المغني لابن قدامةصفحات 143-182
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 143-182
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَّا بِمَا شَاهَدَهُ مِنْ الْمِلْكِ وَالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي الْمِلْكِ، قَدْ تَكُونُ بِإِجَارَةِ وَإِعَارَةٍ وَغَصْبٍ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْيَدَ دَلِيلٌ الْمِلْكِ، وَاسْتِمْرَارَهَا مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ يُقَوِّيهَا، فَجَرَتْ مَجْرَى الِاسْتِفَاضَةِ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا، كَمَا لَوْ شَاهَدَ سَبَبَ الْيَدِ، مِنْ بَيْعٍ، أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا عَنْ غَصْبٍ أَوْ إجَارَةٍ، يُعَارِضُهُ اسْتِمْرَارُ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ، فَلَا يَبْقَى مَانِعًا، كَمَا لَوْ شَاهَدَ سَبَبَ الْيَدِ؛ فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ الْبَائِعِ غَيْرَ مَالِكٍ، وَالْوَارِثِ وَالْوَاهِبِ، لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ.
كَذَا هَاهُنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا بَقِيَ الِاحْتِمَالُ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ إلَّا بِمَا يَعْلَمُ.
قُلْنَا: الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] . وَلَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ هَاهُنَا، فَجَازَتْ بِالظَّنِّ.

[فَصْل سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَصَبِيٍّ هَذَا ابْنِي فَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ]

(8356) فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَصَبِيٍّ: هَذَا ابْنِي.
جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِنَسَبِهِ.
وَإِنْ سَمِعَ الصَّبِيَّ يَقُولُ: هَذَا أَبِي.
وَالرَّجُلُ يَسْمَعُهُ، فَسَكَتَ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْأَبِ إقْرَارٌ لَهُ وَالْإِقْرَارُ يُثْبِتُ النَّسَبَ، فَجَازَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ السُّكُوتُ هَاهُنَا مَقَامَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى الِانْتِسَابِ الْبَاطِلِ جَائِزٌ، بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّ النَّسَبَ يَغْلِبُ فِيهِ الْإِثْبَاتُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ فِي النِّكَاحِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ مَعَ السُّكُوتِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ حَقِيقِيٍّ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَهُ، فَاعْتُبِرَتْ تَقْوِيَتُهُ بِالتَّكْرَارِ، كَمَا اُعْتُبِرَتْ تَقْوِيَةُ الْيَدِ فِي الْعَقَارِ بِالِاسْتِمْرَارِ.

[فَصْل شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ وَخَلَّفَ مِنْ الْوَرَثَةِ فُلَانًا وَفُلَانًا]

(8357) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ، وَخَلَّفَ مِنْ الْوَرَثَةِ فُلَانًا وَفُلَانًا، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا تُقْبَلُ حَتَّى يُبَيِّنَا أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ، فَيَكْفِي فِيهِ الظَّاهِرُ، مَعَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ بِعَدَمِ وَارِثٍ آخَرَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِوَارِثٍ آخَرَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِهِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ،

لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
فَأَمَّا إنْ قَالَا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ بِأَرْضِ كَذَا وَكَذَا.
لَمْ تُقْبَلُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْضَى بِهِ، كَمَا لَوْ قَالَا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا.
وَذُكِرَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ أَيْضًا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ، وَيَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا فِي غَيْرِهَا، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، كَمَا لَوْ قَالَا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا فِي هَذَا الْبَيْتِ.

[مَسْأَلَة يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ]

(8358) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَاقِلًا، مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَدْلًا، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدهَا، أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَيْسَ بِعَاقِلٍ، إجْمَاعًا.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَسَوَاءٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ طُفُولِيَّةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَصِّلٍ، وَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِكَذِبِهِ، وَلَا يَتَحَرَّزُ مِنْهُ.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وَنَذْكُرُ هَذَا فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ بِحَالٍ، يُرْوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَعَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ، إذَا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُمْ وَضَبْطُهُمْ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُلَقَّنُوا.
ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنْ أُخِذُوا عِنْدَ مُصَابِ ذَلِكَ، فَبِالْأَحْرَى أَنْ يَعْقِلُوا وَيَحْفَظُوا.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِرَةٌ، وَيُسْتَحْلَفُ أَوْلِيَاءُ الْمَشْجُوجِ.
وَذَكَرَهُ عَنْ مَرْوَانَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ إذَا كَانَ ابْنَ عَشْرٍ.
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، كَالْعَبِيدِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ تُقْبَلُ عَلَى بَعْضٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الْمُغِيرَةُ: وَكَانَ أَصْحَابُنَا لَا يُجِيزُونَ شَهَادَتَهُمْ عَلَى رَجُلٍ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ، فَجَاءَهُ خَمْسَةُ غِلْمَةٍ فَقَالُوا: إنَّا كُنَّا سِتَّةَ غِلْمَةٍ نَتَغَاطَّ،

فَغَرِقَ مِنَّا غُلَامٌ.
فَشَهِدَ الثَّلَاثَةُ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ، وَشَهِدَ الِاثْنَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ، فَجَعَلَ عَلَى الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ، وَجَعَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ خُمُسَيْهَا.
وَقَضَى بِنَحْوِ هَذَا مَسْرُوقٌ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تُقْبَلُ فِي شَيْءٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] . وَقَالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَقَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . وَالصَّبِيُّ مِمَّنْ لَا يُرْضَى.
وَقَالَ: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] . فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّاهِدَ الْكَاتِمَ لِشَهَادَتِهِ آثِمٌ، وَالصَّبِيُّ لَا يَأْثَمُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدِ؛ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَخَافُ مِنْ مَأْثَمِ الْكَذِبِ، فَيَزَعُهُ عَنْهُ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْإِقْرَارِ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، كَالْمَجْنُونِ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمَالِ، لَا تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ، كَالْفَاسِقِ، وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمِثْلِهِ، لَا تُقْبَلُ عَلَى مِثْلِهِ، كَالْمَجْنُونِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ، الْعَدَالَةُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ لِذَلِكَ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] . فَأَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ لَا يَرَاهُ خَصَّ الْخَائِنَ وَالْخَائِنَةَ أَمَانَاتِ النَّاسِ، بَلْ جَمِيعُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ الْقِيَامُ بِهِ أَوْ اجْتِنَابُهُ، مِنْ صَغِيرِ ذَلِكَ وَكَبِيرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: 72] .

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ بِغَيْرِ الْعُدُولِ.
وَلِأَنَّ دِينَ الْفَاسِقِ لَمْ يَزَعْهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَزَعَهُ عَنْ الْكَذِبِ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِخَبَرِهِ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَالْفُسُوقُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مِنْ حَيْثُ الْأَفْعَالُ؛ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ.
وَالثَّانِي، مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ، فَيُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَشَرِيكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ شَرِيكٌ: أَرْبَعَةٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؛ رَافِضِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ إمَامًا مُفْتَرَضَةً طَاعَتُهُ.
وَخَارِجِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ حَرْبٍ.
وَقَدَرِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ إلَيْهِ.
وَمُرْجِئٌ.
وَرَدَّ شَهَادَةَ يَعْقُوبَ، وَقَالَ: أَلَا أَرُدُّ شَهَادَةَ مِنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ؟ وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: الْمُخْتَلِفُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَفْسُقُونَ بِذَلِكَ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي الْفُرُوعِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ.
الثَّانِي، مَنْ نُفَسِّقُهُ وَلَا نُكَفِّرُهُ، وَهُوَ مَنْ سَبَّ الْقَرَابَةَ، كَالْخَوَارِجِ، أَوْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، كَالرَّوَافِضِ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ لِذَلِكَ.
الثَّالِثُ، مَنْ نُكَفِّرُهُ، وَهُوَ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَأَضَافَ الْمَشِيئَةَ إلَى نَفْسِهِ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يُعْلَى مِثْلَ هَذَا سَوَاءً.
قَالَ: وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا تُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ، وَالرَّافِضَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ الْمُعْلِنَةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
وَأَجَازَ سَوَّارٌ شَهَادَةَ نَاسٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ، مِمَّنْ يَرَى الِاعْتِزَالَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَرَى الشَّهَادَةَ بِالْكَذِبِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، كَالْخَطَّابِيَّةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي الْخَطَّابِ.
يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِتَصْدِيقِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ أَجَازَ شَهَادَتَهُمْ، أَنَّهُ اخْتِلَافٌ لَمْ يُخْرِجْهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ، أَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْفُرُوعِ،

وَلِأَنَّ فِسْقَهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِمْ؛ لِكَوْنِهِمْ ذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ تَدَيُّنًا وَاعْتِقَادًا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَمْ يَرْتَكِبُوهُ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِهِ، بِخِلَافِ فِسْقِ الْأَفْعَالِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، أَنَّ الْفِسْقَ الَّذِي يَتَدَيَّنُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ لَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْقَدَرِيِّ، إذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفِسْقِ، فَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ فَاسِقٌ، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا حَافِظًا لَا يَشْهَدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُغَفَّلًا، أَوْ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ الشَّرْطُ السَّادِسُ، أَنْ يَكُونَ ذَا مُرُوءَةٍ.
الشَّرْطُ السَّابِعُ، انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ.
وَسَنَشْرَحُ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي مَوَاضِعِهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْل شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ]

(8359) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَشَهَادَةَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَلَى الْبَدَوِيِّ، صَحِيحَةٌ إذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ.
فَيَحْتَمِلَ هَذَا أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَمَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا، فِيمَا عَدَا الْجِرَاحَ، وَكَقَوْلِ الْبَاقِينَ فِي الْجِرَاحِ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ "، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» . وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، حَيْثُ عَدَلَ عَنْ أَنْ يُشْهِدَ قَرَوِيًّا وَيُشْهِدَ بَدَوِيًّا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أَرَى شَهَادَتَهُمْ رُدَّتْ إلَّا لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْجَفَاءِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَفَاءِ فِي الدِّينِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ، كَأَهْلِ الْقُرَى، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ

عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ، وَنَخُصُّهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ، فَيَعْرِفُ عَدَالَتَهُ.

[مَسْأَلَة الْعَدَالَةِ فِي الشَّهَادَة]

(8360) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَإِسْحَاقَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الَّذِي تَعْتَدِلُ أَحْوَالُهُ فِي دِينِهِ وَأَفْعَالِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْأَحْكَامِ.
أَمَّا الدِّينُ فَلَا يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً، وَلَا يُدَاوِمُ عَلَى صَغِيرَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ، وَلَا يُجَرِّحُهُ عَنْ الْعَدَالَةِ فِعْلُ صَغِيرَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32] . قِيلَ: اللَّمَمُ صِغَارُ الذُّنُوبِ.
وَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا؟» أَيْ لَمْ يُلِمَّ.
فَإِنَّ " لَا " مَعَ الْمَاضِي بِمَنْزِلَةِ " لَمْ " مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَقِيلَ: اللَّمَمُ أَنْ يُلِمَّ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ لَا يَعُودَ فِيهِ.
وَالْكَبَائِرُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ فِيهَا حَدٌّ، وَالْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرَ؟ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.
وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ.
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ آكِلِ الرِّبَا، وَالْعَاقِّ، وَقَاطِعِ الرَّحِمِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، وَإِذَا أَخْرَجَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْأُسْطُوَانَةَ وَالْكَنِيفَ لَا يَكُونُ عَدْلًا، وَلَا يَكُونُ ابْنُهُ عَدْلًا إذَا وَرِثَ أَبَاهُ حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ عَدْلًا إذَا كَذَبَ الْكَذِبَ الشَّدِيدَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ فِي كَذِبِهِ.
وَقَالَ: عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ فِي حَدٍّ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ فِي عَدَاوَةٍ، وَلَا الْقَاطِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، وَلَا ضَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ» . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِيهِ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» . فَأَمَّا الصَّغَائِرُ، فَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَيْهَا، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَاتِ، لَمْ يُرَدَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
فَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فَاجْتِنَابُ الْأُمُورِ الدَّنِيئَةِ الْمُزْرِيَةِ بِهِ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مِنْ الْأَفْعَالِ، كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ.
يَعْنِي بِهِ الَّذِي يَنْصِبُ مَائِدَةً فِي السُّوقِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ.
وَلَا يَعْنِي بِهِ أَكْلَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَالْكِسْرَةِ وَنَحْوِهَا.
وَإِنْ كَانَ يَكْشِفُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَغْطِيَتِهِ مِنْ بَدَنِهِ، أَوْ يَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ، أَوْ يَتَمَسْخَرُ بِمَا يُضْحِكُ النَّاسَ بِهِ، أَوْ يُخَاطِبُ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ بِالْخِطَابِ الْفَاحِشِ، أَوْ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمُبَاضَعَتِهِ أَهْلَهُ، وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الْأَفْعَالِ الدَّنِيئَةِ، فَفَاعِلُ هَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا سُخْفٌ وَدَنَاءَةٌ، فَمَنْ رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ، فَلَيْسَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ شَتَمَ بَهِيمَةً: قَالَ الصَّالِحُونَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى، إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» . يَعْنِي مَنْ لَمْ يَسْتَحِ صَنَعَ مَا شَاءَ.
وَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ تَمْنَعُ الْكَذِبَ، وَتَزْجُرُ عَنْهُ، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ ذُو الْمُرُوءَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا دِينٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهُ حِينَ سَأَلَهُ قَيْصَرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِفَتِهِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنِّي كَرِهْت أَنْ يُؤْثَرَ عَنِّي الْكَذِبُ، لَكَذَبْته.
وَلَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ ذَا دِينٍ.
وَلِأَنَّ الْكَذِبَ دَنَاءَةٌ، وَالْمُرُوءَةُ تَمْنَعُ مِنْ

الدَّنَاءَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْمُرُوءَةُ مَانِعَةً مِنْ الْكَذِبِ، اُعْتُبِرَتْ فِي الْعَدَالَةِ، كَالدِّينِ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا مُخْتَفِيًا بِهِ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ مُرُوءَتَهُ لَا تَسْقُطُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ مَرَّةً، أَوْ شَيْئًا قَلِيلًا، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ صَغِيرَ الْمَعَاصِي لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ إذَا قَلَّ، فَهَذَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ لَا تَخْتَلُّ بِقَلِيلِ هَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ عَادَتَهُ.
النَّوْعُ الثَّانِي، فِي الصِّنَاعَاتِ الدَّنِيئَةِ؛ كَالْكُسَاحِ وَالْكَنَّاسِ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ " أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَجُلٌ كَنَّاسٌ، فَقَالَ: أَيَّ شَيْءٍ تَكْنُسُ، الزِّبْلَ؟ . قَالَ: لَا.
قَالَ: الْعَذِرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مِنْهُ كَسَبْتَ الْمَالَ، وَمِنْهُ تَزَوَّجْت، وَمِنْهُ حَجَجْت؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: الْأَجْرُ خَبِيثٌ، وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلْت فِيهِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ فِي الْكُسَاحِ.
وَلِأَنَّ هَذَا دَنَاءَةٌ يَجْتَنِبُهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ، فَأَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ.
فَأَمَّا الزَّبَّالُ وَالْقَرَّادُ وَالْحَجَّامُ وَنَحْوُهُمْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ يَجْتَنِبُهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ، فَهُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
وَالثَّانِي، تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ إلَيْهِ حَاجَةً.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، إنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ يَتَنَظَّفُ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَيُصَلِّيهَا، فَإِنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَأَمَّا الْحَائِكُ وَالْحَارِسُ وَالدَّبَّاغُ، فَهِيَ أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الصَّنَائِعِ، فَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ.
وَذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي جُمْلَةِ مَا فِيهِ وَجْهَانِ.
وَأَمَّا سَائِرُ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا دَنَاءَةَ، فِيهَا فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا، إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَحْلِفُ كَاذِبًا، أَوْ يَعِدُ وَيُخْلِفُ، وَغَلَبَ هَذَا عَلَيْهِ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوْقَاتِهَا، أَوْ لَا يَتَنَزَّهُ عَنْ النَّجَاسَاتِ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ مُحَرَّمَةً؛ كَصَانِعِ الْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ.
وَمَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ يَكْثُرُ فِيهَا الرِّبَا، كَالصَّائِغِ وَالصَّيْرَفِيِّ، وَلَمْ يَتَوَقَّ ذَلِكَ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.

[فَصْل مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لَعِبَ الْقِمَار لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَته]

(8361) فَصْلٌ: فِي اللَّعِبِ: كُلُّ لَعِبٍ فِيهِ قِمَارٌ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، أَيَّ لَعِبٍ كَانَ، وَهُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاجْتِنَابِهِ، وَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
وَمَا خَلَا مِنْ الْقِمَارِ، وَهُوَ اللَّعِبُ الَّذِي لَا عِوَضَ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ؛ فَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَكْرُوهٌ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ.

وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو مُوسَى، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . وَرَوَى بُرَيْدَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إذَا مَرَّ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدَشِيرِ، لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللَّعِبُ بِهِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، سَوَاءٌ لَعِبَ بِهِ قِمَارًا أَوْ غَيْرَ قِمَارٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ، فَلَا أَرَى شَهَادَتَهُ طَائِلَةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: 32] . وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَقِّ، فَيَكُونُ مِنْ الضَّلَالِ.
(8362) فَصْلٌ: فَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَهُوَ كَالنَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ، إلَّا أَنَّ النَّرْدَ آكَدُ مِنْهُ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي تَحْرِيمِهِ، لَكِنْ هَذَا فِي مَعْنَاهُ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ، قِيَاسًا عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِهِ؛ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمَ وَسَالِمًا، وَعُرْوَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمَطَرًا الْوَرَّاقَ، وَمَالِكًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى إبَاحَتِهِ.
وَحَكَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهَا نَصٌّ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَتَبْقَى عَلَى الْإِبَاحَةِ.
وَيُفَارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ فِي الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الْحَرْبِ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ، وَالرَّمْيَ بِالنُّشَّابِ، وَالْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي النَّرْدِ مَا يُخْرِجُهُ الْكَعْبَتَانِ، فَأَشْبَهَ الْأَزْلَامَ، وَالْمُعَوَّلَ فِي الشِّطْرَنْجِ عَلَى حِذْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالسِّهَامِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] . قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الشِّطْرَنْجُ مِنْ الْمَيْسِرِ.
وَمَرَّ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ، فَقَالَ: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) . قَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ مَا فِي الشِّطْرَنْجِ، قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْظُرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، لَيْسَ لِصَاحِبِ الشَّاهِ فِيهَا نَصِيبٌ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَعِبٌ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا نَصَّ فِيهَا.
قَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا نَصًّا، وَهِيَ أَيْضًا فِي مَعْنَى النَّرْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ فِيهَا تَدْبِيرَ الْحَرْبَ.
قُلْنَا: لَا يُقْصَدُ هَذَا مِنْهَا، وَأَكْثَرُ اللَّاعِبِينَ بِهَا إنَّمَا يَقْصِدُونَ مِنْهَا اللَّعِبَ أَوْ الْقِمَارَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهَا عَلَى تَدْبِيرِهِ.
فَهُوَ أَبْلَغُ فِي اشْتِغَالِهِ بِهَا، وَصَدِّهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: النَّرْدُ أَشَدُّ مِنْ الشِّطْرَنْجِ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي النَّرْدِ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، بِخِلَافِ الشِّطْرَنْجِ.
وَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَالنَّرْدِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ مِثْلُهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَهُوَ كَالنَّرْدِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، إلَّا أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، أَوْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يَلْعَبَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ، أَوْ يَفْعَلَ فِي لَعِبِهِ مَا يُسْتَخَفُّ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ، وَنَحْوَ هَذَا، مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ الْمُرُوءَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.

[فَصْل شَهَادَة اللَّاعِب بِالْحَمَامِ يُطِيرُهَا]

(8363) فَصْلٌ: وَاللَّاعِبُ بِالْحَمَامِ يُطِيرُهَا، لَا شَهَادَةَ لَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ صَاحِبِ حَمَامٍ وَلَا حَمَّامٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَقِلَّةُ مُرُوءَةٍ، وَيَتَضَمَّنُ أَذَى الْجِيرَانِ بِطَيْرِهِ، وَإِشْرَافِهِ عَلَى دُورِهِمْ، وَرَمْيِهِ إيَّاهَا بِالْحِجَارَةِ.
وَقَدْ «رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامًا، فَقَالَ: شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» . وَإِنْ اتَّخَذَ الْحَمَامَ لِطَلَبِ فِرَاخِهَا، أَوْ لِحَمْلِ الْكُتُبِ، أَوْ لِلْأُنْسِ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَذًى يَتَعَدَّى إلَى النَّاسِ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ.
وَقَدْ رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ، «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَكَا إلَيْهِ الْوَحْشَةَ، فَقَالَ: اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ.»

