الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْخُصُومَاتِ، وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَهَذَا يَحْصُلُ، فَأَشْبَهَ الْقَاضِيَ.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَالْإِمَامُ أَوْلَى، لِأَنَّ تَوْلِيَتَهُ أَقْوَى.
وَقَوْلُهُمْ: يُفْضِي إلَى إيقَافِ الْحُكُومَاتِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ كُلَّ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، وَلَا نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا خَالَفَ اجْتِهَادَهُ.
[فَصْل قَالَ الْإِمَامُ مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَقَدْ وَلَّيْته]
(8293) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَدْ وَلَّيْته.
لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهَا عَلَى شَرْطٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ أَحَدًا مِنْهُمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» .
فَعَلَّقَ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ عَلَى شَرْطٍ، فَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْحُكْمِ.
وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا، فَأَيُّهُمَا نَظَرَ فَهُوَ خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْوِلَايَةَ لَهُمَا جَمِيعًا.
[فَصْل يُقَلِّدَ الْإِمَام الْقَضَاءَ لَوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ بِعَيْنِهِ]
(8294) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] . وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ، وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ قَلَّدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، بَطَلَ الشَّرْطُ، وَفِي فَسَادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَى إنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ]
(8295) فَصْلٌ: وَإِنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَى إنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ، كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ اخْتِيَارَ قَاضٍ، جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اخْتِيَارُ نَفْسِهِ، وَلَا وَالِدِهِ، وَلَا وَلَدِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ، وَلَا دَفْعُهُ إلَى هَذَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجُوزَ لَهُ اخْتِيَارُهُمَا، إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي عُمُومِ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الِاخْتِيَارِ مِنْهُ، مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا، فَأَشْبَهَا الْأَجَانِبَ.
[فَصْلٌ حُكْم الْحَاكِمِ لِنَفْسِهِ]
(8296) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حُكُومَةٌ مَعَ بَعْضِ النَّاسِ، جَازَ أَنْ يُحَاكِمَهُ إلَى بَعْضِ خُلَفَائِهِ، أَوْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ رَجُلًا عِرَاقِيًّا إلَى شُرَيْحٍ، وَحَاكَمَ عَلِيٌّ الْيَهُودِيَّ إلَى شُرَيْحٍ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ،
فَإِنْ عَرَضَتْ حُكُومَةٌ لِوَالِدَيْهِ، أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا بِنَفْسِهِ، وَإِنْ حَكَمَ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لَهُ كَنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي، يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ لِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْأَجَانِبَ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، مَتَى عَرَضَتْ لِهَؤُلَاءِ حُكُومَةٌ، حَكَمَ بَيْنَهُمْ الْإِمَامُ، أَوْ حَاكِمٌ آخَرُ، أَوْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ، أَوْ وَلَدَيْهِ، أَوْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ خَصْمُهُ أَجْنَبِيًّا.
وَفِي الْآخَرِ، يَجُوزُ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ، فَارْتَفَعَتْ تُهْمَةُ الْمَيْلِ، فَأَشْبَهَا الْأَجْنَبِيَّيْنِ.
[فَصْلٌ حَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا وَرَضِيَاهُ وَكَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا]
(8297) فَصْلٌ: وَإِذَا تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إلَى رَجُلٍ حَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا وَرَضِيَاهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، جَازَ ذَلِكَ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهُمَا حُكْمُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالرِّضَا بِهِ، وَلَا يَكُونُ الرِّضَا إلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِحُكْمِهِ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ، وَرَضِيَ عَلَيَّ الْفَرِيقَانِ.
قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِك» ؟ قَالَ: شُرَيْحٌ.
قَالَ: " فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ ". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ مَلْعُونٌ» .
وَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُهُمَا، لَمَا لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ، وَلِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ عُمَرُ أَعْرَابِيًّا إلَى شُرَيْحٍ قَبْلَ أَنْ يُوَلِّيَهُ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَلَمْ يَكُونُوا قُضَاةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَانَا إمَامَيْنِ، فَإِذَا رَدَّا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ صَارَ قَاضِيًا.
قُلْنَا: لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا إلَّا الرِّضَا بِتَحْكِيمِهِ خَاصَّةً، وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ قَاضِيًا، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَضِيَ
بِتَصَرُّفِ وَكِيلِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا لَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْحَاكِمِ نَقْضُهُ إذَا خَالَفَ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ، فَمَلَكَ فَسْخَهُ، كَالْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ فِي حَقِّهِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ، فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ لِمُخَالَفَتِهِ رَأْيَهُ، كَحُكْمِ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ حُكْمَهُ لَازِمٌ لِلْخَصْمَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْقُوفًا؟ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَلَكَ فَسْخَهُ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ رَأْيَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْوُقُوفَ فِي الْعُقُودِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ الرُّجُوعَ عَنْ تَحْكِيمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرِضَاهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ.
وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا رَأَى مِنْ الْحُكْمِ مَا لَا يُوَافِقُهُ، رَجَعَ، فَيَبْطُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ.
(8298) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَيَنْفُذُ حُكْمُ مَنْ حَكَّمَاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ؛ النِّكَاحُ، وَاللِّعَانُ، وَالْقَذْفُ، وَالْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا، فَاخْتَصَّ الْإِمَامُ بِالنَّظَرِ فِيهَا، وَنَائِبُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهَا.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
وَإِذَا كَتَبَ هَذَا الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ كِتَابًا إلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَتَنْفِيذُ كِتَابِهِ؛ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ، فَلَزِمَ قَبُولُ كِتَابِهِ، كَحَاكِمِ الْإِمَامِ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَيَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ، إذَا صَحَّ الْحَقُّ عَلَيْهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ، وَالْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ، إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَسَوَّارٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إذَا كَانَ لَهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، مِنْ وَكِيلٍ أَوْ شَفِيعٍ، جَازَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ، فَإِنَّك تَدْرِي بِمَا تَقْضِي» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّهُ قَضَاءٌ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَحْدَهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ فِي الْبَلَدِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْغَائِبِ مَا يُبْطِلُ الْبَيِّنَةَ، وَيَقْدَحُ فِيهَا، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، «أَنَّ هِنْدًا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي؟ قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَقَضَى لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، وَلِأَنَّ هَذَا لَهُ بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ عَادِلَةٌ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِهَا.
كَمَا لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا، وَقَدْ وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَلِأَنَّ مَا تَأَخَّرَ عَنْ سُؤَالِ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ حَاضِرًا، يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ غَائِبًا، كَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَنَقُولُ بِهِ إذَا تَقَاضَى إلَيْهِ رَجُلَانِ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ قَبْلَ سَمَاعِ كَلَامِهِمَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَا حَاضِرَيْنِ، وَيُفَارِقُ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ عَلَى حَاضِرٍ إلَّا بِحَضْرَتِهِ، وَالْغَائِبُ بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ، فَقَالَ: إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ فَادَّعَتْ أَنَّ لَهَا زَوْجًا غَائِبًا، وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَتَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ، فَاعْتَرَفَ لَهَا بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ، وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى حَاضِرٍ، أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَائِبٍ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ، حَكَمَ لَهُ بِالْبَيْعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَحَضَرَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ، أَوْ حَضَرَ وَكِيلُ الْغَائِبِ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِذَلِكَ، حَكَمَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ قَدِمَ الْغَائِبُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى حُضُورِهِ، فَإِنْ جَرَّحَ الشُّهُودَ، لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَنْظَرَ الْحَاكِمَ، أَجَّلَهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَرَّحَهُمْ، وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، فَكَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَرِئَ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ، وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْحُكْمِ، فَجَرَّحَ الشُّهُودَ بِأَمْرٍ كَانَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ، بَطَلَ الْحُكْمُ، وَإِنْ جَرَّحَهُمْ بِأَمْرٍ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ مُطْلَقًا، لَمْ يَبْطُلْ الْحُكْمُ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ.
وَإِنْ طَلَبَ التَّأْجِيلَ، أُجِّلَ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَرَّحَهُمْ، وَإِلَّا نَفَذَ الْحُكْمُ.
وَإِنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ، أَوْ الْإِبْرَاءَ، فَكَانَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا حَلَفَ الْآخَرُ، وَنَفَذَ الْحُكْمُ.
[فَصْلٌ وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ]
(8300) فَصْلٌ: وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَأَمَّا فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَقْضِي بِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْإِسْقَاطِ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى غَائِبٍ بِسَرِقَةِ مَالٍ، حُكِمَ بِالْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ.
[فَصْلٌ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى غَائِبٍ أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ]
(8301) فَصْلٌ: وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى غَائِبٍ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لَمْ يَسْتَحْلِفْ الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَتِهِ، فِي أَشْهَرِ
الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» .
وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ مَعَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى حَاضِرٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَسْتَحْلِفْ مَعَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْفَى مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَادَّعَى ذَلِكَ، لَوَجَبَتْ الْيَمِينُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ لِغَيْبَتِهِ، أَوْ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ، يَجِبُ أَنْ يَقُومَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيمَا يُمْكِنُ دَعْوَاهُ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ مَأْمُورٌ بِالِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْغَائِبِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا مِنْ الِاحْتِيَاطِ.
[فَصْلٌ قُضِيَ عَلَى الْغَائِبِ بِعَيْنِ]
(8302) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ إذَا قُضِيَ عَلَى الْغَائِبِ بِعَيْنٍ، سُلِّمَتْ إلَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ، وَوُجِدَ لَهُ مَالٌ، وُفِّيَ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، فِي رَجُلٍ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ سَهْمًا مِنْ ضَيْعَةٍ فِي أَيْدِي قَوْمٍ، فَتَوَارَوْا عَنْهُ: يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ، شَهِدُوا أَوْ غَابُوا، وَيُدْفَعُ إلَى هَذَا حَقُّهُ.
لِأَنَّهُ يَثْبُت حَقُّهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَيُسَلَّمُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ خَصْمُهُ حَاضِرًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُدْفَعَ إلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا أَنَّهُ مَتَى حَضَرَ خَصْمُهُ، وَأَبْطَلَ دَعْوَاهُ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَخَذَهُ، لِئَلَّا يَأْخُذَ الْمُدَّعِي مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ، ثُمَّ يَأْتِيَ خَصْمُهُ، فَيُبْطِلَ حُجَّتَهُ، أَوْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ، أَوْ تُمْلَكَ الْعَيْنُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ بَعْدَ ذَهَابِ الْمُدَّعِي وَغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ، فَيَضِيعَ مَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ الْأَوَّلَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ دَابَّةٌ مَسْرُوقَةٌ، فَقَالَ: هِيَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ: إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا لَهُ، تُدْفَعُ إلَى الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ فَيُثْبِتَ.
[فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَاخْتَفَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
(8303) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحَاضِرُ فِي الْبَلَدِ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ، إذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْحُضُورِ، فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِهِ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي وَجْهٍ لَهُمْ: إنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ، أَشْبَهَ الْغَائِبَ عَنْ الْبَلَدِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَمْكَنَ سُؤَالُهُ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْلَ سُؤَالِهِ، كَحَاضِرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَيُفَارِقُ الْغَائِبَ الْبَعِيدَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ سُؤَالُهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ، أَوْ تَوَارَى، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ؛ لِمَا
ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ، فِي رَجُلٍ وَجَدَ غُلَامَهُ عِنْدَ رَجُلٍ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غُلَامُهُ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ الْغُلَامُ: أَوْدَعَنِي هَذَا رَجُلٌ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْضُونَ عَلَى الْغَائِبِ، يَقُولُونَ: إنَّهُ لِهَذَا الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ.
وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقْضُونَ عَلَى غَائِبٍ، يُسَمُّونَهُ الْإِعْذَارَ.
وَهُوَ إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، فَاخْتَفَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، يُرْسَلُ إلَى بَابِهِ، فَيُنَادِي الرَّسُولُ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ، وَإِلَّا قَدْ أَعْذَرُوا إلَيْهِ.
فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مَعْنَى حَسَنٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ الْمُمْتَنِعِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حُضُورُهُ وَسُؤَالُهُ، فَجَازَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ، كَالْغَائِبِ الْبَعِيدِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ مَعْذُورٌ، وَهَذَا لَا عُذْرَ لَهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
[كِتَابُ الْقِسْمَة]
الْأَصْلُ فِي الْقِسْمَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: 28] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: 8] الْآيَةَ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ، وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ» .
وَقَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ.
وَأَجْمَعْت الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى الْقِسْمَةِ؛ لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى إيثَارِهِ، وَيَتَخَلَّصَ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكَثْرَةِ الْأَيْدِي.
[مَسْأَلَةٌ أَتَى الْقَاضِي شَرِيكَانِ فِي رَبْعٍ أَوْ نَحْوِهِ فَسَأَلَاهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا]
(8304) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا أَتَاهُ شَرِيكَانِ فِي رَبْعٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَسَأَلَاهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا، قَسَمَهُ، وَأَثْبَتَ فِي الْقَضِيَّةِ بِذَلِكَ، أَنَّ قَسْمَهُ إيَّاهُ بَيْنَهُمَا كَانَ عَنْ إقْرَارِهِمَا، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمَا بِمِلْكِهِمَا إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، رَبْعًا أَوْ غَيْرَهُ - وَالرَّبْعُ: هُوَ الْعَقَارُ مِنْ الدُّورِ وَنَحْوِهَا إذَا طَلَبَا مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا، أَجَابَهُمَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِلْكُهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ عَقَارًا نَسَبُوهُ إلَى مِيرَاثٍ، لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَوْتُ وَالْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَقْسِمُهُ احْتِيَاطًا لِلْمَيِّتِ، وَأَمَّا مَا عَدَا الْعَقَارَ يَقْسِمُهُ، وَإِنْ كَانَ مِيرَاثًا؛ لِأَنَّهُ يَبُورُ وَيَهْلَكُ، وَقِسْمَتُهُ تَحْفَظُهُ، وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ الَّذِي لَا يُنْسَبُ إلَى الْمِيرَاثِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ، عَقَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، مَا لَمْ يَثْبُتْ مِلْكُهُمَا؛ لِأَنَّ قَسْمَهُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ رُفِعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَسْتَسْهِلُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَكَمًا لَهُمْ، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ.
وَلَنَا، أَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ، فَيَثْبُتُ لَهُمْ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ، وَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ مِنْهُمْ، وَاتِّهَابُهُ، وَاسْتِئْجَارُهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ يَنْدَفِعُ إذَا ثَبَتَ فِي الْقَضِيَّةِ أَنِّي قَسَمْته بَيْنَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ، وَكُلُّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِلْكُهُمْ، وَلَا حَقَّ لِلْمَيِّتِ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَمَا ظَهَرَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا بِهِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ، وَفِيمَا لَمْ يَنْسُبُوهُ إلَى الْمِيرَاثِ.
[فَصْلٌ قِسْمَة الْقَاضِي الْمَكِيلَات وَالْمَوْزُونَات مِنْ الْمَطْعُومَات وَغَيْرِهَا]
(8305) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، مِنْ الْمَطْعُومَاتِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ جَوَازَ قِسْمَةِ الْأَرْضِ مَعَ اخْتِلَافِهَا، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ مَا لَا يَخْتَلِفُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُبُوبُ، وَالثِّمَارُ، وَالنُّورَةُ، وَالْأُشْنَانُ، وَالْحَدِيدُ، وَالرَّصَاصُ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْجَامِدَاتِ، وَالْعَصِيرُ، وَالْخَلُّ، وَاللَّبَنُ، وَالْعَسَلُ، وَالسَّمْنُ، وَالدِّبْسُ، وَالزَّيْتُ، وَالرُّبُّ وَنَحْوُهَا مِنْ الْمَائِعَاتِ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَوْ إفْرَازُ حَقٍّ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ، وَإِفْرَازُهُ جَائِزٌ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَنْوَاعٌ، كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ، وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ، وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ، وَلَيْسَ بِقِسْمَةٍ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، كَغَيْرِ الشَّرِيكِ.
فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ، جَازَ.
وَكَانَ بَيْعًا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فِيمَا يُعْتَبَرُ التَّقَابُضُ فِيهِ، وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَة مِنْ الْقَاضِي وَأَبَى الْآخَرُ]
(8306) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثِيَابٌ، أَوْ حَيَوَانٌ، أَوْ أَوَانٍ، أَوْ خَشَبٌ، أَوْ عَمَدٌ، أَوْ أَحْجَارٌ، فَاتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ الْغَنَائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ خَيْبَرَ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى أَجْنَاسٍ مِنْ الْمَالِ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ كُلِّ جِنْسٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ عَلَى قِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قِسْمَتَهُ أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، إذَا أَمْكَنَ.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةِ، وَأَبَى الْآخَرُ، وَكَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ إلَّا بِأَخْذِ عِوَضٍ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ قَطْعِ ثَوْبٍ فِي قَطْعِهِ نَقْصٌ، أَوْ كَسْرِ إنَاءٍ، أَوْ رَدِّ عِوَضٍ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ.
وَإِنْ أَمْكَنَ قِسْمَةُ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلَا رَدِّ عِوَضٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا أَعْرِفُ فِي هَذَا عَنْ إمَامِنَا رِوَايَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ الْمُمْتَنِعُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُقْسَمُ أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، فَلَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الدُّورِ، بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا دَارًا وَهَذَا دَارًا وَهَذَا دَارًا، وَكَالْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ كَالدَّارِ الْوَاحِدَةِ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي الْقِيمَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ اخْتِلَافِ قِيمَةِ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ وَالْقَرْيَةِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّ أَرْضَ الْقَرْيَةِ تَخْتَلِفُ، سِيَّمَا إذَا كَانَتْ ذَاتَ أَشْجَارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَرَاضٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَالدَّارُ ذَاتُ بُيُوتٍ وَاسِعَةٍ وَضَيِّقَةٍ، وَحَدِيثَةٍ وَقَدِيمَةٍ، ثُمَّ هَذَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْبَارَ عَلَى الْقِسْمَةِ، كَذَلِكَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ، وَفَارَقَ الدُّورَ؛ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ قِسْمَةُ كُلِّ دَارٍ عَلَى حِدَتِهَا، وَهَا هُنَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا أَوْ إنَاءٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الثِّيَابُ أَنْوَاعًا؛ كَالْحَرِيرِ، وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، فَهِيَ كَالْأَجْنَاسِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ.
وَالْحَيَوَانُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَيُقْسَمُ النَّوْعُ الْوَاحِدُ مِنْهُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ،
وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْسَمُ الرَّقِيقُ قِسْمَةَ إجْبَارٍ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ مَنَافِعُهُ، وَيُقْصَدُ مِنْهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ وَالْفِطْنَةُ، وَذَلِكَ لَا يَقَعُ فِيهِ التَّعْدِيلُ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَزَّأَ الْعَبِيدَ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ الْأَنْصَارِيُّ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ.
وَلِأَنَّهُ نَوْعُ حَيَوَانٍ يَدْخُلُهُ التَّقْوِيمُ، فَجَازَتْ قِسْمَتُهُ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجْمَعُ ذَلِكَ، وَتُعَدُّ لَهُ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ.
[فَصْلٌ وَالْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ وَتَمْيِيزُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ مِنْ الْآخَرِ]
(8307) فَصْلٌ: وَالْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ، وَتَمْيِيزُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: هِيَ بَيْعٌ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ؛ لِأَنَّهُ يُبْدِلُ نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ السَّهْمَيْنِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ السَّهْمِ الْآخَرِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَلَا تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ، وَيَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ، وَتَلْزَمُ بِإِخْرَاجِ الْقُرْعَةِ، وَيَتَقَدَّرُ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ بِقَدْرِ الْآخَرِ، وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا تَنْفَرِدُ عَنْ الْبَيْعِ بِاسْمِهَا وَأَحْكَامِهَا، فَلَمْ تَكُنْ بَيْعًا، كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ، أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْعًا، جَازَتْ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا، وَالْمَكِيلِ وَزْنًا، وَالْمَوْزُونِ كَيْلًا، وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَحْنَثُ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ بِهَا، وَإِذَا كَانَ الْعَقَارُ أَوْ نِصْفُهُ وَقْفًا، جَازَتْ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ.
انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، هَذَا إذَا خَلَتْ مِنْ الرَّدِّ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ، فَهِيَ بَيْعٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الرَّدِّ يَبْذُلُ الْمَالَ عِوَضًا عَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ، وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ.
فَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ فِي وَقْفٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ وَقْفًا، وَبَعْضُهُ طَلْقَا، وَالرَّدُّ مِنْ صَاحِبِ الطَّلْقِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي بَعْضَ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ بَعْضَ الطَّلْقِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ.
[فَصْلٌ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ بِالْقِسْمَةِ]
(8308) فَصْلٌ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ بِالْقِسْمَةِ إذَا كَانَ مُتَبَرِّعًا، وَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ بِأُجْرَةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ، كَالْمُرْضِعَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي يُوجِبُ تَعْدِيلَهُ، فَلَمْ تُقْبَلْ، كَشَهَادَةِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ عَلَى حُكْمِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَهِدَ بِمَا لَا نَفْعَ لَهُ فِيهِ، فَقُبِلَ، كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَإِذَا كَانَ بِأُجْرَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، لِكَوْنِهِ يُوجِبُ الْأُجْرَةَ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا نَفْعٌ، فَتَكُونُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ يُوجِبُ تَعْدِيلَهُ.
مَمْنُوعٌ، وَلَا نُسَلِّمُ لَهُمْ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْحُكْمِ.
[مَسْأَلَةٌ طَلَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْقَاضِي الْقِسْمَةَ فَامْتَنَعَ الْآخَرُ]
(8309) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ سَأَلَ أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ مُقَاسَمَتَهُ، فَامْتَنَعَ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا أَثْبُتْ عِنْدَهُ مِلْكَهَا، وَكَانَ مِثْلُهُ يَنْقَسِمُ وَيَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا أَمَّا إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ، فَامْتَنَعَ الْآخَرُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِلْكُهُمَا بِبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ حُكْمًا عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُت بِهِ الْمِلْكُ لِخَصْمِهِ، بِخِلَافِ حَالَةِ الرِّضَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدِهِمَا، إنَّمَا يَقْسِمُ بِقَوْلِهِمَا وَرِضَاهُمَا.
الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا ضَرَرٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَرَرٌ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ " مُرْسَلًا، وَفِي لَفْظٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى، أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يُمْكِنَ تَعْدِيلُ السِّهَامِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُجْعَلُ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بَيْعًا، وَالْبَيْعُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ، أَرْضٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ، فِيهَا شَجَرَةٌ أَوْ بِئْرٌ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَإِذَا جُعِلَتْ الْأَرْضُ سَهْمًا، كَانَتْ الثُّلُثَ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهَا خَمْسِينَ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ الْبِئْرُ أَوْ الشَّجَرَةُ، لِيَكُونَا نِصْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، فَهَذِهِ فِيهَا بَيْعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ آخِذَ الْأَرْضِ قَدْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الشَّجَرَةِ أَوْ الْبِئْرِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ، وَالْبَيْعُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] .
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إزَالَةَ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُمَا، وَحُصُولَ النَّفْعِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا تَمِزْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ إحْدَاثِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ وَالسِّقَايَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مَعَ الِاشْتِرَاكِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الضَّرَرِ الْمَانِعِ مِنْ الْقِسْمَةِ، فَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ انْتِقَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِهِ مُفْرَدًا، فِيمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ مَعَ الشَّرِكَةِ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا دَارٌ صَغِيرَةٌ، إذَا قُسِمَتْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعًا ضَيِّقًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ.
وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ الدَّارِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ دَارًا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْقِسْمَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَةُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِالْقِسْمَةِ عَنْ حَالِ الشَّرِكَةِ، سَوَاءٌ انْتَفَعُوا بِهِ مَقْسُومًا أَوْ لَمْ يَنْتَفِعُوا.
وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا ظَاهِرٌ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إذَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَقْسِمُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَقْسِمُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ مِنْ ثَمَنِهِ، بِيعَ، وَأُعْطُوا الثَّمَنَ.
فَاعْتُبِرَ نُقْصَانُ الثَّمَنِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ نَقْصَ قِيمَتِهِ ضَرَرٌ، وَالضَّرَرُ مَنْفِيٌّ شَرْعًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ وَإِنْ اسْتَضَرَّ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَلِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرًا، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، كَقِسْمَةِ الْجَوْهَرَةِ بِكَسْرِهَا، وَلِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ إضَاعَةً لِلْمَالِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَتِهِ.
وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ يَسْتَضِرُّ بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْآخِرِ؛ كَرَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَارٌ، لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهَا، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهَا، فَإِذَا قَسَمَاهَا اسْتَضَرَّ صَاحِبُ الثُّلُثِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَكُونُ دَارًا، وَلَا يَسْتَضِرُّ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى لَهُ مَا يَصِيرُ دَارًا مُفْرَدَةً، فَطَلَبَ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ الْقِسْمَةَ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهَا.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، قَالَ: كُلُّ قِسْمَةٍ فِيهَا ضَرَرٌ، لَا أَرَى قِسْمَتَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَيْهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ إفْرَادَ نَصِيبِهِ الَّذِي لَا يَسْتَضِرُّ بِتَمْيِيزِهِ، فَوَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَا لَا يَسْتَضِرَّانِ بِالْقِسْمَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
وَلِأَنَّهَا قِسْمَةٌ يَسْتَضِرُّ بِهَا صَاحِبُهُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ اسْتَضَرَّا مَعًا، وَلِأَنَّ فِيهِ إضَاعَةَ الْمَالِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَتِهِ، وَإِذَا حَرُمَ عَلَيْهِ إضَاعَتُهُ مَالَهُ فَإِضَاعَتُهُ مَالَ غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَعْصِبَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ، إلَّا مَا حَصَلَ الْقَسْمُ» .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ أَنْ يُخْلِفَ شَيْئًا، إذَا قُسِمَ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى بَعْضِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.
وَلِأَنَّنَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ مَانِعٌ مِنْ الْقِسْمَةِ، وَأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا مَانِعٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ هُوَ ضَرَرَ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مَانِعًا، كَمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهَا مَعَ ضَرَرِهِمَا أَوْ ضَرَرِ أَحَدِهِمَا، فَتَعَيَّنَ الضَّرَرُ الْمَانِعُ فِي جِهَةِ الْمَطْلُوبِ، وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ بِهِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ، فَمَنَعَ الْقِسْمَةَ، كَمَا لَوْ اسْتَضَرَّا مَعًا.
وَإِنْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ الْمُسْتَضِرُّ بِهَا، كَصَاحِبِ الثُّلُثِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ، أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهَا.
هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ دَفْعَ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُ، بِأَمْرٍ لَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ.
يُحَقِّقُهُ أَنَّ ضَرَرَ الطَّالِبِ مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَسَقَطَ حُكْمُهُ، وَالْآخَرُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، فَصَارَ كَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقَسْمِ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ طَلَبَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُسْتَضِرِّ سَفَهٌ، فَلَا يَجِبُ إجَابَتُهُ إلَى السَّفَهِ.
قَالَ الشَّرِيفُ: مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَضِرُّ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِعُ بِهَا، وَجَبَتْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ انْتَفَعَ بِهَا الطَّالِبُ، وَجَبَتْ، وَإِنْ اسْتَضَرَّ بِهَا الطَّالِبُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا، وَلِلْآخَرَيْنِ نِصْفُهَا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبُعُهَا، فَإِذَا قُسِمَتْ اسْتَضَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَسْتَضِرَّ صَاحِبُ النِّصْفِ، فَطَلَبَ صَاحِبُ النِّصْفِ الْقِسْمَةَ، وَجَبَتْ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا نِصْفَيْنِ، فَيَصِيرُ حَقُّهُمَا لَهُمَا دَارًا، وَلَهُ النِّصْفُ، فَلَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ مِنْهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِمَا الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَضِرُّ بِإِفْرَازِ نَصِيبِهِ.
وَإِنْ طَلَبَا الْمُقَاسَمَةَ، فَامْتَنَعَ صَاحِبُ النِّصْفِ أُجْبِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَإِنْ طَلَبَا إفْرَازَ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا، أَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا إفْرَازَ نَصِيبِهِ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِالطَّالِبِ وَسَفَهٌ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَجِبُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ.
الْحَالُ الثَّانِي، الَّذِي لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ، وَهِيَ مَا إذَا عُدِمَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ إلَّا بِرِضَاهُمَا، وَتُسَمَّى قِسْمَةَ التَّرَاضِي، وَهِيَ جَائِزَةٌ مَعَ اخْتِلَالِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَالْمُنَاقَلَةِ، وَبَيْعُ ذَلِكَ جَائِزٌ.
[فَصْلٌ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ سُفْلُهَا وَعُلْوُهَا فَإِذَا طَلَبَا قَسْمَهَا]
(8310) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، سُفْلُهَا وَعُلْوُهَا، فَإِذَا طَلَبَا قَسَمَهَا؛ نَظَرْتُ، فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ السُّفْلِ وَالْعُلْوِ بَيْنَهُمَا، وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي الْأَرْضِ يَجْرِي مَجْرَى الْغَرْسِ، فَيَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ، ثُمَّ لَوْ طَلَبَ قِسْمَةَ أَرْضٍ فِيهَا غِرَاسٌ، أُجْبِرَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ الْبِنَاءُ.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا جَعْلَ السُّفْلِ لِأَحَدِهِمَا وَالْعُلْوِ لِلْآخَرِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ؛ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ الْعُلْوَ يَتْبَعُ لِلسُّفْلِ، وَلِهَذَا إذَا بِيعَا، تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا، وَإِذَا أُفْرِدَ الْعُلْوُ بِالْبَيْعِ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَإِذَا كَانَ تَبَعًا لَهُ، لَمْ يُجْعَلْ الْمَتْبُوعُ سَهْمًا وَالتَّبَعُ سَهْمًا، فَيَصِيرُ التَّبَعُ أَصْلًا.
الثَّانِي، أَنَّ السُّفْلَ وَالْعُلْوَ يَجْرِيَانِ مَجْرَى الدَّارَيْنِ الْمُتَلَاصِقَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْكُنُ مُنْفَرِدًا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الْمُطَالَبَةُ بِجَعْلِ كُلِّ دَارٍ نَصِيبًا كَذَا هَاهُنَا.
الثَّالِثُ، أَنَّ صَاحِبَ الْقَرَارِ يَمْلِكُ قَرَارَهَا وَهَوَاءَهَا، فَإِذَا جُعِلَ السُّفْلُ نَصِيبًا انْفَرَدَ صَاحِبُهُ بِالْهَوَاءِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ قِسْمَةً عَادِلَةً.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْسِمُهُ الْحَاكِمُ، يَجْعَلُ ذِرَاعًا مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلْوِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَقْسِمُهَا بِالْقِيمَةِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا قَسَمَهَا عَلَى مَا يَرَاهُ جَازَ، كَاَلَّتِي لَا عُلْوَ لَهَا.
وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ، وَفِيهَا رَدُّ مَا ذَكَرُوهُ، وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ تَحَكُّمٌ، وَبَعْضُهُ يَرُدُّ بَعْضًا.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْعُلْوِ وَحْدَهُ، أَوْ السُّفْلِ وَحْدَهُ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُرَادُ لِلتَّمْيِيزِ، وَمَعَ بَقَاءِ الْإِشَاعَةِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ.
وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَةَ السُّفْلِ مُنْفَرِدًا، أَوْ الْعُلْوِ مُنْفَرِدًا، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُلْوُ سُفْلِ الْآخَرِ، فَيَسْتَضِرُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَتَمَيَّزُ الْحَقَّانِ.
[فَصْلٌ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ أَوْ خَانٌ كَبِيرٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ ذَلِكَ وَلَا ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهِ]
(8311) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ، أَوْ خَانٌ كَبِيرٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ ذَلِكَ وَلَا ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَتُفْرَدُ بَعْضُ الْمَسَاكِنِ عَنْ بَعْضٍ وَإِنْ كَثُرَتْ الْمَسَاكِنُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ، أَوْ خَانَانِ، أَوْ أَكْثَرُ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ فِي إحْدَى الدَّارَيْنِ، أَوْ أَحَدِ الْخَانَيْنِ، وَيَجْعَلَ الْبَاقِيَ نَصِيبًا، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إذَا رَأَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ، فَلَهُ فِعْلُهُ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتَا أَوْ تَفَرَّقَتَا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ وَأَعْدَلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتَا مُتَجَاوِرَتَيْنِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ تَتَقَارَبُ مَنْفَعَتُهُمَا، بِخِلَافِ الْمُتَبَاعِدَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حَجَزَتْ الْأُخْرَى، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرَى الدَّارِ الْوَاحِدَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ نَقْلُ حَقِّهِ مِنْ عَيْنٍ إلَى عَيْنٍ أُخْرَى، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، كَالْمُتَفَرِّقِينَ عَلَى مِلْكٍ، وَكَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً بِهَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَمَا لَوْ كَانَتَا دَارًا وَدُكَّانًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَالْحُكْمُ فِي الدَّكَاكِينِ كَالْحُكْمِ فِي الدُّورِ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ لَهَا عَضَائِدُ صِغَارٌ، لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ وَاحِدٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا وَتَتَحَقَّقُ فِيهَا الشُّرُوطُ]
(8312) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ وَاحِدٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا، وَتَتَحَقَّقُ فِيهَا الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى قَسْمِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ فَارِغَةً أَوْ ذَاتَ شَجَرٍ وَبِنَاءٍ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا نَخْلٌ، وَكَرْمٌ، وَشَجَرٌ مُخْتَلِفٌ، وَبِنَاءٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَتِهَا، وَطَلَبَ الْآخَرُ قِسْمَةَ الْجَمِيعِ بِالتَّعْدِيلِ بِالْقِيمَةِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تُقْسَمُ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَتِهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَقْسُومٍ، إذَا أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْن الشَّرِيكَيْنِ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ، كَانَ أَوْلَى.
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ، بِأَنْ يَكُونَ الْجَيِّدُ فِي مُقَدَّمِهَا وَالرَّدِيءُ فِي مُؤَخَّرِهَا، فَإِذَا قَسَمْنَاهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيء مِثْلُ مَا لِلْآخَرِ، وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ الْقِسْمَةُ هَكَذَا، بِأَنْ تَكُونَ الْعِمَارَةُ أَوْ الشَّجَرُ وَالْجَيِّدُ لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَحْدَهُ، وَأَمْكَنَ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ عُدِّلَتْ بِالْقِيمَةِ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا.
وَقَالُوا: إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ ثَلَاثِينَ جَرِيبًا، قِيمَةُ عَشْرَةِ أَجْرِبَةٍ مِنْهَا كَقِيمَةِ عِشْرِينَ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا؛ لِتَعَذُّرِ التَّسَاوِي فِي الذَّرْعِ،
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقْلَانِ مُتَجَاوِرَانِ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ، إذَا لَمْ تُمْكِنْ إلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمًا، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَكَانٌ وَاحِدٌ، أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهُ، وَتَعْدِيلُهُ، مِنْ غَيْرِ رَدِّ عِوَضٍ وَلَا ضَرَرٍ، فَوَجَبَتْ قِسْمَتُهُ، كَالدُّورِ.
وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى مَنْعِ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ فِي الْبَسَاتِينِ كُلِّهَا وَالدُّورِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسَاوِي الشَّجَرِ وَبِنَاءِ الدُّورِ وَمَسَاكِنِهَا إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ مَكَانٌ لَوْ بِيعَ بَعْضُهُ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِشَرِيكِ الْبَائِعِ، فَوَجَبَتْ قِسْمَتُهُ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بِالزَّرْعِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بُسْتَانَانِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرِيقٌ، أَوْ حَقْلَانِ، أَوْ دَارَانِ، أَوْ دُكَّانَانِ مُتَجَاوِرَانِ أَوْ مُتَبَاعِدَانِ، فَطَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِسْمَتَهُ، بِجَعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَى هَذَا، سَوَاءٌ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُتَمَيِّزَانِ، لَوْ بِيعَ أَحَدُهُمَا، لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ فِيهِ لِمَالِكِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ، وَالْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ، فَإِنَّهُ إذَا بِيعَ بَعْضُهَا، وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِمَالِكِ الْبَعْضِ الْبَاقِي، وَالشُّفْعَةُ كَالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرَادُ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَنُقْصَانِ التَّصَرُّفِ، فَمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ، لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، وَعَكْسُ هَذَا مَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَمَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ، تَجِبُ قِسْمَتُهُ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الْبُسْتَانِ، كَانَ صَلَاحًا لِبَاقِيهِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا.
وَلَمْ يَكُنْ صَلَاحًا لِمَا جَاوَزَهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا.
[فَصْلٌ كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ]
(8313) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الْأَرْضِ كَالْقُمَاشِ فِي الدَّارِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْقِسْمَةَ، كَالْقُمَاشِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ الزَّرْعُ، أَوْ كَانَ بَذْرًا لَمْ يَخْرُجْ، فَإِذَا قَسَمَاهَا، بَقِيَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكًا، كَمَا لَوْ بَاعَا الْأَرْضَ لَغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الزَّرْعِ مُنْفَرِدًا، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْدِيلِ الْمَقْسُومِ، وَتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بِالسِّهَامِ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَتَهَا مَعَ الزَّرْعِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ، جَازَ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَصِيلًا، أَوْ اشْتَدَّ الْحَبُّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَالشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ، وَالْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا.
وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ.
لَمْ يُجْبَرْ إذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ بَيْعَ السُّنْبُلِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ.
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ السَّنَابِلَ هَاهُنَا دَخَلَتْ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَلَيْسَتْ الْمَقْصُودَ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّخْلَةِ الْمُثْمِرَةِ بِمِثْلِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَتِهَا مَعَ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ لِلنَّقْلِ عَنْهَا، فَلَمْ تَجِبْ قِسْمَتُهُ مَعَهَا كَالْقُمَاشِ فِيهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ ثَابِتٌ فِيهَا لِلنَّمَاءِ وَالنَّفْعِ، فَأَشْبَهَ الْغِرَاسَ، وَفَارَقَ الْقُمَاشَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالدَّارِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَذْرًا فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ؛ لِجَهَالَتِهِ، وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ إفْرَازُهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ فَاشْتَرَطُوا، مِلِكَهُ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ بَذْرًا مَجْهُولًا.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ فَأَرَادَا قِسْمَةَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ دُونَ الْأَرْضِ]
(8314) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ، فِي أَحَدِ جَانِبَيْهَا بِئْرٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ، وَفِي الْآخَرِ شَجَرَةٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ عَدَلْت بِالْقِيمَةِ، وَجَعَلْت الْبِئْرَ مَعَ نِصْفِ الْأَرْضِ نَصِيبًا، وَالشَّجَرَةَ مَعَ النِّصْفِ الْآخَرِ نَصِيبًا.
فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ نَظَرْت فِي الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً أَوْ أَقَلَّ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ، لَمْ يُمْكِنْ التَّعْدِيلُ إلَّا بِقِسْمَةِ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً، فَجَعَلْنَاهَا سَهْمًا، وَالْبِئْرَ سَهْمًا، وَالشَّجَرَةَ سَهْمًا، لَمْ يَحْصُلْ مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ، فَيَصِيرُ هَذَا كَقِسْمَةِ الشَّجَرِ وَحْدَهُ، وَقِسْمَةُ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَيْسَتْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ.
وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ كَبِيرَةَ الْقِيمَةِ، بِحَيْثُ يَأْخُذُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ سِهَامَهُمْ مِنْهَا، وَيَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ، وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ، وَمِثَالُهُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَرْضِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، فَيَجْعَلُهَا مِائَةً وَخَمْسِينَ سَهْمًا، وَيُضَمُّ إلَى الْبِئْرِ مَا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ، وَإِلَى الشَّجَرَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَتَصِيرُ ثَلَاثَةَ سِهَامٍ مُتَسَاوِيَةً، وَفِي كُلِّ سَهْمٍ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، فَتَجِبُ الْقِسْمَةُ حِينَئِذٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً، وَقِيمَةُ الْأَرْضِ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَجَبْت الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّنَا نَجْعَلُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْهَا سَهْمَيْنِ، وَمِائَةً مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ سَهْمَيْنِ، فَتَعَدَّلَتْ السِّهَامُ.
وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ، فَأَرَادَا قِسْمَةَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ دُونَ الْأَرْضِ، لَمْ تَكُنْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ، وَهَكَذَا الْأَرْضُ ذَاتُ الشَّجَرِ، إذَا اُقْتُسِمَ الشَّجَرُ دُونَ الْأَرْضِ، لَمْ تَكُنْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ.
وَلَوْ اقْتَسَمَاهَا بِشَجَرِهَا، كَانَتْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا بِيعَ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ بِشَجَرِهِ.
وَإِذَا قُسِمَ ذَلِكَ دُونَ الْأَرْضِ، صَارَ أَصْلًا فِي الْقِسْمَةِ، لَيْسَ بِتَابِعٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، فَيَصِيرُ كَأَعْيَانِ مُفْرَدَةٍ مِنْ الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا بِيعَ مُفْرَدًا.
وَكُلُّ قِسْمَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، إذَا تَرَاضَيَا بِهَا، فَهِيَ بَيْعٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ.
[مَسْأَلَةُ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ]
(8315) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتْ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِيَ بِهِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ قِسْمَةُ إجْبَارٍ، وَقِسْمَةُ تَرَاضٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ مَا أَمْكَنَ التَّعْدِيلُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ رَدٍّ.
وَلَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَسَاوِيَةً، وَقِيمَةُ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ مُتَسَاوِيَةً.
الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَسَاوِيَةً، وَقِيمَةُ الْأَجْزَاءِ مُخْتَلِفَةً.
الثَّالِثُ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً وَقِيمَةُ الْأَجْزَاءِ مُتَسَاوِيَةً.
الرَّابِعُ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً، وَالْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَمِثْلُ أَرْضٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُهَا، وَقِيمَةُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ مُتَسَاوِيَةٌ، فَهَذِهِ تَعْدِلُهَا بِالْمِسَاحَةِ سِتَّةُ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعْدِيلِهَا بِالْمِسَاحَةِ تَعْدِيلُهَا بِالْقِيمَةِ، لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا فِي الْقِيمَةِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ جَازَ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد إنْ شَاءَ رِقَاعًا، وَإِنْ شَاءَ خَوَاتِيمَ، يُطْرَحُ ذَلِكَ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ خَاتَمٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجْ خَاتَمًا عَلَى هَذَا السَّهْمِ.
فَمَنْ خَرَجَ خَاتَمَهُ فَهُوَ لَهُ، وَعَلَى هَذَا، لَوْ أَقْرَعَ بِالْحَصَى أَوْ غَيْرِهِ جَازَ.
وَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا فِي الْقُرْعَةِ أَنْ يَكْتُبَ رِقَاعًا مُتَسَاوِيَةً بِعَدَدِ السِّهَامِ، وَهُوَ هَاهُنَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ، وَبَيْنَ إخْرَاجِ السِّهَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ، كَتَبَ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمَ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ، وَتُتْرَكُ فِي بَنَادِقَ طِينٍ أَوْ شَمْعٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ، وَيُتْرَكُ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقِسْمَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ.
فَإِذَا أَخْرَجَهَا كَانَ ذَلِكَ السَّهْمُ لِمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي الْبُنْدُقَةِ، ثُمَّ يُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى سَهْمٍ آخَرَ، كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى الْأَخِيرُ، فَيَتَعَيَّنَ لِمَنْ بَقِيَ.
وَإِنْ اخْتَارَ إخْرَاجَ السِّهَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ، كَتَبَ فِي الرِّقَاعِ أَسْمَاءَ السِّهَامِ، فَيَكْتُبُ فِي رُقْعَةِ الْأَوَّلِ مِمَّا يَلِي جِهَةَ كَذَا، وَفِي أُخْرَى الثَّانِيَ، حَتَّى يَكْتُبَ السِّتَّةَ، ثُمَّ يُخْرِجُ الرُّقْعَةَ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَكُونُ لَهُ السَّهْمُ الَّذِي فِي الرُّقْعَةِ.
وَيَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى الْأَخِيرُ، فَيَتَعَيَّنُ لِمَنْ بَقِيَ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ، أَنَّ الْبَنَادِقَ تُجْعَلُ طِينًا، وَتُطْرَحُ فِي مَاءٍ، وَيُعَيَّنُ وَاحِدٌ، فَأَيُّ الْبَنَادِقِ انْحَلَّ الطِّينُ عَنْهَا، وَخَرَجَتْ رُقْعَتُهَا عَلَى الْمَاءِ، فَهِيَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِنْ خَرَجَ اثْنَانِ أُعِيدَ الْإِقْرَاعُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَسْهَلُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَّفِقَةً وَالْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُعْدَلُ بِالْقِيمَةِ، وَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيمَةِ.
وَيُفْعَلُ فِي إخْرَاجِ السِّهَامِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ التَّعْدِيلَ تَمَّ بِالسِّهَامِ، وَهَا هُنَا بِالْقِيمَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةً وَالسِّهَامُ مُخْتَلِفَةً؛ مِثْلُ أَرْضٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا، وَأَجْزَاؤُهَا مُتَسَاوِيَةُ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ سِهَامًا بِقَدْرِ أَقَلِّهَا، وَهُوَ السُّدُسُ، فَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ، وَتُعَدَّلُ بِالْأَجْزَاءِ، وَيَكْتُبُ ثَلَاثَ رِقَاعٍ بِأَسْمَائِهِمْ، وَيُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ
السُّدُسِ، أَخَذَهُ، ثُمَّ يُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى الثَّانِي، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، وَكَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ، أَخَذَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ، وَكَانَ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ الْأُولَى لِصَاحِبِ النِّصْفِ، أَخَذَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ، وَتَخْرُجُ الثَّانِيَةُ عَلَى الرَّابِعِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَهُ وَاَلَّذِي يَلِيهِ، وَكَانَ السَّادِسُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ، فَإِنْ خَرَجَتْ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ، أَخَذَهُ، وَأَخَذَ الْآخَرُ الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْأُولَى لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، ثُمَّ يُخْرِجُ الثَّانِيَةَ عَلَى الثَّالِثِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ، أَخَذَ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ وَالْخَامِسَ، وَأَخَذَ الْآخَرُ السَّادِسَ، وَإِنْ خَرَجَتْ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ، أَخَذَهُ، وَأَخَذَ صَاحِبُ النِّصْفِ مَا بَقِيَ.
وَقِيلَ: تُكْتَبُ سِتَّةُ رِقَاعٍ، بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثٌ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدَةٌ.
وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ خُرُوجُ اسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ، وَإِذَا كَتَبَ ثَلَاثَ رِقَاعٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَأَغْنَى.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكْتُبَ رِقَاعًا بِأَسْمَاءِ السِّهَامِ، وَيُخْرِجَهَا عَلَى أَسْمَاءِ الْمُلَّاكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ وَاحِدَةً فِيهَا السَّهْمُ الثَّانِي لِصَاحِبِ السُّدُسِ، ثُمَّ أَخْرَجَ أُخْرَى لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ فِيهِمَا السَّهْمُ الْأَوَّلُ، احْتَاجَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مُتَفَرِّقًا، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ، إذَا اخْتَلَفَتْ السِّهَامُ وَالْقِيمَةُ، فَإِنَّ الْقَاسِمَ يَعْدِلُ السِّهَامَ بِالْقِيمَةِ، وَيَجْعَلُهَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيَمِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الرِّقَاعَ فِيهَا الْأَسْمَاءُ عَلَى السِّهَامِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ سَوَاءً، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، إلَّا أَنَّ التَّعْدِيلَ هَاهُنَا بِالْقِيَمِ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالْمِسَاحَةِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي، وَهِيَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي الَّتِي فِيهَا رَدٌّ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيلُ السِّهَامِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مَعَ بَعْضِهَا عِوَضٌ، فَهَذِهِ لَا إجْبَارَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، كَالدَّارَيْنِ تُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَهْمًا، وَمَا يَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلَيْهِمَا بِقِسْمَتِهِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ صُوَرًا فِيمَا تَقَدَّمَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ تَلْزَمُ بِإِخْرَاجِ الْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ قُرْعَةَ قَاسِمِ الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِهِ فَيَلْزَمُ بِإِخْرَاجِهَا كَلُزُومِ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
وَأَمَّا قِسْمَةُ التَّرَاضِي، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَلْزَمُهُ أَيْضًا، كَقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ؛ لِأَنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ، وَقُرْعَتَهُ كَحُكْمِهِ.
وَالثَّانِي، لَا تَلْزَمُ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ، وَالْبَيْعُ يَلْزَمُ بِالتَّرَاضِي، لَا بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ هَاهُنَا لِتَعْرِيفِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَأَمَّا إنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدًا مِنْ السَّهْمَيْنِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَاخْتَارَ، وَيَلْزَمُ هَاهُنَا بِالتَّرَاضِي وَتَفَرُّقِهِمَا، كَمَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ.
[فَصْلٌ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا بِأَنْفُسِهِمَا وَأَنْ يَأْتِيَا الْحَاكِمَ لِيُنَصِّبَ بَيْنَهُمَا قَاسِمًا]
(8316) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَأَنْ يَأْتِيَا الْحَاكِمَ لِيُنَصِّبَ بَيْنَهُمَا قَاسِمًا يَقْسِمُ لَهُمَا، وَأَنْ يُنَصِّبَا قَاسِمًا يَقْسِمُ لَهُمَا، فَإِنْ نَصَّبَ الْحَاكِمُ قَاسِمًا لَهُمَا، فَمِنْ شَرْطِهِ الْعَدَالَةُ، وَمَعْرِفَةُ الْحِسَابِ وَالْقِيمَةِ وَالْقِسْمَةِ، لِيُوصِلَ إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ حُرًّا.
وَإِنْ نَصَّبَا قَاسِمًا بَيْنَهُمَا، فَكَانَ عَلَى صِفَةِ قَاسِمِ الْحَاكِمِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ، فِي لُزُومِ قِسْمَتِهِ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ فَاسِقًا، أَوْ غَيْرَ عَارِفٍ بِالْقِسْمَةِ، لَمْ تَلْزَمْ قِسْمَتُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بِهَا، وَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى لُزُومِ الْقِسْمَةِ.
وَيُجْزِئُ قَاسِمٌ وَاحِدٌ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ، فَإِنْ احْتَاجَ الْقَسْمُ إلَى التَّقْوِيمِ، احْتَاجَ إلَى قَاسِمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْمُقَوِّمُ اثْنَيْنِ، وَلَا يَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ وَاحِدٌ.
فَمَتَى نَصَّبَا قَاسِمًا أَوْ نَصَّبَهُ الْحَاكِمُ، وَكَانَتْ الشُّرُوطُ فِيهِ مُتَحَقِّقَةً، لَزِمَتْ الْقِسْمَةُ بِقُرْعَتِهِ.
وَإِنْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ الشُّرُوطِ، لَمْ تَلْزَمْ الْقِسْمَةُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ وَاحِدٌ.
وَإِنْ قَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَأَقْرَعَا، لَمْ تَلْزَمْ الْقِسْمَةُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
[فَصْلٌ أُجْرَةُ الْقِسْمَةِ]
(8317) فَصْلٌ: وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ الْقَاسِمَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اتَّخَذَ قَاسِمًا، وَجَعَلَ لَهُ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْزُقْهُ الْإِمَامُ، قَالَ الْحَاكِمُ لِلْمُتَقَاسَمَيْنِ: ادْفَعَا إلَى الْقَاسِمِ أُجْرَةً لِيَقْسِمَ بَيْنَكُمَا.
فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ لِيَقْسِمَ نَصِيبَهُ، جَازَ، وَإِنْ اسْتَأْجَرُوهُ جَمِيعًا إجَارَةً وَاحِدَةً لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمْ الدَّارَ بِأَجْرِ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَقْسُومِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا كَعَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، سَوَاءٌ تَسَاوَتْ سِهَامُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ، فَإِنَّ الْأَجْرَ بَيْنَهُمْ سَوَاءٌ.
وَلَنَا أَنَّ أَجْرَ الْقِسْمَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمِلِكِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ، كَنَفَقِهِ الْعَبْدِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي أَكْبَرِ النَّصِيبَيْنِ أَكْثَرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقْسُومَ لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، كَانَ كَيْلُ الْكَثِيرِ أَكْثَرَ عَمَلًا مِنْ كَيْلِ الْقَلِيلِ، وَكَذَلِكَ الْوَزْنُ وَالزَّرْعُ، وَعَلَى أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْحَافِظِ، فَإِنَّ حِفْظَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ، وَيَخْتَلِفُ أَجْرُهُ بِاخْتِلَافِ الْمَالِ.
(8318) فَصْلٌ: وَأُجْرَةُ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا الطَّالِبَ لَهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ عَلَى الطَّالِبِ لِلْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِإِفْرَازِ الْأَنْصِبَاءِ، وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ، فَكَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ غَلَطًا فِي الْقِسْمَةِ وَأَنَّهُ أُعْطِيَ دُونَ حَقِّهِ]
(8319) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ غَلَطًا فِي الْقِسْمَةِ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ دُونَ حَقِّهِ؛ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَتْ قِسْمَتُهُ تَلْزَمُ بِالْقُرْعَةِ، وَلَا تَقِفُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْمُدَّعِي إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ وَأُعِيدَتْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَطَلَبَ يَمِينَ شَرِيكِهِ أَنَّهُ لَا فَضْلَ مَعَهُ، أُحْلِفَ لَهُ.
وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْقِسْمَةِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالتَّرَاضِي، كَاَلَّذِي قَسَمَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا وَنَحْوِهِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَى مِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ.
هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ، وَرِضَاهُ بِالزِّيَادَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ تَلْزَمُهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَأَنَّهُ مَتَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْغَلَطِ، نَقَضَتْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمِلٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ عَادِلَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا فِي كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ حَقَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ سَقَطَ بِرِضَاهُ.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ مَعَ عِلْمِهِ، أَمَّا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ أُعْطِيَ حَقَّهُ فَرَضِيَ بِنَاءً عَلَى هَذَا، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْغَلَطُ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ كَالثَّمَنِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةُ مَكَايِيلَ، رَاضِيًا بِذَلِكَ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ ثَمَانِيَةٌ، أَوْ ادَّعَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنَّهُ غَلِطَ فَأَعْطَاهُ اثْنَيْ عَشْرَ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالرِّضَا، وَلَا يَمْنَعُ سَمَاعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتِهِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ أَقَرَّ بِالْغَلَطِ، لَنَقَضَتْ الْقِسْمَةُ، وَلَوْ سَقَطَ حَقُّ الْمُدَّعِي بِالرِّضَى، لَمَا نَقَضَتْ الْقِسْمَةُ بِإِقْرَارِهِ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ الزَّائِدَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي مَنْ بَاعَ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشْرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ تِسْعَةً أَوْ أَحَدَ عَشْرَ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، تَكُونُ الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ.
وَالْبَيْعُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالتَّرَاضِي، فَلَوْ كَانَ التَّرَاضِي يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ، لَسَقَطَ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَحَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ النَّقْصِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِشَيْءِ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمَا شَيْئًا، وَتَرَاضَيَا بِهِ، ثُمَّ بَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مُسْتَحَقًّا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا تُعْطِي الْمَظْلُومَ حَقَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَا تَنْقُصُ الْقِسْمَةَ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ الْغَلَطُ فِي الثَّمَنِ، أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
قُلْنَا: لِأَنَّ الْغَلَطَ هَاهُنَا فِي نَفْسِ الْقِسْمَةِ، بِتَفْوِيتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا، وَهُوَ تَعْدِيلُ السِّهَامِ، فَتَبْطُلُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَفِي الْمُسْلَمِ وَالثَّمَنِ الْغَلَطُ فِي الْقَبْضِ دُونَ الْعَقْدِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ بِشُرُوطِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْغَلَطُ فِي قَبْضِ عِوَضِهِ فِي صِحَّتِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ اقْتَسَمَ الشَّرِيكَانِ شَيْئًا فَبَانَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا]
(8320) فَصْلٌ: إذَا اقْتَسَمَ الشَّرِيكَانِ شَيْئًا، فَبَانَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا؛ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَبْطُلُ، بَلْ يُخَيَّرُ مَنْ ظَهَرَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ عَيْبًا فِيمَا أَخَذَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهَا قِسْمَةٌ لَمْ تُعَدَّلْ فِيهَا السِّهَامُ، فَكَانَتْ بَاطِلَةً، كَمَا لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْحَالِ.
وَأَمَّا إذَا بَانَ نُصِيبُ أَحَدِهِمَا مَعِيبًا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تُمْنَعَ الْمَسْأَلَةُ، فَنَقُولَ بِبُطْلَانِ الْقِسْمَةِ؛ لِعَدَمِ التَّعْدِيلِ بِالْقِيمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْعَيْبَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبُطْلَانِ، كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ مَا يَبْقَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْمُسْتَحَقِّ قَدْرَ حَقِّهِ، وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقِّ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ أَفْرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرَرُ الْمُسْتَحَقِّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ، مِثْلُ أَنْ يَسُدَّ طَرِيقَهُ، أَوْ مَجْرَى مَائِهِ، أَوْ وَضُوئِهِ، أَوْ نَحْوِ هَذَا، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمْنَعُ التَّعْدِيلَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ، بَطَلَتْ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُشَاعًا فِي نَصِيبِهِمَا، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ شَرِيكُهُمَا وَقَدْ اقْتَسَمَا مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ وَلَا إذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُمَا شَرِيكٌ يَعْلَمَانِهِ، فَاقْتَسَمَا دُونَهُ.
وَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الْمُسْتَحَقَّ حَالَ الْقِسْمَةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمَاهُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(8321) فَصْلٌ: وَإِذَا ظَهَرَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ لَمْ يَعْلَمْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ أَوْ الرُّجُوعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي نَصِيبِهِ، فَمَلَكَ ذَلِكَ، كَالْمُشْتَرِي.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ فِيهَا شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ اقْتَسَمَا دَارَيْنِ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارًا وَبَنَى فِيهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُ]
(8322) فَصْلٌ: وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارًا، وَبَنَى فِيهَا، أَوْ اقْتَسَمَا أَرْضَيْنِ، فَبَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُ، وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ، وَقُلِعَ غَرْسُهُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ.
ذَكَرَهُ
الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بَنَى وَغَرَسَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِنَقْصِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ بَنَى فِي مِلْكِ نَفْسِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّ الدَّارَيْنِ لَا يُقْسَمَانِ قِسْمَةَ إجْبَارٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَصِيبًا، وَإِنَّمَا يُقْسَمَانِ كَذَلِكَ بِالتَّرَاضِي، فَتَكُونُ جَارِيَةً مَجْرَى الْبَيْعِ، وَلَوْ بَاعَهُ الدَّارَ جَمِيعَهَا، ثُمَّ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ كُلِّهِ، فَإِذَا بَاعَهُ نِصْفَهَا، رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ قِسْمَةٍ جَارِيَةٍ مَجْرَى الْبَيْعِ، وَهِيَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي، الَّذِي فِيهِ رَدُّ عِوَضٍ، وَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَتِهِ لَضَرَرٍ فِيهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ، إذَا ظَهَرَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فِيهِ، فَنُقِضَ الْبِنَاءُ، وَقُلِعَ الْغَرْسُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ.
فَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ بَيْعًا.
لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَمْ يُغْرِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ بَيْعٌ، وَإِنَّمَا أُفْرِزَ حَقُّهُ مِنْ حَقِّهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ مَا غَرِمَ فِيهِ.
هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
[فَصْلٌ اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ ثُمَّ بَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ]
(8323) فَصْلٌ: وَإِذَا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ، ثُمَّ بَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِمَّا اقْتَسَمُوهُ، لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَأَشْبَهَ تَعَلُّقَ دَيْنِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي، وَيُفَارِقُ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِرِضَا مَالِكِهِ وَاخْتِيَارِهِ.
فَعَلَى هَذَا يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: إنْ شِئْتُمْ وَفَّيْتُمْ الدَّيْنَ وَالْقِسْمَةُ بِحَالِهَا، وَإِنْ أَبَيْتُمْ نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ وَبِيعَتْ التَّرِكَةُ فِي الدَّيْنِ.
فَإِنْ أَجَابَ أَحَدُهُمْ، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ، بِيعَ نَصِيبُ الْمُمْتَنِعِ وَحْدَهُ، وَبَقِيَ نَصِيبُ الْمُجِيبِ بِحَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ ثَمَّ وَصِيَّةٌ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَقْسُومِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ أَخْذُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الدَّيْنِ، عَلَى مَا بَيَّنَّا.
[فَصْلٌ طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ الْمُهَايَأَةَ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ]
(8324) فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ الْمُهَايَأَةَ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ، إمَّا فِي الْأَجْزَاءِ بِأَنْ يَجْعَلَ لِأَحَدِهِمَا بَعْضَ الدَّارِ يَسْكُنُهَا، أَوْ بَعْضَ الْحَقْلِ يَزْرَعُهُ، وَيَسْكُنُ الْآخَرَ، وَيَزْرَعُ فِي الْبَاقِي، أَوْ يَسْكُنُ أَحَدُهُمَا، وَيَزْرَعُ سَنَةً، وَيَسْكُنُ الْآخَرُ، وَيَزْرَعُ سَنَةً أُخْرَى، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ ضَرَرًا، فَيَنْتَفِي بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَبِيدِ خَاصَّةً، عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُهَايَأَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُهَايَأَةَ مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الْمَنْفَعَةِ عَاجِلٌ، فَلَا يَجُوزُ
تَأْخِيرُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَالدَّيْنِ، وَكَمَا فِي الْعَبِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُخَالِفُ قِسْمَةَ الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ إفْرَازُ النَّصِيبَيْنِ، وَتَمْيِيزُ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَجَازَ فِيهِ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ، كَقِسْمَةِ التَّرَاضِي، وَلَا يَلْزَمُ، بَلْ مَتَى رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْهَا، انْتَقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ.
وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَانْتَقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ.
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي انْتِقَاضِهَا بِطَلَبِ الْقِسْمَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَلْزَمُ الْمُهَايَأَةُ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ، فَلَزِمَتْ، كَقِسْمَةِ الْأَصْلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَذَلَ مَنَافِعَ لِيَأْخُذَ مَنَافِعَ مِنْ غَيْرِ إجَارَةٍ، فَلَمْ يَلْزَمْ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيُعِيرَهُ شَيْئًا آخَرَ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَفَارَقَ الْقِسْمَةَ، فَإِنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ اقْتَسَمُوا دَارًا وَحَصَلَ لِبَعْضِهِمْ فِيهَا زِيَادَةُ أَذْرُعٍ وَلِبَعْضِهِمْ نُقْصَانٌ ثُمَّ بَاعُوا الدَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً]
(8325) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا، وَحَصَلَ لِبَعْضِهِمْ فِيهَا زِيَادَةُ أَذْرُعٍ، وَلِبَعْضِهِمْ نُقْصَانٌ، ثُمَّ بَاعُوا الدَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً: قُسِمَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْأَذْرُعِ.
يَعْنِي أَنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فِيهَا، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ أَحَدِهِمَا فِي الْأَذْرُعِ كَزِيَادَةِ مِلْكِهِ فِيهَا.
مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْخُمُسَانِ، فَيَحْصُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ، فَيَحْصُلَ لَهُ سِتُّونَ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا فِي الدَّارِ، فَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْأَذْرُعِ لِرَدَاءَةِ مَا أَخَذَهُ صَاحِبُهَا، مِثْلُ دَارٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ مِنْ جَيِّدِهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَأَخَذَ الْآخَرُ مِنْ رَدِيئِهَا سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْأَذْرُعِ، بَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ السِّتِّينَ هَاهُنَا مَعْدُولَةٌ بِالْأَرْبَعِينَ، فَكَذَلِكَ يَعْدِلُ بِهَا فِي الثَّمَنِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا كَانَتْ أَرْبَعَةَ سُطُوحٍ، يَجْرِي عَلَيْهَا الْمَاءُ، فَلَمَّا اقْتَسَمُوا أَرَادَ أَحَدُهُمْ مَنْعَ جَرَيَانِ مَاءِ الْآخَرِ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ قَدْ صَارَ لِي.
قَالَ: إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَاءَ، فَلَهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الدَّارَ وَأَطْلَقُوا، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَمْلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ بِحُقُوقِهَا، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِحُقُوقِهَا، وَمِنْ حَقِّهَا جَرَيَانُ مَائِهَا فِي مَاءٍ كَانَ يَجْرِي إلَيْهِ مُعْتَادٍ لَهُ، وَهُوَ عَلَى سَطْحِ الْمَانِعِ، فَلِهَذَا اسْتَحَقَّهُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ، فَإِنْ تَشَارَطَا عَلَى رَدِّهِ، فَالشَّرْطُ أَمْلَكُ، وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا اقْتَسَمَا دَارًا، فَحَصَلَ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَكَانَ لِنَصِيبِ الْآخَرِ مَنْفَذٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْتَضِي التَّعْدِيلَ، وَالنَّصِيبُ الَّذِي لَا طَرِيقَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ إلَّا
قِيمَةً قَلِيلَةً، فَلَا يَحْصُلُ التَّعْدِيلُ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ، أَنْ يَكُونَ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهَذَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ آخِذُهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ رَاضِيًا بِهِ، عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ، جَازَ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ التَّرَاضِي بَيْعٌ، وَشِرَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزٌ، وَقِيَاسُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، أَنَّ الطَّرِيقَ تَبْقَى بِحَالِهَا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ صَرْفَهَا عَنْهُ، كَمَجْرَى الْمَاءِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قِسْمَةُ مَالِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرِيكِهِ]
(8326) فَصْلٌ: قَالَ: وَلِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قِسْمَةُ مَالِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إمَّا إفْرَازُ حَقٍّ، أَوْ بَيْعٌ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ لَهُمَا، وَلِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَصْلَحَةً لِلصَّبِيِّ، فَجَازَتْ، كَالشِّرَاءِ لَهُ، وَيَحُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ التَّرَاضِي مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لِضَرَرِ الْحَاجَةِ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، أَوْ الْحَاجَةِ إلَى النَّفَقَةِ.
[فَصْلٌ الْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا وِلَايَةُ الْقَضَاءِ]
(8327) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَلَّاهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ، فَهَلْ تَصِحُّ وِلَايَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ.
وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحَةُ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ؛ وَهِيَ: قَدْ وَلَّيْتُك الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُك، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُك، وَرَدَدْت إلَيْك الْحُكْمَ، وَفَوَّضْت إلَيْك، وَجَعَلْت إلَيْك.
فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ الْمُوَلِّي، وَجَوَابُهَا مِنْ الْمُوَلِّي بِالْقَبُولِ، انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: قَدْ اعْتَمَدْت عَلَيْك، وَعَوَّلْت عَلَيْك، وَوَكَلْت إلَيْك، وَأَسْنَدْت إلَيْك.
فَلَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ بِهَا حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ: فَاحْكُمْ فِيمَا وَكَلْت إلَيْك، وَانْظُرْ فِيمَا أَسْنَدْت إلَيْك، وَتَوَلَّ مَا عَوَّلْت فِيهِ عَلَيْك.
وَإِذَا صَحَّتْ الْوِلَايَةُ، وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشْرَةِ أَشْيَاءَ: فَصْلُ الْخُصُومَات بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَدَفْعُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ، فِي عَمَلِهِ فِي حِفْظِ أُصُولِهَا، وَإِجْرَاءِ فُرُوعِهَا عَلَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، وَتَزْوِيجُ الْأَيَامَى اللَّاتِي لَا أَوْلِيَاءَ لَهُنَّ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فِي عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَفْنِيَتِهِمْ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ،
وَالِاسْتِبْدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ، وَالْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ.
وَفِي جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، وَأَخْذِ الصَّدَقَةِ وَجْهَانِ.
(8328) فَصْلٌ: قَالَ وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْيَانَ عَلَى بَابِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصِّيَانَةِ وَالْعِفَّةِ.
[فَصْلٌ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْأَحْكَامِ]
(8329) فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْأَحْكَامِ.
كَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ: أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي.
وَأَمَّا الْفُتْيَا فِي الطَّهَارَةِ وَسَائِرِ مَا لَا يُحْكَمُ فِي مِثْلِهِ، فَلَا بَأْسَ بِالْفُتْيَا فِيهِ.
[كِتَاب الشَّهَادَاتِ]
ِ وَالْأَصْلُ فِي الشَّهَادَاتِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعِبْرَةُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] .
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْت، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي.
فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي، وَفِي يَدِي، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ . قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ.
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ.
قَالَ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ.
قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَدْبَرَ: لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَالْعَزْرَمِيُّ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الشَّهَادَةِ لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا.
قَالَ شُرَيْحٌ: الْقَضَاءُ جَمْرٌ، فَنَحِّهِ عَنْك بِعُودَيْنِ.
يَعْنِي الشَّاهِدَيْنِ.
وَإِنَّمَا الْخَصْمُ دَاءٌ، وَالشُّهُودُ شِفَاءٌ، فَأُفْرِغْ الشِّفَاءَ عَلَى الدَّاءِ.
[فَصْلٌ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا]
(8330) فَصْلٌ: وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] . وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ بِالْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْعِلْمِ بِهَا، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ، فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا، كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ دُعِيَ إلَى تَحَمُّلِ شَهَادَةٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَدُعِيَ إلَى أَدَائِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ قَامَ بِالْفَرْضِ فِي التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ اثْنَانِ، سَقَطَ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْكُلُّ أَثِمُوا، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُمْتَنِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ تَنْفَعُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى التَّبَذُّلِ فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُرَّ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ.
وَهَلْ يَأْثَمُ بِالِامْتِنَاعِ إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِدُعَائِهِ، وَلِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الِامْتِنَاعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] . وَالثَّانِي، لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْعُ إلَيْهَا.
فَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] .
فَقَدْ قُرِئَ بِالْفَتْحِ وَالرَّفْعِ، فَمَنْ رَفَعَ فَهُوَ خَبَرٌ، مَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ فَاعِلًا؛ أَيْ لَا يَضُرَّ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ مَنْ يَدْعُوهُ، بِأَنْ لَا يُجِيبَ، أَوْ يَكْتُبَ مَا لَمْ يُسْتَكْتَبْ، أَوْ يَشْهَدَ مَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ بِهِ.
وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونَ " يُضَارَّ " فِعْلَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ وَمَعْنَى الْفَتْحِ وَاحِدًا؛ أَيْ لَا يُضَرُّ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ بِأَنْ يَقْطَعَهُمَا عَنْ شُغْلِهِمَا بِالْكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَيُمْنَعَا حَاجَتَهُمَا.
وَاشْتِقَاقُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُخْبِرُ عَمَّا يُشَاهِدُهُ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِخَبَرِهِ جَعَلَ الْحَاكِمَ كَالْمُشَاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَتُسَمَّى بَيِّنَةً؛ لِأَنَّهَا تُبَيِّنُ مَا الْتَبَسَ، وَتَكْشِفُ الْحَقَّ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
[مَسْأَلَة الشُّهُود فِي الزِّنَى]
(8331) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَى إلَّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عُدُولٍ أَحْرَارٍ مُسْلِمِينَ) .
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ.
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] . فِي آيٍ سِوَاهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك» فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ مُسْلِمِينَ، عُدُولًا، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا أَحْرَارًا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الْعَبِيدِ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَشَذَّ أَبُو ثَوْرٍ، فَقَالَ: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ.
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَحَمَّادٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: تَجُوزُ شَهَادَةُ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ وَاحِدٌ مِنْ عَدَدِ الرِّجَالِ، فَقَامَ مَقَامَهُ امْرَأَتَانِ، كَالْأَمْوَالِ.
وَلَنَا، ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ مُخْتَلَفٌ فِي شَهَادَتِهِ فِي الْمَالِ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ بِالشُّبُهَاتِ يَنْدَرِئُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأَمْوَالِ؛ لِخِفَّةِ حُكْمِهَا، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهَا، لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا، وَالِاحْتِيَاطِ فِي حِفْظِهَا، وَلِهَذَا زِيدَ فِي عَدَدِ شُهُودِ الزِّنَى عَلَى شُهُودِ الْمَالِ.
(8332) فَصْلٌ: وَفِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ؛ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَقَارِيرِ.
وَالثَّانِي، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لَحَدِّ الزِّنَى، أَشْبَهَ فِعْلَهُ.
[مَسْأَلَة الشُّهُود فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ]
(8333) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ، مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ) وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْعُقُوبَاتُ، وَهِيَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَحَمَّادٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاطُ لِدَرْئِهِ وَإِسْقَاطِهِ، وَلِهَذَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ، وَفِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] . وَأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمَالِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ.
وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، مَا خَلَا الزِّنَى، إلَّا الْحَسَنَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَتْلِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ، فَأَشْبَهَ الزِّنَى.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَصْفِ لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ الزِّنَى الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ، وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَى حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى يَقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ، مَا يُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ الزِّنَى، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّانِي، مَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ كَالنِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْإِيلَاءِ، وَالظِّهَارِ، وَالنَّسَبِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْكِتَابَةِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا.
فَقَالَ الْقَاضِي: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِحَالٍ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْوَكَالَةِ: إنْ كَانَتْ بِمُطَالَبَةِ دَيْنٍ - يَعْنِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ - فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ؛ أَنَّ الْوَكَالَةَ فِي اقْتِضَاء الدَّيْنِ يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَالُ، فَيُقْبَلُ فِيمَا شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، كَالْحَوَالَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا، أَنَّ النِّكَاحَ وَحُقُوقَهُ، مِنْ الرَّجْعَةِ وَشِبْهِهَا، لَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَمَا عَدَاهُ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ فِي النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَرَبِيعَةَ، فِي الطَّلَاقِ.
وَالثَّانِيَةُ، تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عَنْ عَطَاءٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، كَالْمَالِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَتِهِ مَدْخَلٌ، كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي النِّكَاحِ، وَإِنْ تُصُوِّرَ بِأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُرْتَابَةً بِالْحَمْلِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ.
(8334) فَصْلٌ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْإِعْسَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثَةِ؛ لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ:
«حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ» .
قَالَ أَحْمَدُ: هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ وَصَّى، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ فِي الرَّجُلِ: يُوَصِّي وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا النِّسَاءُ.
قَالَ: أُجِيزُ شَهَادَةَ النِّسَاءِ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَثْبَتَ الْوَصِيَّةَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ، إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ الرِّجَالُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ فِي حِلِّ الْمَسْأَلَةِ، لَا فِي الْإِعْسَارِ.
(8335) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَلِئَلَّا يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ أَوْلَى.
قَالَ أَحْمَدُ، وَمَالِكٌ، فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا عَتَاقَةٍ، وَلَا سَرِقَةٍ، وَلَا قَتْلٍ.
وَقَدْ قَالَ الْخِرَقِيِّ: إذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَأَتَى بِشَاهِدٍ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَصَارَ حُرًّا.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ فِي شَرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ، ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ، وَكَانَا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ: فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَصِيرَ حُرًّا، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا.
فَيَخْرُجَ مِثْلُ هَذَا فِي الْكِتَابَةِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوَصِيَّةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ، مَا خَلَا الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ، وَالنِّكَاحَ، وَحُقُوقَهُ، فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ الْقَاضِي: الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَشَرْت جِبْرِيلَ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَأَشَارَ عَلَيَّ فِي الْأَمْوَالِ، لَا تُعِدَّ ذَلِكَ» . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؟» قَالَ: نَعَمْ فِي الْأَمْوَالِ.
وَتَفْسِيرُ الرَّاوِي أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِهِ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، بِإِسْنَادِهِمْ.
[مَسْأَلَة الشُّهُود فِي الْأَمْوَالِ]
(8336) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَرَجُلٍ عَدْلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْمَالَ كَالْقَرْضِ، وَالْغَصْبِ، وَالدُّيُونِ كُلِّهَا، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ، وَالْوَقْفِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالصُّلْحِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ؛ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ، وَعَمْدِ الْخَطَأِ، وَالْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ، كَالْجَائِفَةِ، وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ، يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَثْبُتُ الْجِنَايَةُ فِي الْبَدَنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ، فَأَشْبَهَتْ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمَالُ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ، وَفَارَقَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ.
وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ.
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.
[فَصْلٌ ثُبُوتَ الْمَالِ لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ]
(8337) فَصْلٌ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ الْمَالِ لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَشُرَيْحٍ، وَإِيَاسَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُقْضَى بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، نَقَضْت حُكْمَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] . فَمَنْ زَادَ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ زَادَ فِي النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ نَسْخٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . فَحَصَرَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمَا حَصَرَ الْبَيِّنَةَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي.
وَلَنَا، مَا رَوَى سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.» رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " سُنَنِهِ "، وَالْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَمَسْرُوقٍ.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: إسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ لِقُوَّةِ جَنْبِهِ بِهَا، وَفِي حَقِّ الْمُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَنْبِهِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَالْمُدَّعِي هَاهُنَا قَدْ ظَهَرَ صِدْقُهُ، فَوَجَبَ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ.
وَلَا حَجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الشَّاهِدَيْنِ، وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ نَسْخٌ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ، وَالزِّيَادَةُ فِي الشَّيْء تَقْرِيرٌ لَهُ، لَا رَفْعٌ، وَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدَيْنِ، وَلَا يَرْفَعُهُ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَوْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ لَمْ تَرْفَعْهُ، وَلَمْ تَكُنْ نَسْخًا، فَكَذَلِكَ إذَا انْفَصَلَتْ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] .
وَالنِّزَاعُ فِي الْأَدَاءِ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ هُوَ لِلْحَصْرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعَ فِي حَقِّ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَتَلَفَهَا، وَفِي حَقِّ الْأُمَنَاءِ لِظُهُورِ جِنَايَتِهِمْ، وَفِي حَقِّ الْمُلَاعِنِ، وَفِي الْقَسَامَةِ، وَتُشْرَعُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي نَقْضِ قَضَاءِ مَنْ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ بِنَقْضِ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ الَّذِينَ قَضَوْا بِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] . وَالْقَضَاءُ بِمَا قَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُخَالِفِ لَهُ.:
[يَحْلِف عَلَى مَا لَا تَسُوغُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ]
(8338) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنَّ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا تَسُوغُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ، أَوْ يَجِدَ فِي رزمانج أَبِيهِ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ، وَيَعْرِفَ مِنْ أَبِيهِ الْأَمَانَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِحَقِّ أَبِيهِ ثِقَةٌ، فَسَكَنَ إلَيْهِ، جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ لِغَيْرِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ قَدْ زَوَّرَ عَلَى خَطِّهِ، وَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا فِيمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا هُوَ لِلْحَالِفِ، فَلَا يُزَوِّرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ.
الثَّانِي، أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حُقُوقِهِ يَكْثُرُ فَيَنْسَى بَعْضَهُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
[فَصْل لَا فَرْقَ فِي قَبُول الشَّهَادَة بَيْنَ كَوْنِ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا]
(8339) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ شُرِعَتْ فِي حَقِّهِ الْيَمِينُ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، كَالْمُنْكِرِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
[فَصْل الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ]
(8340) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ، اسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ: فَإِنْ أَبَى الْمَطْلُوبُ أَنْ يَحْلِفَ، ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي]
(8341) فَصْلٌ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْأَمْوَالِ أُقِيمَتَا مُقَامَ الرَّجُلِ، فَحَلَفَ مَعَهُمَا، كَمَا يَحْلِفُ مَعَ الرَّجُلِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ إذَا خَلَتْ مِنْ رَجُلٍ لَمْ تُقْبَلْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنَّهُمَا لَوْ أُقِيمَتَا مُقَامَ رَجُلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَكَفَى أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مَقَامَ رَجُلَيْنِ، وَلَقُبِلَ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ ضَعِيفَةٌ، تَقَوَّتْ بِالرَّجُلِ، وَالْيَمِينَ ضَعِيفَةٌ، فَيُضَمُّ ضَعِيفٌ إلَى ضَعِيفٍ، فَلَا يُقْبَلُ.
[فَصْلٌ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ]
(8342) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ، أَوْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَجَبَ لَهُ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا، وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا، فَأَقَامَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ مَعًا، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ، وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ، وَلَا يَجِبُ الْبَدَلُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمُبْدَلُ.
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا إلَّا بِالِاخْتِيَارِ، أَوْ التَّعَذُّرِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجِبُ الْمَالُ فِي السَّرِقَةِ أَيْضًا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْمَالَ، فَإِذَا بَطَلَتْ فِي إحْدَاهُمَا بَطَلَتْ فِي الْأُخْرَى.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ضَرَبَ أَخَاهُ بِسَهْمٍ عَمْدًا فَقَتَلَهُ، وَنَفَذَ إلَى أَخِيهِ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ خَطَأً، وَأَقَامَ
بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ، ثَبَتَ قَتْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مُوجَبُهُ الْمَالُ، وَلَمْ يَثْبُتْ قَتْلُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ، فَهُمَا كَالْجِنَايَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عِنْدَهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ مُوجَبُهَا الْمَالَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ وَغَصَبَهُ مَالًا، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَا سَرَقَ مِنْهُ وَلَا غَصَبَهُ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ شَهِدَا بِالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ، اسْتَحَقَّ الْمَسْرُوقَ وَالْمَغْصُوبَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِبَيِّنَةِ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِمِثْلِهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ دُونَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَذْهَبِنَا، إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ عَنْ أَصْحَابِنَا.
[فَصْل ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ]
(8343) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَأَنَّ ابْنَهَا ابْنُهُ مِنْهَا، وُلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ حُكِمَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا وَإِجَارَتَهَا وَتَزْوِيجَهَا، وَيَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَنْفُذُ فِي مِلْكِهِ، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي نَسَبَهُ، وَالنَّسَبُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ وَيَدَّعِي حُرِّيَّتَهُ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا يُقَرُّ الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمُنْكِرِ مَمْلُوكًا لَهُ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا، وَيَكُونُ ابْنَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْعَيْنُ ثَبَتَ لَهُ نَمَاؤُهَا، وَالْوَلَدُ نَمَاؤُهَا.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ، كَقَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْوَلَدَ مِلْكًا، وَإِنَّمَا يَدَّعِي حُرِّيَّتَهُ وَنَسَبَهُ، وَهَذَانِ لَا يَثْبُتَانِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، فَيَبْقَيَانِ عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ خَالِع امْرَأَتَهُ فَأَنْكَرَتْ]
(8344) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ خَالَعَ امْرَأَتَهُ، فَأَنْكَرَتْ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمَالَ الَّذِي خَالَعَتْ بِهِ، وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ مِنْهُ إلَّا الْفَسْخَ وَخَلَاصَهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ.
[مَسْأَلَة شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ]
(8345) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُقْبَلُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، مِثْلُ الرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَالْحَيْضِ، وَالْعِدَّةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا، شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَدْلٍ)
لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِي الْجُمْلَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَاَلَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ؛ الْوِلَادَةُ، وَالِاسْتِهْلَالُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ كَالرَّتَقِ وَالْقَرَنِ وَالْبَكَارَةِ وَالثِّيَابَةِ وَالْبَرَصِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ عَلَى الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مَحَارِمُ الْمَرْأَةِ مِنْ الرِّجَالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِالنِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، كَالنِّكَاحِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: «تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَأَتَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا.
فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا كَاذِبَةٌ.
قَالَ: كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ لِلنِّسَاءِ فِيهَا مَدْخَلٌ فَقُبِلَ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ، كَالْوِلَادَةِ، وَتُخَالِفُ الْعَقْدَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ لَا تُقْبَلُ فِي الِاسْتِهْلَالِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَالَ الْوِلَادَةِ، فَيَتَعَذَّرُ حُضُورُ الرِّجَالِ، فَأَشْبَهَ الْوِلَادَةَ نَفْسَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِهْلَالِ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ.
وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَحَمَّادٌ.
(8346) فَصْلٌ: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ.
فَإِنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ فِي الرَّضَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ سَوْدَاءَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا امْرَأَتَانِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ شُبْرُمَةَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ كَفَى فِيهِ اثْنَانِ، كَالرِّجَالِ، وَلِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنْهُنَّ عَقْلًا، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا اثْنَانِ.
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: يَكْفِي ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فِيهِ النِّسَاءُ، كَانَ الْعَدَدُ ثَلَاثَةً، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي وِلَادَةِ الزَّوْجَاتِ دُونَ وِلَادَةِ الْمُطَلَّقَةِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْحُرِّيَّةُ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا الْوَاحِدَةُ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ» .
وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّهُ قَالَ: «تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَجِئْت إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ ذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى حُذَيْفَةُ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ» .
ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ.
وَرَوَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُجْزِئُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» . وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَثْبُتُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ.
فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَشْهَدُ فِيهِ مَعَ الرَّجُلِ.» (8347) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِهَا وَحْدَهَا، فَلَأَنْ يُكْتَفَى بِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، قُبُلِ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ، كَالرِّوَايَةِ.
[مَسْأَلَة حُكْم أَدَاءَ الشَّهَادَةِ]
(8348) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، بِأَنْ لَا يَتَحَمَّلَهَا مَنْ يَكْفِي فِيهَا سِوَاهُ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا.
وَإِنْ قَامَ بِهَا اثْنَانِ غَيْرُهُ، سَقَطَ عَنْهُ أَدَاؤُهَا.
إذَا قَبِلَهَا الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ تَحَمَّلَهَا جَمَاعَةٌ، فَأَدَاؤُهَا وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ، إذَا امْتَنَعُوا أَثِمُوا كُلُّهُمْ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: 135] .
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] . وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ، فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ طَلَبِهِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] . فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا، أَوْ تَضَرَّرَ بِهَا، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282] .
[فَصْلٌ أَخْذُ الْجَعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ]
(8349) فَصْلٌ: وَمَنْ لَهُ كِفَايَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءُ فَرْضٍ، فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ وَقَعَ مِنْهُمْ فَرْضًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ، وَلَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ أَخْذُهُ؛ وَالنَّفَقَةَ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ، احْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ الْعِوَضَ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ عَيْنٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[مَسْأَلَة الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ]
(8350) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَا أَدْرَكَهُ مِنْ الْفِعْلِ نَظَرًا، أَوْ سَمِعَهُ تَيَقُّنًا، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، شَهِدَ بِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: 36] . وَتَخْصِيصُهُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالسُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْفُؤَادِ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ؛ وَلِأَنَّ مَدْرَكَ الشَّهَادَةِ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ، وَهُمَا بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الشَّهَادَةِ، قَالَ: هَلْ تَرَى الشَّمْسَ؟ . قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ، فِي " الْجَامِعِ " بِإِسْنَادِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَدْرَكَ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ اثْنَانِ، الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ، وَمَا عَدَاهُمَا مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ كَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ، لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ.
فَأَمَّا مَا يَقَعُ بِالرُّؤْيَةِ، فَالْأَفْعَالُ؛ كَالْغَصْبِ، وَالْإِتْلَافِ، وَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ الْمَرْئِيَّةُ؛ كَالْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ، وَنَحْوِهَا، فَهَذَا لَا تُتَحَمَّلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ قَطْعًا، فَلَا يُرْجَعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا السَّمَاعُ فَنَوْعَانِ؛
أَحَدُهُمَا، مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، مِثْلُ الْعُقُودِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَقْوَالِ، فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَا تُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ الْمُتَعَاقِدِينَ، إذَا عَرَفَهُمَا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَلَامُهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَاللَّيْثُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ حَتَّى يُشَاهِدَ الْقَائِلُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، كَالْخَطِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا، فَجَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ رَآهُ.
وَجَوَازُ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا، وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالسَّمَاعِ يَقِينًا، وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ بِتَجْوِيزِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَلِهَذَا قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَى، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِهِنَّ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي، فَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذَا.
(8351) فَصْلٌ: إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، وَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ لَرَجُلٍ بِحَقِّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اسْمَ هَذَا، وَلَا اسْمَ هَذَا، إلَّا أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ، فَقَالَ: إذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا.
وَهُمَا شَاهِدَانِ جَمِيعًا، فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَلَا يَشْهَدُ حَتَّى يَعْرِفَ اسْمَهُ.
(8352) فَصْلٌ: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، فِي أَنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَعَرَفَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: لَا تَشْهَدْ إلَّا لِمَنْ تَعْرِفُ، وَعَلَى مَنْ تَعْرِفُ، وَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى امْرَأَةٍ قَدْ عَرَفَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ اسْمَهَا، وَدُعِيَتْ، وَذَهَبَتْ، وَجَاءَتْ، فَلْيَشْهَدْ، وَإِلَّا فَلَا يَشْهَدْ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ غَيْبَتِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهَا إذَا عَرَفَ عَيْنَهَا، وَنَظَرَ إلَى وَجْهِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ، حَتَّى يَنْظُرَ إلَى وَجْهِهَا.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا.
فَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ مَعْرِفَتَهَا، وَتَعَرَّفَ بِصَوْتِهَا يَقِينًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا إذَا تَيَقَّنَ صَوْتَهَا، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَعَرَفَهُ عِنْدَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ لَهَا.
وَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ.
وَيَشْهَدَ عَلَى
شَهَادَتِهِ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لِتَجْوِيزِهِ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا بِأُذْنِ زَوْجِهَا.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَيْتَهَا لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسْتَأْذَنَ عَلَى النِّسَاءِ إلَّا بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ ". فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا فَجَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا صَحِيحٌ، وَتَصَرُّفَهَا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً صَحِيحٌ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِهِ.
[فَصْل عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ شَهِدَ بِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ]
(8353) فَصْلٌ: وَإِذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ شَهِدَ بِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، فِي مَنْ يَرَى خَطَّهُ وَخَاتَمَهُ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ، قَالَ: لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا يَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: يَشْهَدُ إذَا عَرَفَ خَطَّهُ، وَكَيْفَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ إلَّا هَكَذَا؟ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إذَا عَرَفَ خَطَّهُ، وَلَمْ يَحْفَظْ، فَلَا يَشْهَدْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا عِنْدَهُ، مَوْضُوعًا تَحْتَ خَتْمِهِ وَحِرْزِهِ، فَيَشْهَدُ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ.
وَقَالَ أَيْضًا: إذَا كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ، فَيَشْهَدُ وَيَكْتُبُهَا عِنْدَهُ.
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدُ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ بِخَطِّهِ فِي حِرْزِهِ، وَلَا يَشْهَدُ إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ أَمْضَاهُ، وَلَا يُمْضِيه إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
[مَسْأَلَة الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ]
(8354) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي قَلْبِهِ، شَهِدَ بِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ) هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ السَّمَاعِ، وَهُوَ مَا يَعْلَمُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فِي النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَمَّا النَّسَبُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَاسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةُ بِهِ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ، وَلَا تُمْكِنُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهِ، وَلَوْ اُعْتُبِرْت الْمُشَاهَدَةُ، لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ، وَلَا أُمَّهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ.
وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146] .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، غَيْرِ النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ؛ النِّكَاحُ، وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ، وَالْوَقْفُ، وَمَصْرِفُهُ، وَالْمَوْتُ، وَالْعِتْقُ، وَالْوَلَاءُ، وَالْوِلَايَةُ، وَالْعَزْلُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَجُوزُ فِي الْوَقْفِ وَالْوَلَاءِ وَالْعِتْقِ
وَالزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُمْكِنَةٌ فِيهِ بِالْقَطْعِ، فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ بِعَقْدٍ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعُقُودِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي النِّكَاحِ، وَالْمَوْتِ، وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَالٍ، أَشْبَهَ الدِّينَ.
وَقَالَ صَاحِبَاهُ: تُقْبَلُ فِي الْوَلَاءِ، مِثْلُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَتَعَذَّرُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي الْغَالِبِ بِمُشَاهَدَتِهَا، أَوْ مُشَاهَدَةِ أَسْبَابِهَا، فَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ كَالنَّسَبِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بِالسَّمَاعِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: السَّمَاعُ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْوَلَاءِ جَائِزٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: اشْهَدْ أَنَّ دَارَ بُخْتَانَ لِبُخْتَانَ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْك.
وَقِيلَ لَهُ: تَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَةَ امْرَأَةُ فُلَانٍ، وَلَمْ تَشْهَدْ النِّكَاحَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ مُسْتَفِيضًا، فَأَشْهَدُ أَقُولُ: إنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ زَوْجَاهُ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَشْهَدُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِمُشَاهَدَةِ السَّبَبِ.
قُلْنَا: وُجُودُ السَّبَبِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ سَبَبًا يَقِينًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَيْسَ بِمِلْكِ الْبَائِعِ، وَيَصْطَادَ صَيْدًا صَادَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ، وَإِنْ تَصَوَّرَ ذَلِكَ، فَهُوَ نَادِرٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: تُمْكِنُ الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِاللَّفْظِ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِالْعُقُودِ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا يُشْهَدُ بِالْوَقْفِ الْحَاصِلِ بِالْعَقْدِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمِلِكِ، وَكَذَلِكَ يُشْهَدُ بِالزَّوْجِيَّةِ دُونَ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ وَالْوَلَاءُ، وَهَذِهِ جَمِيعُهَا لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِهَا، كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْمِلْكِ، فَوَجَبَ أَنْ تَجُوزَ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ، كَالْمِلْكِ سَوَاءٌ.
قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ شَهِدَ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا عَلَى السَّمَاعِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَكَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَشْهَدَ بِالِاسْتِفَاضَةِ حَتَّى تَكْثُرَ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَيَسْمَعَهُ مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ؛ لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ: فِيمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي الْقَلْبِ.
يَعْنِي حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَسْمَعَ مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَيَسْكُنَ قَلْبُهُ إلَى خَبَرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه لَفْظُ الِاسْتِفَاضَةِ، فَإِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ فَيْضِ الْمَاءِ؛ لِكَثْرَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُكْتُفِيَ فِيهِ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ، لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ.
[فَصْل الشَّهَادَة لِصَاحِبِ الدَّارِ أَوْ الْعَقَارِ اللَّذَى يَمْلِكُ حَقَّ التَّصَرُّفِ بِمِلْكِهَا]
(8355) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ أَوْ عَقَارٌ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِالسُّكْنَى، وَالْإِعَارَةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْعِمَارَةِ، وَالْهَدْمِ، وَالْبِنَاءِ، مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