المغني لابن قدامةصفحات 287-326
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،

صفحات 287-326
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(542) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِنِيَّةِ فِعْلِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا، لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، وَالْمَوْتُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، فَلَا يَأْثَمُ بِهِ.

[فَصْلٌ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ]

(543) فَصْلٌ: وَمَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، لَمْ يَجُزْ صَلَاتُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، كُلَّ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضَهَا.
وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا أَعَادَا الْفَجْرَ، لِأَنَّهُمَا صَلَّيَاهَا قَبْلَ الْوَقْتِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، يُجْزِئُهُ.
وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ.
وَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِنَا.
وَعَنْهُ فِيمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ قَبْلَ عِلْمِهِ، أَوْ ذَكَرَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا أَنَّ الْخِطَابَ بِالصَّلَاةِ يَتَوَجَّهُ إلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَمَا وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ وَيُبْرِئُ الذِّمَّةَ مِنْهُ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ.

[مَسْأَلَة حُكْم الصَّلَاة إذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ]

(544) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، صَلَّوْا الظُّهْرَ فَالْعَصْرَ، وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ) وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَامَّةُ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ، إلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ قَالَ: لَا تَجِبُ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا وَحْدَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْأُولَى خَرَجَ فِي حَالِ عُذْرِهَا، فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ قَدْرَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَجَبَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْخَمْسِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ الْأُولَى فِي حَالِ الْعُذْرِ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِهِ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَ دُونَ ذَلِكَ.
وَلَنَا مَا رَوَى الْأَثْرَمُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمَا، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ: تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا.
وَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ.

[فَصْل الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ فِي الصَّلَاة]

(545) فَصْلٌ: وَالْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْرُ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ تَعَلَّقَ بِهِ إدْرَاكُ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: خَمْسُ رَكَعَاتٍ.
وَلَنَا أَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ بِهِ الثَّانِيَةُ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْأُولَى، كَالرَّكْعَةِ وَالْخَمْسِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، كَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الرَّكْعَةُ بِكَمَالِهَا؛ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا فِيهَا فَاعْتُبِرَ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ كَيْ لَا يَفُوتَهُ شَرْطُهَا فِي مُعْظَمِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[فَصْلٌ أَدْرَكَ الْمُكَلَّفُ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ قَدْرًا تَجِبُ بِهِ ثُمَّ جُنَّ]

(546) فَصْلٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الْمُكَلَّفُ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ قَدْرًا تَجِبُ بِهِ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ، أَوْ نَفِسَتْ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ وَقْتِهَا، لَمْ تَجِبْ الثَّانِيَةُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ.
وَالْأُخْرَى: يَجِبُ وَيَلْزَمُ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهَا إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ الْأُخْرَى، كَالْأُولَى.
وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا، وَلَا وَقْتِ تَبَعِهَا، فَلَمْ تَجِبْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى شَيْئًا، وَفَارَقَ مُدْرِكَ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتَ تَبَعِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْأُولَى تُفْعَلُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً يَجِبُ تَقْدِيمُهَا، وَالْبِدَايَةُ بِهَا، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْجَمْعَ إلَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ وَقْتُ الْأُولَى عِنْدَهُ وَقْتًا لِلثَّانِيَةِ بِحَالٍ، فَلَا يَكُونُ مُدْرِكًا لَشَيْءٍ مِنْ وَقْتِهَا، وَوَقْتُ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لَهُمَا جَمِيعًا، لِجَوَازِ فِعْلِ الْأُولَى فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الثَّانِيَةِ رُخْصَةً تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وَتَرْكِ التَّفْرِيقِ، وَمَتَى أَخَّرَ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ كَانَتْ مَفْعُولَةً لَا وَاجِبَةً، لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا، وَلَا يَجِبُ نِيَّةُ جَمْعِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْكُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا تَجِبَ صَلَاةٌ إلَّا بِإِدْرَاكِ وَقْتِهَا.

[فَصْل الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا كَافِرٍ وَلَا حَائِضٍ]

(547) فَصْلٌ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ، وَلَا كَافِرٍ، وَلَا حَائِضٍ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْقَضَاءِ بِهَذِهِ الْحَالِ مَعْنًى، وَهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ.
فَأَمَّا الْحَائِضُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهَا فِي بَابِهَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَأَسْلَمَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَعْدَهُ، فَلَمْ يُؤْمَرْ

أَحَدٌ مِنْهُمْ بِقَضَاءٍ، وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَنْفِيرًا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَعُفِيَ عَنْهُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي خِطَابِهِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، مَعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ، فَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلَا فِي حَالِ إسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
وَلَوْ كَانَ قَدْ حَجَّ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ حَبِطَ بِكُفْرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] . فَصَارَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، وَإِسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا يَحْبَطُ بِالْإِشْرَاكِ مَعَ الْمَوْتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217] . فَشَرَطَ الْأَمْرَيْنِ لِحُبُوطِ الْعَمَلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ وَقَدَرَ عَلَى التَّسَبُّبِ إلَى أَدَائِهَا، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَالْمُحْدِثِ.
وَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ لَمْ يَلْزَمْهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً ثَالِثَةً، أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا تَرَكَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهَا لِكُفْرِهِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي إسْلَامِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَمُخَاطَبًا بِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَبَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ.
قَالَ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ إنْ كَانَ قَدْ حَجَّ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ مِنْهُ بِفِعْلِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّاهَا فِي إسْلَامِهِ؛ وَلِأَنَّ الرِّدَّةِ لَوْ أَسْقَطَتْ حَجَّهُ وَأَبْطَلَتْهُ، لَأَبْطَلَتْ سَائِرَ عِبَادَاتِهِ الْمَفْعُولَةِ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
(548) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَعَنْهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَعَلَى قَوْلِنَا إنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، مَتَى صَلَّى فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ بَلَغَ فِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، وَفِي أَثْنَائِهَا، فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا، كَالْبَالِغِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، وَقَبْلَ سَبَبِ وُجُوبِهَا، فَلَمْ تَجْزِهِ عَمَّا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ،

وَلِأَنَّهُ صَلَّى نَافِلَةً، فَلَمْ تَجْزِهِ عَنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ نَوَى نَفْلًا، وَلِأَنَّهُ بَلَغَ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ فِعْلِهَا، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا كَالْحَجِّ، وَوَظِيفَةُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ ظُهْرًا وَاجِبَةٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا.

[فَصْلٌ الْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ]

(549) فَصْلٌ: وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي حَالِ جُنُونِهِ، إلَّا أَنْ يُفِيقَ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَيَصِيرَ كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ غَالِبًا، فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ يَشُقُّ، فَعُفِيَ عَنْهُ.

[مَسْأَلَة الْمُغْمَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّائِمِ]

(550) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي حَالِ إغْمَائِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّائِمِ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى النَّائِمِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُفِيقَ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ «سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ إلَّا أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا، فَيُصَلِّيَهَا» . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا، وَإِنْ زَادَتْ سَقَطَ فَرْضُ الْقَضَاءِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي التَّكْرَارِ، فَأَسْقَطَ الْقَضَاءَ، كَالْجُنُونِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ، أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لَا يُصَلِّي، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ فَقِيلَ: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ.
فَقَالَ: أَعْطُونِي وَضُوءًا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَرَوَى أَبُو مِجْلَزٍ، أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، قَالَ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ - يَتْرُكُ الصَّلَاةَ، أَوْ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ - يُصَلِّي مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَاةً مِثْلَهَا قَالَ: قَالَ عِمْرَانُ: زَعْمٌ، وَلَكِنْ لِيُصَلِّهِنَّ جَمِيعًا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُمْ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصِّيَامِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ النَّوْمَ.
فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَبَاطِلٌ يَرْوِيهِ الْحَاكِمُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَدْ نَهَى أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَنْ حَدِيثِهِ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَرَكُوهُ.
وَفِي إسْنَادِهِ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَقَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ صِيَامٌ، وَلَا شَيْءٌ

مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَالْإِغْمَاءُ بِخِلَافِهِ، وَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْخَمْسِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا، كَالنَّوْمِ.

[فَصْلٌ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ بِهِ]

(551) فَصْلٌ: وَمَنْ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ بِهِ نَظَرْتَ؛ فَإِنْ كَانَ زَوَالًا لَا يَدُومُ كَثِيرًا، فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ يَتَطَاوَلُ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ.
وَأَمَّا السُّكْرُ، وَمَنْ شَرِبَ مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَلِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالنَّوْمِ الْمُبَاحِ، فَبِالسُّكْرِ الْمُحَرَّمِ أَوْلَى.

[فَصْلٌ مَا فِيهِ السُّمُومُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ]

(552) فَصْلٌ: وَمَا فِيهِ السُّمُومُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ؛ إنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ شُرْبِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ الْهَلَاكَ بِهِ، أَوْ الْجُنُونَ، لَمْ يُبَحْ شُرْبُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ وَيُرْتَجَى مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ، فَالْأَوْلَى إبَاحَةُ شُرْبِهِ، لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُبَاحَ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، فَلَمْ يُبَحْ، كَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّدَاوِيَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ يُخَافُ مِنْهُ، وَقَدْ أُبِيحَ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ، فَإِذَا قُلْنَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ، فَهُوَ كَالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ قُلْنَا يُبَاحُ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَاحَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَاب الْأَذَان]

ِ الْأَذَانُ إعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3] أَيْ: إعْلَامٌ، وَ: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: 109] أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ، فَاسْتَوَيْنَا فِي الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ أَيْ: أَعْلَمَتْنَا.
وَالْأَذَانُ الشَّرْعِيُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَعْلُومُ الْمَشْرُوعُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِلْإِعْلَامِ بِوَقْتِهَا.
وَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «إذَا كُنْتَ فِي غَنَمِك، أَوْ بَادِيَتِك، فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ أُرَاهُ قَالَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَغْبِطُهُمْ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، رَجُلٌ نَادَى بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

[فَصْلٌ هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ]

(553) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ، أَوْ لَا؟ فَرُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ، وَلَمْ يَتَوَلَّوْا الْأَذَانَ، وَلَا يَخْتَارُونَ إلَّا الْأَفْضَلَ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ يُخْتَارُ لَهَا مَنْ هُوَ أَكْمَلُ حَالًا وَأَفْضَلُ، وَاعْتِبَارُ فَضِيلَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْزِلَتِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْأَذَانُ أَفْضَلُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فِي فَضِيلَتِهِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالْأَمَانَةُ أَعْلَى مِنْ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنْ الْإِرْشَادِ، وَلَمْ يَتَوَلَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا خُلَفَاؤُهُ؛ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْتُ ". وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(554) فَصْلٌ: وَالْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ، مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِجَمْعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ.
قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ آخِرَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.

[مَسْأَلَة صِفَة الْأَذَان]

(555) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَيَذْهَبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهَ، إلَى أَذَانِ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ اخْتِيَارَ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مِنْ الْأَذَانِ أَذَانُ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ كَمَا وَصَفَ الْخِرَقِيِّ.
وَجَاءَ فِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ خَمْسَ عَشْرَةَ كِلْمَةً، لَا تَرْجِيعَ فِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ

الرَّأْيِ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: الْأَذَانُ الْمَسْنُونُ أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا، إلَّا أَنَّهُ يُسَنُّ التَّرْجِيعُ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، يَخْفِضُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُمَا رَافِعًا بِهِمَا صَوْتَهُ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَانِ حَسْبُ، فَيَكُونُ الْأَذَانُ عِنْدَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَهُ الْأَذَانَ، وَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَك، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَك بِالشَّهَادَةِ.
أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.» ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْأَذَانِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: كَانَ الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذِّنُ بِهِ أَبُو مَحْذُورَةَ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَائِمًا، سَفَرًا وَحَضَرًا، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَذَانِهِ بَعْدَ أَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ: إلَى أَيِّ الْأَذَانِ يَذْهَبُ؟ قَالَ: إلَى أَذَانِ بِلَالٍ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ وَصَفَهُ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ؛ فَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؟ وَهَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، فَإِنْ رَجَّعَ فَلَا بَأْسَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ فَإِنَّ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا، لِيَحْصُلَ لَهُ الْإِخْلَاصُ بِهِمَا، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ فِي الْإِسْرَارِ بِهِمَا أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِمَا إعْلَانًا لِلْإِعْلَامِ، وَخَصَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِمَا حِينَئِذٍ، فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ «أَنَّهُ كَانَ مُسْتَهْزِئًا يَحْكِي أَذَانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهُ، فَدَعَاهُ، فَأَمَرَهُ بِالْأَذَانِ، قَالَ: وَلَا شَيْءَ عِنْدِي أَبْغَضُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِمَّا يَأْمُرُنِي بِهِ» . فَقَصَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُطْقَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيُسْلِمَ بِذَلِكَ وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي غَيْرِهِ، وَدَلِيلُ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا، وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ كَانَ مُسْلِمًا ثَابِتَ الْإِسْلَامِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة صِفَة الْإِقَامَة]

(556) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَالْإِقَامَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ، وَيَزِيدُ الْإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ

بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ الَّذِي عَلَّمَهُ الْأَذَانَ أَمْهَلَ هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرَوَى ابْنُ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِقَامَةُ عَشْرُ كَلِمَاتٍ، تَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ.» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ وَصَفَ الْإِقَامَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا.
فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الصَّحِيحُ مِثْلُ مَا رَوَيْنَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ: " ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، وَجَعَلَهَا وِتْرًا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ". وَهَذِهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَتَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَشْرُوحَةِ.
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ، فَإِنْ ثَبَتَ كَانَ الْأَخْذُ بِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ فِي الْأَذَانِ، وَكَذَا فِي الْإِقَامَةِ، وَخَبَرُ أَبِي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي التَّرْجِيعِ فِي الْإِقَامَةِ، وَلِذَلِكَ عَمِلْنَا نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِخَبَرِهِ فِي الْأَذَانِ، وَأَخَذَ بِأَذَانِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَهُمَا يَرَيَانِ إفْرَادَ الْإِقَامَةِ.

[مَسْأَلَة آدَابِ الْأَذَانِ وَمُسْتَحَبَّاته]

(557) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرُ الْإِقَامَةَ) التَّرَسُّلُ التَّمَهُّلُ وَالتَّأَنِّي.
مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ.
وَالْحَدْرُ: ضِدُّ ذَلِكَ، وَهُوَ الْإِسْرَاعُ، وَقَطْعُ التَّطْوِيلِ وَهَذَا مِنْ آدَابِ الْأَذَانِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْذِمْ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَأَصْلُ الْحَذْمِ فِي الْمَشْيِ إنَّمَا هُوَ الْإِسْرَاعُ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ هَذَا كَأَنَّهُ يَهْوِي بِيَدَيْهِ إلَى خَلْفِهِ.
وَلِأَنَّ هَذَا مَعْنًى يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَاسْتُحِبَّ، كَالْإِفْرَادِ، وَلِأَنَّ، الْأَذَانَ إعْلَامُ الْغَائِبِينَ، وَالتَّثْبِيتُ فِيهِ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَالْإِقَامَةَ إعْلَامُ الْحَاضِرِينَ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّثَبُّتِ فِيهَا.

(558) فَصْلٌ: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أَنَّهُ حَالَ تَرَسُّلِهِ وَدَرَجِهِ، لَا يَصِلُ الْكَلَامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُعْرَبًا، بَلْ جَزْمًا.
وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا؛ الْأَذَانُ، وَالْإِقَامَةُ، قَالَ: وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى جَمَاعَتِهِمْ.

[مَسْأَلَة التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]

(559) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ.
مَرَّتَيْنِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ.
مَرَّتَيْنِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ.
وَيُسَمَّى التَّثْوِيبَ.
وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْفَجْرِ، أَنْ يَقُولَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، مَرَّتَيْنِ.
حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ.
مَرَّتَيْنِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى النَّسَائِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، قَالَ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي سُنَّةَ الْأَذَانِ، فَذَكَرَهُ، إلَى أَنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ: فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، قُلْت: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَمَا ذَكَرُوهُ، فَقَالَ إِسْحَاقُ: هَذَا شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَهُوَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمَّا سَمِعَهُ.

[فَصْلٌ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ]

(560) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ، سَوَاءٌ ثَوَّبَ فِي الْأَذَانِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ بِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ، وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ، فَخَرَجَ، فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَخْرَجَتْنِي الْبِدْعَةُ.
وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَقْتٌ يَنَامُ فِيهِ عَامَّةُ النَّاسِ، وَيَقُومُونَ إلَى الصَّلَاةِ عَنْ نَوْمٍ، فَاخْتُصَّتْ بِالتَّثْوِيبِ، لِاخْتِصَاصِهَا بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ.

[فَصْل الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ]

(561) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا لِعُذْرٍ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ، أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ.
قَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: كُنَّا قُعُودًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ يَمْشِي، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ،

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
فَأَمَّا الْخُرُوجُ لِعُذْرٍ فَمُبَاحٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ خَرَجَ مِنْ أَجْلِ التَّثْوِيبِ فِي غَيْرِ حِينِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ نَوَى الرَّجْعَةَ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

[مَسْأَلَة الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ]

(562) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَذَّنَ لِغَيْرِ الْفَجْرِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَعَادَ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ) . (563) فَصْلٌ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي أَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُ.
وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصَّلَوَاتِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، إلَّا الْفَجْرَ.
وَلِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، فَلَا يُشْرَعُ قَبْلَ الْوَقْتِ، لِئَلَّا يُذْهِبَ مَقْصُودَهُ.

[فَصْلٌ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ وَقْتِهَا]

(564) فَصْلٌ: الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ يُشْرَعُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ وَقْتِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَمَنَعَهُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» وَعَنْ بِلَالٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَك الْفَجْرُ هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ عَرْضًا» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إذَا كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ يَحْصُلُ إعْلَامُ الْوَقْتِ بِأَحَدِهِمَا، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ، فَثَبَتَ جَوَازُهُ وَرَوَى زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ، قَالَ «لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَذَّنْتُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، وَيَقُولُ: لَا.
حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ، فَبَرَزَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيَّ وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ، فَتَوَضَّأَ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ قَالَ: فَأَقَمْتُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا قَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، فَإِنَّ زِيَادًا أَذَّنَ وَحْدَهُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، قَالَ أَبُو دَاوُد: لَمْ يَرْوِهِ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،

والدراوردي، فَخَالَفَاهُ، وَقَالَا: مُؤَذِّنٌ لِعُمَرَ.
وَهَذَا أَصَحُّ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: أَخْطَأَ فِيهِ، يَعْنِي حَمَّادًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَحَدِيثُهُمْ الْآخَرُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَقُومُ بِهِ وَلَا بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ؛ لِضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ.
وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْفَجْرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ، لِيَنْتَبِهَ النَّاسُ، وَيَتَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي حَدِيثٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ؛ لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ، وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْوَقْتِ كَثِيرًا، إذَا كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ بِلَالًا كَانَ بَيْنَ أَذَانِهِ وَأَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا» . وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ لَا يُؤَذِّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ يُؤَذِّنُ إذَا أَصْبَحَ.
كَفِعْلِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ الْمَقْصُودِ بِالْأَذَانِ، فَإِذَا كَانَا مُؤَذِّنَيْنِ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ بِالثَّانِي، وَبِقُرْبِهِ بِالْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ.

[فَصْلٌ لَا يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ تَارَةً وَقَبْلَهُ أُخْرَى]

فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَنْ يَجْعَلَ أَذَانَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ، فَيَعْرِفُوا الْوَقْتَ بِأَذَانِهِ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ تَارَةً وَقَبْلَهُ أُخْرَى، فَيَلْتَبِسَ عَلَى النَّاسِ وَيَغْتَرُّوا بِأَذَانِهِ، فَرُبَّمَا صَلَّى بَعْضُ مَنْ سَمِعَهُ الصُّبْحَ بِنَاءً عَلَى أَذَانِهِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَرُبَّمَا، امْتَنَعَ الْمُتَسَحِّرُ مِنْ سَحُورِهِ، وَالْمُتَنَفِّلُ مِنْ صَلَاتِهِ، بِنَاءً عَلَى أَذَانِهِ وَمَنْ عَلِمَ لَا يَسْتَفِيدُ بِأَذَانِهِ فَائِدَةً؛ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ.
وَلَا يُقَدِّمُ الْأَذَانَ كَثِيرًا تَارَةً وَيُؤَخِّرُهُ أُخْرَى، فَلَا يُعْلَمُ الْوَقْتُ بِأَذَانِهِ، فَتَقِلُّ فَائِدَتُهُ.

[فَصْلٌ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نَصِفْ اللَّيْلِ]

(566) فَصْلٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَيَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ؛ وَوَقْتُ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ، فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ، وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا.

[فَصْلٌ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَان]

(567) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِهِ فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ فِي حَقِّ مَنْ عَرَفَ عَادَتَهُ بِالْأَذَانِ فِي اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ» .

[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ]

(568) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ، فَيَأْخُذُوا أُهْبَتَهُمْ لِلصَّلَاةِ.
وَرَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ لَا يُؤَخِّرُ الْأَذَانَ عَنْ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا أَخَّرَ الْإِقَامَةَ شَيْئًا.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ، لَا يُؤَخِّرُ، ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ حِينَ يَرَاهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، بِقَدْرِ الْوُضُوءِ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، يَتَهَيَّئُونَ فِيهَا، وَفِي الْمَغْرِبِ يَفْصِلَ بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي الْمَغْرِبِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ " بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك نَفَسًا، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِي مَهَلٍ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فِي مَهَلٍ» . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ: اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَرَوَى تَمَّامٌ فِي " فَوَائِدِهِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: رَأَيْت أَحْمَدَ خَرَجَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، فَحِينَ انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ الصَّفِّ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ، فَجَلَسَ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ وَبِلَالٌ فِي الْإِقَامَةِ، فَقَعَدَ» وَقَالَ أَحْمَدُ: يَقْعُدُ الرَّجُلُ مِقْدَارَ رَكْعَتَيْنِ إذَا أُذِّنَ الْمَغْرِبُ.
قِيلَ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ مُشَرَّعٌ لِلْإِعْلَامِ، فَيُسَنُّ الِانْتِظَارُ لِيُدْرِكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَيَتَهَيَّئُوا لَهَا، دَلِيلُهُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ.

[مَسْأَلَة لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَة]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَا يَسْتَحِبُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُؤَذِّنَ إلَّا طَاهِرًا، فَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا أَعَادَ) الْمُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَةِ جَمِيعًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا، عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ

أَصَحُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ.
فَإِنْ أَذَّنَ مُحْدِثًا جَازَ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالطَّهَارَةُ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ لَهُ.
وَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَالْأُخْرَى، يُعْتَدُّ بِهِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ يُمْنَعُ صِحَّتُهُ كَالْآخَرِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَقٌّ وَسُنَّةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ» ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الْقُرْآنَ وَالْخُطْبَةَ.

[فَصْلٌ مِمَّنْ يَصِحُّ الْأَذَانُ]

(570) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ، فَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ.
وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ، فَأَشْبَهَتْ الْمَجْنُونَ، وَلَا الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْبُلُوغُ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي الصَّبِيِّ، وَوَجْهَيْنِ فِي الْفَاسِقِ: إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ صَبِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِقَوْلِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» . وَالثَّانِيَةُ: يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ وَأَنَا غُلَامٌ، وَلَمْ أَحْتَلِمْ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ شَاهِدٌ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ.
وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَاعْتُدَّ بِأَذَانِهِ، كَالْعَدْلِ الْبَالِغِ.
وَلَا خِلَافَ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَذَانِ مَنْ هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ هُوَ ظَاهِرُ الْفِسْقِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَدْلًا أَمِينًا بَالِغًا لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ، فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَاتِ.
وَفِي الْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْهُ، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُلَحَّنِ.
وَالْآخَرُ، لَا يَصِحُّ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤَذِّنٌ يُطْرِبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُك سَهْلًا سَمْحًا، وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ» .

[فَصْلٌ أَذَان الْأَعْمَى]

(571) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ بَصِيرًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ، فَرُبَّمَا غَلِطَ، فَإِنْ أَذَّنَ الْأَعْمَى صَحَّ أَذَانُهُ فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ عَمْرٍو: كَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ " أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ، أَوْ يُؤَذِّنَ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ بَصِيرٍ، كَمَا كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِ بِلَالٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ؛ لِيَتَحَرَّاهَا، فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَرُبَّمَا غَلِطَ وَأَخْطَأَ.
فَإِنْ أَذَّنَ الْجَاهِلُ صَحَّ أَذَانُهُ، فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ أَذَانُ الْأَعْمَى فَالْجَاهِلُ أَوْلَى.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا، يُسْمِعُ النَّاسَ «وَاخْتَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مَحْذُورَةَ لِلْأَذَانِ» لِكَوْنِهِ صَيِّتًا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ.

[فَصْلٌ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ]

(572) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِفَاعِلِهِ، لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ، فَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ عَلَيْهِ كَالْإِمَامَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ.
وَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ، يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُدْفَعْ الرِّزْقُ فِيهِ يُعَطَّلُ، وَيَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يَرْزُقْ غَيْرَهُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

[فَصْل يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الْأَذَانَ]

(573) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الْأَذَانَ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا فَرْقَ

بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّهُ رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ.
قَالَ: أَقِمْ أَنْتَ» . وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلَّاهُمَا مَعًا وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ «إنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» . وَلِأَنَّهُمَا فِعْلَانِ مِنْ الذِّكْرِ، يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ، فَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، كَالْخُطْبَتَيْنِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَهَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنْ سُبِقَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَعَادَ الْأَذَانَ كَمَا صَنَعَ أَبُو مَحْذُورَةَ، كَمَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا أَذَّنَ قَبْلَ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ: فَجَاءَ أَبُو مَحْذُورَةَ فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ.
أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ.
فَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ.

[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ]

(574) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ إلَّا حَدِيثَ بِلَالٍ: " لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ " يَعْنِي لَوْ كَانَ يُقِيمُ فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ، لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِالتَّأْمِينِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ شُرِعَتْ لِلْإِعْلَامِ، فَشُرِعَتْ فِي مَوْضِعِهِ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْإِعْلَامِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا إذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ.
إلَّا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي الْمَنَارَةِ أَوْ مَكَان بَعِيدٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَيُقِيمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ.

[فَصْلٌ الْمُؤَذِّنُ أُمْلَكُ بِالْأَذَانِ وَالْإِمَامُ أُمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ]

(575) فَصْلٌ: وَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ، فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُقِيمُ أُقِيمُ؟ . وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ.

[مَسْأَلَة حُكْم تَرْكُ الْأَذَانِ]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ صَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، كَرِهْنَا لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُعِيدُ) يُكْرَهُ تَرْكُ الْأَذَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ صَلَوَاتُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَرَجُلٌ نُوَدِّعُهُ، فَقَالَ: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَرْكَهُ مَكْرُوهًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ.
وَهَذَا قَوْلُ

أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ فَرْضٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ مَالِكًا وَصَاحِبَهُ، وَدَاوَمَ عَلَيْهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَى فِعْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَ فَرْضًا كَالْجِهَادِ فَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ إذَا قَامَ بِهِ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكْتَفِي بِهِ.
وَإِنْ صَلَّى مُصَلٍّ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، أَنَّهُمَا قَالَا: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَصَلَّى بِنَا، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَطَاءً، قَالَ: وَمَنْ نَسِيَ الْإِقَامَةَ يُعِيدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَ مَرَّةً: يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ مَضَى الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا شُذُوذٌ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ، فَلَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، كَالْآخَرِ.

[فَصْلٌ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ]

(577) فَصْلٌ: وَمَنْ أَوْجَبَ الْأَذَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ.
كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ غَيْرِ الْمِصْرِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يَجِبُ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا لِلصَّلَاةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ، وَيُدْرِكُوا الْجَمَاعَةَ، وَيَكْفِي فِي الْمِصْرِ أَذَانٌ وَاحِدٌ، إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَكْفِي أَذَانٌ وَاحِدٌ فِي الْمَحَلَّةِ، وَيَجْتَزِئُ بَقِيَّتُهُمْ بِالْإِقَامَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ: يُجْزِئُهُ أَذَانُ الْمِصْرِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَسْوَدِ، وَأَبِي مِجْلَزٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ: تَكْفِيهِ الْإِقَامَةُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: إنْ شَاءَ أَقَامَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: «إذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ فَأَحْسِنْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَذَانِ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ: " فَأَقِمْ، ثُمَّ كَبِّرْ " وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي قَضَاءً أَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَذَانِ، لَمْ يَجْهَرْ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ، فِي بَادِيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْجَهْرُ بِالْأَذَانِ؛ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: «إذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُغِيرُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ إذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفِطْرَةِ.
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجْتَ مِنْ النَّارِ، فَنَظَرُوا فَإِذَا صَاحِبُ مَعَزٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

[فَصْلٌ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى ثُمَّ يُقِيمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً]

فَصْلٌ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى، ثُمَّ يُقِيمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَا بَأْسَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ؛ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ يَقْضِي صَلَاةً، كَيْفَ يَصْنَعُ فِي الْأَذَانِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ هُشَيْمٌ، جَعَلَهَا إقَامَةً إقَامَةً.
قُلْت فَكَأَنَّك تَخْتَارُ حَدِيثَ هُشَيْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ زِيَادَةٌ، أَيُّ شَيْءٍ يَضُرُّهُ؟ وَهَذَا فِي الْجَمَاعَةِ.
فَإِنْ كَانَ يَقْضِي وَحْدَهُ كَانَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ أَدْنَى فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعْلَامِ هَاهُنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَقَضَاهَا: لِيُؤَذِّنْ، وَيُقِمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، يُصَلِّيهَا كُلَّهَا.
فَسَهَّلَ فِي ذَلِكَ، وَرَآهُ حَسَنًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ؛ وَلَهُ قَوْلَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يُقِيمُ وَلَا يُؤَذِّنُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ؛ «حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ الصَّلَاةِ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا، فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، فَصَلَّاهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ الْعَصْرَ، فَصَلَّاهَا» . وَلِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، وَقَدْ فَاتَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنْ رُجِيَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ أَذَّنَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ، فَلَا يُشْرَعُ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤَذِّنُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَيُقِيمُ؛ لِأَنَّ مَا سُنَّ لِلصَّلَاةِ فِي أَدَائِهَا سُنَّ فِي قَضَائِهَا، كَسَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ.
وَلَنَا، حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَيْضًا.
قَالَ: «فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْ الْفَوَائِتِ صَلَاةٌ وَقَدْ أُذِّنَ لِمَا قَبْلَهَا، فَأَشْبَهَتْ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقَضٌ بِهَذَا.

[فَصْلٌ حُكْم الْأَذَان عِنْد الْجَمْع بَيْنَ صَلَاتَيْنِ]

(579) فَصْلٌ: فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى وَيُقِيمَ، ثُمَّ يُقِيمَ لِلثَّانِيَةِ.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَهُمَا كَالْفَائِتَتَيْنِ، لَا يَتَأَكَّدُ الْأَذَانُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ قَبْلَهَا.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا بَأْسَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَجْمُوعَتَيْنِ: لَا يُقِيمُ لِلثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ «ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ.
صَحِيحٌ» . وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَيُقِيمُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا صَلَاةٌ يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ، وَهِيَ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا، فَيُؤَذِّنُ لَهَا كَالْأُولَى.
وَلَنَا عَلَى الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، مَا رَوَى جَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا، فَيُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ كَمَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ، فَلَا بَأْسَ؛ لِحَدِيثٍ آخَرَ، وَلِأَنَّ الْأُولَى مَفْعُولَةٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْفَائِتَةَ، وَالثَّانِيَةَ مِنْهُمَا مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ، فَلَا يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ، كَالثَّانِيَةِ مِنْ الْفَوَائِتِ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ يُخَالِفُ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ، وَقَدْ رَوَاهُ فِي " مُوَطَّئِهِ " وَذَهَبَ إلَى مَا سِوَاهُ.

[فَصْلٌ الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ]

(580) فَصْلٌ: وَيُشْرَعُ الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ لِلرَّاعِي وَأَشْبَاهِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً، إلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّمَا الْأَذَانُ عَلَى الْأَمِيرِ، وَالْإِقَامَةُ عَلَى الَّذِي يَجْمَعُ النَّاسَ، وَعَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُقِيمُ فِي أَرْضٍ تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: تُجْزِئُهُ الْإِقَامَةُ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ فِي الْمُسَافِرِينَ: إذَا كَانُوا رِفَاقًا أَذَّنُوا وَأَقَامُوا، وَإِذَا كَانَ وَحْدَهُ أَقَامَ لِلصَّلَاةِ وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَعِمْرَانَ، وَزِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَمَرَ بِهِ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبَهُ، وَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ فِي هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْوَاحِدَ وَحْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي كَلَامِهِ، وَالْأَذَانُ مَعَ ذَلِكَ أَفْضَلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْجَبَلِ، يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضٍ فِي (1) فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكَانِ، فَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يُرَى قُطْرَاهُ (2) يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ، وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ.

[فَصْلٌ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ]

(581) فَصْلٌ: وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّوْا فِيهِ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي جَمَاعَةٍ.
وَإِنْ شَاءَ صَلَّى مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ؛ فَإِنَّ عُرْوَةَ قَالَ: إذَا انْتَهَيْت إلَى مَسْجِدٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ نَاسٌ أَذَّنُوا وَأَقَامُوا، فَإِنَّ أَذَانَهُمْ وَإِقَامَتَهُمْ تُجْزِئُ عَمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ، قَالَ: كَانَ أَحَبُّ إلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمَ.
وَإِذَا أَذَّنَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْفِيَ ذَلِكَ وَلَا يَجْهَرَ بِهِ؛ لِيَغُرَّ النَّاسَ بِالْأَذَانِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ.

[فَصْلٌ لَيس عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ]

(582) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَهَلْ يُسَنُّ لَهُنَّ ذَلِكَ؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: إنْ فَعَلْنَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْنَ فَجَائِزٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِقَامَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّهَا تُقِيمُ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ أَذَّنَّ وَأَقَمْنَ فَلَا بَأْسَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لَهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ، وَتَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا» . وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ» . وَلِأَنَّ الْأَذَانَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا ذَلِكَ، وَالْأَذَانُ يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ، وَمَنْ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الْأَذَانُ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الْإِقَامَةُ، كَغَيْرِ الْمُصَلِّي، وَكَمَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ.

[مَسْأَلَة يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَان]

(583) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَجْعَلُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُؤَذِّنُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ، «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ سَعْدٍ، مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» . وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ.
وَضَمَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ وَوَضَعَهَا عَلَى أُذُنَيْهِ، وَحَكَى أَبُو حَفْصٍ، عَنْ ابْنِ بَطَّةَ، قَالَ: سَأَلْت أَبَا الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ عَنْ صِفَةِ ذَلِكَ؟ فَأَرَانِيهِ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَضَمَّ أَصَابِعَهُ عَلَى رَاحَتَيْهِ، وَوَضَعَهُمَا عَلَى أُذُنَيْهِ.
وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ الْقَاضِي بِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا بَعَثَ مُؤَذِّنًا يَقُولُ لَهُ: اُضْمُمْ أَصَابِعَك مَعَ كَفَّيْك، وَاجْعَلْهَا مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْك.
وَبِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَشُهْرَتِهِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلَّ فَلَا بَأْسَ.

[فَصْلٌ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ]

(584) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إعْلَامِهِ، وَأَعْظَمَ لِثَوَابِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ زِيَادَةً عَلَى طَاقَتِهِ؛ لِئَلَّا يَضُرَّ بِنَفْسِهِ، وَيَنْقَطِعَ صَوْتُهُ: فَإِنْ أَذَّنَ لِعَامَّةِ النَّاسِ جَهَرَ بِجَمِيعِ الْأَذَانِ، وَلَا يَجْهَرُ بِبَعْضٍ، وَيُخَافِتُ بِبَعْضٍ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ مَقْصُودُ الْأَذَانِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ.
وَإِنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ حَاضِرِينَ، جَازَ أَنْ يُخَافِتَ وَيَجْهَرَ، وَأَنْ يُخَافِتَ بِبَعْضٍ وَيَجْهَرَ بِبَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْأَذَانِ.
فَلَا يَجْهَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ بِأَذَانِهِ.

[فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا]

(585) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ قُمْ فَأَذِّنْ» . وَكَانَ مُؤَذِّنُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا.
وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَاعِدًا قَالَ الْحَسَنُ الْعَبْدِيُّ: رَأَيْت أَبَا زَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ رِجْلُهُ أُصِيبَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُؤَذِّنُ قَاعِدًا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
فَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَيَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِآكَدَ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَتَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْأَذَانِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؟ فَسَهَّلَ

فِيهِ، وَقَالَ: أَمْرُ الْأَذَانِ عِنْدِي سَهْلٌ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ.
وَإِذَا أُبِيحَ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَالْأَذَانُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ]

فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ لِتَأْدِيَةِ صَوْتِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ، فَيَأْتِي بِسَحَرٍ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إلَى الْفَجْرِ فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُك وَأَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ، أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ.
قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ.
وَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الْأَذَانِ، فَقَالَ «رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْت رَجُلًا، كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَقَامَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ» .

[فَصْلٌ الْكَلَامَ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ]

(587) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا يَقْتَدِي بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ.
فَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ جَازَ.
وَإِنْ طَالَ الْكَلَامُ بَطَلَ الْأَذَانُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَذَانِ، فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ أَذَانٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا، أَوْ نَامَ نَوْمًا طَوِيلًا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ أَصَابَهُ جُنُونٌ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، بَطَلَ أَذَانُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ يَسِيرًا مُحَرَّمًا كَالسَّبِّ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا، لَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَ.
وَالثَّانِي؛ يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِيهِ.
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا يُسْتَحَبُّ حَدْرُهَا، وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَتَكَلَّمُ فِي الْإِقَامَةِ؟ فَقَالَ: لَا.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَذَانِ غَيْره]

(588) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَذَانِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ شَخْصَيْنِ، كَالصَّلَاةِ.
وَالرِّدَّةُ تُبْطِلُ الْأَذَانَ إنْ وُجِدَتْ فِي أَثْنَائِهِ، فَإِنْ وُجِدَتْ بَعْدَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ أَنْ تُبْطِلَ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَانْقِضَاءِ حُكْمِهِ، بِحَيْثُ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنْ مُبْطِلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ إذَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِهَا، فَالْأَذَانُ أَشْبَهُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ مِنْهُ بِالطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا]

(589) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ يَخْتَلُّ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ أَذَانٌ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ مُرَتَّبًا، وَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا.

[مَسْأَلَة يُدِيرَ الْمُؤَذِّن وَجْهِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ عِنْد الْحَيْعَلَتَيْنِ]

(590) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيُدِيرُ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى يَسَارِهِ إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ.
وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ فَإِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدِيرَ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ، إذَا قَالَ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " وَعَلَى يَسَارِهِ، إذَا قَالَ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ". وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الْتِفَاتِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ، وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَا هُنَا وَأُصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ، فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَسْتَدِيرُ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ فَوْقَ الْمَنَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا، عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ أَذَّنَ فِي الْمَنَارَةِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَدُورُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، فَكُرِهَ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَدُورُ فِي مَجَالِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِدُونِهِ، وَتَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ بِالْإِخْلَالِ بِأَدَبٍ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلَوْ أَخَلَّ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَشَى فِي أَذَانِهِ، لَمْ يَبْطُلْ، فَإِنَّ الْخُطْبَةَ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ، وَلَا تَبْطُلُ بِهَذَا.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وَهُوَ يَمْشِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَمْرُ الْأَذَانِ عِنْدِي سَهْلٌ.
وَسُئِلَ عَنْ الْمُؤَذِّنِ يَمْشِي وَهُوَ يُقِيمُ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَفْرُغَ ثُمَّ يَمْشِي.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: وَفِي الْمُسَافِرِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ.

[مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ]

(591) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ) لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَإِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنُهُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ.
وَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، فَإِذَا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.» " وَرَوَى حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ،

عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.
قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ.
قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ.
قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ - وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
(592) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِقَامَةِ مِثْلَ مَا يَقُولُ، وَيَقُولَ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» . وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ.

[فَصْلٌ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]

(593) فَصْلٌ: رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ.
حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَائِكَ، فَاغْفِرْ لِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، أَيْضًا

[فَصْلٌ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ فِي قِرَاءَة قَطَعَهَا]

فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، وَهُوَ فِي قِرَاءَةٍ، قَطَعَهَا، لِيَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفُوتُ.
وَإِنْ سَمِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ يَقُلْ مِثْلَ قَوْلِهِ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَقَدْ رُوِيَ: " إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا ". وَإِنْ قَالَهُ مَا عَدَا الْحَيْعَلَةَ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَإِنْ قَالَ الدُّعَاءَ إلَى الصَّلَاةِ فِيهَا، بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ.

[فَصْلٌ إذَا أَذَّنَ فَقَالَ كَلِمَةً مِنْ الْأَذَانِ قَالَ مِثْلَهَا سِرًّا]

(595) فَصْلٌ: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَذَّنَ، فَقَالَ كَلِمَةً مِنْ الْأَذَانِ، قَالَ مِثْلَهَا سِرًّا فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ

مُسْتَحَبًّا، لِيَكُونَ مَا يُظْهِرُهُ أَذَانًا وَدُعَاءً إلَى الصَّلَاةِ، وَمَا يُسِرُّهُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ.
(596) فَصْلٌ: قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَقُومُ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ مُبَادِرًا يَرْكَعُ؟ فَقَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رُكُوعُهُ بَعْدَمَا يَفْرُغُ الْمُؤَذِّنُ، أَوْ يَقْرُبُ مِنْ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ بِالْقِيَامِ.
وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ اُسْتُحِبَّ لَهُ انْتِظَارُهُ لِيَفْرُغَ، وَيَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ جَمْعًا بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ كَقَوْلِهِ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ، فَلَا بَأْسَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

[فَصْل الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ]

(597) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ، بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ.
إلَّا أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا فَيَجُوزَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ.
وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ وَكَانَ الْوَاحِدُ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ لِأَنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ بَعْدَ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ الْإِعْلَامُ لَا يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ، أَذَّنُوا عَلَى حَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ أَمَّا أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَنَارَةٍ أَوْ نَاحِيَةٍ، أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: قَالَ أَحْمَدُ إنْ أَذَّنَ عِدَّةٌ فِي مَنَارَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ خَافُوا مِنْ تَأْذِينِ وَاحِدٍ بَعْدَ الْآخَرِ فَوَاتَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً.

[فَصْلٌ لَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ]

(598) فَصْلٌ: وَلَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ، إلَّا أَنْ يَتَخَلَّفَ وَيُخَافُ فَوَاتِ وَقْتِ التَّأْذِينِ فَيُؤَذِّنَ غَيْرُهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، أَنَّهُ أَذَّنَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ غَابَ بِلَالٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ.
وَأَذَّنَ رَجُلٌ حِينَ غَابَ أَبُو مَحْذُورَةَ قَبْلَهُ.
فَأَمَّا مَعَ حُضُورِهِ فَلَا يَسْبِقُ بِالْأَذَانِ، فَإِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ يَسْبِقُهُمْ بِالْأَذَانِ.

[فَصْلٌ إذَا تَشَاحَّ نَفْسَانِ فِي الْأَذَانِ]

(599) فَصْلٌ: وَإِذَا تَشَاحَّ نَفْسَانِ فِي الْأَذَانِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا فِي الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّأْذِينِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَعْلَى صَوْتًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» . وَقَدَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِصَوْتِهِ.
وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، وَأَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ، وَمَنْ يَرْتَضِيهِ الْجِيرَانُ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ عَنْ النَّظَرِ.
فَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لَاسْتَهَمُوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمَّا تَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ.

[فَصْل اللَّحْنُ فِي الْأَذَانِ]

فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ اللَّحْنُ فِي الْأَذَانِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَيَّرَ الْمَعْنَى.
فَإِنَّ مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَنَصَبَ لَامَ " رَسُولُ "، أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا.
وَلَا يَمُدُّ لَفْظَةَ، " أَكْبَرُ " لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِيهَا أَلِفًا، فَيَصِيرُ جَمْعَ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ.
وَلَا تُسْقَطُ الْهَاءُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْمِ الصَّلَاةِ، وَلَا الْحَاءُ مِنْ الْفَلَاحِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ قُلْنَا: وَكَيْفَ يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ أَلْثَغَ لُثْغَةً لَا تَتَفَاحَشُ، جَازَ أَذَانُهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ " أَسْهَدُ " يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا.
وَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَكْمَلَ وَأَحْسَنَ.

[فَصْلٌ إذَا أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ]

(601) فَصْلٌ: وَإِذَا أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اُحْتِيجَ إلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَلَا يُوجَدُ.
وَإِنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِلْفَجْرِ، فَلَا بَأْسَ بِذَهَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى حُضُورِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَيَدْخُلُ الْمَنْزِلَ، وَيَدَعُ الْمَسْجِدَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إذَا أَذَّنَ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّيَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ الْحَاجَةُ.
(602) فَصْلٌ: وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَا؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ أَذَانُهُ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، فَيَأْتِيهِ السَّامِعُونَ لِلْأَذَانِ، وَالْبَعِيدَ رُبَّمَا سَمِعَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَسْجِدَ، فَيَغْتَرُّ بِهِ وَيَقْصِدُهُ، فَيَضِيعُ عَنْ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقٌ يُسْمِعُ النَّاسَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، فِيمَنْ يُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَطْحٍ: مَعَاذَ اللَّهِ، مَا سَمِعْنَا أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا.
فَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِهِ الْقَرِيبُ، وَلِهَذَا كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَى سَطْحِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ عَالِيًا.
وَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى الْبَعِيدِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلٌ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأَقَامَ]

(603) فَصْلٌ: إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَأَقَامَ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لِسَائِرِ النَّاسِ أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ وَيُقِيمَ، بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ، وَلَكِنْ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِهَذَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]

ِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] . يَعْنِي نَحْوَهُ، كَمَا أَنْشَدُوا أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا رَسُولًا ... وَمَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو أَيْ نَحْوَ عَمْرٍو.
وَتَقُولُ الْعَرَبُ: هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُشَاطِرُونَنَا.
إذَا كَانَتْ بُيُوتُهُمْ تُقَابِلُ بُيُوتَهُمْ.
وَقَالَ عَلِيٌّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: شَطْرَهُ قِبَلَهُ وَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ إنَّهُ وُجِّهَ إلَى الْكَعْبَةِ فَمَرَّ رَجُلٌ، وَكَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وُجِّهَ إلَى الْكَعْبَةِ.
فَانْحَرَفُوا إلَى الْكَعْبَةِ» . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ.

[مَسْأَلَة إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى الْقِبْلَةِ]

(604) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، يُومِئُ إيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ احْتَاجَ إلَى الْمَشْيِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ؛ إمَّا لِهَرَبٍ مُبَاحٍ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إلَّا بِالْهَرَبِ، أَوْ الْمُسَابَقَةِ، أَوْ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَالْحَاجَةِ إلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْمُطَارَدَةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، رَاجِلًا وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ - إنْ أَمْكَنَ -، أَوْ إلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ.
وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْمَأَ بِهِمَا، وَيَنْحَنِي إلَى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ الرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ، سَقَطَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ أَوْ غَيْرِهِمَا، سَقَطَ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَعَلَ ذَلِكَ.
وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] . وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ «ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» . قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِذَا أَمْكَنَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَجِبْ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِ، كَبَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا.
قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ وَالثَّانِيَةُ، يَجِبُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَانَ فِي السَّفَرِ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّهُ

أَمْكَنَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلًا فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهِ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ.
وَتَمَامُ شَرْحِ هَذِهِ الصَّلَاةِ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.

[مَسْأَلَة اسْتِقْبَال الْقِبْلَة فِي صَلَاة الْخَوْفِ]

(605) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَسَوَاءٌ كَانَ مَطْلُوبًا أَوْ طَالِبًا يَخْشَى فَوَاتَ الْعَدُوِّ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ إنْ كَانَ طَالِبًا، فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا صَلَاةَ آمِنٍ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي طَالِبِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَخَافُ فَوَاتَهُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَالْمَطْلُوبِ سَوَاءً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا صَلَاةَ آمِنٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] . فَشَرَطَ الْخَوْفَ، وَهَذَا غَيْرُ خَائِفٍ.
وَلِأَنَّهُ آمِنٌ فَلَزِمَتْهُ صَلَاةُ الْآمِنِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَهُمْ.
وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَأْمَنُ رُجُوعَهُمْ عَلَيْهِ إنْ تَشَاغَلَ بِالصَّلَاةِ، وَيَأْمَنُ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَأَمَّا الْخَائِفُ مِنْ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَطْلُوبِ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ " بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ أَوْ عَرَفَاتٍ، قَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ.
فَرَأَيْتُهُ، وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقُلْت: إنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي، وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْت: رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّك تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُك لِذَلِكَ، قَالَ: إنِّي لَعَلَى ذَلِكَ.
فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، حَتَّى إذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتَّى بَرَدَ» . وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كَانَ قَدْ عَلِمَ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ مُخْطِئًا، وَهُوَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَا يُخْبِرُهُ بِهِ، وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ حُكْمِهِ.
وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ سَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ، عَنْ كِتَابِ الْحَسَنِ: أَنَّ الطَّالِبَ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِالْأَرْضِ.
فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَجَدْنَا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ: لَا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إلَّا عَلَى ظَهْرٍ.
فَنَزَلَ الْأَشْتَرُ فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ، فَمَرَّ بِهِ شُرَحْبِيلُ، فَقَالَ؛ مُخَالِفٌ، خَالَفَ اللَّهُ بِهِ.
قَالَ: فَخَرَجَ الْأَشْتَرُ فِي الْفِتْنَةِ.
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَأْخُذُ بِهَذَا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى حَالَتَيْ الْحَرْبِ، أَشْبَهَتْ حَالَةَ الْهَرَبِ.
وَالْآيَةُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ لِأَنَّ مَدْلُولَهَا إبَاحَةُ الْقَصْرِ.
وَقَدْ أُبِيحَ الْقَصْرُ حَالَةَ الْأَمْنِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ، ثُمَّ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَقَدْ أُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فِتْنَةِ الْكُفَّارِ، لِلْخَوْفِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ، لِوُجُودِ مَعْنَى الْمَنْطُوقِ فِيهَا، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ فَوَاتَ الْكُفَّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، فَأُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ عِنْدَ فَوْتِهِ، كَالْحَالَةِ الْأُخْرَى.

[مَسْأَلَة التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ]

(606) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ)

لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ.
وَأَمَّا السَّفَرُ الْقَصِيرُ وَهُوَ مَا لَا يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ، فَإِنَّهُ تُبَاحُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ عِنْدَ إمَامِنَا، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاحُ إلَّا فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةُ سَفَرٍ، فَاخْتُصَّ بِالطَّوِيلِ كَالْقَصْرِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً، حَيْثُ تَوَجَّهَ بِكَ بَعِيرُكَ.
وَهَذَا مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلِلْبُخَارِيِّ: «إلَّا الْفَرَائِضَ» . وَلِمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد: «غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» . وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ، وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى قَطْعِهَا وَتَقْلِيلِهَا، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ، وَالْقَصْرُ وَالْفِطْرُ يُرَاعَى فِيهِ الْمَشَقَّةُ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ غَالِبًا فِي الطَّوِيلِ.
قَالَ الْقَاضِي: الْأَحْكَامُ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الطَّوِيلُ مِنْ السَّفَرِ وَالْقَصِيرُ ثَلَاثَةٌ: التَّيَمُّمُ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ، وَالتَّطَوُّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَبَقِيَّةُ الرُّخَصِ تَخُصُّ الطَّوِيلَ؛ الْفِطْرُ، وَالْجَمْعُ، وَالْمَسْحُ ثَلَاثًا.

[فَصْلٌ حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ]

(607) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ، فِي أَنَّهُ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ.
قَالَ جَابِرٌ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ، فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْحِمَارِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ.» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
لَكِنْ إنْ صَلَّى عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ طَاهِرَةٌ.

[فَصْلٌ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ]

(608) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ، كَالْمُنْفَرِدِ فِي الْعِمَارِيَّةِ يَدُورُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ

الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي صَلَاتِهِ، وَيَسْجُدُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَأَوْمَأَ بِهِمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ تَعُمُّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرَهُ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ.
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَإِنْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ، كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ لَا تُطِيعُهُ، أَوْ كَانَ فِي قِطَارٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَإِنْ أَمْكَنَهُ افْتِتَاحُهَا إلَى الْقِبْلَةِ، كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطِيعُهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ افْتِتَاحُهَا إلَى الْقِبْلَةِ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وِجْهَةُ رِكَابِهِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَأَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ كُلِّهَا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ، فَسَقَطَ، وَخَبَرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْمَلُ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالنَّدْبِ.
(609) فَصْلٌ: وَقِبْلَةُ هَذَا الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَتْ وِجْهَتُهُ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهَا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ عُدُولُهُ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، جَازَ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُهَا لِلْعُذْرِ، فَإِذَا عَدَلَ إلَيْهَا أَتَى بِالْأَصْلِ، كَمَا لَوْ رَكَعَ فَسَجَدَ فِي مَكَانِ الْإِيمَاءِ.
وَإِنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَغْلُوبًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا جِهَةُ سَفَرِهِ، فَهُوَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَيَرْجِعُ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ.
لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ.
فَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ.
فَإِنْ تَمَادَى بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ عَمْدًا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ التَّطَوُّعَاتِ فِي هَذَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَالْمُعَيَّنَةُ، وَالْوِتْرُ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ» ، «وَكَانَ يُسَبِّحُ عَلَى بَعِيرِهِ إلَّا الْفَرَائِضَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

[فَصْلٌ الْمَاشِي فِي السَّفَرِ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ مَشْيِهِ]

(610) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَاشِي فِي السَّفَرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ مَشْيِهِ؛ لِقَوْلِهِ: " وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا، وَلَا نَافِلَةً، إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ ". وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ:

مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي الْمَاشِي: يُصَلِّي، إلَّا عَطَاءً، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ الْمَاشِي.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَاشِيًا.
نَقَلَهَا مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَنْحَرِفَ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، وَيَقْرَأَ وَهُوَ مَاشٍ، وَيَرْكَعَ ثُمَّ يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، كَالرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ أُبِيحَ فِيهَا تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَالرَّاكِبِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِهِ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ، كَالْوَقْفِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي، وَلِأَنَّهُ إحْدَى حَالَتَيْ سَيْرِ الْمُسَافِرِ، فَأُبِيحَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا كَالْأُخْرَى.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ، وَمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ، يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَيَقْتَضِي بُطْلَانَهَا، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الرَّاكِبِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] . عَامٌّ تُرِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، بِشُرُوطٍ مَوْجُودَةٍ هَاهُنَا، فَيَبْقَى وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.

[فَصْلٌ إذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي بَلَدًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ]

(611) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي بَلَدًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَيْهِ إلَّا صَلَاةَ الْمُقِيمِ.
وَإِنْ دَخَلَهُ مُجْتَازًا بِهِ، غَيْرَ نَاوٍ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، وَلَا نَازِلٍ بِهِ، أَوْ نَازِلًا بِهِ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إقَامَةِ مُدَّةٍ يَلْزَمُهُ بِهَا إتْمَامُ الصَّلَاةِ، اسْتَدَامَ الصَّلَاةَ مَا دَامَ سَائِرًا، فَإِذَا نَزَلَ فِيهِ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، كَقَوْلِنَا فِي الْخَائِفِ إذَا أَمِنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ.
وَلَوْ ابْتَدَأَهَا، وَهُوَ نَازِلٌ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوبَ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ، ثُمَّ رَكِبَ.
وَقِيلَ: يَرْكَبُ فِي الصَّلَاةِ وَيُتِمُّهَا إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، كَالْآمِنِ إذَا خَافَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَالَةَ الْخَوْفِ حَالَةُ ضَرُورَةٍ أُبِيحَ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ، وَهَذِهِ رُخْصَةٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَيْهَا، فَلَا يُبَاحُ فِيهَا غَيْرُ مَا نُقِلَ فِيهَا، وَلَمْ يَرِدْ بِإِبَاحَةِ الرُّكُوبِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى عَمَلٍ وَتَوَجُّهٍ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا جِهَةِ سَيْرِهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ]

(612) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ؛ فَإِنْ كَانَ يُعَايِنُهَا فَبِالصَّوَابِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا فَبِالِاجْتِهَادِ بِالصَّوَابِ إلَى جِهَتِهَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ، كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] عَامٌّ فِيهِمَا جَمِيعًا.
ثُمَّ إنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى عَيْنِهَا.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قَالَ

ابْنُ عَقِيلٍ؛ إنْ خَرَجَ بَعْضُهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: النَّاسُ فِي اسْتِقْبَالِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ، أَوْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ نَاشِئًا بِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدَثٍ كَالْحِيطَانِ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا.
وَهَكَذَا إنْ كَانَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ صِحَّةَ قِبْلَتِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ، وَقَدْ رَوَى أُسَامَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» . الثَّانِي: مَنْ فَرْضُهُ الْخَبَرُ، وَهُوَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ غَائِبًا عَنْ الْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَوَجَدَ مُخْبِرًا يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ أَوْ مُشَاهَدَةٍ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَعَلَى الْحَائِلِ مَنْ يُخْبِرُهُ، أَوْ كَانَ غَرِيبًا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَأَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَحَارِيبِهِمْ وَقِبْلَتِهِمْ الْمَنْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِبَلَ يَنْصِبُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ، فَأَغْنَى عَنْ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْقِبْلَةِ؛ أَمَّا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، صَارَ إلَى خَبَرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، كَمَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ، وَلَا يَجْتَهِدُ.
الثَّالِثُ: مَنْ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ، وَهُوَ مَنْ عَدِمَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَدِلَّةِ.
الرَّابِعُ: مَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ، وَهُوَ الْأَعْمَى وَمَنْ لَا اجْتِهَادَ لَهُ، وَعَدِمَ الْحَالَتَيْنِ، فَفَرْضُهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَيْنِ وَسَائِرِ مَنْ بَعُدَ مِنْ مَكَّةَ طَلَبُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، دُونَ إصَابَةِ الْعَيْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ، فَإِنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ قَلِيلًا لَمْ يُعِدْ، وَلَكِنْ يَتَحَرَّى الْوَسَطَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ كَقَوْلِنَا، وَالْآخَرِ: الْفَرْضُ إصَابَةُ الْعَيْنِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ، فَلَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِهَا، كَالْمُعَايِنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَرْضُ إصَابَةَ الْعَيْنِ، لَمَا صَحَّتْ صَلَاةُ أَهْلِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ، وَلَا صَلَاةُ اثْنَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ مَعَ طُولِ الصَّفِّ إلَّا بِقَدْرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَعَ الْبَعِيدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي.
قُلْنَا: إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ تَقَوُّسِ الصَّفِّ، أَمَّا مَعَ اسْتِوَائِهِ فَلَا.
وَشَطْرَ الْبَيْتِ: نَحْوَهُ وَقِبَلَهُ.

[فَصْلٌ مَحَارِيبُ الْكُفَّارِ]

فَصْلٌ: فَأَمَّا مَحَارِيبُ الْكُفَّارِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ، فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى، إلَّا أَنْ نَعْلَمَ قِبْلَتَهُمْ كَالنَّصَارَى، نَعْلَمُ أَنَّ قِبْلَتَهُمْ الْمَشْرِقُ، فَإِذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ عَلِمَ أَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةٌ الْمَشْرِقَ.

وَإِنْ وَجَدَ مِحْرَابًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، اجْتَهَدَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْلَمُ وُجُودُ ذَلِكَ.
وَلَوْ رَأَى عَلَى الْمِحْرَابِ آثَارَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُصَلِّ إلَيْهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي لَهُ مُشْرِكًا مُسْتَهْزِئًا، يَغُرُّ بِهِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ، وَيَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَسْتَقْبِلَهُ.

[فَصْلٌ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ]

(614) فَصْلٌ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي مَكَان يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُهَا وَمَا يُسَامِتُهَا مِنْ فَوْقِهَا وَتَحْتِهَا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِ جِدَارِهَا.

[فَصْلٌ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ]

(615) فَصْلٌ: وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ شَيْءٍ كَانَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِقْبَالِهَا بِدَلِيلِهِ، فَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهَا كَالْفَقِيهِ، وَلَوْ جَهِلَ الْفَقِيهُ أَدِلَّتَهَا أَوْ كَانَ أَعْمَى، فَهُوَ مُقَلِّدٌ وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا.
وَأَوْثَقُ أَدِلَّتِهَا النُّجُومُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97] . وَآكَدُهَا الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ حَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَى، فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، وَفِي الْآخَرِ الْجَدْيُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ، مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقُ وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَسْفَلُ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ، دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً، فِي اللَّيْلِ نِصْفُهَا وَفِي النَّهَارِ نِصْفُهَا، فَيَكُونُ الْجَدْيُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْفَرْقَدَيْنِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ، وَالْأَزْمِنَةِ، لِمَنْ عَرَفَهَا، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا، وَحَوْلَهَا بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الْفَرْقَدَيْنِ تَدُورُ حَوْلَهَا، وَالْقُطْبُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ سَفُّودُ الرَّحَى بِدَوَرَانِهَا.
وَقِيلَ: إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يَتَبَيَّنُ، وَلَا يُؤَثِّرُ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ النَّظَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَمَرُ طَالِعًا، فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ، فَإِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ فِي الْأَرْضِ الشَّامِيَّةِ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا الْكَعْبَةَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ يَنْحَرِفُ فِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ.
وَإِنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَمَا يُقَارِبُهَا اعْتَدَلَ، وَجَعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَدِلًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ.
وَقِيلَ: أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَةُ حَرَّانَ.
وَإِنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ

جَعَلَ الْقُطْبَ حَذْوَ ظَهْرِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى عَلَى عُلُوِّهَا، فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا بَابَ الْكَعْبَةِ إلَى الْمَقَامِ، وَمَتَى اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ أَوْ الْجَدْيَ، فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَنُزُولِ الْآخَرِ، عَلَى الِاعْتِدَالِ، كَانَ ذَلِكَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ.
وَإِنْ اسْتَدْبَرَهُ، فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ، فَإِذَا اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا، كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الْغَرْبِ قَلِيلًا، وَإِذَا اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الشَّرْقِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتَ نَعْشٍ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ انْحِرَافَهُ أَكْثَرُ فَصْلٌ: وَمَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا، وَهِيَ: السَّرَطَانُ، وَالْبُطَيْنُ، وَالثُّرَيَّا، وَالدَّبَرَانُ، وَالْهَقْعَةُ، وَالْهَنْعَةُ، وَالذِّرَاعُ، وَالنَّثْرَةُ، وَالطَّرْفُ، وَالْجَبْهَةُ، وَالزُّبْرَةُ، وَالصَّرْفَةُ، وَالْعَوَّاءُ، وَالسِّمَاكُ، وَالْغَفْرُ، وَالزُّبَانَى، وَالْإِكْلِيلُ، وَالْقَلْبُ، وَالشَّوْلَةُ، وَالنَّعَائِمُ، وَالْبَلْدَةُ، وَسَعْدٌ الذَّابِحُ، وَسَعْدُ بُلَعَ، وَسَعْدُ السُّعُودِ، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ، وَالْفَرْعُ الْمُقَدَّمُ؛ وَالْفَرْعُ الْمُؤَخَّرُ، وَبَطْنُ الْحُوتِ.
مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ أَوْ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشَّمَالِ قَلِيلًا، أَوَّلُهَا السَّرَطَانُ، وَآخِرُهَا السِّمَاكُ.
وَمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ مَا يَلِيهِ إلَى التَّيَامُنِ، أَوَّلُهَا الْغَفْرُ؛ وَآخِرُهَا بَطْنُ الْحُوتِ.
وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ، وَيَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنْهَا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] . وَالشَّمْسُ تَنْزِلُ بِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ يَكُونُ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا، وَمِنْ طُلُوعِهَا إلَى غُرُوبِهَا مِثْلُ ذَلِكَ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْهَا مَنْزِلَانِ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَنْزِلٌ، وَهُوَ نِصْفُ سُدُسِ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ اثْنَا عَشَرَ مَنْزِلًا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، إلَّا أَنَّ أَوَائِلَ الشَّامِيَّةِ وَآخِرَ الْيَمَانِيَّةِ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، بِحَيْثُ إذَا طَلَعَ جَعَلَ الطَّالِعَ مِنْهَا مُحَاذِيًا لِكَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ آخِرُ الشَّامِيَّةِ.
وَأَوَّلُ الْيَمَانِيَّةِ يَكُونُ مُقَارِبًا لِذَلِكَ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الشَّامِيَّةِ، وَهُوَ الذِّرَاعُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ جَانِبَيْهِ، يَمِيلُ مَطْلَعُهُ إلَى نَاحِيَةِ الشَّمَالِ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ - نَحْوُ الْعَقْرَبِ، وَالنَّعَائِمِ، وَالْبَلْدَةِ، وَالسُّعُودِ - تَمِيلُ مَطَالِعُهَا إلَى الْيَمِينِ، فَالْيَمَانِيُّ مِنْهَا يَجْعَلُهُ مِنْ أَمَامِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَالشَّامِيُّ يَجْعَلُهُ خَلْفَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ قَرِيبًا مِنْهَا، وَالْغَارِبُ مِنْهَا يَجْعَلُهُ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ كَذَلِكَ.
وَإِنْ عَرَفَ الْمُتَوَسِّطَ مِنْهَا بِأَنْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُفُقِ السَّمَاءِ سَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا وَسَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا، اسْتَقْبَلَهُ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ نُجُومٌ تُقَارِبُهُ، وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ، مِنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ، يَكْثُرُ عَدَدُهَا، حُكْمُهَا حُكْمُهُ،

وَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، كَالنَّسْرَيْنِ والشعريين، وَالنَّظْمِ الْمُقَارِنِ لِلْهَقْعَةِ، وَالسِّمَاكِ الرَّامِحِ، وَالْفَكَّةِ، وَغَيْرِهَا، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَسُهَيْلٌ نَجْمٌ كَبِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ نَحْوِ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزُهَا، ثُمَّ يَغْرُبُ قَرِيبًا مِنْ مَهَبِّ الدَّبُورِ، وَالنَّاقَةُ أَنْجُمٌ عَلَى صُورَةِ النَّاقَةِ، تَطْلُعُ فِي الْمَجَرَّةِ مِنْ مَهَبِّ الصَّبَا، ثُمَّ تَغِيبُ فِي مَهَبِّ الشَّمَالِ.
(617) فَصْلٌ: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا، عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهَا، وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَفِي الصَّيْفِ مُحَاذِيَةً لِقِبْلَتِهِ.
(618) فَصْلٌ: وَالْقَمَرُ يَبْدُو أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ هِلَالًا فِي الْمَغْرِبِ، عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مَنْزِلًا، حَتَّى يَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ مَائِلًا عَنْهَا قَلِيلًا، ثُمَّ يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْمَشْرِقِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بَدْرًا تَامًّا، وَلَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ يَكُونُ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقْتَ الْفَجْرِ، وَلَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ يَبْدُو عِنْدَ الْفَجْرِ كَالْهِلَالِ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهُ بِاخْتِلَافِ مَنَازِلِهِ.
(619) فَصْلٌ: وَالرِّيَاحُ كَثِيرَةٌ يُسْتَدَلُّ مِنْهَا بِأَرْبَعٍ، تَهُبُّ مِنْ زَوَايَا السَّمَاءِ؛ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ، مُسْتَقْبِلَةً بَطْنَ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ، مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ إلَى يَمِينِهِ، وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ؛ مَارَّةً إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ.
وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْيَمَنِ، مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، مَارَّةً إلَى الزَّاوِيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا.
وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي.
وَرُبَّمَا هَبَّتْ الرِّيَاحُ بَيْنَ الْحِيطَانِ وَالْجِبَالِ فَتَدُورُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا.
وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ، لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ، وَتُعْرَفُ الرِّيَاحُ بِصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا، فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِدْلَالَ بِالْمِيَاهِ، وَقَالُوا: الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ كُلُّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا، وَلَا بِنَهْرَيْنِ يَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمِينِهِ، أَحَدُهُمَا الْعَاصِي بِالشَّامِ، وَالثَّانِي سَيْحُونُ بِالْمَشْرِقِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ، حَيْثُ كَانَ مِنْهَا حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ.
وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا

ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ سِوَى الْعَاصِي، وَالْفُرَاتُ حَدُّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ.
فَمَنْ عَلِمَ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِأَدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بِبَلْدَتِهِمْ؛ مِنْ جِبَالِهَا، وَأَنْهَارِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ جَبَلًا بِعَيْنِهِ يَكُونُ فِي قِبْلَتِهِمْ، أَوْ عَلَى أَيْمَانِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَاتِ.
وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ مَجْرَى نَهْرٍ بِعَيْنِهِ.
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ، وَلَمْ يَجِدْ مُخْبِرًا، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةٍ يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا.
فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ لِغَيْمٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، تَحَرَّى فَصَلَّى، وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ؛ لِمَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَدِلَّتِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَاكِمَ وَالْعَالِمَ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ.

[فَصْلٌ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى]

(620) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلُهَا، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ عَمِلَ بِالثَّانِي فِي الْحَادِثَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ الْأَوَّلَ.
وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الصَّلَاةِ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْآمِدِيُّ: لَا يَنْتَقِلُ، وَيَمْضِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ؛ لِئَلَّا يَنْقُضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، وَلِأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا، كَسَائِرِ مَحَالِّ الْوِفَاقِ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ أَنْ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ إعَادَةَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ نَعْتَدَّ لَهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ اجْتِهَادُهُ وَظَنُّهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادُهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا.
وَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِي الصَّلَاةِ، بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ، اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ، وَبَنَى كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا أُخْبِرُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَبَنَوْا.
وَإِنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ ظَاهِرٌ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ.
وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ، وَلَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، كَرَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي إلَى جِهَةٍ، فَرَأَى بَعْضَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ، وَاحْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَتْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَبَطَلَتْ، لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهَا.

[مَسْأَلَة إذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ فِي الْقِبْلَة]

(621) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا، فَفَرْضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّلَاةُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا

أَنَّهَا الْقِبْلَةُ، لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا، وَلَا تَقْلِيدُ صَاحِبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، كَالْعَالِمَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الْحَادِثَةِ.
وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا اجْتَهَدَ، فَأَرَادَ الْآخَرُ تَقْلِيدَهُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَسَعُهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَجْتَهِدَ، سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ ضَيِّقًا يَخْشَى خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، كَالْحَاكِمِ، لَا يَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ فِي حَادِثَةٍ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ اجْتِهَادِهِ، أَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ غَيْرِهِ.
وَأَشَارَ إلَى قَوْلِ أَحْمَدَ، فِيمَنْ هُوَ فِي مَدِينَةٍ، فَتَحَرَّى، فَصَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي بَيْتٍ يُعِيدُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ، قَالَ: فَقَدْ جَعَلَ فَرْضَ الْمَحْبُوسِ السُّؤَالَ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ فِي الْمِصْرِ الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ إلَى الْقِبْلَةِ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ، مَعَ اتِّفَاقِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي حَقِّهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِضِيقِ الْوَقْتِ، مَعَ إمْكَانِهِ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى جِهَةٍ]

(622) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى جِهَةٍ، فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامُ بِصَاحِبِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ خَطَأَ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا رِيحٌ، وَاعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الْآخَرِ.
فَإِنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ اقْتِدَاءَهُ بِهِ اخْتِلَافُ جِهَتِهِ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلَهَا، وَكَالْمُصَلِّينَ حَالَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُصَلِّي فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ، إذَا كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» . مَعَ كَوْنِ أَحْمَدَ لَا يَرَى طَهَارَتَهَا، وَفَارَقَ مَا إذَا اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَثَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؛ وَهَاهُنَا صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، فَافْتَرَقَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمِيلُ يَمِينًا، وَيَمِيلُ الْآخَرُ شِمَالًا، مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ لَأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامَ بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ اتَّفَقَا فِيهَا.

[مَسْأَلَة إذَا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فِي الْقِبْلَةِ وَمَعَهُمَا أَعْمَى]

(623) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتْبَعُ الْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ) يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَعَهُمَا أَعْمَى، قَلَّدَ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُهُمَا عِنْدَهُ وَأَصْدَقُهُمَا قَوْلًا، وَأَشَدُّهُمَا تَحَرِّيًا؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ إلَيْهِ أَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَصِيرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْأَدِلَّةَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَرْضُهُ أَيْضًا التَّقْلِيدُ، وَيُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ قَلَّدَ الْمَفْضُولَ، فَظَاهِرُ

قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ، فَلَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ، كَالْمُجْتَهِدِ إذَا تَرَكَ جِهَةَ اجْتِهَادِهِ، وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِدَلِيلٍ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ.
فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ اسْتَوَيَا، وَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ، فَإِنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَفْضُولَ مُصِيبٌ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ تَقْلِيدِ الْأَفْضَلِ.
فَأَمَّا إنْ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، فَلَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، كَالْعَامِّيِّ مَعَ الْعُلَمَاءِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ.

[فَصْلٌ الْمُقَلِّدُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ]

(624) فَصْلٌ: وَالْمُقَلِّدُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، إمَّا لِعَدَمِ بَصَرِهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ بَصِيرَتِهِ، وَهُوَ الْعَامِّيُّ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ وَالصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِهِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
فَأَمَّا مَنْ يُمْكِنُهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِالتَّقْلِيدِ كَالْمُجْتَهِدِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْعَامِّيَّ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُ الْفِقْهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِقْهَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ.
فَهُوَ كَاَلَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا.
وَإِنْ أَخَّرَ هَذَا التَّعَلُّمَ وَالصَّلَاةَ إلَى حَالٍ يَضِيقُ وَقْتُهَا عَنْ التَّعَلُّمِ وَالِاجْتِهَادِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالتَّقْلِيدِ، كَاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ، فَيَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا.

[فَصْلٌ كَانَ الْمُجْتَهِدُ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَة بِهِ رَمَدٌ أَوْ عَارِضٌ يَمْنَعُهُ رُؤْيَةَ الْأَدِلَّةِ]

(625) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ بِهِ رَمَدٌ، أَوْ عَارِضٌ يَمْنَعُهُ رُؤْيَةَ الْأَدِلَّةِ، فَهُوَ كَالْأَعْمَى، فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِاجْتِهَادِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَكَان لَا يَرَى فِيهِ الْأَدِلَّةَ، وَلَا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتَهِدًا آخَرَ فِي مَكَان يَرَى الْعَلَامَاتِ فِيهِ، فَلَهُ تَقْلِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَعْمَى.

[فَصْلٌ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِتَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ قَدْ أَخْطَأْت الْقِبْلَةَ]

(626) فَصْلٌ: وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِتَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: قَدْ أَخْطَأْتَ الْقِبْلَةَ، وَإِنَّمَا الْقِبْلَةُ هَكَذَا.
وَكَانَ يُخْبِرُ عَنْ يَقِينٍ، مِثْلُ مَنْ يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ الشَّمْسَ، أَوْ الْكَوَاكِبَ، وَتَيَقَّنْتُ أَنَّك مُخْطِئٌ.
فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ، وَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَخْبَرَهُ أَنَّهَا جِهَةُ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي قَلَّدَهُ الْأَعْمَى، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِهِ، فَالْأَعْمَى أَوْلَى.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ، أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ أَخْبَرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ أَوْثَقَ مِنْ الْأَوَّلِ، مَضَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِدَلِيلٍ يَقِينًا، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَوْثَقَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَقُلْنَا: لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ.
فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ خَاصَّةً، رَجَعَ إلَى قَوْلِهِ، كَالْبَصِيرِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ.

[فَصْلٌ إذَا شَرَعَ مُجْتَهِدٌ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ فَعَمِيَ فِيهَا]

فَصْلٌ: وَلَوْ شَرَعَ مُجْتَهِدٌ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ، فَعَمِيَ فِيهَا، بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُهُ الْبِنَاءُ

عَلَى اجْتِهَادِ غَيْرِهِ، فَاجْتِهَادُهُ أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَدَارَ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِخَطَئِهِ عَنْ يَقِينٍ، رَجَعَ إلَيْهِ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ شَرَعَ فِيهَا وَهُوَ أَعْمَى، فَأَبْصَرَ فِي أَثْنَائِهَا، فَشَاهَدَ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى صَوَابِ نَفْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يَرَى الشَّمْسَ فِي قِبْلَتِهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَيْنِ قَدْ اتَّفَقَا.
وَإِنْ بَانَ لَهُ خَطَؤُهُ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ إلَيْهَا، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَبِنْ لَهُ صَوَابُهُ وَلَا خَطَؤُهُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَاجْتَهَدَ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِالتَّقْلِيدِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَصِيرًا فِي ابْتِدَائِهَا.
وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، مَضَى فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا الدَّلِيلُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ فِيهَا.

[مَسْأَلَة صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ]

(628) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ.
وَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ الَّذِي صَلَّى بِتَقْلِيدِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ، كَمَا لَوْ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ سِتَارَةٍ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] » . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسِيرٍ، فَأَصَابَنَا غَيْمٌ، فَتَحَيَّرْنَا فَاخْتَلَفْنَا فِي الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِدَةٍ، وَجَعَلَ أَحَدُنَا يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِنَعْلَمَ أَمْكِنَتَنَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَ: قَدْ أَجْزَأَتْكُمْ صَلَاتُكُمْ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّه الْعُمَرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ.
وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يُرْوَى مَتْنُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ "، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] . فَمَرَّ رَجُلٌ بِبَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى: أَلَا إنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ.
فَمَالُوا كُلُّهُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ» . وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْتَفِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَتْرُكُ إنْكَارَهُ إلَّا وَهُوَ جَائِزٌ.
وَقَدْ كَانَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ، فَخَرَجَ عَنْ الْعَهْدِ، كَالْمُصِيبِ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ لِلْعُذْرِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، كَالْخَائِفِ يُصَلِّي إلَى غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ

شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ.
وَأَمَّا الْمُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَلَمْ يُؤْمَرْ إلَّا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَسَائِرُ الشُّرُوطِ، إذَا عَجَزَ عَنْهَا، سَقَطَتْ، كَذَا هَاهُنَا، وَأَمَّا إذَا ظَنَّ وُجُودَهَا فَأَخْطَأَ، فَلَيْسَتْ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَنَظِيرُهُ: إذَا اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْحَضَرِ، فَأَخْطَأَ.
(629) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَدِلَّةُ ظَاهِرَةً مَكْشُوفَةً فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، أَوْ مَسْتُورَةً بِغَيْمٍ أَوْ شَيْءٍ يَسْتُرُهَا عَنْهُ، بِدَلِيلِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ اسْتَتَرَتْ عَنْهُمْ بِالْغَيْمِ، فَلَمْ يُعِيدُوا، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَعَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَاسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ.

[فَصْلٌ إنْ بَانَ لَهُ يَقِين الْخَطَأ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ]

(630) فَصْلٌ: وَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهَا كَانَ صَحِيحًا، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ.
وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً، قَدْ أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلَى جِهَةٍ، فَقَدَّمُوا أَحَدَهُمْ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ الْخَطَأُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، اسْتَدَارُوا إلَى الْجِهَةِ الَّتِي بَانَ لَهُمْ الصَّوَابُ فِيهَا، كَبَنِي سَلَمَةَ، لَمَّا بَانَ لَهُمْ تَحَوُّلُ الْكَعْبَةِ.
وَإِنْ بَانَ لِلْإِمَامِ وَحْدَهُ، أَوْ لِلْمَأْمُومِينَ دُونَهُ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ، اسْتَدَارَ مَنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ وَحْدَهُ، وَيَنْوِي بَعْضُهُمْ مُفَارَقَةَ بَعْضٍ، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا أَنَّ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ خَالَفَهُ فِي الِاجْتِهَادِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُقَلِّدٌ، تَبِعَ مَنْ قَلَّدَهُ وَانْحَرَفَ بِانْحِرَافِهِ.
وَإِنْ قَلَّدَ الْجَمِيعَ، لَمْ يَنْحَرِفْ إلَّا بِانْحِرَافِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ بِدَلِيلٍ يَقِينِيٍّ، فَلَا يَنْحَرِفُ بِالشَّكِّ إلَّا مَنْ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ أَوْثَقِهِمْ، فَإِنَّهُ يَنْحَرِفُ بِانْحِرَافِهِ.

[مَسْأَلَة إذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ أَوْ الْأَعْمَى فَأَخْطَأَ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَة]

(631) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ، فَأَخْطَأَ، أَوْ الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ، أَعَادَا) . أَمَّا الْبَصِيرُ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، سَوَاءٌ إذَا صَلَّى بِدَلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ مَنْ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْقِبَلِ الْمَنْصُوبَةِ، وَيَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْقَادِرِ عَلَى النَّصِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَأَخْطَأَ، لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ؛ لِتَفْرِيطِهِ.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ، فَأَخْطَأَهُ، فَقَدْ غَرَّهُ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ خَبَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ.
فَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا، لَا يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: هُوَ كَالْمُسَافِرِ، يَتَحَرَّى فِي مَحْبِسِهِ، وَيُصَلِّي، مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ وَالْمَحَارِيبِ، فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ.
وَأَمَّا الْأَعْمَى، فَإِنْ كَانَ فِي حَضَرٍ، فَهُوَ كَالْبَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ وَالْمَحَارِيبِ، فَإِنَّ الْأَعْمَى إذَا لَمَسَ الْمِحْرَابَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مِحْرَابٌ، وَأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، فَهُوَ كَالْبَصِيرِ.
وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ بَابَ الْمَسْجِدِ إلَى الشَّمَالِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْجِهَاتِ، جَازَ لَهُ الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَمَتَى أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَحُكْمُ الْمُقَلِّدِ حُكْمُ الْأَعْمَى فِي هَذَا.
وَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى، أَوْ الْمُقَلِّدُ مُسَافِرًا، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ، وَلَا مُجْتَهِدًا يُقَلِّدُهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ يُعِيدُ،

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل