الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْل شَهِدَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ تَبِينُ بِهِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ]
(8458) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ تَبِينُ بِهِ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ، وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْبُضْعَ، فَلَزِمَهُمَا عِوَضُهُ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، لَزِمَهُمَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ.
وَلَنَا أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعَ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّتِهَا، أَوْ إسْلَامِهَا، أَوْ قَتْلِهَا نَفْسَهَا، فَإِنَّهَا لَا تَضْمَنُ شَيْئًا.
وَلَوْ فَسَخَتْ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، بِرَضَاعِ مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ لِلزَّوْجِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَقَرَارِهِ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِمَا، كَمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مِنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْبُضْعَ لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ نِصْفِهِ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى جَمِيعِهِ، وَالصَّدَاقَ وَاجِبٌ جَمِيعُهُ، وَلِهَذَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ إذَا قَبَضَتْهُ، وَنَمَاؤُهُ لَهَا، وَتَمْلِكُ طَلَبَهُ إذَا لَمْ تَقْبِضْهُ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْفُرْقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، عَلَيْهِمَا ضَمَانُ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ نِكَاحًا وَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ عِوَضٌ، فَكَانَ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا وَجَبَ بِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُمَا لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْبُضْعَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُمَا قَرَّرَا عَلَيْهِ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَكَانَ بِعَرَضِ السُّقُوطِ، وَهَا هُنَا قَدْ تَقَرَّرَ الْمَهْرُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ، فَلَمْ يُقَرِّرَا عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجَا مِنْ مِلْكِهِ مُتَقَوِّمًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَاهُ مِنْ مِلْكِهِ بِقَتْلِهَا، أَوْ أَخْرَجَتْهُ هِيَ بِرِدَّتِهَا.
[فَصْل شَهِدَا عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحِ فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ ثُمَّ رَجَعَا]
فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَا عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ، ثُمَّ رَجَعَا، نَظَرْت؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهَا شَيْئًا.
وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، وَكَانَ الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَوَصَلَ إلَيْهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ عِوَضَ مَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، فَعَلَيْهِمَا مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمَا، فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهَا.
[فَصْل شَهِدَا بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ ثُمَّ رَجَعَا]
(8460) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَا بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ، ثُمَّ رَجَعَا، نَظَرْت؛ فَإِنْ عَجَزَ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ أَدَّى، وَعَتَقَ،
فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ وَمَا قَبَضَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ تَغْرِيمَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا قَبْلَ انْكِشَافِ الْحَالِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَرِّمَهُمَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمُكَاتَبًا.
وَإِنْ شَهِدَا بِاسْتِيلَادِ أَمَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمَا بِمَا نَقَصَتْهَا الشَّهَادَةُ مِنْ قِيمَتِهَا.
وَإِنْ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ، رَجَعَ الْوَرَثَةُ بِمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهَا.
[فَصْل شَهِدَ بِشَهَادَةِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ أَتْلَفَ مَالًا]
(8461) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ، وَجَبَ أَنْ يُوَزَّعَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ: إذَا شَهِدَ بِشَهَادَةِ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ أَتْلَفَ مَالًا، فَإِنَّهُ ضَامِنٌ بِقَدْرِ مَا كَانُوا فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانُوا عَشَرَةً، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ وَحْدَهُ، أَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا، وَسَوَاءٌ رَجَعَ الزَّائِدُ عَنْ الْقَدْرِ الْكَافِي فِي الشَّهَادَةِ، أَوْ مَنْ لَيْسَ بِزَائِدٍ، فَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالْقِصَاصِ، فَرَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ: عَمَدْنَا قَتْلَهُ.
فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِ رُبْعُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى عَلَى مُحْصَنٍ، فَرُجِمَ بِشَهَادَتِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوْ سُدُسُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَجَعَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قَائِمَةٌ، فَدَمُهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ.
وَإِنْ رَجَعَ ثَلَاثَةٌ، فَعَلَيْهِمْ رُبْعُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ رَجَعَ أَرْبَعَةٌ، فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ رَجَعَ خَمْسَةٌ، فَعَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا.
وَإِنْ رَجَعَ السِّتَّةُ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُهَا.
وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا رَجَعَ اثْنَانِ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَا إذَا شَهِدَ بِالْقِصَاصِ ثَلَاثَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْقِصَاصِ قَائِمَةٌ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّاجِعِ مِنْ شُهُودِ الزِّنَى إذَا كَانَ زَائِدًا، فَإِنَّ دَمَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالزِّنَى غَيْرُ مَحْقُونٍ، وَهَذَا دَمُهُ مَحْقُونٌ.
وَإِنَّمَا أُبِيحَ دَمُهُ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ وَحْدَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا شَهِدَ بِالْمَالِ ثَلَاثَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ، عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَضْمَنُ الثُّلُثَ.
وَالثَّانِي، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمْ، فَالرَّاجِعُ مُقِرٌّ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ عَمْدًا عُدْوَانًا لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ، فَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمُشَارَكَتِهِمْ فِي مُبَاشَرَةِ قَتْلِهِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ قَتَلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ، فَأَشْبَهَ الثَّانِيَ مِنْ شُهُودِ الْقِصَاصِ، وَالرَّابِعَ مِنْ شُهُودِ الزِّنَى، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ حَصَلَ الْإِتْلَافُ بِشَهَادَتِهِ، فَلَزِمَهُ مِنْ الضَّمَانِ
بِقِسْطِهِ، كَمَا لَوْ رَجَعَ الْجَمِيعُ، وَلِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الرُّجُوعِ، يَضْمَنُهُ إذَا انْفَرَدَ بِالرُّجُوعِ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا قُتِلَ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ دَمٌ يُوصَفُ بِحَقْنٍ وَلَا عَدَمِهِ، وَقِيَامُ الشَّهَادَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ لِرَجَلٍ بِاسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ، فَاسْتَوْفَاهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا، وَأَنَّ الشُّهُودَ شُهِدُوا بِالزُّورِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ بِكَوْنِ دَمِ الْقَاتِلِ غَيْرَ مَحْقُونٍ، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَتَلَهُ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ.
وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ شَرِيكِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِعَمْدِهِمَا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخْطَأْنَا.
وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُقِرِّ بِالْعَمْدِ.
[فَصْل حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمَالِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ]
(8462) فَصْلٌ: وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمَالِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ، تَوَزَّعَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ عَلَى الرَّجُلِ نِصْفُهُ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ رُبْعُهُ.
إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ مِنْ الضَّمَانِ حِصَّتُهُ.
وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ رَجُلًا وَعَشْرَ نِسْوَةٍ، فَرَجَعُوا، فَعَلَى الرَّجُلِ السُّدُسُ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ السُّدُسِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ كَرَجُلٍ، فَالْعَشْرُ كَخَمْسَةِ رِجَالٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ النِّصْفُ، وَعَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ وَحْدَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، كَانَ كَرُجُوعِهِنَّ كُلِّهِنَّ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ حِزْبًا وَالنِّسَاءُ حِزْبًا.
فَإِنْ رَجَعَ بَعْضُ النِّسْوَةِ وَحْدَهُ، أَوْ الرَّجُلُ، فَعَلَى الرَّاجِعِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ إذَا رَجَعَ الْجَمِيعُ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، مَتَى رَجَعَ مِنْ النِّسْوَةِ مَا زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ، فَلَيْسَ عَلَى الرَّاجِعَاتِ شَيْءٌ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمْ فِي هَذَا.
[فَصْل شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِأَرْبَعِمِائَةٍ فَحُكْمَ الْحَاكِمُ بِهَا ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ]
(8463) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِأَرْبَعِمِائَةٍ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ عَنْ مِائَةٍ، وَآخَرُ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَالثَّالِثُ عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَالرَّابِعُ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا رَجَعَ عَنْهُ بِقِسْطِهِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ، وَعَلَى الثَّالِثِ: خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَعَلَى الرَّابِعِ: مِائَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ رُبْعَ مَا رَجَعَ عَنْهُ.
وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنْ لَا يَلْزَمَ الرَّاجِعَ عَنْ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالْأَرْبَعمِائَةِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ خَمْسِينَ؛ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ لَا تَلْزَمُ الرَّاجِعَ عَنْ الثَّلَاثِمِائَةِ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ الَّتِي رَجَعَا عَنْهُمَا قَدْ بَقِيَ بِهَا شَاهِدَانِ.
[فَصْل شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ]
(8464) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ، فَالضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالشَّرْطِ دُونَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْقَتْلِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الزِّنَى.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِمَجْمُوعِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَتَجِبُ الْغَرَامَةُ عَلَى الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا جَمِيعُهُمْ بِالزِّنَى.
وَفِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، كَشُهُودِ الزِّنَى؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْ جَمِيعِهِمْ.
وَالثَّانِي، عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُمْ حِزْبَانِ، فَلِكُلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ.
فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى وَاثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ الثُّلُثَانِ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ الثُّلُثَ، لَشَهَادَتِهِمَا بِهِ، وَالثُّلُثَ لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ الثُّلُثَ؛ لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى وَحْدَهُ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا النِّصْفَ لَشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ، وَنِصْفَ الْبَاقِي لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ إلَّا النِّصْفُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَنَى جِنَايَتَيْنِ، وَجَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ جِنَايَةً وَاحِدَةً، فَكَانَتْ الدِّيَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، لَا عَلَى عَدَدِ جِنَايَاتِهِمْ، كَمَا لَوْ قَتَلَ اثْنَانِ وَاحِدًا، جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جُرْحًا، وَالْآخَرُ جُرْحَيْنِ.
[فَصْل شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى ضَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَتَانِ فَحُكْمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا]
(8465) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى ضَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَتَانِ، فَحُكْمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا، رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَمَامُ الْقِيمَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى مِائَةٍ، وَنِصْفُ الْمُسَمَّى مِائَتَانِ، غَرِمَا لِلزَّوْجِ مِائَةً؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَاهَا بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا.
[فَصْل شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ بِصَدَاقِ ذَكَرَاهُ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا ثُمَّ رَجَعُوا]
(8466) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ، بِصَدَاقٍ ذَكَرَاهُ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِصَدَاقِهَا، فَعَلَى شُهُودِ النِّكَاحِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْمُسَمَّى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ النِّصْفُ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُمَا قَرَّرَاهُ، وَشَاهِدَا النِّكَاحِ أَوْجَبَاهُ، فَقُسِمَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَاعًا.
وَإِنْ شَهِدَ مَعَ هَذَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهِ شَيْئًا يَدَّعِيه، وَلَا أَوْجَبَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا.
[فَصْل شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ أَصْلٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ]
(8467) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ.
أَصْلٍ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الْفَرْعِ، فَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ.
لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
وَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الْأَصْلِ وَحْدَهُمَا، لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا جَعَلَا شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَهَادَةً، لَمْ يَلْزَمْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ضَمَانٌ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِمَا، فَإِذَا رَجَعَا، ضَمِنَا، كَشَاهِدَيْ الْفَرْعِ.
[فَصْل حُكْمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ فَرَجَعَ الشَّاهِدُ]
(8468) فَصْلٌ: وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، غَرِمَ جَمِيعَ الْمَالِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الدَّعْوَى، فَكَانَ عَلَيْهِ النِّصْفُ كَمَا لَوْ كَانَا شَاهِدَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَالشَّاهِدَيْنِ.
يُحَقِّقهُ أَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ، وَقَوْلُ الْخَصْمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَتِهِ الْحَاكِمَ بِالْحُكْمِ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حُجَّةٌ، لَكِنْ إنَّمَا جَعَلَهَا حُجَّةً شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى شَهَادَتِهِ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا النِّصْفُ الْمَحْكُومُ بِهِ، إذَا قُلْنَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي.
[فَصْل رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ]
(8469) فَصْل: وَإِذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَقَالُوا: عَمَدْنَا.
وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ، لَمْ يُعَزَّرُوا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُغْنِي عَنْ تَعْزِيرِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ، عُزِّرُوا، وَغَرِمُوا؛ لِأَنَّهُمْ جَنَوْا جِنَايَةً كَبِيرَةً، وَارْتَكَبُوا جَرِيمَةً عَظِيمَةً، وَهِيَ شَهَادَةُ الزُّورِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعَزَّرُوا؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُمْ، فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ التَّعْزِيرُ، وَلِأَنَّ شَرْعِيَّةَ تَعْزِيرِهِمْ تَمْنَعُهُمْ الرُّجُوعَ خَوْفًا مِنْهُ، فَلَا يُشْرَعُ.
وَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا.
لَمْ يُعَزَّرُوا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] . هَذَا إنْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ فِي الْخَطَإِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ، عُزِّرُوا، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ.
[مَسْأَلَة حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ فِي قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ وَأَنْفَذِ ذَلِكَ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ]
(8470) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ يَدَ السَّارِقِ، بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ، أَوْ فَاسِقَانِ، كَانَتْ دِيَةُ الْيَدِ فِي بَيْتِ الْمَالِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، فِي قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ، وَأَنْفَذَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ، أَوْ فَاسِقَانِ، أَوْ عَبْدَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُقِيمَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صَادِقَانِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ مَنَعَ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِخِلَافِ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِكَذِبِهِمَا، وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ، أَوْ الْإِمَامِ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي مَحَلِّهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَكِيلُهُمْ، وَخَطَأُ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ خَطَأَ الْحَاكِمِ يَكْثُرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَحُكُومَاتِهِ، فَإِيجَابُ ضَمَانِ مَا يُخْطِئُ فِيهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إجْحَافٌ بِهِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْفِيفَ عَنْهُ، بِجَعْلِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَنْ الْقَاتِلِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِسُوءٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا، فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا شَيْءَ عَلَيْك، إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ.
وَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيْك الدِّيَةُ.
فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْت عَلَيْك لَا تَبْرَحْ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِكَ.
يَعْنِي قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَمْ يُقَسِّمْهَا عَلَى قَوْمِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ.
كَخَطَئِهِ فِي غَيْرِ الْحُكُومَةِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
لَمْ تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، وَلَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، كَذَا هَاهُنَا، وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِعِلَّةِ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ، وَخَطَأُ النَّائِبِ عَلَى مُسْتَنِيبِهِ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيمَا يَكْثُرُ خَطَؤُهُ، فَجَعْلُ الضَّمَانِ فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ، وَسَوَاءٌ تَوَلَّى الْحَاكِمُ الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمَرَ مَنْ تَوَلَّاهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا:
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ اسْتَوْفَاهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَكَّنَهُ مِنْهُ، وَالْوَلِيَّ يَدَّعِي أَنَّهُ حَقُّهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ لَهُ بِمَالٍ فَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَانَ فِسْقُ شُهُودِهِ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْفِي دُونَ الْحَاكِمِ، كَذَا هَاهُنَا.
قُلْنَا: ثَمَّ حَصَلَ فِي يَدِ الْمُسْتَوْفِي مَالُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ أَوْ ضَمَانُهُ إنَّ أَتْلَفَ، وَهَا هُنَا لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِخَطَإِ الْإِمَامِ وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ، فَافْتَرَقَا.
[فَصْل شَهِدَ بِالزِّنَى أَرْبَعَةٌ فَزَكَّاهُمْ اثْنَانِ فَرَجْم الشُّهُودُ عَلَيْهِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ]
(8471) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ بِالزِّنَى أَرْبَعَةٌ، فَزَكَّاهُمْ اثْنَانِ، فَرُجِمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ، أَوْ عَبِيدٌ أَوْ بَعْضُهُمْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ، وَلَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُمْ يَقِينًا، وَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي: الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِقَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُزَكَّيَيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا شَرْطٌ، وَلَيْسَتْ الْمُوجِبَةَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ ": الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَى.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُزَكَّيَيْنِ شَهِدُوا بِالزُّورِ شَهَادَةً أَفْضَتْ إلَى قَتْلِهِ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، كَشُهُودِ الزِّنَى إذَا رَجَعُوا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الشُّهُودِ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّ شَهَادَتَهُمْ شَرْطٌ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ شُهُودَ الْإِحْصَانِ يَلْزَمُهُمْ الضَّمَانُ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالسَّبَبِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ شُهُودَ الزِّنَى لَمْ يَرْجِعُوا، وَلَا عُلِمَ كَذِبُهُمْ، بِخِلَافِ الْمُزَكَّيَيْنِ؛ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ، وَأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزُّورِ.
وَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَ فِسْقُ الْمُزَكِّيَيْنِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ، حَيْثُ قَبِلَ شَهَادَةَ فَاسِقٍ مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ وَلَا بَحْثٍ، فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ قَبِلَ شَهَادَةَ شُهُودِ الزِّنَى مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ فِسْقُهُمْ.
[فَصْل جَلَدَ الْإِمَامُ إنْسَانًا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ]
(8472) فَصْلٌ: وَلَوْ جَلَدَ الْإِمَامُ إنْسَانًا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ، أَوْ كَفَرَةٌ، أَوْ عَبِيدٌ، فَعَلَى الْإِمَامِ ضَمَانُ مَا حَصَلَ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا جِنَايَةٌ صَدَرَتْ عَنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَوْ قَتَلَهُ.
[فَصْل حُكْمَ الْحَاكِمُ بِمَالٍ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا فَاسِقَانِ]
(8473) فَصْلٌ: وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَالٍ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا فَاسِقَانِ، أَوْ كَافِرَانِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ، وَيَرُدُّ
الْمَالَ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَعِوَضَهُ إنْ كَانَ تَالِفًا.
فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ ضَمَانُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ إذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ، وَيَغْرَمُ الشُّهُودُ الْمَالَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّ الْحَاكِمَ قَبِلَهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، " وَلَا يَغْرَم الشُّهُودُ الْمَالَ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ " وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ أَيْضًا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّهُ يَنْقُضُ حُكْمَهُ إذَا كَانَا كَافِرَيْنِ، وَيَنْقُضُ حُكْمَ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ، فَنَقِيسُ عَلَى ذَلِكَ مَا إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، فَإِنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِينَ مُجْمَعٌ عَلَى رَدِّهَا، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى التَّبَيُّنِ فِيهَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] . وَأَمَرَ بِإِشْهَادِ الْعُدُولِ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَاعْتَبَرَ الرِّضَى بِالشُّهَدَاءِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . فَيَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ لِفَوَاتِ الْعَدَالَةِ، كَمَا يَجِبُ نَقْضُهُ لِفَوَاتِ الْإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّ الْفِسْقَ مَعْنَى لَوْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَبْلَ الْحُكْمِ مَنَعَهُ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَةَ الْحُكْمِ، وَجَبَ نَقْضُ الْحُكْمِ، كَالْكُفْرِ وَالرِّقِّ فِي الْعُقُوبَاتِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ بِفِسْقِ الشَّاهِدَيْنِ، لَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَلَا بَعْدَهُ.
وَمَتَى جَرَّحَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ بِالْفِسْقِ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا تُسْمَعُ عَلَى الْفِسْقِ شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ، فَلَا تُسْمَعُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، فَسُمِعَتْ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ، كَالتَّزْكِيَةِ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِفِسْقِهِ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَنَقْضِهِ بَعْدَهُ، وَتَبْرِئَته مِنْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ عُقُوبَتِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ أَنْ تُسْمَعَ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّ الشَّاهِدَيْنِ وَلَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْفِسْقِ، أَدَّى إلَى ظُلْمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَعْرِفَ فِسْقَ الشَّاهِدَيْنِ إلَّا شُهُودُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ، كَانَ ظَالِمًا لَهُ.
فَأَمَّا إنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ وَالِدَيْنِ، أَوْ وَلَدَيْنِ، أَوْ عَدُوَّيْنِ، نَظَرَ فِي الْحَاكِمِ الَّذِي حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمْ، نَقَضَهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ بِهِ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَالِ وَالْإِتْلَافِ، أَنَّ الْمَالَ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَجَبَ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى آخِذِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، وَلَا اسْتِحْقَاقٍ لِأَخْذِهِ.
أَمَّا الْإِتْلَافُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ فِي يَدِ الْمُتْلِفِ شَيْءٌ يَرُدُّهُ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُقِرُّ بِعُدْوَانِهِ، بَلْ يَقُولُ: اسْتَوْفَيْت حَقِّي.
وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: شَهِدْنَا بِمَا عَلِمْنَا، وَأَخْبَرْنَا
بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا، وَلَمْ نَكْتُمْ شَهَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَزِمَنَا أَدَاؤُهَا.
وَلَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُمْ، فَوَجَبَتْ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ شَرْطِ الْحُكْمِ، وَمَكَّنَ مِنْ إتْلَافِ الْمَعْصُومِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ، فَكَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُ، فَوَجَبَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَة ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ]
(8474) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَصَارَ حُرًّا) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي هَذَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّ الْعِتْقَ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ فَيَثْبُت بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ فَيُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، كَالْإِتْلَافِ بِالْفِعْلِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوِلَادَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا النَّسَبُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا تُثْبِتُ الْحُرِّيَّةَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، فَأَشْبَهَتْ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة شَهِدَ بِشَهَادَةِ زُورٍ]
(8475) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةِ زُورٍ، أُدِّبَ، وَأُقِيمَ لِلنَّاسِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَشْتَهِرُ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ، إذَا تَحَقَّقَ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهَا فِي كِتَابِهِ، مَعَ نَهْيِهِ عَنْ الْأَوْثَانِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] . وَرُوِيَ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ.
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِنْ قَوْلِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ . قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.
وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ.
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «شَاهِدُ الزُّورِ، لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ» . فَمَتَى ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بُزُورٍ عَمْدًا، عَزَّرَهُ، وَشَهَّرَهُ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُعَزَّرُ، وَلَا يُشَهَّرُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مُنْكَرٍ وَزُورٍ، فَلَا يُعَزَّرُ بِهِ، كَالظِّهَارِ.
وَرَوَى عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يُشَهَّرُ.
وَأَنْكَرْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضُرُّ بِهِ النَّاسَ، فَأَوْجَبَ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَائِلِهِ، كَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ، وَيُخَالِفُ الظِّهَارَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِضَرَرِهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ أَوْجَبَ كَفَّارَةً شَاقَّةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ التَّعْزِيرِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ تَأْدِيبَهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ؛ إنْ رَأَى ذَلِكَ بِالْجَلْدِ جَلَدَهُ، وَإِنْ رَآهُ بِحَبْسٍ أَوْ كَشْفِ رَأْسِهِ وَإِهَانَتِهِ وَتَوْبِيخِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا يَزِيدُ فِي جَلْدِهِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَزِيدُ عَلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، لِئَلَّا يَبْلُغَ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُجْلَدُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، فِي شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ: يُجْلَدَانِ مِائَةً مِائَةً، وَيَغْرَمَانِ الصَّدَاقَ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ: يُخْفَقُ سَبْعَ خَفَقَاتٍ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: يُجْلَدُ أَسْوَاطًا.
فَأَمَّا شُهْرَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ فِي سُوقِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ، أَوْ قَبِيلَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
الْقَبَائِلِ، أَوْ فِي مَسْجِدِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسَاجِدِ، وَيَقُولُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: إنَّ الْحَاكِمَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: هَذَا شَاهِدُ زُورٍ، فَاعْرِفُوهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأُتِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِشَاهِدِ الزُّورِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِهِ، وَعِنْدَهُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، بِحَسْبِهِ أَنْ يُخْفَقَ سَبْعَ خَفَقَاتٍ، وَيُقَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَيُقَالَ: هَذَا أَبُو قُبَيْسٍ، وَجَدْنَاهُ شَاهِدَ زُورٍ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ.
وَلَا يُسَخَّمُ وَجْهُهُ، وَلَا يُرَكَّبُ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يُجْلَدُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، وَيُسَخَّمُ وَجْهُهُ، وَيُطَالُ حَبْسُهُ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ سَوَّارٌ: يُلَبَّبُ، وَيُدَارُ بِهِ عَلَى حَلَقَ الْمَسْجِدِ، فَيَقُولُ: مَنْ رَآنِي فَلَا يَشْهَدْ بُزُورٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمِلْكِ بْنِ يَعْلَى، قَاضِي الْبَصْرَةِ، أَنَّهُ أَمَرَ بِحَلْقِ نِصْفِ رُءُوسِهِمْ، وَتَسْخِيمِ وُجُوهِهِمْ، وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ، وَاَلَّذِي شَهِدُوا لَهُ مَعَهُمْ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُثْلَةٌ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُثْلَةِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ حَبَسَهُ يَوْمًا وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي هَذَا تَقْدِيرًا شَرْعِيًّا، فَمَا فَعَلَ الْحَاكِمُ مِمَّا يَرَاهُ، مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى مُخَالَفَةِ نَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُفْعَلُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُتَحَقَّقَ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ، وَتَعَمَّدَ ذَلِكَ، إمَّا بِإِقْرَارِهِ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ بِفِعْلٍ فِي الشَّامِ فِي وَقْتٍ، وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْعِرَاقِ، أَوْ يَشْهَدُ بِقَتْلِ رَجُلٍ، وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ فِي يَدِ هَذَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ.
وَسِنُّهَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا فِي وَقْتٍ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَهُ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يُتَيَقَّنُ بِهِ كَذِبُهُ، وَيُعْلَمُ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ.
فَأَمَّا تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ، أَوْ ظُهُورُ فِسْقِهِ، أَوْ غَلَطِهِ فِي شَهَادَتِهِ، فَلَا يُؤَدَّبُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَمْنَعُ الصِّدْقَ، وَالتَّعَارُضَ لَا يُعْلَمُ بِهِ كِذْبُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا، وَالْغَلَطَ قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْلِ وَلَا يَتَعَمَّدُهُ، فَيُعْفَى عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
(8476) فَصْلٌ: وَمَتَى عَلِمَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِالزُّورِ، تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بَاطِلًا، وَلَزِمَ نَقْضُهُ، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا كَذِبَهُمَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ، وَبُطْلَانَ مَا حُكْمَ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا، رُدَّ إلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ إتْلَافًا، فَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ إتْلَافِهِ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةِ الْمَحْكُومِ لَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ ذَلِكَ.
[فَصْل تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ]
(8477) فَصْلٌ: فَإِذَا تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ، وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ فِيهَا، وَعَدَالَتُهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَائِبٌ مِنْ ذَنْبِهِ، فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، كَسَائِرِ التَّائِبِينَ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ ذَلِكَ.
قُلْنَا: مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ التَّائِبِينَ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُمْ مُعَاوَدَةُ ذُنُوبِهِمْ وَلَا غَيْرِهَا، وَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ، فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ، قُبِلَتْ مِنْهُ، مَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِ) وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ بِمِائَةٍ، ثُمَّ يَقُولَ: هِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ.
أَوْ يَقُولَ: بَلْ هِيَ تِسْعُونَ.
فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ رُجُوعُهُ، وَيُحْكَمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ أَخِيرًا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ الْأُولَى وَلَا الْآخِرَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَرُدُّ الْأُخْرَى وَتُعَارِضُهَا، وَلِأَنَّ الْأُولَى مَرْجُوعٌ عَنْهَا، وَالثَّانِيَةَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهَا لِأَنَّهَا مِنْ مُقِرٍّ بِغَلَطِهِ وَخَطَئِهِ فِي شَهَادَتِهِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْغَلَطِ كَالْأُولَى.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤْخَذُ بِأَقَلِّ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الشَّهَادَةَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهَا، كَمَا لَوْ اتَّصَلَ بِهَا الْحُكْمُ.
وَلَنَا، أَنَّ شَهَادَتَهُ الْآخِرَةَ شَهَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ، لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُخَالِفُهَا، وَلَا تُعَارِضُهَا الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَطَلَتْ بِرُجُوعِهِ عَنْهَا، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطُ الْحُكْمِ، فَيُعْتَبَرُ اسْتِمْرَارُهَا إلَى انْقِضَائِهِ.
وَيُفَارِقُ رُجُوعَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِاسْتِمْرَارِ شَرْطِهِ، فَلَا يُنْقَضُ بَعْدَ تَمَامِهِ.
[فَصْل شَهِدَ بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الْحُكْمِ قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ]
(8479) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الْحُكْمِ: قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ.
فَسَدَتْ شَهَادَتُهُ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فَقَالَ: إذَا شَهِدَ أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ.
بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ بِأَنَّ الْأَلْفَ جَمِيعَهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا قَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ، لَمْ تَكُنْ الْأَلْفُ كُلُّهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا، فَتَفْسُدُ شَهَادَتُهُ.
وَفَارَقَ هَذَا مَا لَوْ شَهِدَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ.
لِأَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَإِقْرَارٌ بِغَلَطِ نَفْسِهِ، وَهَذَا لَا يَقُولُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ شَهَادَتَهُ تَقْبَلُ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا شَهِدَ بِأَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ: قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ.
أَفْسَدَ شَهَادَتَهُ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ مَا اُجْتُمِعَا عَلَيْهِ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ.
فَصَحَّحَ شَهَادَتَهُ فِي نِصْفِ الْأَلْفِ الْبَاقِي، وَأَبْطَلَهَا فِي النِّصْفِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَشْهَدُ بِأَلْفٍ، بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ.
لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْضَى الشَّهَادَةَ.
فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ بَعْدَ الْحُكْمِ، فَشَهِدَ بِالْقَضَاءِ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ قَدْ وَجَبَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
فَأَمَّا إنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ.
قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي بَاقِي الْأَلْفِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي كَلَامِهِ، وَلَا اخْتِلَافَ.
[مَسْأَلَة شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِشَيْءِ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِبَعْضِهِ]
(8480) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ حُكِمَ لِمُدَّعِي الْأَلْفِ، بِخَمْسِمِائَةٍ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى، إنْ أَحَبَّ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِشَيْءٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ بِبَعْضِهِ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ، وَثَبَتَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَحُكِمَ بِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ؛ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، فَقَالَ: قَدْ اخْتَلَفْتُمَا، قُومَا، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْأَلْفِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ بِالْأَلْفَيْنِ، وَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ إقْرَارٍ إلَّا وَاحِدٌ.
وَلَنَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ كَمَلَتْ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَحُكِمَ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزِدْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ، يُبْطَلُ بِمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ غَدْوَةً، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عَشِيًّا، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَكْمُلُ، مَعَ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ.
فَأَمَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ لِلْمُدَّعِي
أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، وَيَسْتَحِقَّ.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَا الشَّهَادَةَ، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ.
فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، وَشَاهِدٌ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، وَيَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ بِيضٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ سُودٍ، أَوْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَالْآخَرُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَسْتَحِقّهَا مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَسْتَحِقُّ مَا شَهِدَ بِهِ.
(8481) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ، دَخَلَتْ الْخَمْسُمِائَةِ فِي الْأَلْفِ، وَوَجَبَ لَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِائَةٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ، وَجَبَ لَهُ الْأَلْفُ وَالْخَمْسُمِائَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ.
[فَصْل اخْتِلَاف الشُّهُودِ فِي صِفَةِ الْبَيْعِ]
(8482) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ، أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ، آخَرُ، أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ؛ لَاخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْبَيْعِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَيَثْبُتَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِكُلِّ عَقْدٍ شَاهِدَانِ، ثَبَتَ الْبَيْعَانِ، وَإِنْ أَضَافَا الْبَيْعَ إلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ مَعَ الزَّوَالِ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ مَعَ الزَّوَالِ بِخَمْسِمِائَةٍ، تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَسَقَطَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَكُلُّ بَيِّنَةٍ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى.
وَإِنْ شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَلَا يَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْكَامِلَتَيْنِ.
[فَصْل شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ]
(8483) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ، ثَبَتَ لَهُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَهُوَ دِرْهَمَانِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ عَلَى دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى دِرْهَمَيْنِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِدِرْهَمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ.
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ، وَشَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ، ثَبَتَ لَهُ دِرْهَمَانِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ، وَهُمَا حُجَّةٌ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِمَا، كَمَا يُؤْخَذُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَلْفَانِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُ هَذَا، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ، يَنْفِي أَنْ تَكُونَ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةً، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الدِّرْهَمِ، وَيُخَالِفُ الزِّيَادَةَ فِي الْأَخْبَارِ، فَإِنَّ مِنْ يَرْوِي النَّاقِصَ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ، وَكَذَلِكَ مِنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ، لَا يَنْفِي أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا آخَرَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ إذَا شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيمَتَيْنِ شَاهِدَانِ تَعَارَضَتَا، وَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ، لَمْ تَتَعَارَضَا، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
قُلْنَا: لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ حُجَّةٌ وَبَيِّنَةٌ، فَإِذَا كَمَلَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، تَعَارَضَتْ الْحُجَّتَانِ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً مَعَ الْيَمِينِ، فَإِذَا حَلَفَ مَعَ أَحَدِهِمَا كَمَلَتْ الْحُجَّةُ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يُعَارِضْهُمَا مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ، وَبِالْآخَرِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ.
[مَسْأَلَة الْعَدْلَ إذَا أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ ثُمَّ شَهِدَ بِهَا]
(8484) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى شَهَادَةَ عَدْلٍ، فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: كُنْت أُنْسِيتهَا.
قُبِلَتْ مِنْهُ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا، وَقَالَ: كُنْت أُنْسِيتهَا.
قُبِلَتْ، وَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَهَا، وَإِذَا كَانَ نَاسِيًا لَهَا، فَلَا شَهَادَةَ عِنْدَهُ، فَلَا نُكَذِّبُهُ مَعَ إمْكَانِ صِدْقِهِ.
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا مَا قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي.
ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ، حَيْثُ لَا تُسْمَعُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَالْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَقَوْلُ الشَّاهِدِ: لَا شَهَادَةَ عِنْدِي.
لَيْسَ بِإِقْرَارٍ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ لَهُ؛ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُنْكِرًا لَهَا، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِهَا، كَانَ إقْرَارًا بَعْدَ الْإِنْكَارِ، وَهُوَ مَسْمُوعٌ، بِخِلَافِ الْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ، وَلِأَنَّ النَّاسِيَ لِلشَّهَادَةِ لَا شَهَادَةَ لَهُ عِنْدَهُ، فَهُوَ صَادِقٌ فِي إنْكَارِهِ، فَإِذَا ذَكَرَهَا، صَارَتْ عِنْدَهُ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَصَارَ هَذَا كَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ، ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَارَتْ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِنِسْيَانِهَا.
[مَسْأَلَة شَهِدَ بِشَهَادَةِ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا]
(8485) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ، يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ لَهُ بَعْضُهَا؛ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ بِمَالٍ مِنْ الشَّرِكَةِ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَى زَيْدٍ بِدَارٍ لَهُ وَلَعَمْرَو، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تَبْطُلُ فِي الْكُلِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهَا قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، كَقَوْلِنَا.
وَالثَّانِي، تَصِحُّ شَهَادَتُهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، فَتَصِحُّ شَهَادَتُهُ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ هَذَا؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِي عَبْدٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِثَلَاثِمِائَةٍ دِرْهَمٍ، فَادَّعَى أَنَّهُمْ قَبَضُوهَا مِنْهُ، فَأَنْكَرَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ شَيْئًا، فَأَقَرَّ لَهُ اثْنَانِ، وَشَهِدَا عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْقَبْضِ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ وَيُشَارِكُهُمَا فِيمَا أَخْذًا مِنْ الْمَالِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا شَهَادَةٌ رُدَّ بَعْضُهَا لِلتُّهْمَةِ، فَتُرَدُّ جَمِيعُهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ الْمُضَارِبُ لِرَبِّ الْمَالِ بِمَالٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ لِأَبِيهِ وَأَجْنَبِيٍّ، أَوْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ تُرَدُّ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ، بَطَلَتْ كُلُّهَا.
[مَسْأَلَة أَقَرَّ الْوَارِثُ لِرَجَلٍ بِدِينِ عَلَى الْمَيِّتِ يَسْتَغْرِقُ مِيرَاثَهُ]
(8486) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَّفَ ابْنًا، وَأَلْفَ دِرْهَمٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ، وَادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، كَانَ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ، كَانَ الْأَلْفُ لِلْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا خَلَّفَ وَارِثًا، وَتَرِكَةً، فَأَقَرَّ الْوَارِثُ لِرَجَلٍ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ يَسْتَغْرِقُ مِيرَاثَهُ، فَقَدْ أَقَرَّ بِتَعَلُّقِ دَيْنِهِ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِجَمِيعِهَا، فَإِذَا أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِآخَرَ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ، صَحَّ الْإِقْرَارُ، وَاشْتَرَكَا فِي التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كُلَّهَا كَحَالَةٍ وَاحِدَةٍ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ، فِيمَا يَعْتَبِرُ الْقَبْضُ فِيهِ، وَإِمْكَانُ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ، وَلُحُوقِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ.
وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُقِرُّ بِمَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْأَوَّلِ فِي التَّرِكَة، وَمُزَاحَمَتَهُ فِيهَا وَتَنْقِيصَ حَقِّهِ مِنْهَا.
وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، يُقْبَلُ إقْرَارُهُ، وَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْرُوثُ لَهُمَا لَقُبِلَ، فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ؛ وَلِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الْإِقْرَارِ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَّفِقُ حُضُورُهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَيَبْطُلُ حَقُّهُ بِغَيْبَتِهِ، وَلِأَنَّ مَنْ قُبُلِ إقْرَارُهُ أَوَّلًا، قُبُلِ إقْرَارُهُ ثَانِيًا، إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ، كَالْمَوْرُوثِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ، تَعَلُّقًا يَمْنَعُ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَإِقْرَارِ الرَّاهِنِ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ أَوْ الْجَانِي.
وَأَمَّا الْمَوْرُوثُ، فَإِنْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ، لَمْ يُحَاصَّ الْمُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ لَغَرِيمٍ يَسْتَغْرِقُ دَيْنُهُ تَرِكَتَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، صَحَّ، وَشَارَكَ الْأَوَّلَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَارِثِ، أَنَّ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْنَعْهُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ، وَلَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ دَيْنٌ آخَرُ، بِأَنْ يَسْتَدِينَ دَيْنًا آخَرَ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِتَرِكَتِهِ بِالْإِقْرَارِ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُعَلِّقَ بِالتَّرِكَةِ دَيْنًا آخَرَ بِفِعْلِهِ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي التَّرِكَةِ، مَا لَمْ يَلْتَزِمْ قَضَاءَ الدَّيْنِ.
[فَصْل مَاتَ وَتَرَكَ أَلْفًا فَأَقَرَّ بِهِ ابْنُهُ لِرَجَلٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ]
(8487) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ، وَتَرَكَ أَلْفًا، فَأَقَرَّ بِهِ ابْنُهُ لِرَجَلٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِرَافِهِ لِلْأَوَّلِ، ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ فِيهِ، فَصَارَ إقْرَارُهُ لِلثَّانِي إقْرَارًا لَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ.
وَتَلْزَمُ الْمُقِرَّ غَرَامَتُهُ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ، فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ.
[مَسْأَلَة ادَّعَى دَعْوَى عَلَى مَرِيضٍ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ]
(8488) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى عَلَى مَرِيضٍ، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ.
لَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى يَقُولَ بِلِسَانِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ إشَارَةَ الْمَرِيضِ لَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ أَوْ قَادِرًا عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِإِشَارَتِهِ، إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْإِشَارَةِ مِنْ عَاجِزٍ عَنْ الْكَلَامِ، فَأَشْبَهَ إقْرَارَ الْأَخْرَسِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ، فَلَمْ تَقُمْ إشَارَتُهُ مَقَامَ نُطْقِهِ، كَالصَّحِيحِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَخْرَسَ، فَإِنَّهُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْتَجَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ.
وَالْآيِسَةُ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْعِدَّةِ؛ وَلِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ النُّطْقِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ لِصُعُوبَتِهِ عَلَيْهِ وَمَشَقَّتِهِ، لَا لِعَجْزِهِ.
وَإِنْ صَارَ إلَى حَالٍ يَتَحَقَّقُ الْإِيَاسُ مِنْ نُطْقِهِ، لَمْ يُوثَقْ بِإِشَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي أَعْجَزَهُ عَنْ النُّطْقِ، لَمْ يَخْتَصَّ بِلِسَانِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَثَّرَ فِي عَقْلِهِ أَوْ فِي سَمْعِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا قِيلَ لَهُ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ، وَلِأَنَّ الْأَخْرَسَ قَدْ تَكَرَّرَتْ إشَارَتُهُ حَتَّى صَارَتْ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ كَالْيَقِينِ، وَمُمَاثِلَةَ النُّطْقِ، وَهَذَا لَمْ تَتَكَرَّرْ إشَارَتُهُ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يُرْدِ الْإِقْرَارَ.
إنَّمَا أَرَادَ الْإِنْكَارَ، أَوْ إسْكَاتَ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَمَعَ هَذِهِ الْفُرُوقِ، لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ.
[مَسْأَلَة ادَّعَى دَعْوَى وَقَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةِ]
(8489) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى، وَقَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي.
ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ) وَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تُقْبَلُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى، أَوْ يَكُونَ الشَّاهِدَانِ سَمِعَا مِنْهُ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَعْلَمُ، فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: وَإِنْ كَانَ الْإِشْهَادُ أَمْرًا تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا، وَإِنْ كَانَ وَكِيلُهُ أَشْهَدَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ شَهِدَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي نَفْيِهِ إيَّاهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَكْذَبِ بَيِّنَتَهُ، بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَحَدٌ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ إنْسَانٌ، كَانَ تَكْذِيبًا لَهُ، وَيُفَارِقُ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ: لَا شَهَادَةَ عِنْدِي.
ثُمَّ قَالَ: كُنْت نَسِيَتْهَا.
لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ، وَهَا هُنَا هُوَ مُقِرٌّ لِخَصْمِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ.
وَالْحُكْمُ فِي مَا إذَا قَالَ: كُلُّ بَيِّنَةَ لِي زُورٌ.
كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي.
عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ.
[فَصْل قَالَ مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةِ]
(8490) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً.
ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ، سُمِعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا، ثُمَّ عَلِمَهَا.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَلَوْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً.
فَقَالَ شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَك.
سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ.
[مَسْأَلَة شَهَادَةُ الْوَصِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ مُوصَى عَلَيْهِمْ]
(8491) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ مُوصًى عَلَيْهِمْ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَإِنْ شَهِدَ، لَهُمْ، لَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ) أَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ، فَمَقْبُولَةٌ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنَّهُ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِهَا ضَرَرًا.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُمْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ شَهَادَتَهُ لَهُمْ، إذَا كَانَ الْخَصْمُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمْ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَهُمْ، كَمَا بَعْدَ زَوَالِ الْوَصِيَّةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ شَهِدَ بِشَيْءٍ هُوَ خَصْمٌ فِيهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي يُطَالِبُ بِحُقُوقِهِمْ، وَيُخَاصِمُ فِيهَا، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِمَالٍ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ يَأْخُذ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي الشَّهَادَةِ بِهِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ.
فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ وِلَايَتِهِ عَنْهُمْ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ قَبُولَهَا.
وَالْحُكْمُ فِي أَمِينِ الْحَاكِمِ يَشْهَدُ لِلْأَيْتَامِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، كَالْحُكْمِ فِي الْوَصِيِّ، سَوَاءً.
[مَسْأَلَة شَهَادَةُ مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ]
(8492) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي إفَاقَتِهِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا مَذْهَبَ أَهْلِ الْكُوفَة؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الشَّهَادَةِ بِحَالٍ أَدَائِهَا، وَهُوَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّحْصِيلِ وَالْعَقْلِ الثَّابِتِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَالصَّبِيِّ إذَا كَبَرَ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَالصَّحِيحِ، وَزَوَالُ عَقْلِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الشَّهَادَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا، كَالصَّحِيحِ الَّذِي يَنَامُ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي يُغْمَى عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ.
[مَسْأَلَة شَهَادَةُ الطَّبِيبِ فِي الْمُوضِحَةِ]
(8493) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الطَّبِيبِ فِي الْمُوضِحَةِ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْبَيْطَارُ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا اُخْتُلِفَ فِي الشَّجَّةِ، هَلْ هِيَ مُوضِحَةٌ أَوْ لَا؟ أَوْ فِيمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا، كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالْآمَّةِ، وَالدَّامِغَةِ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا، كَالْبَاضِعَةِ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ، أَوْ فِي الْجَائِفَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِرَاحِ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا
إلَّا الْأَطِبَّاءُ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي دَاءٍ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَطِبَّاءُ، أَوْ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا قُدِرَ عَلَى طَبِيبِينَ، أَوْ بَيْطَارَيْنِ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اثْنَيْنِ، أَجْزَأَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَة، فَاجْتُزِئَ فِيهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، بِمَنْزِلَةِ الْعُيُوبِ تَحْتَ الثِّيَابِ، يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، فَقَبُولُ قَوْلِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَوْلَى.
[فَصْل اشْهَدْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَمِائَة دِرْهَمٍ فَشَهِدَ عَلَى مِائَةٍ دُونَ مِائَةٍ]
(8494) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إذَا قَالَ: اشْهَدْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
فَشَهِدَ عَلَى مِائَةٍ دُونَ مِائَةٍ، كَرِهَ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ وَلِي عَلَى مِائَةٍ وَمِائَةٍ.
يَحْكِيه كُلَّهُ لِلْحَاكِمِ كَمَا كَانَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا شَهِدَ عَلَى أَلْفٍ، وَكَانَ الْحَاكِم لَا يَحْكُمُ إلَّا عَلَى مِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَ لِي عَلَى مِائَةٍ، لَمْ يَشْهَدْ إلَّا بِأَلْفٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى الشَّاهِدِ نَقْلَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا شَهِدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: 108] .
وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَعْضِ مَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ، لَسَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عِنْدِي يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ، فَقَدْ شَهِدَ بِمِائَةٍ، فَإِذَا شَهِدَ بِمِائَةٍ، لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِي شَهَادَتِهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ أَقْرَضَهُ مِائَةً مَرَّةً، وَتِسْعَمِائَةٍ مَرَّةً أُخْرَى.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِمِائَةٍ رُبَّمَا أَوْهَمَتْ أَنَّ هَذِهِ الْمِائَةَ غَيْرُ الَّتِي شَهِدَتْ بِأَصْلِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى إيجَابِهَا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ.
[فَصْل شَهِدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَة دِينَارٍ]
(8495) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا شَهِدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَهُ مِنْ دَرَاهِمِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُحْمَلَ مُطْلَقُ الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ، جَازَ أَنْ تُحْمَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَاب الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ]
الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ: إضَافَةُ الْإِنْسَانِ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا، مِلْكًا، أَوْ اسْتِحْقَاقًا، أَوْ صَفْقَةً، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الدَّعْوَى الطَّلَبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57] . وَقِيلَ: الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ بِقَوْلِهِ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ، أَوْ إثْبَاتَ حَقٍّ فِي ذِمَّتِهِ.
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: الْمُدَّعِي مَنْ إذَا تُرِكَ لَمْ يَسْكُت، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ إذَا تُرِكَ سَكَتَ.
وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ؛ بِأَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعَقْدِ، فَيَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُهُ.
وَالْأَصْلُ فِي الدَّعْوَى قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثٍ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
(8496) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِم، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَمَنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَنْكَرَتْهُ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُحَلَّفْ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَيَسْتَحْلِفُ فِيهِ، كَالْمَالِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَسْتَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ نَكَلَ، أُلْزِمَ النِّكَاحَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ نَكَلَ، رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ فَحَلَفَ، وَثَبَتَ النِّكَاحُ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ بَذْلُهُ، فَلَمْ يَسْتَحْلِفْ فِيهِ، كَالْحَدِّ.
يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْأَبْضَاعَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا، فَلَا تُبَاحُ بِالنُّكُولِ، وَلَا بِهِ وَبِيَمِينِ الْمُدَّعِي، كَالْحُدُودِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّكُولَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، إنَّمَا هُوَ سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِخَوْفِهِ مِنْ الْيَمِينِ، أَوْ لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، أَوْ لِلْحَيَاءِ مِنْ الْحَلِفِ وَالتَّبَذُّلِ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَمَعَ
هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِهِ فِيمَا يُحْتَاطُ لَهُ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي إنَّمَا هِيَ قَوْلُ نَفْسِهِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى بِهَا أَمْرًا فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَإِثْمٌ كَبِيرٌ، وَيُمَكَّنُ مِنْ وَطْءِ امْرَأَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا تَنَاوَلَ الْأَمْوَالَ وَالدِّمَاءَ، فَلَا يَدْخُلُ النِّكَاحُ فِيهِ، وَلَوْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ دَعْوَى، لَكَانَ مَخْصُوصًا بِالْحُدُودِ، وَالنِّكَاحُ فِي مَعْنَاهُ، بَلْ النِّكَاحُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ شُهُودٍ، لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ شَرْطًا فِي انْعِقَادِهِ، أَوْ مِنْ اشْتِهَارِهِ، فَيَشْهَدُ فِيهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَالْحُدُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَيُخْلَى سَبِيلُهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَحْلِفُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ.
فَنَكَلَتْ، لَمْ يُقْضَ بِالنُّكُولِ، وَتُحْبَسُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، حَتَّى تُقِرَّ أَوْ تَحْلِفَ، وَفِي الْآخَرِ، يُخْلَى سَبِيلُهَا، وَتَكُونُ فَائِدَةُ شَرْعِ الْيَمِينِ التَّخْوِيفَ وَالرَّدْعَ، لِتُقِرَّ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا، أَوْ تَحْلِفَ، فَتَبْرَأَ إنْ كَانَ مُبْطِلًا.
[فَصْل ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَ امْرَأَةٍ]
(8497) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَ امْرَأَةٍ، احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ شَرَائِطِ النِّكَاحِ، فَيَقُولُ: تَزَوَّجْتهَا بَوْلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا.
إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ شَرَائِطِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مِلْكٍ، فَأَشْبَهَ مِلْكَ الْعَبْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَلَيْسَتْ مُعْتَدَّةً وَلَا مُرْتَدَّةً وَلَنَا، أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي شَرَائِطِ النِّكَاحِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْوَلِيَّ وَالشُّهُودَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ إذْنَ الْبِكْرِ الْبَالِغِ لِأَبِيهَا فِي تَزْوِيجِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُهُ، وَقَدْ يَدَّعِي نِكَاحًا يَعْتَقِدُهُ صَحِيحًا، وَالْحَاكِمُ لَا يَرَى صِحَّتَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِهَا، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا مَا لَمْ تُذْكَرْ الشُّرُوطُ، وَتَقُمْ الْبَيِّنَةُ بِهَا، وَتُفَارِقُ الْمَالَ، فَإِنَّ أَسْبَابَهُ تَنْحَصِرُ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَى الْمُدَّعِي سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّهِ، وَالْعُقُودُ تَكْثُرُ شُرُوطُهَا، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطْنَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ شُرُوطًا سَبْعَةً، وَرُبَّمَا لَا يُحْسِنُ الْمُدَّعِي عَدَّهَا وَلَا يَعْرِفُهَا، وَالْأَمْوَالُ مِمَّا يُتَسَاهَلُ فِيهَا؛ وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ فِي عُقُودِهِ، فَافْتَرَقَا فِي الدَّعْوَى.
وَعَدَمِ الْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ، لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَلَا تَخْتَلِفُ بِهِ الْأَغْرَاضُ.
فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً وَالزَّوْجُ حُرًّا، فَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ عَدَمِ الطَّوْلِ، وَخَوْفِ الْعَنَتِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ نِكَاحِهَا، وَأَمَّا إنْ ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَمْ يَدَّعِ الْعَقْدَ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الشُّرُوطِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَلَوْ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الشُّرُوطِ، لَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ.
وَفِي الثَّانِي يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى نِكَاحٍ، فَأَشْبَهَ دَعْوَى الْعَقْدِ.
[فَصْل ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ عَلَى زَوْجِهَا]
(8498) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ عَلَى زَوْجِهَا، وَذَكَرَتْ مَعَهُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، كَالصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ
وَنَحْوِهَا، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي حَقًّا لَهَا تُضِيفُهُ إلَى سَبَبِهِ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا، كَمَا لَوْ ادَّعَتْ مِلْكًا أَضَافَتْهُ إلَى الشِّرَاءِ.
وَإِنْ أَفْرَدَتْ دَعْوَى النِّكَاحِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُسْمَعُ دَعْوَاهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحُقُوقٍ لَهَا، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا فِيهِ، كَالْبَيْعِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؛ فِيهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا حَقًّا لِغَيْرِهَا.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، سُئِلَ الزَّوْجُ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرٍ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُسْتَحْلَفْ الْمَرْأَةُ وَالْحَقُّ عَلَيْهَا، فَلَأَنْ لَا يُسْتَحْلَفَ مَنْ الْحَقُّ لَهُ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، أَوْلَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهَا إنَّمَا سُمِعَتْ لِتَضَمُّنِهَا دَعْوَى حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ.
وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالنِّكَاحِ، ثَبَتَ لَهَا مَا تَضَمَّنَهُ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِهَا.
وَأَمَّا إبَاحَتُهَا لَهُ، فَتَنْبَنِي عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ حَلَّتْ لَهُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ النِّكَاحَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ؛ إمَّا لِعَدَمِ الْعَقْدِ، أَوْ لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
وَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْهَا فِي الظَّاهِرِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يُمَكَّنُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ حَكَمَ بِالزَّوْجِيَّةِ.
وَالثَّانِي، لَا يُمَكَّنُ مِنْهَا، لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ مَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ دَعْوَاهَا النِّكَاحَ كَدَعْوَى الزَّوْجِ، فِيمَا ذَكَرْنَا، مِنْ الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِ النِّكَاحِ، وَشَرَائِطِ الْعَقْدِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ.
[فَصْل مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ]
(8499) فَصْلٌ: فَأَمَّا سَائِرُ الْعُقُودِ غَيْرُ النِّكَاحِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْكَشْفِ، وَذِكْرِ الشُّرُوطِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُحْتَاطُ لَهَا وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى الْكَشْفِ، كَدَعْوَى الْعَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهَا مَبِيعٌ، فَأَشْبَهَتْ الْجَارِيَةَ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ ذَلِكَ تَكْثُرُ وَلَا تَنْحَصِرُ، وَرُبَّمَا خَفِيَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، فَلَا يُكَلَّفُ بَيَانَهُ، وَيَكْفِيه أَنْ يَقُولَ: أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِهِ، أَوْ أَسْتَحِقُّ كَذَا وَكَذَا فِي ذِمَّتِهِ.
وَيَقُولَ فِي الْبَيْعِ: إنِّي اشْتَرَيْت مِنْهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِعْتهَا مِنْهُ بِذَلِكَ.
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَهِيَ مِلْكُهُ، أَوْ وَهِيَ مِلْكِي - وَنَحْنُ جَائِزُ الْأَمْرِ - وَتَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ.
وَذَكَرِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعُقُودِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهَا، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَوَجْهًا ثَالِثًا، أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً، اُشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ
عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَهَا، لَمْ يُشْتَرَطْ؛ لِعَدَمِ ذَلِكَ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ، أَشْبَهَ دَعْوَى الْعَيْنِ.
وَمَا لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعْوَى، فَلَمْ يَذْكُرْهُ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، لِتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً، فَيُمْكِنُ الْحَاكِمَ الْحُكْمُ بِهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا سَائِرَ الدَّعَاوَى فِيمَا سَبَقَ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا.
[مَسْأَلَة ادَّعَى دَابَّةً فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْكَرَ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً]
(8500) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَابَّةً فِي يَدِ رَجُلٍ، فَأَنْكَرَ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنَا بِسَمَاعِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ، أَوْ قَالَتْ: وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ عَلَيْهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَأَنْكَرَهُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي تُسَمَّى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، وَبَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُسَمَّى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا إذَا تَعَارَضَتَا، فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَالٍ.
وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَعَنْهُ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَقَالَتْ: نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ اشْتَرَاهَا، أَوْ نَسَجَهَا.
أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا، قُدِّمَتْ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ، فِي النِّتَاجِ وَالنَّسَّاجِ، فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ، فَأَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ، كَالصُّوفِ وَالْخَزِّ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهَا إذَا شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ، فَقَدْ أَفَادَتْ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ، أَنْتَجَهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ.» وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، رِوَايَةً ثَالِثَةً، أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ.
وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ إذَا لَمْ تُفِدْ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ جَنْبَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَيَمِينُهُ تُقَدَّمَ عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي، فَإِذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَجَبَ إبْقَاءُ يَدِهِ عَلَى مَا فِيهَا، وَتَقْدِيمُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتَهُ لِيَدِهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . فَجَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي، فَلَا يَبْقَى فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ.
وَدَلِيلُ كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا، أَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُلُّ الْيَدُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا رُؤْيَةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، كَمَا تُقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ، كَمَا أَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَمَّا كَانَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شَاهِدَيْ الْأَصْلِ، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَيْهِمَا.
(8501) فَصْلٌ: وَأَيُّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَدَّمْنَاهَا، لَمْ يَحْلِفْ صَاحِبُهَا مَعَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُسْتَحْلَفُ صَاحِبُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا بِتَعَارُضِهِمَا، فَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَيَحْلِفُ الدَّاخِلُ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ رَاجِحَةٌ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا مُنْفَرِدَةً، كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ، خَاصٌّ وَعَامٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا أَرْجَحُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ تَسْقُطُ، وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ، وَيُعْمَلُ بِهَا، وَتَسْقُطُ الْمَرْجُوحَةُ.
[فَصْل كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِأَحَدِ الْمُدَّعِينَ دُونَ الْآخَرِ]
(8502) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَحْدَهُ، حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ يَحْلِفْ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ؛ مِنْهُمْ الزُّهْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ شُرَيْحٌ وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ مَعَ بَيِّنَتِهِ.
قَالَ شُرَيْحٌ لِرَجَلٍ: لَوْ أَثْبَتِ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا شَاهِدًا، مَا قَضَيْت لَك حَتَّى تَحْلِفَ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَضْرَمِيِّ: «بَيِّنَتُك، أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ.» وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إحْدَى حُجَّتَيْ الدَّعْوَى، فَيَكْتَفِي بِهَا، كَالْيَمِينِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، وَالْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكَلَّفِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، أُحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ، فَيَقُومَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ.
وَهَذَا حَسَنٌ؛ فَإِنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ لِلْمُدَّعِي بِثُبُوتِ حَقِّهِ، لَا يَنْفِي احْتِمَالَ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ ادَّعَاهُ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مُكَلَّفًا، فَسُكُوتُهُ عَنْ دَعْوَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ، فَيَكْتَفِي بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، أَوْ مِمَّنْ لَا قَوْلَ لَهُ، نُفِيَ احْتِمَالُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ، فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ لَنَفْيِهِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي
بَيِّنَةٌ، وَكَانَتْ لِلْمُنْكِرِ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْحَلِفِ مَعَهَا؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِهَا مَعَ التَّعَارُضِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا، فَمَعَ انْفِرَادِهَا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِالْيَمِينِ، فِيمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا أَوْلَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنَدُهَا الْيَدَ وَالتَّصَرُّفَ، فَلَا تُفِيدُ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْ الْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ مَا قَامَ مَقَامَهُ.
[فَصْل ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الدَّابَّةَ مِلْكُهُ وَأَنَّهُ أُودَعْهَا لِلدَّاخِلِ]
(8503) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الدَّابَّةَ مِلْكُهُ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهَا لِلدَّاخِلِ، أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهَا، أَوْ آجَرَهَا مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ؛ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي: بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ، لِأَنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَأَنْ يَدَ الدَّاخِلِ نَائِبَةٌ عَنْهُ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي، كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْإِيدَاعَ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ دَعْوَاهُ الْإِيدَاعَ زِيَادَةٌ فِي حُجَّتِهِ، وَشَهَادَةَ الْبَيِّنَةُ بِهَا تُقَوِّيهِ لَهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُبْطِلَةً لِبَيِّنَتِهِ.
وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الدَّاخِلَ غَصَبَهُ إيَّاهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَهِيَ لِلْخَارِجِ، وَيَقْتَضِي قَوْلُ الْقَاضِي أَنَّهَا لِلدَّاخِلِ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْل فِي يَدِ رَجُلٍ جِلْدُ شَاةٍ مَسْلُوخَةٍ وَرَأْسُهَا وَسَوَاقِطُهَا وَبَاقِيهَا فِي يَدِ آخَرَ فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا]
(8504) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ جِلْدُ شَاةٍ مَسْلُوخَةٍ، وَرَأْسُهَا وَسَوَاقِطُهَا وَبَاقِيهَا فِي يَدِ آخَرَ، فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّهَا، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، وَقُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ.
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
[فَصْل فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا]
(8505) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَكَانَتْ الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِهِ لَهُ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ: هَذِهِ الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِك لِي، مِنْ نِتَاجِ شَاتِي هَذِهِ.
فَالتَّعَارُضُ فِي النِّتَاجِ، لَا فِي الْمِلْكِ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ الْأُخْرَى وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاتَيْنِ لِي دُونَ صَاحِبِي، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا،
وَانْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ فِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِ الْآخَرِ، وَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، أَوْ قَدَّمَهَا إذَا شَهِدَتْ بِالنِّتَاجِ، جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ.
[فَصْل الْفَاسِقَ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدُ]
(8506) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى زَيْدٌ شَاةً فِي يَدِ عَمْرٍو، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً، فَحَكَمَ لَهُ بِهَا حَاكِمٌ، ثُمَّ ادَّعَاهَا عَمْرٌو عَلَى زَيْدٍ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً؛ فَإِنْ قُلْنَا: بَيِّنَةُ الْخَارِجُ مُقَدَّمَةٌ.
لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ عَمْرٍو؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ.
نَظَرْنَا فِي الْحُكْمِ كَيْفَ وَقَعَ؛ فَإِنْ كَانَ حُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ لِأَنَّ عَمْرًا لَا بَيِّنَةَ لَهُ، رُدَّتْ إلَى عَمْرٍو؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَالْيَدُ كَانَتْ لَهُ، وَإِنْ حُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ لِأَنَّهُ يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ عَمْرٍو قَدْ شَهِدَتْ لَهُ أَيْضًا، وَرَدَّهَا الْحَاكِمُ لِفِسْقِهَا، ثُمَّ عُدِّلَتْ، لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدُ، لَمْ تُقْبَلْ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُكْمَ كَيْفَ كَانَ، لَمْ يُنْقَضْ؛ لِأَنَّ حُكْمُ الْحَاكِمِ، الْأَصْلُ جَرَيَانُهُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالصِّحَّةِ، فَلَا يُنْقَضُ بِالِاحْتِمَالِ.
فَإِنْ جَاءَ ثَالِثٌ، فَادَّعَاهَا، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً، فَبَيِّنَتُهُ وَبَيِّنَةُ زَيْدٍ مُتَعَارِضَتَانِ، وَلَا يَحْتَاجُ زَيْدٌ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ شَهِدَتْ مَرَّةً، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الشَّهَادَةِ حَالَ التَّنَازُعِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَتِهَا، كَالْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ، وَوَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ حَالِهَا، ثُمَّ بَانَتْ عَدَالَتُهَا، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ، وَيُحْكَمُ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ شَهَادَتِهَا، كَذَا هَاهُنَا.
[فَصْل فِي يَدِ رَجُلٍ شَاةٌ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ]
(8507) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ شَاةٌ، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، فَهِيَ لِلْمُدَّعِي، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بِالْيَدِ خَاصَّةً، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، بِأَنْ تَكُونَ الْيَدُ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ، فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ أَوْلَى.
فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَقَدْ تَعَارَضَ تَرْجِيحَانِ، تَقَدُّمُ التَّارِيخِ مِنْ جِهَةِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَكَوْنُ الْأُخْرَى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَيَقْتَضِيه عُمُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا الْيَدَ، فَلَا تُفِيدُ أَكْثَرَ مِمَّا تُفِيدُهُ الْيَدُ، فَأَشْبَهَتْ الصُّورَةَ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَالثَّانِيَةُ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ زِيَادَةً.
فَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُنْذُ سَنَةٍ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ فِيهَا بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ، فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهَا قَوْلَانِ.
وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَادَّعَى الدَّاخِلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُ السِّنِينَ، إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بِنِتَاجٍ، أَوْ بِشِرَاءٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ إرْثٍ، أَوْ هِبَةٍ مِنْ مَالِكٍ، أَوْ قَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَفِي أَيِّهِمَا تُقَدَّمُ؟ رِوَايَتَانِ، ذَكَرْنَاهُمَا.
وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْآخَرِ، قُضِيَ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الِابْتِيَاعِ شَهِدَتْ بِأَمْرٍ حَادِثٍ، خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى، فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ.
[مَسْأَلَة تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي عَيْنٍ فِي أَيْدِيهِمَا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ]
(8508) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي أَيْدِيهِمَا، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، سَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَكَانَتْ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي عَيْنٍ فِي أَيْدِيهِمَا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ دُونَ صَاحِبِهِ؛ وَلَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَجُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا عَنْ الْيَمِينِ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ بِنُكُولِهِ.
وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، وَحَلَفَ الْآخَرُ، قُضِيَ لَهُ بِجَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِهِ بِيَمِينِهِ، وَمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ إمَّا بِنُكُولِهِ، وَإِمَّا بِيَمِينِهِ الَّتِي رُدَّتْ عَلَيْهِ عِنْدَ نُكُولِ صَاحِبِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ دُونَ الْآخَرِ حُكِمَ لَهُ بِهَا.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، وَتَسَاوَتَا، تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَقُسِمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَعِيرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ، خَارِجٌ عَنْ نِصْفِهَا، فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ
كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وَفِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، فَيَسْتَوِيَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا، رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، حَلَفَ أَنَّهَا لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا، وَكَانَتْ الْعَيْنُ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةِ، هَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، أَوْ يَكُونُ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ يَحْلِفُ، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمَّا تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَجَبَ إسْقَاطُهُمَا، كَالْخَبَرَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَتَسَاوَيَا، وَإِذَا سَقَطَا صَارَ الْمُخْتَلِفَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى الدَّاخِلِ مَعَ بَيِّنَتِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي نِصْفِهَا، فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ بِبَيِّنَتِهِ، وَيَحْلِفُ مَعَهَا، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، أَنَّ الْعَيْنَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْخَبَرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ رَاجِحَةٌ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ يُحْكَمُ بِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى يَمِينٍ.
فَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنَّ الْعَيْنَ لِهَذَا، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا لِهَذَا الْآخَرِ، نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّرْجِيحِ بِهَذَا رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُرَجَّحُ بِهِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهُوَ مِلْكُ الْعَيْنِ الْآنَ، فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ.
وَالثَّانِيَةُ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ السَّبَبِ، وَالْأُخْرَى خَفِيَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمَا مُسْتَنِدَةً إلَى مُجَرَّدِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ، فَتُقَدَّمُ الْأُولَى عَلَيْهَا، كَتَقَدُّمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا.
[فَصْل تَعَارُض الْبَيِّنَتَانِ فِي الْمِلْكِ]
(8509) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ
التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ أَقْدَمِهِمَا تَارِيخًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَةَ التَّارِيخِ، أَثْبَتَتْ الْمِلْكَ لَهُ فِي وَقْتٍ لَمْ تُعَارِضْهُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ، وَلِهَذَا لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالنَّمَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْمِلْكِ فِي الْحَالِ، فَسَقَطَتَا، وَبَقِيَ مِلْكُ السَّابِقِ تَجِبُ اسْتَدَامَتْهُ، وَأَنْ لَا يَثْبُتَ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ، إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْمِلْكِ الْحَادِثِ أَحَقُّ بِالتَّرْجِيحِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَلِهَذَا لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، لَقُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ اتِّفَاقًا، فَإِذَا لَمْ تُرَجَّحْ بِهَذَا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّسَاوِي.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ.
قُلْنَا: إنَّمَا يَثْبُتُ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِأَنْ يَدَّعِيَ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، فَإِنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى، فَهُمَا سَوَاءٌ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِمَنْ لَمْ يُوَقِّتْ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ فِي إحْدَاهُمَا مَا يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ مِنْ تَقَدُّمِ الْمِلْكِ وَلَا غَيْرِهِ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا، كَمَا لَوْ أُطْلِقَتَا، أَوْ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا.
[فَصْل تَرْجِيحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ]
(8510) فَصْلٌ: وَلَا تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ تُرَجَّحَ بِذَلِكَ، مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: وَيَتَّبِعُ الْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ يُرَجَّحُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ، لِأَنَّهَا خَبَرٌ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْمَشْهُودِ بِهِ، وَإِذَا كَثُرَ الْعَدَدُ أَوْ قَوِيَتْ الْعَدَالَةُ، كَانَ الظَّنُّ بِهِ أَقْوَى.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الشُّهُودِ، فَإِذَا شَهِدَ لِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ، وَلِلْآخَرِ أَرْبَعَةٌ، قَسَمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُوَزَّعُ الْحَقُّ عَلَيْهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ، فَلَا تَخْتَلِفُ بِالزِّيَادَةِ، كَالدِّيَةِ، وَتُخَالِفُ الْخَبَرَ، فَإِنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الْعَدَدِ، فَرَجَحَ بِالزِّيَادَةِ.
وَالشَّهَادَةُ يُتَّفَقُ فِيهَا عَلَى خَبَرِ الِاثْنَيْنِ، فَصَارَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِمَا دُونَ اعْتِبَارِ الظَّنِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ، وَإِنْ كَثُرْنَ حَتَّى صَارَ الظَّنُّ بِشَهَادَتِهِنَّ أَغْلَبَ مِنْ شَهَادَةِ الذَّكَرَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا لَا تُرَجَّحُ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا تَعَارَضَتَا، فَأَمَّا إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ وَلِلْآخَرِ شَاهِدٌ، فَبَذَلَ يَمِينَهُ مَعَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ بِمُفْرَدِهِ، فَأَشْبَهَا الرَّجُلَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ.
وَالثَّانِي، يُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ، لِأَنَّهُمَا حُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ، وَالْبَيِّنَةَ الْكَامِلَةَ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا، كَتَقْدِيمِهَا عَلَى يَمِينِ الْمُنْكِرِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْوَجْهَيْنِ.
[فَصْل فِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا]
(8511) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ.
وَلَا نَعْلَم فِي هَذَا خِلَافًا.
إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ، أَنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا، لِأَنَّ النِّصْفَ لَهُ لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا فِيهِ.
وَلَنَا أَنَّ يَدَ مُدَّعِي النِّصْفِ عَلَى مَا يَدَّعِيه، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيه، فَقَدْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا فَالنِّصْفُ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيِّ الْبَيِّنَتَيْنِ تُقَدَّمُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، فَتَكُونُ الدَّارُ كُلُّهَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ.
فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَا يَدَّعِيهَا، فَالنِّصْفُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ، لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ، وَكَانَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، وَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَإِنْ قُلْنَا: تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ.
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالثَّانِي، يُقْسَمُ النِّصْفُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَهُمَا، فَيَصِيرُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا.
[فَصْل الدَّارِ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ ادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا وَادَّعَى الْآخَرُ ثُلُثَهَا وَادَّعَى الْآخَرُ سُدُسَهَا]
(8512) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ، ادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا، وَادَّعَى الْآخَرُ ثُلُثَهَا، وَادَّعَى الْآخَرُ سُدُسَهَا، فَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى كَيْفِيَّةِ مِلْكِهِمْ، وَلَيْسَ هَاهُنَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَجَاحُدٌ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ بَاقِيَ الدَّارِ وَدِيعَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ مَعِي، وَكَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمِلْكِ بَيِّنَةٌ، قُضِيَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ، وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَأُقِرَّ فِي يَدِهِ ثُلُثُهَا.
(8513) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا، وَالْآخَرُ ثُلُثَهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْيَمِينُ عَلَى مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ثُلُثِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَتْ لِمُدَّعِي الْجَمِيعِ، فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ لِمُدَّعِي النِّصْفِ، أَخَذَهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ السُّدُسُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَيَحْلِفُ عَلَى نِصْفِ السُّدُسِ، وَيَحْلِفُ الْآخَرُ عَلَى الرُّبْعِ
الَّذِي يَأْخُذُهُ جَمِيعُهُ.
فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ، أَخَذَهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ السُّدُسُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَيَحْلِفُ عَلَى السُّدُسِ الْآخَرِ، وَيَحْلِفُ الْآخَرُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَأْخُذُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَدَّعِيه بَيِّنَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ.
قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ.
فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْقُطَ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ السُّدُسُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ خَارِجَةٌ فِيهِ، وَلِمُدَّعِي الْكُلِّ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ؛ لِأَنَّ لَهُ السُّدُسَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه، وَلَهُ الثُّلُثَانِ؛ لِكَوْنِ بَيِّنَتِهِ خَارِجَةً عَنْهُمَا.
وَقِيلَ: بَلْ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ السُّدُسُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ تَعَارَضَتَا فِيهِ، فَتَسَاقَطَتَا، وَبَقِيَ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَلَا شَيْءَ لِمُدَّعِي النِّصْفِ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ بَيِّنَةٌ، أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ، فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِيه، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ، أَوْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، حَلَفَ وَأَخَذَ الثُّلُثَ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ فِي السُّدُسِ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالسُّدُسُ الزَّائِدُ، يَتَنَازَعَهُ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ، وَالثُّلُثُ يَدَّعِيه الثَّلَاثَةُ، وَقَدْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَاتُ فِيهِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَاتُ.
أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَاتُ، قُسِمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِينَ.
فَلِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ وَنِصْفُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ وَثُلُثُ الثُّلُثِ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ نِصْفُ السُّدُسِ وَثُلُثُ الثُّلُثِ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ ثُلُثُهُ وَهُوَ التُّسْعُ، فَتُخَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا؛ لِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَنِصْفُ السُّدُسِ ثَلَاثَةٌ، وَالتُّسْعُ أَرْبَعَةٌ، فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ سَبْعَةٌ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَهُوَ التُّسْعُ.
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَحَمَّادٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَأْخُذُ مُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ عَوْلِ الْفَرَائِضِ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ سِتَّةٌ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ، فَتَصِحُّ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا.
وَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ عَنْ ثَلَاثَةٍ ادَّعَوْا كِيسًا وَهُوَ بِأَيْدِيهِمْ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ، وَحَلَفَ كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا ادَّعَاهُ؛ ادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهُ، وَادَّعَى آخَرُ ثُلُثَيْهِ، وَادَّعَى آخَرُ نِصْفَهُ؟ فَأَجَابَ فِيهِمْ بِشِعْرٍ: يَقُولُ نَظَرْت أَبَا يَعْقُوبَ فِي الْحِسَبِ الَّتِي ... طَرَتْ فَأَقَامَتْ مِنْهُمْ كُلَّ قَاعِدِ فَلِلْمُدَّعِي الثُّلْثَيْنِ ثُلْثٌ وَلِلَّذِي ... اسْتَلَاطَ جَمِيعُ الْمَالِ عِنْدَ التَّحَاشُدِ مِنْ الْمَالِ نِصْفٌ غَيْرُ مَا سَيَنُوبُهُ ... وَحِصَّتُهُ مِنْ نِصْفِ ذَا الْمَالِ زَائِدِ وَلِلْمُدَّعِي نِصْفًا مِنْ الْمَالِ رُبْعُهُ ... وَيُؤْخَذُ نِصْفُ السُّدْسِ مِنْ كُلِّ وَاحِدِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَوْلِ، فَكَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَالَتْ مِنْ سِتَّةٍ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَ مَخْرَجَ الْكُسُورِ، وَهِيَ سِتَّةٌ فَجَعَلَهَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ، وَثُلُثَاهَا أَرْبَعَةٌ لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، وَنِصْفُهَا ثَلَاثَةٌ، لِمُدَّعِي النِّصْفِ، صَارَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
[فَصْل الدَّارُ فِي أَيْدِي أَرْبَعَةٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا وَالثَّانِي ثُلُثَيْهَا وَالثَّالِثُ نِصْفَهَا وَالرَّابِعُ ثُلْثَهَا]
(8514) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِي أَرْبَعَةٍ، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا، وَالثَّانِي ثُلُثَيْهَا، وَالثَّالِثُ نِصْفَهَا، وَالرَّابِعُ ثُلْثَهَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ وَلَهُ رُبْعُهَا؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً، قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَاخِلٌ فِي رُبْعِهَا، فَتُقَدَّم بَيِّنَتُهُ فِيهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ.
فَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَأَنْكَرَهُمَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَتَا، وَأُقِرَّ الشَّيْءُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ خَامِسٍ لَا يَدَّعِيهَا، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ، فَالثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ، أَوْ لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، أَخَذَهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ لِمُدَّعِي النِّصْفِ، أَخَذَهُ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ الْبَاقِينَ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ وَقَعَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَهُ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ إذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ، إلَّا أَنَّهُمْ عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: لِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثُ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ النِّصْفِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي، وَيَكُونُ الْإِقْرَاعُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، الثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ، وَيُقْسَمُ السُّدُسُ الزَّائِدُ عَنْ النِّصْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ يُقْسَمُ السُّدُسُ الزَّائِدُ عَنْ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ أَثْلَاثًا، ثُمَّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَاعًا، وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، لِصَاحِبِ الْكُلِّ ثُلُثُهَا اثْنَا عَشَرَ، وَنِصْفُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ، وَثُلُثُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ سَهْمَانِ، وَرُبْعُ الثُّلُثِ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ، فَيَحْصُلُ لَهُ عِشْرُونَ
سَهْمًا، وَهِيَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ الدَّارِ.
وَلِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ، تُسْعَانِ وَهِيَ مِثْلُ مَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ بَعْدَ الثُّلُثِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، تُسْعٌ وَرُبْعُ تُسْعٍ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ ثَلَاثَةٌ، نِصْفُ السُّدُسِ.
وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَسَمَهَا عَلَى الْعَوْلِ، هِيَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ سِتَّةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ الثُّلُثُ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
[مَسْأَلَة تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا]
(8515) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَأَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا لَا يَعْرِفُهُ عَيْنًا، قُرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَأَنْكَرَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا.
أَوْ قَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا، لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا.
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عَيْنًا، لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ، أَحَبَّا أَمْ كَرِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَدٌ، وَالْقُرْعَةُ تُمَيِّزُ عَنَدَ التَّسَاوِي، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ؛ إحْدَاهُمَا، تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ، وَيَقْتَرِعُ الْمُدَّعِيَانِ عَلَى الْيَمِينِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْقُرْعَةَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدِيمُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ، «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرٍ، وَجَاءَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ عُدُولٍ، عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ فَأَسْهَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ ". وَلِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا، مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَسَقَطَتَا، كَالْخَبَرَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِمَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَحَمَّادٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى، «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعِيرٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ؛ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» .
وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُ، فَيَتَسَاوَيَانِ فِي قِسْمَتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَهُ قَوْلٌ رَابِعٌ، يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ، كَالْحَاكِمِ إذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ فِي قَضِيَّتِهِ.
وَلَنَا، الْخَبَرَانِ، وَأَنَّ تَعَارُضَ الْحُجَّتَيْنِ لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، كَالْخَبَرَيْنِ، بَلْ إذَا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ، أَسْقَطْنَاهُمَا، وَرَجَعْنَا إلَى دَلِيلٍ غَيْرِهِمَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا: إنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسْقُطَانِ.
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَته، حَلَفَ، وَأَخَذَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُعْمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُغْنِي عَنْ الْيَمِينِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الْبَيِّنَةِ، تَرْجِيحًا لَهَا.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ كَالْأُولَى فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ آخَرَ، سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْل أَنْكَرَ الْبَيِّنَةَ مَنْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ]
(8516) فَصْلٌ: فَإِنْ أَنْكَرَهَا مَنْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَإِنْ قُلْنَا: تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ.
أُخِذَتْ الْعَيْنُ مِنْ يَدِهِ، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْقِسْمَةَ، أَوْ تُدْفَعُ إلَى مِنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَلَى قَوْلِ مِنْ يَرَى ذَلِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ، حَلَفَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، قُبِلَ إقْرَارُهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ لِأَحَدِهِمَا، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ صَاحِبَ الْيَدِ؛ لِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ مُقِرٌّ بِأَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا، فَالْيَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي، الْجُزْءِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ؛ لِذَلِكَ.
[فَصْل تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَقَالَ هِيَ لِأَحَدِكُمَا]
(8517) فَصْلٌ: وَإِنْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَقَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا.
أَوْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا، أَهُوَ
أَحَدُكُمَا أَوْ غَيْرُكُمَا.
أَوْ قَالَ: أَوْدَعَنِيهَا أَحَدُكُمَا.
أَوْ: رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّك تَعْلَمُ أَنِّي صَاحِبُهَا، أَوْ أَنِّي الَّذِي أَوْدَعْتُكَهَا، أَوْ طَلَبَتْ يَمِينَهُ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ، وَمَنْ لَزِمَهُ الْحَقُّ مَعَ الْإِقْرَارِ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَيَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ نَفْيِ الْعِلْمِ.
وَإِنْ صَدَّقَاهُ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، حَلَفَ لِلْآخَرِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ صَاحِبَ الْيَدِ.
فَإِنْ قَالَ غَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ: احْلِفْ لِي أَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مِلْكِي، أَوْ أَنِّي لَسْت الَّذِي أَوْدَعْتُكهَا.
لَزِمَهُ الْيَمِينُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ نَكِلَ عَنْ الْيَمِينِ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا.
وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا لَهُمَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ابْتِدَاءً، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِصَاحِبِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ.
[فَصْل أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً]
(8518) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ، قَالَ أَحَدُهُمَا: آجَرْتُكهَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: هِيَ دَارِي أَعَرْتُكهَا.
أَوْ قَالَ: هِيَ دَارِي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي.
أَوْ قَالَ: هِيَ دَارِي.
وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ، فَأَنْكَرْهُمَا صَاحِبُ الْيَدِ، وَقَالَ: هِيَ دَارِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً، تَعَارَضَتَا، وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ فِيهَا الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِالسَّبَبِ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَرِثَهَا مُقَدَّمَةٌ؛ لِشَهَادَتِهَا بِالسَّبَبِ.
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا، فَهِيَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ، بِأَنْ يَكُونَ غَصَبَهَا مِنْ هَذَا، وَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ، وَإِقْرَارُ الْغَاصِبِ بَاطِلٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَتُدْفَعُ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا يَغْرَمُ لِلْمُقِرِّ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِنَّمَا حَالَتْ الْبَيِّنَةُ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوَّلًا، وَلَزِمَهُ غَرَامَتُهَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ.
[فَصْل أَخَذَ مِنْ رَجُلَيْنِ ثَوْبَيْنِ أَحَدَهُمَا بِعَشَرَةٍ وَالْآخَرَ بِعُشْرِينَ ثُمَّ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ثَوْبُ هَذَا مِنْ ثَوْبِ هَذَا]
(8519) فَصْلٌ: نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلَيْنِ ثَوْبَيْنِ، أَحَدَهُمَا بِعَشَرَةٍ وَالْآخَرَ بِعِشْرِينَ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ثَوْبُ هَذَا مِنْ ثَوْبِ هَذَا، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَوْبًا مِنْ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، يَعْنِي وَادَّعَاهُ الْآخَرُ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَكَانَ الثَّوْبُ الْجَيِّدُ لَهُ، وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا.
[فَصْل تَدَاعَيَا عَيْنًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذِهِ الْعَيْنُ لِي]
(8520) فَصْلٌ: إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذِهِ الْعَيْنُ لِي، اشْتَرَيْتهَا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ، وَنَقَدْتُهُ إيَّاهَا.
وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا زَيْدٌ، حَلَفَ، وَكَانَتْ الْعَيْنُ لَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا، سَلَّمَهَا إلَيْهِ وَحَلَفَ لِلْآخَرِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِهَا، سُلِّمَتْ إلَيْهِمَا، وَحَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ مِنْكُمَا.
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
وَإِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ أَنَّهَا لَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا، سُلِّمَتْ إلَيْهِ، ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْآخَرِ، لَزِمَتْهُ غَرَامَتُهَا لَهُ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي الْمُحَرَّمِ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي صَفَرٍ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ بِدَعْوَاهُ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَهَا لِلْأَوَّلِ، فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا، فَيَكُونُ بَيْعُهُ فِي صَفَرٍ بَاطِلًا، لِكَوْنِهِ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ، وَيُطَالَبُ بِرَدِّ الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخِ وَاحِدٍ، أَوْ مُطْلِقَتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلِقَةً وَالْأُخْرَى مُؤَرِّخَةً، تَعَارَضَتَا؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، فَيُنْظَرُ فِي الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ جَعَلَهَا لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَمِنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، جَعَلَهَا لِلْخَارِجِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَقُلْنَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ.
رُجِعَ إلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا، حَلَفَ لَهُمَا، وَكَانَتْ لَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، سُلِّمَتْ إلَيْهِ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ.
لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ وَلَا اعْتِرَافِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ زَوَالُ مِلْكِهِ، وَأَنَّ يَدَهُ لَا حُكْمَ لَهَا، فَلَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ، فَمَنْ قَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا سِوَى هَذَا.
وَمَنْ قَالَ: تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
قُسِمَتْ.
وَهَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ، فِي رَجُلٍ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَةٍ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِمِائَتَيْنِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِنْ السِّلْعَةِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ وَحَمَلَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ، عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ فِي أَيْدِيهِمَا، أَوْ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا.
وَإِطْلَاقُ الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِقَبْضِهِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ.
فَإِنْ اخْتَارَا الْإِمْسَاكَ، رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَإِنْ اخْتَارَا الْفَسْخَ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ، تَوَفَّرَتْ السِّلْعَةُ كُلُّهَا عَلَى الْآخَرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِنِصْفِ السِّلْعَةِ وَنِصْفِ الثَّمَنِ، فَلَا يَعُودُ النِّصْفُ الْآخَرُ إلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي كُلِّ مَبِيعٍ.
(8521) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً، فَهَذِهِ تُشْبِهُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدَيْهِمَا، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلَةٌ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ، خَارِجَةٌ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ، فَأَنْكَرَهُمَا، وَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ.
حَلَفَ، وَكَانَتْ لَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا، صَارَ الدَّاخِلَ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهَا لَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
فَهِيَ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
قُسِمَتْ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ ثَمَنِهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُقِرًّا بِقَبْضِهِ، فَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا رُجُوعَ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَلَمْ يُقْبَضْ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ، فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ، لَمْ يَتَوَفَّرْ الْمَبِيعُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ اثْنَانِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْل فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً]
(8522) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ.
وَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، أَوْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا، تَعَارَضَتَا، وَإِنْ قُدِّمَ تَارِيخُ إحْدَاهُمَا، فَهَلْ تُرَجَّحُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوَّلًا، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلْآخَرِ.
[فَصْل مَتَى أَمْكَنَ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ]
(8523) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّك اشْتَرَيْتهَا مِنِّي بِأَلْفٍ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، وَاتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: اشْتَرَاهَا مِنِّي مَعَ الزَّوَالِ، يَوْمَ كَذَا لَيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَسْقُطَانِ.
رُجِعَ إلَى قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَنْكَرْهُمَا، حَلَفَ لَهُمَا، وَبَرِئَ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، فَعَلَيْهِ لَهُ الثَّمَنُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا مَعًا، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يَهَبَهَا لِلْآخَرِ وَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتهَا مِنْكُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفٍ.
فَقَدْ أَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ
عَلَى الْبَاقِي.
وَإِنْ قُلْنَا: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَجَبَ لَهُ الثَّمَنُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ، وَيَبْرَأُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُقْسَمُ.
قُسِمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ التَّارِيخَانِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَوْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، ثَبَتَ الْعَقْدَانِ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنَانِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يَمْلِكَهَا الْآخَرُ، فَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ، وَإِذَا أَمْكَنَ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ تَصْدِيقُهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي اثْنَانِ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي صَفَرٍ، يَكُونُ الشِّرَاءُ الثَّانِي بَاطِلًا؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْأَوَّلِ، لَمْ يُبْطِلُهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ الثَّانِي ثَانِيًا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا ثُبُوتُ شِرَائِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبْطِلُ مِلْكَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَانِيًا مِلْكَ نَفْسِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْبَائِعُ مَا لَيْسَ لَهُ، فَافْتَرَقَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَارِيخُهُمَا وَاحِدًا، فَيَتَعَارَضَانِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَلَا تُشْغَلُ بِالشَّكِّ.
قُلْنَا: إنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَجَبَ تَصْدِيقُهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَكٌّ، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْوَهْمُ، وَالْوَهْمُ لَا تَبْطُلُ بِهِ الْبَيِّنَةُ، لِأَنَّهَا لَوْ بَطَلَتْ بِهِ، لَمْ يَثْبُتْ بِهَا حَقٌّ أَصْلًا، لِأَنَّهُ مَا مِنْ بَيِّنَةٍ إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَاذِبَةً، أَوْ غَيْرَ عَادِلَةٍ، أَوْ مُتَّهَمَةً، أَوْ مُعَارَضَةً، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى هَذَا الْوَهْمِ، كَذَا هَاهُنَا.
[فَصْل مَاتَ رَجُلٌ فَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ ابْنُ هَذَا الْمَيِّتِ]
(8524) فَصْلٌ: إذَا مَاتَ رَجُلٌ، فَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ ابْنُ هَذَا الْمَيِّتِ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، وَشَهِدَ آخَرَانِ لِآخَرَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ ابْنُ هَذَا الْمَيِّتِ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، وَثَبَتَ نَسَبُ الْغُلَامَيْنِ مِنْهُ، وَيَكُونُ الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَعْلَمَ كُلُّ بَيِّنَةٍ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُخْرَى.
[فَصْل ادَّعَى رَجُلٌ عَبْدًا فِي يَدِ آخَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ]
(8525) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَبْدًا فِي يَدِ آخَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَأَنْكَرَهُمَا، حَلَفَ لَهُمَا، وَالْعَبْدُ لَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، ثَبَتَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ.
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، ثَبَتَ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، وَكَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، قَدَّمْنَا الْأُولَى، وَبَطَلَتْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ إنْ سَبَقَ الْعِتْقُ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ سَبَقَ الْبَيْعُ، لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَادَ إلَى مِلْكِهِ فَأَعْتَقَهُ.
قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، فَلَا يُبْطِلُهُ عِتْقُ الْبَائِعِ.
وَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخِ وَاحِدٍ، أَوْ مُطْلِقَتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلِقَةً، تَعَارَضَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ
لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، فَإِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الْخَارِجِ، قُدِّمَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَقُلْنَا: إنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسْقُطَانِ بِالتَّعَارُضِ، صَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَيَرْجِعُ إلَى السَّيِّدِ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا، حَلَفَ لَهُمَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ، ثَبَتَ، وَلَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مَا أَعْتَقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إحْلَافِهِ، وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنْ أَقَرَّ لِلْمُشْتَرِي ثَبَتَ الْمِلْكُ، وَلَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إحْلَافِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُسْتَعْمَلَانِ فَاعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يُرَجَّحْ بِاعْتِرَافِهِ لِأَنَّ مِلْكُهُ قَدْ زَالَ فَإِنْ قُلْنَا تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِالْقُرْعَةِ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
فَعَلَى هَذَا، يَحْلِفُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُقْسَمُ.
قَسَمْنَا الْعَبْدَ، فَجَعَلْنَا نِصْفَهُ مَبِيعًا وَنِصْفَهُ حُرًّا، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى جَمِيعِهِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُخْتَارًا، وَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ فِي نِصْفِهِ بِشَهَادَتِهِمَا.
[فَصْل ادَّعَى رَجُلٌ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ]
(8526) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ، قُبُلِ إقْرَارُهَا، لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ غَيْرُ مُتَّهَمَةٍ، فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، لَمْ تُمْنَعْ مِنْهُ.
وَإِنْ ادَّعَاهَا اثْنَانِ، فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يَدَّعِي مِلْكَ نِصْفِهَا، وَهِيَ مُعْتَرِفَةٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهَا، فَصَارَ إقْرَارُهَا بِحَقِّ غَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ، فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ ابْتِدَاءَ تَزْوِيجِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، قُبِلَ.
قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِإِقْرَارِهِ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُهُ كَصَاحِبِ الْيَدِ، فَيَحْلِفُ، وَالنِّكَاحُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْيَمِينِ، فَلَمْ يَنْفَعْ الْإِقْرَارُ بِهِ هَاهُنَا، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا، وَحِيلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهَا، وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِإِقْرَارِ الْمَرْأَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا بِكَوْنِهَا فِي بَيْتِهِ وَيَدِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَثْبُتُ عَلَى حُرَّةٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِسْمَةِ هَاهُنَا، وَلَا إلَى الْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الْقُرْعَةِ مِنْ الْيَمِينِ، وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي النِّكَاحِ.
[فَصْل قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ إنْ قُتِلْت فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ]
(8527) فَصْلٌ: إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنْ قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ.
ثُمَّ مَاتَ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَتْلِ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، عَتَقَ، وَإِنْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ بَيِّنَةً بِمَوْتِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةِ، وَهِيَ الْقَتْلُ.
وَالثَّانِي، تَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَشْهَدُ بِضِدِّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى، فَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ، فَعَبْدِي سَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ فِي شَوَّالَ فَعَبْدِي غَانِمٌ حُرٌّ.
ثُمَّ مَاتَ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْتَهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ فِيهِ وَأَنْكَرَهُمَا الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ.
وَإِنْ أَقَرُّوا لِأَحَدِهِمَا، عَتَقَ بِإِقْرَارِهِمْ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، فَإِنَّهَا أَثْبَتَتْ مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ مَوْتُهُ فِي رَمَضَانَ.
وَالثَّانِي، يَتَعَارَضَانِ، وَيَبْقَى الْعَبْدَانِ عَلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُمَا سَقَطَا، فَصَارَا، كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَالثَّالِثُ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَيَعْتِقُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإِنْ قَالَ: إنْ بَرِئْت مِنْ مَرَضِي هَذَا، فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مِتّ مِنْهُ، فَغَانِمٌ حُرٌّ، فَمَاتَ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبَ عِتْقِهِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَرَأَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ فَيُخْرَجُ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا، فَأَشْكَلَ عَلَيْنَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ غَانِمٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُرْءِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَتَعَارَضَانِ، وَيَبْقَى الْعَبْدَانِ عَلَى الرِّقِّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُكَذِّبُ الْأُخْرَى، وَتُثْبِتُ زِيَادَةً تَنْفِيَهَا الْأُخْرَى.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ لِلتَّعَارُضِ أَثَرَهُ فِي إسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا أَصْلًا لَعَتَقَ أَحَدُهُمَا، فَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَتَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقَ أَحَدِهِمَا، فَيَلْزَمُ وُجُودُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا، فَسَالِمٌ حُرٌّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَغَانِمٌ حُرٌّ.
وَلَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا قُدِّمَتْ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، فِي رِوَايَةٍ.
وَالثَّانِي، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِزِيَادَةٍ، وَهِيَ الْبُرْءُ.
وَإِنْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ لِأَحَدِهِمْ، عَتَقَ بِإِقْرَارِهِمْ، وَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْآخَرِ مِمَّا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَدْلَانِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، مَعَ انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، فَيَعْتِقَ وَحْدَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْآخَرِ بَيِّنَةٌ.
[فَصْل إذَا كَانَ مَا شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى]
(8528) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى سَالِمٌ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَادَّعَى عَبْدُهُ الْآخَرُ غَانِمٌ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ مَالِهِ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَتْ بِهِ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَا يَنْفِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى، وَلَا تُكَذِّبُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَيَثْبُتُ إعْتَاقُهُ لَهُمَا، ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، عَتَقَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا.
وَرَقَّ الثَّانِي، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ إذَا