[فَصْل حُكْم الشَّهَادَة لِلْمُتَسَابِقِ فِي الْمُسَابَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ بِالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا]

(8364) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ، بِالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، أَوْ عَلَى الْأَقْدَامِ، فَمُبَاحَةٌ لَا دَنَاءَةَ فِيهَا، وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَشْرُوعِيَّةَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ.
وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الثِّقَافِ، وَاللَّعِبِ بِالْحِرَابِ.
وَقَدْ لَعِبَ الْحَبَشَةُ بِالْحِرَابِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَامَتْ عَائِشَةُ خَلْفَهُ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَتَسْتَتِرُ بِهِ، حَتَّى مَلَّتْ.
وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعَلُّمًا لِلْحَرْبِ، فَإِنَّهُ مِنْ آلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ وَالْمُنَاضَلَةَ، وَسَائِرَ اللَّعِبِ، إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا، وَلَا شَغْلًا عَنْ فَرْضٍ، فَالْأَصْلُ إبَاحَتُهُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ دَنَاءَةٌ يَتَرَفَّعُ عَنْهُ ذَوُو الْمُرُوءَاتِ، مَنَعَ الشَّهَادَةَ إذَا فَعَلَهُ ظَاهِرًا، وَتُكَرِّرَ مِنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ لَا دَنَاءَةَ فِيهِ، لَمْ تُرَدَّ بِهَا الشَّهَادَةُ بِحَالٍ.

[فَصْل شَهَادَة الْمُسْتَمِع إلَى الْمَلَاهِي]

(8365) فَصْلٌ: فِي الْمَلَاهِي: وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ مُحَرَّمٌ، وَهُوَ ضَرْبُ الْأَوْتَارِ وَالنَّايَاتُ، وَالْمَزَامِيرُ كُلُّهَا، وَالْعُودُ، وَالطُّنْبُورُ، وَالْمِعْزَفَةُ، وَالرَّبَابُ، وَنَحْوُهَا، فَمَنْ أَدَامَ اسْتِمَاعَهَا، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا ظَهَرَتْ فِي أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً، حَلَّ بِهِمْ الْبَلَاءُ» . فَذَكَرَ مِنْهَا إظْهَارَ الْمَعَازِفِ وَالْمَلَاهِي.
وَقَالَ سَعِيدٌ: ثنا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ، لَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ وَلَا تَعْلِيمُهُنَّ وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ» . يَعْنِي الضَّارِبَاتِ.
وَرَوَى نَافِعٌ، قَالَ: «سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا، قَالَ: فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَنَأَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَقَالَ لِي: يَا نَافِعُ، هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْت: لَا.
قَالَ: فَرَفَعَ إصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا، فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ، فِي " جَامِعِهِ " مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ "، وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَقَدْ احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى إبَاحَةِ الْمِزْمَارِ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عُمَرَ مِنْ سَمَاعِهِ، وَمَنَعَ ابْنُ عُمَرَ نَافِعًا مِنْ اسْتِمَاعِهِ، وَلَأَنْكَرَ عَلَى الزَّامِرِ بِهَا.
قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اسْتِمَاعُهَا دُونَ سَمَاعِهَا، وَالِاسْتِمَاعُ غَيْرُ السَّمَاعِ، وَلِهَذَا فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ بَيْنَ السَّامِعِ وَالْمُسْتَمِعِ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ سَمِعَ شَيْئًا مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55] . وَلَمْ يَقُلْ: سَدُّوا آذَانَهُمْ.
وَالْمُسْتَمِعُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ السَّمَاعَ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا مِنْ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ السَّمَاعُ؛ وَلِأَنَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجَةً إلَى مَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ الصَّوْتِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ، وَسَدَّ أُذُنَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَرْجِعَ إلَى الطَّرِيقِ، وَلَا يَرْفَعَ إصْبَعَيْهِ عَنْ أُذُنَيْهِ، حَتَّى يَنْقَطِعَ الصَّوْتُ عَنْهُ، فَأُبِيحَ لِلْحَاجَةِ.
وَأَمَّا الْإِنْكَارُ، فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، حِينَ لَمْ يَكُنْ الْإِنْكَارُ وَاجِبًا، أَوْ قَبْلَ إمْكَانِ الْإِنْكَارِ؛ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ، وَقِلَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْخَبَرُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ أَبَا دَاوُد رَوَاهُ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَلَعَلَّ أَبَا دَاوُد ضَعَّفَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ إلَّا مِنْ إحْدَى الطَّرِيقَيْنِ.
وَضَرْبٌ مُبَاحٌ؛ وَهُوَ الدُّفُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ، بَعَثَ فَنَظَرَ، فَإِنْ كَانَ فِي وَلِيمَةٍ سَكَتَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا، عَمَدَ بِالدُّرَّةِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ، فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْت إنْ رَجَعْت مِنْ سَفَرِك سَالِمًا، أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِك» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَأْمُرْهَا بِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْذُورًا.
وَرَوَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ بُنِيَ بِي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَّاتٌ يَضْرِبْنَ بِدُفٍّ لَهُنَّ، وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مَنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إلَى أَنْ قَالَتْ إحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ.
فَقَالَ: دَعِي هَذَا، وَقُولِي الَّذِي كُنْت تَقُولِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا الضَّرْبُ بِهِ لِلرِّجَالِ فَمَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَضْرِبُ بِهِ النِّسَاءُ، وَالْمُخَنَّثُونَ الْمُتَشَبِّهُونَ بِهِنَّ، فَفِي ضَرْبِ الرِّجَالِ بِهِ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ، فَمَكْرُوهِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، كَالتَّصْفِيقِ وَالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ، وَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآلَةٍ وَلَا بِطَرِبٍ، وَلَا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا، بِخِلَافِ الْمَلَاهِي.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَا قُلْنَا.

[فَصْل شَهَادَة مِنْ يَسِمَ الْغِنَاء]

(8366) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْغِنَاءِ؛ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، إلَى إبَاحَتِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَالْغِنَاءُ وَالنَّوْحُ مَعْنًى وَاحِدٌ، مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُنْكَرٌ، وَلَا فِيهِ طَعْنٌ.
وَكَانَ الْخَلَّالُ يَحْمِلُ الْكَرَاهَةَ مِنْ أَحْمَدَ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ، لَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَيْنِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سَمِعَ عِنْدَ ابْنِهِ صَالِحٍ قَوَّالًا، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ صَالِحٌ: يَا أَبَتِ، أَلَيْسَ كُنْت تَكْرَهُ هَذَا؟ فَقَالَ: إنَّهُ قِيلَ لِي: إنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْمُنْكَرَ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى إبَاحَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْعَنْبَرِيُّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَتْ عِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَزْمُورُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعْهُمَا، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: الْغِنَاءُ زَادُ الرَّاكِبِ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: هُوَ مِنْ اللَّهْوِ الْمَكْرُوهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، لَا يُعْجِبُنِي.
وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى تَحْرِيمِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِي مَنْ مَاتَ وَخَلَّفَ وَلَدًا يَتِيمًا، وَجَارِيَةً مُغَنِّيَةً، فَاحْتَاجَ الصَّبِيُّ إلَى بَيْعِهَا، تُبَاعُ سَاذَجَةً.
قِيلَ لَهُ: إنَّهَا تُسَاوِي مُغَنِّيَةً ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَتُسَاوَيْ سَاذَجَةً عِشْرِينَ دِينَارًا.
قَالَ: لَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى أَنَّهَا سَاذَجَةٌ.
وَاحْتَجُّوا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] . قَالَ: الْغِنَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] ، قَالَ: هُوَ الْغِنَاءُ.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ، وَبَيْعِهِنَّ، وَالتِّجَارَةِ فِيهِنَّ، وَأَكْلُ أَثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ» . وَالصَّحُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، مَنْ اتَّخَذَ الْغِنَاءَ صِنَاعَةً، يُؤْتِي لَهُ، وَيَأْتِي لَهُ، أَوْ اتَّخَذَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً مُغَنِّينَ، يَجْمَعُ عَلَيْهِمَا النَّاسَ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُحَرِّمْهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَسُقُوطُ مُرُوءَةٍ، وَمَنْ حَرَّمَهُ فَهُوَ مَعَ سَفَهِهِ عَاصٍ.
مُصِرٌّ مُتَظَاهِرٌ بِفُسُوقِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَإِنْ كَانَ لَا يُنْسِبُ نَفْسَهُ إلَى الْغِنَاءِ، وَإِنَّمَا يَتَرَنَّمُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُغَنِّي لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَ غُلَامُهُ وَجَارِيَتُهُ إنَّمَا يُغَنِّيَانِ لَهُ، انْبَنَى هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ.
فَمَنْ أَبَاحَهُ أَوْ كَرِهَهُ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ حَرَّمَهُ، قَالَ: إنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، كَسَائِرِ الصَّغَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ.
وَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَا لَا يَشْتَهِرُ بِهِ مِنْهُ، كَسَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ.
وَمَنْ كَانَ يَغْشَى بُيُوتَ الْغِنَاءِ، أَوْ يَغْشَاهُ الْمُغَنُّونَ لِلسَّمَاعِ مُتَظَاهِرًا بِذَلِكَ، وَكَثُرَ مِنْهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ.
وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا بِهِ، فَهُوَ كَالْمُغَنِّي لِنَفْسِهِ، عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ.

[فَصْل شَهَادَة الْحَادِي]

(8367) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحِدَاءُ، وَهُوَ الْإِنْشَادُ الَّذِي تُسَاقُ بِهِ الْإِبِلُ، فَمُبَاحٌ، لَا بَأْسَ بِهِ فِي فِعْلِهِ وَاسْتِمَاعِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَيِّدَ الْحِدَاءِ، وَكَانَ مَعَ الرِّجَالِ، وَكَانَ أَنْجَشَةُ مَعَ النِّسَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ رَوَاحَةَ: حَرِّكْ بِالْقَوْمِ.
فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ، فَتَبِعَهُ أَنْجَشَةُ، فَأَعْنَقَتْ الْإِبِلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنْجَشَةَ: رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ» . يَعْنِي النِّسَاءَ.

وَكَذَلِكَ نَشِيدُ الْأَعْرَابِ، وَهُوَ النَّصْبُ، لَا بَأْسَ بِهِ، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْإِنْشَادِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْغِنَاءِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ إنْشَادَ الشِّعْرِ، فَلَا يُنْكِرُهُ.
وَالْغِنَاءُ، مِنْ الصَّوْتِ، مَمْدُودٌ مَكْسُورٌ.
وَالْغِنَى، مِنْ الْمَالِ، مَقْصُورٌ.
وَالْحِدَاءُ، مَضْمُومٌ مَمْدُودٌ، كَالدُّعَاءِ وَالرِّعَاءِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ، كَالنِّدَاءِ وَالْهِجَاءِ وَالْغِذَاءِ.

[فَصْل شَهَادَة الشَّاعِرِ]

(8368) فَصْلٌ: وَالشِّعْرُ كَالْكَلَامِ؛ حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكَمًا» ، «وَكَانَ يَضَعُ لَحَسَّانَ مِنْبَرًا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَيَهْجُو مَنْ هَجَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ» . «وَأَنْشَدَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَةَ: بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَك.
فَقَالَ: قُلْ، لَا يَفْضُضْ اللَّهُ فَاكَ» . «فَأَنْشُدَهُ: مِنْ قَبْلِهَا طِبْت فِي الظِّلَالِ ... وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ » عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَمَعَك مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟ . قُلْت: نَعَمْ.
فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: هِيهِ.
فَأَنْشَدْته بَيْتًا، فَقَالَ: هِيهِ.
حَتَّى أَنْشَدْته مِائَةَ قَافِيَةٍ» . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا، فَقِيلَ: لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مَوْزُونٌ.
وَقِيلَ: بَلْ هُوَ شِعْرٌ، وَلَكِنَّهُ بَيْتٌ وَاحِدٌ قَصِيرٌ، فَهُوَ كَالنَّثْرِ.
وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قِيلَ لَهُ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْأَنْصَارِ، إلَّا وَقَدْ قَالَ الشِّعْرَ.
قَالَ: وَأَنَا قَدْ قُلْت: يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا مَا أَرَادَا يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِيِّ ... وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا وَلَيْسَ فِي إبَاحَةِ الشِّعْرِ خِلَافٌ، وَقَدْ قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَالِاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَتَعَرُّفِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى النَّسَبِ، وَالتَّارِيخِ، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ.
وَيُقَالُ: الشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ: مَعْنَى يَرِيَهُ: يَأْكُلُ جَوْفَهُ، يُقَالُ: وَرَاهُ يَرِيهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَرَاهُنَّ رَبِّي مِثْلُ مَا قَدْ وَرَيْنَنِي ... وَأَحْمِي عَلَى أَكْبَادِهِنَّ الْمُكَاوِيَا قُلْنَا: أَمَّا الْآيَةُ، فَالْمُرَادُ بِهَا مَنْ أَسْرَفَ وَكَذَبَ؛ بِدَلِيلِ وَصْفِهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: 225] ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 226] . ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: 227] . وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الشُّعَرَاءِ قِلَّةُ الدِّينِ، وَالْكَذِبُ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَهِجَاءُ الْأَبْرِيَاءِ، سِيَّمَا مَنْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، مِمَّنْ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ، وَيَهْجُو النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَعِيبُ الْإِسْلَامَ، وَيَمْدَحُ

الْكُفَّارَ، فَوَقَعَ الذَّمُّ عَلَى الْأَغْلَبِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْعَلُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ، فَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَمَدْحِ أَهْلِهِ الْمُتَّصِفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ هِجَاءً وَفُحْشًا، فَمَا كَانَ مِنْ الشِّعْرِ يَتَضَمَّنُ هَجْوَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقَدْحَ فِي أَعْرَاضِهِمْ، أَوْ التَّشَبُّبَ بِامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا، وَالْإِفْرَاطَ فِي وَصْفِهَا، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
وَهَذَا إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى قَائِلِهِ، فَهُوَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا عَلَى رَاوِيهِ فَلَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الْمَغَازِيَ تُرْوَى فِيهَا قَصَائِدُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هَجَوْا بِهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ فِي الشِّعْرِ الَّذِي تَقَاوَلَتْ بِهِ الشُّعَرَاءُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا، إلَّا قَصِيدَةَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الْحَائِيَّةَ» . وَكَذَلِكَ يُرْوَى شِعْرُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ، فِي التَّشْبِيبِ بِعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ، أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَأُمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ.

وَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصِيدَةَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَفِيهَا التَّشْبِيبُ بِسُعَادَ.
وَلَمْ يَزُلْ النَّاسُ يَرْوُونَ أَمْثَالَ هَذَا، وَلَا يُنْكَرُ.
وَرَوَيْنَا أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ دَخَلَ مَجْلِسًا فِيهِ رَجُلٌ يُغَنِّيهِمْ بِقَصِيدَةِ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ، فَلَمَّا دَخَلَ النُّعْمَانُ سَكَّتُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ فِيهَا ذِكْرَ أُمِّهِ، فَقَالَ النُّعْمَانُ: دَعُوهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا، إنَّمَا قَالَ: وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ ... تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانَهَا وَكَانَ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ فِي مَجْلِسٍ، فَغَنَّاهُمْ رَجُلٌ بِشِعْرٍ فِيهِ ذِكْرُ أُمِّهِ، فَسَكَّتُوهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا الشِّعْرِ، كَانَ زَوْجَهَا.
فَأَمَّا الشَّاعِرُ، فَمَتَى كَانَ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَمْدَحُ بِالْكَذِبِ، أَوْ يَقْذِفُ مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ، وَسَوَاءٌ قَذَفَ الْمُسْلِمَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: أَعْظَمُ النَّاسِ ذَنْبًا، رَجُلٌ يُهَاجِي رَجُلًا، فَيَهْجُو الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا.
وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَبَا دُلَامَةَ شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ، أَظُنُّهُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَخَافَ أَنْ يَرُدَّ شَهَادَتَهُ.
فَقَالَ: إنْ النَّاسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْت عَنْهُمْ ... وَإِنْ بَحَثُوا عَنِّي فَفِيهِمْ مَبَاحِثُ فَقَالَ الْقَاضِي: وَمَنْ يَبْحَثُك يَا أَبَا دُلَامَةَ.
وَغَرِمَ الْمَالَ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يُظْهِرْ أَنَّهُ رَدَّ شَهَادَتَهُ.

[فَصْل شَهَادَة قَارِئ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ]

(8369) فَصْلٌ: فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ: أَمَّا قِرَاءَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَلْحِينٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ حَسَّنَ صَوْتَهُ، فَهُوَ أَفْضَلُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ» . وَرُوِيَ: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» . وَقَالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد» .

وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي مُوسَى: لَقَدْ مَرَرْت بِك الْبَارِحَةَ، وَأَنْتَ تَقْرَأُ، وَلَقَدْ أُوتِيتُ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد.
فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَسْمَعُ، لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا.» وَرُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَبْطَأَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت يَا عَائِشَةُ؟ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْت أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقْرَأُ أَحْسَنَ مِنْ قِرَاءَتِهِ.
فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَمَعَ قِرَاءَته، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا» . وَقَالَ صَالِحٌ: قُلْت لِأَبِي: " زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ". مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: أَنْ يُحْسِنَهُ.
وَقِيلَ لَهُ: مَا مَعْنَى: " مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ". قَالَ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ.
وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: يَتَحَزَّنُ بِهِ، وَيَتَخَشَّعُ بِهِ، وَيَتَبَاكَى بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَوَكِيعٌ: يَسْتَغْنِي بِهِ.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّلْحِينِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُفْرِطْ فِي التَّمْطِيطِ وَالْمَدِّ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ قَرَأَ، وَرَجَّعَ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ.
قَالَ الرَّاوِي: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ، لَحَكَيْت لَكُمْ قِرَاءَتَهُ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» . وَقَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءِ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ» . وَمَعْنَى أَذِنَ: اسْتَمَعَ.
قَالَ الشَّاعِرُ: فِي سَمَاعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ

وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» . أَيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ.
قَالَ الشَّاعِرُ: وَكُنْت امْرَأً زَمِنًا بِالْعِرَاقِ ... عَفِيفَ الْمُنَاخِ كَثِيرَ التَّغَنِّي قَالَ: وَلَوْ كَانَ مِنْ الْغِنَاءِ بِالصَّوْتِ، لَكَانَ مَنْ لَمْ يُغَنِّ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا التَّفْسِيرِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ: هَذَا قَوْلُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ.
وَقِيلَ: يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّلْحِينِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا، لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّغَنِّيَ فِي حَدِيثِ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَذِنَ: اسْتَمَعَ، وَإِنَّمَا تُسْتَمَعُ الْقِرَاءَةُ، ثُمَّ قَالَ: يَجْهَرُ بِهِ.
وَالْجَهْرُ صِفَةُ الْقِرَاءَةِ، لَا صِفَةُ الِاسْتِغْنَاءِ.
فَأَمَّا إنْ أَفْرَطَ فِي الْمَدِّ وَالتَّمْطِيطِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، بِحَيْثُ يَجْعَلُ الضَّمَّةَ وَاوًا، وَالْفَتْحَةَ أَلِفًا، وَالْكَسْرَةَ يَاءً، كُرِهَ ذَلِكَ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُحَرِّمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ الْقُرْآنَ، وَيُخْرِجُ الْكَلِمَاتِ عَنْ وَضْعِهَا، وَيَجْعَلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا.
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ.
قَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يُقَالَ لَك: يَا مُوحَامَدُ؟ قَالَ: لَا.
فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْأَلْحَانَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَمُهُ مِثْلَ حَرَمِ أَبِي مُوسَى.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: فَيُكَلَّمُونَ؟ فَقَالَ: لَا.
كُلُّ ذَا.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّحْزِينِ وَالتَّرْتِيلِ وَالتَّحْسِينِ.
وَرَوَى بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْحُزْنِ» .

وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لِرَجُلٍ: لَوْ قَرَأْت.
وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رُبَّمَا تَغَرْغَرَتْ عَيْنُهُ.
وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: كُنَّا عِنْدَ يَحْيَى الْقَطَّانِ، فَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيُّ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: اقْرَأْ.
فَقَرَأَ، فَغُشِيَ عَلَى يَحْيَى حَتَّى حُمِلَ فَأُدْخِلَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعَدَوِيُّ: قَرَأْت عِنْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَهُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ.

[فَصْل شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ]

(8370) فَصْلٌ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ؛ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي طَعَامَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى إلَى طَعَامٍ لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، دَخَلَ سَارِقًا، وَخَرَجَ مُعَيَّرًا» . وَلِأَنَّهُ يَأْكُلُ مُحَرَّمًا، وَيَفْعَلُ مَا فِيهِ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَذَهَابُ مُرُوءَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ هَذَا مِنْهُ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ.

[فَصْل شَهَادَة مَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحِلَّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ]

(8371) فَصْلٌ: وَمَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحِلَّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَأَكْثَرَ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَأَكَلَ سُحْتًا، وَأَتَى دَنَاءَةً.
وَقَدْ رَوَى قَبِيصَةُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ.
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ سُحْتٌ، يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَأَمَّا السَّائِلُ مِمَّنْ تُبَاحُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ عُمْرِهِ سَائِلًا، أَوْ يَكْثُرَ

ذَلِكَ مِنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَنَاءَةٌ وَسُقُوطُ مُرُوءَةٍ.
وَمَنْ أَخَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ جَائِزٌ، لَا دَنَاءَةَ فِيهِ.
وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْحَرَامِ.

[فَصْل شَهَادَة مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْفُرُوعِ مُخْتَلِفًا فِيهِ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ]

(8372) فَصْلٌ: وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْفُرُوعِ مُخْتَلِفًا فِيهِ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، كَالْمُتَزَوِّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَآكِلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، وَشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي شَارِبِ النَّبِيذِ، يُحَدُّ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ الْحَاكِمُ تَحْرِيمَهُ، فَأَشْبَهَ الْمُتَّفَقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفُرُوعِ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ يَعِيبُ مَنْ خَالَفَهُ، وَلَا يُفَسِّقُهُ، وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَةُ فَاعِلِهِ، كَاَلَّذِي يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِهِ إذَا تَكَرَّرَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا تُرَدَّ شَهَادَتُهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ، فَلَا تُرَدَّ بِهِ شَهَادَةُ الْبَعْضِ الْآخَرِ، كَالْمُتَّفَقِ عَلَى حِلِّهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فِعْلٌ يَحْرُمُ عَلَى فَاعِلِهِ، وَيَأْثَمُ بِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ مُعْتَقِدَ حِلِّهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلَا يَحُجُّ: تُرَدُّ شَهَادَتُهُ.
وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ.
فَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَيَتْرُكُهُ بِنِيَّةِ فِعْلِهِ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» . وَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْظُرَ فِي النَّاسِ، فَمَنْ وَجَدْته يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ وَلَا يَحُجُّ، ضَرَبْت عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ]

(8373) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ بِوَصِيَّةِ الْمُسَافِرِ الَّذِي مَاتَ فِي سَفَرِهِ شَاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا، وَيُسْتَحْلَفَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا وَلَا كَتَمَا، وَلَا اشْتَرَيَا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: 106] .

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهَذَا قَالَ أَكَابِرُ الْمَاضِينَ.
يَعْنِي الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
وَمِمَّنْ قَالَهُ شُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ.
وَقَضَى بِذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ الْوَصِيَّةِ، لَا تُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ؛ كَالْفَاسِقِ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] . أَيْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الشَّهَادَةُ فِي الْآيَةِ الْيَمِينُ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106] . وَهَذَا نَصُّ الْكِتَابِ، وَقَدْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، فَرَوَى «ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ.
فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: 106] » وَعَنْ الشَّعْبِيِّ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَاءَ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدْهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ، فَأَخْبَرَاهُ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا، وَلَا كَذَبَا، وَلَا بَدَّلَا، وَلَا كَتَمَا، وَلَا غَيَّرَا، وَأَنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ، وَتَرِكَتُهُ، فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ ". وَرَوَى الْخَلَّالُ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى بِإِسْنَادِهِ.
وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ عَدِيٍّ، وَتَمِيمٍ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ فَسَّرَهَا بِمَا قُلْنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعُبَيْدَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا.
وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ، لَمْ تَجِبْ الْأَيْمَانُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِمْ.
وَحَمْلُهَا عَلَى التَّحَمُّلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْلَافِهِمْ، وَلَا أَيْمَانَ فِي التَّحَمُّلِ.
وَحَمْلُهَا عَلَى الْيَمِينِ لَا يَصِحُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 106] . وَلِأَنَّهُ عَطَفَهَا عَلَى ذَوِي الْعَدْلِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمَا شَاهِدَانِ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَضَى بِذَلِكَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، مِنْ أَيْنَ يَعْرِفُونَهُ؟ فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَضَاءِ الصَّحَابَة بِهِ، وَعَمَلِهِمْ بِمَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ، سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ.

[مَسْأَلَة شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ]

(8374) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تُقْبَلُ فِي شَيْءٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا.
رَوَاهُ عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ نَفْسًا.
وَمِمَّنْ قَالَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ الْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَمْ تُقْبَلُ.
وَخَطَّأَهُ الْخَلَّالُ فِي نَقْلِهِ هَذَا، وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: هَذَا غَلَطٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: بَلْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّبْيِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي النَّسَبِ، إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ الْآخَرَ أَخُوهُ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَالظَّاهِرُ غَلَطُ مَنْ رَوَى خِلَافَ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ طَائِفَة مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَى أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تُقْبَلُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ.
وَهَذَا قَوْلُ حَمَّادٍ، وَسَوَّارٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْبَتِّيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ.
وَعَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مِلَّةٍ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ، وَلَا نَصْرَانِيٍّ عَلَى يَهُودِيٍّ.
وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، كَقَوْلِنَا، وَكَقَوْلِهِمْ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَلِي عَلَى بَعْضٍ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، كَالْمُسْلِمِينَ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِذِي عَدْلٍ، وَلَا هُوَ مِنَّا، وَلَا مِنْ رِجَالِنَا، وَلَا مِمَّنْ نَرْضَاهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِ، فَلَا تُقْبَلُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، كَالْحَرْبِيِّ، وَالْخَبَرُ يَرْوِيه مُجَالِدٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْيَمِينَ، فَإِنَّهَا تُسَمَّى شَهَادَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] . وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَمُتَعَلِّقُهَا الْقَرَابَةُ وَالشَّفَقَةُ، وَقَرَابَتُهُمْ ثَابِتَةٌ، وَشَفَقَتُهُمْ كَشَفَقَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَازَتْ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ غَيْرَ أَهْلِ دِينِهِمْ لَا يَلِي عَلَيْهِمْ، وَالْحَاكِمُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لَكَثْرَتِهِمْ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا مُمْكِنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ دِينٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ» ؛ فَإِنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ خَصْمٍ أَوْ جَارٍ إلَى نَفْسِهِ]

(8375) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ، وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ، وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا) أَمَّا الْخَصْمُ، فَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، كُلُّ مَنْ خَاصَمَ فِي حَقٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَلَا الْوَصِيِّ فِيمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيهِ، وَلَا الشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَلَا الْمُضَارِبِ بِمَالٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُضَارَبَةِ.
وَلَوْ غَصَبَ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُودَعِ، وَطَالَبَ بِهَا، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِهِ، كَالْمَالِكِ.
وَالثَّانِي، الْعَدُوُّ، فَشَهَادَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى عَدُوِّهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَيُرِيدُ بِالْعَدَاوَةِ هَاهُنَا الْعَدَاوَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَقْذُوفُ عَلَى الْقَاذِفِ، وَالْمَقْطُوعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى الْقَاطِعِ، وَالْمَقْتُولُ وَلِيُّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَالْمَجْرُوحُ عَلَى الْجَارِحِ، وَالزَّوْجُ يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَى، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَاوَتِهِ لَهَا، لِإِفْسَادِهَا فِرَاشَهُ.
فَأَمَّا الْعَدَاوَةُ فِي الدِّينِ، كَالْمُسْلِمِ يَشْهَدُ عَلَى الْكَافِرِ، أَوْ الْمُحِقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَشْهَدُ عَلَى مُبْتَدَعٍ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ بِالدِّينِ، وَالدِّينُ يَمْنَعُهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورِ دِينِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَمْنَعُ الْعَدَاوَةُ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ، فَلَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، كَالصَّدَاقَةِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
الْغِمْرُ: الْحِقْدُ.
وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورِثَ التُّهْمَةَ.
فَتَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، كَالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَتُخَالِفُ الصَّدَاقَةَ؛ فَإِنَّ فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ بِالزُّورِ نَفْعَ غَيْرِهِ بِمَضَرَّةِ نَفْسِهِ، وَبَيْعَ آخِرَتِهِ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ يَقْصِدُ بِهَا نَفْعَ نَفْسِهِ، بِالتَّشَفِّي مِنْ عَدُوِّهِ، فَافْتَرَقَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ الْعَدَاوَةِ؟ قُلْنَا: الْعَدَاوَةُ هَاهُنَا دِينِيَّةٌ، وَالدِّينُ لَا يَقْتَضِي شَهَادَةَ الزُّورِ، وَلَا أَنْ يَتْرُكَ دِينَهُ بِمُوجِبِ دِينِهِ.

[فَصْل شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقِّ فَقَذَفَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ]

(8376) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ، فَقَذَفَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ بِهَذَا لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ إبْطَالٍ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِأَنْ يَقْذِفَهُ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَقَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ فِيهِ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ، بَلْ إلَى عَكْسِهِ، وَلِأَنَّ طَرَيَان الْفِسْقِ يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ إسْرَارُهُ، فَظُهُورُهُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسِرُّهُ حَالَةَ أَدَائِهَا، وَهَا هُنَا حَصَلَتْ الْعَدَاوَةُ بِأَمْرِ لَا تُهْمَةَ عَلَى الشَّاهِدِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْمُحَاكَمَةُ فِي الْأَمْوَالِ، فَلَيْسَتْ بِعَدَاوَةِ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ فِي غَيْرِ مَا حَاكِمَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ.
فَإِنَّ الْجَارَ إلَى نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ، وَيَجُرُّ إلَيْهِ بِهَا نَفْعًا؛ كَشَهَادَةِ الْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، وَشَهَادَتِهِمْ لِلْمَيِّتِ بِدَيْنٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لِلْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ مَالٌ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ شَهِدَ الْغُرَمَاءُ لَحَيٍّ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ مُعْسِرًا سَقَطَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ، فَإِذَا شَهِدَا لَهُ بِمَالٍ، مَلَكَا مُطَالَبَتَهُ، فَجَرُّوا إلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا.
قُلْنَا: لَمْ تَثْبُتْ الْمُطَالَبَةُ بِشَهَادَتِهِمْ، إنَّمَا تَثْبُتُ بِيَسَارِهِ وَإِقْرَارِهِ؛ لِدَعْوَاهُ الْحَقَّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَارِثِ لِلْمَوْرُوثِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِي الْجَرْحُ إلَى نَفْسِهِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لَهُمْ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَلَا شَهَادَةُ الشَّفِيعِ بِبَيْعِ شِقْصٍ لَهُ فِيهِ الشُّفْعَةُ.
وَلَا شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا لِمُكَاتَبِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ.
وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ، مَعَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَرِثَهُ، فَقَدْ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا؟

قُلْنَا: لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِهِ حِينَ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ لَامْرَأَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، أَوْ لِغَرِيمِ لَهُ بِمَالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ، أَوْ يُفْلِسَ، فَيَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مَا يَحْصُلُ لِلشَّاهِدِ بِهِ نَفْعٌ حَالَ الشَّهَادَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ مَنَعْتُمْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقٌّ فِي الْحَالِ، فَإِنْ قُلْتُمْ: قَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ حَقِّهِ.
قُلْنَا: يَبْطُلُ بِالشَّاهِدِ لِمَوْرُوثِهِ الْمَرِيضِ بِحَقٍّ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ مَعَ انْعِقَادِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ عَطِيَّتَهُ لَهُ لَا تَنْفُذُ، وَعَطِيَّتَهُ لِغَيْرِهِ تَقِفُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الثُّلُثِ.
قُلْنَا: إنَّمَا مَنَعْنَا الشَّهَادَةَ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْمَوْتِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلْوَارِثِ الشَّاهِدِ بِهِ ابْتِدَاءً، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ، مُوجِبًا لَهُ بِهَا حَقًّا ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ لِلْمَرِيضِ أَوْ الْمَجْرُوحِ بِمَالٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ، فَلَمْ يَمْنَعْ الشَّهَادَةَ لَهُ، كَالشَّهَادَةِ لِغَرِيمِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، كَمَا أَجَزْتُمْ شَهَادَتَهُ لَهُ بِمَالِهِ؟ . قُلْنَا: إنَّمَا أَجَزْنَاهَا لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّاهِدِ ابْتِدَاءً، إنَّمَا تَجِبُ لِلْقَتِيلِ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ، ثُمَّ يَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ مِنْهَا، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ لَهُ بِالْمَالِ.
وَأَمَّا الدَّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَمِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ، أَوْ تَشْهَدَ عَاقِلَةُ الْقَاتِلِ خَطَأً بِجَرْحِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ بِالْجَرْحِ فَقِيرَيْنِ، اُحْتُمِلَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْمِلَانِ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يُوسِرَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَيَحْمِلَا.
وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْبَعِيدِ الَّذِي لَا يَحْمِلُ لِبُعْدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَيَحْمِلَ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الضَّامِنِ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بِقَضَاءِ الْحَقِّ، أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ.
وَلَا شَهَادَةُ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوَفِّرُ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلَا شَهَادَةُ بَعْضِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَلَى بَعْضِهِمْ بِإِسْقَاطِ دَيْنِهِ، أَوْ اسْتِيفَائِهِ.
وَلَا بَعْضِ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ عَلَى آخَرَ، بِمَا يُبْطِلُ وَصِيَّتَهُ، إذَا كَانَتْ وَصِيَّتُهُ تَحْصُلُ بِهَا مُزَاحَمَتُهُ؛ إمَّا لِضِيقِ الثُّلُثِ عَنْهُمَا، أَوْ لِكَوْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ بِمُعَيَّنٍ.
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِهِ مُتَّهَمٌ؛ لِمَا يَحْصُلُ بِشَهَادَتِهِ مِنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ.
وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ، أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ خَصْمٍ، وَلَا ظَنِينٍ.
وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ.
وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا شَهَادَةَ لَخَصْمٍ، وَلَا ظَنِينٍ» . وَمِمَّنْ رَدَّ شَهَادَةَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ شُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.

[فَصْل شَهِدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ]

(8377) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، أَوْ الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، أَوْ الْعَدُوُّ لِعَدُوِّهِ، أَوْ الْوَارِثُ لِمَوْرُوثِهِ بِمَالٍ، أَوْ بِالْجَرْحِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ، بَعْدَ أَنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ عَلَى الْآخَرِ، بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ، أَوْ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بَعْدَ سُقُوطِ وَصِيَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ، بِمَا يُسْقِطُ وَصِيَّتَهُ، أَوْ كَانَتْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَا تُزَاحِمُ الْأُخْرَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، قُبِلَتْ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مُتَحَقِّقٌ، وَالْمَانِعُ مُنْتَفٍ فَوَجَبَ قَبُولُهَا، عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةِ]

(8378) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِقَوْلِهِ؛ لِتَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا الْعَدَالَةَ، وَمَنْ يَكْثُرُ غَلَطُهُ وَتَغَفُّلُهُ، لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَلَطَاتِهِ، فَرُبَّمَا شَهِدَ عَلَى غَيْرِ مَنْ اُسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ، أَوْ لِغَيْرِ مَنْ شَهِدَ لَهُ، أَوْ بِغَيْرِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ مُغَفَّلًا، فَرُبَّمَا اسْتَزَلَّهُ الْخَصْمُ بِغَيْرِ شَهَادَته، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ.
وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ وُجُودُ غَلَطٍ نَادِرٍ، أَوْ غَفْلَةٍ نَادِرَةٍ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ مَنَعَ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ، لَانْسَدَّ بَابُهَا، فَاعْتَبَرْنَا الْكَثْرَةَ فِي الْمَنْعِ، كَمَا اعْتَبَرْنَا كَثْرَةَ الْمَعَاصِي فِي الْإِخْلَالِ بِالْعَدَالَةِ.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ الْأَعْمَى]

(8379) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى، إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ الْحَسَنِ، وَإِيَاسٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ شَهَادَتَهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالتَّرْجَمَةِ، وَإِذَا أَقَرَّ عِنْدَ أُذُنِهِ وَيَدُ الْأَعْمَى عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَبَطَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجِزْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، لَا تَجُوزُ عَلَى الْأَقْوَالِ، كَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ، فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا، كَالْخَطِّ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] . وَسَائِرُ الْآيَاتِ فِي الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَالْبَصِيرِ، وَفَارَقَ الصَّبِيَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرَجُلٍ وَلَا عَدْلٍ وَلَا مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ،

وَلِأَنَّ السَّمْعَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْيَقِينُ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَنْ أَلِفَهُ الْأَعْمَى، وَكَثُرَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ، وَعَرَفَ صَوْتَهُ يَقِينًا، فَيَجِبُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ فِيمَا تَيَقَّنَهُ، كَالْبَصِيرِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ حُصُولِ الْيَقِينِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
قَالَ قَتَادَةُ: لِلسَّمْعِ قِيَافَةٌ كَقِيَافَةِ الْبَصَرِ.
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَسْمَعَهَا مِنْ عَدْلَيْنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُمَا حَتَّى يَعْرِفَ عَدَالَتَهُمَا، فَإِذَا صَحَّ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدَيْنِ، صَحَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمُقِرَّ.
وَلَا خِلَافَ فِي قَبُولِ رِوَايَته، وَجَوَازِ اسْتِمَاعِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ إذَا عَرَفَ صَوْتَهَا، وَصِحَّةِ قَبُولِهِ النِّكَاحَ، وَجَوَازُ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ، كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ، وَفَارَقَ الْأَفْعَالَ؛ فَإِنَّ مَدْرَكِهَا الرُّؤْيَةُ، وَهِيَ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ مِنْ الْأَعْمَى، وَالْأَقْوَالُ مَدْرَكُهَا السَّمْعُ، وَهُوَ يُشَارِكُ الْبَصِيرَ فِيهِ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ، يُفَارِقُ الْخَطَّ، فَإِنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ مَنْ كَتَبَ الْخَطَّ، أَوْ رَآهُ وَهُوَ يَكْتُبُهُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا كَتَبَ فِيهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وَعَلِمَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا.
فَإِنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ صَوْتَ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ عَلَى الْبَصِيرِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ.

[فَصْل تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلٍ ثُمَّ عَمِيَ]

(8380) فَصْلٌ: فَإِنْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلٍ، ثُمَّ عَمِيَ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا تُخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَالصَّمَمِ، وَيُفَارِقُ الْحُكْمَ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ مَا لَا يُعْتَبَرُ لِلشَّهَادَةِ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ لَهُ السَّمْعُ وَالِاجْتِهَادُ وَغَيْرُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، لَكِنْ تَيَقَّنَ صَوْتَهُ؛ لِكَثْرَةِ إلْفِهِ لَهُ، صَحَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ.
وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، ثُمَّ عَمِيَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، جَازَ الْحُكْمُ بِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ مَعَ صِحَّةِ النُّطْقِ، فَمَنَعَ الْحُكْمَ بِهَا، كَالْفِسْقِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، لَا يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَهَا كَالْمَوْتِ، وَفَارَقَ الْفِسْقَ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ تُهْمَةً حَالَ الشَّهَادَةِ.

[فَصْل شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ]

(8381) فَصْلٌ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ بِحَالٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ قِيلَ لَهُ: وَإِنْ

كَتَبَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تُقْبَلُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي أَحْكَامِهِ، مِنْ طَلَاقِهِ، وَنِكَاحِهِ، وَظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ، فَكَذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ.
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الصَّلَاةِ إلَى النَّاسِ وَهُمْ قِيَامٌ، أَنَّ اجْلِسُوا.
فَجَلَسُوا.
وَلَنَا، أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْإِشَارَةِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَإِشَارَةِ النَّاطِقِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَقِينُ، وَلِذَلِكَ لَا يَكْتَفِي بِإِيمَاءِ النَّاطِقِ، وَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِالْإِشَارَةِ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِإِشَارَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُمْضِي حُكْمَهُ إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ، وَالشَّاهِدُ لَا يَشْهَدُ بِرُؤْيَةِ خَطِّهِ، فَلَأَنْ لَا حُكْمَ بِخَطِّ غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ، وَعَمِلَ بِإِشَارَتِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَلَوْ شَهِدَ النَّاطِقُ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ، لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعًا، فَعُلِمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ مُفَارِقَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا لَلْوَلَدِ وَإِنْ سَفُلَ]

(8382) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا، لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفُلَ، وَلَا شَهَادَةُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفُلَ، لَهُمَا وَإِنْ عَلَوَا.
ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ لَا تُقْبَلُ، وَلَا لِوَلَدِ وَلَدِهِ، وَإِنْ سَفُلَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ وَوَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لَوَالِدِهِ، وَلَا لِوَالِدَتِهِ، وَلَا جَدِّهِ، وَلَا جَدَّتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، وَآبَاؤُهُمَا وَأُمَّهَاتُهُمَا.
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَبِ لَهُ؛ لِأَنَّ مَالَ الِابْنِ فِي حُكْمِ مَالِ الْأَبِ، لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إذَا شَاءَ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَجُرُّ بِهَا لِنَفْسِهِ نَفْعًا.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك» . وَقَالَ: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» . وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي شَهَادَةِ الِابْنِ لِأَبِيهِ.

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فِي مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْقِصَاصِ، وَالْمَالِ إذَا كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مَقْبُولَةٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْمَزْنِيُّ، وَدَاوُد، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» . وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالْأَبُ يُتَّهَمُ لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ كَمَا لَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضِيَّةً، فَكَأَنَّهُ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا» . وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الشَّهَادَةِ لِوَلَدِهِ، كَتُهْمَةِ الْعَدُوِّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالْخَبَرُ أَخُصُّ مِنْ الْآيَاتِ، فَتُخَصُّ بِهِ.

[فَصْل شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ الْوَالِد وَوَلَده]

(8383) فَصْلٌ: فَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَتُقْبَلُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ فِي " الْجَامِعِ " فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] . فَأَمَرَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَمَا أَمَرَ بِهَا، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ، كَشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيِّ، بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لِنَفْسِهِ لَمَّا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ إلَى نَفْسِهِ، كَانَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ مَقْبُولًا.
وَحَكَى الْقَاضِي، فِي الْمُجَرَّدِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا لَا تُقْبَلُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ، كَالْفَاسِقِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ فِي قِصَاصٍ، وَلَا حَدِّ قَذْفٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ لَهُ وَلَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ، كَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ.

[فَصْل شَهِدَ اثْنَانِ بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا وَقَذْفِ زَوْجِهَا لَهَا]

(8384) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا، وَقَذْفِ زَوْجِهَا لَهَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ حَقَّ أُمِّهِمَا لَا يَزْدَادُ بِهِ،

وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَبَاهُمَا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَتَوْفِيرُ الْمِيرَاثِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ.

[فَصْل شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأَبِيهِ مِنْهَا]

(8385) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَأَبِيهِ مِنْهَا، وَسَائِرِ أَقَارِبه مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا يُوجِبُ الْإِنْفَاقَ، وَالصِّلَةَ، وَعِتْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَبَسُّطُهُ فِي مَالِهِ، بِخِلَافِ قَرَابَة النَّسَبِ.

[مَسْأَلَة شَهَادَة السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَالْعَكْس]

(8386) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ.
أَمَّا شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَيْضًا بِنِكَاحٍ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ؛ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ أَمَتِهِ تَخْلِيصَهَا لَهُ، وَإِبَاحَةَ بِضْعِهَا لَهُ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ نَفْعًا لَهُ، وَنَفْعُ مَالِ الْإِنْسَانِ نَفْعٌ لَهُ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَسَّطُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ.

[مَسْأَلَة شَهَادَة الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا]

(8387) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَأَجَازَ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، كَالْإِجَارَةِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، كَقَوْلِهِمْ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ، وَلَا تُقَبِّلُ شَهَادَتُهَا لَهُ؛ لِأَنَّ يَسَارَهُ وَزِيَادَةَ حَقِّهَا مِنْ النَّفَقَةِ، تَحْصُلُ بِشَهَادَتِهَا لَهُ بِالْمَالِ، فَهِيَ مُتَّهَمَةٌ لِذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ، وَيَنْبَسِطُ فِي مَالِهِ عَادَةً، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لَهُ، كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ؛ وَلِأَنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ، وَيَسَارَ الْمَرْأَةِ تَزِيدُ بِهِ قِيمَةُ بِضْعِهَا الْمَمْلُوكِ لِزَوْجِهَا، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ، كَشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ.
وَيُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُضَافُ إلَى الْآخَرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] .

وَقَالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 53] . فَأَضَافَ الْبُيُوتَ إلَيْهِنَّ تَارَةً، وَإِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْرَى، وَقَالَ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . وَقَالَ عُمَرُ، لِلَّذِي قَالَ لَهُ: إنَّ غُلَامِي سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي: لَا قَطَعَ عَلَيْهِ، عَبْدُكُمْ سَرَقَ مَالَكُمْ.
وَيُفَارِقُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ]

(8388) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَشَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَع أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ الثَّوْرِيِّ، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا إلَيْهِ فِي صِلَتِهِ وَبِرِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي النَّسَبِ، وَتَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضِيَّةً وَقَرَابَةً قَوِيَّةً بِخِلَافِ الْأَخِ.

[فَصْل شَهَادَةُ الْعَمِّ وَابْنِهِ وَالْخَالِ وَابْنِهِ وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ]

(8389) فَصْلٌ: وَشَهَادَةُ الْعَمِّ وَابْنِهِ، وَالْخَالِ وَابْنِهِ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ فَإِنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ إذَا أُجِيزَتْ مَعَ قُرْبِهِ، كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى شَهَادَةِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

[فَصْل شَهَادَةُ أَحَدِ الصَّدِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ]

(8390) فَصْلٌ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الصَّدِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا مَالِكًا، قَالَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِهَا، فَهُوَ مُتَّهَمٌ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، كَشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ.
وَلَنَا، عُمُومُ أَدِلَّةِ الشَّهَادَةِ، وَمَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِشَهَادَةِ الْغَرِيمِ لِلْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا قَضَاهُ دَيْنَهُ مِنْهُ، فَجَرَّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا أَعْظَمَ مِمَّا يُرْجَى هَاهُنَا بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ.
فَأَمَّا الْعَدَاوَةُ، فَسَبَبُهَا مَحْظُورٌ، وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ شِفَاءُ غَيْظِهِ مِنْهُ، فَخَالَفَتْ الصَّدَاقَةَ.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ الْعَبْدِ]

(8391) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إلَّا فِي الْحُدُودِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ

الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ؛ (8392) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَبْدِ فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. قَالَ أَنَسٌ: مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ.
وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَشُرَيْحٌ، وَإِيَاسٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْبَتِّيُّ، أَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ذِي مُرُوءَةٍ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَمَالِ لَا تَتَبَعَّضُ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا الْعَبْدُ، كَالْمِيرَاثِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ: تُقْبَلُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
وَلَنَا، عُمُومُ آيَاتِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِيهَا، فَإِنَّهُ مِنْ رِجَالِنَا، وَهُوَ عَدْلٌ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَفُتْيَاهُ وَأَخْبَارُهُ الدِّينِيَّةُ.
وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: «تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا.
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ؟» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد، «فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا لَكَاذِبَةٌ.
قَالَ: وَمَا يُدْرِيك، وَقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ، دَعْهَا عَنْك» . وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، كَالْحُرِّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي مُرُوءَةٍ، فَإِنَّهُ كَالْحُرِّ يَنْقَسِمُ إلَى مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ، وَمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالْأَتْقِيَاءُ.
سُئِلَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ شَهَادَةِ الْعَبِيدِ، فَقَالَ: أَنَا أَرُدُّ شَهَادَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَكَانَ مِنْهُمْ زِيَادُ بْنِ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ الْعُلَمَاءِ الزُّهَّادِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرْفَعُ قَدْرَهُ، وَيُكْرِمُهُ.
وَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَوَالِي كَانُوا عَبِيدًا، أَوْ أَبْنَاءَ عَبِيدٍ، لَمْ يَحْدُثْ فِيهِمْ بِالْإِعْتَاقِ إلَّا الْحُرِّيَّةُ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تُغَيِّرُ طَبْعًا، وَلَا تُحْدِثُ عِلْمًا، وَلَا مُرُوءَةً، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِيرَاثِ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ خِلَافَةٌ لِلْمَوْرُوثِ فِي مَالِهِ وَحُقُوقِهِ، وَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُهُ الْخِلَافَةُ؛ لِأَنَّ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُفَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ، وَمَبْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الصِّدْقِ، وَحُصُولُ الثِّقَةِ مِنْ الْقَوْلِ، وَالْعَبْدُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ.

(8393) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ فِي الْحَدِّ، وَفِي الْقِصَاصِ احْتِمَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ، فَأَشْبَهَ الْأَمْوَالَ.
وَالثَّانِي، لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأَشْبَهَ الْحَدَّ، وَذَكَرِ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، فِي الْعُقُوبَاتِ كُلِّهَا مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، تُقْبَلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا، كَالْحُرِّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا تُقْبَلُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ فِي الْأَمْوَالِ نَقْصٌ وَشُبْهَةٌ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ نَاقِصُ الْحَالِ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، كَالْمَرْأَةِ.

[فَصَلِّ فِي شَهَادَةَ الْأَمَةِ]

(8394) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: شَهَادَةُ الْأَمَةِ جَائِزَةٌ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ فِي الْمَالِ أَوْ سَبَبِهِ، وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِيمَا عَدَاهُمَا، فَسَاوَتْهُنَّ فِي الشَّهَادَةِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ.

[فَصْل شَهَادَة الْمُكَاتَب وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ]

فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، حُكْمُ الْقِنِّ، فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُكَاتَبِ.، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَبْدِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْقِنِّ، فَفِي هَؤُلَاءِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ أَكْمَلُ مِنْهُ، لِوُجُودِ أَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمْ.

[مَسْأَلَة شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى]

(8396) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ، فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الزِّنَى وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي مَنْ فَعَلَ قَبِيحًا، أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ.
وَحُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ، أَنَّهُ قَالَ: وَدَّتْ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ زَنَيْنَ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْآيَاتِ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الزِّنَى، فَقُبِلَ فِي الزِّنَى كَغَيْرِهِ، وَمَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ، قُبِلَتْ فِي الزِّنَى، كَوَلَدِ الرِّشْدَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمَا احْتَجُّوا بِهِ غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا، يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ فِيهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّنِي لَا أَعْلَمُ مَا ذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ ثَابِتًا عَنْهُ، وَأَشْبَهُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا عَنْهُ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْلِقَ عُثْمَانُ كَلَامًا بِالظَّنِّ عَنْ ضَمِيرِ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَذْكُرُهُ.

الثَّالِثُ، أَنَّ الزَّانِيَ لَوْ تَابَ، لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ، فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ وَلَدَهُ مِنْ وِزْرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا لَزِمَهُ، وَمَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ، مَعَ أَنَّ وَلَدَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ وِزْرِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] . وَوَلَدُ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ حُكْمًا.
.

[مَسْأَلَة شَهَادَة الْقَاذِفُ]

(8397) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَاذِفَ إنْ كَانَ زَوْجًا، فَحَقَّقَ قَذْفَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لِعَانٍ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَحَقَّقَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَذْفِهِ فِسْقٌ، وَلَا حَدٌّ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ قَذْفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ، وَرَدُّ شَهَادَتِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] . فَإِنْ تَابَ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَزَالَ الْفِسْقُ، بِلَا خِلَافٍ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتَبَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةَ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا جُلِدَ، وَإِنْ تَابَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ.
فَالْخِلَافُ مَعَهُ فِي فَصْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ عِنْدَنَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِالْقَذْفِ إذَا لَمْ يُحَقِّقْهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، لَا تَسْقُطُ إلَّا بِالْجَلْدِ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ إذَا تَابَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ جُلِدَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا تُقْبَلُ.
وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] . . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ» . وَاحْتَجَّ فِي الْفَصْلِ الْآخَرِ بِأَنَّ الْقَذْفَ قَبْلَ حُصُولِ الْجَلْدَ يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ، فَلَا يَجِبُ بِهِ التَّفْسِيقُ.

وَلَنَا، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرَةَ، حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: تُبْ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك.
وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ؛ أَبُو بَكْرَةَ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَنَكَلَ زِيَادٌ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ، وَقَالَ لَهُمْ: تُوبُوا، تُقْبَلْ شَهَادَتُكُمْ.
فَتَابَ رَجُلَانِ، وَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا، وَأَبِي أَبُو بَكْرَةَ، فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ.
وَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلَ النَّصْلِ مِنْ الْعِبَادَةِ.
وَلِأَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَالتَّائِبِ مِنْ الزِّنَى، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزِّنَى أَعْظَمُ مِنْ الْقَذْفِ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَسَائِرُ الذُّنُوبِ، إذَا تَابَ فَاعِلُهَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، فَهَذَا أَوْلَى.
وَأَمَّا الْآيَةُ، فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ، وَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى الْجَلْدِ.
قُلْنَا: بَلْ يَعُودُ إلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ مَعْطُوفٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، وَهِيَ لِلْجَمْعِ تَجْعَلُ الْجُمَلَ كُلَّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى جَمِيعِهَا، إلَّا مَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ، فَعَادَ إلَى الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، كَالشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ، إنْ لَمْ يَقُمْ.
عَادَ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا، كَذَا الِاسْتِثْنَاءُ، بَلْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَة هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، فَيَكُونُ هُوَ الْحُكْمَ، وَالتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ وَالتَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ، فَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى التَّعْلِيلِ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ، يَرْوِيه الْحُجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَرْفَعْهُ مَنْ رِوَايَتِهِ حُجَّةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ، وَلَمْ تُذْكَرْ فِيهِ

هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَلَطِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ قَبُولُ شَهَادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ صِحَّتُهُ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَتُبْ، بِدَلِيلِ: كُلُّ مَحْدُودٍ تَائِبٌ سِوَى هَذَا.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَدَلِيلُنَا فِيهِ الْآيَةُ، فَإِنَّهُ رَتَّبَ عَلَى رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ؛ إيجَابُ الْجَلْدِ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، وَالْفِسْقُ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِوُجُودِ الرَّمْيِ الَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْقِيقُهُ، كَالْجَلْدِ؛ وَلِأَنَّ الرَّمْيَ هُوَ الْمَعْصِيَةُ وَالذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ، وَتَثْبُتُ بِهِ الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ وَتَطْهِيرٌ، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ، وَإِنَّمَا الْجَلْدُ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ لِلْقَذْفِ، فَيَثْبُتَانِ جَمِيعًا بِهِ، وَتَخَلُّفُ اسْتِيفَاء أَحَدِهِمَا، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْآخَرِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْجَلْدِ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْجَلْدَ حُكْمُ الْقَذْفِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَحْقِيقُهُ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ تَحَقُّقِ الْقَذْفِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَوْفَى حَدٌّ قَبْلَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ، وَيَصِيرُ مُتَحَقِّقًا بَعْدَهُ؟ هَذَا بَاطِلٌ.

(8398) فَصْلٌ: وَالْقَاذِفُ فِي الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَالشَّاهِدُ بِالزِّنَى إذَا لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ، تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ دُونَ شَهَادَتِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ.
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ، وَقَالَ لَهُ: تُبْ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك.
وَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي قَبُولِ رِوَايَة أَبِي بَكْرَةَ، مَعَ رَدِّ عُمَرَ شَهَادَتَهُ.

[مَسْأَلَة تَوْبَةُ الْقَاذِف الْمَمْنُوع مِنْ الشَّهَادَة]

(8399) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ.
ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ إكْذَابُ نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: كَذَبْت فِيمَا قُلْت.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5] . قَالَ: تَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ» . وَلِأَنَّ عِرْضَ الْمَقْذُوفِ تَلَوَّثَ بِقَذْفِهِ، فَإِكْذَابُهُ نَفْسَهُ يُزِيلُ ذَلِكَ التَّلْوِيثَ، فَتَكُونُ التَّوْبَةُ بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْقَذْفَ إنْ كَانَ سَبًّا، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: الْقَذْفُ حَرَامٌ بَاطِلٌ، وَلَنْ أَعُودَ إلَى مَا قُلْت.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا، فَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَذِبِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ إكْذَابٍ

وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصِّدْقَ فِيمَا قَذَفَ بِهِ، فَتَوْبَتُهُ الِاسْتِغْفَارُ، وَالْإِقْرَارُ بِبُطْلَانِ مَا قَالَهُ وَتَحْرِيمِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِثْلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَذْفُ بِشَهَادَةٍ أَوْ سَبٍّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي الشَّهَادَةِ، صَادِقًا فِي السَّبِّ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْقَاذِفَ كَاذِبًا إذَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] . فَتَكْذِيبُ الصَّادِقِ نَفْسَهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَادِقًا.

[فَصْل وَكُلُّ ذَنْبٍ تَلْزَمُ فَاعِلَهُ التَّوْبَةُ مِنْهُ]

(8400) فَصْلٌ: وَكُلُّ ذَنْبٍ تَلْزَمُ فَاعِلَهُ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَمَتَى تَابَ مِنْهُ، قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 136] الْآيَةَ.
وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» . وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بَقِيَّةُ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لَا قِيمَةَ لَهُ، يُدْرِكُ فِيهِ مَا فَاتَ، وَيُحْيِي فِيهِ مَا أَمَاتَ، وَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ.
وَالتَّوْبَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ بَاطِنَةٌ، وَحُكْمِيَّةٌ، فَأَمَّا الْبَاطِنَةُ، فَهِيَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ لَا تُوجِبُ حَقًّا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، كَقُبْلَةِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ الْخَلْوَةِ بِهَا، وَشُرْبِ مُسْكِرٍ، أَوْ كَذِبٍ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ النَّدَمُ، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» . وَقِيلَ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تَجْمَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ؛ النَّدَمَ بِالْقَلْبِ، وَالِاسْتِغْفَارَ بِاللِّسَانِ، وَإِضْمَارَ أَنْ لَا يَعُودَ، وَمُجَانَبَةَ خُلَطَاءِ السُّوءِ.
وَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ عَلَيْهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِآدَمِيٍّ؛ كَمَنْعِ الزَّكَاةِ وَالْغَصْبِ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَتَرْكِ الْمَظْلِمَةِ حَسْبَ إمْكَانِهِ، بِأَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ، وَيَرُدَّ الْمَغْصُوبَ، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا قِيمَتَهُ.
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، نَوَى رَدَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا حَقٌّ فِي الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، اُشْتُرِطَ فِي التَّوْبَةِ

التَّمَكُّنُ مِنْ نَفْسِهِ، وَبَذْلُهَا لِلْمُسْتَحِقِّ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَحَدِّ الزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَتَوْبَتُهُ أَيْضًا بِالنَّدَمِ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ، فَالْأَوْلَى لَهُ سَتْرُ نَفْسِهِ، وَالتَّوْبَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» . فَإِنَّ الْغَامِدِيَّةَ حِينَ أَقَرَّتْ بِالزِّنَى، لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً مَشْهُورَةً، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْأَوْلَى الْإِقْرَارُ بِهِ، لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَشْهُورًا، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ تَرْكَ الْإِقْرَارِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّضَ لِلْمُقِرِّ عِنْدَهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ؛ فَعَرَّضَ لَمَاعِزٍ، وَلِلْمُقِرِّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ بِالرُّجُوعِ، مَعَ اشْتِهَارِهِ عَنْهُ بِإِقْرَارِهِ، وَكَرِهَ الْإِقْرَارَ، حَتَّى إنَّهُ قِيلَ: لَمَّا قَطَعَ السَّارِقَ: كَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُهُ رَمَادًا.
وَلَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ بِالْإِقْرَارِ، وَلَا الْحَثُّ عَلَيْهِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ قِيَاسٌ، إنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالسَّتْرِ، وَالِاسْتِتَارِ، وَالتَّعْرِيضِ لِلْمُقِرِّ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ.
وَقَالَ لِهَزَّالٍ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ مَاعِزًا بِالْإِقْرَارِ: «يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك، كَانَ خَيْرًا لَك» . وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَوْبَةُ هَذَا إقْرَارُهُ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تُوجَدُ حَقِيقَتُهَا بِدُونِ الْإِقْرَارِ، وَهِيَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ، مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فِي مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَتَرْكِ الْإِصْرَارِ.
وَأَمَّا الْبِدْعَةُ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهَا بِالِاعْتِرَافِ بِهَا، وَالرُّجُوعِ عَنْهَا، وَاعْتِقَادِ ضِدِّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُ مِنْهَا.

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل