َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الزَّوْجَ يُلَاعِنُ زَوْجَتَهُ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَرَدَّ ذَلِكَ إلَى اللِّعَانِ، لَا إلَى الْحَدِّ.
الثَّانِي، أَنَّهُ أَرَادَ مَا إذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ، فَقَذَفَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ أَسْلَمْ الزَّوْجُ، فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ.
(6234) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجَةِ مَدْخُولًا بِهَا، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فِي أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ، بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] . فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْهُ.
كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا صَدَاقَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا، فَأَشْبَهَ الْفُرْقَةَ لَعَيْبٍ فِي أَحَدِهِمَا.
[فَصْلٌ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فِي اللِّعَانِ]
(6235) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْصُلُ بِهِ الْفُرْقَةُ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، كَالطَّلَاقِ، أَوْ يَمِينٌ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ.
وَلَا يَخْلُو غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَ، أَوْ الزَّوْجَةَ، أَوْ هُمَا؛ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَ فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدِهِمَا، أَنْ يَكُونَ طِفْلًا.
وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونُ بَالِغًا زَائِلَ الْعَقْلِ.
فَإِنْ كَانَ طِفْلًا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الْقَذْفُ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ حَدٌّ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ، وَقَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَإِنْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ عَشْرِ سِنِينَ، لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ، وَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُجْرِ الْعَادَةَ بِأَنْ يُولَدَ لَهُ لِدُونِ ذَلِكَ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا.
وَإِنْ كَانَ ابْنَ عَشْرٍ فَصَاعِدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يُخْلَقُ إلَّا مِنْ مَاء الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ أَنْزَلَ لَبَلَغَ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُلْحَقُ بِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ، وَإِنْ خَالَفَ الظَّاهِرَ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، لَحِقَ بِالزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ يُلْحَقُ بِهِ إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ، مَعَ نُدْرَتِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ فِي الْحَالِ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ بُلُوغُهُ بِأَحَدِ أَسْبَابِ الْبُلُوغِ، فَلَهُ نَفْيُ الْوَلَدِ وَاسْتِلْحَاقُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا أَلْحَقْتُمْ بِهِ الْوَلَدَ، فَقَدْ حَكَمْتُمْ بِبُلُوغِهِ، فَهَلَّا سَمِعْتُمْ نَفْيَهُ وَلِعَانَهُ؟ قُلْنَا: إلْحَاقُ الْوَلَدِ يَكْفِي فِيهِ الْإِمْكَانُ، وَالْبُلُوغُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، وَلِأَنَّ إلْحَاقَ الْوَلَدِ بِهِ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَاللِّعَانُ حَقٌّ لَهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ
مَعَ الشَّكِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا انْتَفَى عَنْهُ الْوَلَدُ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا انْتَفَى عَنْهُ اللِّعَانُ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّكِّ فِي صِحَّتِهَا، فَسَقَطَتْ لِلشَّكِّ فِيهَا.
الثَّانِي، إذَا كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ لَجُنُونٍ، فَلَا حُكْمَ لِقَذْفِهِ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ عَنْهُ مَرْفُوعٌ أَيْضًا، وَإِنْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ، فَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ، لِإِمْكَانِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى نَفْيِهِ مَعَ زَوَالِ عَقْلِهِ، فَإِذَا عَقَلَ، فَلَهُ نَفْيُ الْوَلَدِ حِينَئِذٍ وَاسْتِلْحَاقُهُ.
وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ حِينَ قَذَفَهُ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ، ثَبَتَ قَوْلُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالَةٌ عُلِمَ فِيهَا زَوَالُ عَقْلِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ.
وَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ، وَلَمْ تُعْرَفْ لَهُ حَالَةُ إفَاقَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَحَالَةُ إفَاقَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُهَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي الْمَلْفُوفِ إذَا ضَرَبَهُ فَقَدَّهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، وَقَالَ الْوَلِيُّ: كَانَ حَيًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْحَدِّ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَلْفُوفَ، لِأَنَّ الْمَلْفُوفَ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ ضِدُّ ذَلِكَ، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّهُ يُعْرَفُ لَهُ حَالَةُ إفَاقَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ ضِدُّهَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَدْ اسْتَمَرَّتْ إلَى حِينِ قَذْفِهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ، فَقَذَفَهَا الزَّوْجُ؛ نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَتْ طِفْلَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُ فِيهِ، وَبَرَاءَةُ عِرْضِهَا مِنْهُ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ حَدٌّ كَمَا لَوْ قَالَ: أَهْلُ الدُّنْيَا زُنَاةٌ.
وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ لِلسَّبِّ، لَا لِلْقَذْفِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي التَّعْزِيرِ إلَى مُطَالَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَتَأْدِيبِهِ، وَلِلْإِمَامِ فِعْلُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، كَابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا وَلَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ حَتَّى تَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَتْ فَطَالَبَتْ، فَلَهَا الْحَدُّ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ، وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُرَادُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ أَوْ نَفْي الْوَلَدِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ قَبْلَ بُلُوغِهَا، وَلَا وَلَدَ فَيَنْفِيَهُ، فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ حُكِمَ بِبُلُوغِهَا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْبُلُوغِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نُطْفَتِهَا، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ إنْزَالُهَا، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ بُلُوغِهَا.
وَإِنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ الْمَجْنُونَةَ بِزِنًا أَضَافَهُ إلَى حَالِ إفَاقَتِهَا، أَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ عَاقِلَةٌ، ثُمَّ حَنِثَ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ، وَلَا لِوَلِيِّهَا قَبْلَ إفَاقَتِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ التَّشَفِّي، فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ الْوَلِيُّ فِيهِ، كَالْقِصَاصِ، فَإِذَا أَفَاقَتْ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْحَدِّ، وَلِلزَّوْجِ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ، وَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا فِي حَالِ جُنُونِهَا، وَلَا وَلَدَ يَنْفِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَدٌّ فَيُسْقِطَهُ، وَلَا نَسَبٌ فَيَنْفِيَهُ.
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُلَاعِنُ، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَنْتَفِي بِاللِّعَانِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذِهِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا لِعَانٌ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، فِي الْخَرْسَاءِ، أَنَّ زَوْجَهَا لَا يُلَاعِنُ.
فَهَذِهِ أَوْلَى.
وَقَالَ الْخِرَقِيِّ فِي الْعَاقِلَةِ: لَا يُعْرَضُ لَهُ حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَلَمْ يُشْرَعْ اللِّعَانُ مَعَ جُنُونِهِ، كَالزَّوْجِ، وَلِأَنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ وَحْدَهُ لَا يَنْتَفِي بِهِ الْوَلَدُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ، فَشُرِعَ لَهُ طَرِيقٌ إلَى نَفْيِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّ لَهُ لِعَانَهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] .
وَلِأَنَّهُ زَوْجٌ مُكَلَّفٌ، قَاذِفٌ لِامْرَأَتِهِ، الَّتِي يُولَدُ لِمِثْلِهَا، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً.
[فَصْلٌ حُكْم الْأَخْرَسِ وَالْخَرْسَاءَ فِي اللِّعَانِ]
(6236) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَخْرَسُ وَالْخَرْسَاءُ؛ فَإِنْ كَانَا غَيْرَ مَعْلُومَيْ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ، فَهُمَا كَالْمَجْنُونَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمَا لِعَانٌ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْ الزَّوْجِ قَذْفٌ، وَلَا مِنْ الْمَرْأَةِ مُطَالَبَةٌ.
وَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ؛ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ خَرْسَاءُ لَمْ تُلَاعَنَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ مُطَالَبَتُهَا.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْأَخْرَسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَفْظٌ يَفْتَقِرُ إلَى الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْأَخْرَسِ، كَالشَّهَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالْإِشَارَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً كَالنُّطْقِ، فَلَا تَخْلُو مِنْ احْتِمَالٍ وَتَرَدُّدٍ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِهَا، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِشَهَادَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ كَالنَّاطِقِ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَصَحَّ قَذْفُهُ وَلِعَانُهُ، كَالنَّاطِقِ، وَيُفَارِقُ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنْ حُصُولُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى الْأَخْرَسِ، وَفِي اللِّعَانِ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْهُ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى قَبُولِهِ مِنْهُ، كَالطَّلَاقِ.
وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَمَقْصُودُ اللِّعَانِ الْأَصْلِيُّ نَفْيُ النَّسَبِ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالْإِمْكَانِ، مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ مَا يَنْفِيهِ، وَلَا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ الشُّبْهَةِ الْعَظِيمَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الشَّهَادَةَ تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِهِ.
قُلْنَا: قَدْ لَا تَحْصُلُ إلَّا مِنْهُ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِرُؤْيَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ، أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ.
[فَصْلٌ قَذَفَ الْأَخْرَسُ أَوْ لَاعَنَ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَأَنْكَرَ الْقَذْفَ وَاللِّعَانَ]
(6237) فَصْلٌ: فَإِنْ قَذَفَ الْأَخْرَسُ أَوْ لَاعَنَ ثُمَّ تَكَلَّمَ، فَأَنْكَرَ الْقَذْفَ وَاللِّعَانَ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ لِلْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَا يُقْبَلُ إنْكَارُهُ لَهُ، وَيُقْبَلُ إنْكَارُهُ لِلِّعَانِ فِيمَا عَلَيْهِ، فَيُطَالَبُ بِالْحَدِّ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ، وَلَا تَعُودُ الزَّوْجِيَّةُ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ لِلْحَدِّ وَنَفْيِ النَّسَبِ.
كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يُلَاعِنْ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ قَذَفَهَا وَهُوَ نَاطِقٌ ثُمَّ خَرِسَ وَأَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ]
(6238) فَصْلٌ: فَإِنْ قَذَفَهَا وَهُوَ نَاطِقٌ، ثُمَّ خَرِسَ، وَأَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَخْرَسِ الْأَصْلِيِّ، وَإِنْ رُجِيَ عَوْدُ نُطْقِهِ، وَزَوَالُ خَرَسِهِ، اُنْتُظِرَ بِهِ ذَلِكَ، وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَطِبَّاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُلَاعِنُ فِي الْحَالَيْنِ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ أُصْمِتَتْ، فَقِيلَ لَهَا: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلَفُلَانً كَذَا؟ فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ، فَرَأَوْا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ.
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ مَنْ الرَّاوِي لِذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلَم أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ، وَلَا عُلِمَ هَلْ كَانَ ذَلِكَ لَخَرَسٍ يُرْجَى زَوَالُهُ أَوْ لَا؟ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ، وَأَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ: هَلْ يَصِحُّ لِعَانُهُ بِالْإِشَارَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[فَصْل كُلُّ مَوْضِعٍ لَا لِعَانَ فِيهِ فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ فِيهِ]
(6239) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا لِعَانَ فِيهِ، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ فِيهِ، وَيَجِبُ بِالْقَذْفِ مُوجَبُهُ مِنْ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاذِفُ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، فَلَا ضَرْبَ فِيهِ، وَلَا لِعَانَ.
كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ: وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
[فَصْلُ لَا لِعَانَ بَيْنَ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ]
(6240) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا لِعَانَ بَيْنَ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً مُحْصَنَةً، حُدَّ وَلَمْ يُلَاعَنْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً عُزِّرَ، وَلَا لِعَانَ أَيْضًا.
وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . ثُمَّ خَصَّ الزَّوْجَاتِ مِنْ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] . فَفِيمَا عَدَاهُنَّ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ.
وَإِنْ مَلَكَ أَمَةً، ثُمَّ قَذَفَهَا، فَلَا لِعَانَ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا، وَيُعَزَّرُ.
فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوَطْئِهَا، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا، صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ.
وَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ يَوْمِ الْوَطْءِ لَحِقَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَصِيرُ فِرَاشًا لَهُ حَتَّى يُقِرّ بِوَلَدِهَا، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ، وَلَحِقَهُ أَوْلَادُهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ، لَصَارَتْ فِرَاشًا بِإِبَاحَتِهِ، كَالزَّوْجَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ سَعْدًا نَازَعَ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ: هُوَ أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ، ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنَّهُ أَلَمَّ بِهَا، إلَّا أَلْحَقْت بِهِ وَلَدَهَا، فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ اُتْرُكُوا.
وَلِأَنَّ الْوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، فَإِذَا كَانَ مَشْرُوعًا صَارَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا سُمِّيَتْ فِرَاشًا تَجَوُّزًا، إمَّا لِمُضَاجَعَتِهِ لَهَا عَلَى الْفِرَاشِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهَا تَحْتَهُ فِي حَالِ الْمُجَامَعَةِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يَحْصُلُ فِي الْجِمَاعِ، وَقِيَاسُهُمْ الْوَطْءَ عَلَى الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْوَلَدُ بِدُونِ الْوَطْءِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَدْ إلَّا لِلْوَطْءِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ فِي مَحَلٍّ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ، كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ وَلَدِ أَمَتِهِ الَّتِي يَلْحَقهُ وَلَدُهَا، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا بَعْدَ وَطْئِهِ لَهَا بِحَيْضَةٍ، فَيَنْتَفِي بِذَلِكَ.
وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ بِذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ.
فَقَالَ: «اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا.
قَالَ: فَلَبِثَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ.
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَعْزِلُ عَنْ جَارِيَتِي، فَوَلَدَتْ أَحَبَّ الْخَلْقِ إلَيَّ.
يَعْنِي ابْنَهُ.
وَلِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَعَهُ الْإِنْزَالُ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَنْزِلُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يُحِسُّ بِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، لَمْ تَصِرْ بِذَلِكَ فِرَاشًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ الْوَلَدُ بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ إذَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِمُدَّةِ الْحَمْلِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَصِيرُ فِرَاشًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُجَامِعُ، فَيَسْبِقُ الْمَاءُ إلَى الْفَرْجِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ، وَإِذَا ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ، قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، كَالْمَرْأَةِ تَدَّعِي انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا.
وَفِي الْآخَرِ، يُسْتَحْلَفُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ". وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ.
وَمَتَى لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ، لَحِقَهُ وَلَدُهَا، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَرْأَةِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] . فَخَصَّ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجَ، وَلِأَنَّهُ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ، فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً بِشُبْهَةٍ، فَأَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَلَدَهَا بِهِ، وَلِأَنَّ لَهُ طَرِيقًا إلَى نَفْيِ الْوَلَدِ بِغَيْرِ اللِّعَانِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ، فَلَا يُشْرَعُ، وَلِأَنَّهُ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا،
فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ نَفْيُهُ؛ لِكَوْنِ النَّسَبِ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ، فَكَيْفَ مَعَ ظُهُورِ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَلَوْ ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ.
فَأَتَتْ بِوَلَدَيْنِ، فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الْآخَرَ، لَحِقَاهُ مَعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ وَالْآخَرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُ الْوَلَدِ الْمُقَرِّ بِهِ عَنْهُ مَعَ إقْرَارِهِ بِهِ، فَوَجَبَ إلْحَاقُهُمَا بِهِ مَعًا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَتَتْ أَمَتُهُ الَّتِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِوَطْئِهَا بِتَوْأَمَيْنِ، فَاعْتَرَفَ بِأَحَدِهِمَا، وَنَفَى الْآخَرَ.
[فَصْلٌ نَكَحَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا ثُمَّ قَذَفَهَا وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ]
(6241) فَصْلٌ: وَإِذَا نَكَحَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا، ثُمَّ قَذَفَهَا، وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، حُدَّ وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ، وَلَا اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ، أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا وَلَدٌ يَلْحَقُهُ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، وَيُفَارِقُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الْقَذْفِ؛ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، وَيُفَارِقُ سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدُهُنَّ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى قَذْفِهِنَّ، وَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ.
فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قَذْفِهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، لِكَوْنِهَا خَانَتْهُ وَغَاظَتْهُ وَأَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَالْحَاجَةُ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا، وَإِذَا لَاعَنَ سَقَطَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ مَشْرُوعٌ لِنَفْيِ الْحَدِّ، فَأَسْقَطَ الْحَدَّ، كَاللِّعَانِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ.
وَهَلْ يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُثْبِتُهُ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ صَحِيحٌ، أَشْبَهَ لِعَانَ الزَّوْجَةِ.
وَالثَّانِي، لَا يُثْبِتُهُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا يَحْصُلُ قَطْعُهُ بِهِ، بِخِلَافِ لِعَانِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِهِ.
وَلَوْ لَاعَنَهَا مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ، لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ فَاسِدٌ، فَلَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ.
وَسَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَاعَنَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ.
[فَصْل أَبَانَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ قَذَفَهَا بزنا أضافه إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ]
(6242) فَصْلٌ: فَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا أَضَافَهُ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا؛ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ، وَإِلَّا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحَدُّ، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَلَا يُلَاعِنُ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَبِهِ حَاجَةٌ إلَى الْقَذْفِ، فَشُرِعَ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ، وَقَدْ قَذَفَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَمَتَى لَاعَنَهَا لِنَفْيِ وَلَدِهَا انْتَفَى، وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَفِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ وَجْهَانِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَهَا قَبْلَ وَضْعِ الْوَلَدِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ لِعَانُهَا بَعْدَ الْوَضْعِ، كَانَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَهُ، كَالزَّوْجَةِ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عِنْدَهُ لَا يَنْتَفِي فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ هَاهُنَا لِأَجْلِ الْوَلَدِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِوَضْعِهِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِعَانِهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ ثُمَّ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ]
(6243) فَصْلٌ: إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، كَانَ لَاحِقًا بِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إلَّا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِهِ بِالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ دُونَ النِّكَاحِ، لِكَوْنِ الْمِلْكِ حَاضِرًا، فَصَارَ كَالزَّوْجِ الثَّانِي، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَ، كَانَ مُلْحَقًا بِالنِّكَاحِ، إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَلَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ، وَهَلْ يُثْبِتُ هَذَا اللِّعَانُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ قَذَفَ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ]
(6244) فَصْلٌ: إذَا قَذَفَ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ، فَلَهُ لِعَانُهَا، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْذِفُهَا.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُلَاعِنُ، وَيُجْلَدُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُلَاعِنُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَهُوَ يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ، فَهُوَ يُلَاعِنُ.
وَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ فَكَانَ لَهُ لِعَانُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا.
[فَصْلٌ قَذَفَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ أَبَانَهَا]
(6245) فَصْلٌ: وَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ أَبَانَهَا، فَلَهُ لِعَانُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَكْحُولٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ: يُجْلَدُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَانِ بِزَوْجَيْنِ، وَلَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أَجْنَبِيَّةً.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] . وَهَذَا قَدْ رَمَى زَوْجَتَهُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُوم الْآيَةِ، وَإِذَا لَمْ يُلَاعِنْ وَجَبَ الْحَدُّ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِزَوْجَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ إلَى حَالَةِ اللِّعَانِ.
[فَصْلٌ قَالَتْ قَذَفَنِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي وَقَالَ بَلْ بَعْدَهُ]
(6246) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَتْ: قَذَفَنِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي.
وَقَالَ: بَلْ بَعْدَهُ.
أَوْ قَالَتْ: قَذَفَنِي بَعْدَ مَا بِنْتُ مِنْهُ.
وَقَالَ: بَلْ قَبْلَهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْقَذْفِ، فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِهِ.
وَإِنْ قَالَتْ أَجْنَبِيَّةٌ: قَذَفَنِي.
فَقَالَ: كُنْت زَوْجَتِي حِينَئِذٍ.
فَأَنْكَرَتْ الزَّوْجِيَّةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا.
[فَصْلٌ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا]
(6247) فَصْلٌ: وَلَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَا يُلَاعِنُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي حَالِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، فَلَمْ يَمْلِكْ اللِّعَانَ مِنْ أَجْلِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا.
وَإِنْ قَذَفَهَا بَعْدَ تَزَوُّجِهَا بِزِنًا أَضَافَهُ إلَى مَا قَبْلَ النِّكَاحِ، حُدَّ، وَلَمْ يُلَاعِنْ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] . وَلِأَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهَا وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى مَا قَبْلَ النِّكَاحِ.
وَحَكَى الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَلَدٌ، لَمْ يُلَاعِنْ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَلَنَا أَنَّهُ قَذَفَهَا قَذْفًا مُضَافًا إلَى حَالِ الْبَيْنُونَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ بَائِنٌ، وَفَارَقَ قَذْفَ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِأَنَّهَا غَاظَتْهُ وَخَانَتْهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ، وَهَاهُنَا إذَا تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ زِنَاهَا، فَهُوَ الْمُفَرِّطُ فِي نِكَاحِ حَامِلٍ مِنْ الزِّنَا، فَلَا يُشْرَعُ لَهُ طَرِيقٌ إلَى نَفْيِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ]
(6248) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ.
فَنَقَلَ مُهَنَّا، قَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ.
ثَلَاثًا، فَقَالَ: يُلَاعِنُ.
قُلْت: فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: يُحَدُّ، وَلَا يَلْزَمُهَا إلَّا وَاحِدَةٌ.
قَالَ: بِئْسَ مَا يَقُولُونَ.
فَهَذَا يُلَاعِنُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِبَيْنُونَتِهَا، فَأَشْبَهَ قَذْفَ الرَّجْعِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ؛ لِنَفْيِهِ، وَإِلَّا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إضَافَةُ الْقَذْفِ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِاسْتِحَالَةِ الزِّنَا مِنْهَا بَعْدَ طَلَاقِهِ لَهَا، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا بَعْدَ إبَانَتِهَا: زَنَيْت إذْ كُنْت زَوْجَتِي.
عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
[فَصْل كُلَّ قَذْفٍ لِلزَّوْجَةِ يَجِبُ بِهِ اللِّعَانُ]
(6249) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ قَذْفٍ لِلزَّوْجَةِ يَجِبُ بِهِ اللِّعَانُ، سَوَاءٌ قَالَ لَهَا: زَنَيْت.
أَوْ: رَأَيْتُك تَزْنِينَ.
سَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ أَعْمًى أَوْ بَصِيرًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَقَالَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ: لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا رُؤْيَةٍ، وَإِمَّا إنْكَارٍ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّ آيَةَ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَالَ: رَأَيْت بِعَيْنَيَّ، وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ.
فَلَا يَثْبُتُ اللِّعَانُ إلَّا فِي مِثْلِهِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الْآيَةَ.
وَهَذَا رَامٍ لِزَوْجَتِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ مَعْنًى يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ مُوجَبِ الْقَذْفِ، فَيُشْرَعُ فِي حَقِّ كُلِّ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ، كَالْبَيِّنَةِ.
وَالْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ.
وَسَوَاءٌ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي الْقُبُلِ أَوْ فِي الدُّبُرِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ اللِّعَانُ بِالْقَذْفِ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ.
وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ، فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ بِوَطْءٍ فِي فَرْجِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهَا بِالْوَطْءِ فِي قُبُلِهَا.
وَأَمَّا إنْ قَذَفَهَا بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَوَاحِشِ غَيْرِ الزِّنَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِمَا لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِضَرْبِ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ.
[فَصْلُ قَذَفَ زَوْجَتَهُ الْمُحْصَنَةَ]
(6250) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ الْمُحْصَنَةَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ، وَرَدِّ شَهَادَتِهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يُلَاعِنَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ اللِّعَانِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ اللِّعَانُ دُونَ الْحَدِّ، فَإِنْ أَبَى حُبِسَ حَتَّى يُلَاعِنَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: 6] الْآيَاتِ.
فَلَمْ يُوجِبْ بِقَذْفِ الْأَزْوَاجِ إلَّا اللِّعَانَ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] وَهَذَا عَامٌّ فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّوْجَ بِأَنْ أَقَامَ لِعَانَهُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ، فِي نَفْيِ الْحَدِّ وَالْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ عَنْهُ.
وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك» . وَقَوْلُهُ لَمَّا لَاعَنَ: " عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ". وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَزِمَهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ الْمَشْرُوعَةِ، كَالْأَجْنَبِيِّ.
فَأَمَّا إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا كَالْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ، وَالْمَجْنُونَةِ، وَالطِّفْلَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِنَّ الْمَعَرَّةَ بِالْقَذْفِ، وَلَا يُحَدُّ لَهُنَّ حَدًّا كَامِلًا لِنُقْصَانِهِنَّ بِذَلِكَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِسْقٌ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ هَذَا التَّعْزِيرِ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ إمَّا لِنَفْيِ النَّسَبِ، أَوْ لِدَرْءِ الْحَدِّ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ إسْقَاطَ الْحَدِّ الْكَامِلِ بِاللِّعَانِ، فَإِسْقَاطُ مَا دُونَهُ أَوْلَى.
وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِدَفْعِ الْحَدِّ الَّذِي يَعْظُمُ ضَرَرُهُ، مَشْرُوعِيَّتُهُ لِدَفْعِ مَا يَقِلُّ ضَرَرُهُ، كَمَا لَوْ قَذَفَ طِفْلَةً لَا يُتَصَوَّرُ وَطْؤُهَا، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالْأَذَى، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ.
كَذَا هَاهُنَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ، وَلَا يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي الْأَمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُمَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
[مَسْأَلَة لَا يُعْرَضُ لِلزَّوْجِ فِي الْحَدّ حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ بِاللِّعَانِ]
(6251) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَا يُعْرَضُ لَهُ، حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ) . يَعْنِي لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَا طَلَبِ اللِّعَانِ مِنْهُ، حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهَا، فَلَا يُقَامُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا، كَسَائِرِ حُقُوقِهَا.
وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا الْمُطَالَبَةُ عَنْهَا إنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا، وَلَا لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَسَيِّدِ الْأَمَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّعْزِيرِ مِنْ أَجْلِهِمَا؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ ثَبَتَ لِلتَّشَفِّي، فَلَا يَقُومُ الْغَيْرُ فِيهِ مَقَامَ الْمُسْتَحِقِّ، كَالْقِصَاصِ.
فَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ اللِّعَانَ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ، مِثْلُ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِزِنَاهَا، أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ قَذْفِهَا، أَوْ حُدَّ لَهَا ثُمَّ أَرَادَ لِعَانَهَا، وَلَا نَسَبَ هُنَاكَ يُنْفَى، فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ اللِّعَانُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا: لَهُ الْمُلَاعَنَةُ؛ لِإِزَالَةِ الْفِرَاشِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الْفِرَاشِ تُمَكِّنُهُ بِالطَّلَاقِ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ لَيْسَ
بِمَقْصُودٍ يُشْرَعُ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ ضِمْنًا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، وَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، أَرْسَلَ إلَيْهَا، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكُنْ طَالَبَتْهُ.
وَلِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ، فَشُرِعَ لَهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ طَالَبَتْهُ، وَلِأَنَّ نَفْيَ النَّسَبِ الْبَاطِلِ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهَا بِهِ، كَمَا لَوْ طَالَبَتْ بِاللِّعَانِ وَرَضِيَتْ بِالْوَلَدِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُشْرَعَ اللِّعَانُ هَاهُنَا، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا فَصَدَّقَتْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مُوجَبَيْ الْقَذْفِ فَلَا يُشْرَعُ مَعَ عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ، كَالْحَدِّ.
[فَصْلٌ قَذَفَهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ لِعَانُهُمَا أَوْ قَبْلَ إتْمَامِ لِعَانُهُ]
(6252) فَصْلٌ: وَإِذَا قَذَفَهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ لِعَانِهِمَا، أَوْ قَبْلَ إتْمَامِ لِعَانِهِ، سَقَطَ اللِّعَانُ، وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ، وَوَرِثَتْهُ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ لِعَانَهُ، وَقَبْلَ لِعَانِهَا، فَكَذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبِينُ بِلِعَانِهِ، وَيَسْقُطُ التَّوَارُثُ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ، وَيَلْزَمُهَا الْحَدُّ، إلَّا أَنْ تَلْتَعِنَ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ اللِّعَانِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ الْتِعَانِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا رَتَّبَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَلَى اللِّعَان التَّامِّ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ كَمَالِ سَبَبِهِ.
وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ اللِّعَانِ، فَقَدْ مَاتَتْ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَيَرِثُهَا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنْ الْتَعَنَ، لَمْ يَرِثْ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَعِكْرِمَةَ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ فُرْقَةً تَبِينُ بِهَا، فَيَمْنَعُ التَّوَارُثَ، كَمَا لَوْ الْتَعَنَ فِي حَيَاتِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَاتَتْ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، فَوَرِثَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَلْتَعِنْ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمٌ بَعْدَ مَوْتِهَا كَالطَّلَاقِ، وَفَارَقَ اللِّعَانُ فِي الْحَيَاةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الزَّوْجِيَّةَ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ لَاعَنَهَا وَلَمْ تَلْتَعِنْ هِيَ، لَمْ تَنْقَطِعْ الزَّوْجِيَّةُ أَيْضًا، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمْ: لَوْ الْتَعَنَ مِنْ الْوَلَدِ الْمَيِّتِ وَنَفَاهُ لَمْ يَرِثْهُ فَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ؟ قُلْنَا: لَوْ الْتَعَنَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ دُونَهَا، لَمْ يَنْتَفِ الْوَلَدُ، وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ اللِّعَانِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا نَفَى الْوَلَدَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ أَصْلًا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَالزَّوْجَةُ قَدْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ فِيمَا قَبْلَ اللِّعَانِ، وَإِنَّمَا يُزِيلُ نِكَاحَهَا اللِّعَانُ، كَمَا يُزِيلُهُ الطَّلَاقُ.
فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَهُ، فَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ وُجُودِ مَا يُزِيلُهُ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ، فَيُوجِبُ التَّوَارُثَ، وَيَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، فَلَا يُمْكِنُ انْقِطَاعُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
وَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ اللِّعَانَ، وَلَمْ تَكُنْ طَالَبَتْ بِالْحَدِّ فِي حَيَاتِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَلَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ.
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ، وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ طَالَبَتْ بِالْحَدِّ فِي حَيَاتِهَا، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَهَا يَقُومُونَ فِي الطَّلَبِ بِهِ مَقَامَهَا، فَإِنْ طُولِبَ بِهِ، فَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الطَّلَبِ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَارِثٌ غَيْرَ الزَّوْجِ، فَلَهُ اللِّعَانُ، لِيُسْقِطَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ مَاتَ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِالْحَدِّ]
(6253) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِالْحَدِّ، سَقَطَ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ الطَّلَبُ بِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يُورَثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَالَبَ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ» . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ، يُورَثُ إذَا طَالَبَ بِهِ، فَيُورَثُ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ، كَحَقِّ الْقِصَاصِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَدٌّ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الطَّلَبُ مِنْ الْمَالِكِ، لَمْ يَجِبْ، كَحَدِّ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ الْمَتْرُوكَ يُورَثُ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ، وَأَمَّا حَقُّ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَمَّا إنْ طَالَبَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهُ تَرِثُهُ الْعَصَبَاتُ مِنْ النَّسَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لِدَفْعِ الْعَارِ، فَاخْتَصَّ بِهِ الْعَصَبَاتُ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَمَتَى ثَبَتَ لِلْعَصَبَاتِ، فَلَهُمْ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمْ وَحْدَهُ، فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ، وَكَانَ لِلْبَاقِينَ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَلَوْ بَقِيَ وَاحِدٌ، كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُرَادُ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يَتَبَعَّضْ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَصَبَاتِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُهُ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَيُفَارِقُ حَقَّ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوتُ إلَى بَدَلٍ، وَلَوْ أَسْقَطْنَاهُ هَاهُنَا، لَسَقَطَ حَقُّ غَيْرِ الْعَافِي إلَى غَيْرِ بَدَلٍ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَلَهَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتهَا غَيْرُهُ، فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَصَبَتَهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، سَقَطَ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْ عَصَبَتهَا غَيْرُهُ، فَلَهُ الطَّلَبُ بِهِ، وَلَا يَسْقُطُ؛ بِمَا ذَكَرْنَا، مِنْ أَنَّهُ يَكْمُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ.
[فَصْل قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِزِنَاهَا]
(6254) فَصْلٌ: وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، تَشْهَدُ بِزِنَاهَا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ لِعَانِهَا وَبَيْنَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُمَا بَيِّنَتَانِ، فَكَانَتْ لَهُ الْخِيرَةُ فِي إقَامَةِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، كَمَنْ لَهُ بِدَيْنٍ شَاهِدَانِ وَشَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهَا مَا لَا يَحْصُلُ بِالْأُخْرَى، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِاللِّعَانِ نَفْيُ النَّسَبِ الْبَاطِلِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَيَحْصُلُ بِالْبَيِّنَةِ ثُبُوتُ زِنَاهَا، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْصُلُ بِاللِّعَانِ، فَإِنْ لَاعَنَهَا وَنَفَى وَلَدَهَا، ثُمَّ أَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ، فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَقَامَهَا، ثَبَتَ مُوجَبُ اللِّعَانِ وَمُوجَبُ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا، ثَبَتَ الزِّنَا وَمُوجَبُهُ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ الْوَلَدُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الزِّنَا كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ.
وَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ قَدْ انْتَفَى عَنْهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
[فَصْلٌ قَذَفَهَا فَطَالَبَتْهُ بِالْحَدِّ فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهَا بِالزِّنَا]
(6255) فَصْلٌ: وَإِنْ قَذَفَهَا، فَطَالَبَتْهُ بِالْحَدِّ، فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهَا بِالزِّنَا، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَصْدِيقُهَا إيَّاهُ،
وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا بِشَاهِدَيْنِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، كَسَائِرِ الْأَقَارِيرِ.
وَاخْتَارَهُ.
وَالثَّانِي، لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمُقَرُّ بِهِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِقْرَارُ بِهِ، كَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، فَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ، أُقِيمُهَا عَلَى الزِّنَا.
أُمْهِلَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ، فَإِنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ، وَإِلَّا حُدَّ، إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ إذَا كَانَ زَوْجًا.
فَإِنْ قَالَ: قَذَفْتُهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ.
وَقَالَتْ: قَذَفَنِي وَأَنَا كَبِيرَةٌ.
وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا قَالَ، فَهُمَا قَذْفَانِ.
وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْكُفْرِ وَالرِّقِّ أَوْ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، إلَّا أَنْ يَكُونَا مُؤَرَّخَيْنِ تَأْرِيخًا وَاحِدًا، فَيَسْقُطَانِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ.
[فَصْلٌ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانَةَ وَقَذَفَنَا]
(6256) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانَةَ وَقَذَفَنَا.
لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لَاعْتِرَافِهِمَا بِعَدَاوَتِهِ لَهُمَا، وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ لَا تُقْبَلُ عَلَى عَدُوِّهِ.
فَإِنْ أَبْرَآهُ وَزَالَتْ الْعَدَاوَةُ، ثُمَّ شَهِدَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَذْفِ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ، فَلَمْ تُقْبَلْ بَعْدُ، كَالْفَاسِقِ إذَا شَهِدَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ ثُمَّ تَابَ وَأَعَادَهَا.
وَلَوْ أَنَّهُمَا ادَّعَيَا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَذَفَهُمَا، ثُمَّ أَبْرَآهُ وَزَالَتْ الْعَدَاوَةُ، ثُمَّ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُرَدَّا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ.
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ ادَّعَيَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَذَفَهُمَا، فَإِنْ أَضَافَا دَعْوَاهُمَا إلَى مَا قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لَاعْتِرَافِهِمَا أَنَّهُ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا حِينَ شَهِدَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يُضِيفَاهَا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ عَدُوَّيْنِ، وَإِنْ كَانَا بَعْدَ الْحُكْمِ، لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَمَّ قَبْلَ وُجُودِ الْمَانِعِ، كَظُهُورِ الْفِسْقِ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَأُمَّنَا، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهَا رُدَّتْ فِي الْبَعْضِ لِلتُّهْمَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تُرَدَّ لِلْكُلِّ.
وَإِنْ شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا أَنَّهُ قَذَفَ ضَرَّةَ أُمِّهِمَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أُمِّهِمَا نَفْعًا، وَهُوَ أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا، فَتَبِينُ، وَيَتَوَفَّرُ عَلَى أُمِّهِمَا.
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ لِعَانَهُ لَهَا يَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِزِنَاهَا، لَا عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعْتَرِفُ بِهِ.
وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ الضَّرَّةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أُمِّهِمَا نَفْعًا، وَهُوَ تَوْفِيرُهُ عَلَى أُمِّهِمَا.
وَالثَّانِي، تُقْبَلُ، لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا.
[فَصْل شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ قَذَفَهَا وَشَهِدَ آخِرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ بِالْعَجَمِيَّةِ]
(6257) فَصْلٌ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ قَذَفَهَا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ بِالْعَجَمِيَّةِ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ، لِأَنَّ
الِاخْتِلَافَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّةِ عَائِدٌ إلَى الْإِقْرَارِ دُونَ الْقَذْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ وَاحِدًا وَالْإِقْرَارُ بِهِ فِي مَرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِقَذْفِهَا، وَشَهْدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَجَمِيَّةِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ ذِكْرُهُ شَرْطًا فِي الشَّهَادَةِ بِالْقَذْفِ، وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ الِاخْتِلَافُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَذْفِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَذْفِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْعَجَمِيَّةِ.
وَالْآخَرُ لَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا قَذْفَانِ لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَمْ تَثْبُتْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَشَهْدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ بِالْقَذْفِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ وَاحِدًا، أَقَرَّ بِهِ فِي وَقْتَيْنِ بِلِسَانَيْنِ.
[مَسْأَلَة مَتَى تَلَاعَنَا وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا]
(6258) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَمَتَى تَلَاعَنَا وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا) . فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَتَانِ: (6259) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا، وَهَلْ يُعْتَبَرُ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فَلَا تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ قَبْلَهُ.
وَفِي حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ، قَالَ: كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ أَمْسَكْتهَا.
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَهَذَا يَقْتَضِي إمْكَانَ إمْسَاكِهَا، وَأَنَّهُ وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ وَقَعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمَا وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَلَا أَمْكَنَهُ إمْسَاكُهَا.
وَلِأَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْفُرْقَةِ يَقِفُ عَلَى الْحَاكِمِ، فَالْفُرْقَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ لَمْ تَقَعْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، كَفُرْقَةِ الْعُنَّةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِمَا.
وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، عَنْهُ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَزُفَرَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
أَنَّهُ قَالَ: الْمُتَلَاعِنَانِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ، فَلَمْ يَقِفْ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، لَسَاغَ تَرْكُ التَّفْرِيقِ إذَا كَرِهَاهُ، كَالتَّفْرِيقِ لِلْعَيْبِ وَالْإِعْسَارِ، وَلَوَجَبَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، أَنْ يَبْقَى النِّكَاحُ مُسْتَمِرًّا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» . يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَهُمَا، بِمَعْنَى إعْلَامِهِ لَهُمَا بِحُصُولِ الْفُرْقَةِ، وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، لَا تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَاصِلَةٌ بِالْقَوْلِ، فَتَحْصُلُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، كَالطَّلَاقِ.
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَحُكِيَ عَنْ الْبَتِّيِّ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ فُرْقَةٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ، لَمَا نَفَذَ طَلَاقُهُ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.
وَقَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا، أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ.
وَقَالَ عُمَرُ: الْمُتَلَاعِنَانِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَا يَكُونَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ بِلِعَانِ أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ اللِّعَانِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَهُ، تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ مَدْلُولَ السُّنَّةِ وَفِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ لَفْظَ اللِّعَانِ لَا يَقْتَضِي فُرْقَةً؛ فَإِنَّهُ إمَّا أَيْمَانٌ عَلَى زِنَاهَا، أَوْ شَهَادَةٌ بِذَلِكَ، وَلَوْلَا وُرُودُ الشَّرْعِ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَحْصُلْ التَّفْرِيقُ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ بَعْدَ لِعَانِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى بَعْضِهِ، كَمَا لَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى بَعْضِ لِعَانِ الزَّوْجِ، وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ ثَبَتَ بِأَيْمَانِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِيَمِينِ أَحَدِهِمَا، كَالْفَسْخِ لِتَحَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ أَوْ الْعِتْقِ، وَقَوْلِ الزَّوْجِ: اخْتَارِي.
وَأَمْرُك بِيَدِك.
أَوْ: وَهَبْتُك لِأَهْلِك أَوْ لِنَفْسِك.
وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِلِعَانِهِمَا.
فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ اللِّعَانِ مِنْهُمَا.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ.
لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا بَعْدَ كَمَالِ لِعَانِهِمَا، فَإِنْ فَرَّقَ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ تَفْرِيقُهُ بَاطِلًا، وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُكْمِلَ الزَّوْجُ لِعَانَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ لَاعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَالْفُرْقَةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَالْفُرْقَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِالثَّلَاثِ فَقَدْ أَتَى بِالْأَكْثَرِ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَفْرِيقٌ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، أَوْ قَبْلَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مَشْرُوعَةٌ، لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ قَبْلَهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَإِذَا حَكَمَ، لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ.
كَأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْبَيْعِ.
وَكَمَا قَبْلَ الثَّلَاثِ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّفْرِيقِ بَعْدَ كَمَالِ السَّبَبِ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَهُ، كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا شَهِدَ بِالدَّيْنِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ.
أَوْ بِمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إذَا أَتَى بِأَكْثَرِ حُرُوفِهَا، وَبِالْمُسَابِقَةِ إذَا قَالَ: مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ.
فَسَبَقَ إلَى ثَلَاثَةٍ، وَبِسَائِرِ الْأَسْبَابِ، فَأَمَّا إذَا تَمَّ اللِّعَانُ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُمَا.
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» . وَرَوَى سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ» . أَخْرَجَهُمَا سَعِيدٌ.
وَمَتَى قُلْنَا: إنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ.
فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ لَمْ يُوجَدْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُلَاعِنْ.
[فَصْلٌ فُرْقَةُ اللِّعَان فَسْخٌ]
(6260) فَصْلٌ: وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ فَسْخٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، تَخْتَصُّ النِّكَاحَ، فَكَانَتْ طَلَاقًا، كَالْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَنَا أَنَّهَا فُرْقَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، كَسَائِرِ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَاقًا، لَوَقَعَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ دُونَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ.
[فَصْلٌ تحصل الْفُرْقَة بِاللِّعَانِ]
(6261) فَصْلٌ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْفُرْقَةَ إنَّمَا حَصَلَتْ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ قَدْ وَقَعَ بِأَحَدِهِمَا لَتَلَاعُنِهِمَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ: إنَّهَا الْمُوجِبَةُ.
أَيْ إنَّهَا تُوجِبُ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ، وَلَا نَعْلَمُ مَنْ هُوَ مِنْهُمَا يَقِينًا، فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَلْعُونَ، فَيَعْلُوَ امْرَأَةً غَيْرَ
مَلْعُونَةٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلُوَ الْمُسْلِمَةَ كَافِرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ مَانِعًا مِنْ دَوَامِ نِكَاحِهِمَا، لَمَنَعَهُ مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهَا، فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ وُقُوعَ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ بِأَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَيُفْضِي إلَى عُلُوِّ مَلْعُونٍ لِغَيْرِ مَلْعُونَةٍ، أَوْ إلَى إمْسَاكِهِ لِمَلْعُونَةٍ مَغْضُوبٍ عَلَيْهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ النَّفْرَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ إسَاءَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إنْ كَانَ صَادِقًا، فَقَدْ أَشَاعَ فَاحِشَتَهَا، وَفَضَحَهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَأَقَامَهَا مُقَامَ خِزْيٍ، وَحَقَّقَ عَلَيْهَا اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ، وَقَطَعَ نَسَبَ وَلَدِهَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَقَدْ أَضَافَ إلَى ذَلِكَ بَهْتَهَا وَقَذْفَهَا بِهَذِهِ الْفِرْيَةِ الْعَظِيمَةِ، وَالْمَرْأَةُ إنْ كَانَتْ صَادِقَةً، فَقَدْ أَكْذَبَتْهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَأَوْجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَقَدْ أَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ، وَخَانَتْهُ فِي نَفْسِهَا، وَأَلْزَمَتْهُ الْعَارَ وَالْفَضِيحَةَ، وَأَحْوَجَتْهُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ الْمُخْزِي، فَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْرَةً مِنْ صَاحِبِهِ، لِمَا حَصَلَ إلَيْهِ مِنْ إسَاءَةٍ لَا يَكَادُ يَلْتَئِمُ لَهُمَا مَعَهَا حَالٌ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّارِعِ انْحِتَامَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِزَالَةَ الصُّحْبَةِ الْمُتَمَحِّضَةِ مَفْسَدَةً، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَاذِبًا عَلَيْهَا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى إمْسَاكِهَا، مَعَ مَا صَنَعَ مِنْ الْقَبِيحِ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا، وَلِهَذَا قَالَ الْعَجْلَانِيُّ: كَذَبْت عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا.
(6262) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِاللِّعَانِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ لَا تَحِلُّ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا شَاذًّا، وَأَمَّا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَاَلَّذِي رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَيْضًا.
وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: إنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، حَلَّتْ لَهُ، وَعَادَ فِرَاشُهُ بِحَالِهِ.
وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ.
شَذَّ بِهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهَا غَيْرَهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ، فَأَمَّا مَعَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا، فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بِحَالِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَ الْبَتِّيِّ، أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فُرْقَةٌ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ عِنْدَهُمَا طَلَاقٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، رُدَّتْ إلَيْهِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
وَلَنَا مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ، فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ.
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْحَدِّ وَالتَّكْذِيبِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِهِمَا، كَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ.
[فَصْلٌ كَانَتْ أَمَةً فَاشْتَرَاهَا مُلَاعِنُهَا]
(6263) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا مُلَاعِنُهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، فَحَرُمَتْ بِهِ عَلَى مُشْتَرِيهَا، كَالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا إذَا اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ، لَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، فَهَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ، وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[مَسْأَلَة أَكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ فِي اللِّعَانِ]
(6264) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ، سَوَاءٌ أَكْذَبَهَا قَبْلَ لِعَانِهَا أَوْ بَعْدَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللِّعَانَ أُقِيمَ مُقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَانَ أَنَّ لِعَانَهَا كَذِبٌ، وَزِيَادَةٌ فِي هَتْكِهَا، وَتَكْرَارٌ لِقَذْفِهَا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا بِالْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ.
فَإِنْ عَادَ عَنْ إكْذَابِ نَفْسِهِ، وَقَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا بِزِنَاهَا.
أَوْ أَرَادَ إسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْهُ بِاللِّعَانِ، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ وَاللِّعَانَ لِتَحْقِيقِ مَا قَالَهُ، وَقَدْ أَقَرَّ بِكَذِبِ نَفْسِهِ، فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ خِلَافُهُ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَقْذُوفَةُ مُحْصَنَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ.
[فَصْلٌ لِمَنْ يَلْحَق وَلَد الْمُلَاعَنَة]
(6265) فَصْلٌ: وَيَلْحَقُهُ نَسَبُ الْوَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ الْمَيِّتَ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدَّعِي مَالًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا مَالٍ، لَحِقَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ كَانَ الْوَلَدُ الْمَيِّتُ تَرَكَ وَلَدًا، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمُسْتَلْحِقِ، وَتَبِعَهُ نَسَبُ ابْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَ وَلَدًا، لَمْ يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُ الْمُدَّعِي شَيْئًا؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ مُنْقَطِعٌ بِالْمَوْتِ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ مُسْتَلْحِقًا لِوَلَدِهِ، وَتَبِعَهُ نَسَبُ الْمَيِّتِ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا وَلَدٌ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ، فَكَانَ لَهُ اسْتِلْحَاقُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، أَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ يَتْبَعُ نَسَبَ الْوَلَدِ، وَقَدْ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ نَسَبَ الْوَلَدِ تَابِعًا لِنَسَبِ ابْنِهِ، فَجَعَلَ الْأَصْلَ تَابِعًا لِلْفَرْعِ، وَذَلِكَ
بَاطِلٌ.
فَأَمَّا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ: إنَّهُ إنَّمَا يَدَّعِي مَالًا.
قُلْنَا: إنَّمَا يَدَّعِي النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ، وَالْمَالُ تَبَعٌ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّ غَرَضَهُ حُصُولُ الْمِيرَاثِ.
قُلْنَا: إنَّ النَّسَبَ لَا تَمْنَعُ التُّهْمَةُ لُحُوقَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ يُعَادِيهِ، فَأَقَرَّ بِابْنٍ، لَزِمَهُ، وَسَقَطَ مِيرَاثُ أَخِيهِ، وَلَوْ كَانَ الِابْنُ حَيًّا وَهُوَ غَنِيٌّ، وَالْأَبُ فَقِيرٌ، فَاسْتَلْحَقَهُ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي إيجَابِ نَفَقَتِهِ عَلَى ابْنِهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ النَّسَبُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَلَدِ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَلَا يَثْبُتُ الْمِيرَاثُ الْمُخْتَصُّ بِالتُّهْمَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْقِطَاعِ التَّبَعِ انْقِطَاعُ الْأَصْلِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: حَقَّانِ عَلَيْهِ، وُجُوبُ الْحَدِّ، وَلُحُوقُ النَّسَبِ.
وَحَقَّانِ لَهُ: الْفُرْقَةُ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ الْحَدُّ وَالنَّسَبُ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا لَهُ، فَلَمْ تَزُلْ الْفُرْقَةُ، وَلَا التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ.
[فَصْلٌ لَمْ يَكْذِبْ الزَّوْج نَفْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَا لَاعَنَ]
(6266) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَلَا لَاعَنَ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
فَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضَهُ، فَبَذَلَ اللِّعَانَ، وَقَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ.
قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْحَدِّ، فَيُسْقِطُ بَعْضَهُ، كَالْبَيِّنَةِ.
فَإِنْ ادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا، فَأَنْكَرَ، فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ الْبَيِّنَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَذْفًا؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا كَذِبًا، وَأَنَا صَادِقٌ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إكْذَابًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى رَمْيِهَا بِالزِّنَا، وَلَهُ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَذْهَبِنَا.
فَإِنْ قَالَ: مَا زَنَتْ، وَلَا رَمَيْتهَا بِالزِّنَا.
فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ وَلَا لِعَانُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا زَنَتْ.
تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ وَاللِّعَانِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ حُجَّةٌ قَدْ أَكْذَبَهَا.
وَجَرَى هَذَا مَجْرَى قَوْلِهِ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِي.
فَقَامَتْ: عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْوَدِيعَةِ، فَادَّعَى الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَلَوْ أَجَابَ بِأَنَّهُ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ.
وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا.
فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَادَّعَى الرَّدّ أَوْ التَّلَفَ، قُبِلَ مِنْهُ.
[مَسْأَلَة قَذَفَهَا وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا وَتَمَّ اللِّعَان بَيْنَهُمَا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ]
(6267) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ قَذَفَهَا، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، وَتَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، نُفِيَ عَنْهُ، إذَا ذَكَرَهُ فِي اللِّعَانِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا وَلَدْت امْرَأَتُهُ وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، فَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» . وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ التَّامِّ، الَّذِي اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا، أَنْ يُوجَدَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْتَفِي بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إنَّمَا كَانَ بِيَمِينِهِ وَالْتِعَانِهِ، لَا بِيَمِينِ الْمَرْأَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَلَا مَعْنَى لِيَمِينِ الْمَرْأَةِ فِي نَفْيِ النَّسَبِ، وَهِيَ تُثْبِتُهُ وَتُكَذِّبُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيهِ، وَإِنَّمَا لِعَانُهَا لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 8] .
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا نَفَى الْوَلَدَ عَنْهُ بَعْدَ تَلَاعُنِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ النَّفْيُ بِبَعْضِهِ، كَبَعْضِ لِعَانِ الزَّوْجِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكْمُلَ أَلْفَاظُ اللِّعَانِ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يَبْدَأَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ فَعَلَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَالْفُرْقَةُ جَائِزَةٌ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ لِعَانِهَا عَلَى لِعَانِهِ بِالْوَاوِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَتَّبَتْ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَا يَتِمُّ اللِّعَانُ إلَّا بِالتَّرْتِيبِ، إلَّا أَنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهُ لِعَانُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ إخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ، وَعَدَمِ كَمَالِ أَلْفَاظِ اللِّعَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَتَى بِاللِّعَانِ عَلَى غَيْرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ بَيِّنَتُهُ لِإِثْبَاتِ زِنَاهَا وَنَفْيِ وَلَدِهَا، وَلِعَانَ الْمَرْأَةِ لِلْإِنْكَارِ، فَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْإِثْبَاتِ، كَتَقْدِيمِ الشُّهُودِ عَلَى الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ لِعَانِ الْمَرْأَةِ لِدَرْءِ الْعَذَابِ عَنْهَا، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا ذَلِكَ إلَّا بِلِعَانِ الرَّجُلِ، فَإِذَا قَدَّمَتْ لِعَانَهَا عَلَى لِعَانِهِ، فَقَدْ قَدَّمَتْهُ عَلَى وَقْتِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَدَّمَتْهُ عَلَى الْقَذْفِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَذْكُرَ نَفْيَ الْوَلَدِ فِي اللِّعَانِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ، لَمْ يَنْتَفِ، إلَّا أَنْ يُعِيدَ اللِّعَانَ وَيَذْكُرَ نَفْيَهُ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ وَنَفْيِهِ، وَيَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ؛ وَلِأَنَّ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، الَّذِي وَصَفَ فِيهِ اللِّعَانَ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْوَلَدَ، وَقَالَ فِيهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ «رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ» . وَلَنَا، أَنَّ مَنْ سَقَطَ حَقُّهُ بِاللِّعَانِ، كَانَ ذِكْرُهُ شَرْطًا، كَالْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي اللِّعَانِ أَنْ يُثْبِتَ زِنَاهَا، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْوَلَدِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ: وَكَانَتْ حَامِلًا، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا.
مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ «رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ» . وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
فَعَلَى هَذَا، لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَلَدِ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ، وَمَعَ اللَّعْنِ فِي الْخَامِسَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَفْظَاتِ اللِّعَانِ.
وَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ شَرْطًا خَامِسًا، وَهُوَ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَشْتَرِطُ تَفْرِيقَ الْحَاكِمِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَلَا يُشْتَرَطُ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَلَا لِفَسْخِ النِّكَاحِ.
وَشَرَطَ أَيْضًا شَرْطًا سَادِسًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَذَفَهَا.
وَهَذَا شَرْطُ اللِّعَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْقَذْفِ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ وَلَدْت امْرَأَتُهُ تَوْأَمَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَاسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا وَنَفَى نَسُبّ الْآخِرَ]
(6268) فَصْلٌ: وَإِنْ وَلَدْت امْرَأَتُهُ تَوْأَمَانٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
فَاسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا، وَنَفَى الْآخَرَ، لَحِقَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مِنْهُ وَبَعْضُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ ضَرُورَةً، فَجَعَلْنَا مَا نَفَاهُ تَابِعًا لِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَلَمْ نَجْعَلْ مَا أَقَرَّ بِهِ تَابِعًا لِمَا نَفَاهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ لَا لِنَفْيِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ يُمْكِن كَوْنُهُ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ، أَلْحَقْنَاهُ بِهِ احْتِيَاطًا، وَلَمْ نَقْطَعْهُ عَنْهُ احْتِيَاطًا لِنَفْيِهِ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ قَذَفَ أُمَّهُمَا وَطَالَبَتْهُ بِالْحَدِّ، فَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ يُحَدُّ، وَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ بِاللِّعَانِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ اعْتَرَفَ بِكَذِبِهِ فِي قَذْفِهِ، فَلَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهُ، انْتِفَاءُ الزِّنَا عَنْهَا، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الزِّنَا مِنْهَا كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، لَمْ يَنْتَفِ الْوَلَدُ عَنْهُ، فَلَا تَنَافِي بَيْنَ لِعَانِهِ وَبَيْنَ اسْتِلْحَاقِهِ لِلْوَلَدِ.
وَإِنْ اسْتَلْحَقَ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ وَسَكَتَ عَنْ الْآخَرِ، لَحِقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَاهُ لَلَحِقَهُ، فَإِذَا سَكَتَ عَنْهُ كَانَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ امْرَأَتَهُ مَتَى أَتَتْ بِوَلَدٍ، لَحِقَهُ مَا لَمْ يَنْفِهِ عَنْهُ بِاللِّعَانِ.
وَإِنْ نَفَى أَحَدَهُمَا، وَسَكَتَ عَنْ الْآخَرِ، لَحِقَاهُ جَمِيعًا.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَا نَفَيْتُمْ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى أَخَاهُ، وَهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ؟ قُلْنَا لُحُوقُ النَّسَبِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَثْبُتْ الْوَطْءُ، وَلَا يَنْتَفِي الْإِمْكَانُ لِلنَّفْيِ، فَافْتَرَقَا.
فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَنَفَاهُ، وَلَاعَنَ لِنَفْيِهِ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَنْتَفِ الثَّانِي بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ تَنَاوَلَ الْأَوَّلَ وَحْدَهُ، وَيَحْتَاجُ فِي نَفْيِ الثَّانِي إلَى لِعَانٍ ثَانٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَنْتَفِي بِنَفْيِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى لِعَانٍ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ مَرَّةً، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى لِعَانٍ ثَانٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
فَإِنْ أَقَرَّ بِالثَّانِي، لَحِقَهُ هُوَ وَالْأَوَّلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ، لَحِقَاهُ أَيْضًا.
فَأَمَّا إنْ نَفَى الْوَلَدَ بِاللِّعَانِ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ آخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهَذَا مِنْ حَمْلٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ وَلَدَيْنِ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ
مُدَّةُ الْحَمْلِ، وَلَوْ أَمْكَنَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مُدَّةَ حَمْلٍ كَامِلٍ.
فَإِنْ نَفَى هَذَا الْوَلَدَ بِاللِّعَانِ انْتَفَى، وَلَا يَنْتَفِي بِغَيْرِ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ مُنْفَرِدٌ، وَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ، أَوْ تَرَكَ نَفْيَهُ، لَحِقَهُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَانَتْ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بَعْدَ وَضْعِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ لَاعَنَهَا قَبْلَ وَضْعِ الْأَوَّلِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِاللِّعَانِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ حَمْلُهَا الثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي غَيْرِ نِكَاحٍ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ.
[فَصْلٌ مَاتَ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ أَوْ مَاتَا مَعًا فِي الْمُلَاعَنَة]
(6269) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ، أَوْ مَاتَا مَعًا، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ نَسَبِهِمَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ نَسَبُ الْحَيِّ، وَلَا يُلَاعِنُ إلَّا لِنَفْيِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ، فَإِنَّ نَسَبَهُ قَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ امْرَأَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يُلَاعِنُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا، لِقَطْعِ النِّكَاحِ، لِكَوْنِهِ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِذَا لَمْ يَنْتَفِ الْمَيِّتُ لَمْ يَنْتَفِ الْحَيُّ؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ.
وَلَنَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُنْسَبُ إلَيْهِ، فَيُقَالُ: ابْنُ فُلَانٍ.
وَيَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهُ، وَتَكْفِينُهُ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُ نَسَبِهِ، وَإِسْقَاطُ مُؤْنَتِهِ، كَالْحَيِّ، وَكَمَا لَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ.
[مَسْأَلَة أَكْذَبَ الزَّوْج نَفْسَهُ فِي اللِّعَانِ يَلْحَق الْوَلَدُ بِهِ]
(6270) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ، وَنَفَى وَلَدَهَا، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ إذَا كَانَ حَيًّا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، لَحِقَهُ نَسَبُهُ أَيْضًا.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ خَلَّفَ مَالًا أَوْ لَمْ يُخَلِّفْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ، لَزِمَهُ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ إنْكَارُهُ لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ سَبَبَ نَفْيِهِ عَنْهُ نَفْيُهُ لَهُ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ.
فَقَدْ زَالَ سَبَبُ النَّفْيِ، وَبَطَلَ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَهُ نَسَبُهُ بِحُكْمِ النِّكَاحِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ نَسَبِهِ بِهِ.
[فَصْلٌ الْقَذْفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ]
(6271) فَصْلٌ: وَالْقَذْفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: وَاجِبٌ، وَهُوَ أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَزْنِي فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اعْتِزَالُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الزِّنَا، وَأَمْكَنَهُ نَفْيُهُ عَنْهُ، لَزِمَهُ قَذْفُهَا، وَنَفْيُ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي
مَجْرَى الْيَقِينِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي، فَإِذَا لَمْ يَنْفِهِ لَحِقَهُ الْوَلَدُ، وَوَرِثَهُ، وَوَرِثَ أَقَارِبَهُ، وَوَرِثُوا مِنْهُ، وَنَظَرَ إلَى بَنَاتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ، فَيَجِبُ نَفْيُهُ لِإِزَالَةِ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَآهَا.
الثَّانِي - أَنْ يَرَاهَا تَزْنِي، أَوْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ زِنَاهَا، وَلَيْسَ ثَمَّ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، أَوْ ثَمَّ وَلَدٌ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ الزِّنَا، أَوْ يُخْبِرَهُ بِزِنَاهَا ثِقَةٌ يُصَدِّقُهُ، أَوْ يَشِيعَ فِي النَّاسِ أَنَّ فُلَانًا يَفْجُرُ بِفُلَانَةَ، وَيُشَاهِدُهُ عِنْدَهَا، أَوْ دَاخِلًا إلَيْهَا أَوْ خَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ فُجُورُهَا، فَهَذَا لَهُ قَذْفُهَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ.
فَذَكَرَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ أَوْ يَسْكُتُ، وَلَمْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَى هِلَالٍ وَالْعَجْلَانِيِّ قَذْفَهُمَا حِينَ رَأَيَا.
وَإِنْ سَكَتَ جَازَ، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ فِرَاقُهَا بِطَلَاقِهَا، وَيَكُونُ فِيهِ سَتْرُهَا وَسَتْرُ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ ثَمَّ وَلَدٌ يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِهِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ، مِنْ قَذْفِ أَزْوَاجِهِ وَالْأَجَانِبِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَوْلُهُ: " وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ". يَعْنِي يَرَاهُ مِنْهُ، فَكَمَا حَرَّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُدْخِلَ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، حَرَّمَ عَلَى الرَّجُلِ جَحْدَ وَلَدِهِ.
وَلَا يَجُوزُ قَذْفُهَا بِخَبَرِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِخَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهَا، وَلَا بِرُؤْيَتِهِ رَجُلًا خَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَفِيضَ زِنَاهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ سَارِقًا، أَوْ هَارِبًا، أَوْ لِحَاجَةٍ، أَوْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَلَا لِاسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَعْدَاؤُهَا أَشَاعُوا ذَلِكَ عَنْهَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخِرُ، أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ
أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الثِّقَةِ.
وَلَا بِمُخَالَفَةِ الْوَلَدِ لَوْنَ وَالِدَيْهِ أَوْ شَبَهِهِمَا، وَلَا لِشَبَهِهِ بِغَيْرِ وَالِدَيْهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ.
يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ . قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ . قَالَ: إنَّ فِيهَا أَوْرَقَ.
قَالَ: فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ.
قَالَ: فَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» . قَالَ: " وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَأَلْوَانُهُمْ وَخَلْقُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَوْلَا مُخَالَفَتُهُمْ شَبَهَ وَالِدَيْهِمْ، لَكَانُوا عَلَى خِلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ ضَعِيفَةٌ، وَدَلَالَةَ وِلَادَتِهِ عَلَى الْفِرَاشِ قَوِيَّةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقَوِيِّ لِمُعَارَضَةِ الضَّعِيفِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا تَنَازَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَرَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْفِرَاشِ، وَتَرَكَ الشَّبَهَ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ، جَوَازُ نَفْيِهِ.
وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ: «إنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ.
فَأَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» . فَجَعَلَ الشَّبَهَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لِعَانِهِ وَنَفْيِهِ إيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَجَعَلَ الشَّبَهَ مُرَجِّحًا لِقَوْلِهِ، وَدَلِيلًا عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِ الشَّبَهِ بِالنَّفْيِ، وَلِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي
مَوْضِعٍ زَالَ الْفِرَاشُ، وَانْقَطَعَ نَسَبُ الْوَلَدِ عَنْ صَاحِبِهِ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ بَقَاءِ الْفِرَاشِ الْمُقْتَضِي لُحُوقَ نَسَبِ الْوَلَدِ بِصَاحِبِهِ.
وَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ امْرَأَتِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، لَمْ يُبَحْ لَهُ نَفْيُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نُصِيبُ مِنْ النِّسَاءِ، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ، أَفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ؟ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى خَلْقَ نَسَمَةٍ خَلَقَهَا» . وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يُحِسُّ بِهِ فَتَعْلَقُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ الْمَاءُ إلَى الْفَرْجِ فَيَعْلَقَ بِهِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهُ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَدَلَالَةُ عَدَمِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ عَلَى انْتِفَاءِ الْوَلَدِ أَشَدُّ مِنْ دَلَالَةِ مُخَالَفَةِ الْوَلَدِ لَوْنَ وَالِدَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا مَعَ الزِّنَا، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ الزَّانِي، مِثْلُ إنْ زَنَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، أَوْ زَنَتْ فَلَمْ يَعْتَزِلْهَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا، أَوْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ، لَوْ كَانَ الْوَلَدُ شَبِيهًا بِالزَّانِي دُونَهُ، لَزِمَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعَ الزِّنَا يُوجِبُ نِسْبَتَهُ إلَى الزَّانِي، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ بِوَلَدِ امْرَأَةِ هِلَالٍ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، بِشَبَهِهِ لَهُ، مَعَ لِعَانِ هِلَالٍ لَهَا، وَقَذْفِهِ إيَّاهَا.
وَأَمَّا إذَا أَتَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ، فَشَكَّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَتِهِ لِزِنَاهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَذْفُهَا، وَلَا لِعَانُهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْفَزَارِيِّ.
وَكَذَلِكَ إنْ عَرَفَ زِنَاهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي، وَلَا وُجِدَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ.
[فَصْلٌ أُكْرِهَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى الزِّنَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ]
(6272) فَصْلٌ: فَإِنْ أُكْرِهَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى الزِّنَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَاطِئِ، فَهُوَ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ قَذْفُهَا بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِزِنًا مِنْهَا.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّعَانِ، وَمِنْ شَرْطِ اللِّعَانِ الْقَذْفُ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يَصِحُّ اللِّعَانُ مِنْ الْمَرْأَةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُكَذِّبُ الزَّوْجَ فِي إكْرَاهِهَا عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ؛
إحْدَاهُمَا، لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ، كَمَا لَوْ زَنَتْ مُطَاوِعَةً.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَرَى نَفْيَ الْوَلَدِ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ النَّفْيُ بِاللِّعَانِ هَاهُنَا.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم.
[مَسْأَلَة نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ]
(6273) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ وَيُلَاعِنَ) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ، وَنَفَى حَمْلَهَا فِي لِعَانُهُ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ وَجَمَاعَةٌ: لَا يَنْتَفِي الْحَمْلُ بِنَفْيِهِ قَبْلَ الْوَضْعِ، وَلَا يَنْتَفِي حَتَّى يُلَاعِنَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُسْتَيْقَنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِيحًا، أَوْ غَيْرهَا، فَيَصِيرُ نَفْيُهُ مَشْرُوطًا بِوُجُودِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ اللِّعَانِ بِشَرْطٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: يَصِحُّ نَفْيُ الْحَمْلِ، وَيَنْتَفِي عَنْهُ، مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ هِلَالٍ، وَأَنَّهُ نَفَى حَمْلَهَا فَنَفَاهُ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَلْحَقَهُ بِالْأَوَّلِ.
وَلَا خَفَاءَ بِأَنَّهُ كَانَ حَمْلًا، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اُنْظُرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرَةٌ.
وَأَوْرَدَهَا.
وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مَظْنُونٌ بِأَمَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا ثَبَتَتْ لِلْحَامِلِ أَحْكَامٌ تُخَالِفُ بِهَا الْحَائِلَ: مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْفِطْرِ فِي الصِّيَامِ، وَتَرْكِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، وَتَأْخِيرِ الْقِصَاصِ عَنْهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْحَمْلِ، فَكَانَ كَالْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمُوَافَقَتِهِ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ وَمَا خَالَفَ الْحَدِيثَ لَا يُعْبَأُ بِهِ كَائِنًا مَا كَانَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي اللِّعَانِ احْتِجَاجًا بِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا نَفْيُ الْحَمْلِ، وَلَا التَّعَرُّضُ لِنَفْيِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْوَلَدَ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِنَفْيِهِ بَعْدَ الْوَضْعِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي نَفْيِهِ إلَى إعَادَةِ اللِّعَانِ بَعْدَ الْوَضْعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ: إنْ لَاعَنَهَا حَامِلًا، ثُمَّ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَفْيِهِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذِهِ قَدْ بَانَتْ بِلِعَانِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا.
وَهَذَا فِيهِ إلْزَامُهُ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ، وَسَدُّ بَابِ الِانْتِفَاءِ مِنْ أَوْلَادِ الزِّنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ طَرِيقًا، فَلَا يَجُوزُ سَدُّهُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْحَالِ الَّتِي أَضَافَ الزِّنَا إلَيْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي تَأْتِي بِهِ يَلْحَقُهُ إذَا لَمْ يَنْفِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى نَفْيِهِ، وَهَذِهِ كَانَتْ زَوْجَةً فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَمَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَم.
[فَصْل اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ فِي الْمُلَاعَنَةِ]
(6274) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ، فَمَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ.
قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَمِنْ أَجَازَ نَفْيَهُ، قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِوُجُودِهِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَوَقْفِ الْمِيرَاثِ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِهِ كَالْمَوْلُودِ، وَإِذَا اسْتَلْحَقَهُ لَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ الْوَضْعِ.
وَمَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ.
قَالَ: لَوْ صَحَّ اسْتِلْحَاقُهُ لَزِمَهُ بِتَرْكِ نَفْيِهِ كَالْمَوْلُودِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلِأَنَّ لِلشَّبَهِ أَثَرًا فِي الْإِلْحَاقِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الْوَضْعِ، فَاخْتُصَّ صِحَّةُ الِاسْتِلْحَاقِ بِهِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ اسْتَلْحَقَهُ ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا إنْ سَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَنْفِهِ، وَلَمْ يَسْتَلْحِقْهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَا قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودَهُ إلَّا أَنْ يُلَاعِنَهَا، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَلْزَمَهُ الْوَلَدَ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
[فَصْلٌ وَلَدْت امْرَأَتُهُ وَلَدًا فَسَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ مَعَ إمْكَانِهِ الْمُلَاعَنَةَ]
(6275) فَصْلٌ: وَإِذَا وَلَدْت امْرَأَتُهُ وَلَدًا، فَسَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ، مَعَ إمْكَانِهِ، لَزِمَهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَتَقَدَّرُ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ، بَلْ هُوَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، إنْ كَانَ لَيْلًا فَحَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْتَشِرَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ جَائِعًا أَوْ ظَمْآنَ فَحَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ، أَوْ يَنَامَ إنْ كَانَ نَاعِسًا، أَوْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ وَيُسْرِجَ دَابَّتَهُ وَيَرْكَبَ وَيُصَلِّيَ إنْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُحْرِزَ مَالَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرَزٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَشْغَالِهِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ تَأْخِيرُ نَفْيِهِ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ النَّفْيَ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ يَشُقُّ، فَقُدِّرَ بِالْيَوْمَيْنِ لِقِلَّتِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَتَقَدَّرُ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْوِلَادَةِ فِي الْحُكْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّ لَهُ نَفْيَهُ مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ، كَحَالَةِ الْوِلَادَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» . عَامٌّ خَرَجَ مِنْهُ مَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى عُمُومِ الْحَدِيثِ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْطُلُ بِخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَتَقْدِيرُهُ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَمَا قَالَهُ عَطَاءٌ يَبْطُلُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ لَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ، وَلَا الْحَمْلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ضَرَرُهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَهَلْ يَتَقَدَّرُ الْخِيَارُ فِي النَّفْيِ بِمَجْلِسِ الْعِلْمِ، أَوْ بِإِمْكَانِ النَّفْيِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: بِنَاءً عَلَى
الْمُطَالَبَةِ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ أَخَّرَ نَفْيَهُ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِالْوِلَادَةِ، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ، بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلَّةٍ أُخْرَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا فِي الدَّارِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت وِلَادَتَهُ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي نَفْيَهُ.
أَوْ عَلِمْت ذَلِكَ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَكَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَعَامَّةِ النَّاسِ، قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ يَخْفَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ الْفَقِيهِ، وَيُقْبَلُ مِنْ النَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، وَحَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَهَلْ يُقْبَلُ مِنْ سَائِرِ الْعَامَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْحُضُورِ لِنَفْيِهِ، كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ، أَوْ الِاشْتِغَالِ بِحِفْظِ مَالٍ يَخَافُ ضَيْعَتَهُ، أَوْ بِمُلَازَمَةِ غَرِيمٍ يَخَافُ فَوْتَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ، نُظِرَتْ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ ذَلِكَ قَصِيرَةً فَأَخَّرَهُ إلَى الْحُضُورِ لِيَزُولَ عُذْرُهُ، لَمْ يَبْطُلْ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ لَيْلًا فَأَخَّرَهُ إلَى الصُّبْحِ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَطَاوَلُ، فَأَمْكَنَهُ التَّنْفِيذُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَبْعَثَ إلَيْهِ مَنْ يَسْتَوْفِي عَلَيْهِ اللِّعَانَ وَالنَّفْيَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، سَقَطَ نَفْيُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ نَافٍ لِوَلَدِ امْرَأَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَفْيِهِ كَانَ الْإِشْهَادُ قَائِمًا مَقَامَهُ، كَمَا يُقِيمُ الْمَرِيضُ الْفَيْئَةَ بِقَوْلِهِ، بَدَلًا عَنْ الْفَيْئَةِ بِالْجِمَاعِ.
فَإِنْ قَالَ: لَمْ أُصَدِّقْ الْمُخْبِرَ عَنْهُ.
نُظِرَتْ؛ فَإِنْ كَانَ مُسْتَفِيضًا مُنْتَشِرًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَفِيضًا، وَكَانَ الْمُخْبِرُ مَشْهُورَ الْعَدَالَةِ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِلَّا قُبِلَ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ عَلَيَّ ذَلِكَ.
قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى، وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَمْكَنَهُ السَّيْرُ، فَاشْتَغَلَ بِهِ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، وَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَطَلَ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ السَّيْرِ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَإِنْ أَخَّرَ نَفْيَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَقَالَ: أَخَّرْت نَفْيَهُ رَجَاءَ أَنْ يَمُوتَ، فَأَسْتُرَ عَلَيْهِ وَعَلَيَّ.
بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
[فَصْلٌ هُنِّئَ عَلَى الْوَلَد فِي اللِّعَانِ فَأَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ]
(6276) فَصْلٌ: فَإِنْ هُنِّئَ بِهِ، فَأَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ، لَزِمَهُ.
فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَإِنْ قَالَ: أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَك.
أَوْ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك.
أَوْ: رَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ.
لَزِمَهُ الْوَلَدُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ جَازَاهُ عَلَى قَصْدِهِ.
وَإِذَا قَالَ: رَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ.
فَلَيْسَ ذَلِكَ إقْرَارًا، وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ ذَلِكَ جَوَابُ الرَّاضِي فِي الْعَادَةِ، فَكَانَ إقْرَارًا، كَالتَّأْمِينِ عَلَى الدُّعَاءِ.
وَإِنْ سَكَتَ، كَانَ إقْرَارًا.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ صُلْحٌ دَالًّا عَلَى الرِّضَى فِي حَقِّ الْبِكْرِ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَزِمَهُ الْوَلَدُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَهُ
أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ مَا دَامَتْ أُمُّهُ عِنْدَهُ يَصِيرُ لَهَا الْوَلَدُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ جَحْدَهُ، كَمَا لَوْ بَانَتْ مِنْهُ أُمُّهُ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ جَحْدُهُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
[مَسْأَلَة جَاءَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ فَقَالَ لَمْ تَزْنِ وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي]
(6277) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ، فَقَالَ: لَمْ تَزْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي.
فَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لَهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ.
فَقَالَ زَوْجُهَا: لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي.
أَوْ قَالَ لَيْسَ هَذَا وَلَدِي.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَذْفٍ بِظَاهِرِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ، أَوْ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يُسْأَلُ، فَإِنْ قَالَ: زَنَتْ، فَوَلَدَتْ هَذَا مِنْ الزِّنَا.
فَهَذَا قَذْفٌ يَثْبُتُ بِهِ اللِّعَانُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ لَا يُشْبِهُنِي خَلْقًا وَلَا خُلُقًا.
فَقَالَتْ: بَلْ أَرَدْتَ قَذْفِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ، لَا سِيَّمَا إذَا صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: لَمْ تَزْنِ.
وَإِنْ قَالَ: وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، وَالْوَلَدُ مِنْ الْوَاطِئِ.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهَا، وَلَا قَذَفَ وَاطِئَهَا.
وَإِنْ قَالَ: أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا.
فَلَا حَدَّ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهَا، وَلَا لِعَانَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهَا، وَمِنْ شَرْطِ اللِّعَانِ الْقَذْفُ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُ الْوَلَدِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْآخِرَةِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ لَهُ اللِّعَانَ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِ الْوَلَدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: وُطِئْتِ بِشُبْهَةٍ.
فَإِنَّهُ يُمْكِنُ نَفْيُ النَّسَبِ بِعَرْضِ الْوَلَدِ عَلَى الْقَافَةِ، فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ اللِّعَانِ.
فَلَا يُشْرَعُ، كَمَا لَا يُشْرَعُ لِعَانُ أَمَتِهِ، لَمَّا أَمْكَنَ نَفْيُ نَسَبِ وَلَدِهَا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا أَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ بَعْدَ الْقَذْفِ، فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] الْآيَةَ.
وَلَمَّا لَاعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ هِلَالٍ وَامْرَأَتِهِ كَانَ بَعْدَ قَذْفِهِ إيَّاهَا، وَكَذَلِكَ لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ وَامْرَأَتِهِ كَانَ بَعْدَ قَذْفِهِ إيَّاهَا، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا فِي مِثْلِهِ، وَلِأَنَّ نَفْيَ اللِّعَانِ إنَّمَا يَنْتَفِي بِهِ الْوَلَدُ بِتَمَامِهِ مِنْهُمَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ اللِّعَانُ مِنْ الْمَرْأَةِ هَاهُنَا.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: وَطِئَك فُلَانٌ بِشُبْهَةٍ، وَأَنْتَ تَعْلَمِينَ الْحَالَ.
فَقَدْ قَذَفَهَا، وَلَهُ لِعَانُهَا، وَنَفْيُ نَسَبِ وَلَدِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ نَفْيُ نَسَبِهِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْقَافَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَاشْتَبَهَ عَلَيْك أَيْضًا.
وَلَنَا أَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] وَلِأَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ بِالزِّنَا، فَمَلَكَ لِعَانَهَا وَنَفَى وَلَدَهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: زَنَى بِكِ فُلَانٌ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ
قَافَةٌ، وَقَدْ لَا يَعْتَرِفُ الرَّجُلُ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ، أَوْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ، فَلَا يَنْتَفِي الْوَلَدُ.
وَإِنْ قَالَ: مَا وَلَدَتْهُ وَإِنَّمَا الْتَقَطْتُهُ أَوْ اسْتَعَرْتُهُ فَقَالَتْ: بَلْ هُوَ وَلَدِي مِنْك.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، كَالدَّيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا لِلْوِلَادَةِ، فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِهَا، وَلَا دَعْوَى الْأَمَةِ لَهَا لِتَصِيرَ بِهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهَا لِتَقْضِيَ عِدَّتَهَا بِهَا.
فَعَلَى هَذَا لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً، وَهِيَ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ، تَشْهَدُ بِوِلَادَتِهَا لَهُ فَإِذَا ثَبَتَتْ وِلَادَتُهَا لَهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] . وَتَحْرِيمُ كِتْمَانِهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْمَرْأَةِ، تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ، كَالْحَيْضِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ، كَالْحَيْضِ.
فَعَلَى هَذَا، النَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ، وَهَلْ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ لِوِلَادَتِهَا إيَّاهُ، إقْرَارٌ بِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْهُ مِنْ زِنًا، فَلَا يُقْبَلُ إنْكَارُهُ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي، لَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ، وَنَافٍ لِوَلَدِهَا، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ، كَغَيْرِهِ.
[فَصْل وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ فِي النِّكَاحِ]
(6278) فَصْلٌ: وَمَنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ فِي النِّكَاحِ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ عَقِيبَ نِكَاحِهِ لَهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ طِفْلًا لَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَأَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ وَلَدٌ لِمِثْلِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ عَشْرٌ، فَحَمَلْت امْرَأَتُهُ، لَحِقَهُ وَلَدُهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْحَقُ بِهِ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِتِسْعَةِ أَعْوَامٍ وَنِصْفِ عَامٍ مُدَّةِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ يُولَدُ لَهَا لِتِسْعٍ، فَكَذَلِكَ الْغُلَامُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْحَقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمَاءِ، وَلَا يَنْزِلُ حَتَّى يَبْلُغَ.
وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْبُلُوغُ فِيهِ، فَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، كَالْبَالِغِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا اثْنَا عَشَرَ عَامًا، وَأَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، دَلِيلٌ عَلَى إمْكَانِ الْوَطْءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْوِلَادَةِ، وَأَمَّا قِيَاسُ الْغُلَامِ عَلَى الْجَارِيَةِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْجَارِيَةَ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِتِسْعٍ عَادَةً، وَالْغُلَامُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ لَتِسْعٍ، وَقَدْ تَحِيضُ لَتِسْعٍ، وَمَا عُهِدَ بُلُوغُ غُلَامٍ لَتِسْعٍ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهِ قَبْلَ غَيْبَتِهِ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، أَوْ تَزَوَّجَ مَشْرِقِيٌّ بِمَغْرِبِيَّةٍ، ثُمَّ مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ.
وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَلْحَقُهُ بِالْعَقْدِ، وَمُدَّةِ الْحَمْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: إذَا مَضَى زَمَانُ الْإِمْكَانِ، لَحِقَ الْوَلَدُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْوَطْءُ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إمْكَانُ الْوَطْءِ بِهَذَا الْعَقْدِ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ، كَزَوْجَةِ ابْنِ سَنَةٍ، أَوْ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِمْكَانَ إذَا وُجِدَ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ قَطْعًا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، فَعَلَّقْنَا الْحُكْمَ عَلَى إمْكَانِهِ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَجُزْ حَذْفُ الْإِمْكَانِ عَنْ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّهُ إذَا انْتَفَى حَصَلَ الْيَقِينُ بِانْتِفَائِهِ عَنْهُ، فَلَمْ يَحُزْ إلْحَاقُهُ بِهِ مَعَ يَقِينِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهُ.
وَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، لَمْ يَلْحَقْ نَسَبُهُ بِهِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ وَالْإِيلَاجُ.
وَإِنْ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ دُونَ ذَكَرِهِ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْزِلُ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْحَقُهُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِيلَاجُ، وَيُنْزِلُ مَاءً رَقِيقًا.
وَلَنَا.
أَنَّ هَذَا لَا يُخْلَقُ مِنْهُ وَلَدٌ عَادَةً، وَلَا وُجِدَ ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ مَعَهُمَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِإِيلَاجٍ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، كَمَا لَوْ أَوْلَجَ إصْبَعَهُ.
وَأَمَّا قَطْعُ ذَكَرِهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَاحِقَ، فَيُنْزِلَ مَاءً يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ، عَلَى نَحْو مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ عِنْدَنَا.
قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ.
فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْحَقُهُ بِالْفِرَاشِ.
وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَلْحَقُ بِالْفِرَاشِ إذَا أَمْكَنَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ شَهْرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَلْحَقْهُ، وَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُ؛ لِفَقْدِ الْمَنِيِّ مِنْ الْمَسْلُولِ، وَتَعَذُّرِ إيصَالِ الْمَنِيِّ إلَى قَعْرِ الرَّحِمِ مِنْ الْمَجْبُوبِ.
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَسْتَدْخِلَ الْمَرْأَةُ مَنِيَّ الرَّجُلِ، فَتَحْمِلَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ الشَّبَهَ مِنْهُمَا، وَإِذَا اسْتَدْخَلَتِ الْمَنِيَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، لَمْ تَحْدُثْ لَهَا لَذَّةٌ تُمْنِي بِهَا، فَلَا يَخْتَلِطُ نَسَبُهُمَا، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ الْأَجْنَبِيَّانِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ إذَا تَصَادَقَا أَنَّهَا اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّهُ، وَأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنِيِّ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَمَا قَالَ ذَلِكَ أَحَدٌ.
[فَصْلٌ طَلْق امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَضَعَتْ وَلَدًا ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ قَبْلَ مُضِيّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ]
(6279) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَضَعَتْ وَلَدًا، ثُمَّ وَلَدَتْ آخِرَ قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ، فَالْآخَرُ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَلْحَقْ الزَّوْجَ، وَانْتَفَى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدَانِ حَمْلًا وَاحِدًا وَبَيْنَهُمَا مُدَّةُ الْحَمْلِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا، فَاعْتَدَّتْ بِالْأَقْرَاءِ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ آخِرِ إقْرَائِهَا، لَحِقَهُ؛ لِأَنَّنَا تَيَقَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَحْمِلْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ فِي زَمَنِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّمُ حَيْضًا، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِهِ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يَلْحَقْ بِالزَّوْجِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ، كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا بَعْدَهُمَا، فَلَا يُكْتَفَى بِالْإِمْكَانِ لِلَحَاقِهِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِالْإِمْكَانِ لِنَفْيِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِرَاشَ سَبَبٌ، وَمَعَ وُجُودِ السَّبَبِ يُكْتَفَى بِإِمْكَانِ الْحِكْمَةِ وَاحْتِمَالِهَا، فَإِذَا انْتَفَى السَّبَبُ وَآثَارُهُ، فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ لِانْتِفَائِهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا إنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَ بِالزَّوْجِ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إلَّا بِاللِّعَانِ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ، وَكَانَ بَائِنًا، انْتَفَى عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْفِرَاشِ.
وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، فَوَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ الطَّلَاقِ، وَلِأَقَلَّ مِنْهَا مُنْذُ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا - لَا يَلْحَقُهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَقْ بِهِ قَبْلَ طَلَاقِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ.
وَالثَّانِيَةُ، يَلْحَقُهُ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَالْحِلِّ، فِي رِوَايَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ.
[فَصْلٌ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ سِنِينَ فَبَلَغَتْهَا وَفَاتُهُ فَاعْتَدَّتْ وَنَكَحَتْ نِكَاحًا صَحِيحًا]
(6280) فَصْلٌ: فَإِنْ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ سِنِينَ، فَبَلَغَتْهَا وَفَاتُهُ، فَاعْتَدَّتْ، وَنَكَحَتْ نِكَاحًا صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ، وَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي، وَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا، ثُمَّ قَدِمَ الْأَوَّلُ، فُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِي، وَرُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ، وَتَعْتَدُّ مِنْ الثَّانِي،
وَلَهَا عَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَالْأَوْلَادُ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى فِرَاشِهِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٍ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ، قَالَ: الْوَلَدُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ، لِأَنَّ نِكَاحَهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِي غَيْرُ ثَابِتٍ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
وَلَنَا أَنَّ الثَّانِي انْفَرَدَ بِوَطْئِهَا فِي نِكَاحٍ يَلْحَقُ النَّسَبُ فِي مِثْلِهِ، فَكَانَ الْوَلَدُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَوَلَدِ الْأَمَةِ مِنْ زَوْجِهَا يَلْحَقُهُ دُونَ سَيِّدِهَا، وَفَارَقَ الْأَجْنَبِيَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ نِكَاحٌ.
[فَصْل وَطِئَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا بِشُبْهَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ]
(6281) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا بِشُبْهَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْحَقُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَوْ فَاسِدٍ، أَوْ مِلْكٍ، أَوْ شُبْهَةٍ مِلْكٍ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى عَقْدٍ، فَلَمْ يَلْحَقْ الْوَلَدُ فِيهِ بِالْوَطْءِ، كَالزِّنَا.
وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ مِنْ دَرَأْت عَنْهُ الْحَدَّ أَلْحَقْت بِهِ الْوَلَدَ.
وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ اعْتَقَدَ الْوَاطِئُ حِلَّهُ، فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
وَفَارَقَ وَطْءَ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ الْحِلَّ فِيهِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلَانِ أُخْتَيْنِ، فَغَلِطَ بِهِمَا عِنْدَ الدُّخُولِ، فَزُفَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَى زَوْجِ الْأُخْرَى، فَوَطِئَهَا، وَحَمَلَتْ مِنْهُ، لَحِقَ الْوَلَدُ بِالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ، كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ الْوَلَدُ لِلْوَاطِئِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ.
وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
وَلَنَا أَنَّ الْوَاطِئَ انْفَرَدَ بِوَطْئِهَا فِيمَا يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، فَلَحِقَ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عِنْدَ الْحُكْمِ بِوَفَاتِهِ ثُمَّ بَانَ حَيًّا، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِهَذَا، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ.
وَإِنْ وُطِئَتْ امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَاعْتَزَلَهَا حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ، لَحِقَ الْوَاطِئَ، وَانْتَفَى عَنْ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَاطِئُ الْوَطْءَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَيَلْحَقُ نَسَبُ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْمُنْكِرِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الزَّوْجِ فِي قَطْعِ نَسَبِ الْوَلَدِ.
وَإِنْ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ لَحِقَ الزَّوْجَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَاطِئِ.
وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي وَطْئِهَا
فِي طُهْرٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، لَحِقَ الزَّوْجَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَقَدْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ.
وَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاطِئِ.
فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُعْرَضُ عَلَى الْقَافَةِ مَعَهُمَا فَيُلْحَقُ بِمِنْ أَلْحَقَتْهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْوَاطِئِ لَحِقَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَانْتَفَى عَنْ الزَّوْجِ بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالزَّوْجِ لَحِقَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى، لَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا، لَحِقَ بِهِمَا، وَلَمْ يَمْلِكْ الْوَاطِئُ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَهَلْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ، أَوْ أَنْكَرَ الْوَاطِئُ الْوَطْءَ، أَوْ اشْتَبَهَ عَلَى الْقَافَةِ، لَحِقَ الزَّوْجَ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلِحَاقِ النَّسَبِ بِهِ مُتَحَقِّقٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهُ، فَوَجَبَ إثْبَاتُ حُكْمِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ الزَّوْجَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ قَوْلِ الْقَافَةِ ضَعِيفَةٌ، وَدَلَالَةَ الْفِرَاشِ قَوِيَّةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ دَلَالَتِهِ لِمُعَارَضَةِ دَلَالَةٍ ضَعِيفَةٍ.
[فَصْلٌ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ]
(6282) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لَمْ يَلْحَقْ بِالْأَوَّلِ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ، لَمْ يَلْحَقْ بِهِ أَيْضًا، وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي، لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، وَيَنْتَفِي عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ وَلَدُهُ، وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي، وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَعْلَمْ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ، وَلَحِقَ بِمِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْأَوَّلِ، انْتَفَى عَنْ الزَّوْجِ بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالزَّوْجِ انْتَفَى عَنْ الْأَوَّلِ وَلَحِقَ الزَّوْجَ.
وَهَلْ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[مَسْأَلَة اللِّعَانُ الَّذِي يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَدِّ]
(6283) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَاللِّعَانُ الَّذِي يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَدِّ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْحَاكِمِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ زَنَتْ.
وَيُشِيرَ إلَيْهَا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا، وَنَسَبَهَا، حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.
فَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يُتِمَّ، فَلْيَقُلْ: وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ.
أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَتُخَوَّفُ كَمَا خُوِّفَ الرَّجُلُ، فَإِنْ أَبَتْ إلَّا أَنْ تُتِمَّ، فَلْتَقُلْ: وَغَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا)
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَتَانِ: (6284) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْحَاكِمِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ أَنْ يَسْتَدْعِيَ زَوْجَتَهُ إلَيْهِ، وَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا.
وَلِأَنَّهُ إمَّا يَمِينٌ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ، وَأَيُّهُمَا كَانَ، فَمِنْ شَرْطِهِ الْحَاكِمُ.
وَإِنْ تَرَاضَى الزَّوْجَانِ بِغَيْرِ الْحَاكِمِ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّأْكِيدِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ الْحَاكِمِ، كَالْحَدِّ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ حُرَّيْنِ أَوْ مَمْلُوكَيْنِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا.
وَلَنَا أَنَّهُ لِعَانٌ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ، كَاللِّعَانِ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ، ثُمَّ لَا يُشْبِهُ اللِّعَانُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ زَجْرٌ وَتَأْدِيبٌ، وَاللِّعَانُ إمَّا شَهَادَةٌ وَإِمَّا يَمِينٌ، فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ دَارِئٌ لِلْحَدِّ، وَمُوجِبٌ لَهُ، فَجَرَى مَجْرَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَا وَالْحُكْمِ بِهِ أَوْ بِنَفْيِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً لَا تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا، بَعَثَ الْحَاكِمُ نَائِبَهُ، وَبَعَثَ مَعَهُ عُدُولًا، لِيُلَاعِنُوا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ بَعَثَ نَائِبَهُ وَحْدَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ وَاجِبٍ.
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ]
(6285) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ حَضَرُوهُ مَعَ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ إنَّمَا يَحْضُرُونَ الْمَجَالِسَ تَبَعًا لِلرِّجَالِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيظِ، مُبَالَغَةً فِي الرَّدْعِ بِهِ وَالزَّجْرِ، وَفِعْلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَا الَّذِي شُرِعَ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِ الرَّمْيِ بِهِ أَرْبَعَةٌ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَاجِبًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا، فَيَبْدَأُ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنُ وَهُوَ قَائِمٌ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَتْ الْمَرْأَةُ فَالْتَعَنَتْ وَهِيَ قَائِمَةٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» وَلِأَنَّهُ إذَا قَامَ شَاهَدَهُ النَّاسُ، فَكَانَ أَبْلَغَ فِي شُهْرَتِهِ، فَاسْتُحِبَّ كَثْرَةُ الْجَمْعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا.
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
[فَصْلٌ لَا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فِي اللِّعَانِ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ]
(6286) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فِي اللِّعَانِ بِمَكَانٍ، وَلَا زَمَانٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الرَّجُلَ بِإِحْضَارِ امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يَخُصّهُ بِزَمَنٍ، وَلَوْ خَصَّهُ بِذَلِكَ لَنُقِلَ وَلَمْ يُهْمَلْ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَلَاعَنَا فِي الْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي تُعَظَّمُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ فِي التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ التَّغْلِيظَ بِهِ مُسْتَحَبُّ كَالزَّمَانِ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاعَنَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِلِّعَانِ.
وَمَعْنَى التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ، أَنَّهُمَا إذَا كَانَا بِمَكَّةَ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ فَعِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَنَدَ الصَّخْرَةِ، وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي جَوَامِعِهَا.
وَأَمَّا الزَّمَانُ فَبَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] . وَأَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يُرَدُّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ، وَلَمْ يَسُغْ تَرْكُهُ وَإِهْمَالُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاعَنَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
فَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ.
وَإِنْ ثَبَتَ هَذَا، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَجْلِسَهُ كَانَ عِنْدَهُ، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ.
وَإِنْ كَانَ اللِّعَانُ بَيْنَ كَافِرَيْنِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي اللِّعَانِ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُغَلَّظَ فِي الْمَكَانِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْأَيْمَانِ: وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا، وَيَتَوَقَّوْنَ أَنْ يَحْلِفُوا فِيهَا كَاذِبِينَ، حُلِّفُوا فِيهَا.
فَعَلَى هَذَا، يُلَاعَنُ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعِهِمْ اللَّاتِي يُعَظِّمُونَهَا؛ النَّصْرَانِيُّ فِي الْكَنِيسَةِ، وَالْيَهُودِيُّ فِي الْبِيعَةِ وَالْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ النَّارِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا، حَلَّفَهُمْ الْحَاكِمُ فِي مَجْلِسِهِ؛ لِتَعَذُّرِ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ حَائِضًا، وَقُلْنَا: إنَّ اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ، وَلَمْ تَدْخُلْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ.
(6287) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَلْفَاظِ اللِّعَانِ وَصِفَتِهِ، أَمَّا أَلْفَاظُهُ فَهِيَ خَمْسَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَصِفَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ يَبْدَأُ بِالزَّوْجِ، فَيُقِيمُهُ، لَهُ: وَيَقُولُ لَهُ:
قُلْ أَرْبَعَ مَرَّات: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنْ الزِّنَا.
وَيُشِيرُ إلَيْهَا إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْحُضُورِ وَالْإِشَارَةِ إلَى نَسَبِهِ وَتَسْمِيَتِهِ، كَمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً أَسْمَاهَا وَنَسَبَهَا، فَقَالَ: امْرَأَتِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ.
وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهَا حَتَّى يَنْفِي الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرهَا.
فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَقَفَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ.
وَيَأْمُرُ رَجُلًا فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، حَتَّى لَا يُبَادِرَ بِالْخَامِسَةِ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ الرَّجُلَ، فَيُرْسِلُ يَدَهُ عَنْ فِيهِ، فَإِنْ رَآهُ يَمْضِي فِي ذَلِكَ، قَالَ لَهُ: قُلْ: وَإِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنْ الزِّنَا.
ثُمَّ يَأْمُرُ الْمَرْأَةَ بِالْقِيَامِ، وَيَقُولُ لَهَا قُولِي: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ زَوْجِي هَذَا لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا.
وَتُشِيرُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَسْمَتْهُ وَنَسَبَتْهُ، فَإِذَا كَرَّرَتْ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَقَفَهَا، وَوَعَظَهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ، وَيَأْمُرُ امْرَأَةً فَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى فِيهَا، فَإِنْ رَآهَا تَمْضِي عَلَى ذَلِكَ، قَالَ لَهَا: قُولِي: وَإِنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كَانَ زَوْجِي هَذَا مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: كَيْفَ يُلَاعِنُ؟ قَالَ: عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ لَمِنْ الصَّادِقِينَ.
ثُمَّ يُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، فَيَقُولُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ.
وَالْمَرْأَةُ مِثْلُ ذَلِكَ، تُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، فَيُقَالُ لَهَا اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ، تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ.
فَإِنْ حَلَفَتْ، قَالَتْ: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ.
وَعَدَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَرْطٌ فِي اللِّعَانِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظًا مِنْهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَدِّلَ قَوْلَهُ: إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ.
بِقَوْلِهِ: لَقَدْ زَنَتْ.
لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَيَجُوزُ لَهَا إبْدَالُ: إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ.
بِقَوْلِهَا: لَقَدْ كَذَبَ.
لِأَنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ اللِّعَانِ كَذَلِكَ.
وَاتِّبَاعُ لَفْظِ النَّصِّ أَوْلَى وَأَحْسَنُ.
وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ: (أَشْهَدُ) بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ، فَقَالَ: أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أُولِي.
لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْدَلَ: إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ.
بِقَوْلِهِ: لَقَدْ زَنَتْ.
وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي هَذَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَالشَّهَادَاتِ فِي الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يُقْصَدُ فِيهِ التَّغْلِيظُ، وَاعْتِبَارُ لَفْظِ الشَّهَادَاتِ أَبْلَغُ فِي التَّغْلِيظِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْسِمَ بِاَللَّهِ مِنْ غَيْرِ كَلِمَةٍ تَقُومُ مَقَامَ أَشْهَدُ.
وَالثَّانِي، يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى، أَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.
وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ
بِالْإِبْعَادِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ اللَّعْنَةِ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَأَشَدُّ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.
وَإِنْ أَبْدَلَتْ الْمَرْأَةُ لَفْظَةَ الْغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ أَغْلَظُ، وَلِهَذَا خُصَّتْ الْمَرْأَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ بِزِنَاهَا أَقْبَحُ، وَإِثْمُهَا بِفِعْلِ الزِّنَا أَعْظَمُ مِنْ إثْمِهِ بِالْقَذْفِ.
وَإِنْ أَبْدَلَتْهَا بِالسَّخَطِ، خُرِّجَ عَلَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ.
وَإِنْ أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْغَضَبِ احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْصُوصَ.
قَالَ الْوَزِيرُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هُبَيْرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يُزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ الصَّادِقِينَ: فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا.
وَاشْتَرَطَ فِي نَفْيِهَا عَنْ نَفْسِهَا: فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى.
وَلَا أَرَاهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الِاشْتِرَاطَ.
وَأَمَّا مَوْعِظَةُ الْإِمَامِ لَهُمَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَقَبْلَ الْخَامِسَةِ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ، قِيلَ: يَا هِلَالُ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْك الْعَذَابَ.
فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا.
فَشَهِدَ الْخَامِسَةَ.
فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ، قِيلَ لَهَا: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْك الْعَذَابَ.
فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: وَاَللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي.
فَشَهِدَتْ الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ.
وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، حَدِيثَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، قَالَ: «فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَأُمْسِكَ عَلَى فِيهِ فَوَعَظَهُ، وَقَالَ: وَيْحَكَ كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ ثُمَّ أُرْسِلَ، فَقَالَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ.
ثُمَّ دَعَاهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهَا، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَأُمْسِكَ عَلَى فِيهَا، وَقَالَ: وَيْحَكِ كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ اللِّعَانِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ]
(6288) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ اللِّعَانِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ: أَحَدهَا، أَنْ يَكُونَ بِمَحْضَرِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
الثَّانِي، أَنْ يَأْتِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاللِّعَانِ بَعْدَ إلْقَائِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَادَرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّفَهُ الْحَاكِمُ.
الثَّالِثُ، اسْتِكْمَالُ لَفْظَاتِ اللِّعَانِ الْخَمْسَةِ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا لَفْظَةً، لَمْ يَصِحَّ.
الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ بِصُورَتِهِ، إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي إبْدَالِ لَفْظَةٍ بِمِثْلِهَا فِي الْمَعْنَى.
الْخَامِسُ، التَّرْتِيبُ، فَإِنْ قَدَّمَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ قَدَّمَتْ الْمَرْأَةُ لِعَانَهَا عَلَى لِعَانِ الرَّجُلِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
السَّادِسُ، الْإِشَارَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَتَسْمِيَتُهُ وَنِسْبَتُهُ إنْ كَانَ غَائِبًا.
وَلَا يُشْتَرَطُ
حُضُورُهُمَا مَعًا، بَلْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا عَنْ صَاحِبِهِ، مِثْلُ إنْ لَاعَنَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَرْأَةُ عَلَى بَابِهِ، لِعَدَمِ إمْكَانِ دُخُولِهَا، جَازَ.
[فَصْلٌ كَانَ الزَّوْجَانِ يَعْرِفَانِ الْعَرَبِيَّةَ فِي اللِّعَانِ]
(6289) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ يَعْرِفَانِ الْعَرَبِيَّةَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْتَعِنَا بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَا لَا يُحْسِنَانِ ذَلِكَ، جَازَ لَهُمَا الِالْتِعَانُ بِلِسَانِهِمَا؛ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يُحْسِنُ لِسَانَهُمَا، أَجْزَأَ ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ يُحْسِنُونَ لِسَانَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يُحْسِنُ لِسَانَهُمَا، فَلَا بُدَّ مِنْ تُرْجُمَانٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يُجْزِئُ فِي التَّرْجَمَةِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ عَنْ أَعْجَمِيٍّ حَاكَمَ إلَيْهِ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِسَانَهُ؛ أَقَلُّ مِنْ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَة كَانَ بَيْنَهُمْ فِي اللِّعَانِ وَلَدٌ]
(6290) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فِي اللِّعَانِ وَلَدٌ، ذَكَرَ الْوَلَدَ، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ، لَقَدْ زَنَتْ.
يَقُولُ: وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي.
وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ، وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ اللِّعَانُ لِنَفْيِ وَلَدٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ فِي لِعَانِهِمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفِيهِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ الزَّوْجُ إلَى ذِكْرِهِ لِنَفْيِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَحْتَاجُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَى ذِكْرِهِ، وَيَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ سَقَطَ حَقُّهُ بِاللِّعَانِ، اُشْتُرِطَ ذِكْرُهُ فِيهِ، كَالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَكَانَ ذِكْرُ الْوَلَدِ شَرْطًا فِي لِعَانِهَا كَالزَّوْجِ، وَلِأَنَّهُمَا مُتَحَالِفَانِ عَلَى شَيْءٍ، فَاشْتُرِطَ ذِكْرُهُ فِي تَحَالُفِهِمَا كَالْمُخْتَلِفِينَ فِي الْيَمِينِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِقَوْلِ الزَّوْجِ: وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي.
وَمِنْ الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهَا: وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًا، وَلَيْسَ هُوَ مِنِّي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ هُوَ مِنِّي.
يَعْنِي خَلْقًا وَخُلُقًا.
وَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ زِنًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَطْءَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ زِنًا، فَأَكَّدْنَا بِذِكْرِهِمَا جَمِيعًا.
وَلَنَا أَنَّهُ نَفَى الْوَلَدَ فِي اللِّعَانِ فَاكْتُفِيَ بِهِ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ اللَّفْظَيْنِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّأْكِيدِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا يَنْتَفِي الِاحْتِمَالُ بِضَمِّ إحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ،
وَاعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ زِنًا صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُنِي خَلْقًا وَخُلُقًا، أَوْ أَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَلَدَ فِي اللِّعَانِ، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ.
فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَهُ، أَعَادَ اللِّعَانَ، وَيَذْكُرُ نَفْيَ الْوَلَدِ فِيهِ.
[فَصْلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا بِرَجُلِ بِعَيْنِهِ]
(6291) فَصْلٌ: وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ قَذَفَهُمَا، وَإِذَا لَاعَنَهَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا، سَوَاءٌ ذَكَرَ الرَّجُلَ فِي لِعَانِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمُطَالَبَةُ، وَأَيُّهُمَا طَالَبَ، حُدَّ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُطَالِبْ، فَلَا يُحَدُّ لَهُ، كَمَا لَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، إلَّا فِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَدُّهُ بِلِعَانِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْقَذْفُ لِلزَّوْجَةِ وَحْدَهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا حَقٌّ فِي الْمُطَالَبَةِ وَلَا الْحَدِّ؛ لِأَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَلَمْ يَحُدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَزَّرَهُ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَجِبُ الْحَدُّ لَهُمَا، وَهَلْ يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ أَوْ حَدَّانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إذَا لَاعَنَ، وَذَكَرَ الْأَجْنَبِيَّ فِي لِعَانِهِ، أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ اللِّعَانَ بَيِّنَةٌ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَكَانَ بَيِّنَةً فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ بِهِ حَاجَةً إلَى قَذْفِ الزَّانِي، لِمَا أَفْسَدَ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاشِهِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لِيَسْتَدِلَّ بِشَبَهِ الْوَلَدِ لِلْمَقْذُوفِ عَلَى صِدْقِ قَاذِفِهِ.
كَمَا اسْتَدَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صِدْقِ هِلَالٍ بِشَبَهِ الْوَلَدِ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْقِطَ حُكْمَ قَذْفِهِ مَا أَسْقَطَ حُكْمَ قَذْفِهَا، قِيَاسًا لَهُ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً أَوْ أَجْنَبِيًّا بِكَلِمَتَيْنِ]
(6292) فَصْلٌ: وَلَوْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً أَوْ أَجْنَبِيًّا بِكَلِمَتَيْنِ، فَعَلَيْهِ حَدَّانِ لَهُمَا، فَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْبَيِّنَةِ خَاصَّةً، وَمِنْ حَدِّ الزَّوْجَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ اللِّعَانِ.
وَإِنْ قَذَفَهُمَا بِكَلِمَةٍ، فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُلَاعِنْ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، فَهَلْ يُحَدُّ لَهُمَا حَدًّا وَاحِدًا أَوْ حَدَّيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، يُحَدُّ حَدًّا وَاحِدًا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ.
وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ: سَوَاءٌ كَانَ بِكَلِمَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ؛ لِأَنَّهُمَا حُدُودٌ مِنْ جِنْسٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ، كَحُدُودِ الزِّنَا.
وَالثَّانِيَةُ: إنْ طَالَبُوا مُجْتَمِعِينَ فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي الطَّلَبِ، أَمْكَنَ إيفَاؤُهُمْ بِالْحَدِّ الْوَاحِدِ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ الْحَدِّ الْوَاحِدِ إيفَاءً لِمَنْ لَمْ يُطَالِبْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحَدِّ لَهُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي الْجَدِيدِ: يُقَامُ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالدُّيُونِ.