َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةِ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ أَهْلِهَا» . أَوْ كَمَا قَالَ.
(6408) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهُوَ نَاءٍ عَنْهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ، إذَا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهَا، وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّةُ) هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ مَتَى مَاتَ زَوْجُهَا أَوْ طَلَّقَهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ مَوْتِهِ وَطَلَاقِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَعْلَمُهُ، أَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ، إلَّا مَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَعَطَاءٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَطَاوُسٍ، وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَنَافِعٍ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَعَنْ.
أَحْمَدَ: إنَّ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَكَمَا ذَكَرْنَا.
وَإِلَّا فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ يَأْتِيهَا الْخَبَرُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عِدَّتَهَا مِنْ يَوْم يَأْتِيهَا الْخَبَرُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ اجْتِنَابُ أَشْيَاءَ، وَمَا اجْتَنَبَتْهَا.
وَلَنَا، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا، فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِفُرْقَةِ زَوْجِهَا، لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْعَدَدِ؛ وَلِأَنَّهُ زَمَانٌ عَقِيبَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِدَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّغِيرَةَ وَالْمَجْنُونَةَ تَنْقَضِي عِدَّتُهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَمْ يُعْدَمْ هَاهُنَا إلَّا الْقَصْدُ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا اجْتَنَبَتْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّاتُ، أَوْ لَمْ تَجْتَنِبُهُ، فَإِنَّ الْإِحْدَادَ الْوَاجِبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعِدَّةِ، فَلَوْ تَرَكَتْهُ قَصْدًا، أَوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَقَالَ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] . وَقَالَ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] . وَفِي اشْتِرَاطِ الْإِحْدَادِ مُخَالَفَةُ هَذِهِ النُّصُوصِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ.
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
ِ الْأَصْلُ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ وَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] . ذَكَرهمَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي جُمْلَةِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، نَذْكُرُ أَكْثَرَهَا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي تَضَاعِيفِ الْبَابِ.
وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ، وَتَحْرِيمَ الْبِنْتِ ثَبَتَ بِالتَّنْبِيهِ، فَإِنَّهُ إذَا حُرِّمَتْ الْأُخْتُ فَالْبِنْتُ أُولَى، وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بِالسُّنَّةِ.
وَتَثْبُتُ الْمَحْرَمِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ إذَا كَانَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، فَأَمَّا بَقِيَّةُ أَحْكَامِ النَّسَبِ؛ مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَإِنَّمَا يُشَبَّه بِهِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ.
[مَسْأَلَةُ الرَّضَاعِ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِي تَحْرِيمِهِ]
(6409) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَالرَّضَاعُ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِي تَحْرِيمِهِ، أَنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَتَانِ: (6410) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا.
هَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَزَعَمَ اللَّيْثُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ فِي الْمَهْدِ مَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ.
وَاحْتَجُّوا بُقُولِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] . وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، «أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا.
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ، كَتَحْرِيمِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إلَّا بِثَلَاثِ رَضَعَاتٍ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُد، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» . وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَتْ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ وَالتَّكْرَارُ، يَعْتَبِرُ فِيهِ الثَّلَاثُ.
وَرُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ: لَا يُحَرِّمُ دُونَ عَشْرِ رَضَعَاتٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ رَوَى فِي حَدِيثِ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا بَلَغَنَا: «أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ، فَيُحَرَّمُ بِلَبَنِهَا» . وَوَجْهُ الْأُولَى، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ " عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ". فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسٌ، وَصَارَ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتِ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ: «أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا» وَالْآيَةُ فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ، وَبَيَّنَتْ الرَّضَاعَةَ الْمُحَرِّمَةَ، وَصَرِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ يَخُصُّ مَفْهُومَ مَا رَوَوْهُ، فَنَجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَنَحْمِلُهَا عَلَى الصَّرِيحِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
(6411)
فَصْلٌ: وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي وُجُودِ الرَّضَاعِ، أَوْ فِي عَدَدِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ، هَلْ كَمُلَا أَوْ لَا؟ لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَلَا نُزُولَ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ الطَّلَاقِ وَعَدَدِهِ.
(6412) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الرَّضَعَاتُ مُتَفَرِّقَاتٍ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَالْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ الرَّضْعَةِ إلَى الْعُرْفِ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَنِ وَلَا مِقْدَارٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُمْ إلَى الْعُرْفِ، فَإِذَا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ، وَقَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًا بِاخْتِيَارِهِ، كَانَ ذَلِكَ رَضْعَةً، فَإِذَا عَادَ كَانَتْ رَضْعَةً، أُخْرَى.
فَأَمَّا إنْ قَطَعَ لِضِيقِ نَفَسٍ، أَوْ لِلِانْتِقَالِ مِنْ ثَدْيٍ إلَى ثَدْيٍ، أَوْ لَشَيْءٍ يُلْهِيه، أَوْ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ قَرِيبًا فَهِيَ رَضْعَةٌ، وَإِنْ عَادَ فِي الْحَالِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْأُولَى رَضْعَةٌ، فَإِذَا عَادَ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَمَا تَرَى الصَّبِيَّ يَرْتَضِعُ مِنْ الثَّدْيِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ النَّفَسُ أَمْسَكَ عَنْ الثَّدْيِ لِيَتَنَفَّسَ أَوْ يَسْتَرِيحَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهِيَ رَضْعَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُولَى رَضْعَةٌ لَوْ لَمْ يَعُدْ، فَكَانَتْ رَضْعَةً وَإِنْ عَادَ، كَمَا لَوْ قَطَعَ بِاخْتِيَارِهِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ رَضْعَةٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا فِيمَا إذَا قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا أَكَلْت الْيَوْمَ إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً.
فَاسْتَدَامَ الْأَكْلَ زَمَنًا، أَوْ قَطَعَ لِشُرْبِ الْمَاءِ أَوْ انْتِقَالٍ مِنْ لَوْنٍ إلَى لَوْنٍ، أَوْ انْتِظَارٍ لِمَا يُحْمَلُ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ، لَمْ يُعَدَّ إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً، فَكَذَا هَاهُنَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ رَضْعَةٌ، فَكَذَا هَذَا.
[مَسْأَلَةٌ السَّعُوطُ كَالرَّضَاعِ وَكَذَلِكَ الْوَجُورُ]
(6413) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: الشَّافِعِيُّ: (وَالسَّعُوطُ كَالرَّضَاعِ، وَكَذَلِكَ الْوَجُورُ) مَعْنَى السَّعُوطِ: أَنْ يُصَبَّ اللَّبَنَ فِي أَنْفِهِ مِنْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالْوَجُورُ: أَنْ يُصَبَّ فِي حَلْقِهِ صَبًّا مِنْ غَيْرِ الثَّدْيِ.
وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي التَّحْرِيمِ بِهِمَا، فَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ، كَمَا يَثْبُتُ بِالرَّضَاعِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَجُورِ.
وَالثَّانِيَةُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا التَّحْرِيمُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ دَاوُد وَقَوْلُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ فِي السَّعُوطِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ بِالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ غَيْرِ ارْتِضَاعٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ مِنْ جُرْحٍ فِي بَدَنَهُ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا رَضَاعَ، إلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ هَذَا يَصِلُ بِهِ اللَّبَنُ إلَى حَيْثُ يَصِلُ بِالِارْتِضَاعِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مِنْ إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الِارْتِضَاعِ، فَيَجِبُ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْأَنْفُ سَبِيلُ الْفِطْرِ لِلصَّائِمِ.
فَكَانَ سَبِيلًا لِلتَّحْرِيمِ، كَالرَّضَاعِ بِالْفَمِ.
(6414) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ الَّذِي يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ، وَهُوَ خَمْسٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، فَإِنَّهُ فَرْعٌ عَلَى الرَّضَاعِ، فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ، فَإِنْ ارْتَضَعَ وَكَمَّلَ الْخَمْسَ بِسَعُوطٍ أَوْ وَجُورٍ، أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ أُوجِرَ، وَكَمَّلَ الْخَمْسَ بِرَضَاعٍ، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ كَالرَّضَاعِ فِي أَصْلِ التَّحْرِيمِ، فَكَذَلِكَ فِي إكْمَالِ الْعَدَدِ، وَلَوْ حَلَبَتْ فِي إنَاءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ سَقَتْهُ غُلَامًا فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ، فَهُوَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، فَإِنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ خَمْسَ أَكَلَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، لَكَانَ قَدْ أَكَلَ خَمْسَ أَكَلَاتٍ.
وَإِنْ حَلَبَتْ فِي إنَاءٍ حَلَبَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ، ثُمَّ سَقَتْهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً، كَمَا لَوْ جُعِلَ الطَّعَامُ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ، ثُمَّ أَكَلَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، كَانَ أَكْلَةً وَاحِدَةً.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ فِي الصُّورَتَيْنِ عَكْسُ مَا قُلْنَا اعْتِبَارًا لِخُرُوجِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالرَّضَاعِ، وَالْوَجُورُ فَرْعُهُ.
وَلَنَا أَنَّ، الِاعْتِبَارَ بِشُرْبِ الصَّبِيِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَرِّمُ، وَلِهَذَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ رَضَاعٍ، وَلَوْ ارْتَضَعَ بِحَيْثُ يَصِلُ إلَى فِيهِ، ثُمَّ مَجَّهُ، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ، وَمَا وُجِدَ مِنْهُ إلَّا دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَكَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ سَقَتْهُ فِي أَوْقَاتٍ، فَقَدْ وُجِدَ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ، فَكَانَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَأَمَّا إنْ سَقَتْهُ اللَّبَنَ الْمَجْمُوعَ جَرْعَةً بَعْدَ جَرْعَةٍ مُتَتَابِعَةٍ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِاعْتِبَارِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الرَّضْعَةِ إلَى الْعُرْفِ، وَهُمْ لَا يَعُدُّونَ هَذَا رَضَعَاتٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ الْآكِلُ الطَّعَامَ لُقْمَةً بَعْدَ لُقْمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ أَكَلَاتٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرْجِعَ عَلَى مَا إذَا قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ الرَّضَاعَ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
[فَصْلٌ عَمِلَ اللَّبَنَ جُبْنًا ثُمَّ أَطْعَمَهُ الصَّبِيَّ هَلْ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ]
(6415) فَصْلٌ: وَإِنْ عَمِلَ اللَّبَنَ جُبْنًا ثُمَّ أَطْعَمَهُ الصَّبِيَّ، ثَبَتَ بِهِ التَّحْرِيمُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحَرَّمُ بِهِ؛ لِزَوَالِ الِاسْمِ.
وَكَذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِالْوَجُورِ.
لَا يَثْبُتُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَاصِلٌ مِنْ الْحَلْقِ، يَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ، فَحَصَلَ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَمَا لَوْ شَرِبَهُ.
(6416)
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحُقْنَةُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ؛ أَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى: تُحَرِّمُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَبِيلٌ يَحْصُلُ بِالْوَاصِلِ مِنْهُ الْفِطْرُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَالرَّضَاعِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي، فَلَمْ يَنْشُر الْحُرْمَةَ، كَمَا لَوْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَضَاعِ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ، فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ حُكْمِهِ فِيهِ، وَيُفَارِقُ فِطْرَ الصَّائِمِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَلَا إنْشَازُ الْعَظْمِ، وَهَذَا لَا يُحَرِّمُ فِيهِ إلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ؛ وَلِأَنَّهُ وَصَلَ اللَّبَنُ إلَى الْبَاطِنِ مِنْ غَيْرِ الْحَلْقِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَلَ مِنْ جُرْحٍ.
[مَسْأَلَةٌ الرَّضَاعَةُ بِاللَّبَنِ الْمُخْتَلِطِ بِغَيْرِهِ]
(6417) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ كَالْمَحْضِ) الْمَشُوبُ: الْمُخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ.
وَالْمَحْضُ: الْخَالِصُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ سِوَاهُ.
وَسَوَّى الْخِرَقِيِّ بَيْنهمَا، سَوَاءٌ شِيبَ بِطَعَامِ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ؛ لِأَنَّهُ وَجُورٌ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الْغَالِبُ اللَّبَنَ حَرَّمَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ، وَلِأَنَّهُ يَزُولُ بِذَلِكَ الِاسْمُ وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَزَادُوا، فَقَالُوا: إنْ كَانَتْ النَّارُ قَدْ مَسَّتْ اللَّبَنَ حَتَّى أَنْضَجَتْ الطَّعَامَ، أَوْ حَتَّى تَغَيَّرَ، فَلَيْسَ بِرَضَاعٍ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ اللَّبَنَ مَتَى كَانَ ظَاهِرًا، فَقَدْ حَصَلَ شُرْبُهُ، وَيَحْصُلُ مِنْهُ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ، فَحَرَّمَ، كَمَا لَوْ كَانَ غَالِبًا، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ صِفَاتُ اللَّبَنِ بَاقِيَةً، فَأَمَّا إنْ صُبَّ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَبَنٍ مَشُوبٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي، وَلَا إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَلَا إنْشَازُ الْعَظْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ فِي بَطْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِيهِ.
(6418) فَصْلٌ: وَإِنْ حُلِبَ مِنْ نِسْوَةٍ، وَسُقِيَهُ الصَّبِيَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ارْتَضَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شِيبَ بِمَاءٍ أَوْ عَسَلٍ، لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ رَضَاعًا مُحَرِّمًا، فَكَذَلِكَ، إذَا شِيبَ بِلَبَنٍ آخَرَ.
[مَسْأَلَةٌ الرَّضَاع بِلَبَنِ الْمَيِّتَةِ]
(6419) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةِ، كَمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ) الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيِّ، أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
وَتَوَقَّفَ عَنْهُ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوِلَادَةِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ.
كَلَبَنِ الرَّجُلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وُجِدَ الِارْتِضَاعُ، عَلَى وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ مِنْ امْرَأَةٍ، فَأَثْبَتِ التَّحْرِيمَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ شُرْبِهِ فِي حَيَاتِهَا وَمَوْتِهَا إلَّا الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ أَوْ النَّجَاسَةُ، وَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ، وَالنَّجَاسَةُ لَا تَمْنَعُ، كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا، فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، لَنَشَرَ الْحُرْمَةَ، وَبَقَاؤُهُ فِي ثَدْيِهَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ ثَدْيَهَا لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِنَاءِ فِي عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ لَا تَزِيدُ عَلَى عَظْمِ الْمَيْتَةِ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ.
(6420)
فَصْلٌ: وَلَوْ حَلَبَتْ الْمَرْأَةُ لَبَنهَا فِي إنَاءٍ، ثُمَّ مَاتَتْ، فَشَرِبَهُ صَبِيٌّ، نَشَرَ الْحُرْمَةَ.
فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ جَعَلَ الْوَجُورَ مُحَرِّمًا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فِي حَيَاتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرِبَهُ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ.
[مَسْأَلَةٌ حَلَبَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِهِ فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا]
(6421) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا حَلَبَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِهِ، فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، فِي حَوْلَيْنِ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وَبَنَاتُهَا مِنْ أَبِي هَذَا الْحَمْلِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، وَبَنَاتُ أَبِي هَذَا الْحَمْلِ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ صَبِيَّةً، فَقَدْ صَارَتْ ابْنَةً لَهَا وَلِزَوْجِهَا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ الْحَمْلِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَمَلَتْ مِنْ رَجُلٍ وَثَابَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا رَضَاعًا مُحَرِّمًا، صَارَ الطِّفْلُ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لِلْمُرْضِعَةِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَصَارَ أَيْضًا ابْنًا لِمَنْ يُنْسَبُ الْحَمْلُ إلَيْهِ، فَصَارَ فِي التَّحْرِيمِ وَإِبَاحَةِ الْخَلْوَةِ ابْنًا لَهُمَا، وَأَوْلَادُهُ مِنْ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ أَوْلَادَ أَوْلَادِهِمَا، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَمِنْ غَيْرِهِ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الرَّجُلِ الَّذِي انْتَسَبَ الْحَمْلُ إلَيْهِ مِنْ الْمُرْضِعَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا، إخْوَةَ الْمُرْتَضِعِ، وَأَخَوَاتِهِ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهَا أَوْلَادَ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَأُمُّ الْمُرْضِعَةِ جَدَّتَهُ وَأَبُوهَا جَدَّهُ، وَإِخْوَتُهَا أَخْوَالَهُ، وَأَخَوَاتُهَا خَالَاتِهِ، وَأَبُو الرَّجُلِ جَدَّهُ، وَأُمُّهُ جَدَّتَهُ، وَإِخْوَتُهُ أَعْمَامَهُ، وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتُهُ، وَجَمِيعُ أَقَارِبِهِمَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْمُرْتَضِعِ كَمَا يَنْتَسِبُونَ إلَى وَلَدِهِمَا مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي ثَابَ لِلْمَرْأَةِ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَنَشَرَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِمَا، وَنَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَى الرَّجُلِ وَإِلَى أَقَارِبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى لَبَنَ الْفَحْلِ.
وَفِي التَّحْرِيمِ بِهِ اخْتِلَافٌ، ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ نِكَاحُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ، وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ فِيهِ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ «، أَنَّ أَفْلَحَ
أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ.
فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ.
قَالَ: ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك.
قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ بِقَوْلِ: حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلِ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا جَارِيَةً، وَالْأُخْرَى غُلَامًا، هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ؟ فَقَالَ: لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ.
قَالَ مَالِكٌ: اُخْتُلِفَ قَدِيمًا فِي الرَّضَاعَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَنَزَلَ بِرِجَالِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَزْوَاجِهِمْ؛ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، فَاسْتَفْتَوْا فِي ذَلِكَ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِمْ، فَفَارَقُوا زَوْجَاتِهِمْ.
فَأَمَّا الْمُرْتَضِعُ، فَإِنَّ الْحُرْمَةَ تَنْتَشِرُ إلَيْهِ وَإِلَى أَوْلَادِهِ وَإِنْ نَزَلُوا، وَلَا تَنْتَشِرُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، وَلَا إلَى أَعْلَى مِنْهُ، كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِكَاحُ أَبِي الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أَخِيهِ، وَلَا عَمِّهِ، وَلَا خَالِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا نِكَاحُ أُمِّ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتِهِ، وَلَا عَمَّتِهِ، وَلَا خَالَتِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْلَادُ الْمُرْضِعَةِ، وَأَوْلَادُ زَوْجِهَا إخْوَةَ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ وَأَخَوَاتِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، لَيْسَ بَيْنهمَا رَضَاعٌ وَلَا نَسَبٌ، وَإِنَّمَا الرَّضَاعُ بَيْن الْجَارِيَةِ وَأُخْتِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَوْلَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَى عَائِشَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ، إنْ زَادَ شَهْرًا جَازَ، وَرُوِيَ شَهْرَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] . وَلَمْ يُرِدْ بِالْحَمْلِ حَمْلَ الْأَحْشَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَنَتَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَمْلَ فِي الْفِصَالِ.
وَقَالَ زُفَرُ: مُدَّةُ الرَّضَاعِ ثَلَاثُ سِنِينَ.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَرَى رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ تُحَرِّمُ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَاللَّيْثِ، وَدَاوُد؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، فَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَرَانِي فَضْلًا، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْت فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرْضِعِيهِ.
فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا.
فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ، تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا، وَبَنَاتِ إخْوَتِهَا يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا، وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَأَبَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ، وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ، حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي، لَعَلَّهَا رُخْصَةٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُمَا.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] . فَجَعَلَ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهَا بَعْدَهُمَا.
وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» الشَّافِعِيُّ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ، إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعِنْدَ هَذَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِ أَبِي حُذَيْفَة عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ لَهُ دُونَ النَّاسِ، كَمَا قَالَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَقَوْلَ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْلِ حَمْلُ الْبَطْنِ.
وَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلِيٌّ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] . فَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْآيَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالِاعْتِبَارُ بِالْعَامَيْنِ لَا بِالْفِطَامِ، فَلَوْ فُطِمَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، ثُمَّ ارْتَضَعَ فِيهِمَا، لَحَصَلَ التَّحْرِيمُ، وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ حَتَّى تَجَاوَزَ الْحَوْلَيْنِ، ثُمَّ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا قَبْلَ الْفِطَامِ.
لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، صَاحِبُ مَالِكٍ: لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي الْحَوْلَيْنِ، لَمْ تُحَرِّمْ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] . وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» . وَالْفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بِمُدَّتِهِ لَا بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسَاعَةٍ، لَمْ يُحَرِّمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَوْ شَرَعَ فِي الْخَامِسَةِ، فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ كَمَالِهَا، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ الرَّضْعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ كَافٍ فِي التَّحْرِيمِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَصَلَ مِمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمٌ بِإِيصَالِ مَا لَا أَثَرَ لَهُ بِهِ.
وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيِّ فِي نَشْرِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ، أَنْ يَكُونَ لَبَنَ حَمْلٍ يَنْتَسِبُ إلَى الْوَاطِئِ، إمَّا لِكَوْنِ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، أَوْ بِشُبْهَةٍ، فَأَمَّا لَبَنُ الزَّانِي أَوْ النَّافِي لِلْوَلَدِ بِاللِّعَانِ، فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُمَا، فِي مَفْهُومِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيز: تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ مُبَاحُهُ وَمَحْظُورُهُ، كَالْوَطْءِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَاطِئَ حَصَلَ مِنْهُ لَبَنٌ وَوَلَدٌ، ثُمَّ
إنَّ الْوَلَدَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ، كَذَلِكَ اللَّبَنُ، وَلِأَنَّهُ رَضَاعٌ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إلَى الْمُرْضِعَةِ، فَنَشْرِهَا إلَى الْوَاطِئِ، كَصُورَةِ الْإِجْمَاعِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَهُمَا فَرْعٌ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الْأُبُوَّةِ، لَمْ يَثْبُتْ مَا هُوَ فَرْعٌ لَهَا.
وَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ ابْنَتِهِ مِنْ الزِّنَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ نُطْفَتِهِ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ؛ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ ثَمَّ لَا يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِهِ وَابْنَتُهَا مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ، وَتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّسَبِ، وَلِهَذَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» . فَأَمَّا الْمُرْضِعَةُ، فَإِنَّ الطِّفْلَ الْمُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، وَمَنْسُوبٌ إلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ جَمِيعُ أَوْلَادِهَا، وَأَقَارِبهَا الَّذِينَ يَحْرُمُونَ عَلَى أَوْلَادِهَا، عَلَى هَذَا الْمُرْتَضِعِ، كَمَا فِي الرَّضَاعِ بِاللَّبَنِ الْمُبَاحِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ جَارِيَةً، حَرُمَتْ عَلَى الْمُلَاعِنِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ، فَإِنَّهَا بِنْتُ امْرَأَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَتَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي، عِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ بَنَاتُهَا وَبَنَاتُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ الْغِلْمَانِ لِذَلِكَ.
[فَصْلٌ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا]
(6422) فَصْلٌ: وَإِذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ، سَوَاءٌ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ بِالْقَافَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا.
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، صَارَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهُمَا، فَالْمُرْتَضِعُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَبَعٌ لِلْمُنَاسِبِ، فَمَتَى لَحِقَ الْمُنَاسِبُ بِشَخْصٍ، فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ، وَإِنْ انْتَفَى الْمُنَاسِبُ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ بِلَبَنِهِ ارْتَضَعَ، وَحُرْمَتُهُ فَرْعٌ عَلَى حُرْمَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُمَا؛ لِتَعَذُّرِ الْقَافَةِ، أَوْ لِاشْتِبَاهِهِ عَلَيْهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، حَرُمَ عَلَيْهِمَا، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ أَحَدِهِمَا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَقَارِبُهُ دُونَ أَقَارِبِ الْآخَرِ، وَقَدْ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِغَيْرِهَا، فَحَرُمَ الْجَمِيعُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أُخْتَهُ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ اخْتَلَطَتْ بِأَجْنَبِيَّاتِ.
وَإِنْ انْتَفَى عَنْهُمَا جَمِيعًا، بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِمَا، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ، انْتَفَى الْمُرْتَضِعُ عَنْهُمَا أَيْضًا؛ فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ جَارِيَةً، حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ، وَيَحْرُمُ أَوْلَادُهَا عَلَيْهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ مَوْطُوءَتهمَا، فَهِيَ رَبِيبَةٌ لَهُمَا.
[فَصْلٌ ارْتَضَعَ اثْنَانِ مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ]
(6423) فَصْلٌ: وَلَا تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بِغَيْرِ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ بِحَالٍ، فَلَوْ ارْتَضَعَ اثْنَانِ مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ، لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَوْ ارْتَضَعَا مِنْ رَجُلٍ، لَمْ
يَصِيرَا أَخَوَيْنِ، وَلَمْ تَنْتَشِرْ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، فِي قَوْل عَامَّتِهِمْ.
وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَبَنُ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّهُمَا إذَا ارْتَضَعَا مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ، صَارَا أَخَوَيْنِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُمُومَةِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُخُوَّةِ، لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ فَرْعٌ عَلَى الْأُمُومَةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُبُوَّةِ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذَا اللَّبَنَ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَسَائِرِ الطَّعَامِ.
فَإِنْ ثَابَ لِخُنْثَى مُشْكِلٍ لَبَنٌ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ امْرَأَةً، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَعَ الشَّكِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ:: يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُ الْخُنْثَى.
فَعَلَى قَوْلِهِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ كَوْنَهُ مُحَرِّمًا.
(6424) فَصْلٌ: وَإِنْ ثَابَ لَامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، نَشَرَ الْحُرْمَةَ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَكُلِّ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَلِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ، كَمَا لَوْ ثَابَ بِوَطْءٍ، وَلِأَنَّ أَلْبَانَ النِّسَاءِ خُلِقَتْ لِغِذَاءِ الْأَطْفَالِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا نَادِرًا، فَجِنْسُهُ مُعْتَادٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِتَغْذِيَةِ الْأَطْفَالِ، فَأَشْبَهَ لَبَنَ الرِّجَالِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
[فَصْلٌ لَرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ لَهُ مِنْهُنَّ لَبَنٌ فَارْتَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً]
(6425) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ، لَهُ مِنْهُنَّ لَبَنٌ، فَارْتَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً، لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ، وَصَارَ الْمَوْلَى أَبًا لَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ؛ لِأَنَّهُ رَضَاعٌ لَمْ يُثْبِتْ الْأُمُومَةَ، فَلَمْ يُثْبِتْ الْأُبُوَّةَ، كَالِارْتِضَاعِ بِلَبَنِ الرَّجُلِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الْأُبُوَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِكَوْنِهِ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ، لَا لِكَوْنِ الْمُرْضِعَةِ أُمًّا لَهُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَاتُ؛ لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ، وَهُنَّ مَوْطُوءَاتُ أَبِيهِ.
وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ بَنَاتٍ، فَأَرْضَعْنَ طِفْلًا، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةً، لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ.
وَهَلْ يَصِيرُ الرَّجُلُ جَدًّا لَهُ، وَأَوْلَادُهُ أَخْوَالًا لَهُ وَخَالَاتٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: يَصِيرُ جَدًّا، وَأَخُوهُنَّ خَالًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَمَّلَ لِلْمُرْتَضِعِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِ بَنَاتِهِ أَوْ أَخَوَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مِنْ وَاحِدَةٍ.
وَالْآخَرُ: لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ جَدًّا فَرْعُ كَوْنِ ابْنَتِهِ أُمًّا، وَكَوْنَهُ خَالًا فَرْعُ كَوْنِ أُخْتِهِ أُمًّا، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ الْفَرْعُ.
وَهَذَا الْوَجْهُ يَتَرَجَّحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
فَإِنْ قُلْنَا: يَصِيرُ أَخُوهُنَّ خَالًا.
لَمْ تَثْبُتْ الْخُئُولَةُ فِي حَقِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ لَبَنِ أَخَوَاتِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ مِنْ اللَّبَنِ الْمُحَرِّمِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ.
وَلَوْ كَمَّلَ لِلطِّفْلِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ، مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةٌ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
(6426)
فَصْلٌ: إذَا كَانَ لِامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ، فَأَرْضَعَتْ طِفْلًا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ، وَانْقَطَعَ لَبَنُهَا، فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ مِنْهُ الصَّبِيَّ رَضْعَتَيْنِ، صَارَتْ أُمًّا لَهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْسَ مُحَرِّمَاتٌ، وَلَمْ يَصِرْ وَاحِدٌ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَبًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَدَدَ الرَّضَاعِ مِنْ لَبَنِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ؛ لِكَوْنِهِ رَبِيبَهَا، لَا لِكَوْنِهِ وَلَدَهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَهِيَ تُرْضِعُ مِنْ لَبَنِ وَلَدِهِ]
(6427) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا، وَهِيَ تُرْضِعُ مِنْ لَبَنِ وَلَدِهِ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ مُرْضِعٍ، فَأَرْضَعَتْهُ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ، وَدَخَلَ بِهَا وَوَطِئَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ لَمَّا أَرْضَعَتْ الصَّبِيَّ الَّذِي تَزَوَّجَتْ بِهِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُرْتَضِعَ يَصِيرُ ابْنًا لِلرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ.
فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمَّا تَزَوَّجَتْ صَبِيًّا، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ مُطَلِّقِهَا، صَارَ ابْنًا لِمُطَلِّقِهَا فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أُمُّهُ، وَبَانَتْ مِنْهُ، وَكَانَتْ زَوْجَةً لَهُ، فَصَارَتْ زَوْجَةً لِابْنِ مُطَلِّقِهَا، فَحَرُمَتْ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا، فَفَسَخَتْ نِكَاحَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا، فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ خَمْسَ رَضَعَات، حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِل أَبْنَائِهِ.
وَلَوْ زَوَّجَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَتَهُ بِصَبِيٍّ مَمْلُوكٍ، فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ سَيِّدِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَحَرُمَتْ عَلَى سَيِّدِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِل أَبْنَائِهِ.
فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ حُرًّا، لَمْ يُتَصَوَّرْ هَذَا الْفَرْعُ، لَمْ يَصِحَّ
نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ نِكَاحِ الْحُرِّ الْأَمَةَ، خَوْفَ الْعَنَتِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَى سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ فِي الْحَقِيقَةِ.
[فَصْلٌ طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَلَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ]
(6428) فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَلَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدهَا، أَنْ يَبْقَى لَبَنُ الْأَوَّلِ بِحَالِهِ، لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ، وَلَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، سَوَاءٌ حَمَلَتْ مِنْ الثَّانِي أَوْ لَمْ تَحْمِلْ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مَا يَجْعَلُهُ مِنْ الثَّانِي، فَبَقِيَ لِلْأَوَّلِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا تَحْمِلَ مِنْ الثَّانِي، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، سَوَاءٌ زَادَ أَوْ لَمْ يَزِدْ، أَوْ انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ، أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَلِدَ مِنْ الثَّانِي، فَاللَّبَنُ لَهُ خَاصَّةً.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، سَوَاءٌ زَادَ أَوْ لَمْ يَزِدْ، انْقَطَعَ أَوْ اتَّصَلَ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ يَنْقَطِعُ بِالْوِلَادَةِ مِنْ الثَّانِي، فَإِنَّ حَاجَةَ الْمَوْلُودِ إلَى اللَّبَنِ تَمْنَعُ كَوْنَهُ لِغَيْرِهِ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ لَبَنُ الْأَوَّلِ بَاقِيًا، وَزَادَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي، فَاللَّبَنُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِلْأَوَّلِ، مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ لَمْ يَنْتَهِ الْحَمْلُ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ مِنْهُ اللَّبَنُ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ بَلَغَ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ بِهِ اللَّبَنُ، فَزَادَ بِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هُوَ لِلْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي، هُوَ لَهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ زِيَادَتَهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا مِنْهُ، وَبَقَاءُ لَبَنِ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُمَا.
الْحَالُ الْخَامِسُ: انْقَطَعَ مِنْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ مِنْهُمَا.
وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ إذَا انْتَهَى الْحَمْلُ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ بِهِ اللَّبَنُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ، فَلَمَّا عَادَ بِحُدُوثِ الْحَمْلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ ثَابَ بِسَبَبِ الْحَمْلِ الثَّانِي، فَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ، فَزَالَ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِهِ، وَحَدَثَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي، فَكَانَ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِلْأَوَّلِ، مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَقْتَضِي اللَّبَنَ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَلَدِ عِنْدَ وُجُودِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ قَدْ سَبَقَ.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا]
(6429) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً، فَلَمْ يَدْخُلْ بِالْكَبِيرَةِ حَتَّى أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ فِي الْحَوْلَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ.
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ: (6430) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَتَى تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً، فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَسَدَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ فِي الْحَالِ، وَحَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ ثَابِتٌ، وَتُنْزَعُ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، فَتَحْرُمُ أَبَدًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَلَمْ يَشْتَرِطْ دُخُولَهُ بِهَا، فَأَمَّا الصَّغِيرَةُ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، نِكَاحُهَا ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا، فَلَا تَحْرُمُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُمًّا وَبِنْتًا، وَاجْتَمَعَتَا فِي نِكَاحِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، كَمَا لَوْ صَارَتَا أُخْتَيْنِ، وَكَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الرَّضَاعِ عَقْدًا وَاحِدًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَمْكَنَ إزَالَةُ الْجَمْعِ بِانْفِسَاخِ نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ، وَهِيَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُحَرَّمٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهُمَا بِهِ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْعَقْدَ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ طَرَأَ عَلَى نِكَاحِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ، فَاخْتَصَّ الْفَسْخُ بِنِكَاحِ الْأُمِّ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ امْرَأَةٌ وَبِنْتُهَا.
وَفَارَقَ الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْأُخْرَى، وَفَارَقَ مَا لَوْ ابْتَدَأَ الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ.
(6431) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتَا جَمِيعًا عَلَى الْأَبَدِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَالصَّغِيرَةَ رَبِيبَةٌ قَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا، فَتَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، وَإِنْ كَانَ الرَّضَاعُ بِلَبَنِهِ، صَارَتْ الصَّغِيرَةُ بِنْتًا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ؛ لِكَوْنِهَا بِنْتَه، وَرَبِيبَتَهُ الَّتِي دَخَلَ بِأُمِّهَا.
(6432)
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَالْفَسْخُ إذَا جَاءَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَانَ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ، وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَ نِكَاحِهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، فَسَقَطَ صَدَاقُهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِدُخُولِهِ بِهَا اسْتِقْرَارًا لَا يُسْقِطُهُ شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا وَلَا بِغَيْرِهَا.
(6433) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ صَدَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ الْبُضْعَ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ أَرَادَتْ الْفَسَادَ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ، وَإِلَّا فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ.
وَلَنَا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ، أَنَّهَا قَرَّرَتْهُ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمَتْهُ إيَّاهُ، وَأَتْلَفَتْ عَلَيْهِ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ.
وَلَنَا، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ مَا ضَمِنَ فِي الْعَمْدِ ضَمِنَ فِي الْخَطَأِ، كَالْمَالِ، وَلِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُ، وَقَرَّرَتْ عَلَيْهِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، فَلَزِمَهَا ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ قَصَدَتْ الْإِفْسَادَ.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ، أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَغْرَمْ إلَّا النِّصْفَ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا غَرِمَ، وَلِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ يُرْجَعُ إلَيْهِ بَدَلُ النِّصْفِ الْآخَرِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ بَدَلُ مَا أَخَذَ بَدَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا ضَمِنَتْ الْمُرْضِعَةُ هَاهُنَا لَمَّا أَلْزَمَتْ الزَّوْجَ مَا كَانَ مُعَرَّضًا لِلسُّقُوطِ بِسَبَبٍ يُوجَدُ مِنْ الزَّوْجَةِ، فَلَمْ يَرْجِعْ هَاهُنَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَلْزَمَتْهُ.
فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى، لَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ، وَاَلَّذِي غَرِمَ نِصْفُ مَا فَرَضَ لَهَا، فَرَجَعَ بِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مُتْلَفٍ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ، دُونَ مَا مَلَكَهُ بِهِ، كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ.
وَلَنَا، أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، أَوْ ارْتَدَّتْ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِإِرْضَاعِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ هَاهُنَا بِمَا غَرِمَ، فَلَا يَرْجِعُ بِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْمُتْلَفِ، لَرَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِنِصْفِهِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ لَمْ يَخْتَصَّ بِالنِّصْفِ، وَلِأَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا لَزِمَهُمْ نِصْفُ الْمُسَمَّى، كَذَا هَاهُنَا.
[فَصْلٌ كُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا إذَا أَرْضَعَتْ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُ]
(6435) فَصْلٌ: وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا إذَا أَرْضَعَتْ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُ، وَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ، وَلَزِمَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ، صَارَتْ أُخْتَهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّتُهُ، صَارَتْ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُهُ، صَارَتْ بِنْتَ بِنْتِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُهُ، صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِهِ وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِهَا عَلَيْهِ، إذَا أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ زَوْجِهَا، حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا نِصْفُ مَهْرِهَا، كَامْرَأَةِ ابْنِهِ، وَامْرَأَةِ أَبِيهِ، وَامْرَأَةِ أَخِيهِ، وَامْرَأَةِ جَدِّهِ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَبِيهِ بِلَبَنِهِ، صَارَتْ أُخْتَهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ ابْنِهِ، صَارَتْ بِنْتَ ابْنِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَخِيهِ، صَارَتْ بِنْتَ أَخِيهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ جَدِّهِ بِلَبَنِهِ، صَارَتْ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ.
وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ بِلَبَنِ غَيْرِهِ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ رَبِيبَةَ زَوْجِهَا.
وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا مَنْ لَا تُحَرَّمُ بِنْتُهَا، كَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ، لَمْ تُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صَغِيرًا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَرْضَعَتْ الزَّوْجَ صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَرْضَعْت الزَّوْجَةَ صَارَتْ عَمَّةً، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُمَا جَمِيعًا صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّ الْآخَرِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِهِ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صَغِيرًا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَرْضَعْت الزَّوْجَ صَارَ خَالًا لَهَا، وَإِنْ أَرْضَعْت الزَّوْجَةَ صَارَتْ عَمَّتَهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ خَالِهِ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا الزَّوْجَ صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ خَالَتَهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ خَالَتِهِ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا الزَّوْجَ صَارَ خَالَ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ خَالَةَ زَوْجِهَا.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً]
(6436) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً بِلَبَنِهِ، صَارَتْ بِنْتًا لَهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ غَيْرِهِ صَارَتْ رَبِيبَةً، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتْ الصَّغِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ تَحْرُمْ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا.
وَإِنْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ، حَرُمَتْ الْمُرْضِعَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً، ثُمَّ طَلَّقَ الصَّغِيرَةَ، فَأَرْضَعَتْهَا الْكَبِيرَةُ، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَلَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَتَحْرُمُ هِيَ وَالصَّغِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْكَبِيرَةَ وَحْدَهَا قَبْلَ الرَّضَاعِ، فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، ثَبَتَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، حَرُمَتْ الصَّغِيرَةُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَيَرْجِعُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا.
وَإِنْ طَلَّقَهُمَا جَمِيعًا فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى مَا مَضَى.
وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ كَبِيرَةً، وَآخَرُ صَغِيرَةً، ثُمَّ طَلَّقَاهُمَا، وَنَكَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةَ الْآخَرِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ، حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا الْكَبِيرَةُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَإِنْ كَانَ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَإِلَّا فَلَا.
(6437)
فَصْلٌ: وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ، فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْفَسْخِ حُكْمُ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا الْكَبِيرَةُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ جَدَّتَهَا، وَالرُّجُوعُ بِالصَّدَاقِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْ النِّكَاحَ.
وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّ الْكَبِيرَةِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِالْكَبِيرَةِ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بِنِصْفِ صَدَاقِهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، فَلَهُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أُخْتَهَا، فَلَا يَنْكِحُهَا فِي عِدَّتِهَا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّةُ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَمَّةَ الْكَبِيرَةِ أَوْ خَالَتَهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُهَا أَوْ زَوْجَةُ أَخِيهَا بِلَبَنِهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِ الْكَبِيرَةِ أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ أَخِيهَا أَوْ بِنْتُ أُخْتِهَا.
وَلَا يَحْرُمُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ جَمْعٍ، إلَّا إذَا أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ وَقَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا.
[فَصْلٌ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِالرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ]
(6438) فَصْلٌ: وَمَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِالرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمَ نِصْفَ صَدَاقِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ كُلِّهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كُلَّهُ عَلَى زَوْجِهَا، فَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ، كَنِصْفِ الْمَهْرِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقَرِّرْ عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا، وَلَمْ تُلْزِمْهُ إيَّاهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الرُّجُوعَ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَسَقَطَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُفْسِدَةَ لِلنِّكَاحِ، كَالنِّصْفِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا رَجَعَ الزَّوْجُ بِنِصْفِ الْمُسَمَّى قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهَا قَرَّرَتْهُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يَسْقُطُ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُفْسِدَةَ لِنِكَاحِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هَاهُنَا.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِالْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُ بِبَدَلِ الْبُضْعِ الَّذِي فَوَّتَتْهُ، أَوْ بِالْمَهْرِ الَّذِي أَدَّاهُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِبَدَلِ الْبُضْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَدَلُهُ، لَوَجَبَ لَهُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا فَاتَ بِفِعْلِهَا أَوْ بِقَتْلِهَا، وَلَكَانَ الْوَاجِبُ لَهُ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لَهُ بَدَلُ مَا أَدَّاهُ إلَيْهَا لِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهَا مَا أَوْجَبَتْهُ، وَلَا لَهَا أَثَرٌ فِي إيجَابِهِ وَلَا أَدَائِهِ وَلَا تَقْرِيرِهِ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي أَنَّهَا إذَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ إنْ كَانَ أَدَّاهُ إلَيْهَا، وَلَا فِي أَنَّهَا إذَا أَفْسَدَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهُ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَعْطَاهَا، فَلَوْ دَبَّتْ صَغِيرَةٌ إلَى كَبِيرَةٍ، فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَهُمَا زَوْجَتَا رَجُلٍ،
انْفَسَخَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ، وَحَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتْ الصَّغِيرَةُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَلَا مَهْرَ لِلصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا فَسَخَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكَبِيرَةِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ، عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ، عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ صَدَاقِهَا، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَالِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا فَسَخَتْ نِكَاحَهَا.
وَإِنْ ارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ مِنْهَا رَضْعَتَيْنِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، ثُمَّ انْتَبَهْت الْكَبِيرَةُ، فَأَتَمَّتْ لَهَا ثَلَاثَ رَضَعَات، فَقَدْ حَصَلَ الْفَسَادُ {بِفِعْلِهِمَا، فَيَتَقَسَّطُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا، وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكَبِيرَةِ، وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكَبِيرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، فَعَلَيْهِ خُمْسُ مَهْرِهَا، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ.
وَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[فَصْلٌ أَفْسَدَ النِّكَاحَ جَمَاعَةٌ]
(6439) فَصْلٌ: وَإِنْ أَفْسَدَ النِّكَاحَ جَمَاعَةٌ، تُقَسَّطْ الْمَهْرُ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ جَاءَ خَمْسٌ فَسَقَيْنَ زَوْجَةً صَغِيرَةً مِنْ لَبَنِ أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَلَزِمَهُنَّ نِصْفُ مَهْرِهَا بَيْنَهُنَّ.
فَإِنْ سَقَتْهَا وَاحِدَةٌ شَرْبَتَيْنِ، وَأُخْرَى ثَلَاثًا، فَعَلَى الْأُولَى الْخُمْسُ، وَعَلَى الثَّانِيَة خُمْسٌ وَعُشْرٌ.
وَإِنْ سَقَتْهَا وَاحِدَةٌ شَرْبَتَيْنِ، وَسَقَاهَا ثَلَاثٌ ثَلَاثَ شَرَبَاتٍ، فَعَلَى الْأُولَى الْخُمْسُ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ عُشْرٌ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ كِبَارٌ، وَوَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ، فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ الصَّغِيرَةَ أَرْبَعَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ حَلَبْنَ فِي إنَاءٍ، وَسَقَيْنَهُ الصَّغِيرَةَ، حَرُمَ الْكِبَارُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِنَّ، فَنِكَاحُ الصَّغِيرَةِ ثَابِتٌ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثُلُثُ صَدَاقِهَا، تَرْجِعُ بِهِ عَلَى ضَرَّتَيْهَا؛ لِأَنَّ فَسَادَ نِكَاحِهَا حَصَلَ بِفِعْلِهَا وَفِعْلِهِمَا، فَسَقَطَ مَا قَابَلَ فَعَلَهَا، وَهُوَ سُدُسُ الصَّدَاقِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ الثُّلُثُ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَى ضَرَّتَيْهَا، فَإِنْ كَانَ صَدَاقُهُنَّ مُتَسَاوِيًا، سَقَطَ، وَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَاصُّ مَا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ، بِمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَجِبَ لَهَا عَلَيْهِ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا، وَهُوَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تَقَاصَّا مِنْهُ بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا، وَوَجَبَتْ الْفَضْلَةُ بِهِ لِصَاحِبِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَاسٍ، ثَبَتَ التَّرَاجُعُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِإِحْدَى الْكِبَارِ، حُرِّمَتْ الصَّغِيرَةُ أَيْضًا، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَوَجَبَ لَهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا، تَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ أَثْلَاثًا، وَلِلَّتِي دَخَلَ بِهَا الْمَهْرُ كَامِلًا، وَفِي الرُّجُوعِ بِهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ.
وَإِنْ حَلَبْنَ فِي إنَاءٍ، فَسَقَتْهُ إحْدَاهُنَّ الصَّغِيرَةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، كَانَ صَدَاقُ ضَرَّاتِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهِنَّ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُنَّ، وَيَسْقُطُ مَهْرُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَلَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْكِبَارِ أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرُمَ الثَّلَاثُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، فَلَا مَهْرَ لَهُنَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُهَا، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَتَحْرُمُ الصَّغِيرَةُ، وَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِهَا عَلَى الْمُرْضِعَة الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا الَّتِي حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ، وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا.
وَلَوْ أَرْضَعَ الثَّلَاثُ الصَّغِيرَةَ بِلَبَنِ الزَّوْجِ، فَأَرْضَعَتْهَا كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَيْنِ، صَارَتْ بِنْتًا
لِزَوْجِهَا، فِي الصَّحِيحِ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا عَلَيْهِنَّ، عَلَى الْمُرْضِعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، وَعَلَى الثَّالِثَةِ خُمْسُهُ؛ لِأَنَّ رَضْعَتَهَا الْأُولَى حَصَلَ بِهَا التَّحْرِيمُ، لِكَمَالِ الْخَمْسِ بِهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا بِهَا شَيْءٌ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَكَابِرِ، لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهَا.
وَلَوْ كَانَ لِامْرَأَتِهِ الْكَبِيرَةِ خَمْسُ بَنَاتٍ، لَهُنًّ لَبَنٌ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ رَضَاعًا تَصِيرُ بِهِ إحْدَاهُنَّ أُمًّا لَهَا، لَحَرُمَتْ أُمُّهَا، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الصَّغِيرَةَ رَضْعَةً، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تَحْرُمُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا جَدَّةً يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهَا أُمًّا، وَمَا صَارَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ بَنَاتِهَا أُمًّا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَحْرُمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَمُلَ لَهَا مِنْ بَنَاتِهَا خَمْسُ رَضَعَاتٍ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُهَا رَضْعَةً، وَبِنْتُ ابْنِهَا رَضْعَةً، وَبَنَاتُ بَنَاتِهَا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ.
وَلَوْ كَمُلَ لَهَا مِنْ زَوْجَتِهِ بِلَبَنِهِ وَمِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَابْنَةِ ابْنِهِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ؛ أَصَحُّهُمَا، لَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُهَا.
وَفِي الْآخَرِ، يَثْبُتُ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِنَّ بِمَا غَرِمَ مِنْ صَدَاقِهَا، عَلَى قَدْرِ رَضَاعِهِنَّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِنَّ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ؛ لِكَوْنِ الرَّضَاعِ مُفْسِدًا، فَيَسْتَوِي قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، كَمَا لَوْ طَرَحَ النَّجَاسَةَ جَمَاعَةٌ فِي مَائِعٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِعَدَدِ الرَّضَعَاتِ، فَكَانَ الضَّمَانُ مُتَعَلِّقًا بِالْعَدَدِ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّ التَّنْجِيسَ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ، فَيَسْتَوِي قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؛ لِكَوْنِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءً فِي الْإِفْسَادِ، فَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَشْرَبَ فِي الرَّضْعَةِ مِنْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا يَشْرَبُ مِنْ الْأُخْرَى.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ أَمَةً فَأَرْضَعَتْ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ]
(6440) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أَمَةٌ، فَأَرْضَعَتْ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ، فَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ، وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا، كَانَ مَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهَا.
وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّ وَلَدِهِ، أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا، وَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِأُمِّهَا، وَتَحْرُمُ أُمُّ الْوَلَدِ عَلَيْهِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ عَلَى سَيِّدِهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ كَاتَبَهَا، رَجَعَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ يَلْزَمُهَا أَرْشُ جِنَايَتِهَا.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَدِهِ امْرَأَةَ ابْنِهِ بِلَبَنِهِ، فَسَخَتْ نِكَاحَهَا وَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِلَبَنِهِ، حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ ابْنِهِ، وَيَرْجِعُ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا غَرِمَهُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ أُمِّ وَلَدِهِ.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِغَيْرِ لَبَنِ سَيِّدِهَا، لَمْ تُحَرِّمْهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَارَتْ بِنْتَ أُمِّ وَلَدِهِ.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِكَبِيرَةٍ وَصَغِيرَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَتَيْنِ]
(6441) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَ بِكَبِيرَةٍ وَصَغِيرَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَتَيْنِ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيرَتَيْنِ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ لِلْكَبِيرَةِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ صَدَاقِ الصَّغِيرَتَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أَمَّا تَحْرِيمُ الْكَبِيرَةِ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا انْفِسَاخُ نِكَاحِ الصَّغِيرَتَيْنِ، فَلِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ، وَاجْتَمَعَتَا فِي الزَّوْجِيَّةِ، فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا، كَمَا لَوْ ارْتَضَعَتَا مَعًا، وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ صَدَاقِ الصَّغِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُمَا، وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ انْفِسَاخَ نِكَاحِهِمَا لِلْجَمْعِ، وَلَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا.
وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قُلْنَا: إنَّهَا إذَا أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ، اخْتَصَّ الْفَسْخُ بِالْكَبِيرَةِ.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا مَعًا.
فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نِكَاحُ الْأَخِيرَةِ مِنْ الصَّغِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَمَّا أَرْضَعَتْ الْأُولَى، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْأُخْرَى، فَلَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهُمَا فِي النِّكَاحِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَتْ، وَحَرُمَتْ الصَّغِيرَتَانِ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهُمَا رَبِيبَتَانِ قَدْ دَخَلَ بِأُمِّهِمَا.
(6442) فَصْلٌ: فَإِنْ أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَتَيْنِ أَجْنَبِيَّةٌ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا أَيْضًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَخِيرَة وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ حَصَلَ بِهَا، وَهُوَ الْجَمْعُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ بَعْدَ الْأُخْرَى.
وَلَنَا، أَنَّهُ جَامِعٌ بَيْن الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُمَا مَعًا، وَفَارَقَ مَا لَوْ عَقَدَ عَلَى وَاحِدَةٍ بَعْدَ الْأُخْرَى، فَإِنَّ عَقْدَ الثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ، فَلَمْ يَصِرْ بِهِ جَامِعًا بَيْنَهُمَا، وَهَاهُنَا حَصَلَ الْجَمْعُ بِرَضَاعِ الثَّانِيَةِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، فَحَصَلَتَا مَعًا فِي نِكَاحِهِ، وَهُمَا أُخْتَانِ لَا مَحَالَةَ.
(6443)
فَصْلٌ: وَإِنْ أَرْضَعَتْهُمَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ، فَالْحُكْمُ فِي الْفَسْخِ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُنَّ الْكَبِيرَةُ نَفْسُهَا؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ تَصِيرُ جَدَّةً لَهُمَا، وَلَكِنَّ الرُّجُوعَ يَكُونُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْمُفْسِدَةِ لِنِكَاحِهِنَّ.
[مَسْأَلَةٌ أَرْضَعَتْ امْرَأَتُهُ الْكَبِيرَةُ زَوْجَاتِهِ الثَّلَاثَةِ مُنْفَرِدَاتٍ]
(6444) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كُنَّ الْأَصَاغِرُ ثَلَاثًا، فَأَرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْتَضِعَتَيْنِ أَوَّلًا، وَثَبَتَ نِكَاحُ آخِرِهِنَّ رَضَاعًا.
فَإِنْ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً، وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْأَصَاغِرِ، وَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَصَاغِرِ.
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ) إنَّمَا حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْضِعَتَيْنِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ رَضَاعَهَا بَعْدَ انْفِسَاخِ نِكَاحِ الصَّغِيرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا، فَلَمْ يُصَادِفْ إخْوَتُهَا جَمْعًا فِي النِّكَاحِ.
وَإِنْ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً، وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا، بِأَنْ تُلْقِمَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَدْيًا، فَيَمْتَصَّانِ مَعًا، أَوْ تَحْلُبَ مِنْ لَبَنِهَا فِي إنَاءٍ فَتَسْقِيَهُمَا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ فِي نِكَاحِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَصَاغِرِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ جَمْعٍ، لَا تَحْرِيمُ تَأْبِيدٍ، فَإِنَّهُنَّ رَبَائِبُ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهِنَّ.
وَإِنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَى الْأَبَدِ؛ لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ مَدْخُولٌ بِأُمِّهِنَّ.
هَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى.
وَعَلَى الْأُخْرَى، لَمَّا أَرْضَعَتْ الْأُولَى، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَنِكَاحُ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهَا، وَاجْتَمَعَتَا فِي نِكَاحِهِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ بِالرَّضَاعِ فِي النِّكَاحِ،، فَلَمَّا أَرْضَعَتْ الثَّالِثَةَ، صَارَتَا أُخْتَيْنِ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا.
(6445) فَصْلٌ: فَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ بِنْتُ الْكَبِيرَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُنَّ أُمُّهَا.
وَإِنْ كَانَ لَهَا ثَلَاثُ بَنَاتٍ، فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ زَوْجَةً مِنْ الْأَصَاغِرِ، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ بِإِرْضَاعِ أُولَاهُنَّ، وَيَرْجِعُ عَلَى مُرْضِعَتِهَا بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَصَاغِرِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَصِرْنَ أَخَوَاتٍ، وَإِنَّمَا هُنَّ بَنَاتُ خَالَاتٍ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ الْأُولَى؛ لِاجْتِمَاعِهَا مَعَ جَدَّتِهَا فِي النِّكَاحِ، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرِ الَّتِي فَسَدَ نِكَاحُهَا عَلَى الَّتِي أَرْضَعَتْهَا.
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ، وَرَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرِ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْكَبِيرَةِ.
رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا الَّتِي أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا.
[مَسْأَلَةٌ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ]
(6446) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ، حَرُمَ النِّكَاحُ إذَا كَانَتْ مُرْضِيَةً.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى: إنْ كَانَتْ مُرْضِيَةً اُسْتُحْلِفَتْ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى تَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مَقْبُولَةٌ فِي الرَّضَاعِ، إذَا كَانَتْ مُرْضِيَةً.
وَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ،
وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَسَعِيدُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنْ النِّسَاءِ؛ وَلَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، فَالنِّسَاءُ أَوْلَى.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مَقْبُولَةٌ، وَتُسْتَحْلَفُ مَعَ شَهَادَتِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ، فِي امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْ رَجُلًا وَأَهْلَهُ، فَقَالَ: إنْ كَانَتْ مُرْضِيَةً، اُسْتُحْلِفَتْ، وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ.
وَقَالَ: إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا.
يَعْنِي يُصِيبُهَا فِيهَا بَرَصٌ، عُقُوبَةً عَلَى كَذِبِهَا.
وَهَذَا لَا يَقْتَضِيه قِيَاسٌ، وَلَا يَهْتَدِي إلَيْهِ رَأْيٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقْبَلُ مِنْ النِّسَاءِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ كَرَجُلِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] . وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: «تَزَوَّجْت أُمُّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا.
فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ، قَالَ: «فَأَتَيْته مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْت: إنَّهَا كَاذِبَةٌ.
قَالَ: كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، خَلِّ سَبِيلَهَا» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فَرَّقَ عُثْمَانُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ، بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَتْ الْقُضَاةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ.
وَلِأَنَّ هَذَا شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، كَالْوِلَادَةِ.
وَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ، بِأَنَّهُ مَعْنًى يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْمُنْفَرِدَةِ، كَالْخَبَرِ.
[فَصْلٌ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا]
(6447) فَصْلٌ: وَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ، مِنْ أَنَّ الْأَمَةَ السَّوْدَاءَ قَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا.
فَقَبِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهَادَتَهَا.
وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ نَفْعٌ مَقْصُودٌ، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا بِهِ ضَرَرًا، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهَا بِهِ، كَفِعْلِ غَيْرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْخَلْوَةَ بِهِ، وَالسَّفَرَ مَعَهُ، وَتَصِيرُ مَحْرَمًا لَهُ.
قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، وَأَعْتَقَ أَمَتَهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُمَا نِكَاحُهُمَا بِذَلِكَ.
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ]
(6448) فَصْلٌ: وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ إلَّا مُفَسَّرَةً، فَلَوْ قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا ابْنُ هَذِهِ مِنْ الرَّضَاعِ.
لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ الرَّضَاعَ الْمُحَرَّمَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ، مِنْهُمْ مَنْ يُحَرِّمُ بِالْقَلِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَرِّمُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، فَلَزِمَ الشَّاهِدَ تَبْيِينُ كَيْفِيَّتِهِ، لِيَحْكُمَ الْحَاكِمُ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، فَيَحْتَاجُ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذَا ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِ هَذِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، خَلَصَ اللَّبَنُ فِيهِنَّ إلَى جَوْفِهِ، فِي الْحَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: خُلُوصُ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهِ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى مُشَاهَدَتِهِ، فَكَيْفَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ؟ قُلْنَا: إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ ذَاتُ لَبَنٍ، وَرَأْي الصَّبِيَّ قَدْ الْتَقَمَ ثَدْيَهَا، وَحَرَّكَ فَمَه فِي الِامْتِصَاصِ، وَحَلْقَهُ فِي الِاجْتِرَاعِ، حَصَلَ ظَنٌّ يَقْرُبُ إلَى الْيَقِينِ أَنَّ اللَّبَنَ قَدْ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ، وَمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ، اُكْتُفِيَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ، كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، وَثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: أَدْخَلَ رَأْسَهُ تَحْتَ ثِيَابِهَا، وَالْتَقَمَ ثَدْيَهَا.
لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْخِلُ رَأْسَهُ وَلَا يَأْخُذُ الثَّدْيَ، وَقَدْ يَأْخُذُ الثَّدْيَ وَلَا يَمُصُّ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ أَرْضَعَتْ هَذَا.
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ فِي ثُبُوتِ أَصْلِ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا.
اُكْتُفِيَ بِقَوْلِهَا.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ]
(6449) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ.
انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَقَرَّ أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ: وَهَمَّتْ، أَوْ أَخْطَأَتْ.
قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ، وَلَوْ جَحَدَ النِّكَاحَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ، قُبِلَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ رَجَعَ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ، وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَيَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَقَوْلُهُ كَذِبٌ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ حَقِيقَةُ الرَّضَاعِ، لَا الْقَوْلُ.
وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، لَمْ تَزُلْ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ.
وَقِيلَ فِي حِلِّهَا لَهُ إذَا عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ رِوَايَتَانِ.
وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ كَذِبًا، لَمْ يُثْبِتْ التَّحْرِيمَ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْهُ: هِيَ ابْنَتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ، لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ مَهْرٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةِ، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِ حُقُوقِهَا، فَلَزِمَهُ إقْرَارُهُ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لَهُ، وَهُوَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، وَفَسْخُ نِكَاحِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ.
(6450) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: هِيَ عَمَّتِي، أَوْ خَالَتِي أَوْ ابْنَةُ أَخِي أَوْ أُخْتِي أَوْ أُمِّيِّ مِنْ الرَّضَاعِ.
وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: هِيَ أُخْتِي.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِأَصْغَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ: هَذِهِ أُمِّيِّ.
أَوْ لِأَكْبَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي.
لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا تَحَقَّقَ كَذِبُهُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا حَوَّاءُ.
أَوْ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ حَوَّاءُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِهَذِهِ الصُّوَرِ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَمْكَنَ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ كَذِبُهُ، وَالْحُكْمُ فِي الْإِقْرَارِ بِقَرَابَةٍ مِنْ النَّسَبِ تُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ، كَالْحُكْمِ فِي الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
[فَصْلٌ ادَّعَى أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ فَأَنْكَرَتْهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ أُمُّهُ أَوْ ابْنَتُهُ]
فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، فَأَنْكَرَتْهُ، فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ أُمُّهُ أَوْ ابْنَتُهُ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدَةِ لِوَلَدِهَا وَالْوَالِدِ لِوَلَدِهِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
وَإِنْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ أُمُّهَا أَوْ ابْنَتُهَا، قُبِلَتْ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْبَلُ؛ بِنَاءً عَلَى شَهَادَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ وَالْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ.
وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ، وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ، فَشَهِدَتْ لَهَا أُمُّهَا أَوْ ابْنَتُهَا، لَمْ تُقْبَلْ، وَإِنْ شَهِدَتْ لَهَا أُمُّ الزَّوْجِ أَوْ ابْنَتُهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
(6452) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي قَالَتْ: هُوَ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ.
فَأَكْذَبَهَا، وَلَمْ تَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا وَصَفَتْ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقَرَّتْ أَنَّ زَوْجَهَا أَخُوهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَأَكْذَبَهَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتْهُ، لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَخْذُهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَأَقَرَّتْ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَبِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَمُطَاوِعَةً لَهُ فِي الْوَطْءِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا أَيْضًا، لِإِقْرَارِهَا بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ
شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةِ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ عَلِمَتْ صِحَّةَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهَا مُسَاكَنَتُهُ وَتَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا، وَعَلَيْهَا أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ، وَتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا بِمَا أَمْكَنَهَا؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَهَا زِنًى، فَعَلَيْهَا التَّخَلُّصُ مِنْهُ مَهْمَا أَمْكَنَهَا، كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي عَلِمَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَجَحَدَهَا ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَقَلَّ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي وُجُوبِ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ مَهْرَ الْمِثْلِ، لَمْ تَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِاعْتِرَافِهَا بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا لَهُ بِوَطْئِهَا لَا بِالْعَقْدِ، فَلَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهَا بِأُخُوَّتِهِ قَبْلَ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ لَهَا نِكَاحُهُ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهَا عَنْ إقْرَارِهَا، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا لَمْ يُصَادِفْ زَوْجِيَّةً عَلَيْهَا يُبْطِلُهَا، فَقُبِلَ إقْرَارُهَا عَلَى نَفْسِهَا بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هَذِهِ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِرِضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ تَزَوُّجُهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَنِي عَلَى عِلْمِهِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(6453)
فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُقْبَلْ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَالْإِقْرَارُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلَى شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، فَلَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الرَّضَاعِ نَفْسه.
[فَصْلٌ الِارْتِضَاعُ بِلَبَنِ الْفُجُورِ وَالْمُشْرِكَاتِ]
(6454) فَصْلٌ: كَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الِارْتِضَاعَ بِلَبَنِ الْفُجُورِ وَالْمُشْرِكَاتِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: اللَّبَنُ يُشْتَبَهُ، فَلَا تَسْتَقِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ وَلَا زَانِيَةٍ.
وَلَا يَقْبَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمَةَ، وَلَا يَرَى شُعُورَهُنَّ وَلِأَنَّ لَبَنَ الْفَاجِرَةِ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى شَبَهِ الْمُرْضِعَةِ فِي الْفُجُورِ، وَيَجْعَلُهَا أُمًّا لِوَلَدِهِ، فَيَعْتَبِرُ بِهَا، وَيَتَضَرَّرُ طَبْعًا وَتَعَيُّرًا، وَالِارْتِضَاعُ مِنْ الْمُشْرِكَةِ يَجْعَلُهَا أُمًّا، لَهَا حُرْمَةُ الْأُمِّ مَعَ شِرْكِهَا، وَرُبَّمَا مَالَ إلَيْهَا فِي مَحَبَّةِ دِينهَا.
وَيُكْرَهُ الِارْتِضَاعُ بِلَبَنِ الْحَمْقَاءِ، كَيْلًا يُشْبِهَهَا الْوَلَدُ فِي الْحُمْقِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: إنَّ الرَّضَاعَ يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]
ِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّه تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] . وَمَعْنَى: (قُدِرَ عَلَيْهِ) أَيْ: ضُيِّقَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26] . أَيْ: يُوَسِّعُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاء.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: 50] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى جَابِرٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، وَقَالَ: «أَلَا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلَا يُوَطِّئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
«وَجَاءَتْ هِنْدٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي.
فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِكِفَايَتِهَا، وَأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهِ عَلَيْهِ دُونَهَا مُقَدَّرٌ بِكِفَايَتِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْر عِلْمِهِ إذَا لَمْ يُعْطِهَا إيَّاهُ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَات عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، إذَا كَانُوا بَالِغِينَ، إلَّا النَّاشِزَ مِنْهُنَّ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُ.
وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الْعِبْرَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ، يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ وَالِاكْتِسَابِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ.
[مَسْأَلَةٌ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ]
(6455) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ، مَا لَا غِنَاءَ بِهَا عَنْهُ، وَكِسْوَتُهَا) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى الزَّوْجِ، عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ جَمِيعُ حَاجَتِهَا؛ مِنْ مَأْكُولٍ، وَمَشْرُوبٍ، وَمَلْبُوسٍ، وَمَسْكَنٍ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَنَفَقَتُهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا؛ فَإِنْ كَانَا
مُوسِرَيْنِ، فَعَلَيْهِ لَهَا نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرِينَ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ، وَإِنْ كَانَا مُتَوَسِّطَيْنِ، فَلَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ، أَيُّهُمَا كَانَ الْمُوسِرَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يُعْتَبَرُ حَالُ الْمَرْأَةِ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] . وَالْمَعْرُوفُ الْكِفَايَةُ، وَلِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَالْكِسْوَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهَا، فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ، «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . فَاعْتَبَرَ كِفَايَتَهَا دُونَ حَالِ زَوْجِهَا، وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ لِدَفْعِ حَاجَتِهَا، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهَا، دُونَ حَالِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، كَنَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يُقَدَّرْ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِهَا، كَمَهْرِهَا وَكِسْوَتِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] . وَلَنَا، أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ، وَرِعَايَةً لِكِلَا الْجَانِبَيْنِ، فَيَكُونُ أَوْلَى.
[فَصْلٌ مِقْدَارُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ]
(6456) فَصْلٌ: وَالنَّفَقَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ فِي مِقْدَارِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، اعْتِبَارًا بِالْكَفَّارَاتِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوسِرَ وَالْمُعْسِرُ سَوَاءٌ فِي قَدْرِ الْمَأْكُولِ، وَفِيمَا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي جَوْدَتِهِ، فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَفَقَةُ الْمُقْتِرِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُدْفَعُ فِي الْكَفَّارَةِ إلَى الْوَاحِدِ مُدٌّ.
وَاَللَّه سُبْحَانَهُ اعْتَبَرَ الْكَفَّارَةَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ، فَقَالَ سُبْحَانه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَعَلَى الْمُوسِرِ مُدَّانِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْوَاحِدِ مُدَّيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ، نِصْفُ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، وَنِصْفُ نَفَقَةِ الْفَقِيرِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . فَأَمَرَهَا بِأَخْذِ مَا يَكْفِيهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَرَدَّ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ إلَيْهَا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَدْرَ كِفَايَتِهَا لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمُدَّيْنِ، بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ عَنْهُمَا وَلَا يَنْقُصُ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» . وَإِيجَابُ
أَقَلِّ مِنْ الْكِفَايَةِ مِنْ الرِّزْقِ تَرْكٌ لِلْمَعْرُوفِ، وَإِيجَابُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ أَوْ مِنْ رِطْلَيْ خُبْزٍ، إنْفَاقٌ بِالْمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَاعْتِبَارُ النَّفَقَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْقَدْرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَلَا هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ بِهَا فِي الْجِنْسِ دُونَ الْقَدْرِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِيهَا الْأُدْمُ.
[فَصْلٌ لَا يَجِبُ فِي النَّفَقَةِ الْحَبُّ]
(6457) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ فِيهَا الْحَبُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ فِيهَا الْحَبُّ، اعْتِبَارًا بِالْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، حَتَّى لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا أَوْ خُبْزًا، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمِسْكِينَ فِي الْكَفَّارَةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ تَرَاضَيَا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ حِنْطَةٍ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا.
وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . قَالَ: الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ، وَالْخُبْزُ وَالتَّمْرُ، وَمِنْ أَفْضَلِ مَا تُطْعِمُونَهُنَّ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ.
فَفَسَّرَ إطْعَامَ الْأَهْلِ بِالْخُبْزِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأُدْمِ.
وَلِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْإِنْفَاقِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَى الْعُرْفِ، كَمَا فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ، وَأَهْلُ الْعُرْفِ إنَّمَا يَتَعَارَفُونَ فِيمَا بَيْنهمْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَهْلَيْهِمْ الْخُبْزَ وَالْأُدْمَ، دُونَ الْحَبِّ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَحَابَتُهُ إنَّمَا كَانُوا يُنْفِقُونَ ذَلِكَ، دُونَ مَا ذَكَرُوهُ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ، وَلِأَنَّهَا نَفَقَةٌ قَدَّرَهَا الشَّرْعُ بِالْكِفَايَةِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ الْخُبْزَ، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ، وَلِأَنَّ الْحَبَّ تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ، فَمَتَى احْتَاجَتْ إلَى تَكَلُّفِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا لَمْ تَحْصُلْ الْكِفَايَةُ بِنَفَقَتِهِ، وَفَارَقَ الْإِطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهَا لَا تُقَدَّرُ بِالْكِفَايَةِ، وَلَا يَجِبُ فِيهَا الْأُدْمُ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ دَرَاهِمَ، أَوْ حَبًّا، أَوْ دَقِيقًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ، وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهَا بَدَلَ الْوَاجِبِ لَهَا، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى قَبُولِهِ، كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ، لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَجَازَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ، كَالطَّعَامِ فِي الْقَرْضِ، وَيُفَارِقُ الطَّعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ هُوَ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَيَرْضَى بِالْعِوَضِ عَنْهُ.
وَإِنْ أَعْطَاهَا مَكَانَ الْخُبْزِ حَبًّا، أَوْ دَقِيقًا، جَازَ إذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ حَقِيقَةً، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاجِبَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْكِفَايَةِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى إيجَابِ الْخُبْزِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، لِتَرَجُّحِهِ بِكَوْنِهِ الْقُوتَ الْمُعْتَادَ.
[فَصْلٌ تَقْدِيرُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا]
(6458) فَصْلٌ: وَيُرْجَعُ فِي تَقْدِيرِ الْوَاجِبِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ، إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ، فَيَفْرِضُ لِلْمَرْأَةِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ، فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ حَاجَتِهَا، مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ الَّذِي يَأْكُلهُ أَمْثَالُهُمَا، وَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ مِنْ أَوْسَطِهِ، لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي حَقِّ أَمْثَالِهِ.
وَكَذَلِكَ الْأُدْمُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ حَاجَتِهَا مِنْ أَرْفَعِ الْأُدْمِ، مِنْ اللَّحْمِ وَالْأُرْزِ وَاللَّبَنِ، وَمَا يُطْبَخُ بِهِ اللَّحْمُ، وَالدُّهْنُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ فِي بُلْدَانِهِ؛ السَّمْنُ فِي مَوْضِعٍ، وَالزَّيْتُ فِي آخَرَ، وَالشَّحْمُ، وَالشَّيْرَجُ فِي آخَرَ.
وَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ مِنْ الْأُدْمِ أَدْوَنُهُ، كَالْبَاقِلَّا، وَالْخَلِّ، وَالْبَقْلِ، وَالْكَامَخِ، وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِمْ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّهْنِ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ أَوْسَطِ ذَلِكَ، مِنْ الْخُبْزِ، وَالْأُدْمِ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ قُوتِ الْبَلْدَةِ، لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ سِوَى الْمِقْدَارِ.
وَالْأُدْمُ هُوَ الدُّهْنُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْأَبْدَانِ، وَأَجْوَدُ فِي الْمُؤْنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَبْخٍ وَكُلْفَةٍ، وَيُعْتَبَرُ الْأُدْمُ بِغَالِبِ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ، كَالزَّيْتِ بِالشَّامِ، وَالشَّيْرَجِ بِالْعِرَاقِ، وَالسَّمْنِ بِخُرَاسَانَ.
وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْأُدْمِ بِالْقُوتِ، فَإِذَا قِيلَ: إنَّ الرِّطْلَ تَكْفِيه الْأُوقِيَّةُ مِنْ الدُّهْنِ.
فَرَضَ ذَلِكَ.
وَفِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ رِطْلُ لَحْمٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَرْخُصُ اللَّحْمُ، زَادَهَا عَلَى الرِّطْلِ شَيْئًا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْأُدْمِ مِثْلَ هَذَا.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] . وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» . وَمَتَى أَنْفَقَ الْمُوسِرُ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ، فَمَا أَنْفَقَ مِنْ سَعَتِهِ، وَلَا رَزَقَهَا بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَقْدِيرُ الْأُدْمِ بِمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَخِلَافُ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إنْفَاقِهِمْ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مِنْ أَفْضَلِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ، الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ رَدِّ النَّفَقَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الشَّرْعِ إلَى الْعُرْفِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي نَفَقَاتِهِمْ، فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ وَالْمُتَوَسِّطِ، كَمَا رَدَدْنَاهُمْ فِي الْكِسْوَةِ إلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ مُؤْنَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ، فَاخْتَلَفَ جِنْسُهَا بِالْإِيسَارِ وَالْإِعْسَارِ، كَالْكِسْوَةِ.
(6459) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ حُكْمُ الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَ بِأَحْسَنِ حَالًا مِنْهُ.
وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، إنْ كَانَ مُوسِرًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَوَسِّطِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ، نِصْفُهُ مُوسِرٌ، وَنِصْفُهُ مُعْسِرٌ.
[فَصْل يَجِبُ فِي نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُشْطِ وَالدُّهْنِ لِرَأْسِهَا وَالسِّدْرِ]
(6460) فَصْل: وَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، مِنْ الْمُشْطِ، وَالدُّهْنِ لِرَأْسِهَا، وَالسِّدْرِ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَغْسِلُ بِهِ رَأْسَهَا، وَمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَنْسَ الدَّارِ وَتَنْظِيفَهَا.
فَأَمَّا الْخِضَابُ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الزَّوْجُ مِنْهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ، وَإِنْ طَلَبَهُ مِنْهَا، فَهُوَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الطِّيبُ، فَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِقَطْعِ السُّهُولَةِ، كَدَوَاءِ الْعَرَقِ، لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّطَيُّبِ، وَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِلتَّلَذُّذِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَدْعُوهُ إلَيْهِ.
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ الْأَدْوِيَةِ، وَلَا أُجْرَةُ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِإِصْلَاحِ الْجِسْمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ بِنَاءُ مَا يَقَعُ مِنْ الدَّارِ، وَحِفْظُ أُصُولِهَا، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْحَجَّامِ وَالْفَاصِدِ.
(6461)
فَصْلٌ: وَتَجِبُ عَلَيْهِ كِسْوَتُهَا، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا عَلَى الدَّوَامِ، فَلَزِمَتْهُ، كَالنَّفَقَةِ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِكِفَايَتِهَا، وَلَيْسَتْ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ، كَمَا قُلْنَا فِي النَّفَقَةِ، وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَيَفْرِضُ لَهَا عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهَا، عَلَى قَدْرِ يُسْرِهِمَا وَعُسْرِهِمَا، وَمَا جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهِمَا بِهِ، مِنْ الْكِسْوَةِ، فَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ، كَنَحْوِ اجْتِهَادِهِ فِي الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ، وَكَمَا قُلْنَا فِي النَّفَقَةِ، فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ مِنْ أَرْفَعَ ثِيَابِ الْبَلَدِ، مِنْ الْكَتَّانِ وَالْخَزِّ وَالْإِبْرَيْسَمِ، وَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ، غَلِيظُ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ، مِنْ ذَلِكَ، فَأَقَلُّ مَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ قَمِيصٌ، وَسَرَاوِيلُ، وَمُقَنَّعَة، وَمَدَاسٌ، وَجُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ، وَيَزِيدُ مِنْ عَدَدِ الثِّيَابِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ، مِمَّا لَا غِنَى عَنْهُ، دُونَ مَا لِلتَّجَمُّلِ وَالزِّينَةِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» . وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ هِيَ الْكِسْوَةُ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِلُبْسِهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (6462) فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ لَهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنَّوْمِ، مِنْ الْفِرَاشِ وَاللِّحَافِ وَالْوِسَادَةِ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ
عَادَتُهُ النَّوْمُ فِي الْأَكْسِيَةِ وَالْبِسَاطِ، فَعَلَيْهِ لَهَا لِنَوْمِهَا مَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِهِ، وَلِجُلُوسِهَا بِالنَّهَارِ الْبِسَاطُ، وَالزُّلِّي، وَالْحَصِيرُ الرَّفِيعُ أَوْ الْخَشِنُ، الْمُوسِرُ عَلَى حَسَبِ يَسَارِهِ، وَالْمُعْسِرُ عَلَى قَدْرِ إعْسَارِهِ، عَلَى حَسَبِ الْعَوَائِدِ.
فَصْلٌ: وَيَجِبُ لَهَا مَسْكَنٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] . فَإِذَا وَجَبَتْ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ، فَلِلَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ أَوْلَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] . وَمِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَسْكَنِ لِلِاسْتِتَارِ عَنْ الْعُيُونِ، وَفِي التَّصَرُّفِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَحِفْظِ الْمَتَاعِ، وَيَكُونُ الْمَسْكَنُ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] . وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا لِمَصْلَحَتِهَا فِي الدَّوَامِ، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ.
[فَصْل كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا هَلْ يَجِبُ لَهَا خَادِمٌ]
(6464) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا؛ لِكَوْنِهَا مِنْ ذَوِي الْأَقْدَارِ، أَوْ مَرِيضَةً، وَجَبَ لَهَا خَادِمٌ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] . وَمِنْ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، أَنْ يُقِيمَ لَهَا خَادِمًا، وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدَّوَامِ، فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ.
وَلَا يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ إلَّا أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ.
وَنَحْوَهُ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا احْتَمَلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، فَرَضَ لِخَادِمَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْخَادِمَ الْوَاحِدَ يَكْفِيهَا لِنَفْسِهَا، وَالزِّيَادَةُ تُرَادُ لِحِفْظِ مِلْكِهَا، أَوْ لِلتَّجَمُّلِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا يَكُونُ الْخَادِمُ إلَّا مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، إمَّا امْرَأَةٌ، وَإِمَّا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٌ؛ لِأَنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، فَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ مِنْهُمَا جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ اسْتِخْدَامَهُمْ مُبَاحٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الصَّحِيحَ إبَاحَةُ النَّظَرِ لَهُمْ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي إبَاحَةِ نَظَرِهِمْ اخْتِلَافًا، وَتَعَافُهُمْ النَّفْسُ، وَلَا يَتَنَظَّفُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ أَنْ يُمَلِّكَهَا خَادِمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخِدْمَةُ، فَإِذَا حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ، جَازَ كَمَا أَنَّهُ إذَا أُسْكَنْهَا دَارًا بِأُجْرَةِ جَازَ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَمْلِيكُهَا مَسْكَنًا، فَإِنْ مَلَّكَهَا الْخَادِمَ، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا، وَإِنْ أَخْدَمَهَا مَنْ يُلَازِمُ خِدْمَتهَا مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ، جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ، أَوْ اسْتَأْجَرَهُ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ لَهَا، فَرَضِيَتْ بِخِدْمَتِهِ لَهَا، وَنَفَقَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ، جَازَ.
وَإِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ أَجْرَ خَادِمِهَا فَوَافَقَهَا، جَازَ.
` وَإِنْ قَالَ: لَا أُعْطِيك أَجْرَ هَذَا، وَلَكِنْ أَنَا آتِيك بِخَادِمٍ سِوَاهُ.
فَلَهُ ذَلِكَ إذَا أَتَاهَا بِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا.
وَإِنْ قَالَتْ: أَنَا أَخْدِمُ نَفْسِي، وَآخُذُ أَجْرَ الْخَادِمِ.
لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ قَبُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ، فَتَعْيِينُ الْخَادِمِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي إخْدَامِهَا تَوْفِيرَهَا عَلَى حُقُوقِهِ، وَتَرْفِيهَهَا، وَرَفْعَ قَدْرِهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِخِدْمَتِهَا لِنَفْسِهَا.
وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: أَنَا أَخْدُمُك بِنَفْسِي.
لَمْ يَلْزَمْهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَشِمُهُ، وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا، لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الرِّضَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْكِفَايَةَ تَحْصُلُ بِهِ.
(6465) فَصْلٌ: وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ الْخَادِمِ، وَمُؤْنَتُهُ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ، مِثْلَ مَا لِامْرَأَةِ الْمُعْسِرِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا الْمُشْطُ، وَالدُّهْنُ لِرَأْسِهَا، وَالسِّدْرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَالتَّنْظِيفِ، وَلَا يُرَادُ ذَلِكَ مِنْ الْخَادِمِ، لَكِنْ إنْ احْتَاجَتْ إلَى خُفٍّ لِتَخْرُجَ إلَى شِرَاءِ الْحَوَائِجِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ مَنَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ مِمَّا يَجِبُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ مَنَعَهَا مَا يَجِبُ لَهَا، أَوْ بَعْضَهُ، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ مِقْدَارَ حَاجَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ حِينَ قَالَتْ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي.
فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَدْفَعْ إلَى امْرَأَتِهِ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، أَوْ دَفَعَ إلَيْهَا أَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ الْوَاجِبَ أَوْ تَمَامَهُ، بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» . وَهَذَا إذْنٌ لَهَا فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَرَدٌّ لَهَا إلَى اجْتِهَادِهَا فِي قَدْرِ كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ وَلَدِهَا، وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُعْطِيهَا بَعْضَ الْكِفَايَةِ، وَلَا يُتَمِّمُهَا لَهَا، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا فِي أَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا غِنَى عَنْهَا، وَلَا قَوَامَ إلَّا بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَدْفَعْهَا الزَّوْجُ وَلَمْ تَأْخُذْهَا، أَفْضَى إلَى ضَيَاعِهَا وَهَلَاكِهَا، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا فِي أَخْذِ قَدْرِ نَفَقَتِهَا، دَفْعًا لِحَاجَتِهَا، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَتَشُقُّ الْمُرَافَعَةُ إلَى الْحَاكِمِ، وَالْمُطَالَبَةُ
بِهَا فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ؛ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا فِي أَخْذِهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّيْنِ فَرْقًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مَا لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ فَرَضَهَا لَهَا، فَلَوْ لَمْ تَأْخُذْ حَقَّهَا أَفْضَى إلَى سُقُوطِهَا، وَالْإِضْرَارِ بِهَا، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عِنْدَ أَحَدٍ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ، فَلَا يُؤَدِّي تَرْكُ الْأَخْذِ إلَى الْإِسْقَاطِ.
[فَصْلٌ وَقْتُ دَفْعِ النَّفَقَة لِلزَّوْجَةِ]
(6467) فَصْلٌ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ نَفَقَتِهَا إلَيْهَا فِي صَدْرِ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ إذَا طَلَعْت الشَّمْسُ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ جَازَ، كَالدَّيْنِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَعْجِيلِ نَفَقَةِ عَامٍ أَوْ شَهْرٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ تَأْخِيرِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَجَازَ مِنْ تَعْجِيلِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، كَالدَّيْنِ.
وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافٌ عَلِمْنَاهُ.
فَإِنْ سَلَّمَ إلَيْهَا نَفَقَةَ يَوْمٍ، ثُمَّ مَاتَتْ فِيهِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَيْهَا، وَإِنْ أَبَانَهَا بَعْدَ وُجُوبِ الدَّفْعِ إلَيْهَا، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا فِيهِ، وَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالطَّلَاقِ، كَالدَّيْنِ.
وَإِنْ عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةَ شَهْرٍ أَوْ عَامٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، أَوْ بَانَتْ بِفَسْخِ أَوْ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ رِدَّتِهِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ نَفَقَةَ سَائِرِ الشَّهْرِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَسْتَرْجِعُهَا؛ لِأَنَّهَا صِلَةٌ، فَإِذَا قَبَضَتْهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهَا النَّفَقَةَ سَلَفًا عَمَّا يَجِبُ فِي الثَّانِي، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَسْلَفَهَا إيَّاهَا فَنَشَزَتْ، أَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَى السَّاعِي فَتَلَفَ مَالُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا صِلَةٌ.
قُلْنَا: بَلْ هِيَ عِوَضٌ عَنْ التَّمْكِينِ، وَقَدْ فَاتَ التَّمْكِينُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ زَوْجَ الْوَثَنِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ، إذَا دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَةَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ بَانَتْ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَهَا أَنَّهَا نَفَقَةٌ عَجَّلَهَا لَهَا، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهَا، وَإِنْ أَعْلَمَهَا ذَلِكَ، انْبَنَى عَلَى مُعَجِّلِ الزَّكَاةِ إذَا أَعْلَمَ الْفَقِيرَ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ، وَفِي الرُّجُوعِ بِهَا وَجْهَانِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ مِثْلُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِدَفْعِ مَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ إعْلَامِ الْآخِذِ بِتَعْجِيلِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ، كَمُعَجِّلِ الزَّكَاةِ.
وَلَوْ سَلَّمَ إلَيْهَا نَفَقَةَ الْيَوْمِ، فَسُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ الْوَاجِبِ بِدَفْعِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلْفِت الزَّكَاةُ بَعْدَ قَبْضِ السَّاعِي لَهَا، أَوْ الدَّيْنُ بَعْدَ أَخْذِ صَاحِبِهِ لَهُ.
(6468) فَصْلٌ: وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَتَهَا، فَلَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا أَحَبَّتْ، مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ، مَا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ
عَلَيْهَا بِضَرَرٍ فِي بَدَنِهَا، وَضَعْفٍ فِي جِسْمِهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَتْ كَالْمَهْرِ، وَلَيْسَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ مِنْهَا، وَنَقْصًا فِي اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا.
[فَصْلٌ وَقْتُ دَفْعِ الْكِسْوَةِ لِلزَّوْجَةِ]
(6469) فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ دَفْعُ الْكِسْوَةِ إلَيْهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً؛ لِأَنَّهَا الْعَادَةُ، وَيَكُونُ الدَّفْعُ إلَيْهَا فِي أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْوُجُوبِ.
فَإِنْ بَلِيَتْ الْكِسْوَةُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا، لَزِمَهُ أَنَّ يَدْفَعَ إلَيْهَا كِسْوَةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَإِنْ بَلِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، لِكَثْرَةِ دُخُولِهَا وَخُرُوجِهَا أَوْ اسْتِعْمَالِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ إبْدَالُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْكِسْوَةِ فِي الْعُرْفِ.
وَإِنْ مَضَى الزَّمَانُ الَّذِي تَبْلَى فِي مِثْلِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ وَلَمْ تَبْلَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى الْكِسْوَةِ.
وَالثَّانِي، يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ بَلِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا.
وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيْهَا كِسْوَةٌ، لَمْ تَسْقُطْ كِسْوَتُهَا.
وَإِنْ أُهْدِيَ إلَيْهَا طَعَامٌ فَأَكَلَتْهُ، وَبَقِيَ قُوتُهَا إلَى الْغَدِ، لَمْ يَسْقُطْ قُوتُهَا فِيهِ وَإِنْ كَسَاهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلَى، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا لِلزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِيِّهِ، كَانَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَةَ مُدَّةٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْجَاعُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهَا الْكِسْوَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا النَّفَقَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَكْلِهَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
(6470)
فَصْلٌ: وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهَا كِسْوَتَهَا، فَأَرَادَتْ بَيْعهَا، أَوْ التَّصَدُّقَ بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا، أَوْ يُخِلُّ بِتَجَمُّلِهَا بِهَا، أَوْ بِسُتْرَتِهَا، لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَرَادَتْ الصَّدَقَةَ بِقُوتِهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُهَا، فَأَشْبَهَتْ النَّفَقَةَ، وَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَهَا لَوْ طَلَّقَهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، بِخِلَافِ النَّفَقَة.
(6471) فَصْلٌ: وَالذِّمِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي النَّفَقَةِ وَالْمَسْكَنِ وَالْكِسْوَةِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَالْمَعْنَى.
[مَسْأَلَةٌ مَنَعَ امْرَأَتَهُ النَّفَقَةَ لِعُسْرَتِهِ]
(6472) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا مَنَعَهَا، وَلَمْ تَجِدْ مَا تَأْخُذُهُ، وَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَنَعَ امْرَأَتَهُ النَّفَقَةَ، لِعُسْرَتِهِ، وَعَدَمِ مَا يُنْفِقُهُ، فَالْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ فِرَاقِهِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَبِيعَةُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَذَهَبَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، إلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ فِرَاقَهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ يَدَهُ عَنْهَا لِتَكْتَسِبَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا عَلَيْهِ، فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، كَالدَّيْنِ.
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ: يُحْبَسُ إلَى أَنْ يُنْفِقَ وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] . وَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ، فَيَتَعَيَّنُ التَّسْرِيحُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: سُنَّةٌ؟ قَالَ: سُنَّةٌ.
وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى.
وَلِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَطْءِ، وَالضَّرَرُ فِيهِ، أَقَلُّ، لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ فَقْدُ لَذَّةٍ وَشَهْوَةٍ يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهِ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِالْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ الَّتِي لَا يَقُومُ الْبَدَنُ إلَّا بِهَا أَوْلَى.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلِلْمَرْأَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالْفَسْخِ، مِنْ غَيْرِ إنْظَارٍ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: يُؤَجَّلُ سَنَةً قِيَاسًا عَلَى الْعِنِّينِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: اضْرِبُوا لَهُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: يُؤَجَّلُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ.
وَلَنَا، ظَاهِرُ حَدِيثِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ مَعْنَى يُثْبِتُ الْفَسْخَ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِالْإِنْظَارِ فِيهِ، فَوَجَبَ، أَنْ يَثْبُتَ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ، كَالْعَيْبِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ الْإِعْسَارُ، وَقَدْ وُجِدَ، فَلَا يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ.
[فَصْلٌ لَمْ تَجِدْ الزَّوْجَةُ النَّفَقَةَ إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ]
(6473) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّفَقَةَ إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إعْسَارًا يَثْبُتُ بِهِ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَجَدَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَا يُغَدِّيهَا، وَفِي آخِرِهِ مَا يُعَشِّيهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهَا تَصِلُ إلَى كِفَايَتِهَا، وَمَا يَقُومُ بِهِ بَدَنُهَا.
وَإِنْ كَانَ صَانِعًا يَعْمَلُ فِي الْأُسْبُوعِ مَا يَبِيعُهُ فِي يَوْمٍ بِقَدْرِ كِفَايَتهَا
فِي الْأُسْبُوعِ كُلِّهِ، لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِهِ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ فِي بَعْضِ زَمَانِهِ، أَوْ تَعَذَّرَ الْبَيْعُ لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاقْتِرَاضُ إلَى زَوَالِ الْعَارِضِ، وَحُصُولِ الِاكْتِسَابِ.
وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِاقْتِرَاضِ أَيَّامًا يَسِيرَةً لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزُولُ عَنْ قُرْبٍ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ.
وَإِنْ مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى زَوَالُهُ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، لَمْ يُفْسَخْ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَطُولُ، فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْغَالِبَ يَلْحَقُهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَجِدُ مِنْ النَّفَقَةِ إلَّا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ، فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ عَلَى هَذَا، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ مَنْ لَا يَجِدُ إلَّا بَعْضَ الْقُوتِ.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِبَعْضِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يَقُومُ بِمَا دُونَهَا.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ تَسْقُطُ بِإِعْسَارِهِ، وَيُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهَا، وَيَقُومُ الْبَدَنُ بِمَا دُونِهَا.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْسَرَ بِالْأُدْمِ.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْكِسْوَةِ، فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهَا، وَلَا يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهَا.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَهَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ.
وَالثَّانِي، لَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْبِنْيَةَ تَقُومُ بِدُونِهِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَره الْقَاضِي.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهَا، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الدُّيُونِ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَعَ يَسَارِهِ؛ فَإِنْ قَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ هِنْدًا بِالْأَخْذِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا الْفَسْخَ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ، رَافَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ، وَيُجْبِرُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ، فَإِنْ صَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ، أَخَذَ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا، بَاعَهَا فِي ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّفَقَةُ فِي مَالِهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَلَا يَبِيعُ عَرْضًا إلَّا بِتَسْلِيمٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ مَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الرَّشِيدِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ " خُذِي مَا يَكْفِيك ". وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ لَهُ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُ النَّفَقَةُ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلِلْحَاكِمِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ، بِدَلِيلِ وِلَايَته عَلَى دَرَاهِمِهِ وَدَنَانِيرِهِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، وَلَهُ وَكِيلٌ، فَحُكْمُ وَكِيلِهِ حُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْأَخْذِ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ، وَلَمْ تَقْدِرْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْأَخْذِ، أَخَذَ لَهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ عَقَارِهِ وَعُرُوضِهِ فِي ذَلِكَ، إذَا لَمْ تَجِدْ مَا تُنْفِقُ سِوَاهُ.
وَيُنْفِقُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَوْمًا بِيَوْمٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَفْرِضُ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا تَعْجِيلٌ لِلنَّفَقَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةً زِيَادَةً عَلَى شَهْرٍ.
[فَصْلٌ غَيَّبَ مَالَهُ وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ وَلَمْ يَقْدِرْ الْحَاكِمُ لَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ فَهَلْ لِزَوْجَتِهِ نَفَقَةٌ]
(6474) فَصْل: وَإِنْ غَيَّبَ مَالُهُ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْحَاكِمُ لَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارِ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ فِي الْمُعْسِرِ لِعَيْبِ الْإِعْسَارِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا، وَلِأَنَّ الْمُوسِرَ فِي مَظِنَّةِ إمْكَانِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ، وَإِذَا امْتَنَعَ فِي يَوْمٍ، فَرُبَّمَا لَا يَمْتَنِعُ فِي الْغَدِ، بِخِلَافِ الْمُعْسِرِ.
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا.
وَهَذَا إجْبَارٌ عَلَى الطَّلَاقِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ، وَلِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ مُتَعَذِّرٌ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ، كَحَالِ الْإِعْسَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ الْفَسْخُ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ فِي الصَّبْرِ ضَرَرًا أَمْكَنَ إزَالَتُهُ بِالْفَسْخِ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهُ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَعَذُّرٍ يَجُوزُ الْفَسْخُ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْن الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ الْفَسْخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا، وَبَيْنَ أَنْ يَهْرُبَ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ، وَعَيْبُ الْإِعْسَارِ إنَّمَا جَوَّزَ الْفَسْخَ لِتَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَرَضَ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، أَوْ تَبَرَّعَ لَهُ إنْسَانٌ بِدَفْعِ مَا يُنْفِقُهُ لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْفِقَ فِيمَا بَعْدَ هَذَا.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ الْمُعْسِرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُغْنِيَهُ اللَّهُ، وَأَنْ يَقْتَرِضَ، أَوْ يُعْطَى مَا يُنْفِقُهُ، فَاسْتَوَيَا.
[فَصْلٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ]
(6475) فَصْلٌ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مَكَانَ نَفَقَتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ أَيِّ أَمْوَالِهِ شَاءَ، وَهَذَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْفَاضِلِ مِنْ قُوتِهِ، وَهَذَا لَا يَفْضُلُ عَنْهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] . فَيَجِبُ إنْظَارُهَا بِمَا عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ كُلُّ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحِقُّ لِلزَّوْجَةِ فَسْخُ النِّكَاحِ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ تَرْجِعُ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ]
(6476) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهَا الْفَسْخُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ إلَى الْحَاكِمِ، كَالْفَسْخِ بِالْعُنَّةِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّفْرِيقُ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّهَا، فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا، كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ.
فَإِذَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَسْخٌ لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ تَطْلِيقَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا إنْ أَيْسَرَ فِي عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ لَهَا، فَأَشْبَهَ تَفْرِيقَهُ بَيْنَ الْمَوْلَى وَامْرَأَتِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالطَّلَاقِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا فُرْقَةٌ لِعَجْزِهِ عَنْ الْوَاجِبِ لَهَا عَلَيْهِ أَشْبَهَتْ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ.
فَأَمَّا إنْ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الطَّلَاقِ، فَطَلَّقَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ رَاجَعَهَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْقَاقِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ، فَطَلَبْت الْمَرْأَةُ الْفَسْخَ، فَلِلْحَاكِمِ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَهُ بَاقٍ، أَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ.
[فَصْلٌ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِالْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ أَوْ تَرْكِ إنْفَاقِهِ ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ]
(6477) فَصْلٌ: وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ أَوْ تَرْكِ إنْفَاقِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ، أَوْ تَزَوَّجَتْ مُعْسِرًا عَالِمَةً بِحَالِهِ، رَاضِيَةً بِعُسْرَتِهِ، وَتَرْكِ إنْفَاقِهِ، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا، ثُمَّ عَنَّ لَهَا الْفَسْخُ، فَلَهَا ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِعَيْبِهِ، وَدَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ عَالِمَةً بِهِ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا.
عَالِمَةً بِعُنَّتِهِ، أَوْ قَالَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ: قَدْ رَضِيت بِهِ عِنِّينًا.
وَلَنَا، أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَيَتَجَدَّدُ لَهَا الْفَسْخُ، وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ حَقِّهَا فِيمَا لَمْ يَجِبْ لَهَا، كَإِسْقَاطِ شُفْعَتِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَتْ، النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَسْقُطْ، وَلَوْ أَسْقَطَتْهَا أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَهْرَ قَبْلَ النِّكَاحِ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُهَا، لَمْ يَسْقُطْ الْفَسْخُ الثَّابِتُ بِهِ.
وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ، وَقُلْنَا: لَهَا الْفَسْخُ لِإِعْسَارِهِ بِهِ.
فَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْهُ، عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ، رَاضِيَةً بِذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَمْلِكَ الْفَسْخَ بِإِعْسَارِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَوْ أَسْقَطَتْهُ فِيهِ سَقَطَ.
(6478) فَصْلٌ: إذَا رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهَا التَّمْكِينُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهَا عِوَضَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا تَسْلِيمُهُ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِ الْمَبِيعِ، لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، وَعَلَيْهِ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا، لِتَكْتَسِبَ لَهَا، وَتُحَصِّلَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ فِي حَبْسِهَا بِغَيْرِ نَفَقَةٍ إضْرَارًا بِهَا.
وَلَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ حَبْسهَا إذَا كَفَاهَا الْمُؤْنَةَ، وَأَغْنَاهَا عَمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، وَلِحَاجَتِهِ إلَى الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، فَإِذَا انْتَفَى الْأَمْرَانِ، لَمْ يَمْلِكْ حَبْسِهَا.
[فَصْلٌ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لِامْرَأَتِهِ مُدَّةً]
(6479) فَصْلٌ: وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لَامْرَأَته مُدَّةً، لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ، وَكَانَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا لَعُذْرٍ أَوْ
غَيْرِ عُذْرٍ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، مَا لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا لَهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبْ يَوْمًا فَيَوْمًا، فَتَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهَا إذَا لَمْ يَفْرِضْهَا الْحَاكِمُ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَاضِي قَدْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهَا بِمُضِيِّ وَقْتِهَا، فَتَسْقُطُ، كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ.
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى.
وَلِأَنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ وَالدُّيُونِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَزُولُ مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إلَّا بِمِثْلِهَا.
وَلِأَنَّهَا عِوَضٌ وَاجِبٌ فَأَشْبَهْت الْأُجْرَةَ.
وَفَارَقَ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ، فَإِنَّهَا صِلَةٌ يَعْتَبِرُ فِيهَا الْيَسَارُ مِنْ الْمُنْفِقِ وَالْإِعْسَارُ مِمَّنْ تَجِبُ لَهُ، وَجَبَتْ لِتَزْجِيَةِ الْحَالِ، فَإِذَا مَضَى زَمَنُهَا اسْتَغْنَى عَنْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِيَسَارِهِ، وَهَذِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مَعَ يَسَارِهِ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِكَمَالِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا لِإِعْسَارِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ [إلَّا] نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ سَقَطَ بِإِعْسَارِهِ.
[فَصْلٌ ضَمَانُ النَّفَقَةِ مَا وَجَبَ مِنْهَا وَمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ]
(6480) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ ضَمَانُ النَّفَقَةِ، مَا وَجَبَ مِنْهَا وَمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، إذَا قُلْنَا: إنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيِّ يَصِحُّ ضَمَانُ مَا وَجَبَ، وَفِي ضَمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ هَلْ تَجِبُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالتَّمْكِينِ؟ وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ إذَا كَانَ مَالُهُ إلَى الْوُجُوبِ، فَعِنْدنَا يَصِحُّ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ الضَّمَانِ.
[فَصْلٌ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ أَوْ الْأُدْمِ أَوْ الْمَسْكَنِ]
(6481) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ أَوْ الْأُدْمِ أَوْ الْمَسْكَنِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الزَّوَائِدِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ، كَالزَّائِدِ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّة، كَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلْمَرْأَةِ قُوتًا، وَفَارَقَ الزَّائِدَ عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ.
[فَصْلٌ أَنْفَقْت الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ إنْفَاقِهَا]
(6482) فَصْلٌ: وَإِذَا أَنْفَقْت الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ إنْفَاقِهَا، حُسِبَ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مِيرَاثِهَا، سَوَاءٌ أَنْفَقَتْهُ بِنَفْسِهَا، أَوْ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ مَا لَا تَسْتَحِقُّ.
وَإِنْ فَضَلَ لَهَا شَيْءٌ فَهُوَ لَهَا وَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَكَانَ لَهَا صَدَاقٌ أَوْ دَيْنٌ عَلَى زَوْجِهَا، حُسِبَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَانَ الْفَضْلُ دَيْنًا عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ]
(6483) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَصَحُّهَا، لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ.
وَالثَّانِي، لَهَا الْفَسْخُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْسَرَ بِالْعِوَضِ، فَكَانَ لَهَا الرُّجُوعُ فِي الْمُعَوَّضِ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ بِثَمَنِ مَبِيعِهَا.
وَالثَّالِثُ، إنْ أَعْسَرَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعُ بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ اُسْتُوْفِيَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ أَوْ بَعْضِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ، فَلَمْ يُفْسَخْ النِّكَاحُ لِلْإِعْسَارِ بِهِ، كَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ مُجْحِفٌ، فَأَشْبَهَ نَفَقَةَ الْخَادِمِ وَالنَّفَقَةَ الْمَاضِيَةَ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كُلُّ مَقْصُودِ الْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ، وَالصَّدَاقُ فَضْلَةٌ وَنِحْلَةٌ، لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِهِ، وَلَا بِتَرْكِ ذِكْرِهِ، وَالْعَادَةُ تَأْخِيرُهُ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَشْتَرِي بِثَمَنٍ حَالٍّ يَكُونُ مُوسِرًا بِهِ، وَلَيْسَ الْأَكْثَرُ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِمَهْرٍ يَكُونُ مُوسِرًا بِهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِهَا، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ، فَأَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ النَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ نَحْوُ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَهَا الْفَسْخُ لِلْإِعْسَارِ بِهِ.
فَتَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَتْ عُسْرَتَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْفَسْخِ، لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَسَقَطَ كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ.
[فَصْلٌ نَفَقَةُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ]
(6484) فَصْلٌ: وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ حَقٌّ لَهَا وَلِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَبُهَا إنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ أَدَائِهَا، وَلَا يَمْلِكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إسْقَاطَهَا؛ لِأَنَّ فِي سُقُوطِهَا بِإِسْقَاطِ أَحَدِهِمَا ضَرَرًا بِالْآخَرِ.
وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِهَا، فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا، فَمَلَكَتْ الْفَسْخَ، كَالْحُرَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ، فَقَالَ الْقَاضِي: لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي عَدَمِهَا، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِهَا مِنْ فَوَاتِ مِلْكِهِ وَتَلَفِهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ، رَضِيَتْ بِذَلِكَ أَوْ كَرِهَتْ؛ لِأَنَّ