َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَلَنَا أَنَّهُ إذَا قَذَفَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُجْزِئُ حَدٌّ وَاحِدٌ، أَنَّهُ يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِي قَذْفِهِ، وَبَرَاءَةُ عِرْضِهِمَا مِنْ رَمْيِهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ، فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَذْفُ لَوَاحِدٍ.
وَإِذَا قَذَفَهُمَا بِكَلِمَتَيْنِ، وَجَبَ حَدَّانِ؛ لِأَنَّهُمَا قَذْفَانِ لِشَخْصَيْنِ، فَوَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ، كَمَا لَوْ قَذَفَ الثَّانِي بَعْدَ حَدِّ الْأَوَّلِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّتَيْنِ أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ، فَالتَّفْصِيلُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ قَذَفَ أَرْبَعَ نِسَائِهِ، فَالْحُكْمُ فِي الْحَدِّ كَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ اللِّعَانَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُلَاعِنَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لِعَانًا مُفْرَدًا، وَيَبْدَأُ بِلِعَانِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالْمُطَالَبَةِ، فَإِنْ طَالَبْنَ جَمِيعًا، وَتَشَاحَحْنَ، بَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَاحَحْنَ، بَدَأَ بِلِعَانِ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، وَلَوْ بَدَأَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ مَعَ الْمُشَاحَّةِ صَحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ مِنْ الزِّنَا.
وَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى.
لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ أَيْمَانٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ لِجَمَاعَةٍ، كَالْأَيْمَانِ فِي الدُّيُونِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ]
(6293) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ.
فَقَدْ قَذَفَهَا، وَقَذَفَ أُمَّهَا بِكَلِمَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ فِي الْحَدِّ لَهُمَا عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ، فَإِنْ اجْتَمَعَا فِي الْمُطَالَبَةِ، فَفِي أَيَّتِهِمَا يُقَدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْأُمُّ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا آكَدُ، لِكَوْنِهِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَلِأَنَّ لَهَا فَضِيلَةَ الْأُمُومَةِ.
وَالثَّانِي، تَقْدِيمُ الْبِنْتُ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِقَذْفِهَا.
وَمَتَى حُدَّ لِإِحْدَاهُمَا، ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْأُخْرَى، لَمْ يُحَدَّ حَتَّى يَبْرَأَ جِلْدُهُ مِنْ حَدِّ الْأُولَى.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْحَدَّ هَاهُنَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَلَمْ لَا يُوَالَى بَيْنَهُمَا كَالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلَيْنِ، قَطَعْنَا يَدَيْهِ لَهُمَا، وَلَمْ نُؤَخِّرْهُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ قَبْلَ إقَامَةِ حَدِّهِ، فَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ حَدَّيْنِ فِيهِ تُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَالْقِصَاصُ يَجُوزُ أَنْ تُقْطَعَ الْأَطْرَافُ كُلُّهَا فِي قِصَاصٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا جَازَ لِوَاحِدٍ، فَلِاثْنَيْنِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ قَذَفَ مُحْصَنًا مَرَّاتٍ]
(6294) فَصْلٌ: وَإِنْ قَذَفَ مُحْصَنًا مَرَّاتٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ، أَوْ كَرَّرَ الْقَذْفَ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ تَرَادَفَ سَبَبُهُمَا، فَتَدَاخَلَا، كَالزِّنَا مِرَارًا.
وَإِنْ قَذَفَهُ فَحُدَّ لَهُ، ثُمَّ قَذَفَهُ مَرَّةً أُخْرَى بِذَلِكَ الزِّنَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُحُقِّقَ كَذِبُهُ فِيهِ بِالْحَدِّ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إظْهَارِ كَذِبِهِ فِيهِ ثَانِيًا، وَلَمَّا جَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَعَادَ قَذْفَهُ، فَهَمَّ عُمَرُ بِإِعَادَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنْ جَلَدْتَهُ فَارْجُمْ
صَاحِبَهُ.
فَتَرَكَهُ.
وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ ثَانٍ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِزِنًا ثَانٍ.
وَأَمَّا إنْ قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ، فَعَلَيْهِ حَدٌّ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمُحْصَنٍ لَمْ يُحَدَّ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ الْحَدُّ كَالْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْحَدِّ وُجِدَ بَعْدَ إقَامَتِهِ، فَأُعِيدَ عَلَيْهِ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ حُدَّ لِصَاحِبِهِ مَرَّةً، فَلَا يُعَادُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا الْأَوَّلِ.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فِيمَا إذَا تَقَارَبَ الْقَذْفُ الثَّانِي مِنْ الْحَدِّ، فَأَمَّا إذَا تَبَاعَدَ زَمَانُهُمَا، وَجَبَ الْحَدُّ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُ مَرَّةً مِنْ أَجْلِهِ فَوَجَبَ إطْلَاقَ عِرْضِهِ لَهُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَذْهَبِنَا، إلَّا أَنَّهُمْ حَكَوْا عَنْ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا إذَا أَعَادَ الْقَذْفَ بِزِنًا ثَانٍ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ، قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا، يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ.
وَالثَّانِي، يَجِبُ حَدَّانِ.
فَأَمَّا إنْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ قَذَفَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْقَذْفِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلثَّانِي.
فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً قَذْفَيْنِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ حَدٍّ وَاحِدٍ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ إنْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا الْأَوَّلِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ حَدٍّ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ قَذَفَهَا بِزِنًا آخَرَ، فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا قَذَفَ الْأَجْنَبِيَّةَ، ثُمَّ حُدَّ لَهَا، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنَا آخَرَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ حَدَّانِ.
فَطَالَبَتْ الْمَرْأَةُ بِمُوجَبِ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ، فَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، سَقَطَ عَنْهُ حَدُّهُ، وَلَمْ يَجِبْ فِي الثَّانِي حَدُّ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْصَنَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً، حُدَّ لَهَا.
وَمَتَى طَالَبَتْهُ بِمُوجَبِ الثَّانِي، فَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، أَوْ لَاعَنَهَا، سَقَطَ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَذْفَ مُوجَبُهُ غَيْرُ مُوجَبِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُوجَبُهُ الْحَدُّ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالثَّانِي مُوجَبُهُ اللِّعَانُ أَوْ الْحَدُّ.
وَإِنْ بَدَأَتْ بِالْمُطَالَبَةِ بِمُوجَبِ الثَّانِي، فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ، أَوْ لَاعَنَ، سَقَطَ حَدُّهُ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِمُوجَبِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَإِلَّا حُدَّ.
قَالَ الْقَاضِي: إنْ أَقَامَ بِالثَّانِي بَيِّنَةً، سَقَطَ مُوجَبُ الْأَوَّلِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ، فَلَا يَثْبُتُ لَهَا حَدُّ الْمُحْصَنَاتِ.
وَلَنَا أَنَّ سُقُوطَ إحْصَانِهَا فِي الثَّانِي، لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى حَدَّهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
وَلَعَلَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى مَا إذَا قَذَفَ رَجُلًا فَلَمْ يُقِمْ الْحَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ.
وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَلْتَعِنَ لِلثَّانِي، لَمْ يَجِبْ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّهُمَا حَدَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ تَرَادَفَا، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدُهُمَا، فَتَدَاخَلَا، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ قَذْفَيْنِ.
وَلَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ، فَحُدَّ لَهَا، ثُمَّ أَعَادَ قَذْفَهَا بِذَلِكَ
الزِّنَا، لَمْ يُحَدَّ لَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي إعَادَةِ قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ، لَكِنْ يُعَزَّرُ لِلْأَذَى وَالسَّبِّ، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ التَّعْزِيرِ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ تَعْزِيرُ سَبٍّ، لَا تَعْزِيرُ قَذْفٍ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُلْزِمُ الْأَجْنَبِيَّ حَدًّا ثَانِيًا بِإِعَادَةِ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هَاهُنَا حَدٌّ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ.
وَإِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ حَدِّهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا، فَلَهُ اللِّعَانُ لِإِسْقَاطِهِ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ.
وَإِنْ قَذَفَهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ قَذْفَيْنِ بِزِنَاءَيْنِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَيَكْفِيهِ لِعَانٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ، فَإِذَا كَانَ الْحَقَّانِ لِوَاحِدٍ كَفَتْهُ، يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَاءَيْنِ.
وَفَارَقَ مَا إذَا قَذَفَ زَوْجَتَيْنِ، حَيْثُ لَا يَكْفِيهِ لِعَانٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَجَبَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا تَتَدَاخَلُ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ.
وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْأَوَّلِ، سَقَطَ عَنْهُ مُوجَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ زَالَ إحْصَانُهَا، وَلَا لِعَانَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ.
وَإِنْ أَقَامَهَا بِالثَّانِي لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ الْأَوَّلُ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ، إلَّا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الثَّانِي.
وَإِنْ قَذَفَهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ وَلَاعَنَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا بِالزِّنَا الْأَوَّلِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَقَّقَهُ بِلِعَانِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَدَّ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِهِ أَجْنَبِيٌّ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي.
وَلَوْ قَذَفَهَا بِهِ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ بِزِنَا غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إنْ لَمْ يَنْفِ بِلِعَانِهَا وَلَدًا، حُدَّ قَاذِفُهَا، وَإِنْ نَفَاهُ، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفٍ عَنْ زَوْجِهَا بِالشَّرْعِ.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَمَاهَا، أَوْ وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا نَصٌّ، فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى مَنْ رَمَاهَا، مَعَ أَنَّ وَلَدَهَا مَنْفِيٌّ عَنْ الْمُلَاعِنِ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنَاهَا، وَلَا زَالَ إحْصَانُهَا، فَيَلْزَمُ قَاذِفَهَا الْحَدُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَنْفِ وَلَدَهَا.
فَأَمَّا إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، فَقَذَفَهَا قَاذِفٌ بِذَلِكَ الزِّنَا، أَوْ بِغَيْرِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إحْصَانُهَا، وَلِأَنَّ هَذَا الْقَذْفَ لَمْ يُدْخِلْ الْمَعَرَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْمَعَرَّةُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالْأَذَى.
وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِزِنَاهُ، لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالْأَذَى، وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ إسْقَاطَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَلَاعَنَهَا، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا آخَرَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِاللِّعَانِ، وَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، إلَّا أَنْ يُضِيفَ الزِّنَا إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ ثَمَّ نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَلَهُ الْمُلَاعَنَةُ لِنَفْيِهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا.
[مَسْأَلَة الْتَعْنَ هُوَ وَلَمْ تلتعن هِيَ]
(6295) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ الْتَعَنَ هُوَ، وَلَمْ تَلْتَعِنْ هِيَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَاعَنَهَا، وَامْتَنَعَتْ هِيَ مِنْ الْمُلَاعَنَةِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَذَهَبَ مَكْحُولٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، إلَى أَنَّ عَلَيْهَا الْحَدَّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: 8] وَالْعَذَابُ الَّذِي يَدْرَؤُهُ لِعَانُهَا، هُوَ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وَلِأَنَّهُ بِلِعَانِهِ حَقَّقَ زِنَاهَا، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ زِنَاهَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يُلَاعِنْ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ تَحَقُّقَ زِنَاهَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ، أَوْ بِنُكُولِهَا، أَوْ بِهِمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِهِ، لَمَا سُمِعَ لِعَانُهَا، وَلَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا، وَلِأَنَّهُ إمَّا يَمِينٌ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ، وَكِلَاهُمَا لَا يُثْبِتُ لَهُ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِنُكُولِهَا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ، فَإِنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِدَّةِ خَفَرِهَا، أَوْ لِعُقْلَةِ عَلَى لِسَانِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحَدِّ الَّذِي اُعْتُبِرَ فِي بَيِّنَتِهِ مِنْ الْعَدَدِ ضِعْفُ مَا اُعْتُبِرَ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، وَاعْتُبِرَ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَصِفُوا صُورَةَ الْفِعْلِ، وَأَنْ يُصَرِّحُوا بِلَفْظِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ الشُّبُهَاتِ عَنْهُ، وَتَوَسُّلًا إلَى إسْقَاطِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةٌ، لَا يُقْضَى بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا الْعُقُوبَاتِ، وَلَا مَا عَدَا الْأَمْوَالَ، مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَرَى الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ فِي شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَقْضِي بِهِ فِي أَعْظَمِ الْأُمُورِ وَأَبْعَدِهَا ثُبُوتًا، وَأَسْرَعِهَا سُقُوطًا، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ بِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهَا مِنْ الْيَمِينِ عَلَى بَرَاءَتِهَا أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى فِيهِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ مَا لَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ الْمُفْرَدَةِ، لَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الشُّبْهَةِ لَا يَنْتَفِي بِضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخِرِ، فَإِنَّ احْتِمَالَ نُكُولِهَا، لِفَرْطِ حَيَائِهَا وَعَجْزِهَا عَنْ النُّطْقِ بِاللِّعَانِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ، لَا يَزُولُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ، وَالْعَذَابُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسَ أَوْ غَيْرَهُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الْحَدِّ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ، فَلَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِالِاحْتِمَالِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إنَّ الْحَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إذَا كَانَتْ بَيِّنَةٌ، أَوْ كَانَ الْحَمْلُ، أَوْ الِاعْتِرَافُ.
فَذَكَرَ مُوجِبَاتِ الْحَدِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللِّعَانَ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا يُصْنَعُ بِهَا؛ فَرُوِيَ أَنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تَلْتَعِنَ أَوْ تُقِرَّ أَرْبَعًا.
قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ أَبَتِ
الْمَرْأَةُ أَنْ تَلْتَعِنَ بَعْدَ الْتِعَانِ الرَّجُلِ، أَجْبَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَهِبْت أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهَا بِالرَّجْمِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا لَمْ أَرْجُمْهَا إذَا رَجَعَتْ، فَكَيْفَ إذَا أَبَتِ اللِّعَانَ، وَلَا يَسْقُطُ النَّسَبُ إلَّا بِالْتِعَانِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ حَتَّى تَلْتَعِنَ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ وَافَقَنَا فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 8] فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا لَمْ تَشْهَدْ لَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُخْلَى سَبِيلُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ.
فَأَمَّا الزَّوْجِيَّةُ، فَلَا تَزُولُ، وَالْوَلَدُ لَا يَنْتَفِي مَا لَمْ يَتِمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الشَّافِعِيَّ، فَإِنَّهُ قَضَى بِالْفُرْقَةِ وَنَفْيِ الْوَلَدِ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الرَّجُلِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ.
[مَسْأَلَة أَقَرَّتْ الزَّوْجَة بِالزِّنَا دُونَ الْأَرْبَعِ مَرَّات فِي اللِّعَانِ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّتْ دُونَ الْأَرْبَعِ مَرَّاتٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَصَدَّقَتْهُ، وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ إنْ كَانَ تَصْدِيقُهَا لَهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ كَالْبَيِّنَةِ، إنَّمَا يُقَامُ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ، لَمْ تُلَاعِنْ هِيَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْلِفُ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ نَسَبٌ يَنْفِيهِ، فَيُلَاعِنُ وَحْدَهُ، وَيَنْتَفِي النَّسَبُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ، فَقَدْ انْتَفَى النَّسَبُ، وَلَزِمَهَا الْحَدُّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ، وَيَجِبُ الْحَدُّ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ.
وَهَذِهِ الْأُصُولُ قَدْ مَضَى أَكْثَرُهَا.
وَلَوْ أَقَرَّتْ أَرْبَعًا، وَجَبَ الْحَدُّ، وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ يُنْفَى.
وَإِنْ رَجَعَتْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
فَإِنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ مَقْبُولٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِلْحَدِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ.
وَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا لِنَفْيِ نَسَبٍ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ لِعَانُهَا لِنَفْيِ النَّسَبِ فِيهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَفِيفَةً صَالِحَةً فَكَذَّبَتْهُ، مَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَتْ فَاجِرَةً فَصَدَّقَتْهُ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ نَفْيَ وَلَدِهَا أَوْلَى، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إنَّمَا يَكُونُ بِلِعَانِهِمَا مَعًا، وَقَدْ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُسْتَحْلَفُ عَلَى نَفْيِ مَا تَقْرَبُهُ، فَتَعَذَّرَ نَفْيُ الْوَلَدِ لِتَعَذُّرِ سَبَبِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقَذْفِ وَقَبْلَ اللِّعَانِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ بِك زَنَيْت]
(6297) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ.
فَقَالَتْ: بِك زَنَيْت.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ:
عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ نَفْيَ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهَا، كَمَا يَسْتَعْمِلُ أَهْلُ الْعُرْفِ فِيمَا إذَا قَالَ قَائِلٌ: سَرَقْت.
قَالَ: مَعَك سَرَقْت.
أَيْ أَنَا لَمْ أَسْرِقْ؛ لِكَوْنِك أَنْتَ لَمْ تَسْرِقْ.
وَلَنَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ فِي قَذْفِهِ إيَّاهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ: صَدَقْت.
وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْذِفْهُ، وَإِنَّمَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِزِنَاهَا بِهِ، وَيُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ زَانِيًا، بِأَنْ يَظُنَّهَا زَوْجَتَهُ وَهِيَ عَالِمَةٌ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ نَفْيَ ذَلِكَ عَنْهُمَا، كَمَا ذَكَرُوهُ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْنِي سِوَاكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زِنًا فَأَنْتَ شَرِيكِي فِيهِ.
وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِهِ عَنْ الرَّجُلِ بِظَاهِرِ تَصْدِيقِهَا، وُجُوبُهُ عَلَيْهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ؛ فَإِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا يَجِبُ بِهَا.
وَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ.
فَقَالَتْ: أَنْتِ أَزْنَى مِنِّي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا: لَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ؛ بِتَصْدِيقِهَا لَهُ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ قَوْلُهَا قَذْفًا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إلَّا أَنْ تُرِيدَ الْقَذْفَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ أَصَابَنِي وَهُوَ زَوْجِي، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنِّي فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهَا حَدٌّ لِقَذْفِهَا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ، وَقَدْ أَتَتْ بِصَرِيحِ قَذْفِهِ بِالزِّنَا، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ زَانٍ.
وَالِاحْتِمَالُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْقَذْفِ، لَا يَمْنَعُ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ زَانٍ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ.
فَقَالَتْ: بَلْ أَنْتَ زَانٍ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاذِفٌ لِصَاحِبِهِ، عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ؛ إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ إسْقَاطَ حَدِّهَا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَالزَّوْجُ يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ بِبَيِّنَةِ أَوْ لِعَانٍ.
[كِتَابُ الْعِدَدِ]
ِ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ: الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] . وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . «وَقَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» فِي آيٍ وَأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ.
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنْهَا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 49] وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَقَدْ تَيَقَّنَّاهَا هَاهُنَا.
وَهَكَذَا كُلّ فُرْقَةٍ فِي الْحَيَاةِ، كَالْفَسْخِ لِرَضَاعٍ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ لِعَانٍ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ.
[فَصْلٌ تَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَى الذِّمِّيَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ]
(6298) فَصْلٌ: وَتَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَى الذِّمِّيَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ دِينِهِمْ، لَمْ تَلْزَمْهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الدِّينِ.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ بَعْدَ الدُّخُولِ، أَشْبَهَ الْمُسْلِمَةَ.
وَعِدَّتُهَا كَعِدَّةِ الْمُسْلِمَةِ، فِي قَوْلِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي وَمَنْ تَبِعَهُمْ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: تَعْتَدُّ مِنْ الْوَفَاةِ بِحَيْضَةِ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الْوَفَاةِ، أَشْبَهَتْ الْمُسْلِمَةَ.
[فَصْل الْمُعْتَدَّاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ]
(6299) فَصْلٌ: وَالْمُعْتَدَّاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُعْتَدَّةٌ بِالْحَمْلِ، وَهِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ مِنْ زَوْجٍ، إذَا فَارَقَتْ زَوْجَهَا بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ مَوْتِهِ عَنْهَا، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً، فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَلَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] . وَالثَّانِي، مُعْتَدَّةٌ بِالْقُرُوءِ، وَهِيَ كُلُّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ فُرْقَةٍ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ وَطْءٍ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ، إذَا كَانَتْ ذَاتَ قُرْءٍ، فَعِدَّتُهَا الْقُرْءُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَالثَّالِثُ، مُعْتَدَّةٌ بِالشُّهُورِ، وَهِيَ كُلّ مَنْ تَعْتَدُّ بِالشَّهْرِ إذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ قُرْءٍ؛ لِصِغَرٍ، أَوْ يَأْسٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] .
وَذَوَاتُ الْقُرْءِ إذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ.
وَعِدَّةُ الْآيِسَةِ، وَكُلُّ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا حَمْلَ بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَعِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]
[فَصْل كُلّ فُرْقَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ]
(6300) فَصْلٌ: وَكَّلَ فُرْقَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِخُلْعٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ فَسْخٍ بِعَيْبٍ، أَوْ إعْسَارٍ، أَوْ إعْتَاقٍ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عِدَّةَ الْمُلَاعَنَةِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ.
وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: عِدَّتُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا مُفَارِقَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُرْوَةُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ وَخِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو عِيَاضٍ وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، أَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ.
وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَّتَهَا حَيْضَةً.
رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَعَنْ رُبَيِّعٍ بِنْتِ مُعَوِّذٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وَأَنْ عُثْمَانَ قَضَى بِهِ.
رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْحَيَاةِ، فَكَانَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، كَغَيْرِ الْخُلْعِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ» . عَامٌ، وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ عِكْرِمَةُ مُرْسَلًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ وَقَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَدْ خَالَفَهُ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٌّ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ.
وَقَوْلُهُمَا أَوْلَى.
وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ، فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ قَالَ: عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ مُطَلَّقَةٍ.
وَهُوَ أَصَحُّ عَنْهُ.
[فَصْل الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ]
(6301) فَصْلٌ: وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَوْطُوءَةُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فِي شَغْلِ الرَّحِمِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَكَانَ مِثْلَهُ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَرَاءَةُ.
وَإِنْ وُطِئَتْ الْمُزَوِّجَة بِشُبْهَةٍ، لَمْ يَحِلَّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ حَرُمَ وَطْؤُهَا لِعَارِضٍ مُخْتَصٍّ بِالْفَرْجِ، فَأُبِيحَ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَهُ، كَالْحَائِضِ.
[فَصْل الْمَزْنِيُّ بِهَا كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ]
(6302) فَصْلٌ: وَالْمَزْنِيُّ بِهَا، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ ذَكَرهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ النَّسَبِ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَنَا أَنَّهُ وَطْءٌ يَقْتَضِي شَغْلَ الرَّحِمِ، فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ مِنْهُ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
وَأَمَّا وُجُوبُهَا كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِعِدَّةٍ كَامِلَةٍ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّمَا تَجِبُ لِحِفْظِ النَّسَبِ.
لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهَا لَوْ اخْتَصَّتْ بِذَلِكَ، لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُلَاعَنَةِ الْمَنْفِيِّ وَلَدُهَا، وَالْآيِسَةِ، وَالصَّغِيرَةِ، وَلَمَا وَجَبَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الَّتِي لَا يَلْحَقُ وَلَدُهَا بِالْبَائِعِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لِذَلِكَ، لَكَانَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَهِ عَلَى الْبَائِعِ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا وَجَبَتْ لِذَلِكَ، فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا دَاعِيَةٌ؛ فَإِنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا إذَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الِاعْتِدَادِ، اشْتَبَهَ وَلَدُ الزَّوْجِ بِالْوَلَدِ مِنْ الزِّنَا، فَلَا يَحْصُلُ حِفْظُ النَّسَبِ.
[مَسْأَلَة طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ خَلَا بِهَا]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْعِدَّةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ خَلَا بِهَا زَوْجُهَا وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهَا]
(6303) مَسْأَلَةٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ خَلَا بِهَا، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ غَيْرَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: (6304) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ خَلَا بِهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهَا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الْمَسِيسِ، فَأَمَّا إنْ خَلَا بِهَا وَلَمْ يُصِبْهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَزَيْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] وَهَذَا نَصٌّ، وَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ لَمْ تُمَسَّ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ يُخْلَ بِهَا.
وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، قَالَ: قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنَّ مَنْ أَرْخَى سِتْرًا، أَوْ أَغْلَقَ بَابًا، فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ.
وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا عَنْ الْأَحْنَفِ، عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَهَذِهِ قَضَايَا اشْتَهَرَتْ، فَلَمْ تُنْكَرْ، فَصَارَتْ إجْمَاعًا.
وَضَعَّفَ أَحْمَدُ مَا رُوِيَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَالتَّمْكِينُ فِيهِ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِيفَاءِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ، كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا التَّمْكِينُ.
[فَصْلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِمُطَلَّقَتِهِ مَعَ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ]
(6305) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا مَعَ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ، أَوْ مَعَ عَدَمِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ حَقِيقِيًّا، كَالْجُبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْفَتْقِ وَالرَّتْقُ، أَوْ شَرْعِيًّا كَالصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالظِّهَارِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ هَاهُنَا عَلَى الْخَلْوَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الْإِصَابَةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، وَلِهَذَا لَوْ خَلَا بِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَكْمُلُ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ،
فَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْعِدَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ يَمْنَعُ كَمَالَ الصَّدَاقِ مَعَ الْخَلْوَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَانِعُ مُتَأَكِّدًا، كَالْإِحْرَامِ وَشِبْهِهِ، مَنَعَ كَمَالَ الصَّدَاقِ، وَلَمْ تَجِبْ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ إنَّمَا أُقِيمَتْ مُقَامَ الْمَسِيسِ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لَهُ، وَمَعَ الْمَانِعِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمَظِنَّةُ.
فَأَمَّا إنْ خَلَا بِهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكْمُلُ صَدَاقُهَا؛ لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ مَعَ ظُهُورِ اسْتِحَالَةِ الْمَسِيسِ.
[الْفَصْل الثَّانِي عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ إذَا كَانَتْ حُرَّةً وَهِيَ مِنْ ذَوَات الْقُرُوءِ]
(6306) الْفَصْلُ الثَّانِي: إنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ، إذَا كَانَتْ حُرَّةً وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ.
بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَالْقُرْءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقَعُ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ جَمِيعًا، فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبٍ: الْقُرُوءُ الْأَوْقَاتُ، الْوَاحِدُ قُرْءٌ، وَقَدْ يَكُونُ حَيْضًا وَقَدْ يَكُونُ طُهْرًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْتِي لِوَقْتٍ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
كَرِهْت الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي تَمِيمٍ ... إذَا هَبَّتْ لِقَارِيهَا الرِّيَاحُ
يَعْنِي: لِوَقْتِهَا.
وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ يُقَالُ: أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ: إذَا دَنَا حَيْضُهَا وَأَقْرَأَتْ: إذَا دَنَا طُهْرُهَا، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك.
فَهَذَا الْحَيْضُ.» وَقَالَ الشَّاعِرُ:
مُوَرِّثَةً عِزًّا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
فَهَذَا الطُّهْرُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] .
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، فَرُوِيَ أَنَّهَا الْحَيْضُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَأَبِي مُوسَى، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ.
قَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُنَا، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِالْأَطْهَارِ، فَقَالَ: فِي رِوَايَةِ النَّيْسَابُورِيِّ: كُنْتُ أَقُولُ: إنَّهُ الْأَطْهَارُ، وَأَنَا أَذْهَبُ الْيَوْمَ إلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: كُنْتُ أَقُولُ الْأَطْهَارَ، ثُمَّ وَقَفْتُ لِقَوْلِ الْأَكَابِرِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ.
وَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَجَعَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: رَأَيْت الْأَحَادِيثَ عَمَّنْ قَالَ: الْقُرُوءُ الْحَيْضُ.
تَخْتَلِفُ، وَالْأَحَادِيثُ عَمَّنْ قَالَ: إنَّهُ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَدْخُلَ فِي الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ.
أَحَادِيثُهَا صِحَاحٌ وَقَوِيَّةٌ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . أَيْ فِي عِدَّتِهِنَّ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] /أَيْ: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ لَا فِي الْحَيْضِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مُرْهُ «فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) .
وَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ عَنْ طَلَاقٍ مُجَرَّدٍ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ عَقِيبَ الطَّلَاقِ، وَكَعِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] . فَنَقَلَهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ إلَى الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْحَيْضُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: 6] . الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ اسْتِعْمَالُ الْقُرْءِ بِمَعْنَى الْحَيْضِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «اُنْظُرِي، فَإِذَا أَتَى قُرْؤُكِ، فَلَا تُصَلِّي، وَإِذَا مَرَّ قُرْؤُك، فَتَطَهَّرِي، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إلَى الْقُرْءِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَلَمْ يُعْهَدْ فِي لِسَانِهِ اسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَى الطُّهْرِ فِي مَوْضِعٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي لِسَانِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ.
فَإِنْ قَالُوا: هَذَا يَرْوِيهِ مُظَاهِرُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، فِي (سُنَنِهِ) ، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، فِي (جَامِعِهِ) ، وَهُوَ نَصٌّ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ، فَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ.
وَلِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وُجُوبُ التَّرَبُّصِ ثَلَاثَةً كَامِلَةً، وَمَنْ جَعَلَ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارَ، لَمْ يُوجِبْ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِطُهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ، فَيُخَالِفُ ظَاهِرَ النَّصِّ، وَمَنْ جَعَلَهُ الْحَيْضَ، أَوْجَبَ ثَلَاثَةً كَامِلَةً، فَيُوَافِقُ ظَاهِرَ النَّصِّ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ اسْتِبْرَاءٌ، فَكَانَتْ بِالْحَيْضِ، كَاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَيْضُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِالْحَيْضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَ الْحَيْضَةِ.
كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: قَوْلُهُمْ: إنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ حَيْضَةٌ بِإِجْمَاعٍ.
لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، بَلْ جَائِزٌ لَهَا عِنْدَنَا أَنْ تَنْكِحَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ، وَاسْتَيْقَنَتْ أَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ، كَذَلِكَ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ إيَّاهُ.
قُلْنَا: هَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْحَيْضَةِ، لَا بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِ خَارِجٍ مِنْ الرَّحِمِ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالطُّهْرِ، كَوَضْعِ الْحَمْلِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ مَقْصُودُهَا مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْحَمْلِ، فَتَارَةً تَحْصُلُ بِوَضْعِهِ، وَتَارَةً تَحْصُلُ بِمَا يُنَافِيهِ، وَهُوَ الْحَيْضُ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ مَعَهُ.
فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ قَبْلَ عِدَّتِهِنَّ، إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ، ضَرُورَةَ أَنَّ الطَّلَاقَ سَبَقَ الْعِدَّةَ، لِكَوْنِهِ سَبَبَهَا، وَالسَّبَبُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْحُكْمِ، فَلَا يُوجَدْ قَبْلَهُ، وَالطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ تَطْلِيقٌ قَبْلَ الْعِدَّةِ إذَا كَانَتْ الْأَقْرَاءُ الْحَيْضَ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ الْحَيْضَةَ الَّتِي تطلق فِيهَا فِي الْعِدَّة]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي تَطْلُقُ فِيهَا، لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، فَتَنَاوَلَ ثَلَاثَةً كَامِلَةً، وَاَلَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا مَا تَتِمُّ بِهِ مَعَ اثْنَتَيْنِ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا.
وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا حُرِّمَ فِي الْحَيْضِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَلَوْ احْتَسَبَتْ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ قُرْءًا، كَانَ أَقْصَرَ لِعِدَّتِهَا، وَأَنْفَعَ لَهَا، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَمَنْ قَالَ: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ.
احْتَسَبَ لَهَا بِالطُّهْرِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ قُرْءًا، فَلَوْ طَلَّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ قُرْئِهَا لَحْظَةٌ، حَسَبَهَا قُرْءًا، وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ قَالَ: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ.
إلَّا الزُّهْرِيَّ وَحْدَهُ، قَالَ: تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ سِوَى الطُّهْرِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ.
. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهُ إنْ كَانَ جَامَعَهَا
فِي الطُّهْرِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِبَقِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ حُرِّمَ فِيهِ الطَّلَاقُ، فَلَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ مِنْ الْعِدَّةِ، كَزَمَنِ الْحَيْضِ.
وَلَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ حُرِّمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ دَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَلَوْ لَمْ يَحْتَسِبْ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ قُرْءًا، كَانَ الطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ أَضَرَّ بِهَا، وَأَطْوَلَ عَلَيْهَا، وَمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِكَوْنِهَا لَا تَحْتَسِبُ بِبَقِيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ الْعِلَّةُ فِي عَدَمِ الِاحْتِسَابِ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ، فَتَصِيرَ الْعِلَّةُ مَعْلُولًا، وَإِنَّمَا تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ، لِكَوْنِهَا مُرْتَابَةً، وَلِكَوْنِهِ لَا يَأْمَنُ النَّدَمَ بِظُهُورِ حَمْلِهَا، فَأَمَّا إنْ انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلَاقِ مَعَ انْقِضَاءِ الطُّهْرِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضَةِ، وَيَكُونُ مُحَرَّمًا، وَلَا تَحْتَسِبُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ مِنْ عِدَّتِهَا، وَتَحْتَاجُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ بَعْدَهَا، أَوْ ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ طُهْرِكِ.
أَوْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ طُهْرِك.
أَوْ انْقَضَتْ حُرُوفُ الْإِيقَاعِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الطُّهْرِ إلَّا زَمَنُ الْوُقُوعِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَسِبُ بِالطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ طُهْرٌ تَعْتَدُّ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِدَادُ بِمَا قَبْلَهُ.
وَلَا بِمَا قَارَبَهُ، وَمَنْ جَعَلَ الْقُرْءَ الْحَيْضَ، اعْتَدَّ لَهَا بِالْحَيْضَةِ الَّتِي تَلِي الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّهَا حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ، لَمْ يَقَعْ فِيهَا طَلَاقٌ، فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ بِهَا قُرْءًا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الزَّوْجُ: وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ.
وَقَالَتْ: بَلْ فِي آخِرِ الطُّهْرِ.
أَوْ قَالَ: انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلَاقِ مَعَ انْقِضَاءِ الطُّهْرِ.
وَقَالَتْ: بَلْ قَدْ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي الْحَيْضِ، وَفِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
[مَسْأَلَة اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَة فِي الْعِدَّة أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ]
(6308) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ) حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا فِي الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ، فَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا ارْتِجَاعُهَا، وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ نِكَاحُهَا.
قَالَ أَحْمَدُ عُمَرُ وَعَلِيُّ وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ: قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَأَبِي مُوسَى وَعُبَادَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالَ شَرِيكٌ لَهُ الرَّجْعَةُ وَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا فِي عِدَّتِهَا، وَلِزَوْجِهَا رَجْعَتُهَا حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ.
فَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ، انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِانْقِطَاعِهِ.
وَوَجْهُ اعْتِبَارِ الْغُسْلِ قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِحُكْمِ حَدَثِ الْحَيْضِ، فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ،
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِطُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَانْقِطَاعِ دَمِهَا.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَقَدْ كَمَّلَتْ الْقُرُوءُ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا، وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَفِعْلِ الصِّيَامِ، وَصِحَّتِهِ مِنْهَا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ حُكْمُ الْعِدَّةِ فِي الْمِيرَاثِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَا، وَاللِّعَانِ، وَالنَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
قَالَ الْقَاضِي: إذَا شَرَطْنَا الْغُسْلَ، أَفَادَ عَدَمُهُ إبَاحَةَ الرَّجْعَةِ وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْأَزْوَاجِ، فَأَمَّا سَائِرُ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهَا تَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِ دَمِهَا.
فَصْلٌ: (6309) وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ.
فَطَلَّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا حَائِضًا، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَمَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَحُكِيَ عَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ، لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْ الدَّمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ دَمَ فَسَادٍ، فَلَا نَحْكُمُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حَتَّى يَزُولَ الِاحْتِمَالُ.
وَحَكَى الْقَاضِي هَذَا احْتِمَالًا فِي مَذْهَبِنَا أَيْضًا.
وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْعِدَّةَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مُخَالِفَةٌ لِلنَّصِّ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مِنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُمْ بِإِسْنَادِهِ، وَلَفْظُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «إذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ، وَبَرِئَ مِنْهَا، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا.» وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَمَ فَسَادٍ.
قُلْنَا: قَدْ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمِهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، فَكَذَلِكَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ التَّوَقُّفُ عَنْ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِلِاحْتِمَالِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ، عَلِمْنَا أَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ انْقَضَتْ حِينَ رَأَتْ الدَّمَ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ مِنْ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ تَكْمُلُ بِهِ الْعِدَّةُ، فَكَانَ مِنْهَا، كَاَلَّذِي فِي أَثْنَاءِ الْأَطْهَارِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا، إنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ انْقِضَاؤُهَا، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَاهُ مِنْهَا، أَوْجَبْنَا الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَلَكِنَّا نَمْنَعُهَا مِنْ النِّكَاحِ حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَوْ رَاجَعَهَا زَوْجُهَا فِيهَا، لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ.
وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ.
[مَسْأَلَة اغْتَسَلَتْ الْأَمَة مِنْ الْحَيْضَة الثَّانِيَة فِي الْعِدَّة]
(6310) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ) . أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: عِدَّةُ الْأَمَةِ بِالْقُرْءِ قُرْءَانِ.
مِنْهُمْ؛ عُمَرُ وَعَلِيُّ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.، وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ
قَدْ مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ» . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى ذُو عَدَدٍ، بُنِيَ عَلَى التَّفَاضُلِ، فَلَا تُسَاوِي فِيهِ الْأَمَةُ الْحُرَّةَ، كَالْحَدِّ.
وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ حَيْضَةً وَنِصْفًا، كَمَا كَانَ حَدُّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرَّةِ، إلَّا أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَكَمَّلَ حَيْضَتَيْنِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْعَلَ الْعِدَّةَ حَيْضَةً وَنِصْفًا لَفَعَلْت.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى، بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ.
فَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ.
[مَسْأَلَة عِدَّة مِنْ كَانَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَحِضْنَ]
(6311) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَحِضْنَ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ الْهِلَالِ، اُعْتُبِرَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بِالْأَهِلَّةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36] .
وَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْأَهِلَّةِ.
وَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اعْتَدَّتْ بَقِيَّتَهُ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الشَّهْرِ الثَّالِثِ تَمَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ تَحْتَسِبُ بَقِيَّةَ الْأَوَّلِ، وَتَعْتَدُّ مِنْ الرَّابِعِ بِقَدْرِ مَا فَاتَهَا مِنْ الْأَوَّلِ، تَامَّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ، كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَهِلَّةِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ بَعْضِ الشَّهْرِ، وَجَبَ قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهُ.
وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا وَجْهًا ثَانِيًا، أَنَّ جَمِيعَ الشُّهُورِ مَحْسُوبَةٌ بِالْعَدَدِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ إذَا حَسَبَ الْأَوَّلَ بِالْعَدَدِ، كَانَ ابْتِدَاءُ الثَّانِي مِنْ بَعْضِ الشَّهْرِ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْسِبَ بِالْعَدَدِ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ.
وَلَنَا أَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ وَعَلَى الثَّلَاثِينَ، وَلِذَلِكَ إذَا غُمَّ الشَّهْرُ كُمِّلَ ثَلَاثِينَ، وَالْأَصْلُ الْهِلَالُ، فَإِذَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْهِلَالِ، اُعْتُبِرُوا، وَإِذَا تَعَذَّرَ، رُجِعَ إلَى الْعَدَدِ.
وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذُكِرَ لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا التَّخْرِيجُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إتْمَامُ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّانِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمَامُهُ مِنْ الرَّابِعِ.
[فَصْلٌ مَتَى تَحْتَسِب الْعِدَّة]
(6312) فَصْلٌ: وَتُحْسَبُ الْعِدَّةُ مِنْ السَّاعَةِ الَّتِي فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِيهَا، فَلَوْ فَارَقَهَا نِصْفَ اللَّيْلِ، أَوْ نِصْفَ النَّهَارِ، اعْتَدَّتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: لَا تَحْتَسِبُ بِالسَّاعَاتِ، وَإِنَّمَا تَحْتَسِبُ بِأَوَّلِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا نَهَارًا، احْتَسَبَتْ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا لَيْلًا، احْتَسَبَتْ بِأَوَّلِ النَّهَارِ الَّذِي يَلِيهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ حِسَابَ السَّاعَاتِ يَشُقُّ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَحِسَابُ السَّاعَاتِ مُمْكِنٌ، إمَّا يَقِينًا، وَإِمَّا اسْتِظْهَارًا، فَلَا وَجْهَ لِلزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَة عِدَّةِ الْأَمَة]
(6313) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالْأَمَةُ شَهْرَانِ اخْتَلَفْت الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، أَنَّهَا شَهْرَانِ.
رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاحْتَجَّ فِيهِ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ حَيْضَتَانِ، وَلَوْ لَمْ تَحِضْ كَانَ عِدَّتُهَا شَهْرَيْنِ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ بَدَلٌ مِنْ الْقُرُوءِ، وَعِدَّةُ ذَاتِ الْقُرُوءِ قُرْءَانِ، فَبَدَلُهُمَا شَهْرَانِ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بِالشُّهُورِ عَنْ غَيْرِ الْوَفَاةِ، فَكَانَ عَدَدُهَا كَعَدَدِ الْقُرُوءِ، لَوْ كَانَتْ ذَاتَ قُرُوءٍ، كَالْحُرَّةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ عِدَّتَهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ.
نَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَالْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، فَنِصْفُهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ، وَإِنَّمَا كَمَّلْنَا لِذَاتِ الْحَيْضِ حَيْضَتَيْنِ، لِتَعَذُّرِ تَبْعِيضِ الْحَيْضَةِ، فَإِذَا صِرْنَا إلَى الشُّهُورِ، أَمْكَنَ التَّنْصِيفُ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، كَمَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَيَصِيرُ هَذَا كَالْمُحْرِمِ، إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ نِصْفُ مُدٍّ، أَجْزَأَهُ إخْرَاجُهُ، فَإِنْ أَرَادَ الصِّيَامَ مَكَانَهُ، صَامَ يَوْمًا كَامِلًا.
وَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ أَمْكَنَ تَنْصِيفُهَا، فَكَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةً بِالشُّهُورِ فَكَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ، أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيِّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيِّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] . وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِلْأَمَةِ الْآيِسَةِ بِالشُّهُورِ، فَكَانَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، كَاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ إذَا مَلَكَهَا،
أَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الشُّهُورِ هَاهُنَا لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْحَمْلَ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً، ثُمَّ يَتَحَرَّكُ، وَيَعْلُو بَطْنُ الْمَرْأَةِ، فَيَظْهَرُ الْحَمْلُ، وَهَذَا مَعْنًى لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ فِي حَقِّ سَيِّدهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.
وَمَنْ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ: هِيَ مُخَالِفَةٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَمَتَى اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَخْطِئَتِهِمْ، وَخُرُوجِ الْحَقِّ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ لِغَيْرِ الْحَمْلِ، فَكَانَتْ دُونَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، كَذَاتِ الْقُرُوءِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا.
[فَصْل السِّنِّ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الْآيِسَاتِ]
(6314) فَصْلٌ: وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي السِّنِّ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الْآيِسَاتِ، فَعَنْهُ: أَوَّلُهُ خَمْسُونَ سَنَةً؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً.
وَعَنْهُ: إنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ الْعَجَمِ فَخَمْسُونَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ فَسِتُّونَ؛ لِأَنَّهُنَّ أَقْوَى طَبِيعَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي كِتَابِ " النَّسَبِ "، أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، وَلَدَتْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً.
وَقَالَ: يُقَالُ: إنَّهُ لَنْ تَلِدَ بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ، وَلَا تَلِدَ لِسِتِّينَ إلَّا قُرَشِيَّةٌ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الَّذِي يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ إذَا بَلَغَتْهُ لَمْ تَحِضْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً.
وَالثَّانِي، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الَّذِي يَيْأَسُ فِيهِ نِسَاءُ عَشِيرَتِهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ نَشْأَهَا كَنَشْئِهِنَّ، وَطَبْعَهَا كَطَبْعِهِنَّ.
وَالصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَتَى بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً، فَانْقَطَعَ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا مَرَّاتٍ لِغَيْرِ سَبَبٍ، فَقَدْ صَارَتْ آيِسَةً؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ فِي حَقِّ هَذِهِ نَادِرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ عَائِشَةَ وَقِلَّةِ وُجُودِهِ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَى هَذَا انْقِطَاعُهُ عَنْ الْعَادَاتِ مَرَّاتٍ، حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ وُجُودِهِ، فَلَهَا حِينَئِذٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِالْأَشْهُرِ، وَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ.
عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا، فَهُوَ حَيْضٌ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْحَيْضِ الْوُجُودُ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَادِرًا.
وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ، فَقَدْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.
قَالَ الْخِرَقِيِّ وَإِذَا رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ، فَقَدْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تَعْتَدُّ بِهِ، وَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ، كَاَلَّتِي لَا تَرَى دَمًا.
[فَصْلٌ أَقَلُّ سِنّ الْحَيْضِ لِلْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّة]
(6315) فَصْلٌ: وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ مَنْ تَحِيضُ لِتِسْعٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت جَدَّةً لَهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً.
فَهَذِهِ إذَا أَسْقَطْتَ مِنْ عُمْرِهَا مُدَّةَ الْحَمْلَيْنِ فِي الْغَالِبِ عَامًا وَنِصْفًا، وَقَسَمْت الْبَاقِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنَتِهَا، كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَدْ حَلَمَتْ لِدُونِ عَشْرِ سِنِينَ.
فَإِنْ رَأَتْ دَمًا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا مُتَكَرِّرًا، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ.
(6316) فَصْلٌ: فَإِنْ بَلَغَتْ سِنًّا تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ فِي الْغَالِبِ، فَلَمْ تَحِضْ، كَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَضَعَّفَ أَبُو بَكْرٍ الرِّوَايَةَ الْمُخَالِفَةَ لِهَذَا، وَقَالَ: رَوَاهَا أَبُو طَالِبٍ فَخَالَفَ فِيهَا أَصْحَابَهُ، وَذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَعْتَدُّ سَنَةً.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَتَى عَلَيْهَا زَمَانُ الْحَيْضِ فَلَمْ تَحِضْ، صَارَتْ مُرْتَابَةً، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ مَنَعَ حَيْضَهَا، فَيَجِبُ أَنْ تَعْتَدَّ بِسَنَةٍ، كَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا بَعْدَ وُجُودِهِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] وَهَذِهِ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْمُعْتَدَّةِ، لَا بِحَالِ غَيْرِهَا، وَلِهَذَا لَوْ حَاضَتْ قَبْلَ بُلُوغِ سِنٍّ يَحِيضُ لِمِثْلِهِ النِّسَاءُ فِي الْغَالِبِ، مِثْلُ أَنْ تَحِيضَ وَلَهَا عَشْرُ سِنِينَ، اعْتَدَّتْ بِالْحَيْضِ، وَفَارَقَ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ؛ فَإِنَّهَا مِنْ ذَوَات الْقُرُوءِ، وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ مِنْهُنَّ.
[مَسْأَلَة طَلَّقَهَا طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ وَهِيَ أَمَةٌ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ، وَهِيَ أَمَةٌ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى أُعْتِقَتْ، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ، فَأُعْتِقَتْ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ أَمَةٍ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَالضَّحَّاكِ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْي.
وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ.
الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي، تُكْمِلُ عِدَّةَ أَمَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ طَرَأَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَائِنًا.
أَوْ كَمَا لَوْ طَرَأَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ، كَالْحَدِّ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ بِكُلِّ حَالٍ.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْعِدَّةِ الْكَامِلَةِ إذَا وُجِدَ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ، انْتَقَلَتْ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا، كَمَا لَوْ اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ.
وَلَنَا أَنَّهَا إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ، فَقَدْ وُجِدَتْ الْحُرِّيَّةُ، وَهِيَ زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ لَوْ مَاتَ، فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحَرَائِرِ، كَمَا لَوْ أُعْتِقَتْ قَبْلَ الطَّلَاقِ.
وَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ بَائِنٌ، فَلَمْ تُوجَدْ الْحُرِّيَّةُ فِي الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحَرَائِرِ، كَمَا لَوْ أُعْتِقَتْ بَعْدَ مُضِيِّ الْقُرْأَيْنِ.
وَلِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ لَوْ مَاتَ، فَتَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ، وَالْبَائِنُ لَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ، كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِمَالِكٍ يَبْطُلُ بِمَا إذَا مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَ مَا إذَا حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ، أَنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ، زَالَ حُكْمُ الْبَدَلِ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنْ عِدَّةَ الْأَمَةِ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ، وَلِذَلِكَ تَبْنِي الْأَمَةُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا اتِّفَاقًا، وَإِذَا حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ فَافْتَرَقَا، وَتُخَالِفُ الِاسْتِبْرَاءَ؛ فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ لَوْ قَارَنَتْ سَبَبَ وُجُوبِهِ، لَمْ تَكْمُلْ، أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا عَتَقَتْ لِمَوْتِهِ، وَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الَّتِي لَمْ تَعْتِقْ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا]
(6318) فَصْلٌ: إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَهِيَ حُرَّةٌ.
وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَمَرَ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ.» وَإِنْ طَلَّقَهَا الْعَبْدُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَأَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ.
سَوَاءٌ فَسَخَتْ، أَوْ أَقَامَتْ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ.
وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ، فَرَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَلَهَا الْخِيَارُ بَعْدَ رَجْعَتِهَا، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَهَلْ تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ، أَمْ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا؟ . عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا: تَسْتَأْنِفُ.
فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ حُرَّةٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَبْنِي.
بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ.
[مَسْأَلَة طَلَّقَهَا وَهِيَ مِمَّنْ قَدْ حَاضَتْ فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ]
(6319) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ مِمَّنْ قَدْ حَاضَتْ، فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا، لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ سَنَةً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، فَلَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي عَادَتِهَا، وَلَمْ تَدْرِ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ سَنَةً؛ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ مِنْهَا تَتَرَبَّصُ فِيهَا لِتَعْلَمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ غَالِبُ مُدَّةُ الْحَمْلِ، فَإِذَا لَمْ يَبْنِ الْحَمْلُ فِيهَا، عُلِمَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ ظَاهِرًا، فَتَعْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِدَّةَ الْآيِسَاتِ، ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.
هَذَا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا قَضَاءُ عُمَرَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، لَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ عَلِمْنَاهُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ آخَرَ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ الَّتِي يُتَيَقَّنُ بِهَا بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا احْتِيَاطًا.
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: تَكُونُ فِي عِدَّةٍ أَبَدًا، حَتَّى تَحِيضَ، أَوْ تَبْلُغَ سِنَّ الْإِيَاسِ، تَعْتَدُّ حِينَئِذٍ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ جُعِلَ بَعْدَ الْإِيَاسِ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَهُ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ آيِسَةً، وَلِأَنَّهَا تَرْجُو عَوْدَ الدَّمِ، فَلَمْ تَعْتَدَّ بِالشُّهُورِ، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَ حَيْضُهَا لِعَارِضٍ وَلَنَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ بِالِاعْتِدَادِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَهَذَا تَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، فَاكْتُفِيَ بِهِ، وَلِهَذَا اكْتَفِي فِي حَقِّ ذَاتِ الْقُرْءِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَفِي حَقِّ الْآيِسَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَوْ رُوعِيَ الْيَقِينُ، لَاعْتُبِرَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَلِأَنَّ عَلَيْهَا فِي تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ضَرَرًا، فَإِنَّهَا تُمْنَعُ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَتُحْبَسُ دَائِمًا، وَيَتَضَرَّرُ الزَّوْجُ بِإِيجَابِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُطَوِّلُوا عَلَيْهَا الشُّقَّةَ، كَفَاهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا مَضَتْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، فَقَدْ عُلِمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا ظَاهِرًا، فَلِمَ اعْتَبَرْتُمْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا؟ قُلْنَا: الِاعْتِدَادُ بِالْقُرُوءِ وَالْأَشْهُرِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَمْلِ، وَقَدْ تَجِبُ الْعِدَّةُ مَعَ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَوَضَعَتْهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ.
[فَصْل عَادَ الْحَيْضُ إلَيْهَا فِي السَّنَةِ وَلَوْ فِي آخِرهَا]
(6320) فَصْلٌ: فَإِنْ عَادَ الْحَيْضُ إلَيْهَا فِي السَّنَةِ، وَلَوْ فِي آخِرهَا، لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ إلَى الْقُرُوءِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَبَطَلِ بِهَا حُكْمُ الْبَدَلِ.
وَإِنْ عَادَ بَعْدَ مُضِيِّهَا وَنِكَاحِهَا، لَمْ تَعُدْ إلَى الْقُرُوءِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ نِكَاحِهَا، فَلَمْ تَبْطُلْ، كَمَا لَوْ اعْتَدَّتْ الصَّغِيرَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ حَاضَتْ.
وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ السَّنَةِ، وَقَبْلَ نِكَاحهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا تَعُودُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِالشُّهُورِ، فَلَمْ تَعُدْ، كَالصَّغِيرَةِ.
وَالثَّانِي، تَعُودُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، وَقَدْ قَدَرَتْ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ تَعَلُّقِ حَقِّ زَوْجٍ بِهَا، فَلَزِمَهَا الْعَوْدُ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ.
[مَسْأَلَة عِدَّة الْأَمَة إذَا وَجَدَ حَمَلَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ]
(6321) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، اعْتَدَّتْ بِأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وَشَهْرَانِ لِلْعِدَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْحُرَّةَ تَعْتَدُّ بِسَنَةٍ إذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ.
الثَّانِي أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْآيِسَةِ شَهْرَانِ، فَتَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَتَسَاوَى فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، لِكَوْنِهِ أَمْرًا حَقِيقِيًّا، فَإِذَا يَئِسَتْ مِنْ الْحَمْلِ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْآيِسَةِ شَهْرَيْنِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي جَعَلَ عِدَّتَهَا شَهْرًا وَنِصْفًا، تَكُونُ عِدَّتُهَا عَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا.
وَمَنْ جَعَلَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ كَالْحُرَّةِ.
[مَسْأَلَة إنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الْحَيْضَ]
(6322) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الْحَيْضَ، كَانَتْ فِي عِدَّةٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ، فَتَعْتَدُّ بِهِ، إلَّا أَنْ تَصِيرَ مِنْ الْآيِسَاتِ، فَتَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتٍ تَصِيرُ فِي عِدَادِ الْآيِسَاتِ أَمَّا إذَا عَرَفَتْ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَيْضِ بِعَارِضٍ؛ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ رَضَاعٍ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ زَوَالَ الْعَارِضِ، وَعَوْدَ الدَّمِ وَإِنْ طَالَ، إلَّا أَنْ تَصِيرَ فِي سِنِّ الْإِيَاسِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْآيِسَاتِ.
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ، فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَكَانَتْ لَهَا مِنْهُ بُنَيَّةً تُرْضِعُهَا، فَتَبَاعَدَ حَيْضُهَا، وَمَرِضَ حِبَّانُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّك إنْ مِتَّ وَرِثَتْك.
فَمَضَى إلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ وَزَيْدٍ مَا تَرَيَانِ؟ فَقَالَا: نَرَى أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ وَرِثَهَا، وَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ، وَلَا مِنْ الْأَبْكَارِ اللَّائِي لَمْ يَبْلُغْنَ الْمَحِيضَ.
فَرَجَعَ حِبَّانُ إلَى أَهْلِهِ، فَانْتَزَعَ الْبِنْتَ مِنْهَا، فَعَادَ إلَيْهَا الْحَيْضُ، فَحَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ، وَمَاتَ حِبَّانُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الثَّالِثَةِ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَ جَدِّهِ امْرَأَتَانِ؛ هَاشِمِيَّةٌ، وَأَنْصَارِيَّةٌ، فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ مُرْضِعٌ، فَمَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ هَلَكَ وَلَمْ تَحِضْ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ: لَمْ أَحِضْ.
فَاخْتَصَمُوا إلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ، فَلَامَتْ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّكِ، هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا.
يَعْنِي عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
[مَسْأَلَة حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ]
(6323) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِنْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ، فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا، لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ: تَجْلِسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِنْ بِهَا حَمْلٌ، تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَذَلِكَ سَنَةٌ.
وَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَضَى بِهِ عُمَرُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَتَحِيضُ حَيْضَةً، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا.
قَالَ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ إذَا رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا فَلَمْ تَدْرِ مِمَّا ارْتَفَعَتْ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ سَنَةً.
قِيلَ لَهُ: فَحَاضَتْ دُونَ السَّنَةِ.
فَقَالَ: تَرْجِعُ إلَى الْحَيْضَةِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ ارْتَفَعَتْ حَيْضَتهَا أَيْضًا لَا تَدْرِي مِمَّا ارْتَفَعَتْ؟ قَالَ: تَقْعُدُ سَنَةً أُخْرَى.
وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ وَافَقَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمَّا ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا، حَصَلَتْ مُرْتَابَةً، فَوَجَبَ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى الِاعْتِدَادِ بِسَنَةٍ، كَمَا لَوْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا حِينَ طَلَّقَهَا،، وَوَجَبَ عَلَيْهَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ
لَا تَنْبَنِي عَلَى عِدَّةٍ أُخْرَى، وَلِذَلِكَ لَوْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ يَئِسَتْ، انْتَقَلَتْ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ، وَلَوْ اعْتَدَّتْ الصَّغِيرَةُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ حَاضَتْ، انْتَقَلَتْ إلَى ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
[فَصْل كَانَتْ عَادَةُ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَبَاعَدَ مَا بَيْنَ حَيْضَتَيْهَا]
(6324) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَبَاعَدَ مَا بَيْنَ حَيْضَتَيْهَا، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَإِنْ طَالَتْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَيْضُهَا، وَلَمْ تَتَأَخَّرْ عَنْ عَادَتِهَا، فَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، بَاقِيَةٌ عَلَى عَادَتِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ يَتَبَاعَدْ حَيْضُهَا.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا.
[فَصْل عِدَّةِ الْمُسْتَحَاضَة]
(6325) فَصْلٌ: فِي عِدَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا حَيْضٌ مَحْكُومٌ بِهِ بِعَادَةٍ أَوْ تَمْيِيزٍ، أَوْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهَا حَيْضٌ مَحْكُومٌ بِهِ بِذَلِكَ، فَحُكْمُهَا فِيهِ حُكْمُ غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، إذَا مَرَّتْ لَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
قَالَ أَحْمَدُ الْمُسْتَحَاضَةُ تَعْتَدُّ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ.
وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، وَلَمْ تَعْلَمْ مَوْضِعَهَا، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
وَإِنْ شَكَّتْ فِي شَيْءٍ، تَرَبَّصَتْ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّ الْقُرُوءَ الثَّلَاثَ قَدْ انْقَضَتْ.
وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَا تَمْيِيزَ لَهَا، أَوْ نَاسِيَةً لَا تَعْرِفُ لَهَا وَقْتًا وَلَا تَمْيِيزًا، فَعَنْ أَحْمَدْ فِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
وَهُوَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، فَجَعَلَ لَهَا حَيْضَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ تَتْرُكُ فِيهَا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَيَثْبُتُ فِيهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، فَيَجِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَعْتَدُّ سَنَةً بِمَنْزِلَةِ مَنْ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَتْ قَدْ اخْتَلَطَتْ، وَلَمْ تَعْلَمْ إقْبَالَ الدَّمِ وَإِدْبَارَهُ، اعْتَدَّتْ سَنَةً؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ بِهِ يَتَبَيَّنُ الْحَمْلُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِسْحَاقَ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ لَهَا حَيْضًا، مَعَ أَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا سَنَةً، كَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّنَا مَتَى حَكَمْنَا بِأَنَّ حَيْضَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَمَضَى لَهَا شَهْرَانِ بِالْهِلَالِ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الثَّالِثِ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ.
فَطَلَّقَهَا فِي آخِرِ شَهْرٍ، ثُمَّ مَرَّ لَهَا شَهْرَانِ وَهَلَّ الثَّالِثُ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[مَسْأَلَة طَلَّقَهَا وَهِيَ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ]
(6326) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ حَتَّى حَاضَتْ، اسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَبِحَيْضَتَيْنِ إنْ كَانَتْ أَمَةً وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ أَوْ الْبَالِغَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ، فَحَاضَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَوْ بِسَاعَةٍ، لَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ.
وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْحَيْضُ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ.
فَهَلْ تَعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ الطُّهْرِ قَبْلَ الْحَيْضِ قُرْءًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ انْتَقَلَتْ مِنْهُ إلَى حَيْضٍ، فَأَشْبَهَ الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ.
وَالثَّانِي، لَا تَعْتَدُّ بِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ.
وَهَذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَيْضٌ، فَلَمْ يَكُنْ قُرْءًا.
فَأَمَّا إنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَهَا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، كَاَلَّتِي حَاضَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُ هَذَا الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَنْعُهُ، لَمْ يَحْصُلْ لِمَنْ لَمْ تَحِضْ الِاعْتِدَادُ بِالشُّهُورِ بِحَالٍ.
[فَصْل حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ صَارَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ]
(6327) فَصْلٌ: وَلَوْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ صَارَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ، اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تُلَفَّقُ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إتْمَامُهَا بِالْحَيْضِ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا بِالْأَشْهُرِ.
وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ مِنْ الزَّوْجِ، سَقَطَ حُكْمُ مَا مَضَى وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا رَأَتْهُ مِنْ الدَّمِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ.
وَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ انْقَضَتْ الْحَيْضَةُ الثَّالِثَةُ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ.
وَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ، بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ فَرَغَتْ مِنْ عِدَّتِهَا، لَمْ تَلْحَقْ بِالزَّوْجِ، وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ الِاعْتِدَادِ، وَكَانَ هَذَا الْوَلَدُ حَادِثًا.
وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ ذَلِكَ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُودُهُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ.
[فَصْل ارْتَابَتْ الْمُعْتَدَّةُ بِأَنَّ تَرَى أَمَارَاتِ الْحَمْلِ]
(6328) فَصْلٌ وَإِذَا ارْتَابَتْ الْمُعْتَدَّةُ، وَمَعْنَاهُ أَنْ تَرَى أَمَارَاتِ الْحَمْلِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ نَفْخَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَشَكَّتْ هَلْ هُوَ حَمْلٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ تَحْدُثَ بِهَا الرِّيبَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنَّمَا تَبْقَى فِي حُكْمِ الِاعْتِدَادِ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، فَإِنْ بَانَ حَمْلًا، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ، فَإِنْ زَالَتْ وَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَمْلٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ بِالْقُرُوءِ أَوْ الشُّهُورِ.
فَإِنْ زُوِّجَتْ قَبْلَ زَوَالِ الرِّيبَةِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ فِي الظَّاهِرِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ عَدَمُ الْحَمْلِ، أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
الثَّانِي: أَنْ تَظْهَرَ الرِّيبَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا وَالتَّزَوُّجِ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا، وَالْحَمْلُ مَعَ الرِّيبَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ بِهِ مَا حُكِمَ بِصِحَّتِهِ، لَكِنَّ، لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، ثُمَّ نَنْظُرُ؛ فَإِنْ وَضَعَتْ الْوَلَدَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي وَوَطِئَهَا، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ، وَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، ظَهَرَتْ الرِّيبَةُ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ وَقَبْلَ النِّكَاحِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا تَتَزَوَّجُ مَعَ الشَّكِّ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ الرِّيبَةُ فِي الْعِدَّةِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ صَحَّحْنَا النِّكَاحَ، لَوَقَعَ مَوْقُوفًا، وَلَا يَجُوزُ كَوْنُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا، وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَخَلَّفَتْ امْرَأَتُهُ فِي الشِّرْكِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إسْلَامِ الْأُولَى.
وَالثَّانِي، يَحِلُّ لَهَا النِّكَاحُ وَيَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَحِلِّ النِّكَاحِ، وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، فَلَا يَجُوزُ زَوَالُ مَا حُكِمَ بِهِ بِالشَّكِّ الطَّارِئِ، وَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ الْحَاكِمُ مَا حَكَمَ بِهِ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَرُجُوعِ الشُّهُودِ.
[فَصْل طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا]
فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ دُونَ غَيْرِهَا، وَتُحْسَبُ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ طَلَّقَ، لَا مِنْ حِينِ الْقُرْعَةِ.
وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا وَأُنْسِيَهَا، فَفِي قَوْلِ أَصْحَابنَا، الْحُكْمُ فِيهَا
كَذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَى الْجَمِيعِ الِاعْتِدَادُ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُطَلَّقَةَ، وَأَنْ تَكُونَ زَوْجَةً، فَوَجَبَ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، لَكِنَّ ابْتِدَاءَ الْقُرْءِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ، وَابْتِدَاءُ عِدَّةِ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ تَكْمِيلُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ طَلَّقَهُنَّ.
وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَأُنْسِيَهُنَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً.
[مَسْأَلَة مَاتَ عَنْهَا وَهُوَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ]
(6330) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهُوَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِتَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَلِتَمَامِ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، إنْ كَانَتْ أَمَةً) أَجْمَعْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ غَيْرِ ذَاتِ الْحَمْلِ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، مَدْخُولًا بِهَا، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ كَبِيرَةً بَالِغَةً أَوْ صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَا حَمَلْتُمْ الْآيَةَ عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا، كَمَا قُلْتُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . قُلْنَا: إنَّمَا خَصَّصْنَا هَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] . وَلَمْ يَرِدْ تَخْصِيصُ عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَلَا أَمْكَنَ قِيَاسُهَا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ فِي التَّخْصِيصِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ عُمْرٍ، فَإِذَا مَاتَ انْتَهَى، وَالشَّيْءُ إذَا انْتَهَى تَقَرَّرَتْ أَحْكَامُهُ، كَتَقَرُّرِ أَحْكَامِ الصِّيَامِ بِدُخُولِ اللَّيْلِ، وَأَحْكَامِ الْإِجَارَةِ بِانْقِضَائِهَا، وَالْعِدَّةُ مِنْ أَحْكَامِهِ.
الثَّانِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَكْذِيبَهَا وَنَفْيَهُ بِاللِّعَانِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ، فَيَلْحَقَ الْمَيِّتَ نَسَبُهُ، وَمَا لَهُ مَنْ يَنْفِيهِ، فَاحْتَطْنَا بِإِيجَابِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا لِحِفْظِهَا عَنْ التَّصَرُّفِ وَالْمَبِيتِ فِي غَيْرِ مَنْزِلهَا، حِفْظًا لَهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَجَبَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ فِيهَا حَيْضَةٌ، وَاتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ
اُعْتُبِرَ الْحَيْضُ فِي حَقِّهَا، لَاعْتُبِرَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، كَالْمُطَلَّقَةِ.
وَهَذَا الْخِلَافُ يَخْتَصُّ بِذَاتِ الْقُرْءِ، فَأَمَّا الْآيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ، فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَعِدَّتُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ، إلَّا ابْنَ سِيرِينَ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا أَرَى عِدَّةَ الْأَمَةِ إلَّا كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ مَضَتْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ.
وَأَخَذَ بِظَاهِرِ النَّصِّ وَعُمُومِهِ.
وَلَنَا، اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، فَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ.
[فَصْلٌ الْعَشْرُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعِدَّةِ]
(6331) فَصْلٌ: وَالْعَشْرُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعِدَّةِ هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا، فَتَجِبُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ مَعَ اللَّيَالِي.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَجِبُ عَشْرُ لَيَالٍ وَتِسْعَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ تُسْتَعْمَلُ فِي اللَّيَالِي دُونَ الْأَيَّامِ،، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْأَيَّامُ اللَّاتِي فِي أَثْنَاءِ اللَّيَالِي تَبَعًا.
قُلْنَا: الْعَرَبُ تُغَلِّبُ اسْمَ التَّأْنِيثِ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً عَلَى الْمُذَكَّرِ، فَتُطْلِقُ لَفْظَ اللَّيَالِي وَتُرِيدُ اللَّيَالِيَ بِأَيَّامِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10] . يُرِيدُ بِأَيَّامِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] . يُرِيدُ بِلَيَالِيِهَا.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَزِمَهُ، اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ.
وَيَقُولُ الْقَائِلُ: سِرْنَا عَشْرًا، يُرِيدُ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا.
فَلَمْ يَجُزْ نَقْلُهَا عَنْ الْعِدَّةِ إلَى الْإِبَاحَة بِالشَّكِّ.
[فَصْل مَاتَ زَوْجَ الرَّجْعِيَّة]
(6332) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ، اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، بِلَا خِلَافٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَيَنَالُهَا مِيرَاثُهُ، فَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ، كَغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ.
وَإِنْ مَاتَ مُطَلِّقُ الْبَائِنِ فِي عِدَّتِهَا، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ، إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ النِّكَاحِ، فَلَا تَكُونُ مَنْكُوحَةً.
وَلَنَا أَنَّهَا وَارِثَةٌ لَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، كَالرَّجْعِيَّةِ، وَتَلْزَمُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي دَلِيلِهِمْ، وَإِنْ مَاتَ الْمَرِيضُ الْمُطَلِّقُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْحَيْضِ، أَوْ بِالشُّهُورِ، أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، أَوْ كَانَ طَلَاقُهُ قَبْلَ
الدُّخُولِ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِمَوْتِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ إذَا قُلْنَا: يَرِثْنَهُ.
لِأَنَّهُنَّ يَرِثْنَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَرَوَاهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيهَا رِوَايَتَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] . وَقَالَ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَقَالَ: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذِهِ النُّصُوصِ بِالتَّحَكُّمِ، وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ تَحِلّ لِلْأَزْوَاجِ، وَيَحِلُّ لِلْمُطَلِّقِ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ، وَتُخَالِفُ الَّتِي مَاتَ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَرِثُهُ، فَإِنَّهَا لَوْ وَرِثَتْهُ لَأَفْضَى إلَى أَنْ يَرِثَ الرَّجُلَ ثَمَانِيَ زَوْجَاتٍ.
فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَتْ إحْدَى هَؤُلَاءِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا تَرِثُهُ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنُ لَا تَرِثُ، كَالْأَمَةِ أَوْ الْحَرَّةِ يُطَلِّقُهَا الْعَبْدُ، أَوْ الذِّمِّيَّةُ يُطَلِّقُهَا الْمُسْلِمُ، وَالْمُخْتَلِعَةُ أَوْ فَاعِلَةُ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا، لَمْ تَلْزَمْهَا عِدَّةٌ، سَوَاءٌ مَاتَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَهَا، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، فَهُمْ عَلَّلُوا نَقْلَهَا إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِإِرْثِهَا وَهَذِهِ لَيْسَتْ وَارِثَةً، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فِي الصِّحَّة إذَا كَانَتْ بَائِنًا، فَمَاتَ زَوْجُهَا، فَإِنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَا تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ فِي نِكَاحِهِ، وَمِيرَاثِهِ، وَالْحِلِّ لَهُ وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَظِهَارِهِ، وَتَحِلُّ لَهُ أُخْتُهَا وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، فَلَمْ تَعْتَدَّ لِوَفَاتِهِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي الْمُطَلَّقَةِ فِي الْمَرَضِ، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، تَعْتَدُّ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ.
وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ تَنْقَضِي بِهِ كُلُّ عِدَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهَا الِاعْتِدَادُ بِغَيْرِ الْحَمْلِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَة طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ حَامِلٌ]
(6333) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَلَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ
مُفَارِقَةٍ فِي الْحَيَاةِ.
وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، أَجَلُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ.
وَقَالَهُ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ تَنْكِحَ فِي دَمِهَا.
وَيُحْكَى عَنْ حَمَّادٍ وَإِسْحَاقَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى تَطْهُرَ.
وَأَبَى سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: لَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجهَا، حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَكِنْ، لَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا وَتَغْتَسِلَ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا؟ قَالَ هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا» وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَوْ لَاعَنْتُهُ: إنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ الْأَخِيرَةُ، فَتُقَدَّمُ عَلَى مَا خَالَفَهَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيُخَصُّ بِهَا عُمُومُهَا.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ، «أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً، لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ؟ إنَّك وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي، بِأَنِّي قَدْ حَلَلْت حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، فَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَدْ جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، كُلُّهَا ثَابِتَةٌ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ
مُنْقَطِعٍ.
وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ حَامِلٌ، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ كَالْمُطَلَّقَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَوَضْعُهُ أَدَلُّ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ، وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي بَقَاءِ الْعِدَّةِ بِبَقَاءِ الْحَمْلِ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْحَمْلُ وَاحِدًا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ]
(6334) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْحَمْلُ وَاحِدًا، انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ، وَانْفِصَالِ جَمِيعِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ، فَهِيَ فِي عِدَّتِهَا حَتَّى يَنْفَصِلَ بَاقِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَاضِعَةً لِحَمْلِهَا مَا لَمْ يَخْرُجَ كُلُّهُ.
وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ هُوَ الْجَمِيعُ.
هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَبَا قِلَابَةَ وَعِكْرِمَةَ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَلَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَضَعَ الْآخَرَ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَضَعَتْ أَحَدَهُمَا، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
قِيلَ لَهُ: فَتَتَزَوَّجُ؟ قَالَ لَا.
قَالَ قَتَادَةُ خُصِمَ الْعَبْدُ.
.
وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَقَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْمَعْنَى فَإِنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِمَعْرِفَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ، فَإِذَا عُلِمَ وُجُودُ الْحَمْلِ، فَقَدْ تُيُقِّنَ وُجُودُ الْمُوجِبِ لِلْعِدَّةِ، وَانْتَفَتْ الْبَرَاءَةُ الْمُوجِبَةُ لِانْقِضَائِهَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، لَأُبِيحَ لَهَا النِّكَاحُ، كَمَا لَوْ وَضَعَتْ الْآخَرَ.
فَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدًا، وَشَكَّتْ فِي وُجُودِ ثَانٍ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، وَتَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مَعَهَا حَمْلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
[مَسْأَلَة الْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ]
(6335) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَالْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَلْقَتْ بَعْدَ فُرْقَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، لَمْ يَخْلُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ تَضَعَ مَا بَانَ فِيهِ خَلْقُ الْآدَمِيِّ، مِنْ الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَهَذَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمَرْأَةِ تَنْقَضِي بِالسَّقْطِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ وَلَدٌ، وَمِمَّنْ نَحْفَظُ عَنْهُ ذَلِكَ: الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إذَا نُكِّسَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ؟ يَعْنِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ.
فَقَالَ: إذَا نُكِّسَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَلَكِنْ إذَا تَبَيَّنَ خَلْقُهُ هَذَا أَدَلُّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا بَانَ
فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّ، عُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] . الْحَالُ الثَّانِي، أَلْقَتْ نُطْفَةً أَوْ دَمًا، لَا تَدْرِي هَلْ هُوَ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْآدَمِيُّ أَوْ لَا؟ فَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَلَدٌ، لَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بِالْبَيِّنَةِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ أَلْقَتْ مُضْغَةً لَمْ تَبِنْ فِيهَا الْخِلْقَةُ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ، أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً، بَانَ بِهَا أَنَّهَا خِلْقَةُ آدَمِيٍّ، فَهَذَا فِي حُكْمِ الْحَالِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ وَلَدٌ.
الْحَالُ الرَّابِعُ، إذَا أَلْقَتْ مُضْغَةً لَا صُورَةَ فِيهَا، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِهِ، وَلَكِنْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي كَوْنِهِ وَلَدًا، فَلَمْ يُحْكَمْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الْمُتَيَقَّنَةِ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْأَمَةِ الْوَالِدَةِ لَهُ مَعَ الشَّكِّ فِي رِقِّهَا، فَيَثْبُتُ كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدٍ احْتِيَاطًا، وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ احْتِيَاطًا.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِدَّةَ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابنَا: عَلَى هَذَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ خِلْقَةُ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ.
.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرِوَايَةٍ فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا.
الْحَالُ الْخَامِسُ، أَنْ تَضَعَ مُضْغَةً لَا صُورَةَ فِيهَا، وَلَمْ تَشْهَدْ الْقَوَابِلُ بِأَنَّهَا مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَهَذَا لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ وَلَدًا بِبَيِّنَةٍ وَلَا مُشَاهَدَةٍ، فَأَشْبَهَ الْعَلَقَةَ، فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِ مَا قَبْلَ الْمُضْغَةِ بِحَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ نُطْفَةً أَوْ عَلَقَةً، وَسَوَاءٌ قِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ أَوْ لَمْ يُقَلْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَقَةً، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إنَّمَا هِيَ دَمٌ، لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ، وَلَا تَعْتِقُ بِهِ أَمَةٌ.
وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي هَذَا، إلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا عُلِمَ أَنَّهَا حَمْلٌ، انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ، وَفِيهِ الْغُرَّةُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنْ الْحَمْلِ، أَنْ تَضَعَهُ بَعْدَ ثَمَانِينَ يَوْمًا مُنْذُ أَمْكَنَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ لَيُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَيَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثَمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ". وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِمَا دُونِ الْمُضْغَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ، فَأَمَّا مَا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ مُنَكَّسٌ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ.
[فَصْلٌ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ]
(6336) فَصْلٌ: وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، أَنَّهُ رُفِعَ إلَى عُمَرَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهَمَّ عُمُرُ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] فَحَوْلَانِ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، لَا رَجْمَ عَلَيْهَا.
فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهَا، وَوَلَدَتْ مَرَّةً أُخْرَى لِذَلِكَ الْحَدِّ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ.
قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ: فَقُلْت لِعِكْرِمَةَ إنَّا بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا قَالَ هَذَا.
فَقَالَ عِكْرِمَةُ لَا، مَا قَالَ هَذَا إلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فِي " الْمَعَارِفِ " أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَغَيْرِهِمْ.
[مَسْأَلَة أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ]
(6337) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلَمْ تَنْكِحْ حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ طَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَقْصَى مُدَّتِهِ سَنَتَانِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا رَوَتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى السَّنَتَيْنِ فِي الْحَمْلِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا وَلَا اتِّفَاقَ، إنَّمَا هُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، وَهَرِمَ بْنَ حَيَّانَ حَمَلَتْ أُمُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ سَنَتَيْنِ، وَقَالَ اللَّيْثُ أَقْصَاهُ ثَلَاثُ سِنِينَ.
حَمَلَتْ مَوْلَاةٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ.
وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ: خَمْسُ سِنِينَ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَدْ تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ سِتَّ سِنِينَ وَسَبْعَ سِنِينَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَيْسَ لِأَقْصَاهُ وَقْتٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ.
وَلَنَا أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ، يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ الْحَمْلُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ، فَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: حَدِيثُ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ: لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى السَّنَتَيْنِ فِي الْحَمْلِ.
قَالَ مَالِكٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَنْ يَقُولُ هَذَا؟ هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ تَحْمِلُ أَرْبَعَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ نِسَاءُ بَنِي عَجْلَانَ يَحْمِلْنَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَامْرَأَةُ عَجْلَانَ حَمَلَتْ ثَلَاثَ بُطُونٍ، كُلَّ دَفْعَةٍ أَرْبَعَ سِنِينَ.
وَبَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ.
وَهَكَذَا إبْرَاهِيمُ بْنُ نَجِيحٍ الْعُقَيْلِيُّ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ وَإِذَا تَقَرَّرَ
وُجُودُهُ، وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ، وَلَا يُزَادَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ، وَلِأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ لِامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ غَايَةُ الْحَمْلِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَ، مِنْ يَوْمِ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ، وَلَمْ تَكُنْ تَزَوَّجَتْ، وَلَا وُطِئَتْ، وَلَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْقُرُوءِ، وَلَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ، وَعِدَّتُهَا مُنْقَضِيَةٌ بِهِ.
[فَصْلٌ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ مَاتَ أَوْ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقِ أَوْ فَسْخٍ]
(6338) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ مَاتَ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمْ يَلْحَقْهُ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ، وَالْبَيْنُونَةِ مِنْهُ، وَكَوْنِهَا قَدْ صَارَتْ مِنْهُ أَجْنَبِيَّةً، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْهُ بِوَضْعِهِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَلْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ وَلَدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ نِكَاحِهِ، بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، كَالْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الَّذِي أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ يَقِينًا.
ثُمَّ نَاقَضُوا قَوْلَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي، وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ، فَالْوَلَدُ مُنْتَفٍ عَنْهُمَا، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ مِنْهُ، لَمْ يَكْفِ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ، فَلَأَنْ لَا يَكْفِيَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا سَلَّمُوهُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِنِكَاحٍ غَيْرِ هَذَا النِّكَاحِ الَّذِي أَتَتْ بِالْوَلَدِ فِيهِ، فَاسْتَوَيَا.
وَأَمَّا الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ فَإِنَّا نَفَيْنَا الْوَلَدَ عَنْ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَنَفَيْنَا حُكْمَهُ فِي كَوْنِهِ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا، حَتَّى أَوْجَبْنَا الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا وَقَاذِفِ وَلَدِهَا، وَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا دُونَهُ، فَثَبَتَتْ.
[فَصْل أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ بَعْدِ انْقِضَائِهَا]
(6339) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ بَعْدِ انْقِضَائِهَا، لَمْ يَلْحَقْ نَسَبُهُ بِالزَّوْجِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَلْحَقُ بِهِ، مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، أَوْ يَبْلُغْ أَرْبَعَ سِنِينَ.
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ قَوْلَهُ: إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ طَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ لَحِقَهُ الْوَلَدُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَلَدٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ.
وَلَنَا أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَضَاءِ عِدَّتِهَا، وَحِلِّ النِّكَاحِ لَهَا بِمُدَّةِ الْحَمْلِ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ حَمَلِهَا لِمُدَّةِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ أَوْ آثَارِهِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ.
وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَدَّعِي الْإِيَاسَ، تَبَيَّنَّا كَذِبَهَا، فَإِنَّ مَنْ تَحْمِلُ لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، أَوْ مُتَوَفَّى عَنْهَا، لَحِقَهُ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهَا مَا يُنَافِي كَوْنَهَا حَامِلًا.
[فَصْلٌ مَاتَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ عَنْ زَوْجَتِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدِ]
(6340) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ عَنْ زَوْجَتِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ، وَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ مَاتَ وَبِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ، اعْتَدَّتْ عَنْهُ بِالْوَضْعِ، وَإِنْ ظَهَرَ الْحَمْلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّبِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ، وَدَخَلَ بِهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ تَعْتَدُّ بِهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] .
وَلَنَا أَنَّ هَذَا حَمْلٌ مَنْفِيٌّ عَنْهُ يَقِينًا، فَلَمْ تَعْتَدَّ بِوَضْعِهِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي الْمُطَلَّقَاتِ، ثُمَّ هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ مِنْ الْوَطْءِ الَّذِي عَلِقَتْ بِهِ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْوَلَدُ مُلْحَقًا بِغَيْرِ الصَّغِيرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ كَانَ مِنْ زِنًا لَا يَلْحَقُ بِأَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ مِنْ كُلِّ وَطْءٍ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ اعْتَدَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الدُّخُولِ، كَزَوْجَةِ كَبِيرٍ دَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ الْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ امْرَأَتَهُ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ، وَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْوَطْءِ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، أَوْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهَرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ، بِأَنْ يَحُكَّ مَوْضِعَ ذَكَرِهِ بِفَرْجِهَا فَيُنْزِلَ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْحَقُ بِهِ؛ الْوَلَدُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ تَزَوَّجَ الْمَشْرِقِيُّ بِالْمَغْرِبِيَّةِ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يُمْكِنُ
أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا بِمُدَّةِ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ.
[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا]
(6341) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ مِنْ الثَّانِي) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ فِي عِدَّتِهَا، إجْمَاعًا، أَيَّ عِدَّةٍ كَانَتْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] . وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَتْ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ نِكَاحًا بَاطِلًا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَالْعِدَّةُ بِحَالِهَا، وَلَا تَنْقَطِعُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ شَيْءٌ، وَتَسْقُطُ سُكْنَاهَا وَنَفَقَتُهَا عَنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ سَوَاءٌ عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَوْ جَهِلَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا فِرَاشًا لِغَيْرِ مَنْ لَهُ الْعِدَّةُ لَا يَمْنَعُهَا، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَهِيَ زَوْجَةٌ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لِلزَّوْجِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، وَأَنَّهَا تَحْرُمُ، فَهُوَ زَانٍ، فَلَا تَنْقَطِعُ الْعِدَّةُ بِوَطْئِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، أَوْ بِالتَّحْرِيمِ، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا، وَالْعِدَّةُ تُرَادُ لِلِاسْتِبْرَاءِ، وَكَوْنُهَا فِرَاشًا يُنَافِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْطَعَهَا، فَأَمَّا طَرَيَانُهُ عَلَيْهَا، فَلَا يَجُوزُ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا وَطْءٌ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ، فَتَنْقَطِعُ بِهِ الْعِدَّةُ، كَمَا لَوْ جَهِلَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا.
قُلْنَا: لَكِنَّهُ لَا يَلْحَقُ نَسَبُ الْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ وَطْئِهِ بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَهُمَا شَيْئَانِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَعَلَيْهِ فِرَاقُهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَارَقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَعِدَّتُهُ وَجَبَتْ عَنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا أَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ الثَّانِي، وَلَا تَتَدَاخَلُ الْعِدَّتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلَيْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَدَاخَلَانِ، فَتَأْتِي بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الثَّانِي، تَكُونُ عَنْ بَقِيَّةِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ وَعِدَّةِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَهَذَا تَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَلَنَا مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ طُلَيْحَةَ كَانَتْ تَحْتَ رَشِيدٍ الثَّقَفِيِّ، فَطَلَّقَهَا، وَنَكَحَهَا غَيْرُهُ فِي عِدَّتِهَا، فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا ضَرْبَاتٍ
بِمِخْفَقَةٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَكَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا.
وَرَوَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى فِي الَّتِي تَزَوَّجُ فِي عِدَّتِهَا، أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَتُكْمِلُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَتَعْتَدُّ مِنْ الْآخَرِ وَهَذَانِ قَوْلَا سَيِّدَيْنِ مِنْ الْخُلَفَاءِ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا، كَالدَّيْنَيْنِ وَالْيَمِينَيْنِ، وَلِأَنَّهُ حَبْسٌ يَسْتَحِقُّهُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي حَبْسِ رَجُلَيْنِ كَحَبْسِ الزَّوْجَةِ.
[مَسْأَلَة لِلزَّوْجِ الثَّانِي أَنَّ يَتَزَوَّجهَا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ]
(6342) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ يَعْنِي لِلزَّوْجِ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجهَا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ.
فَأَمَّا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ ثَلَاثًا، لَمْ تَحِلّ لَهُ بِهَذَا النِّكَاحِ وَإِنْ وَطِئَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ دُونَ الثَّلَاثِ، فَلَهُ نِكَاحُهَا أَيْضًا بَعْدَ الْعِدَّتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، فَلَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ عُمَرَ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا.
وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ الْحَقَّ قَبْلَ وَقْتِهِ فَحُرِمَهُ فِي وَقْتِهِ، كَالْوَارِثِ إذَا قَتَلَ مَوْرُوثَهُ، وَلِأَنَّهُ يُفْسِدُ النَّسَبَ فَيُوقِعُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ، كَاللِّعَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ حِفْظًا لِلنَّسَبِ، وَصِيَانَةً لِلْمَاءِ، وَالنَّسَبُ، لَاحِقٌ بِهِ هَاهُنَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَعَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَهَذَا حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ.
وَلَنَا عَلَى إبَاحَتِهَا بَعْدَ الْعِدَّتَيْنِ، أَنَّهُ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهَا بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ أَوْ بِهِمَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ نَكَحَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَوَطِئَهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ زَنَى بِهَا، لَمْ تُحَرِّمْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ آيَاتِ الْإِبَاحَةِ عَامَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَقَوْلُهُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: 5] .
فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي تَحْرِيمِهَا، فَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ فِيهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي التَّحْرِيمِ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، فَإِنَّ عَلِيًّا قَالَ: إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ.
فَقَالَ عُمَرُ رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إلَى السُّنَّةِ.
وَرَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ.
وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِمَا إذَا زَنَى بِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَعْجَلَ وَطْأَهَا، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَوَجْهُ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ قَضَاءِ عِدَّةِ الثَّانِي عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَفْسُدُ بِهِ النَّسَبُ، فَلَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ، كَوَطْءِ الْأَجْنَبِيِّ.
[فَصْلٌ نِكَاحُ الْمُعْتَدَّة مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ]
(6343) فَصْلٌ: وَكُلُّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ كَالزَّانِيَةِ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَحْرِيمُ نِكَاحِهَا عَلَى الْوَاطِئِ وَغَيْرِهِ.
وَالْأَوْلَى حِلُّ نِكَاحِهَا لِمَنْ هِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ، إنْ كَانَ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ مَائِهِ، وَصِيَانَةِ نَسَبِهِ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ الْمُحَرَّمُ عَنْ مَائِهِ الْمُحْتَرَمِ، وَلَا يُحْفَظُ نَسَبَهُ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لِلْمُخْتَلِعَةِ نِكَاحُ مَنْ خَالِعهَا، وَمَنْ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا كَالزَّانِيَةِ، لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا يُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ النَّسَبِ، فَالْوَاطِئُ كَغَيْرِهِ، فِي أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
[مَسْأَلَة الْقَافَة بالتحاق الْوَلَد بِوَالِدِيهِ]
(6344) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، أُرِيَ الْقَافَةَ وَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ مِنْهُمَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ بِوَضْعِ حَمْلِهَا؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] . ثُمَّ نَنْظُرُ؛ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، وَأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَهَا مِنْ فِرَاقِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُ بِوَضْعِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ عَنْ الثَّانِي.
وَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا زَادَ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُلْصَقٌ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، فَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا مِنْ الثَّانِي، ثُمَّ تُتِمُّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ.
وَتَقَدُّمُ عِدَّةِ الثَّانِي هَاهُنَا عَلَى عِدَّةُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ إنْسَانٍ وَالْعِدَّةُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، وَلِأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَهَا مِنْ بَيْنُونَتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ، أُرِيَ الْقَافَةَ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْأَوَّلِ، لَحِقَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ دُونِ الثَّانِي، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالثَّانِي، لَحِقَ بِهِ، وَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْ الثَّانِي دُونِ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى الْقَافَةِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَتَتْ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ عِدَّةِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّانِي، فَعَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، لِيَسْقُطَ
الْفَرْضُ بِيَقِينٍ.
فَأَمَّا الْوَلَدُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَضِيعُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى نِسْبَتِهِ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَجْنُونًا، لَمْ يَنْتَسِبْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيَنْتَسِبَ إلَى أَحَدِهِمَا، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، لَحِقَ بِهِمَا.
وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ مِنْهُمَا، كَمَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِهِ مِنْ الْوَاحِدِ الَّذِي يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا.
وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ، وَتَعْتَدُّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثِ قُرُوءٍ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُمَا بِقَوْلِ الْقَافَةِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْقَافَةِ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ صَاحِبَيْ الْفِرَاشِ، لَا فِي النَّفْيِ عَنْ الْفِرَاشِ كُلِّهِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ وَاحِدًا فَنَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُ، لَمْ يَنْتِفَ عَنْهُ بِقَوْلِهَا.
فَأَمَّا إنْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ فِرَاقِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ آخَرَ، فَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ، ثُمَّ تُتِمُّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، وَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي عِدَّةً ثَالِثَةً، وَهُوَ الْوَطْءُ الَّذِي حَمَلَتْ مِنْهُ، فَتَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّتَانِ، وَإِتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً وَهُمَا عَالَمَانِ بِالْعِدَّةِ]
(6345) فَصْلٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً، وَهُمَا عَالِمَانِ بِالْعِدَّةِ، وَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِيهَا، وَوَطِئَهَا، فَهُمَا زَانِيَانِ، عَلَيْهِمَا حَدُّ الزِّنَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ.
وَإِنْ كَانَا جَاهِلِينَ بِالْعِدَّةِ، أَوْ بِالتَّحْرِيمِ، ثَبَتَ النَّسَبُ، وَانْتَفَى الْحَدُّ، وَوَجَبَ الْمَهْرُ.
وَإِنْ عَلِمَ هُوَ دُونَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَلَا نَسَبَ لَهُ.
وَإِنْ عَلِمَتْ هِيَ دُونَهُ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى بُطْلَانِهِ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
[فَصْل خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهُ]
(6346) فَصْلٌ: وَإِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهُ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا.
فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَشَذَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، وَلَا خِطْبَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ نَسَبِهِ، وَصِيَانَةِ مَائِهِ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ إذَا كَانَا مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا، انْقَطَعْت الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصِيرُ فِرَاشًا لَهُ بِعَقْدِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ مُعْتَدَّةً.
فَإِنْ وَطِئَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا مِنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا قَدْ انْقَطَعَتْ وَارْتَفَعَتْ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَهَلْ تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ، أَوْ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى؟ قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا،
تَسْتَأْنِفُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَخْلُو مِنْ عِدَّةٍ، فَأَوْجَبَ عِدَّةً مُسْتَأْنَفَةً، كَالْأَوَّلِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَلَمْ يُوجِبْ عِدَّةً، لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] . وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي " كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ " أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، لَكِنْ يَلْزَمُهَا إتْمَامُ بَقِيَّةِ الْعِدَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ إسْقَاطَهَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَيَطَؤُهَا وَيَخْلَعُهَا، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا وَيُطَلِّقُهَا فِي الْحَالِ، وَيَتَزَوَّجُهَا الثَّانِي، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
فَإِنْ خَلَعَهَا حَامِلًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا حَامِلًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا قَبْلَ وَضْعِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَإِنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ الثَّانِي، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِلطَّلَاقِ مِنْ النِّكَاحِ الثَّانِي، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا بِعَدِّ قَضَاءِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَقَبْلَ طَلَاقِهِ، فَمَنْ قَالَ: يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ.
أَوْجَبَ عَلَيْهَا الِاعْتِدَادَ بَعْدَ طَلَاقِ الثَّانِي بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
وَمَنْ قَالَ: لَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ.
لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا هَاهُنَا عِدَّةً؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ الْأُولَى انْقَضَتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَعْتَدَّ الْحَامِلُ بِغَيْرِ وَضْعِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْقُرُوءِ أَوْ الشُّهُورِ، فَنَكَحَهَا الثَّانِي بَعْدَ مُضِيِّ قُرْءٍ أَوْ شَهْرٍ، ثُمَّ مَضَى قُرْءَانِ أَوْ شَهْرَانِ قَبْلَ طَلَاقِهِ مِنْ النِّكَاحِ الثَّانِي، فَقَدْ انْقَطَعْت الْعِدَّةُ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي، فَإِنْ قُلْنَا: تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ.
فَعَلَيْهَا عِدَّةٌ تَامَّةٌ، بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَبْنِي.
أَتَمَّتْ الْعِدَّةَ الْأُولَى بِقُرْأَيْنِ أَوْ شَهْرَيْنِ.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا وَوَطِئَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا]
(6347) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا وَوَطِئَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، انْقَطَعْت الْعِدَّةُ الْأُولَى بِرَجْعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ حُكْمُ الطَّلَاقِ، وَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةً مِنْ الطَّلَاقِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَسِيسُ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسّهَا، فَهَلْ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً، أَوْ تَبْنِي عَلَى الْعِدَّةِ الْأُولَى؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: أُولَاهُمَا: أَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ أَزَالَتْ شُعْثَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ.
وَرَدَّتْهَا إلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَصَارَ الطَّلَاقُ الثَّانِي طَلَاقًا مِنْ نِكَاحٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَسِيسُ.
وَالثَّانِيَةُ، تَبْنِي؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَزِيدُ عَلَى النِّكَاحِ الْجَدِيدِ، وَلَوْ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، لَمْ يَلْزَمْهَا لِذَلِكَ الطَّلَاقِ عِدَّةٌ، فَكَذَلِكَ الرَّجْعَةُ.
فَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ بِخَلْعِ أَوْ غَيْرِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ فِي الْعِدَّةِ مُوجَبُ الطَّلَاقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ؛
لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا بِلَفْظِهِ، لَكِنَّهُ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَهَلْ تَحْصُلُ بِذَلِكَ رَجْعَةٌ أَوْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ مَنْ ارْتَجَعَهَا بِلَفْظِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا، سَوَاءً.
وَالثَّانِيَةُ، لَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِهِ، وَيَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ تَشَعَّثَ، فَهُوَ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
وَتَدْخُلُ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ حَمَلَتْ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ، فَهَلْ تَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ الْأُولَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، تَدْخُلُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي، لَا تَدْخُلُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ.
وَإِنْ وَطِئَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَفِي تَدَاخُلِ الْعِدَّتَيْنِ وَجْهَانِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: يَتَدَاخَلَانِ.
فَانْقِضَاؤُهُمَا مَعًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَدَاخَلَانِ.
فَانْقِضَاءُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الْوَطْءِ بِالْقُرُوءِ.
(6348) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا مَنْ وَطِئَهَا، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً لِلثَّانِي، وَلِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ رَجْعَتُهَا فِي بَقِيَّةِ عِدَّتِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلزَّوْجَةِ، وَطَرَيَانُ الْوَطْءِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى النِّكَاحِ، لَا يَمْنَعُ الزَّوْجَ إمْسَاكَ زَوْجَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ ارْتِجَاعُهَا، كَالْمُرْتَدَّةِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَمْنَعُ الرَّجْعَةَ، كَالْإِحْرَامِ.
وَيُفَارِقُ الرِّدَّةَ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ.
وَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّةِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ.
وَإِذَا ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتْ بِالْقُرُوءِ أَوْ بِالْأَشْهُرِ، انْقَطَعَتْ عِدَّتُهُ بِالرَّجْعَةِ، وَابْتَدَأَتْ عِدَّةً مِنْ الثَّانِي، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثَّانِي، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالْحَمْلِ، لَمْ يُمْكِنْ شُرُوعُهَا فِي عِدَّةِ الثَّانِي قَبْلَ وَضَعَ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهَا بِالْقُرُوءِ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا، شَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ مُلْحَقًا بِالثَّانِي، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِهِ عَنْ الثَّانِي وَتُقَدِّمُ عِدَّةَ الثَّانِي عَلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا، شَرَعَتْ فِي إتْمَامِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَرْتَجِعَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهْت الْأَجْنَبِيَّةَ أَوْ الْمُرْتَدَّةَ.
وَالثَّانِي، لَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا مِنْهُ لَمْ تَنْقَضِ، وَتَحْرِيمُهَا لَا يَمْنَعُ رَجْعَتَهَا، كَالْمُحَرَّمَةِ.