَهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَدَّقَهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ، أَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجُهَا، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُقَرَّ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرِثَهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مَعًا.

[فَصْلٌ خَلَّفَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَابْنًا مِنْ غَيْرِهَا فَأَقَرَّ الِابْنُ بِأَخٍ لَهُ]

(3890) فَصْلٌ: وَإِذَا خَلَّفَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَابْنًا مِنْ غَيْرِهَا، فَأَقَرَّ الِابْنُ بِأَخٍ لَهُ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ.
وَهَلْ يَتَوَارَثَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَتَوَارَثَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَى صَاحِبِهِ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمَا.
وَالثَّانِي، لَا يَتَوَارَثَانِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَثْبُتْ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَارِثٌ غَيْرَ صَاحِبِهِ، لَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنَازَعٌ فِي الْمِيرَاثِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ.

[فَصْلٌ ثَبَتَ النَّسَبُ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ]

(3891) فَصْلٌ: وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ بِالْإِقْرَارِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ فَلَمْ يَزُلْ بِإِنْكَارِهِ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِالْفِرَاشِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، أَوْ مُكَلَّفًا، فَصَدَّقَ الْمُقِرُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ نَسَبُ الْمُكَلَّفِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمَا، فَزَالَ بِرُجُوعِهِمَا، كَالْمَالِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، فَأَشْبَهَ نَسَبَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ.
وَفَارَقَ الْمَالَ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِوَلَدِ وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا نَسَبٍ]

(3892) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ، وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا نَسَبٍ، قُبِلَ إقْرَارُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، فَهَلْ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ، أَوْ إلْحَاقًا لِلْعَارِ بِهِ بِوِلَادَةِ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا شَخْصٌ أَقَرَّ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَقُبِلَ كَالرَّجُلِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنُ مَنْصُورٍ، فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: فَإِنْ كَانَ لَهَا إخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ابْنُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَافِعٌ فَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ ذَاتَ أَهْلٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ وِلَادَتُهَا، فَمَتَى ادَّعَتْ وَلَدًا لَا يَعْرِفُونَهُ، فَالظَّاهِرُ كَذِبُهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ دَعْوَاهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ.

[فَصْلٌ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ وَمَعَهَا طِفْلٌ فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ]

(3893) فَصْلٌ: وَلَوْ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ، وَمَعَهَا طِفْلٌ، فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ، لَحِقَهُ؛ لِوُجُودِ الْإِمْكَانِ، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ أَرْضَهُمْ، أَوْ دَخَلَتْ هِيَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَوَطِئَهَا، وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ غَيْبَتِهِ، لَحِقَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قُدُومٌ إلَيْهَا، وَلَا عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا.

[فَصْلٌ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ]

(3894) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْحُرِّيَّةِ، كَانَ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّتِهَا؛ لِأَنَّ أَنْسَابَ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْوَالَهُمْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ مِنْهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ.
وَلَنَا، أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَيْسَتْ مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَلَا مَضْمُونِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً

بِالْحُرِّيَّةِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَقَدْ يُلْحَقُ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالشُّبْهَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ، مَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ لَفْظُهُ، وَلَمْ يُوجِبْهُ.

[فَصْلٌ كَانَ لَهُ أَمَةٌ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا فَقَالَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي]

(3895) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لَهُ أَمَةٌ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ، لَا زَوْجَ لَهَا، وَلَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، فَقَالَ: أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي.
فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ، وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمْ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيلَادِ، فَإِنْ قَالَ: كَانَ بِنِكَاحٍ.
فَعَلَى الْوَالِدِ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَسَّهُ رِقٌّ، وَالْأُمُّ وَوَلَدَاهَا الْآخَرَانِ رَقِيقٌ قِنٌّ.
وَإِنْ قَالَ: اسْتَوْلَدْتهَا فِي مِلْكِي.
فَالْمُقَرُّ بِهِ حُرُّ الْأَصْلِ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ الْأَكْبَرَ، فَأَخَوَاهُ أَبْنَاءُ أُمِّ وَلَدٍ، حُكْمُهُمَا حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا.
وَإِنْ كَانَ الْأَوْسَطَ، فَالْأَكْبَرُ قِنٌّ، وَالْأَصْغَرُ لَهُ حُكْمُ أُمِّهِ، وَإِنْ عَيَّنَ الْأَصْغَرَ، فَأَخَوَاهُ رَقِيقٌ قِنٌّ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ.
فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَأَخَوَاهُ مَمْلُوكَانِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ، أَخَذَ وَرَثَتُهُ بِالْبَيَانِ، وَيَقُومُ بَيَانُهُمْ مَقَامَ بَيَانِهِ، فَإِنْ بَيَّنُوا النَّسَبَ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الِاسْتِيلَادَ، ثَبَتَ النَّسَبُ وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْأُمِّ وَلَا لِوَلَدَيْهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنُوا النَّسَبُ، وَقَالُوا: لَا نَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَا الِاسْتِيلَادَ، فَإِنَّا نُرِيه الْقَافَةَ، فَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَلْحَقْنَاهُ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ وَوَرِثَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُوَرِّثُهُ بِالْقُرْعَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حُرٌّ اسْتَنَدَتْ حُرِّيَّتُهُ إلَى إقْرَارِ أَبِيهِ بِهِ، فَوَرِثَ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ فِي إقْرَارِهِ.

[فَصْلٌ كَانَ لَهُ أَمَتَانِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ فَقَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ وَلَدِي مِنْ أَمَتِي]

(3896) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لَهُ أَمَتَانِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ، فَقَالَ: أَحَدُ هَذَيْنِ وَلَدِي مِنْ أَمَتِي.
نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْوَلَدِ بِهِ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَأُلْحِقَ الْوَلَدَانِ بِالزَّوْجَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ لِإِحْدَاهُمَا زَوْجٌ دُونَ الْأُخْرَى، انْصَرَفَ الْإِقْرَارُ إلَى وَلَدِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ، وَلَكِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهِمَا، صَارَتَا فِرَاشًا، وَلَحِقَ وَلَدَاهُمَا بِهِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَا بَعْدَ وَطْئِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، انْصَرَفَ الْإِقْرَارُ إلَى مَنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ حُكْمًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، صَحَّ إقْرَارُهُ وَثَبَتَتْ حُرِّيَّةُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبٍ صَغِيرٍ

مَجْهُولِ النَّسَبِ مَعَ الْإِمْكَانِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، فَلَحِقَهُ نَسَبُهُ، ثُمَّ يُكَلَّفُ الْبَيَانَ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ، فَإِذَا بَيَّنَ قُبِلَ بَيَانُهُ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ، ثُمَّ يُطَالَبُ بِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: اسْتَوْلَدْتهَا فِي مِلْكِي.
فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ.
وَإِنْ قَالَ: فِي نِكَاحٍ.
فَعَلَى الْوَلَدِ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَسَّهُ رِقٌّ، وَالْأَمَةُ قِنٌّ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِمَمْلُوكٍ.
وَإِنْ قَالَ: بِوَطْءِ شُبْهَةٍ.
فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَالْأَمَةُ قِنٌّ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ.
وَإِنْ ادَّعَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا الَّتِي اسْتَوْلَدَهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِيلَادِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إقْرَارِهِ بِشَيْءٍ، فَإِذَا حَلَفَ رَقَّتْ وَرَقَّ وَلَدُهَا، وَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ وَلَدُهُ الْمُقَرُّ بِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً قَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ عَلَى وَلَدِهَا إنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثَ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ عَتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا مَلَكَ.
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا بَيَّنَ كَانَ كَمَا لَوْ بَيَّنَ الْمَوْرُوثُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَارِثُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِيلَادِ، فَفِي الْأَمَةِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَكُونُ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ الْأَصْلُ، فَلَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَالثَّانِي يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِوَلَدِهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، أَوْ كَانَ وَارِثٌ فَلَمْ يُعَيِّنْ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ، فَإِنْ أَلْحَقَتْ بِهِ أَحَدَهُمَا، ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَكَانَ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ عَيَّنَ الْوَارِثُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ، أَوْ كَانَتْ فَلَمْ تَعْرِفْ، أُقْرِعَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ لِلْقُرْعَةِ مَدْخَلًا فِي إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ ثُبُوتُ نَسَبِهِ وَمِيرَاثِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَثْبُتُ نَسَبٌ وَلَا مِيرَاثٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمِيرَاثِ، فَقَالَ الْمُزَنِيّ: يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنٍ؛ لِأَنَّنَا تَيَقَّنَّا ابْنًا وَارِثًا.
وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ: لَا يُوقَفُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى انْكِشَافُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ، وَلَا يَرِثَانِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِثْلَ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَدْفَعَانِهِ فِي سِعَايَتِهِمَا.
وَالْكَلَامُ عَلَى قِسْمَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالسِّعَايَةِ يَأْتِي فِي الْعِتْقِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَسْأَلَة أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ]

(3897) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ، لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَارِثَ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ، قُبِلَ إقْرَارُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً، لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ إذَا كَانَ حَيًّا مُفْلِسًا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَيِّتًا.
وَإِنْ خَلَفَ تَرِكَةً، تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَارِثُ تَسْلِيمَهَا فِي الدَّيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ اسْتِخْلَاصَهَا وَإِيفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ، أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَكَذَلِكَ.
وَإِذَا اخْتَارَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمْ، لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، وَالْخِيرَةُ إلَيْهِ فِي تَسْلِيمِ نَصِيبِهِ فِي الدَّيْنِ أَوْ اسْتِخْلَاصِهِ.
وَإِذَا قَدَّرَهُ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ، لَزِمَهُ النِّصْفُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ.
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدَّيْنِ، أَوْ جَمِيعُ مِيرَاثِهِ.
وَهَذَا آخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ كَقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَارِثُ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] . وَلِأَنَّهُ يَقُولُ: مَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.
فَكَانَ غَاصِبًا، فَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِمَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَجْنَبِيٌّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْمِيرَاثِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدَّيْنِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَخُوهُ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِ وَحِصَّةِ أَخِيهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَخُصُّهُ، كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ، وَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ قَوْلِ الْمَيِّتِ، أَوْ إقْرَارِ الْوَارِثِينَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نِصْفُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِإِقْرَارِهِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ، كَالْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِالدَّيْنِ مَعَ غَيْرِهِ تُقْبَلُ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا.

[فَصْلٌ ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا بَيْنهمَا مَلَكَاهَا بِسَبَبِ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ]

(3898) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا بَيْنَهُمَا، مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَا: وَرِثْنَاهَا أَوْ ابْتَعْنَاهَا مَعًا.
فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا لَأَحَدِهِمَا، فَذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا أَنَّ الدَّارَ لَهُمَا مُشَاعَةً، فَإِذَا غَصَبَ غَاصِبٌ نِصْفَهَا، كَانَ مِنْهُمَا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا ادَّعَيَا شَيْئًا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ، بَلْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِمَا ادَّعَاهُ، لَمْ يُشَارِكْهُ الْآخَرُ، وَكَانَ عَلَى خُصُومَتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِالِاشْتِرَاكِ،

فَإِنْ أَقَرَّ لَأَحَدِهِمَا بِالْكُلِّ، وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ يَعْتَرِفُ لِلْآخَرِ بِالنِّصْفِ، سَلَّمَهُ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ، وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ، إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهَا، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَيَثْبُتُ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَرَفَ لِلْآخَرِ، وَادَّعَى جَمِيعَهَا أَوْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، فَهُوَ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَمْلِكُ جَمِيعَهَا وَلَمْ يَدَّعِ إلَّا نِصْفَهَا؟ قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى، بَلْ مَتَى أَقَرَّ الْإِنْسَانُ بِشَيْءٍ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، ثَبَتَ، وَقَدْ وُجِدَ التَّصْدِيقُ هَاهُنَا فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ دَعْوَاهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى دَعْوَى أَلْفٍ؛ لِأَنَّ لَهُ حُجَّةً بِهِ، أَوْ لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهِ، فَادَّعَى النِّصْفَ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ.
فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي إقْرَارِهِ بِالنِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَدَّعِهِ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ لِلْآخَرِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيه.
الثَّانِي، يَنْزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَثْبُتَ لِمُدَّعِيهِ، وَيُؤْجِرُهُ، وَيَحْفَظُ أُجْرَتَهُ لِمَالِكِهِ.
وَالثَّالِثُ، يُدْفَعُ إلَى مُدَّعِيه لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ فِيهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.

[مَسْأَلَة كُلُّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ]

(3899) . مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَكُلُّ مَنْ قُلْت: الْقَوْلُ قَوْلُهُ.
فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ) يَعْنِي فِي هَذَا الْبَابِ وَفِيمَا أَشْبَهَهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عِنْدِي أَلْفٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةً.
أَوْ قَالَ: عَلَيَّ.
ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةً.
أَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي رَهْنٌ.
فَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ.
وَمِثْلُ الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُنْكِرِ لِلدَّعْوَى، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي الرَّهْنُ بِهِ، وَأَشْبَاهُ هَذَا، فَكُلُّ مَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ.
فَعَلَيْهِ لِخَصْمِهِ الْيَمِينُ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ يُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ، تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ وَاسْتِظْهَارًا، وَاَلَّذِي جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ.
(3900) فَصْلٌ: إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ وَأُقْبِضَ الْهِبَةَ، أَوْ رَهَنَ وَأُقْبِضَ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ، أَوْ أَجْرَ الْمُسْتَأْجَرِ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَسَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُسْتَحْلَفُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَكْذِيبٌ لِإِقْرَارِهِ، فَلَا تُسْمَعُ،

كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمُضَارِبُ أَنَّهُ رَبِحَ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: غَلِطْت.
وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ: أَحْلِفُوهُ لِي مَعَ بَيِّنَتِهِ.
لَمْ يُسْتَحْلَفْ، كَذَا هَاهُنَا.
وَالثَّانِيَةُ، يُسْتَحْلَفُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالْإِقْرَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ خَصْمُهُ لِنَفْيِ الِاحْتِمَالِ.
وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الْبَيِّنَةَ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْقَبْضِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ شَهَادَةَ زُورٍ.
وَالثَّانِي، أَنَّ إنْكَارَهُ مَعَ الشَّهَادَةِ طَعْنٌ فِي الْبَيِّنَةِ، وَتَكْذِيبٌ لَهَا، وَفِي الْإِقْرَارِ بِخِلَافِهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَرَضَ مِنْهُ أَلْفًا وَقَبَضَهَا، أَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ.
ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْت قَبَضْتهَا، وَإِنَّمَا أَقْرَرْت لِأَقْبِضَهَا.
فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ وَكِيلِهِ وَظَنِّهِ، وَالشَّهَادَةُ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى الْيَقِينِ.
فَأَمَّا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَهُ طَعَامًا، ثُمَّ قَالَ: مَا أَقْبَضْتُكَهُ.
وَقَالَ الْمُتَّهِبُ: بَلْ أَقْبَضْتنِيهِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، فَقَالَ: أَقْبَضْتنِيهَا.
فَقَالَ: بَلْ أَخَذْتهَا مِنِّي بِغَيْرِ إذْنِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْهِبَةِ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْوَاهِبِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا.
وَعَلَى مَنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ.
مِنْهُمَا الْيَمِينُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[مَسْأَلَةٌ الْإِقْرَارُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ]

(3901) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْإِقْرَارُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ، إذَا كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ جَائِزٌ.
وَحَكَى أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى؛ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، أَشْبَهَ الْإِقْرَارَ لِوَارِثِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ، كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ الْوَارِثِ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا لَا يَمْلِكُ عَطِيَّتَهُ، بِخِلَافِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ، فَقُبِلَ، كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، وَتَحَرِّي الصِّدْقِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.
وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
.

[فَصْلٌ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ أَوْ إقْرَارٍ]

(3902) فَصْلٌ: فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي صِحَّتِهِ، وَفِي الْمَالِ سَعَةٌ لَهُمَا، فَهُمَا

سَوَاءٌ، وَإِنْ ضَاقَ عَنْ قَضَائِهِمَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ التَّمِيمِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لَمْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ، فَاسْتَوَيَا، كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِبَيِّنَةٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُحَاصَّ غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِنَصِّ أَحْمَدَ فِي الْمُفْلِسِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ الَّذِي بِالْبَيِّنَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِتَرِكَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُشَارِكَ الْمُقَرُّ لَهُ مَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ، كَغَرِيمِ الْمُفْلِسِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمَالِهِ، مَنْعُهُ مِنْ التَّبَرُّعِ وَمِنْ الْإِقْرَارِ لَوَارِثٍ؛ وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا تَنْفُذُ هِبَاتُهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ، فَلَمْ يُشَارِكْ مَنْ أَقَرَّ لَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَمَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ، كَاَلَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْمُفْلِسُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا فِي الْمَرَضِ، تَسَاوَيَا، وَلَمْ يُقَدَّمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحَالِ، فَأَشْبَهَا غَرِيمَيْ الصِّحَّةِ.
"

[مَسْأَلَةٌ الْإِقْرَار لِوَارِثِ]

(3903) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، لَمْ يَلْزَمْ بَاقِي الْوَرَثَةِ قَبُولُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ، وَأَبُو هَاشِمٍ، وَابْنُ أُذَيْنَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ فِي الصِّحَّةِ، صَحَّ فِي الْمَرَضِ، كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ إذَا لَمْ يُتَّهَمْ، وَيَبْطُلُ إنْ اُتُّهِمَ، كَمَنْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ عَمٍّ، فَأَقَرَّ لِابْنَتِهِ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ أَقَرَّ لِابْنِ عَمِّهِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ يَزْوِي ابْنَتَهُ وَيُوصِلُ الْمَالَ إلَى ابْنِ عَمِّهِ، وَعِلَّةُ مَنْعِ الْإِقْرَارِ التُّهْمَةُ، فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِمَوْضِعِهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ إيصَالٌ لِمَالِهِ إلَى وَارِثِهِ بِقَوْلِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ رِضَى بَقِيَّةِ وَرَثَتِهِ، كَهِبَتِهِ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُ، كَالصَّبِيِّ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ.
وَفَارَقَ الْأَجْنَبِيَّ؛ فَإِنَّ هِبَتَهُ لَهُ تَصِحُّ.
وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ التُّهْمَةَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِمَظِنَّتِهَا وَهُوَ الْإِرْثُ، وَكَذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِي الْوَصِيَّةِ وَالتَّبَرُّعِ وَغَيْرِهِمَا.

[فَصْلٌ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ]

(3904) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ، صَحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّعْبِيَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ بِمَا تَحَقَّقَ سَبَبُهُ، وَعُلِمَ وُجُودُهُ، وَلَمْ تُعْلَمْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ

دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى مِنْ وَارِثِهِ شَيْئًا، فَأَقَرَّ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ سِوَى الصَّدَاقِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَإِنْ أَقَرَّ لَهَا، ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ رَجَعَ تَزَوَّجَهَا، وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ لَهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ إلَى حَالٍ لَا يُتَّهَمُ فِيهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ ثُمَّ بَرَأَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُبِنْهَا، وَفَارَقَ مَا إذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ.

[فَصْل أَقَرَّ لِوَارِثِ فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ]

(3905) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ كَرَجُلٍ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا، صَحَّ إقْرَارُهُ لَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا أَقَرَّ لِامْرَأَةِ بِدَيْنٍ فِي الْمَرَضِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، جَازَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ.
وَحُكِيَ لَهُ قَوْلُ سُفْيَانَ فِي رَجُلٍ لَهُ ابْنَانِ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ، وَتَرَكَ ابْنًا، وَالْأَبُ حَيٌّ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَازَ إقْرَارُهُ.
فَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَجُوزُ.
وَبِهَذَا قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الصُّورَتَيْنِ مُخَالِفَةً لِمَا قُلْنَا.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مَعْنَى يُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَمُ الْمِيرَاثِ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، كَالْوَصِيَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَوْلٌ تُعْتَبَرُ فِيهِ التُّهْمَةُ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ وُجُودِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ، ثَبَتَ الْإِقْرَارُ، وَصَحَّ؛ لِوُجُودِهِ مِنْ أَهْلِهِ خَالِيًا عَنْ تُهْمَةٍ، فَيَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مُسْقِطٌ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ.
وَإِذَا أَقَرَّ لِوَارِثٍ، وَقَعَ بَاطِلًا؛ لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْمِيرَاثُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ، صَحَّ، وَاسْتَمَرَّ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ عَدَمُ الْإِرْثِ.
أَمَّا الْوَصِيَّةُ، فَإِنَّهَا عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهَا حَالَةُ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[فَصْلٌ أَقَرَّ لِوَارِثِ وَأَجْنَبِيٍّ]

(3906) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ، بَطَلَ فِي حَقِّ الْوَارِثِ، وَصَحَّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ لِابْنِهِ وَأَجْنَبِيٍّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أَقَرَّ لَهُمَا بِدَيْنٍ مِنْ الشَّرِكَةِ، فَاعْتَرَفَ الْأَجْنَبِيُّ بِالشَّرِكَةِ، صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُمَا، وَإِنْ جَحَدَهَا، صَحَّ لَهُ دُونَ الْوَارِثِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ وَأَجْنَبِيٍّ، فَيَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْوَارِثِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِلَفْظَيْنِ، أَوْ كَمَا لَوْ جَحَدَ

الْأَجْنَبِيُّ الشَّرِكَةَ.
وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الشَّهَادَةَ؛ لِقُوَّةِ الْإِقْرَارِ، وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ، كَالْإِقْرَارِ بِنَسَبٍ مُوسِرٍ، قُبِلَ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَتَضَمَّنُ دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ، قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ دُونَ مَا لَهُ.
كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: خَلَعْتُك عَلَى أَلْفٍ.
بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ الْعِوَضِ.
وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اشْتَرَيْت نَفْسَك مِنِّي بِأَلْفٍ.
فَكَذَلِكَ.

[فَصْل إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِوَارِثِ]

(3907) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِوَارِثٍ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ، فَأَشْبَهَ الْإِقْرَارَ لَهُ بِمَالٍ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ غَيْرُ وَارِثٍ، فَصَحَّ.
كَمَا لَوْ لَمْ يَصِرْ وَارِثًا، وَيُمْكِنُ بِنَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا إذَا أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا، فَمَنْ صَحَّحَ الْإِقْرَارَ ثَمَّ، صَحَّحَهُ هَاهُنَا، وَمَنْ أَبْطَلَهُ، أَبْطَلَهُ.
وَإِنْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عُصْبَته، عَتَقَ، وَلَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُوجِبُ إبْطَالَ الْإِقْرَارِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْحُرِّيَّةُ سَقَطَ الْإِرْثُ، فَصَارَ تَوْرِيثُهُ سَبَبًا إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ، فَأَسْقَطْنَا التَّوْرِيثَ وَحْدَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرِثَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْإِقْرَارِ غَيْرُ وَارِثٍ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ لَهُ، كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمَرِيضِ بِإِحْبَالِ الْأَمَةِ]

(3908) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمَرِيضِ بِإِحْبَالِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَلَكَهُ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ.
فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ مَاتَ، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مِلْكِهِ، فَوَلَدُهُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَإِنْ قَالَ: مِنْ نِكَاحِهِ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ.
لَمْ تَصِرْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَعَتَقَ الْوَلَدُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ نِكَاحٍ فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَسَّهُ رِقٌّ، وَإِنْ قَالَ: مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ.
لَمْ تَصِرْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ.
وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ السَّبَبُ، فَالْأَمَةُ مَمْلُوكَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِيلَادُهَا فِي مِلْكِهِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، وَالْوِلَادَةُ مَوْجُودَةٌ، وَلَا وَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ.

[فَصْلٌ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْإِقْرَارُ]

(3909) فَصْلٌ: فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْإِقْرَارُ، إذَا قَالَ: لَهُ عَلَى أَلْفٌ.
أَوْ قَالَ لَهُ: لِي عَلَيْك أَلْفٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ أَجَلْ، أَوْ صَدَقْت، أَوْ لَعَمْرِي، أَوْ أَنَا مُقِرٌّ بِهِ، أَوْ بِمَا ادَّعَيْت، أَوْ بِدَعْوَاك.
كَانَ مُقِرًّا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ لِلتَّصْدِيقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] . وَإِنْ قَالَ: أَلَيْسَ لِي عِنْدَك أَلْفٌ؟ قَالَ: بَلَى.
كَانَ إقْرَارًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ بَلَى جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ بِحَرْفِ النَّفْيِ،

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] . وَإِنْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ فِي عِلْمِي، أَوْ فِيمَا أَعْلَمُ.
كَانَ مُقِرًّا بِهِ، لِأَنَّ مَا فِي عِلْمِهِ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْوُجُوبَ.
وَإِنْ قَالَ: اقْضِنِي الْأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْك.
قَالَ: نَعَمْ.
كَانَ مُقِرًّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ لِمَا ادَّعَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ عَبْدِي هَذَا.
أَوْ أَعْطِنِي عَبْدِي هَذَا.
فَقَالَ: نَعَمْ.
كَانَ إقْرَارًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
كَانَ مُقِرًّا بِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ إقْرَارَهُ عَلَى شَرْطٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ زَيْدٍ، وَلِأَنَّ مَا عَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ كُلَّهُ، وَلَا يَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِ الْإِقْرَارِ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَبَطَلَ مَا وَصَلَهُ بِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفًا.
وَلِأَنَّهُ عَقَّبَ الْإِقْرَارَ بِمَا لَا يُفِيدُ حُكْمًا آخَرَ، وَلَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْحُكْمِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
صَحَّ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ، ثُمَّ عَلَّقَ رَفْعَ الْإِقْرَارِ عَلَى أَمْرٍ لَا يُعْلَمُ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ.
وَإِنْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ، إنْ شِئْت، أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ.
لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ دُونَ مَا يَرْفَعُهُ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ عِلْمُهُ.
فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ بِحَقٍّ سَابِقٍ، فَلَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ.
وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى تُذْكَرُ فِي الْكَلَامِ تَبَرُّكًا وَصِلَةً وَتَفْوِيضًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا لِلِاشْتِرَاطِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27] . وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَ بِغَيْرِ شَكٍّ.
وَيَقُولُ النَّاسُ: صَلَّيْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مَعَ تَيَقُّنِهِمْ صَلَاتَهُمْ، بِخِلَافِ مَشِيئَةِ الْآدَمِيِّ.
الثَّانِي، أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعْلَمُ إلَّا بِوُقُوعِ الْأَمْرِ، فَلَا يُمْكِنُ وَقْفُ الْأَمْرِ عَلَى وُجُودِهَا، وَمَشِيئَةُ الْآدَمِيِّ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَا، فَيُمْكِنُ جَعْلُهَا شَرْطًا.
يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عَلَى وُجُودِهَا، وَالْمَاضِي لَا يُمْكِنُ وَقْفُهُ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ هَاهُنَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَكُونُ وَعْدًا لَا إقْرَارًا.
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ زَوَّجْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْهُ فِي أَنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ بِهِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك بِأَلْفٍ إنْ شِئْت.
فَقَالَ: قَدْ شِئْت وَقَبِلْت.
صَحَّ؛ لِأَنَّ

هَذَا الشَّرْطَ مِنْ مُوجِبِ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ، فَإِنَّ الْإِيجَابَ إذَا وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ كَانَ الْقَبُولُ إلَى مَشِيئَةِ الْمُشْتَرِي وَاخْتِيَارِهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفَانِ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ.
لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِهَا فِي الْحَالِ، وَمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ، لَا يَصِيرُ وَاجِبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ شَهِدَ فُلَانٌ عَلَيَّ لَك بِأَلْفٍ صَدَّقْته.
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَدِّقَ الْكَاذِبَ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ فَهُوَ صَادِقٌ.
احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، فَأَشْبَهَتْ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِدْقُهُ إذَا شَهِدَ بِهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً فِي الْحَالِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِصِدْقِهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ.
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ.
(3910) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لِي عَلَيْك أَلْفٌ.
فَقَالَ: أَنَا أُقِرُّ.
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أُنْكِرُ.
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِنْكَارِ الْإِقْرَارُ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ السُّكُوتُ عَنْهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: لَا أُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا.
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ.
وَلَمْ يَزِدْ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ الدَّعْوَى، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَقْرَرْت.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] وَلَمْ يَقُولُوا أَقْرَرْنَا بِذَلِكَ وَلَا زَادُوا عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْهُمْ إقْرَارًا.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ مُقِرًّا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُرِيدَ: أَنَا مُقِرٌّ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِبُطْلَانِ دَعْوَاك وَإِنْ قَالَ لَعَلَّ أَوْ عَسَى لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَنَّهُمَا لِلتَّرَجِّي، وَإِنْ قَالَ: أَظُنُّ أَوْ أَحْسَبُ أَوْ أُقَدِّرُ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّكِّ، وَإِنْ قَالَ: خُذْ، أَوْ اتَّزِنْ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ: خُذْ الْجَوَابَ، أَوْ اتَّزِنْ شَيْئًا آخَرَ، وَإِنْ قَالَ: خُذْهَا، أَوْ اتَّزِنْهَا، أَوْ هِيَ صِحَاحٌ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا لَيْسَ بِإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَرْجِعُ إلَى الْمُدَّعِي، وَلَمْ يُقِرَّ بِوُجُوبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَدَّعِيه مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ بِأَخْذِهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْهُ الْوُجُوبُ.
وَالثَّانِي، يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
أَوْ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ.
فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْأَوَّلُ إقْرَارٌ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِإِقْرَارٍ.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي رَفْعَهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَحَلَّ، فَلَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَفِي الثَّانِي بَدَأَ بِالشَّرْطِ فَعَلَّقَ عَلَيْهِ لَفْظًا يَصْلُحُ لِلْإِقْرَارِ وَيَصْلُحُ لِلْوَعْدِ، فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا مَعَ الِاحْتِمَالِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرَهُ سَوَاءٌ، فَيَكُونُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ.
.

[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]

[مَسْأَلَةٌ الْعَارِيَّة مَضْمُونَةٌ]

ِ (3911) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ) الْعَارِيَّةُ: إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِ.
مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَارَ الشَّيْءُ: إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ.
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَطَّالِ: عِيَارٌ؛ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَعَارَهُ، وَعَارَهُ.
مِثْلُ أَطَاعَهُ، وَطَاعَهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] . رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا: الْعَوَارِيُّ.
وَفَسَّرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: الْقِدْرُ وَالْمِيزَانُ وَالدَّلْوُ.
وَأُمًّا السُّنَّةُ، فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْعَارِيَّةِ وَاسْتِحْبَابِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ هِبَةُ الْأَعْيَانِ، جَازَتْ هِبَةُ الْمَنَافِعِ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِالْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ جَمِيعًا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْعَارِيَّةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: هِيَ وَاجِبَةٌ؛ لِلْآيَةِ، وَلَمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا.
الْحَدِيثَ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: إعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَمِنْحَةُ لَبَنِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا» . فَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَانِعَ الْعَارِيَّةِ، وَتَوَعَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا ذَكَرَ فِي خَبَرِهِ.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ: «إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِكَ، فَقَدْ قَضَيْت مَا عَلَيْك» . رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» . وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: الزَّكَاةُ.
فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا.
أَوْ كَمَا قَالَ» . وَالْآيَةُ فَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إذَا جَمَعَ ثَلَاثَتَهَا فَلَهُ الْوَيْلُ، إذَا سَهَا عَنْ الصَّلَاةِ، وَرَاءَى، وَمَنَعَ الْمَاعُونَ.
وَيَجِبُ رَدُّ الْعَارِيَّةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً.
بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً، تَعَدَّى فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْ لَمْ يَتَعَدَّ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ: هِيَ أَمَانَةٌ لَا يَجِبُ ضَمَانُهَا إلَّا بِالتَّعَدِّي؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ، ضَمَانٌ» . وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا، فَكَانَتْ أَمَانَةً، كَالْوَدِيعَةِ.
قَالُوا: وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] . وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» . وَرَوَى الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَا إذْنٍ فِي الْإِتْلَافِ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ.
وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيه عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَعُمَرُ وَعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ.
قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ وَالْأَجْزَاءِ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ.

[فَصْل شَرْطِ نَفْي الضَّمَانِ فِي الْعَارِيَّة]

(3912) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ الضَّمَانِ، لَمْ يَسْقُطْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَسْقُطُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطَ عَنْهُ ضَمَانَهَا.
وَقِيلَ: بَلْ مَذْهَبُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ضَمَانَهَا فَيَجِبُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَفْوَانَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» .

وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ، وَمَا اقْتَضَى الْأَمَانَةَ، فَكَذَلِكَ، كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَاَلَّذِي كَانَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إخْبَارٌ بِصِفَةِ الْعَارِيَّةِ وَحُكْمِهَا.
وَفَارَقَ مَا إذَا أَذِنَ فِي الْإِتْلَافِ، فَإِنَّ الْإِتْلَافَ فِعْلٌ يَصِحُّ الْإِذْنُ فِيهِ، وَيَسْقُطُ حُكْمُهُ، إذْ لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ هَاهُنَا نَفْيٌ لِلْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ، وَلَا يَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِ.

[فَصْلٌ انْتَفَعَ بِالْعَارِيَّةِ وَرَدَّهَا عَلَى صِفَتِهَا]

(3913) فَصْلٌ: وَإِذَا انْتَفَعَ بِهَا، وَرَدَّهَا عَلَى صِفَتِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَأْذُونٌ فِي إتْلَافِهَا، فَلَا يَجِبُ عِوَضُهَا.
وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا الَّتِي لَا تَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّ مَا ضَمِنَ جُمْلَتُهُ ضَمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ، كَالْمَغْصُوبِ.
وَأَمَّا أَجْزَاؤُهَا الَّتِي تَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ، كَحَمْلِ الْمِنْشَفَةِ وَالْقَطِيفَةِ، وَخُفِّ الثَّوْبِ يَلْبَسُهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجِبُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٌ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، وَلِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا، فَتُضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ وَحْدَهَا، كَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ.
وَالثَّانِي، لَا يَضْمَنُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضَمَّنَهُ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ، كَالْمَنَافِعِ، وَكَمَا لَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا صَرِيحًا.
وَفَارَقَ مَا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزهَا مِنْ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَلِفَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَذِنَ فِيهِ، فَضَمِنَهَا، كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْعَيْنَ الْمُسْتَعَارَةَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَنَافِعَهَا.
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَضْمَنُ الْأَجْزَاءَ.
فَتَلِفَتْ الْعَيْنُ بَعْدَ ذَهَابِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ حَالَ التَّلَفِ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ التَّالِفَةَ تَلِفَتْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ، لِكَوْنِهَا مَأْذُونًا فِي إتْلَافِهَا، فَلَا يَجُوزُ تَقْوِيمُهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ.
قُوِّمَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا.
وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ ذَهَابِ أَجْزَائِهَا.
ضَمِنَهَا كُلَّهَا بِأَجْزَائِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَلِفَتْ الْأَجْزَاءُ بِاسْتِعْمَالِ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ ثَوْبًا لِيَلْبَسهُ، فَحَمَلَ فِيهِ تُرَابًا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ نَقْصَهُ وَمَنَافِعَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ.
وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا اسْتِعْمَالٍ، كَتَلَفِهَا لِطُولِ الزَّمَانِ عَلَيْهَا وَوُقُوعِ نَارٍ عَلَيْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مَا تَلِفَ مِنْهَا بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ تَلَفَهَا بِفِعْلِ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ.
وَمَا تَلِفَ بِمُرُورِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ، يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِالْإِمْسَاكِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ تَلَفَهُ بِالْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.

[فَصْلٌ وَلَدُ الْعَارِيَّة لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ]

(3914) فَصْلٌ: فَأَمَّا وَلَدُ الْعَارِيَّةِ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِعَارَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّمَانِ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ، وَيَضْمَنُهُ فِي الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، فَيَضْمَنُ، كَوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَغْصُوبًا.
وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْعَارِيَّةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَ أُمِّهِ.
وَإِنَّمَا يَضْمَنُ وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ إذَا كَانَ مَغْصُوبًا، فَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ وَلَدًا لَهَا.
(3915) فَصْلٌ: وَيَجِبُ ضَمَانُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا، إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا حِينَئِذٍ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.

[فَصْلٌ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا إلَى الْمُعِيرِ]

(3916) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً، فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا إلَى الْمُعِيرِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا، وَيَبْرَأُ ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِهَا.
وَإِنْ رَدَّهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ، أَوْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمَقْبُوضَةِ، فَإِنَّ رَدَّ الْعَوَارِيِّ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ إلَى أَمْلَاكِ أَرْبَابِهَا، فَيَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَادَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا، وَلَا نَائِبِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ.
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالسَّارِقِ إذَا رَدَّ الْمَسْرُوقَ إلَى الْحِرْزِ، وَلَا تُعْرَفُ الْعَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا.
وَإِنْ رَدَّهَا إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ، كَزَوْجَتِهِ الْمُتَصَرِّفَةِ فِي مَالِهِ، وَرَدِّ الدَّابَّةِ إلَى سَائِسِهَا، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَبْرَأُ.
قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ: إذَا سَلَّمَهَا الْمُودِعُ إلَى امْرَأَتِهِ، لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ عُرْفًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أُذِنَ فِيهِ نُطْقًا.
وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» . وَقَوْلِهِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . وَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ؛ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهَا إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ رَدُّهُ، لَزِمَ رَدُّهُ إلَى مَوْضِعِهِ، كَالْمَغْصُوبِ.

[فَصْلٌ لَا تَصِحُّ الْعَارِيَّة إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ]

فَصْلٌ: (3917) وَلَا تَصِحُّ الْعَارِيَّةِ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، فَأَشْبَهَ التَّصَرُّفَ بِالْبَيْعِ وَتُعْقَدُ بِكُلِّ فِعْلٍ أَوْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: أَعَرْتُك هَذَا.
أَوْ يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا، وَيَقُولُ: أَبَحْتُك الِانْتِفَاعَ بِهِ.
أَوْ خُذْ هَذَا فَانْتَفِعْ بِهِ.
أَوْ يَقُولُ: أَعِرْنِي هَذَا.
أَوْ أَعْطِنِيهِ أَرْكَبْهُ أَوْ أَحْمِلْ عَلَيْهِ.

وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ.
وَأَشْبَاهُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لِلتَّصَرُّفِ، فَصَحَّ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ بِقَوْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ إلَى الضَّيْفِ.

[فَصْل إعَارَةُ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً]

فَصْلٌ: وَتَجُوزُ إعَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الدَّوَامِ، كَالدُّورِ، وَالْعَقَارِ، وَالْعَبِيدِ، وَالْجَوَارِي، وَالدَّوَابِّ، وَالثِّيَابِ، وَالْحُلِيِّ لِلُّبْسِ، وَالْفَحْلِ لِلضِّرَابِ، وَالْكَلْبِ لِلصَّيْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ أَدْرُعًا، وَذَكَرَ إعَارَةَ دَلْوِهَا وَفَحْلِهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَارِيَّةَ الْقِدْرِ وَالْمِيزَانِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَمَا عَدَاهَا مَقِيسٌ عَلَيْهَا إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، وَلِأَنَّ مَا جَازَ لِلْمَالِكِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْمَنَافِعِ، مَلَكَ إبَاحَتَهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ كَالثِّيَابِ.
وَلِأَنَّهَا أَعْيَانٌ تَجُوزُ إجَارَتُهَا، فَجَازَتْ إعَارَتُهَا، كَالثِّيَابِ.
وَيَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِيَزِنَ بِهَا، فَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِيُنْفِقَهَا، فَهَذَا قَرْضٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا جَائِزًا، وَلَا تَكُونُ الْعَارِيَّةُ فِي الدَّنَانِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْقَرْضِ، فَانْعَقَدَ الْقَرْضُ بِهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ.

[فَصْل إعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرِ]

(3919) فَصْلٌ: وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ اسْتِخْدَامِهِ، فَلَمْ تَجُزْ إعَارَتُهُ لِذَلِكَ، وَلَا إعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهُ، وَلَا إعَارَةُ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ لِرَجُلٍ غَيْرِ مَحْرَمِهَا، إنْ كَانَ يَخْلُو بِهَا، أَوْ يَنْظُرُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا.
وَتَجُوزُ إعَارَتُهَا لِامْرَأَةِ وَلِذِي مَحْرَمِهَا.
وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْعَيْنِ لِنَفْعِ مُحَرَّمٍ، كَإِعَارَةِ الدَّارِ لِمَنْ يَشْرَبُ فِيهَا الْخَمْرَ، أَوْ يَبِيعُهُ فِيهَا، أَوْ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا، وَلَا إعَارَةُ عَبْدِهِ لِلزَّمْرِ، أَوْ لِيَسْقِيَهُ الْخَمْرَ، أَوْ يَحْمِلَهَا لَهُ، أَوْ يَعْصِرَهَا، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ وَالِدَيْهِ لِخِدْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ اسْتِخْدَامُهُمَا.
فَكَرِهَ اسْتِعَارَتُهُمَا لِذَلِكَ.

[فَصْل الْإِعَارَةُ مُطْلَقَة مُقَيَّدَة]

(3920) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ الْإِعَارَةُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ، فَجَازَ فِيهَا ذَلِكَ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ.
وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، فَإِذَا أَعَارَهُ شَيْئًا مُطْلَقًا، أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ.
فَإِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا مُطْلَقًا، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا، وَيَغْرِسَ، وَيَبْنِيَ، وَيَفْعَلَ فِيهَا كُلَّ مَا هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقٌ.
وَإِنْ أَعَارَهُ لِلْغِرَاسِ أَوْ لِلْبِنَاءِ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ دُونَ ضَرَرِهِمَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ.
وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلزَّرْعِ، لَمْ يَغْرِسْ، وَلَمْ يَبْنِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا أَكْثَرُ، فَلَمْ يَكُنْ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل