باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَرِينَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى تَأْكُلَ مَا نَوَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ دَخَلَ الدَّارَ رَجُلٌ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ]
(5943) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلَ الدَّارَ رَجُلٌ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، وَإِنْ دَخَلَهَا طَوِيلٌ فَعَبْدَانِ حُرَّانِ، وَإِنْ دَخَلَهَا أَسْوَدُ فَثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ، وَإِنْ دَخَلَهَا فَقِيهٌ فَأَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ.
فَدَخَلَهَا فَقِيهٌ طَوِيلٌ أَسْوَدُ، عَتَقَ مِنْ عَبِيدِهِ عَشَرَةٌ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ: إنْ طَلَّقْت امْرَأَةً مِنْكُنَّ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، وَإِنْ طَلَّقْت اثْنَتَيْنِ فَعَبْدَانِ حُرَّانِ، وَإِنْ طَلَّقْت ثَلَاثَةً، فَثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ، وَإِنْ طَلَّقْت أَرْبَعًا، فَأَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأَرْبَعَ مُجْتَمِعَاتٍ أَوْ مُتَفَرِّقَاتٍ عَتَقَ مِنْ عَبِيدِهِ عَشَرَةٌ؛ بِالْوَاحِدَةِ وَاحِدٌ، وَبِالِاثْنَتَيْنِ اثْنَانِ، وَبِالثَّلَاثِ ثَلَاثَةٌ، وَبِالْأَرْبَعِ أَرْبَعَةٌ؛ لِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ فِيهِنَّ.
وَلَوْ عَلَّقَ ذَلِكَ بِلَفْظَةِ " كُلَّمَا "، فَقَدْ قِيلَ: يَعْتِقُ عَشَرَةٌ أَيْضًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعْتِقُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ فِيهِنَّ أَرْبَعَ صِفَاتٍ، هُنَّ أَرْبَعٌ، فَيَعْتِقُ أَرْبَعَةٌ، وَهُنَّ أَرْبَعَةُ آحَادٍ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ أَرْبَعَةٌ، وَهُنَّ اثْنَتَانِ وَاثْنَتَانِ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ أَرْبَعَةٌ، وَفِيهِنَّ ثَلَاثٌ، فَيَعْتِقُ بِهِنَّ ثَلَاثَةٌ.
وَإِنْ شِئْت قُلْت: يَعْتِقُ بِالْوَاحِدَةِ وَاحِدٌ، وَبِالثَّانِيَةِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا صِفَتَيْنِ هِيَ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ مَعَ الْأُولَى اثْنَتَانِ، وَيَعْتِقُ بِالثَّالِثَةِ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ مَعَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ، وَيَعْتِقُ بِالرَّابِعَةِ سَبْعَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا ثَلَاثَ صِفَاتٍ، هِيَ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ مَعَ الثَّالِثَةِ اثْنَتَانِ، وَهِيَ مَعَ الثَّلَاثِ الَّتِي قَبْلَهَا أَرْبَعٌ.
وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ لَا يَعْتَبِرُ صِفَةَ طَلَاقِ الْوَاحِدَةِ فِي غَيْرِ الْأُولَى، وَلَا صِفَةَ التَّثْنِيَةِ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، وَلَفْظُ " كُلَّمَا " يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَيَجِبُ تَكْرَارُ الطَّلَاقِ بِتَكْرَارِ الصِّفَاتِ.
وَقِيلَ: يَعْتِقُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ صِفَةَ التَّثْنِيَةِ قَدْ وُجِدَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهَا تُوجَدُ بِضَمِّ الثَّانِيَةِ إلَى الثَّالِثَةِ.
وَقِيلَ: يَعْتِقُ عِشْرُونَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّلَاثِ وُجِدَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِضَمِّ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ إلَى الرَّابِعَةِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَدُّوا الثَّانِيَةَ مَعَ الْأُولَى فِي صِفَةِ التَّثْنِيَةِ مَرَّةً، ثُمَّ عَدُّوهَا مَعَ الثَّالِثَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَعَدُّوا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي صِفَةِ التَّثْلِيثِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً مَعَ الْأُولَى، وَمَرَّةً مَعَ الرَّابِعَةِ، وَمَا عُدَّ فِي صِفَةٍ مَرَّةً، لَا يَجُوزُ عَدُّهُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الرُّمَّانَةَ نِصْفَانِ.
وَلَا يُقَالُ: إنَّهَا تَطْلُقُ ثَالِثَةً، بِأَنْ يُضَمَّ الرُّبْعُ الثَّانِي إلَى الرُّبْعِ الثَّالِثِ فَيَصِيرَانِ نِصْفًا ثَالِثًا، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، لَمْ تُضَمَّ الْأُولَى إلَى الرَّابِعَةِ، فَيَصِيرَانِ اثْنَتَيْنِ.
وَعَلَى سِيَاقِ هَذَا الْقَوْلِ، يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ؛ وَاحِدٌ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ، وَثَلَاثَةٌ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ، وَثَمَانِيَةٌ بِطَلَاقِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَعَ مَا قَبْلَهَا ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ مَعَ ضَمِّهَا إلَى الْأُولَى اثْنَتَانِ، وَمَعَ ضَمِّهَا إلَى الثَّانِيَةِ اثْنَتَانِ، فَفِيهَا صِفَةُ التَّثْنِيَةِ مَرَّتَانِ، وَيَعْتِقَ بِطَلَاقِ الرَّابِعَةِ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّ فِيهَا ثَمَانِي صِفَاتٍ، هِيَ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ مَعَ مَا قَبْلَهَا أَرْبَعٌ، وَفِيهَا صِفَةُ التَّثْلِيثِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، هِيَ مَعَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ، وَمَعَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ثَلَاثٌ، وَمَعَ الْأُولَى
وَالثَّالِثَةِ ثَلَاثٌ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ تِسْعَةٌ، وَفِيهَا صِفَةُ التَّثْنِيَةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، هِيَ مَعَ الْأُولَى اثْنَتَانِ، وَهِيَ مَعَ الثَّانِيَةِ اثْنَتَانِ، وَهِيَ مَعَ الثَّالِثَةِ اثْنَتَانِ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ سِتَّةٌ، وَيَصِيرُ الْجَمِيعُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَمَا نَعْلَمُ بِهَذَا قَائِلًا.
وَهَذَا مَعَ الْإِطْلَاقِ.
فَأَمَّا إنْ نَوَى بِلَفْظِهِ غَيْرَ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ، مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ: اثْنَتَيْنِ.
غَيْرَ الْوَاحِدَةِ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ، وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنْ الْعَبِيدَ الْمُعْتَقِينَ، أُخْرِجُوا بِالْقُرْعَةِ.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَعْتَقْت عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَامْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِي طَالِقٌ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت اثْنَيْنِ فَامْرَأَتَانِ طَالِقَتَانِ.
ثُمَّ أَعْتَقَ اثْنَيْنِ، طَلَقَ الْأَرْبَعُ، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، يَطْلُقُ ثَلَاثٌ، وَيَخْرُجْنَ بِالْقُرْعَةِ.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَعْتَقْت عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَجَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيَّ حُرَّةٌ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت اثْنَيْنِ فَجَارِيَتَانِ حُرَّتَانِ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت ثَلَاثَةً فَثَلَاثٌ أَحْرَارٌ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت أَرْبَعَةً فَأَرْبَعٌ أَحْرَارٌ، ثُمَّ أَعْتَقَ أَرْبَعَةً، عَتَقَ مِنْ جَوَارِيهِ بِعَدَدِ مَا طَلَّقَ مِنْ النِّسَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ أَعْتَقَ خَمْسًا فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، يَعْتِقُ مِنْ جَوَارِيهِ هَاهُنَا خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، يَعْتِقُ إحْدَى وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْخَامِسِ عَتَقَ بِهِ سِتٌّ، لِكَوْنِهِ وَاحِدًا، وَهُوَ مَعَ مَا قَبْلَهُ خَمْسَةٌ، وَلَمْ يُمْكِنْ عَدُّهُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ قَدْ عُدَّ فِي ذَلِكَ مَرَّةً، فَلَا يُعَدُّ ثَانِيَةً.
[قَالَ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا وَلَمْ يُطَلِّقْهَا حَتَّى مَاتَ أَوْ مَاتَتْ]
(5944) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا حَتَّى مَاتَ أَوْ مَاتَتْ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهَا فِي آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حَرْفَ " إنْ " مَوْضُوعٌ لِلشَّرْطِ، لَا يَقْتَضِي زَمَنًا، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفِعْلَ الْمُعَلَّقَ بِهِ مِنْ ضَرُورَتِهِ الزَّمَانُ، وَمَا حَصَلَ ضَرُورَةً لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَقْتَضِي تَعْجِيلًا، فَمَا عُلِّقَ عَلَيْهِ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ.
فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَمْ يَحْنَثْ بِتَأْخِيرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا عَلِمْنَا حِنْثَهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِهَا بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ، إذْ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهِ مَا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا.
وَلَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْ عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ.
فَأَيُّ الثَّلَاثَةِ مَاتَ أَوَّلًا، وَقَعَ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ تَطْلِيقَهُ لِحَفْصَةَ عَلَى وَجْهٍ تَنْحَلُّ بِهِ يَمِينُهُ، إنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاتِهِمْ جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أَعْتِقْ عَبْدِي، أَوْ إنْ لَمْ أَضْرِبْهُ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَوَّلِهِمْ مَوْتًا.
فَأَمَّا إنْ عَيَّنَ وَقْتًا بِلَفْظِهِ، أَوْ بِنِيَّتِهِ، تَعَيَّنَ، وَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا قَالَ: إنْ لَمْ أَضْرِبْ فُلَانًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
فَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ؛
وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّمَانَ الْمَحْلُوفَ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ فِيهِ تَعَيَّنَ بِنِيَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَصَارَ كَالْمُصَرِّحِ بِهِ فِي لَفْظِهِ؛ فَإِنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» . (5945) فَصْلٌ: وَلَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: لَا يَطَأُ حَتَّى يَفْعَلَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفِعْلِ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ: يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْمُولِي، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ طَلَاقٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ، فَحَلَّ لَهُ الْوَطْءُ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ عَدَمُ الْفِعْلِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ.
قُلْنَا: هَذَا الْأَصْلُ لَمْ يَقْتَضِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَقْتَضِ حُكْمَهُ، وَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ وَطْئِهِ لَمْ يَضُرَّ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا نَاجِزًا، وَعَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ هَاهُنَا إنَّمَا يَقَعُ فِي زَمَنٍ لَا يُمْكِنُ الْوَطْءُ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
[فَصْلٌ إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقًا بَائِنًا فَمَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا]
(5946) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقًا بَائِنًا فَمَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ أَبَانَهَا مِنْهُ، فَلَمْ يَرِثْهَا، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا نَاجِزًا عِنْدَ مَوْتِهَا.
وَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك.
وَمَاتَ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا، وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَطْلُقُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهَ طَلَاقَهُ لَهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَنَحْوُ هَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ أَيْضًا.
وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ شَرْطُ وُقُوعِهِ فِي الْمَرَضِ، فَلَمْ تَرِثْهُ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِهَا، فَفَعَلَتْهُ فِي مَرَضِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ حَلَفَ إنْ لَمْ تَأْتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَلَمْ تَفْعَلْ، فَإِنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَاتَ، وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى فِعْلِهَا، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْهُ فَقَدْ حَقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلَاقِ، فَلَمْ تَرِثْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَدَخَلَتْهَا.
وَإِذَا عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَامْتَنَعَ، كَانَ الطَّلَاقُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَجَّزَهُ فِي الْحَالِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ طَلَاقٌ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَمَنَعَهُ مِيرَاثَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهَا، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ أَخَّرَ الطَّلَاقَ اخْتِيَارًا مِنْهُ حَتَّى وَقَعَ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ، فَصَارَ كَالْمُبَاشِرِ لَهُ.
فَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ
أَبِي حَنِيفَةَ، فَحَسَنٌ إذَا كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لَهُ كَفِعْلِهَا لِمَا حَلَفَ عَلَيْهَا لِتَتْرُكَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ مِيرَاثُهَا بِتَرْكِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهَا لِتَرْكِ مَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ فِعْلِهِ، فَفَعَلَتْهُ.
(5947) فَصْلٌ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ وَقْتًا بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ، فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي أَيْضًا؛ فَإِنَّ لَفْظَهُ مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِدُونِ تَقْيِيدِهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّاعَةِ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: 3] . وَقَالَ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: 7] . وَلَمَّا قَالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي؛ فَإِنَّ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي نَوْبَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَتَأَخَّرَ الْفَتْحُ إلَى سَنَةِ ثَمَانٍ.
وَلِذَلِكَ رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْ لَيْسَ كُنْت تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ بَلَى، فَأَخْبَرْتُك أَنَّك آتِيهِ الْعَامَ؟ . قُلْت: لَا.
قَالَ: فَإِنَّك آتِيهِ، وَمُطَوِّفٌ بِهِ» . وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ.
[فَصْلٌ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا]
(5948) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ.
وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلَقَتْ إذَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ مَا لَا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِهَا فِيهِ، عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَحَكَى الْقَاضِي فِيهَا وَجْهَيْنِ؛ هَذَا، وَوَجْهًا آخَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، لِأَنَّ مَحِلَّ الطَّلَاقِ الْيَوْمُ، وَلَا يُوجَدُ شَرْطُ طَلَاقِهَا إلَّا بِخُرُوجِهِ، فَلَا يَبْقَى مِنْ مَحِلِّ طَلَاقِهَا مَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّ خُرُوجَ الْيَوْمِ يَفُوتُ بِهِ طَلَاقُهَا، فَوَجَبَ وُقُوعُهُ قَبْلَهُ فِي آخِرِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ كَمَوْتِ أَحَدِهِمَا فِي الْيَوْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ؛ إنْ فَاتَنِي طَلَاقُك الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فِيهِ.
فَإِذَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ مَا لَا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِهَا، فَقَدْ فَاتَهُ طَلَاقُهَا فِيهِ، فَوَقَعَ حِينَئِذٍ، كَمَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي آخِرِ حَيَاةِ أَوَّلِهِمَا مَوْتًا.
وَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْيَوْمِ؛ فَإِنَّ مَحِلَّ طَلَاقِهَا يَفُوتُ بِمَوْتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك الْيَوْمَ، أَوْ إنْ لَمْ اشْتَرِ لَك الْيَوْمَ ثَوْبًا.
فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا، إذَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمَ مَا لَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ طَلَقَتْ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَفِي مَحِلِّ وُقُوعِهِ وَجْهَانِ؛
أَحَدُهُمَا، فِي آخِرِ الْيَوْمِ.
وَالثَّانِي، بَعْدَ خُرُوجِهِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، إنْ لَمْ أُطَلِّقْك.
فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ طَلَاقِهَا شَرْطًا لِطَلَاقِهَا الْيَوْمَ، وَالشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْرُوطَ.
(5949) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: [إنْ] لَمْ أَبِعْك الْيَوْمَ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ الْيَوْمَ.
وَلَمْ يَبِعْهُ حَتَّى خَرَجَ الْيَوْمُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ، أَوْ مَاتَ، أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ، أَوْ الْمَرْأَةُ، فِي الْيَوْمِ، طَلَقَتْ زَوْجَتُهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ بَيْعُهُ، وَإِنْ دَبَّرَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، لَمْ تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ.
وَمَنْ مَنَعَ بَيْعَهُمَا قَالَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ مَاتَ.
وَإِنْ وَهَبَ الْعَبْدَ لَإِنْسَانٍ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلَيْهِ، فَيَبِيعُهُ، فَلَمْ يَفُتْ بَيْعُهُ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أَبِعْ عَبْدِي، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَوْمِ، فَكَاتَبَ الْعَبْدَ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَجْزُهُ، فَلَمْ يُعْلَمْ فَوَاتُ الْبَيْعِ، فَإِنْ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ فَاتَ بَيْعُهُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ) . (وَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ فِي الْحَالِ، إذَا كَانَ مَدْخُولًا بِهَا) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: 44] . وَقَالَ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] . فَيَقْتَضِي تَكْرَارَ الطَّلَاقِ بِتَكَرُّرِ الصِّفَةِ، وَالصِّفَةُ عَدَمُ تَطْلِيقِهِ لَهَا، فَإِذَا مَضَى بَعْدَ يَمِينِهِ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ، فَلَمْ يُطَلِّقْهَا، فَقَدْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ، فَيَقَعُ طَلْقَةٌ، وَتَتْبَعُهَا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا، بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ: أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَلَا يَتَكَرَّرُ إلَّا عَلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ فِي " مَتَى "، فَإِنَّهُ يَرَاهَا لِلتَّكْرَارِ، فَيَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ بِهَا مِثْلُ " كُلَّمَا " إلَّا أَنَّ " مَتَى " و " أَيَّ وَقْتٍ " يَقْتَضِيَانِ الطَّلَاقَ عَلَى الْفَوْرِ فَمَتَى مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا فِي الْحَالِ.
وَأَمَّا " إذَا " فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هِيَ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهَا اسْمُ وَقْتٍ فَهِيَ كَمَتَى.
وَالثَّانِي، أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الشَّرْطِ، فَهِيَ كَإِنْ.
فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: مَتَى لَمْ أَحْلِفْ بِطَلَاقِك
فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ: أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أَحْلِفْ بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ، طَلَقَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَا الثَّانِيَةِ؛ لِكَوْنِهِ حَلَفَ عَقِيبَيْهِمَا، وَحَنِثَ فِي الثَّالِثَةِ.
وَإِنْ سَكَتَ بَيْنَ كُلِّ يَمِينَيْنِ سُكُوتًا يُمْكِنْهُ الْحَلِفُ فِيهِ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بِلَفْظَةِ إذَا، وَقُلْنَا: هِيَ عَلَى الْفَوْرِ.
فَهِيَ كَمَتَى، وَإِلَّا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً فِي آخِرِ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا.
[فَصْلٌ الْحُرُوفُ الْمُسْتَعْمَلَةُ لِلشَّرْطِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِهَا]
(5951) فَصْلٌ: وَالْحُرُوفُ الْمُسْتَعْمَلَةُ لِلشَّرْطِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِهَا سِتَّةٌ؛ إنْ، وَإِذَا، وَمَتَى، وَمَنْ، وَأَيُّ وَكُلَّمَا.
فَمَتَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِإِيحَادِ فِعْلٍ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، مِثْلُ قَوْلِهِ: إنْ خَرَجْت، وَإِذَا خَرَجْت، وَمَتَى خَرَجْت، وَأَيَّ حِينٍ، وَأَيَّ زَمَانٍ، وَأَيَّ وَقْتٍ خَرَجْت، وَكُلَّمَا خَرَجْت، وَمَنْ خَرَجَتْ مِنْكُنَّ، وَأَيَّتُكُنَّ خَرَجَتْ فَهِيَ طَالِقٌ.
فَمَتَى وُجِدَ الْخُرُوجُ طَلَقَتْ.
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، سَقَطْت الْيَمِينُ.
فَأَمَّا إنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالنَّفْيِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ، كَانَتْ " إنْ " عَلَى التَّرَاخِي، وَمَتَى، وَأَيُّ، وَمَنْ، وَكُلَّمَا، عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَتَى دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
يَقْتَضِي أَيَّ زَمَانٍ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ، فَأَيَّ زَمَنٍ دَخَلَتْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ.
وَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ تَدْخُلِي فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِذَا مَضَى عَقِيبَ الْيَمِين زَمَنٌ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ، وُجِدَتْ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّهَا اسْمٌ لِوَقْتِ الْفِعْلِ، فَيُقَدَّرُ بِهِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ السُّؤَالُ بِهِ، فَيُقَالُ: مَتَى دَخَلْت؟ أَيْ: أَيَّ وَقْتٍ دَخَلْت.
وَأَمَّا " إنْ " فَلَا تَقْتَضِي وَقْتًا، فَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَدْخُلِي.
لَا يَقْتَضِي وَقْتًا، إلَّا ضَرُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقَعُ إلَّا فِي وَقْتٍ، فَهِيَ مُطْلَقَةٌ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ.
وَأَمَّا إذَا، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هِيَ عَلَى التَّرَاخِي.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَنَصَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ شَرْطًا بِمَعْنَى إنْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّك بِالْغِنَى ... وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
فَجَزَمَ بِهَا كَمَا يَجْزِمُ بِأَنْ، وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَتَى وَإِنْ، وَإِذَا احْتَمَلَتْ الْأَمْرَيْنِ، فَالْيَقِينُ بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَلَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا اسْمٌ لَزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَتَكُونُ كَمَتَى.
وَأَمَّا الْمُجَازَاةُ بِهَا فَلَا تُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا، فَإِنَّ مَتَى يُجَازَى بِهَا أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ
و" مَنْ " يُجَازَى بِهَا أَيْضًا، وَكَذَلِكَ " أَيُّ " وَسَائِرُ الْحُرُوفِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلَّا كُلَّمَا، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي " مَتَى " أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِد
أَيْ: فِي كُلِّ وَقْتٍ.
وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيه؛ لِأَنَّهَا اسْمُ زَمَنٍ بِمَعْنَى أَيَّ وَقْتٍ، وَبِمَعْنَى إذَا، فَلَا تَقْتَضِي مَا لَا يَقْتَضِيَانِهِ، وَكَوْنُهَا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ فِي بَعْضِ أَحْيَانِهَا، لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهَا فِي غَيْرِهِ، مِثْلُ إذَا وَأَيَّ وَقْتٍ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْأَمْرَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68] ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] . ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: 203] . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ ... لَهُمْ سَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا
وَكَذَلِكَ أَيَّ وَقْتٍ وَأَيَّ زَمَانٍ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلتَّكْرَارِ، وَسَائِرُ الْحُرُوفِ يُجَازَى بِهَا، إلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ وَغَيْرِهِ، لَا تُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ إلَّا بِدَلِيلٍ، كَذَلِكَ مَتَى.
(5952) فَصْلٌ: وَهَذِهِ الْحُرُوفُ إذَا تَقَدَّمَ جَزَاؤُهَا عَلَيْهَا، لَمْ تَحْتَجْ إلَى حَرْفٍ فِي الْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
وَإِنْ تَأَخَّرَ جَزَاؤُهَا، احْتَاجَتْ فِي الْجَزَاءِ إلَى حَرْفِ الْفَاءِ إذَا كَانَ جُمْلَةً مِنْ مُبْتَدَإٍ وَخَبَرٍ، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَإِنَّمَا اُخْتُصَّتْ بِالْفَاءِ لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ، فَتَرْبِطُ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَشَرْطِهِ، وَتَدُلُّ عَلَى تَعْقِيبِهِ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ.
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِدُخُولِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا
يُعَلَّقُ بِالْفَاءِ، وَهَذِهِ لَا فَاءَ فِيهَا، فَيَكُونُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أُتِيَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْلِيقَ بِهِ، وَإِنَّمَا حَذَفَ الْفَاءَ وَهِيَ مُرَادَةٌ، كَمَا يُحْذَفُ الْمُبْتَدَأُ تَارَةً، وَيُحْذَفُ الْخَبَرُ أُخْرَى، لِدَلَالَةِ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ الْفَاءِ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
فَقَدَّمَ الشَّرْطَ، وَمُرَادُهُ التَّأْخِيرُ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى فَائِدَةٍ، وَتَصْحِيحُهُ عَنْ الْفَسَادِ، وَجَبَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَصْحِيحُهُ، وَفِيمَا ذَكَرُوهُ إلْغَاؤُهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ.
وَقَعَ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ.
وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لَأَنْ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُك الدَّارَ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ ". وَقَالَ: " صِلْهُمْ وَإِنْ قَطَعُوك، وَأَعْطِهِمْ وَإِنْ حَرَمُوك ". وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الشَّرْطَ، دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِذَا قَالَ: إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلَتْ الْأُخْرَى.
فَمَتَى دَخَلَتْ الْأُولَى طَلَقَتْ، سَوَاءٌ دَخَلَتْ الْأُخْرَى أَوْ لَمْ تَدْخُلْ، وَلَا تَطْلُقُ بِدُخُولِ الْأُخْرَى.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: تَطْلُقُ بِدُخُولِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُقْتَضَيْ اللُّغَةِ مَا قُلْنَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت جَعْلَ الثَّانِي شَرْطًا لِطَلَاقِهَا أَيْضًا.
طَلَقَتْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّ دُخُولَ الثَّانِيَةِ شَرْطٌ لِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ، فَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلَتْ الْأُخْرَى.
طَلَقَتْ بِدُخُولِ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ شَرْطًا عَلَى شَرْطٍ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّ دُخُولَ الثَّانِيَةِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ.
قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ، وَطَلَقَتْ بِدُخُولِ الْأُولَى وَحْدَهَا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلَتْ هَذِهِ الْأُخْرَى فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَدْ قِيلَ: لَا تَطْلُقُ إلَّا بِدُخُولِهِمَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ طَلَاقَهَا جَزَاءً لِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقْ بِأَحَدِهِمَا أَيِّهِمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَرْطَيْنِ بِحَرْفَيْنِ،
فَيَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءً، فَتَرَكَ ذِكْرَ جَزَاءِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ الْجَزَاءُ الْآخَرُ دَالًّا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: ضَرَبْت وَضَرَبَنِي زَيْدٌ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَلَكِنَّ نِصْفًا لَوْ سَبَبْت وَسَبَّنِي ... بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهَاشِمِ
وَالتَّقْدِيرُ سَبَّنِي هَؤُلَاءِ وَسَبَبْتهمْ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17] . أَيْ عَنْ الْيَمِينِ قَعِيدٌ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَقَتْ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ لِلْجَزَاءِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلِابْتِدَاءِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهَا الْجَزَاءَ.
أَوْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ دُخُولَهَا فِي حَالِ كَوْنِهَا طَالِقًا شَرْطًا لِشَيْءٍ، ثُمَّ أَمْسَكْت.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ جَعَلَ لِهَذَا جَزَاءً، فَقَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ فَعَبْدِي حُرٌّ.
صَحَّ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ.
وَهِيَ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ هَاهُنَا لِلْحَالِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143] . وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَالِقًا.
فَدَخَلَتْ وَهِيَ طَالِقٌ، طَلَقَتْ أُخْرَى، وَإِنْ دَخَلَتْهَا غَيْرَ طَالِقٍ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالٌ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ رَاكِبَةً.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ قُمْتِ.
كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: إنْ قُمْتِ.
وَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلشَّرْطِ كَانَتْ لَغْوًا، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ كَلَامِ الْمُكَلَّفِ.
وَقِيلَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْإِثْبَاتِ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الْمَنْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 76] ، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: 64] . وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ لَهَا جَوَابًا.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(5953) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ أَكَلَتْ وَلَبِسْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِوُجُودِهِمَا جَمِيعًا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْأَكْلُ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ وَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ أَكَلْتِ أَوْ لَبِسْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ أَكَلْتِ، أَوْ إنْ لَبِسْتِ، أَوْ لَا أَكَلْتِ وَلَا لَبِسْتِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا أَكَلْتِ وَلَبِسْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِفِعْلِهِمَا، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: يَحْنَثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا هَاهُنَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَكَلْتِ فَلَبِسْتِ، أَوْ إنْ أَكَلْتِ ثُمَّ لَبِسْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَأْكُلَ ثُمَّ تَلْبَسَ، لِأَنَّ الْفَاءَ وَثَمَّ لِلتَّرْتِيبِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَكَلْتِ
إذَا لَبِسْتِ.
أَوْ: إنْ أَكَلْتِ مَتَى لَبِسْتِ.
أَوْ: إنْ أَكَلْتِ إنْ لَبِسْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَلْبَسَ ثُمَّ تَأْكُلَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالْأَكْلِ بَعْدَ اللُّبْسِ، وَيُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ اعْتِرَاضَ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ، فَيَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْمُتَأَخِّرِ وَتَأْخِيرَ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّانِيَ فِي اللَّفْظِ شَرْطًا لِلَّذِي قَبْلَهُ، وَالشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْرُوطَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34] . فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ أَعْطَيْتُك، إنْ وَعَدْتُك، إنْ سَأَلْتنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَسْأَلَهُ، ثُمَّ يَعِدَهَا ثُمَّ يُعْطِيَهَا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَطِيَّةِ الْوَعْدَ، وَفِي الْوَعْدِ السُّؤَالَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ سَأَلْتنِي، فَوَعَدْتُك، فَأَعْطَيْتُك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْقَاضِي إذَا كَانَ الشَّرْطُ بِإِذَا كَقَوْلِنَا، وَفِيمَا إذَا كَانَ بِإِنْ مِثْلَ قَوْلِهِ: إنْ شَرِبْت إنْ أَكَلْت.
أَنَّهَا تَطْلُقُ بِوُجُودِهِمَا كَيْفَمَا وُجِدَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْرِفُونَ مَا يَقُولهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي هَذَا، فَتَعَلَّقْت الْيَمِينُ بِمَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْعُرْف، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ بِإِذَا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْعُرْفِ فِي هَذَا عُرْفٌ؛ فَإِنْ هَذَا الْكَلَامَ غَيْرُ مُتَدَاوَلٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ إلَّا نَادِرًا، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى مُقْتَضَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الشَّأْنِ، كَسَائِرِ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ.
(5954) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ قُمْت.
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ " أَنْ " الْمَفْتُوحَةَ لَيْسَتْ لِلشَّرْطِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّعْلِيلِ، فَمَعْنَاهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّك قُمْت، أَوْ لِقِيَامِك.
كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: 17] . ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 90] ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 91] . ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: 1] . وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إنْ كَانَ نَحْوِيًّا وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَحْوِيًّا فَهِيَ لِلشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إلَّا الشَّرْطَ، وَلَا يَعْرِفُ أَنَّ مُقْتَضَاهَا التَّعْلِيلُ، فَلَا يُرِيدُهُ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ مَا لَا يَعْرِفُهُ، وَلَا يُرِيدُهُ، كَمَا لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي النَّحْوِيِّ أَيْضًا: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يَقَعُ طَلَاقُهُ فِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي، يَكُونُ شَرْطًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، وَتَعْلِيلًا فِي حَقِّ النَّحْوِيِّ.
وَالثَّالِثُ، يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِعْرَابِ، فَيَقُولُ: أَرَدْت
الشَّرْطَ.
فَيُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَلَامِ عَمَّا يَقْتَضِيه إلَّا بِقَصْدِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذْ دَخَلْت الدَّارَ.
طَلَقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ إذْ لِلْمَاضِي.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
(5955) فَصْلٌ: وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطَيْنِ، لَمْ يَقَعْ قَبْلَ وُجُودِهِمَا جَمِيعًا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي وُقُوعِهِ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا، بِنَاءً عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَ بَعْضَهُ.
وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، يُخَالِفُ الْأُصُولَ وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ وَالْعُرْفَ، وَعَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنهمْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا، وَإِذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ فِي الشَّرْطَيْنِ الْمُرَتَّبَيْنِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: إنْ أَكَلْت ثُمَّ لَبِسْت.
فَلِإِخْلَالِهِ بِالشَّرْطِ كُلِّهِ أَوْلَى، ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتنِي دِرْهَمَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا مَضَى شَهْرَانِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ قَبْلَ وُجُودِهِمَا جَمِيعًا، وَكَانَ قَوْلُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ بِإِعْطَائِهِ بَعْضَ دِرْهَمٍ وَمُضِيِّ بَعْضِ يَوْمٍ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطَيْنِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِمَا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَإِذَا قَالَ: إذَا صُمْتِ يَوْمًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كَامِلَةً، وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي تَصُومُ فِيهِ طَلَقَتْ، وَأَمَّا الْيَمِينُ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ مَا يَقْتَضِي جَمِيعَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا مَا يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطَيْنِ مَعًا؛ لِتَصْرِيحِهِ بِهِمَا، وَجَعْلِهِمَا شَرْطًا لِلطَّلَاقِ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ شَرْطِهِ، عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ مُقْتَضَاهَا الْمَنْعُ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَيَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِ جَمِيعِهِ، لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْ شَيْءٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، كَمَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ جُمْلَتِهِ، وَمَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ جُعِلَ جَزَاءً وَحُكْمًا لَهُ، وَالْجَزَاءُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ شَرْطِهِ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ تَمَامِ شَرْطِهِ، لُغَةً وَعُرْفًا وَشَرْعًا.
[فُصُولُ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ]
(5956) فُصُولٌ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْت.
فَصَدَّقَهَا، طَلَقَتْ، وَإِنْ كَذَّبَهَا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُقْبَلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ عَلَى نَفْسِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] . قِيلَ: هُوَ الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ.
وَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهَا فِيهِ مَقْبُولٌ، لَمَا حَرُمَ عَلَيْهَا كِتْمَانُهُ، وَصَارَ هَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] .
لَمَّا حَرَّمَ كِتْمَانَهَا دَلَّ عَلَى قَبُولِهَا، كَذَا هَاهُنَا.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى فِيهَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهَا فِيهِ، كَقَضَاءِ عِدَّتِهَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَيَخْتَبِرُهَا النِّسَاءُ، بِإِدْخَالِ قُطْنَةٍ فِي الْفَرْجِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي ادَّعَتْ الْحَيْضَ فِيهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ فَهِيَ حَائِضٌ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ.
فَقَالَتْ: قَدْ حِضْت: يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَتُعْطَى قُطْنَةً وَتُخْرِجُهَا، فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ فَهِيَ حَائِضٌ، تَطْلُقُ وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِهَذَا أَقُولُ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْحَيْضَ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ قَوْلِهَا، كَدُخُولِ الدَّارِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَلَعَلَّ أَحْمَدَ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْبَيِّنَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَجْلِ عِتْقِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ قَوْلَهَا إنَّمَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَهَلْ يُعْتَبَرُ يَمِينُهَا إذَا قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، فَأَنْكَرَهَا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إلَّا فِي حَقِّ نَفْسِهَا خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا، مِنْ طَلَاقِ أُخْرَى، أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذِهِ مَعَك.
لِامْرَأَتِهِ الْأُخْرَى.
قَالَتْ: قَدْ حِضْت.
مِنْ سَاعَتِهَا أَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ، تَطْلُقُ هِيَ، وَلَا تَطْلُقُ هَذِهِ حَتَّى تَعْلَمَ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، وَلَا يُجْعَلُ طَلَاقُ هَذِهِ بِيَدِهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا، دُونَ غَيْرِهَا، فَصَارَتْ كَالْمُودَعِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُودِعِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ حِضْت.
فَأَنْكَرَتْ.
طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ.
فَإِنْ قَالَ: إنْ حِضْت فَأَنْتِ وَضَرَّتُك طَالِقَتَانِ.
فَقَالَتْ: قَدْ حِضْت.
فَصَدَّقَهَا، طَلُقَتَا بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ كَذَّبَهَا، طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
وَإِنْ ادَّعَتْ الضَّرَّةُ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتهَا بِحَيْضِ غَيْرِهَا كَمَعْرِفَةِ الزَّوْجِ بِهِ، وَإِنَّمَا اُؤْتُمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا فِي حَيْضِهَا.
وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْت.
فَأَنْكَرَتْ، طَلُقَتَا بِإِقْرَارِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَقَالَتَا: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُمَا، طَلُقَتَا، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطَيْنِ، حَيْضِهَا، وَحَيْضِ ضَرَّتِهَا، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ ضَرَّتِهَا عَلَيْهَا، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطَانِ.
وَإِنْ صَدَّقَ إحْدَاهُمَا، وَكَذَّبَ الْأُخْرَى، طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي حَقِّهَا.
وَقَدْ صَدَّقَ الزَّوْجُ ضَرَّتَهَا، فَوُجِدَ الشَّرْطَانِ فِي طَلَاقِهَا، وَلَمْ تَطْلُقْ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ ضَرَّتِهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّهَا، وَمَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ طَلَاقِهَا.
[فَصْلٌ قَالَ لَأَرْبَعٍ إنْ حِضْتُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ]
فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لَأَرْبَعٍ: إنْ حِضْتُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ.
فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا.
فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقْنَ وَإِنْ كَذَّبَهُنَّ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ طَلَاقِهِنَّ حَيْضُ الْأَرْبَعِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، لَمْ تَطْلُقْ، وَاحِدَةٌ
مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.
وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي حَيْضِهَا، وَقَدْ صَدَّقَ الزَّوْجُ صَوَاحِبَهَا، فَوَجَدَ حَيْضُ الْأَرْبَعِ فِي حَقِّهَا، فَطَلُقَتْ، وَلَا يُطَلِّقُ الْمُصَدَّقَاتُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُكَذِّبَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّهِنَّ.
[فَصْلٌ قَالَ لَهُنَّ كُلَّمَا حَاضَتْ إحْدَاكُنَّ أَوْ أَيَّتُكُنَّ حَاضَتْ فَضَرَّاتُهَا طَوَالِقُ فَقُلْنَ قَدْ حِضْنَا]
(5958) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لَهُنًّ: كُلَّمَا حَاضَتْ إحْدَاكُنَّ، أَوْ أَيَّتُكُنَّ حَاضَتْ، فَضَرَّاتُهَا طَوَالِقُ.
فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا، فَصَدَّقَهُنَّ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
وَإِنْ كَذَّبَهُنَّ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ.
وَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا طَلْقَةً طَلْقَةً، وَلَمْ تَطْلُقْ هِيَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَيْضُ ضَرَّةٍ لَهَا.
وَإِنْ صَدَّقَ اثْنَتَيْنِ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُصَدَّقَتَيْنِ طَلْقَةً طَلْقَةً؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ضَرَّةً مُصَدَّقَةً، وَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُكَذَّبَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ.
وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ ثَلَاثًا، وَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُصَدَّقَاتِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ.
[فَصْلٌ قَالَ لَطَاهِرٍ إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ]
(5959) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِطَاهِرٍ: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَرَأَتْ الدَّمَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، كَمَا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ حَيْضًا فِي الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ الْحَيْضُ.
وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضِ، لِانْقِطَاعِهِ لِدُونِ أَقَلِّ الْحَيْضِ، بَانَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا مَالِكًا فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْهُ، أَنَّهُ يَحْنَثُ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا.
وَإِنْ قَالَ لِحَائِضٍ: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ.
وَلَوْ قَالَ لِطَاهِرٍ: إذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ.
وَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَطْلُقُ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا الْحَيْضُ وَالطُّهْر، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ صِفَتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ إذَا اسْمُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، يَقْتَضِي فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا، وَهَذَا الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مُسْتَدَامٌ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ: حَاضَتْ الْمَرْأَةُ وَطَهُرَتْ.
إلَّا ابْتِدَاءُ ذَلِكَ، فَتَعَلَّقَتْ الصِّفَةُ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِطَاهِرٍ: إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ إلَّا بِذَلِكَ.
وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ: إذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ، وَتَطْلُقْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ قَبْلَ الْغُسْلِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ، فِي " التَّنْبِيهِ " فِيهَا قَوْلًا، أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَغْتَسِلَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِانْقِطَاعِ الدَّمِ حَتَّى تَغْتَسِلَ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] . أَيْ: يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] . أَيْ: اغْتَسَلْنَ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَصِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ مَوْقُوفًا عَلَى وُجُودِ الْغُسْلِ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَائِضًا فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ عَلَى التَّعْيِينِ، فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخِرِ.
[فَصْلٌ قَالَ لَهَا إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَاضَتْ حَيْضَةً]
(5960) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَحَاضَتْ حَيْضَةً، طَلُقَتْ وَاحِدَةً، فَإِذَا حَاضَتْ الثَّانِيَةَ، طَلُقَتْ الثَّانِيَةَ عِنْدَ طُهْرِهَا مِنْهَا.
وَإِنْ قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ إذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُق الثَّانِيَةَ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ، فَتَقْتَضِي حَيْضَتَيْنِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى، لِكَوْنِهِمَا مُرَتَّبَتَيْنِ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ قَالَ إذَا حِضْت نِصْفَ حَيْضَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ]
(5961) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إذَا حِضْت نِصْفَ حَيْضَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ إذَا ذَهَبَ نِصْفُ الْحَيْضَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إذَا حَاضَتْ نِصْفَ عَادَتِهَا، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَعَلَّقَتْ بِالْعَادَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَمْضِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَيَقَّنُ مُضِيَّ نِصْفِ الْحَيْضَةِ إلَّا بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَطْهُرَ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَتَى طَهُرَتْ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي نِصْفِ الْحَيْضَةِ.
وَقِيلَ: يَلْغُو قَوْلُهُ: نِصْفِ حَيْضَةٍ.
وَيَبْقَى طَلَاقُهَا مُعَلَّقًا بِوُجُودِ الْحَيْضِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَهُ مُدَّةٌ، أَقَلُّهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَهُ نِصْفٌ حَقِيقَةً، وَالْجَهْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ، وَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِهِ، كَالْحَمْلِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ]
(5962) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
كَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . أَيْ: اجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَمَانِينَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِحَيْضِ إحْدَاهُمَا حَيْضَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا، وَجَبَتْ إضَافَته إلَى إحْدَاهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] . وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْغُو قَوْلُهُ: حَيْضَةً
وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ حَيْضَةً وَاحِدَةً مِنْ امْرَأَتَيْنِ مُحَالٌ، فَيَبْقَى كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، لَا تَنْعَقِدُ هَذِهِ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ، فَتَصِيرُ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْمُكَلَّفِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَحْمَلٍ سَائِغٍ، وَتَبْعِيد لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالْيَقِينُ بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَلَا يَزُولُ حَتَّى يُوجَدَ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ يَقِينًا، وَغَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ.
فَإِنْ أَرَادَ بِكَلَامِهِ أَحَدَ هَذِهِ الْوُجُوهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ، قُبِلَ مِنْهُ.
وَإِذَا قَالَ: أَرَدْت أَنْ تَكُونَ الْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُمَا، فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِمُسْتَحِيلِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْغُوَ قَوْلُهُ: حَيْضَةً.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تُوجَدُ، فَلَا يُوجَدُ مَا عُلِّقَ عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، وَيَلْغُوَ الشَّرْطُ، بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ.
[فَصْلٌ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقَالَ أَيَّتُكُنَّ لَمْ أَطَأْهَا فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ]
فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ: أَيَّتُكُنَّ لَمْ أَطَأْهَا، فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ.
وَقَيَّدَهُ بِوَقْتٍ، فَمَضَى الْوَقْتُ وَلَمْ يَطَأْهُنَّ، طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ ضَرَائِرَ غَيْرَ مَوْطُوءَاتٍ.
وَإِنْ وَطِئَ ثَلَاثًا وَتَرَكَ وَاحِدَةً، لَمْ تَطْلُقْ الْمَتْرُوكَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا ضَرَّةٌ غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ، وَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَوْطُوآت طَلْقَةً طَلْقَةً.
وَإِنْ وَطِئَ اثْنَتَيْنِ طَلُقَتَا طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ، وَطَلُقَتْ الْمَتْرُوكَتَانِ طَلْقَةً طَلْقَةً.
وَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَتْرُوكَات طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ، كَانَ وَقْتُ الطَّلَاقِ مُقَيَّدًا بِعُمْرِهِ وَعُمْرِهِنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ مَاتَتْ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا طَلْقَةً طَلْقَةً، وَإِذَا مَاتَتْ أُخْرَى فَكَذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ هُوَ طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا]
(5964) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا، طَلُقَتْ.
وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْيَمِينِ، أَوْ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ يَطَؤُهَا، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِذَلِكَ الْوَلَدِ.
وَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعُ سِنِينَ وَلَمْ تَلِدْ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ حِين عَقْدِ الْيَمِينِ.
وَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، نَظَرْت؛ فَإِنْ ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ الْحَمْلِ، مِنْ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ، قَبْلَ وَطْئِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَطْءِ الثَّانِي، لَمْ تَطْلُقْ.
وَإِنْ حَاضَتْ أَوْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتهَا مِنْ الْحَمْلِ طَلُقَتْ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ قَبْلَ الْوَطْءِ.
وَالثَّانِي، لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَلَا يَزُولُ بِشَكٍّ وَاحْتِمَالٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَالِاسْتِبْرَاءُ هَاهُنَا بِحَيْضَةٍ، فَإِنْ وُجِدَتْ الْحَيْضَةُ عَلَى عَادَتِهَا، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ طَلَاقِهَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ فِي عَادَتِهَا،
كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى حَمْلِهَا وَحِلِّ وَطْئِهَا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَهِيَ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ الطَّلَاقُ ثَمَّ لَا يَقَعُ هَاهُنَا، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَقَعُ ثَمَّ يَقَعُ هَاهُنَا، إلَّا أَنَّهَا إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، مِنْ حِينِ وَطْءِ الزَّوْجِ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَع سِنِينَ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ تَعَيُّنَ النِّكَاحِ بَاقٍ، وَالظَّاهِرُ حُدُوثُ الْوَلَدِ مِنْ الْوَطْءِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ قَبْلَهُ.
وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْقَاضِي: يَحْرُمُ الْوَطْءُ سَوَاءٌ قُلْنَا: الرَّجْعِيَّةُ مُبَاحَةٌ أَوْ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَعَدَمِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَبَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ.
وَإِذَا اسْتَبْرَأَهَا، حَلَّ وَطْؤُهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَيَكُونُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: مَتَى حَمَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى تَحِيضَ، فَإِذَا طَهُرَتْ وَطِئَهَا، فَإِنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا أُرِيَتْ النِّسَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْنَ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ، انْتَظَرَ عَلَيْهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ غَالِبَ مُدَّةِ الْحَمْلِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَقَدْ حَصَلَ بِحَيْضَةٍ، وَلِهَذَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . يَعْنِي: تُعْلَمُ بَرَاءَتُهَا بِحَيْضَةٍ، وَلِأَنَّ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْبَرَاءَةُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ.
وَأَمَّا الْعِدَّةُ، فَفِيهَا نَوْعُ تَعَبُّدٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّى بِالْقِيَاسِ.
وَهَلْ تَعْتَدُّ بِالِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ عَقْدِ الْيَمِينِ، أَوْ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي حَلَفَ فِيهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا الِاعْتِدَادُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ.
وَالثَّانِي، لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى سَبَبِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا حَبِلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
يَطَؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً.
يَعْنِي إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ عَلَمٌ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَوَطْؤُهَا سَبَبٌ لَهُ، فَإِذَا وَطِئَهَا اعْتَزَلَهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَدْ حَمَلَتْ مِنْ وَطْئِهِ، فَطَلُقَتْ بِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ كُنْت حَامِلًا بِغُلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَوَلَدَتْ غُلَامًا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ]
(5965) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: إنَّ كُنْت حَامِلًا بِغُلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ.
فَوَلَدَتْ
غُلَامًا، كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ.
تَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً حِينَ حَلَفَ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ.
وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، طَلُقَتْ بِوِلَادَتِهَا طَلْقَتَيْنِ، وَاعْتَدَّتْ بِالْقُرُوءِ.
وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، وَكَانَ الْغُلَامُ أَوَّلَهُمَا وِلَادَةً، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَبَانَتْ بِوَضْعِ الْجَارِيَةِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أَوَّلَهُمَا وِلَادَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا؛ وَاحِدَةً بِحَمْلِ الْغُلَامِ، وَاثْنَتَيْنِ بِوِلَادَةِ الْجَارِيَةِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْغُلَامِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ كُنْت حَامِلًا بِغُلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كُنْت حَامِلًا بِجَارِيَةِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ.
فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ حَمْلُك غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ حَمْلُك جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ.
فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا كُلَّهُ لَيْسَ بِغُلَامٍ وَلَا هُوَ جَارِيَةٌ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ: الْقَاضِي، فِي " الْجَامِع ": فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَنْ حَلَفَ: لَا لَبِسْت ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا.
فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْ غَزْلِهَا.
[فَصْلٌ قَالَ كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثَلَاثًا]
(5966) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَوَلَدَتْ ثَلَاثًا، دَفْعَةً وَاحِدَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّلَاثِ وُجِدَتْ وَهِيَ زَوْجَةٌ.
وَإِنْ وَلَدَتْهُمْ فِي دَفَعَاتٍ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ، طَلُقَتْ بِالْأَوَّلَيْنِ، وَبَانَتْ بِالثَّالِثِ، وَلَمْ تَطْلُقْ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهَا تَطْلُق؛ لِأَنَّ زَمَانَ الْبَيْنُونَةِ زَمَنُ الْوُقُوعِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَصَادَفَهَا الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا مِتّ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، فِي مَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي.
أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ.
فَهَذَا أَوْلَى.
وَإِنْ قَالَ: إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ.
فَوَلَدَتْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ وَلَدَتْهُمَا فِي دَفْعَتَيْنِ، وَقَعَ بِالْأَوَّلِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِي، وَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، أَوْ كَيْفِيَّةُ وَضْعِهِمَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً بِيَقِينٍ، وَلَا تَلْزَمُهُ الثَّانِيَةُ، وَالْوَرَعُ أَنْ يَلْتَزِمَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ أَوَّلُ مَا تَلِدِينَ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ.
فَوَلَدَتْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَقَعْ بِهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ.
وَإِنْ وَلَدَتْهُمَا فِي دَفْعَتَيْنِ، وَقَعَ بِالْأَوَّلِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقَعْ بِالثَّانِي شَيْءٌ.
[فَصْلٌ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقَالَ كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ فَوَلَدْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً]
(5967) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ: كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ، فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ.
فَوَلَدْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
وَإِنْ وَلَدْنَ فِي دَفَعَاتٍ، وَقَعَ بِضَرَائِرِ الْأُولَى طَلْقَةً طَلْقَةً، فَإِذَا وَلَدَتْ الثَّانِيَةُ بَانَتْ بِوَضْعِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ.
وَهَلْ يُطَلِّقُ سَائِرُهُنَّ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا، لَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ، فَلَمْ يَبْقَيْنَ ضَرَائِرَهَا، وَالزَّوْجُ إنَّمَا عَلَّقَ عَلَى وِلَادَتِهَا طَلَاقَ ضَرَائِرِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّهُنَّ ضَرَائِرُهَا فِي حَالِ وِلَادَتِهَا.
فَعَلَى هَذَا يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ اللَّتَيْنِ لَمْ يَلِدْنَ طَلْقَتَانِ طَلْقَتَانِ، وَتَبِينُ هَذِهِ، وَتَقَعُ بِالْوَالِدَةِ الْأُولَى طَلْقَةٌ، فَإِذَا وَلَدْت الثَّالِثَةُ بَانَتْ.
وَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْبَاقِيَتَيْنِ وَجْهَانِ؛ فَإِذَا قُلْنَا: يَقَعُ بِهِنَّ.
طَلُقَتْ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا، وَالْأُولَى طَلْقَتَيْنِ، وَبَانَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، وَلَيْسَ فِيهِنَّ مَنْ لَهُ رَجْعَتُهَا إلَّا الْأُولَى، مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، وَإِذَا وَلَدَتْ الرَّابِعَةُ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ، فَسَائِرُكُنَّ طَوَالِقُ.
أَوْ: فَبَاقِيكُنَّ طَوَالِقُ.
فَكُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ، وَقَعَ بِبَاقِيهِنَّ طَلْقَةٌ طَلْقَةٌ، وَتَبِينُ الْوَالِدَةُ بِوَضْعِ وَلَدِهَا إلَّا الْأُولَى.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا، أَنَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِبَاقِيهِنَّ بِوِلَادَتِهِمَا هَاهُنَا، وَفِي الْأُولَى لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَبْقَيْنَ ضَرَائِرَهَا، وَهَاهُنَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ.
فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأُولَى طَلْقَةٌ بِوِلَادَتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ، فَوَضَعْت الْأَوَّلَ مِنْهُمَا، وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا طَلْقَةٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، وَوَقَعَ بِهَا طَلْقَةٌ فِي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَةِ.
وَإِذَا وَضَعْت الثَّالِثَةُ، أَوْ كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ، فَكَذَلِكَ، فَتَطْلُقُ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا، وَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْوَالِدَاتِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ، فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ كُلَّمَا وَضَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ تَمَامَ حَمْلِهَا، انْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهَا.
قَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ، فَقَالَ: كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُمَا، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَوَلَدَتْ إحْدَاهُمَا يَوْمَ الْخَمِيسِ، طَلُقَتَا جَمِيعًا، ثُمَّ وَلَدَتْ الثَّانِيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، بَانَتْ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَمْ تَطْلُقْ، وَطَلُقَتْ الْأُولَى ثَانِيَةً، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَامِلًا بِاثْنَيْنِ، طَلُقَتَا بِوَضْعِ الثَّانِيَةِ طَلْقَةً طَلْقَةً أَيْضًا، ثُمَّ إذَا وَلَدَتْ الْأُولَى تَمَامَ حَمْلِهَا، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ، وَطَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا، فَإِذَا وَلَدَتْ الثَّانِيَةُ تَمَامَ حَمْلِهَا، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ، وَطَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ثَانِيَةً]
(5968) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ثَانِيَةً، طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ إعَادَتَهُ تَكْلِيمٌ لَهَا
وَشَرْطٌ لِطَلَاقِهَا، فَإِنْ أَعَادَهُ ثَالِثَةً، طَلُقَتْ ثَانِيَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَدْخُولِ بِهَا فَتَبِينُ بِالْأُولَى، وَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ ثَانٍ، وَإِنْ أَعَادَهُ رَابِعَةً، طَلُقَتْ الثَّالِثَةَ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَاعْلَمِي ذَلِكَ، أَوْ فَتُحَقَّقِي ذَلِكَ.
حَنِثَ لِأَنَّهُ كَلَّمَهَا بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَلَامًا مُبْتَدَأً، وَإِنْ زَجَرَهَا، فَقَالَ: تَنَحِّي، أَوْ اُسْكُتِي أَوْ اذْهَبِي.
حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ.
وَإِنْ سَمِعَهَا تَذْكُرُهُ، فَقَالَ: الْكَاذِبُ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ.
حَنِثَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهَا.
وَإِنْ كَلَّمَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ، أَوْ مَغْلُوبَةٌ عَلَى عَقْلِهَا بِإِغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ، لَا تَسْمَعُ، أَوْ بَعِيدَةٌ لَا تَسْمَعُ كَلَامَهُ، أَوْ صَمَّاءُ بِحَيْثُ لَا تَفْهَمُ كَلَامَهُ وَلَا تَسْمَعُ، أَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْنَثُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ . وَلَنَا، أَنَّ التَّكَلُّمَ فِعْلٌ يَتَعَدَّى إلَى الْمُتَكَلَّمِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكَلِمِ، وَهُوَ الْجَرْحُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ الْجَرْحِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِإِسْمَاعِهِ، فَأَمَّا تَكْلِيمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَوْتَى، فَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْف تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ اسْتِبْعَادًا، أَوْ سُؤَالًا عَمَّا خَفِيَ عَنْهُمْ سَبَبُهُ وَحِكْمَتُهُ، حَتَّى كَشَفَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكْمَةَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ مُخْتَصٍّ بِهِ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ فِي حَقِّ مَنْ سِوَاهُ عَلَى النَّفْيِ.
وَإِنْ حَلَفَ: لَا كَلَّمْت فُلَانًا.
فَكَلَّمَتْهُ سَكْرَانَ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ السَّكْرَانَ يُكَلَّمُ وَيَحْنَثُ، وَرُبَّمَا كَانَ تَكْلِيمُهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَضَرَّ مِنْ تَكْلِيمِهِ فِي صَحْوِهِ، وَإِنْ كَلَّمَتْهُ سَكْرَانَةَ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الصَّاحِي، وَإِنْ كَلَّمَتْهُ، وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ يَسْمَعُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُكَلَّمُ حَنِثَ.
وَإِنْ جُنَّتْ هِيَ، ثُمَّ كَلَّمَتْهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِكَلَامِهَا حُكْمٌ.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إنْسَانًا فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ فَلَمْ يَسْمَعْ]
(5969) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إنْسَانًا، فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ، فَلَمْ يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِهِ أَوْ غَفْلَتِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْمَعْ لِغَفْلَتِهِ، أَوْ شُغْلِ قَلْبِهِ.
وَإِنْ كَلَّمَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ؛ فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ، حَنِثَ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، أَنْ لَا يُكَلِّمَ حَمَاتَهُ، فَرَآهَا بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ : حَنِثَ، قَدْ كَلَّمَهَا.
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَمِينًا مُكَفِّرَة، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَكْلِيمَهُ، فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ، وَلِأَنَّهُ ظَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ،
فَأَشْبَهَ لَغْوَ الْيَمِينِ.
وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ بِالسَّلَامِ.
وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ، وَأَرَادَ جَمِيعَهُمْ بِالسَّلَامِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُمْ كُلَّهُمْ، وَإِنْ قَصْدَ بِالسَّلَامِ مَنْ عَدَاهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَلَّمَ غَيْرَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُمْ جَمِيعَهُمْ وَهُوَ فِيهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ فِي الْحِنْثِ عَلَى الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِمَا بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَدَمِ الْحِنْثِ عَلَى الْيَمِينِ الْمُكَفِّرَة.
فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ إمَامًا، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَأْمُومًا، لَمْ يَحْنَثْ بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِتَسْلِيمِهِ الْمَأْمُومِينَ فَيَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ تَكْلِيمًا، وَلَا يُرِيدُهُ الْحَالِفُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَكَلَّمَ إنْسَانًا، وَفُلَانًا يَسْمَعُ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ إسْمَاعَهُ، كَمَا قَالَ:
إيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَهُ
حَنِثَ نَصَّ.
عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَالَ: إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَكَلَّمَ إنْسَانًا، وَفُلَانٌ يَسْمَعُ، يُرِيدُ بِكَلَامِهِ إيَّاهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، فَإِنَّهُ كَانَ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ زِيَادًا، فَعَزَمَ زِيَادٌ عَلَى الْحَجِّ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرَةَ فَدَخَلَ قَصْرَهُ، وَأَخَذَ ابْنَهُ فِي حِجْرِهِ، فَقَالَ: إنَّ أَبَاكِ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالدُّخُولَ عَلَى زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا السَّبَبِ، وَقَدْ عِلْمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
ثُمَّ خَرَجَ، وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ.
وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ يُرِيدُهُ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطِبَهُ بِهِ، وَلِأَنَّ بِهِ مَقْصُودَ تَكْلِيمِهِ قَدْ حَصَلَ بِإِسْمَاعِهِ كَلَامَهُ.
[فَصْلٌ كَتَبَ إلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا وَكَانَ قَدْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَهُ]
فَصْلٌ: فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا، حَنِثَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ أَنْ لَا يُشَافِهَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ [فِي] مَوْضِعٍ آخَرَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: 51] . وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّرْكِ لِكَلَامِهِ هِجْرَانُهُ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ مُوَاصَلَتِهِ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ حَقِيقَةً، وَلَوْ حَلَفَ لِيُكَلِّمْنَهُ، لَمْ يَبَرَّ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، فَكَذَلِكَ لَا يَحْنَث بِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ، فَأَرْسَلَ إنْسَانًا يَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَوْ حَدِيثٍ، فَجَاءَ الرَّسُولُ، فَسَأَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ امْرَأَتَهُ،
فَجَامِعَهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ هِجْرَانَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْتُك خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَلَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا وَلَا يُكَلِّمَهَا؟ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ بَدْو هَذَا أَيَسُوءُهَا أَوْ يَغِيظُهَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَلَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا وَلَا يُكَلِّمَهَا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ.
فَقَرَأَهُ فِي نَفْسه، وَلَمْ يُحَرِّكْ شَفَتَيْهِ بِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا قِرَاءَةُ الْكُتُبِ فِي عُرْفِ النَّاسِ، فَتَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ الْقِرَاءَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا حَلَفَ: لَا قَرَأْت لِفُلَانٍ كِتَابًا.
فَفَتْحَهُ حَتَّى اسْتَقْصَى آخِرَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّكْ شَفَتَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا فِيهِ، فَقَدْ عَلِمَ مَا فِيهِ وَقَرَأَهُ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ بَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ إنْ بَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَعَبْدِي حُرٌّ]
(5971) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ بَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَالَتْ: إنْ بَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَعَبْدِي حُرٌّ.
انْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا خَاطِبَتِهِ بِيَمِينِهَا، فَاتَتْهُ الْبِدَايَةُ بِكَلَامِهَا، وَبَقِيَتْ يَمِينُهَا مُعَلَّقَةً، فَإِنْ بَدَأَهَا بِكَلَامِ انْحَلَّتْ يَمِينُهَا أَيْضًا، وَإِنْ بَدَأَتْهُ هِيَ، عَتَقَ عَبْدُهَا.
هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
وَيَحْتَمِل أَنَّهُ إنْ بَدَأَهَا بِالْكَلَامِ فِي وَقْتٍ آخَر، حَنِثَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى بِدَايَةً، فَتَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرَكَ الْبِدَايَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، أَوْ هَذَا الْمَجْلِسِ، فَيَتَقَيَّد بِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إنْ كَلَّمْتُمَا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ]
(5972) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إنْ كَلَّمْتُمَا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَكَلَّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ رَجُلًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ تَكْلِيمَهُمَا وُجِدَ مِنْهُمَا، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَحَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ حَيْضَةً.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ رَكِبْتُمَا دَابَّتَيْكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَرَكِبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ دَابَّتَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، لَا يَحْنَثُ حَتَّى تُكَلِّمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الرَّجُلَيْنِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهُمَا بِكَلَامِهِمَا لَهُمَا فَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ بِكَلَامِ الْأُخْرَى وَحْدَهَا.
وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتُمَا هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ.
فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْأُولَى.
وَهَذَا فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِانْفِرَادِ الْوَاحِدِ بِهِ، فَأَمَّا مَا جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ بِانْفِرَادِ الْوَاحِدِ فِيهِ بِالْوَاحِدِ، كَنَحْوِ: رَكِبَا دَابَّتَيْهِمَا، وَلَبِسَا ثَوْبَيْهِمَا، وَتَقَلَّدَا سَيْفَيْهِمَا، وَاعْتَقَلَا رُمْحَيْهِمَا، وَدَخَلَا بِزَوْجَيْهِمَا.
وَأَشْبَاه هَذَا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا وُجِدَ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ، وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِيهِ بِذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ أَكَلْتُمَا هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ.
فَأَكَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَغِيفًا، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَأْكُلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الرَّغِيفَيْنِ، بِخِلَافِ الرَّجُلَيْنِ وَالدَّارَيْنِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَمُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ]
فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا، وَمُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَ زَيْدًا فِي حَالٍ يَكُونُ فِيهِ مُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ.
وَذَكَر الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ بِكَلَامِ زَيْدٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ.
وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ جَعْلُ الْكَلَامِ مُتَّصِلًا كَانَ أَوْلَى مِنْ قَطْعِهِ، وَالرَّفْعُ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ حَالًا، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ مِنْ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ تَكُونُ حَالًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] . وَقَالَ: ﴿إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2] . ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: 13] . وَهَذَا كَثِيرٌ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ عَنْ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ فِي سِيَاقِهِ مَعَ إمْكَانِ وَصْلِهِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَمُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُق حَتَّى تُكَلِّمَ زَيْدًا فِي حَالِ كَوْنِ مُحَمَّدٍ مَعَ خَالِدٍ، فَكَذَلِكَ إذَا تَأَخَّرَ قَوْلُهُ: مُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَأَنَا غَائِبٌ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ.
أَوْ وَهُوَ رَاكِبٌ.
أَوْ: وَمُحَمَّدٌ رَاكِبٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَمُحَمَّدٌ أَخُوهُ مَرِيضٌ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَهُ وَأَخُوهُ مُحَمَّدٌ مَرِيضٌ.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ كَلَّمْتنِي إلَى أَنْ يَقْدَمَ زَيْدٌ أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ]
(5974) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتنِي إلَى أَنْ يَقْدَمَ زَيْدٌ.
أَوْ: حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَكَلَّمَتْهُ قَبْلَ قُدُومِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مَدَّ الْمَنْعَ إلَى غَايَةٍ هِيَ قُدُومُ زَيْدٍ، فَلَا يَحْنَثُ بَعْدَهَا.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت إنْ اسْتَدَمْت كَلَامِي مِنْ الْآن إلَى أَنْ يَقْدَمَ زَيْدٌ.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت]
(5975) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت.
أَوْ: إذَا شِئْت.
أَوْ: مَتَى شِئْت.
أَوْ: كُلَّمَا شِئْت.
أَوْ: كَيْفَ شِئْت.
أَوْ: حَيْثُ شِئْت.
أَوْ: أَنَّى شِئْت.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ، وَتَنْطِقَ بِالْمَشِيئَةِ بِلِسَانِهَا، فَتَقُولَ: قَدْ شِئْت.
لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُعْلَمُ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ اللِّسَانُ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ، دُونَ مَا فِي الْقَلْبِ، فَلَوْ شَاءَتْ بِقَلْبِهَا دُونَ نُطْقِهَا، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، وَلَوْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت.
بِلِسَانِهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، لَوَقَعَ الطَّلَاقُ، اعْتِبَارًا بِالنُّطْقِ.
وَكَذَلِكَ إنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ غَيْرِهَا.
وَمَتَى وَجَدَتْ الْمَشِيئَةُ بِاللِّسَانِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ، وَفِيمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت.
أَوْ: أَنَّى شِئْت.
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ دُونَ صَاحِبَيْهِ: إذَا قَالَ: أَنْتِ
طَالِقٌ كَيْف شِئْت.
تَطْلُقُ فِي الْحَالِ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِلطَّلَاقِ الْوَاقِعِ بِمَشِيئَتِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى مَشِيئَتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: حَيْثُ شِئْت.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ الْحُرُوفِ: إنْ شَاءَتْ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَلَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي " إنْ " كَقَوْلِهِ، وَفِي سَائِرِ الْحُرُوفِ كَقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ صَرِيحَةٌ فِي التَّرَاخِي، فَحُمِلَتْ عَلَى مُقْتَضَاهَا، بِخِلَافِ " إنْ "، فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي زَمَانًا، وَإِنَّمَا هِيَ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ فَتُقَيَّدُ، بِالْفَوْرِ بِقَضِيَّةِ التَّمْلِيكِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنَّ شِئْت.
إنَّمَا ذَلِكَ لَهَا مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْعِتْقِ، وَفَارَقَ: اخْتَارِي.
فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ، إنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ.
وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَهُ الْمَشِيئَةُ، أَوْ جُنَّ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ لَمْ يُوجَد.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ يَقَعُ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقَعُ إذَا تَعَذَّرَ شَرْطُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَإِنْ شَاءَ.
وَهُوَ مَجْنُونٌ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ.
وَإِنْ شَاءَ، وَهُوَ سَكْرَانُ.
فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إيقَاعَ طَلَاقِهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ، كَيْ لَا تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَهَاهُنَا إنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ، وَهُوَ طِفْلٌ، لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ.
وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ الطَّلَاقَ، وَقَعَ؛ لِأَنَّ لَهُ مَشِيئَةً، وَلِذَلِكَ صَحَّ اخْتِيَارُهُ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ نَاطِقًا حَالَ التَّعْلِيقِ، فَخَرِسَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ فِي نَفْسِهِ يَقَعُ بِهَا، فَكَذَلِكَ طَلَاقُ مَنْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةٍ.
وَالثَّانِي، لَا يَقَعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ حَالَ التَّعْلِيقِ، كَانَ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنُّطْقِ، فَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي التَّعْلِيقِ: إنْ نَطَقَ فُلَانٌ بِمَشِيئَتِهِ فَهِيَ طَالِقٌ.
[فَصْلٌ قَيَّدَ الْمَشِيئَةَ بِوَقْتِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت الْيَوْمَ]
(5976) فَصْلٌ: فَإِنْ قَيَّدَ الْمَشِيئَةَ بِوَقْتٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت الْيَوْمَ.
تَقَيَّدَ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ الْيَوْمُ قَبْلَ مَشِيئَتهَا لَمْ تَطْلُقْ.
وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ اثْنَيْنِ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تُوجَدَ مَشِيئَتُهُمَا، وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا أَنَّهُ يَقَعُ بِمَشِيئَةِ
أَحَدِهِمَا، كَمَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا.
فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَشَاءَ أَبُوك.
فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ شَاءَ أَبِي.
فَقَالَ أَبُوهَا: قَدْ شِئْت.
لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَشَأْ، فَإِنَّ الْمَشِيئَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت.
فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ شِئْت.
فَقَالَ: قَدْ شِئْت.
أَوْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ.
لَمْ يَقَعْ.
نَصَّ أَحْمَدُ، عَلَى مَعْنَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت.
فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ شَاءَ فُلَانٌ.
أَنَّهَا قَدْ رَدَّتْ الْأَمْرَ، وَلَا يَلْزَمُهَا الطَّلَاقُ وَإِنْ شَاءَ فُلَانٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهَا مَشِيئَةٌ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهَا تَعْلِيقُ مَشِيئَتِهَا بِشَرْطٍ، وَلَيْسَ تَعْلِيقُ الْمَشِيئَةِ بِشَرْطِ مَشِيئَةٍ.
وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَشِيئَةِ اثْنَيْنِ، فَشَاءَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْآخَرُ عَلَى التَّرَاخِي، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تَشَائِي أَوْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَقَالَتْ قَدْ شِئْت]
(5977) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تَشَائِي.
أَوْ: يَشَاءَ زَيْدٌ.
فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت.
لَمْ تَطْلُقْ.
وَإِنْ أَخَّرَا ذَلِكَ طَلُقَتْ وَإِنْ.
جُنَّ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهِ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ.
فَإِنْ خَرِسَ فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِإِشَارَتِهِ إذَا عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَته.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا فَلَمْ تَشَأْ]
فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا.
فَلَمْ تَشَأْ، أَوْ شَاءَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً.
وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت ثَلَاثًا.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَطْلُق ثَلَاثًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ: لَا تَطْلُقُ إذَا شَاءَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَتَقْدِيرُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا فَلَا تَطْلُقِي، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: ثَلَاثًا لَمَا طَلُقَتْ بِمَشِيئَتِهَا ثَلَاثًا، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الثَّلَاثَ صِفَةً لِمَشِيئَتِهَا الرَّافِعَة لِطَلَاقِ الْوَاحِدَةِ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تُكَرِّرِي بِمَشِيئَتِك ثَلَاثًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تَطْلُق؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي، تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إيقَاعُ الثَّلَاثِ إذَا شَاءَتْهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِثَالِثَةٍ، وَخُذْ دِرْهَمًا إلَّا أَنْ تُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» . أَيْ إنَّ بِيعَ الْخِيَارِ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِيهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، إلَّا أَنْ تَشَائِي وَاحِدَةً.
فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت وَاحِدَةً.
طَلُقَتْ وَاحِدَةً، عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
وَعَلَى قَوْلِهِمْ: لَا تَطْلُقُ شَيْئًا.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِمَشِيئَةِ فُلَانٍ أَوْ لِرِضَاهُ أَوْ لَهُ]
(5979) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِمَشِيئَةِ فُلَانٍ.
أَوْ: لِرِضَاهُ.
أَوْ: لَهُ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ لِكَوْنِهِ قَدْ شَاءَ ذَلِكَ، أَوْ رَضِيَهُ، أَوْ لِيَرْضَى بِهِ، كَقَوْلِهِ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ لِرِضَى اللَّهِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ الشَّرْطَ.
دُيِّنَ.
قَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَحْبَبْت أَوْ إنْ أَرَدْت أَوْ إنْ كَرِهْت]
(5980) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَحْبَبْت.
أَوْ: إنْ أَرَدْت.
أَوْ: إنْ كَرِهْت.
احْتَمَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بُقُولِهَا بِلِسَانِهَا: قَدْ أَحْبَبْت.
أَوْ: أَرَدْت.
أَوْ: كَرِهْت.
لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي الْقَلْبِ، لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ قِبَلِهَا، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِقَوْلِهَا، كَالْمَشِيئَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَكُونَ اللِّسَانُ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِوُجُودِهِ، وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، وَلَوْ قَالَتْ: أَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَتْ: كُنْت كَاذِبَةً.
لَمْ تَطْلُقْ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَالَتْ: أَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ.
فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا، فِلْمُ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ، وَفِيهَا احْتِمَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تَطْلُقُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِي الْقَلْبِ، وَلَا تُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مَحَبَّةُ ذَلِكَ، وَخَبَرُهَا بِحُبِّهَا لَهُ كَذِبٌ مَعْلُومٌ، فَلَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى مَا فِي قَلْبِهَا.
وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي، أَنَّهَا تَطْلُقُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُوقَف عَلَيْهِ إلَّا مِنْ لِسَانِهَا، فَاقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِهَا بِهِ، كَاذِبَةً كَانَتْ أَوْ صَادِقَةً، كَالْمَشِيئَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ ذَلِكَ.
وَبَيْن قَوْلِهِ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ.
لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى]
(5981) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
طَلُقَتْ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
عَتَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَقَالَ: لَيْسَ هُمَا مِنْ الْأَيْمَانِ.
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ، وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ.
وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَالْحَكَمِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةٍ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَهَا، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ زَيْدٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
لَمْ يَحْنَثْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَهِيَ طَالِقٌ.
رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ.
وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ نَحْوُهُ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا: كُنَّا مَعَاشِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَرَى الِاسْتِثْنَاءَ جَائِزًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، إلَّا فِي الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَهَذَا نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ، فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ جُمْلَةَ الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا.
وَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ حُكْمٍ فِي مَحَلٍّ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِالْمَشِيئَةِ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ، فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ تَعْلِيقٌ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ، فَأَشْبَهَ تَعْلِيقَهُ عَلَى الْمُسْتَحِيلَاتِ.
وَالْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ إنْشَاءٌ، وَلَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً، وَإِنْ سُمِّيَ بِذَلِكَ فَمَجَازٌ، لَا تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ مِنْ أَجْلِهِ، ثُمَّ إنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا سُمِّيَ يَمِينًا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
لَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً، وَلَا مَجَازًا، فَلَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ يَمِينٍ.
وَقَوْلُهُمْ: عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةٍ لَا تُعْلَمُ.
قُلْنَا: قَدْ عُلِمَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ الطَّلَاقَ بِمُبَاشَرَةِ الْآدَمِيِّ سَبَبَهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ شَاءَ اللَّهُ حِينَ أَذِنَ أَنْ يُطَلِّقَ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَمْ، تُعْلَمْ، لَكِنْ قَدْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ يَسْتَحِيلُ عِلْمُهُ، فَيَكُونُ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُسْتَحِيلَاتِ، يَلْغُو، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ]
(5982) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَقَعُ الطَّلَاقُ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ لَيْسَا مِنْ الْأَيْمَانِ، وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا تَطْلُقُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ صَارَ يَمِينًا وَحَلِفًا، فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ
فِيهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ؛ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» . وَفَارَقَ مَا إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]
(5983) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
طَلُقَتْ، وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ.
وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةٍ لَمْ تُعْلَمْ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ.
أَوْ: مَا لَمْ يَشَأْ اللَّهُ.
وَقَعَ أَيْضًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ طَلَاقِهَا إذَا لَمْ يَشَأْ اللَّهُ مُحَالٌ، فَلَغَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ، بِنَاءً عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْمُحَالِ، مِثْل قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ جَمَعْت بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
أَوْ: شَرِبْت الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ.
وَلَا مَاءَ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَتَدْخُلَنَّ الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
لَمْ تَطْلُقْ، دَخَلَتْ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ؛ لِأَنَّهَا إنْ دَخَلَتْ، فَقَدْ فَعَلْت الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ، عَلِمْنَا أَنَّ اللَّه لَمْ يَشَأْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَهُ لَوُجِدَ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ رَدَّهُ إلَى الطَّلَاقِ دُونَ الدُّخُولِ، خُرِّجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُنْجَزِ.
وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ، فَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ إلَى الدُّخُولِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الطَّلَاقِ.
[فَصْلٌ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مُسْتَحِيلٍ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَتَلْت الْمَيِّتَ]
(5984) فَصْلٌ: فَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَتَلْت الْمَيِّتَ.
أَوْ شَرِبْت الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ.
وَلَا مَاءَ فِيهِ.
أَوْ: جَمَعْت بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
أَوْ: كَانَ الْوَاحِدُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ.
أَوْ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ عَادَةً، كَقَوْلِهِ: إنْ طِرْت.
أَوْ: صَعِدْت إلَى السَّمَاءِ.
أَوْ: قَلَبْت الْحَجَرَ ذَهَبًا.
أَوْ: شَرِبْت هَذَا النَّهْرَ كُلَّهُ.
أَوْ: حَمَلْت الْجَبَلَ.
أَوْ: شَاءَ الْمَيِّتُ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَرْدَفَ الطَّلَاقَ بِمَا يَرْفَعُ جُمْلَتَهُ، وَيَمْنَعُ وُقُوعَهُ فِي الْحَالِ وَفِي الثَّانِي، فَلَمْ يَصِحَّ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْك.
أَوْ: لَا تَنْقُصُ عَدَدَ طَلَاقِك.
وَالثَّانِي، لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ، وَلِأَنَّ مَا يُقْصَدُ تَبْعِيدُهُ يُعَلَّقُ عَلَى الْمُحَالِ، كَقَوْلِهِ:
إذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْت أَهْلِي ... وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ
أَيْ لَا آتِيهِمْ أَبَدًا.
وَقِيلَ: إنْ عَلَّقَهُ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ عَقْلًا، وَقَعَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ، فَلَمْ تُعَلَّقْ بِهِ الصِّفَةُ، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ.
وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ عَادَةً، كَالطَّيَرَانِ، وَصُعُودِ السَّمَاءِ، لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ لَهُ وُجُودًا، وَقَدْ وُجِدَ جِنْسُ ذَلِكَ فِي مُعْجِزَات الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَجَازَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِهِ، وَلَمْ يَقَعْ قَبْلَ وُجُودِهِ.
فَأَمَّا إنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْمُسْتَحِيلِ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَيِّتَ.
أَوْ: تَصْعَدِي السَّمَاءَ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ، وَعَدَمُهُ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ وَفِي الثَّانِي، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَبِعْ عَبْدِي.
فَمَاتَ الْعَبْدُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ.
وَلَا مَاءَ فِيهِ.
أَوْ: لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ.
وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ، أَوْ لَيُطِيرَنَّ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ فَإِنَّ الْحَالِفَ عَلَى فِعْلِ الْمُمْتَنِعِ كَاذِبٌ حَانِثٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: 38] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: 39] . وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُتَصَوَّرٍ، فَصَارَ مُمْتَنِعًا، حَنِثَ بِذَلِكَ، فَلَأَنْ يَحْنَثَ بِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا حَالَ يَمِينِهِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَا شَرِبْت مِنْ هَذَا النَّهْرِ فَاغْتَرَفَ مِنْهُ وَشَرِبَ]
(5985) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ: لَا شَرِبْت مِنْ هَذَا النَّهْرِ.
فَاغْتَرَفَ مِنْهُ، وَشَرِبَ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ: لَا شَرِبْت مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ.
فَصَبَّ مِنْهُ فِي إنَاءٍ آخَرَ، وَشَرِبَ، وَكَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُ الشُّرْبُ بِهِ، حَنِثَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الشُّرْبُ بِهِ مُمْكِنًا، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْإِنَاءَ الصَّغِيرَ آلَةٌ لِلشُّرْبِ، فَتَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى الشُّرْبِ بِهِ، بِخِلَافِ النَّهْرِ وَالْإِنَاءِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ لَا تَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَّا إلَى الشُّرْبِ مِنْ مَائِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ بَرَدَى، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ بَرَدَى، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ، حَنِثَ.
ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ بَرَدَى اسْمٌ لَمَكَانٍ خَاصٍّ، فَإِذَا تَجَاوَزَهُ إلَى مَكَان سِوَاهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، فَمَا شَرِبَ مِنْ بَرَدَى، وَإِذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَائِهِ، فَمَاؤُهُ مَاؤُهُ حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ نُقِلَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ تَمْرِ الْبَصْرَةِ، فَأَكَلَهُ فِي غَيْرِهَا، حَنِثَ.
وَإِنْ اغْتَرَفَ مِنْ بَرَدَى بِإِنَاءٍ، وَنَقَلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ، فَشَرِبَهُ، حَنِثَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اغْتِرَافَ الْمَاءِ مِنْ بَرَدَى.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالشُّرْبِ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفُرَاتِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ فُرَاتٍ، حَنِثَ بِالشُّرْبِ مِنْ كُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَرَّفَهُ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ انْصَرَفَ إلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ، وَإِذَا أَنْكَرَهُ
صَارَ لِلْعُمُومِ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُسَمَّى فُرَاتًا، وَكُلُّ عَذْبٍ فُرَاتٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: 27] . وَقَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12] . وَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُحْتَمَلَ الْآخَرَ، انْصَرَفَ إلَيْهِ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ لَا تَبْعُدُ إرَادَتُهُ.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَشْتُمُهُ وَلَا يُكَلِّمُهُ فِي الْمَسْجِدِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ]
(5986) فَصْلٌ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتُمُهُ، وَلَا يُكَلِّمُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، حَنِثَ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ، وَلَا يَشُجُّهُ، وَلَا يَقْتُلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَفَعَلَهُ، وَالْحَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ الشَّتْمَ وَالْكَلَامَ قَوْلٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْقَائِلُ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ حُضُورُ الْمَشْتُومِ، فَيُوجَدُ مِنْ الشَّاتِم فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْتُومُ فِيهِ، وَالْكَلَامُ قَوْلٌ؛ فَهُوَ كَالشَّتْمِ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مَحِلُّهُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَقْتُولُ وَالْمَشْجُوجُ، فَإِذَا كَانَ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَانَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِهِ، فَيُعْتَبَرُ مَحَلُّ الْمَفْعُولِ بِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَرَحَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ.
وَإِنْ جَرَحَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَاتَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَقَالَ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَقْتُولًا حَتَّى يَمُوتَ، فَاعْتُبِرَ يَوْمُ مَوْتِهِ لَا يَوْمُ ضَرْبِهِ.
وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالْعَكْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَيُعْتَبَرَ يَوْمُ جَرْحِهِ لَا يَوْمُ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلُ الْقَاتِلِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] . ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الأنعام: 151] . وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَى فِعْلٍ مُمْكِنٍ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، وَذَلِكَ فِعْلُ الْآدَمِيِّ مِنْ الْجَرْحِ وَنَحْوِهِ، أَمَّا الزَّهُوقُ فَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَلَا يُنْهَى عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ لِلْآدَمِيِّ إلَّا تَعَاطِي سَبَبِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الْقَتْلِ، فَإِذَا وُجِدَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُفْضِيَ إلَيْهِ كَانَ قَتْلًا، وَلِذَلِكَ جَازَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْجَرْحِ، وَقَبْلَ الزَّهُوق.
وَلَوْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّهُ، فَمَاتَ مِنْ جُرْحٍ كَانَ جَرَحَهُ، لَمْ يَبَرَّ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُهُ، لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ أَيْضًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبَرَّ حَتَّى يُوجَدَ السَّبَبُ وَالزَّهُوقُ مَعًا فِي يَوْمٍ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِسَبَبِهِ وَشَرْطِهِ، فَأَمَّا بِنِسْبَتِهِ إلَى الشَّرْطِ وَحْدَهُ دُونَ السَّبَبِ، فَبَعِيدٌ.
[فَصْلٌ قَالَ مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي فَهِيَ طَالِقٌ]
(5987) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي، فَهِيَ طَالِقٌ، فَبَشَّرَتْهُ إحْدَاهُنَّ، وَهِيَ صَادِقَةٌ، طَلُقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ
تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ التَّبْشِيرَ خَبَرُ صِدْقٍ، يَحْصُلُ بِهِ مَا يُغَيِّرُ الْبَشَرَةَ مِنْ سُرُورٍ أَوْ غَمٍّ.
وَإِنْ أَخْبَرَتْهُ بِهِ أُخْرَى، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى كَاذِبَةً، وَالثَّانِيَةُ صَادِقَةً، طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِخَبَرِهَا، فَكَانَ هُوَ الْبِشَارَةَ.
وَإِنْ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ اثْنَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ، أَوْ الْأَرْبَعُ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ؛ لِأَنَّ " مَنْ " تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا زَادَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8] . وَقَالَ ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] .
وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي، فَهِيَ طَالِقٌ.
فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَالْبِشَارَةِ، لَا تَطْلُقُ إلَّا الْمُخْبِرَةُ الْأُولَى الصَّادِقَةُ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ خَبَرٌ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ بِقُدُومِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِكَذِبٍ، وَلَا بِغَيْرِ الْأَوَّلِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ كُلُّ مُخْبِرَةٍ، صَادِقَةً كَانَتْ أَوْ كَاذِبَةً، أَوَّلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَكُونُ صِدْقًا وَكَذِبًا، وَأَوَّلًا وَمُكَرَّرًا.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْقَاضِي.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ هَذَا التَّفْصِيلِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَوَّلُ مَنْ تَقُومُ مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ]
(5988) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ تَقُومُ مِنْكُنَّ، فَهِيَ طَالِقٌ.
أَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَوَّلُ مَنْ قَامَ مِنْكُمْ، فَهُوَ حُرٌّ.
فَقَامَ الْكُلُّ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ؛ لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمْ.
وَإِنْ قَامَ وَاحِدٌ أَوْ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ أَحَدٌ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي، لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا كَانَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يُوجَدْ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ وَلَا انْتِفَائِهِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْ قِيَامِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَعْدَهُ، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ، وَإِنْ قَامَ اثْنَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ، دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَقَامَ بَعْدَهُمْ آخَرُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ قَامُوا فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقَعُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41] . وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي فِي مَنْ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ عَبِيدِي، فَهُوَ حُرٌّ.
فَدَخَلَ اثْنَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمَا، ثَالِثٌ، لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
وَهَذَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ بَعْضٍ، وَلَا أَوَّلَ فِيهِمْ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْكُمْ وَحْدَهُ.
وَلَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ الثَّالِثِ أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ بَعْدَ الثَّالِثِ أَحَدٌ، عَتَقَ الثَّالِثُ، لِكَوْنِهِ أَوَّلِ مَنْ دَخَلَ وَحْدَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ وَحْدَهُ، فَإِنَّ لَفْظَةَ " الْأَوَّلِ " تَتَنَاوَلُ الْجَمَاعَةَ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ» .
وَلَوْ قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْكُنَّ الدَّارَ، فَهِيَ طَالِقٌ.
فَدَخَلَ بَعْضُهُنَّ، لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهَا بِمَوْتِهِ، أَوْ مَوْتِهِنَّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِآخِرِهِنَّ دُخُولًا، مِنْ حِينَ دَخَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعِتْقِ.
[فَصْلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى فِعْلٍ بِلَفْظٍ عَامٍ وَأَرَادَ بِهِ شَيْئًا خَاصًّا]
(5989) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ يَمِينًا عَلَى فِعْلٍ بِلَفْظٍ عَامٍّ، وَأَرَادَ بِهِ شَيْئًا خَاصًّا؛ مِثْل إنْ حَلَفَ لَا يَغْتَسِلُ اللَّيْلَةَ، وَأَرَادَ الْجَنَابَة، أَوْ: لَا قَرُبْت لِي فِرَاشًا.
وَأَرَادَ تَرْكَ جِمَاعِهَا.
أَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت، فَعَبْدِي حُرٌّ.
وَأَرَادَ امْرَأَةً مُعَيَّنَةً.
أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلَ إلَيَّ رَجُلٌ.
أَوْ قَالَ: أَحَدٌ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
وَأَرَادَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ.
أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا.
يُرِيدُ خُبْزَ الْبُرِّ.
أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا، يُرِيدُ دَارَ فُلَانٍ.
أَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
يُرِيدُ الْخُرُوجَ إلَى الْحَمَّامِ.
أَوْ قَالَ: إنْ مَشَيْت.
وَأَرَادَ اسْتِطْلَاقَ الْبَطْنِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى مَشْيًا، «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِامْرَأَةٍ: ثُمَّ تَسْتَمْشِينَ» . وَيُقَالُ: شَرِبَتْ مَشْيًا، وَمَشْوًا.
إذَا شَرِبَ دَوَاءً يُمْشِيهِ، فَإِنَّ يَمِينَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَاهُ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الظِّهَارِ، فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ قَرُبْت لِي فِرَاشًا، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظُهْرِ أُمِّي، فَجَاءَتْ فَقَامَتْ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ: أَرَدْت الْجِمَاعَ.
لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ التَّوْكِيدَ.
[فَصْلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَامَّةً لِسَبَبٍ خَاصٍّ وَلَهُ نِيَّةٌ]
(5990) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ يَمِينًا عَامَّةً، لِسَبَبٍ خَاصٍّ، وَلَهُ نِيَّةٌ، حُمِلَ عَلَيْهَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَمِينَهُ تَخْتَصُّ بِمَا وُجِدَ فِيهِ السَّبَبُ.
وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، فَقَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ يَمِينَهُ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَحَلِّ السَّبَبِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَمِينَهُ تُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ، فِي مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَصِيدَ فِي هَذَا النَّهْرِ.
لِظُلْمٍ رَآهُ، فَتَغَيَّرَ حَالُهُ، فَقَالَ: النَّذْرُ يُوَفَّى بِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلُ الْحُكْمِ، فَيَجِبُ الِاعْتِبَارُ بِهِ فِي الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، كَمَا فِي لَفْظِ الشَّارِعِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ السَّبَبَ الْخَاصَّ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْخُصُوصِ، وَيَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ عِنْدَ عَدَمِهَا؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ كَالنِّيَّةِ، وَفَارَقَ لَفْظَ الشَّارِعِ؛ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بَيَانَ الْأَحْكَامِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ السَّبَبِ، لِكَوْنِ
الْحَاجَةِ
دَاعِيَةً إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ السَّبَبِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَامَتْ امْرَأَتُهُ لِتَخْرُجَ، فَقَالَ: إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَرَجَعَتْ، ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْد ذَلِكَ، أَوْ دَعَاهُ إنْسَانٌ إلَى غَدَائِهِ، فَقَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ تَغَدَّيْت.
ثُمَّ رَجَعَ فَتَغَدَّى فِي مَنْزِلِهِ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَحْنَثُ عَلَى الثَّانِي.
وَإِنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ، فَعَزَلَ الْعَامِلَ، وَطَلَّقَ الْمَرْأَةَ، وَبَاعَ الْمَمْلُوكَ، أَوْ حَلَفَ عَلَى وَكِيلٍ فَعَزَلَهُ، خُرِّجَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَجْهَانِ.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ دَخَلَ دَارِي أَحَدٌ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ]
(5991) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلَ دَارِي أَحَدٌ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
فَدَخَلَهَا هُوَ.
أَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ: إنْ دَخَلَ دَارَك أَحَدٌ، فَعَبْدِي حُرٌّ.
فَدَخَلَهَا صَاحِبُهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِ الْمُتَكَلِّم تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ سِوَاهُ، فَيَخْرُجُ هُوَ مِنْ الْعُمُومِ بِالْقَرِينَةِ، وَيَخْرُجُ الْمُخَاطَبُ مِنْ الْيَمِينِ بِهَا أَيْضًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ أَخْذًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَإِعْرَاضًا عَنْ السَّبَبِ، كَمَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ]
(5992) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى جِمَاعِهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْن الْحَسَنِ يَمِينُهُ عَلَى الْوَطْءِ بِالْقَدَمِ؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ الْجِمَاعَ.
لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَطْءَ إذَا أُضِيفَ إلَى الْمَرْأَةِ، كَانَ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةً عَنْ الْجِمَاعِ؛ وَلِهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْجِمَاعُ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ، فِي مِثْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» .
فَيَجِبُ حَمْلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، مِنْ الظَّعِينَةِ، وَالرَّاوِيَةِ، وَأَشْبَاهِهِمَا.
وَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيُجَامِعَهَا، أَوْ لَا يُجَامِعُهَا، انْصَرَفَ إلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ، وَإِنْ أَنْزَلَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ مَا قُلْنَاهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَافْتَضَضْتُك، فَافْتَضَّهَا بِأُصْبُعٍ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنْ إطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَطْءُ الْبِكْرِ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُهَا، أَنْ لَا يَنْكِحَهَا، فَيَمِينُهُ عَلَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ النِّكَاحِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لَهَا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، فَهُوَ عَلَى وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ صَارِفَةٌ عَنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا؛ لِكَوْنِهَا مَعْقُودًا عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ أَمَرْتُك فَخَالَفْتنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ نَهَاهَا فَخَالَفَتْهُ]
(5993) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: إنْ أَمَرْتُك فَخَالَفْتنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ نَهَاهَا، فَخَالَفَتْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ نَهْيَهُ لَا أَمْرَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ، إذَا قَصَدَ أَنْ لَا تُخَالِفَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ نَفْيَ الْمُخَالَفَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيَ عَنْهُ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، فَقَدْ خَالَفَتْ أَمْرَهُ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ نَهَيْتنِي عَنْ نَفْعِ أُمِّي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَالَتْ لَهُ: لَا تُعْطِهَا مِنْ مَالِي شَيْئًا.
لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهَا مِنْ مَالِهَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ النَّفْعُ بِهِ، فَيَكُونُ هَذَا النَّفْعُ مُحَرَّمًا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ يَمِينُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ، وَلَفْظُهُ عَامٌّ، فَيَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فِيهِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْت إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَتْ]
(5994) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ خَرَجْت إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، طَلُقَتْ، سَوَاءٌ عَدَلَتْ إلَى الْحَمَّامِ، أَوْ لَمْ تَعْدِل.
وَإِنْ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ عَدَلَتْ إلَى غَيْرِهِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْيَمِينِ الْمَنْعُ مِنْ غَيْرِ الْحَمَّامِ، فَكَيْفَمَا صَارَتْ إلَيْهِ حَنِثَ، كَمَا لَوْ خَالَفَتْ لَفْظَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَيَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهُ.
وَإِنْ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ، وَجَمَعَتْهُمَا فِي الْقَصْدِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، وَانْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَحِنْث بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا، فَكَلَّمَ زَيْدًا وَعَمْرًا.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، بَلْ الْخُرُوجُ مُشْتَرَكٌ.
وَنَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ: إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَغْدَادَ إلَّا لِنُزْهَةٍ.
فَخَرَجَ إلَى النُّزْهَةِ، ثُمَّ مَرَّ إلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: النُّزْهَةُ لَا تَكُونُ إلَى مَكَّةَ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَحْنَثَهُ، وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ، فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَأْتِي أَرْمِينِيَةَ إلَّا بِإِذْنِ امْرَأَتِهِ.
فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت.
فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَقُولَ: إلَى أَرْمِينِيَةَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى أَذِنَتْ لَهُ إذْنًا عَامًّا، لَمْ يَحْنَثْ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَلَوْ قَالَتْ هَذَا بِطِيبِ قَلْبِهَا، كَانَ إذْنًا مِنْهَا، وَلَهُ الْخُرُوجُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ عَامٍّ.
[فَصْلٌ حَلَفَ لِيَرْحَلَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ فَفَعَلَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا]
(5995) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَيَرْحَلَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ.
فَفَعَلَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الرُّجُوعِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْخُرُوجِ وَالرَّحِيلِ، وَقَدْ فَعَلَهُمَا.
وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، إذَا حَلَفَ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَغْدَادَ، فَخَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ: قَدْ مَضَتْ
يَمِينُهُ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ، فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ لَمْ نَرْحَلْ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ: إنْ لَمْ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، هِيَ إلَى أَنْ تَمُوتَ، فَإِنْ رَحَلَ لَمْ يَرْجِعْ.
وَمَعْنَى هَذَا، أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ إمْكَانِ الرَّحِيلِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّحِيلُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا، فَيَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ فِي آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنْ رَحَلَ لَمْ يَرْجِعْ.
فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ لِيَمِينِهِ سَبَبٌ يَقْتَضِي هِجْرَانَ الدَّارِ عَلَى الدَّوَامِ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ وَهَبْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِذَا هِيَ قَدْ وَهَبَتْ.
قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَ: إنْ كُنْت وَهَبْته.
وَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَبْتَدِئَ هِبَتَهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي فِعْلًا مُسْتَقْبِلًا يَحْنَثُ بِهِ، وَمَا فَعَلَتْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ.
وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ رَأَيْتُك تَدْخُلِينَ الدَّارِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ: فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ، إنْ أَرَادَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ نَوَى إذَا رَآهَا، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَرَاهَا تَدْخُلُ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ مَبْنَى الْيَمِينِ عَلَى النِّيَّات، سِيَّمَا وَالرُّؤْيَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: 6] . وَنَحْوِهِ.
وَمَتَى لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا هُنَاكَ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ مَعَ الدُّخُولِ بِمُجَرَّدِهِ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَرَاهَا تَدْخُلُ الدَّارَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرْوِيُّ، فِي رَجُلٍ أَقْرَضَ رَجُلًا دَرَاهِمَ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَقْبَلَهَا، وَكَانَ الرَّجُلُ مَيِّتًا: تُعْطَى الْوَرَثَةُ.
يَعْنِي إذَا مَاتَ الْحَالِفُ يُوَفَّى الْوَرَثَةُ، وَلَا يَبْرَأُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إبْرَاءً، فَلَا يَسْقُطُ الْحَقُّ بِهَا.
[فَصْلٌ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ كُنْت أَمْلِكُ إلَّا مِائَةً وَكَانَ يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ]
(5996) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، إنْ كُنْت أَمْلِكُ إلَّا مِائَةً.
وَكَانَ يَمِلْك أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، أَوْ أَقَلِّ، حَنِثَ.
فَإِنْ نَوَى أَنِّي لَا أَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ بِمِلْكِ مَا دُونَهَا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كُنْت أَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
وَكَانَ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ الْمِائَةِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا طَالِقُ أَنْتِ طَالِقُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ]
(5997) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا طَالِقُ، أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلُقَتْ وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ: يَا طَالِقُ.
وَبَقِيَتْ أُخْرَى مُعَلَّقَةً بِدُخُولِ الدَّارِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا طَالِقُ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ، رَجَعَ إلَيْهَا، وَإِلَّا وَقَعَتْ وَاحِدَةً بِالنِّدَاءِ، وَبَقِيت الثَّلَاثُ مُعَلَّقَةً عَلَى دُخُولِ الدَّارِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
وَعَادَ الشَّرْطُ إلَى الطَّلَاقِ، دُونَ الْقَذْفِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَرْجِعُ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَلَا يَقَعُ بِهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ الشَّرْطُ إلَى الْخَبَرِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ التَّصْدِيقُ
وَالتَّكْذِيبُ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِتَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ، بِخِلَافِ النِّدَاءِ وَالْقَذْفِ، الَّذِي لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيهِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَرِيضَةً بِالنَّصْبِ أَوْ الرَّفْعِ]
(5998) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مَرِيضَةً.
بِالنَّصْبِ، أَوْ الرَّفْعِ، وَنَوَى بِهِ وَصْفَهَا بِالْمَرَضِ فِي الْحَالِ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ نَوَى بِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ مَرَضِك.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُمَرَّضَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالٌ، وَالْحَالُ مَفْعُولٌ فِيهِ، كَالظَّرْفِ، وَيَكُونُ الرَّفْعُ لَحْنًا؛ لِأَنَّ الْحَالَ مَنْصُوبٌ.
وَإِنْ أَطْلَقَ وَنَصَبَ، انْصَرَفَ إلَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَرِيضَةً اسْمٌ نَكِرَةٌ، جَاءَ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ وَصْفًا لِمَعْرِفَةٍ، فَيَكُونُ حَالًا، وَإِنْ رَفَعَ، فَالْأَوْلَى وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ وَصْفًا لِطَالِقٍ، الَّذِي هُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَإِنْ أَسْكَنَ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا؛ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ.
يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ، فَقَدْ تَيَقَّنَّا وُجُودَ الْمُقْتَضِي، وَشَكَكْنَا فِيمَا يَمْنَعُ حُكْمَهُ، فَلَا نَزُولَ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ.
وَالثَّانِي، لَا يَقَعُ إلَّا فِي حَالِ مَرَضِهَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ لِلْمَرَضِ فِي سِيَاقِ الطَّلَاقِ يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِهِ بِهِ، وَتَأْثِيرِهِ فِيهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ حَالًا.
[مَسْأَلَة قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدِمَ بِهِ مَيِّتًا]
(5999) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ.
فَقَدِمَ بِهِ مَيِّتًا، أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ تَطْلُقْ) أَمَّا إذَا قَدِمَ بِهِ مَيِّتًا، أَوْ مُكْرَهًا مَحْمُولًا، فَلَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ، إنَّمَا قَدِمَ بِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: دَخَلَ الطَّعَامُ الْبَلَدَ.
إذَا حُمِلَ إلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلَ الطَّعَامُ الْبَلَدَ.
طَلُقَتْ إذَا حُمِلَ إلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْفِعْلَ لَيْسَ مِنْهُ، وَالْفِعْلُ لَا يُنْسَبُ إلَى غَيْرِ فَاعِله إلَّا مَجَازًا، وَالْكَلَامُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لِحَقِيقَتِهِ إذَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا الطَّعَامُ، فَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُ حَقِيقَةً، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الدُّخُولِ فِيهِ عَلَى مَجَازِهِ.
وَأَمَّا إنْ قَدِمَ بِنَفْسِهِ لَإِكْرَاهٍ، فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْنَثُ.
وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْهُ حَقِيقَةً، وَيُنْسَبُ إلَيْهِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: 71] . وَيَصِحُّ أَمْرُ الْمُكْرَهِ بِالْفِعْلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: 72] . وَلَوْلَا أَنَّ الْفِعْلَ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ، لَمَا صَحَّ أَمْرُهُ بِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ بِالْإِكْرَاهِ زَالَ اخْتِيَارُهُ، فَإِذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ مِنْهُ، كَانَ كَوُجُودِ الطَّلَاقِ مِنْهُ مُكْرَهًا، وَهَذَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ، حُمِلَ عَلَيْهَا كَلَامُهُ، وَتَقَيَّدَ بِهَا.
(6000) فَصْلٌ: وَإِنْ قَدِمَ مُخْتَارًا، حَنِثَ الْحَالِفُ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْقَادِمُ بِالْيَمِينِ أَوْ جَهِلَهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: يَقَعُ الطَّلَاقُ، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ الْقَادِمُ مِمَّنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْقُدُومِ بِيَمِينِهِ، كَالسُّلْطَانِ، وَالْحَاجِّ، وَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ، حَنِثَ الْحَالِفُ، وَلَا يُعْتَبَرُ عِلْمُهُ وَلَا جَهْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ بِالْيَمِينِ مِنْ الْقُدُومِ، كَقَرَابَةٍ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ غُلَامٍ لِأَحَدِهِمَا، فَجَهِلَ الْيَمِينَ، أَوْ نَسِيَهَا، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَمْنَعُهُ الْيَمِينُ، كَانَ تَعْلِيقًا لِلطَّلَاقِ عَلَى صِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ، كَانَ يَمِينًا، فَيُعْذَرُ فِيهَا بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَقَرَائِنُ أَحْوَالِهِ، الدَّالَّةُ عَلَى قَصْدِهِ، فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ الْقَادِمِ مِنْ الْقُدُومِ، كَانَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ جَعْلَهُ صِفَةً فِي مُطْلَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَيَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ الْقَادِمِ وَجَهْلُهُ، وَنِسْيَانُهُ، وَجُنُونُهُ وَإِفَاقَتُهُ، مِثْل أَنْ يَقْصِدَ طَلَاقَهَا إذَا حَصَلَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا، وَلَا يُطَلِّقُهَا وَحْدَهَا، وَتُعْتَبَرُ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ؛ فَمَتَى عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى قُدُومِ غَائِبٍ بَعِيدٍ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْيَمِينَ وَلَا يَمْتَنِعُ بِهَا، أَوْ عَلَى فِعْلِ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ بِهَا، لَمْ تَكُنْ يَمِينًا.
وَإِنْ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ حَاضِرٍ يَعْلَمُ بِيَمِينِهِ، وَيَمْتَنِعُ لِأَجَلِهَا مِنْ فِعْلِ مَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ، كَانَ يَمِينًا.
وَمَتَى أَشْكَلَتْ الْحَالُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ، فَمَتَى شَكَكْنَا فِي الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ تَرَكْت هَذَا الصَّبِيَّ يَخْرُجُ فَأَنْتِ طَالِقٌ]
(6001) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ تَرَكْت هَذَا الصَّبِيَّ يَخْرُجُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَانْفَلَتَ الصَّبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، فَخَرَجَ، فَإِنْ كَانَ نَوَى أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَدْ حَنِثَ، وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا تَدَعَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَعْنَى هَذَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى فِعْلِهَا، فَقَدْ فَعَلَ الْخُرُوجَ عَلَى غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهَا، فَكَانَتْ كَالْمُكْرَهِ إذْ لَمْ يُمْكِنْهَا حِفْظُهُ وَمَنْعُهُ.
وَإِنْ نَوَى فِعْلَهُ، فَقَدْ وُجِدَ، وَحَنِثَ.
وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ، انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ، فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا خَرَجَ بِتَفْرِيطِهَا فِي حِفْظِهِ أَوْ اخْتِيَارِهَا.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَا تَأْخُذُ حَقَّك مِنِّي فَأُكْرِهْ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ]
(6002) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا تَأْخُذُ حَقَّك مِنِّي، فَأُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا، حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَخْذِ، وَقَدْ أَخَذَهُ مُخْتَارًا.
وَإِنْ أُكْرِهَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَخْذِهِ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فِي مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْقُدُومِ.
وَإِنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ فِي حِجْرِهِ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ إلَى جَنْبِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مَا وُجِدَ.
وَإِنْ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ مِنْ الْغَرِيمِ، فَدَفَعَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَأَخَذَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَا تَأْخُذْ حَقَّك عَلَيَّ.
حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ حَقَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُهُ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عِنْدَهُ عَلَى الْأَسْبَابِ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا، فَأَخَذَهُ مِنْهُ، كَانَ آخِذًا لِحَقِّهِ مِنْهُ عُرْفًا، وَيُسَمَّى آخِذًا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 154] . وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: 12] . وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَحَلَفَ: لَا أَخَذْت حَقِّي مِنْك.
فَالتَّفْرِيعُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
فَإِنْ تَرَكَهَا الْغَرِيمُ فِي أَثْنَاءِ مَتَاعٍ فِي خُرْجٍ، ثُمَّ دَفَعَ الْخُرْجَ إلَى الْحَالِفِ، فَأَخَذَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا فِيهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَعْدُودٍ أَخْذًا، وَلَا يَبْرَأُ بِهِ الْغَرِيمُ مِنْهَا.
فَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ: لَا أُعْطِيتُك حَقَّك، فَأَخَذَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ كُرْهًا، فَدَفَعَهُ إلَى الْغَرِيم، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَدَفَعَهُ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُكْرَهِ.
وَإِنْ أَعْطَاهُ بِاخْتِيَارِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ وَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، أَوْ جَيْبِهِ، أَوْ صُنْدُوقِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ.
وَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ اخْتِيَارًا، لِيَدْفَعَهُ إلَى الْغَرِيمِ، فَدَفَعَهُ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَدَفَعَهُ إلَى الْغَرِيمِ، حَنِثَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَيْهِ مُخْتَارًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهُ إلَى وَكِيله، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْأَسْبَابِ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ رَأَيْت أَبَاكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَأَتْهُ مَيِّتًا أَوْ نَائِمًا]
(6003) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ رَأَيْت أَبَاكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَرَأَتْهُ مَيِّتًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ رَأَتْهُ مِنْ خَلْفِ زُجَاجٍ، أَوْ جِسْمٍ شَفَّافٍ، طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ، وَإِنْ رَأَتْ خَيَالَهُ فِي مَاءٍ، أَوْ مِرْآةٍ، أَوْ صُورَتَهُ عَلَى حَائِطٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرَهُ، وَإِنْ أُكْرِهَتْ عَلَى رُؤْيَتِهِ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ]
(6004) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
لَزِمَهُ تَطْلِيقَتَانِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا أَنْ قَدْ وَقَعَتْ بِهَا الْأُولَى، فَتَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ.
مَرَّتَيْنِ.
وَنَوَى بِالثَّانِيَةِ إيقَاعَ طَلْقَةٍ ثَانِيَةٍ، وَقَعَتْ بِهَا طَلْقَتَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ نَوَى بِهَا إفْهَامَهَا أَنَّ الْأُولَى قَدْ وَقَعَتْ بِهَا، أَوْ التَّأْكِيدَ، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ
الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ، وَيَحْتَمِلُ الْإِيقَاعَ، فَلَا تُوقَعُ طَلْقَةٌ بِالشَّكِّ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِلْإِيقَاعِ، وَيَقْتَضِي الْوُقُوعَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَقَعَ مُقْتَضَاهُ، كَمَا يَجِب الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ.
فِي الْعَامِّ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُخَصِّصُ، وَبِالْإِطْلَاقِ فِي الْمُطْلَقِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَيِّدُ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَا تَطْلُقُ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ نَوَى الْإِيقَاعَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مُنْفَصِلًا، أَوْ مُتَّصِلًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْن الْمُنْذِرِ.
وَذَكَرُهُ الْحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ يَقَعُ بِهَا تَطْلِيقَتَانِ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، إذَا كَانَ مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ مُفَرَّقٌ، فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَمْ تَقَعْ الْأُولَى، كَمَا لَوْ فَرَّقَ كَلَامَهُ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِطَلْقَةٍ، لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، فَتُصَادِفُهَا الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ بَائِنًا، فَلَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ، وَإِنَّمَا تَطْلُق الزَّوْجَةُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَة، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا]
(6005) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا، طَلُقَتْ ثَانِيَةً، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: نَوَيْت التَّوْكِيدَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيدَ تَابِعٌ لِلْكَلَامِ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ، كَسَائِرِ التَّوَابِعِ؛ مِنْ الْعِطْفِ، وَالصِّفَةِ، وَالْبَدَلِ.
[فَصْلٌ كُلُّ طَلَاقٍ يَتَرَتَّبُ فِي الْوُقُوعِ وَيَأْتِي بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ]
فَصْلٌ: وَكُلُّ طَلَاقٍ يَتَرَتَّبُ فِي الْوُقُوعِ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَيَقَعُ بِالْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ إذَا أَوْقَعَهَا، مِثْل قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَطَالِقٌ، فَطَالِقٌ.
أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ.
أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
أَوْ: فَطَالِقٌ.
وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُرُوفٌ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَتَقَعُ بِهَا الْأُولَى فَتُبِينُهَا، فَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتُصَادِفُهَا بَائِنًا غَيْرَ زَوْجَةٍ، فَلَا تَقَعُ بِهَا.
وَأَمَّا الْمَدْخُولُ بِهَا، فَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتُصَادِفُ مَحَلَّ النِّكَاحِ، فَتَقَعُ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، بَلْ، طَالِقٌ، وَطَالِقٌ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ.
أَوْ: بَعْدَ طَلْقَةٍ.
أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ.
أَوْ: طَلْقَةً فَطَلْقَةً.
أَوْ: طَلْقَةً ثُمَّ طَلْقَةً.
وَقَعَ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا طَلْقَةٌ، وَبِالْمَدْخُولِ بِهَا طَلْقَتَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ]
(6007) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ.
فَكَذَلِكَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَقَعُ طَلْقَتَانِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ وُقُوعُ الطَّلْقَةِ الْأُخْرَى قَبْلَ الطَّلْقَةِ الْمُوَقَّعَةِ، فَوَقَعَتْ مَعَهَا، لِأَنَّهَا لَمَّا تَأَخَّرَتْ عَنْ الزَّمَنِ الَّذِي قَصْدَ إيقَاعَهَا فِيهِ لِكَوْنِهِ زَمَنًا مَاضِيًا، وَجَبَ إيقَاعُهَا فِي أَقْرَبِ الْأَزْمِنَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَعَهَا، وَلَا يَلْزَمُ تَأَخُّرُهَا إلَى مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْوُقُوعُ فِيهِ، وَهُوَ زَمَنٌ قَرِيبٌ، فَلَا يُؤَخَّرُ إلَى الْبَعِيدِ مَعَ إمْكَانِ الْقَرِيبِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ بَعْضُهُ قَبْلَ بَعْضٍ، فَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا جَمِيعُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ.
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ الْمُتَأَخِّرُ فِي لَفْظِهِ مُتَقَدِّمًا، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ.
أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً غَدًا، وَطَلْقَةً الْيَوْمَ.
وَلَوْ قَالَ: جَاءَ زَيْدٌ بَعْد عَمْرٍو.
أَوْ: جَاءَ زَيْدٌ وَقَبْلَهُ عَمْرٌو.
أَوْ: أُعْطِ زَيْدًا بَعْدَ عَمْرٍو.
وَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا، يُفِيدُ تَأْخِيرَ الْمُتَقَدِّمِ لَفْظًا، عَنْ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ هَذَا طَلَاقًا فِي زَمَنٍ مَاضٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ إيقَاعُهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مُرَتَّبًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَتَّبَهُ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ إحْدَاهُمَا مُوَقَّعَةٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، لَامْتَنَعَ وُقُوعُهَا وَحْدَهَا، وَوَقَعْت الْأُخْرَى وَحْدَهَا، وَهَذَا تَعْلِيلُ الْقَاضِي، لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ]
(6008) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ.
وَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ.
وَإِنْ قَالَ: مَعَهَا اثْنَتَانِ.
وَقَعَ بِهَا ثَلَاثٌ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَقَعُ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ إذَا وَقَعَتْ مُفْرَدَةً، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا شَيْءٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْقَعَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ، بِلَفْظِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُنَّ مَعًا، فَوَقَعْنَ كُلُّهُنَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلْقَةَ تَقَعُ مُفْرَدَةً، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِهِ، إذْ لَوْ وَقَعَ بِذَلِكَ، لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، وَلَا صَحَّ وَصْفُهُ بِالثَّلَاثِ، وَلَا بِغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ قَالَ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ مَعَهَا طَلْقَةٌ.
ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت أَنِّي أُوقِعُ بَعْدَهَا طَلْقَةً]
فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ.
ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت أَنِّي أُوقِعُ بَعْدَهَا طَلْقَةً.
دِينَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت أَنِّي طَلَّقْتهَا قَبْلَ هَذَا فِي
نِكَاحٍ آخَرِ، أَوْ أَنَّ زَوْجًا قَبْلِي طَلَّقَهَا.
دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يُقْبَلُ.
وَالْآخَرُ، لَا يُقْبَلُ.
وَالثَّالِثُ، يُقْبَلُ إنْ كَانَ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ لَمْ يُقْبَلْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وُجِدَ لَا يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْتُ التَّوْكِيدَ]
(6010) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت التَّوْكِيدَ.
قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ ". وَإِنْ قَصَدَ الْإِيقَاعَ، وَكَرَّرَ الطَّلْقَاتِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَيْنَهُمَا بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَلَا يَكُنَّ مُتَغَايِرَاتٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ.
لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الْعِطْفَ وَالْمُغَايِرَةَ، وَهَذَا يَمْنَعُ التَّأْكِيدَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ كَالثَّانِيَةِ فِي لَفْظِهَا.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهَا التَّوْكِيدَ.
دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يُقْبَلُ.
وَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَرَّرَ لَفْظَ الطَّلَاقِ مِثْلَ الْأَوَّلِ، فَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالتَّأْكِيدِ.
كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْعِطْفِ لِلْمُغَايَرَةِ، فَلَا يُقْبَلُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُقْبَلُ فِي الثَّانِيَةِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ.
أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ.
فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي عَطَفَهَا بِالْوَاوِ.
وَإِنْ غَايَرَ بَيْنَ الْحُرُوفِ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ.
أَوْ: طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إرَادَةَ التَّوْكِيدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مُغَايِرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي لَفْظِهَا، وَالتَّوْكِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرِيرِ الْأَوَّلِ بِصُورَتِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ أَنْتِ مُفَارَقَةٌ]
(6011) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ، أَنْتِ مُفَارَقَةٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت التَّوْكِيدَ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ.
قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهُمَا بِالْحُرُوفِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، بَلْ أَعَادَ اللَّفْظَةَ بِمَعْنَاهَا، وَمِثْلُ هَذَا يُعَادُ تَوْكِيدًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، وَمُسَرَّحَةٌ، وَمُفَارَقَةٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت التَّوْكِيدَ.
احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُخْتَلِفَ يُعْطَفُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ تَوْكِيدًا، كَقَوْلِهِ:
فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ]
(6012) مَسْأَلَة؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
لَزِمَهُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ نَسَقٌ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا)