المغني لابن قدامةصفحات 130-169
أهل الأثرالأرشيف العلمي

َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ

صفحات 130-169
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[فَصْل تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ فَمَاتَ وَلَدُهَا]

(6349) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَمَاتَ وَلَدُهَا، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: يَعْتَزِلُ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً.
وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنِ ابْنِهِ، وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَنْظُرَ بِهَا حَمْلٌ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا حِينَ مَوْتِهِ، وَرِثَهُ حَمْلُهَا، وَإِنْ حَدَثَ الْحَمْلُ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَمْ يَرِثْهُ.
فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا مِيرَاثَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَعْلُومٌ، وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا؛ لِلْيَأْسِ مِنْ حَمْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُ حَمْلُهَا، وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَمْلٌ، وَلَمْ يَعْتَزِلْهَا زَوْجُهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَرِثَ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرِ مِنْ حِينِ وَطِئَهَا بَعْدَ مَوْتِ وَلَدِهَا، لَمْ يَرِثْ، لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ وُجُودَهُ حَالَ مَوْتِهِ.
هَذَا يُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ أَحْكَامِ عدة زَوْجَة الْمَفْقُودِ]

(6350) فَصْلٌ: فِي أَحْكَامِ الْمَفْقُودِ.
إذَا غَابَ الرَّجُلُ عَنْ امْرَأَتِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، يُعْرَفُ خَبَرُهُ، وَيَأْتِي كِتَابُهُ، فَهَذَا لَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعِينَ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، فَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ، فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْأَسِيرِ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَعْلَمَ يَقِينَ وَفَاتِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ، فَزَوْجَتُهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، حَتَّى تَعْلَمَ مَوْتَهُ أَوْ رِدَّتَهُ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْحَسَنُ: إبَاقُهُ طَلَاقُهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْقُودٍ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ، كَالْحُرِّ، وَمَنْ تَعَذُّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَحُكْمُهَا فِي الْفَسْخِ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ فِي كَسْبِهِ، فَيُعْتَبَرُ تَعَذُّرُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يُفْقَدَ، وَيَنْقَطِعَ خَبَرُهُ، وَلَا يُعْلَمَ لَهُ مَوْضِعٌ، فَهَذَا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةَ، كَسَفَرِ التِّجَارَةِ فِي غَيْرِ مَهْلَكَةٍ، وَإِبَاقِ الْعَبْدِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَالسِّيَاحَةِ، فَلَا تَزُولُ الزَّوْجِيَّةُ أَيْضًا، مَا لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.

وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَتَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَتَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ بِالْعُنَّةِ، وَتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ بِالْإِعْسَارِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ هَاهُنَا لِتَعَذُّرِ الْجَمِيعِ أَوْلَى، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي الْمَفْقُودِ، مَعَ مُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ لَهُ، وَتَرْكِهِمْ إنْكَارَهُ.
وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ أَصْرَمَ، عَنْ أَحْمَدَ: إذَا مَضَى عَلَيْهِ تِسْعُونَ سَنَةً، قُسِّمَ مَالُهُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا اعْتَبَرَ تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْعُمْرِ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ، وَجَبَ الْحُكْمُ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فَقْدُهُ بِغِيبَةٍ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَيْبَةٌ ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِمَوْتِهِ، كَمَا قَبْلَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ كَمَا قَبْلَ التِّسْعِينَ، وَلِأَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهَا بِتِسْعِينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ، يُفْضِي إلَى اخْتِلَافِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ بِاخْتِلَافِ عُمْرِ الزَّوْجِ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا، وَخَبَرُ عُمَرَ وَرَدَ فِي مَنْ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ الْهَلَاكُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ، كَاَلَّذِي يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، أَوْ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَرْجِعُ، أَوْ يَمْضِي إلَى مَكَان قَرِيبٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَيَرْجِعَ، فَلَا يَظْهَرُ لَهُ خَبَرٌ، أَوْ يُفْقَدُ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ يَنْكَسِرُ بِهِمْ مَرْكَبٌ فَيَغْرَقُ بَعْضُ رُفْقَتِهِ، أَوْ يُفْقَدَ فِي مَهْلَكَةٍ، كَبَرِّيَّةِ الْحِجَازِ وَنَحْوِهَا، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ الظَّاهِرُ عَنْهُ، أَنَّ زَوْجَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
وَتَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ؟ قَالَ: هُوَ أَحْسَنُهَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ مِنْ ثَمَانِيَةِ وُجُوهٍ.
ثُمَّ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ هَذَا.
هَؤُلَاءِ الْكَذَّابِينَ.
قُلْت: فَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ بِخِلَافِ هَذَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ يَكْذِبُ.
وَقُلْت لَهُ مَرَّةً: إنَّ إنْسَانًا قَالَ لِي: إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ تَرَكَ قَوْلَهُ فِي الْمَفْقُودِ بَعْدَكَ.
فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَرَكَ هَذَا الْقَوْلَ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ.
قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَاللَّيْثُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ فِي انْتِظَارِ مَنْ يُفْقَدُ فِي الْقِتَالِ وَقْتٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ: تَتَرَبَّصُ سَنَةً؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ هَلَاكِهِ هَاهُنَا أَكْثَرُ مِنْ غَلَبَةِ غَيْرِهِ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَقُولُ: إذَا تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

تَزَوَّجَتْ.
وَقَدْ ارْتَبْت فِيهَا، وَهِبْت الْجَوَابَ فِيهَا، لَمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَكَأَنِّي أُحِبُّ السَّلَامَةَ.
وَهَذَا تَوَقُّفٌ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ عَمَّا قَالَهُ، وَتَتَرَبَّصُ أَبَدًا، وَيَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ، وَيَكُونُ الْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ أَوَّلًا.
قَالَ الْقَاضِي: أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ - إنْ صَحَّ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ - أَنْ لَا يُحْكَمَ بِحُكْمٍ ثَانٍ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى الِانْتِقَالِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ أَوَّلًا.
نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْهُ الرُّجُوعَ، عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ أَوْ فِرَاقُهُ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ، حَتَّى يَأْتِيَهَا الْخَبَرُ» . . وَرَوَى الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ عَنْ عَلِيٍّ: لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ، حَتَّى يَأْتِيَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ.
لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْفُرْقَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْأَثْرَمُ.
وَالْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: فُقِدَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ إلَى عُمَرَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: انْطَلِقِي، فَتَرَبَّصِي أَرْبَعَ سِنِينَ.
فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَتَتْهُ، فَقَالَ: انْطَلِقِي، فَاعْتَدِّي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَتَتْهُ، فَقَالَ: أَيْنَ وَلِيُّ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَجَاءَ وَلِيُّهُ، فَقَالَ: طَلِّقْهَا.
فَفَعَلَ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: انْطَلِقِي، فَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْت.
فَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ كُنْت؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اسْتَهْوَتْنِي الشَّيَاطِينُ، فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي فِي أَيِّ أَرْضِ اللَّهِ، كُنْت؟ عِنْدَ قَوْمٍ يَسْتَعْبِدُونَنِي، حَتَّى اغْتَزَاهُمْ مِنْهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، فَكُنْت فِي مَا غَنِمُوهُ، فَقَالُوا لِي: أَنْتَ رَجُلٌ مِنْ الْإِنْسِ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ الْجِنِّ، فَمَا لَكَ وَمَا لَهُمْ؟ فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي، فَقَالُوا: بِأَيِّ أَرْضِ اللَّهِ تُحِبُّ أَنْ تُصْبِحَ؟ قُلْت: الْمَدِينَةُ هِيَ أَرْضِي.
فَأَصْبَحْتُ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَرَّةِ.
فَخَيَّرَهُ عُمَرُ؛ إنْ شَاءَ امْرَأَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ الصَّدَاقَ، فَاخْتَارَ الصَّدَاقَ، وَقَالَ: قَدْ حَبِلَتْ، لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي الصَّحَابَةِ لَهُ مُخَالِفٌ.
وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ وَغَيْرُهُ، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَلِيٍّ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: تَعْتَدُّ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا، وَتَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْمَفْقُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ.
وَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ أَيْضًا، وَقَضَى بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي مَوْلَاةٍ لَهُمْ.
وَهَذِهِ قَضَايَا انْتَشَرَتْ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا.

فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَوْهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَثْبُتْ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ، فَيَرْوِيهِ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ مُرْسَلًا، وَالْمُسْنَدُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا، ثُمَّ يُحْمَلُ مَا رَوَوْهُ عَلَى الْمَفْقُودِ الَّذِي ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةُ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَيْنَاهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ شَكٌّ فِي زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ.
مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الشَّكَّ مَا تَسَاوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَالظَّاهِرُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَلَاكُهُ.

[فَصْلٌ هَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا الْغَائِبِ ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ]

(6351) فَصْلٌ: وَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا، ثُمَّ تَعْتَدّ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَعْتَبِرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَحْسَنُهَا.
وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ فَإِنَّ وَلِيَّ الرَّجُلِ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، وَلِأَنَّنَا حَكَمْنَا عَلَيْهَا بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَعَ ذَلِكَ عِدَّةُ الطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَتْ وَفَاتَهُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ دَلِيلُ هَلَاكِهِ عَلَى وَجْهٍ أَبَاحَ لَهَا التَّزْوِيجَ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا عِدَّةَ الْوَفَاةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ.

[فَصْلٌ مَتَى تُعْتَبَرُ غَيْبَةُ الزَّوْجِ]

(6352) فَصْلٌ: وَهَلْ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْغَيْبَةِ أَوْ مِنْ حِينِ ضَرَبَ الْحَاكِمُ الْمُدَّةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، يُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ ضَرَبَهَا الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَافْتَقَرَتْ إلَى ضَرْبِ الْحَاكِمِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ، مِنْ حِينِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ، وَبَعُدَ أَثَرُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي مَوْتِهِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.

[فَصْل قَدِمَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ]

(6353) فَصْلٌ: فَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إذَا ضُرِبَتْ لَهَا الْمُدَّةُ، فَانْقَضَتْ، بَطَلَ نِكَاحُ الْأَوَّلِ.
وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا أَبَحْنَا لَهَا التَّزْوِيجَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ، فَإِذَا بَانَ حَيًّا، انْخَرَمَ ذَلِكَ الظَّاهِرُ، وَكَانَ النِّكَاحُ بِحَالِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ بَانَ حَيًّا، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ، فَأَشْبَهَ مِلْكَ الْمَالِ.
فَأَمَّا إنْ قَدِمَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا، فَهِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ، تُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ وَإِسْحَاقَ.

وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُخَيَّرُ.
وَأَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِ أَحْمَدَ: إذَا تَزَوَّجْت امْرَأَتُهُ فَجَاءَ، خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ عُمُومَ كَلَامِ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى خَاصِّهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَأَنَّهُ لَا تَخْيِيرَ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَتَكُونُ زَوْجَةَ الْأَوَّلِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا صَحَّ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، فَإِذَا قَدِمَ تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ امْرَأَةً ذَاتَ زَوْجٍ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ دُخُولٌ، وَتَعُودُ إلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ.
وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا.
خُيِّرَ الْأَوَّلُ بَيْنَ أَخْذِهَا، فَتَكُونُ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَبَيْنَ أَخْذِ صَدَاقِهَا، وَتَكُونُ زَوْجَةَ الثَّانِي.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، فَرَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا: إنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، خُيِّرَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الَّذِي سَاقَ هُوَ، رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ، وَالْأَثْرَمُ، وَقَضَى بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرُ فِي مَوْلَاةٍ.
لَهُمْ وَقَالَ عَلِيٌّ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
فَعَلَى هَذَا، إنْ أَمْسَكَهَا الْأَوَّلُ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ الثَّانِي إلَى طَلَاقٍ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُ كَانَ بَاطِلًا فِي الْبَاطِنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِهِ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى طَلَاقٍ؛ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ، فَكَانَ مَأْمُورًا بِالطَّلَاقِ لِيَقْطَعَ حُكْمَ الْعَقْدِ الثَّانِي، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ اعْتِزَالُهَا حَتَّى تَقْضِيَ عِدَّتَهَا مِنْ الثَّانِي.
وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ مَعَ الثَّانِي، وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهَا عَقْدًا جَدِيدًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهَا عَقْدًا، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ عَقْدِهِ بِمَجِيءِ الْأَوَّلِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ زَوْجَةَ الْإِنْسَانِ لَا تَصِيرُ زَوْجَةً لِغَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ لَهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْقِيَاسُ أَنَّنَا إنْ حَكَمْنَا بِالْفُرْقَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَهِيَ امْرَأَةُ الثَّانِي، وَلَا خِيَارَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِفُرْقَةِ الْحَاكِمِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحَهَا لِعُسْرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِفُرْقَتِهِ بَاطِنًا، فَهِيَ امْرَأَةُ الْأَوَّلِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ.

[فَصْلٌ زَوْجَة الْغَائِب إذَا اخْتَارَ الزَّوْج الْأَوَّلُ تَرْكَهَا]

(6354) فَصْلٌ: وَمَتَى اخْتَارَ الْأَوَّلُ تَرْكَهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الثَّانِي بِصَدَاقِهَا؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِعَقْدِهِ عَلَيْهَا، وَدُخُولِهِ بِهَا.
وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَد فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي أَصْدَقَهَا هُوَ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، لِقَضَاءِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الَّذِي سَاقَ هُوَ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّضَ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ، كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا الصَّدَاقَ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ بَعْضَهُ، رَجَعَ بِمَا دَفَعَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ، وَتَرْجِعَ الْمَرْأَةُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَدَاقِهَا.
وَعَنْ

أَحْمَدَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ الَّذِي أَصْدَقَهَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْبُضْعِ مِنْ جِهَتِهِ، وَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، وَالْبُضْعُ لَا يَتَقَوَّمُ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَوْ مَنْ جَرَى مَجْرَاهُ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالْمُسَمَّى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ وَهَلْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى الزَّوْجَةِ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: إحْدَاهُمَا، يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ لَزِمَتْ الزَّوْجَ بِسَبَبِ وَطْئِهِ لَهَا، فَرَجَعَ بِهَا، كَالْمَغْرُورِ.
وَالثَّانِيَةُ لَا يَرْجِعُ بِهَا.
وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَقْضُوا بِالرُّجُوعِ، فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ رَوَى، أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَضَيَا فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَدْرِي مَا مَهْلِكُ زَوْجِهَا، أَنْ تَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ثُمَّ تَزَوَّجُ إنْ بَدَا لَهَا، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا خُيِّرَ؛ إمَّا امْرَأَتَهُ، وَإِمَّا الصَّدَاقَ، فَإِنْ اخْتَارَ الصَّدَاقَ، فَالصَّدَاقُ عَلَى زَوْجِهَا الْآخَرِ، وَتَثْبُتُ عِنْدَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ امْرَأَتَهُ، عُزِلَتْ عَنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا وَقَدْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْآخَرُ، وَرِثَتْ، وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَتَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ.
رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَغْرِيرَ مِنْهَا، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، كَغَيْرِهَا.
فَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ، رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهَا، دَفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ بَعْضُهُ، رَجَعَ بِمَا دَفَعَ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا.
وَكَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهُ إلَيْهَا، لَزِمَهُ دَفْعُهُ وَيَدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ صَدَاقًا آخَرَ.

[فَصْل اخْتَارَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ الْمُقَامَ وَالصَّبْرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ]

(6355) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَارَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ الْمُقَامَ وَالصَّبْرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ؛ فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَ حَيًّا، وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ؛ لِأَنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ حَيَاتَهُ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا، وَقِدَمَ، فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ، أَوْ فَارَقَهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى يَوْمِ مَوْتِهِ أَوْ بَيْنُونَتِهَا مِنْهُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْبَاقِي؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا أَنْفَقَتْ مَالَ غَيْرِهِ، أَوْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهِ وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ لَهُ.
وَإِنْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ، فَضَرَبَ لَهَا مُدَّةً، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَمُدَّةِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِبَيْنُونَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَهِيَ مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ الْمُدَّةِ.
وَأَمَّا مُدَّةُ الْعِدَّةِ، فَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَيَقِّنَةٍ، بِخِلَافِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ، فَإِنَّ مَوْتَهُ مُتَيَقَّنٌ، وَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ إنْ تَزَوَّجَتْ أَوْ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجَ وَلَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَنَفَقَتُهَا بَاقِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ بَعْدُ مِنْ نِكَاحِهِ.
وَإِنْ قَدِمَ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَرُدَّتْ إلَيْهِ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ حِينِ الرَّدِّ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، وَالْجُوزَجَانِيُّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَا: تَنْتَظِرُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ.

قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذًا يُجْحِفَ ذَلِكَ بِالْوَرَثَةِ، وَلَكِنَّهَا تَسْتَدِينُ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ أَخَذَتْ مِنْ نَصِيبهَا مِنْ الْمِيرَاثِ.
وَقَالَا: يُنْفَقُ عَلَيْهَا بَعْدُ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا جَمِيعِهِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا، مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا بِالتَّزْوِيجِ تَخْرُجُ عَنْ يَدَيْهِ، وَتَصِيرُ نَاشِزًا، وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ، فَلَمْ تَعُدْ إلَى مَسْكَنِ زَوْجِهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى النُّشُوزِ.
وَإِنْ عَادَتْ إلَى مَسْكَنِهِ، احْتَمَلَ أَنْ تَعُودَ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ النُّشُوزَ الْمُسْقِطَ لِنَفَقَتِهَا قَدْ زَالَ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَعُودَ؛ لِأَنَّهَا مَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ.
وَإِنْ عَادَ فَتَسَلَّمَهَا، عَادَتْ نَفَقَتُهَا.
وَمَتَى أُنْفِقَ عَلَيْهَا، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، حُسِبَ عَلَيْهَا مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ مِنْ مِيرَاثِهَا، فَإِنْ لَمْ تَرِثْ شَيْئًا، فَهُوَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِ الْوَارِثِ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، فَأَمَّا نَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي، فَإِنْ قُلْنَا: لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ، حُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْكِحَةِ الصَّحِيحَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهِ، إلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَاكِمٌ، فَيَحْتَمِلَ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهُ أَدَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلَ أَلَّا يَرْجِعَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، مَا لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا.
فَإِنْ فَارَقَهَا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَيَنْبَنِي وُجُوبُ النَّفَقَةِ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّفَقَةِ؛ هَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ.
فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْحَمْلِ لَاحِقٌ بِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى وَلَدِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا مِنْ أَجْلِهِ.
فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ حَمْلَ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ.
وَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ الثَّانِي، لَحِقَهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا تَرَبَّصَتْ بَعْدَ فَقْدِهِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا مِنْ الثَّانِي بِوَضْعِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا أَنْ تُرْضِعَهُ اللِّبَأَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَقُومُ بَدَنُهُ إلَّا بِهِ، فَإِنْ رُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ، كَمَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهَا عَنْ حُقُوقِهِ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا، وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالُ ضَرُورَةٍ.
فَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ وَيَدِهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ.

[فَصْلٌ مِيرَاث زَوْجَة الْغَائِب]

(6356) فَصْلٌ: فِي مِيرَاثِهَا مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَتَوْرِيثِهِمَا مِنْهَا، مَتَى مَاتَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ تَزَوُّجِهَا بِالثَّانِي، وَرِثَتْهُ وَوَرِثَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَتْ الثَّانِي فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّنَا قَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَتَى قَدِمَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، رُدَّتْ إلَيْهِ بِغَيْرِ تَخْيِيرٍ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ أَنَّ فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهَا.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي.
فَأَمَّا إنْ دَخَلَ الثَّانِي بِهَا نَظَرْنَا؛ فَإِنْ قَدِمَ الْأَوَّلُ، فَاخْتَارَهَا رُدَّتْ إلَيْهِ، وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ، وَلَمْ تَرِثْ الثَّانِي وَلَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا زَوْجِيَّةَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا؛ إمَّا فِي الْغَيْبَةِ، أَوْ بَعْدَ قُدُومِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
وَرِثَتْ الزَّوْجَ الثَّانِي وَوَرِثَهَا، وَلَمْ تَرِثْ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَتَعَذُّرَ أَحَدُهُمَا، تَعَيَّنَ الْآخَرُ.
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْأَوَّلِ، خُيِّرَ، فَإِنْ اخْتَارَهَا وَرِثَهَا وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا وَرِثَهَا الثَّانِي.
هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا عَلَى مَا أَخْتَارُهُ، فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ الثَّانِي وَلَا يَرِثُهَا بِحَالٍ، إلَّا أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا عَقْدًا، أَوْ لَا يَعْلَمَ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ حَيًّا، وَمَتَى عَلِمَ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ حَيًّا، وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ تَرْكَهَا، فَتَبِينَ مِنْهُ بِذَلِكَ، فَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، إنْ حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَرِثَتْ الثَّانِي وَوَرِثَهَا، وَلَمْ تَرِثْ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَرِثْهَا، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَاطِنًا، وَرِثْت الْأَوَّلَ وَوَرِثَهَا، وَلَمْ تَرِثْ الثَّانِي وَلَمْ يَرِثْهَا.
فَأَمَّا عِدَّتُهَا مِنْهُمَا، فَمَنْ وَرِثَتْهُ اعْتَدَّتْ لِوَفَاتِهِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَإِنْ مَاتَ الثَّانِي فِي مَوْضِعٍ لَا تَرِثُهُ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
فَعَلَى هَذَا، عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ لِوَفَاتِهِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِوَفَاتِهِ، لَكِنْ تَعْتَدُّ مِنْ وَطْئِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ؛ فَإِنْ مَاتَا مَعًا، اعْتَدَّتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَبَدَأَتْ بِعِدَّةِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا، اعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ أَوَّلًا، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ الثَّانِي أَوَّلًا، بَدَأَتْ بِعِدَّتِهِ، فَإِذَا مَاتَ الْأَوَّلُ، انْقَطَعَتْ عِدَّةُ الثَّانِي، ثُمَّ ابْتَدَأَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الثَّانِي.
وَإِنْ عُلِمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا، وَجُهِلَ وَقْتُ مَوْتِ الْآخَرِ، أَوْ جُهِلَ مَوْتُهُمَا، فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّتَيْنِ مِنْ حِينِ تَيَقَّنَتْ الْمَوْتَ، وَتَبْدَأُ بِعِدَّةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَأَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَبِوَضْعِ الْحَمْلِ تَنْقَضِي عِدَّةُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ بَعْدَهُ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ فِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ فِيهِ]

(6357) فَصْلٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ، فِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي يُبَاحُ لَهَا التَّزْوِيجُ بَعْدَهَا، أَوْ كَانَتْ غَيْبَةُ زَوْجِهَا ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ مَاتَ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ، أَوْ فَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَفِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، هُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي نِكَاحٍ وَلَا عِدَّةٍ، فَصَحَّ تَزْوِيجُهَا، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَقِدَةٌ تَحْرِيمَ نِكَاحِهَا وَبُطْلَانَهُ.
وَأَصْلُ هَذَا مَنْ بَاعَ عَيْنًا فِي يَدِهِ يَعْتَقِدُهَا

لِمَوْرُوثِهِ، فَبَانَ مَوْرُوثُهُ مَيِّتًا وَالْعَيْنُ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْإِرْثِ، هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
كَذَا هَاهُنَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا.
وَلَنَا أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ فِي مُدَّةٍ مَنَعَهَا الشَّرْعُ مِنْ النِّكَاحِ فِيهَا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْمُعْتَدَّةُ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ الْمُرْتَابَةُ قَبْلَ زَوَالِ رِيبَتِهَا.

[فَصْلٌ مَتَى يُقَسَّمُ مَالُ الْمَفْقُودِ]

(6358) فَصْلٌ: وَيُقَسَّمُ مَالُ الْمَفْقُودِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُؤْمَرُ زَوْجَتُهُ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ فِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ حَتَّى تُعْلَمَ وَفَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى إبَاحَةِ التَّزْوِيجِ لِامْرَأَتِهِ، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ،، وَلِأَنَّ بِالْمَرْأَةِ حَاجَةً إلَى النِّكَاحِ، وَضَرَرًا فِي الِانْتِظَارِ، فَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِهَا.
وَلَنَا أَنَّ مَنْ اعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ لِلْوَفَاةِ قُسِّمَ مَالُهُ، كَمَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَوْتِهِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَتَأْخِيرُ الْقِسْمَةِ ضَرَرٌ بِالْوَرَثَةِ، وَتَعْطِيلٌ لِمَنَافِعِ الْمَالِ، وَرُبَّمَا تَلِفَ أَوْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الضَّرَرِ بِتَأْخِيرِ التَّزْوِيجِ.

[فَصْل تَصَرَّفَ الزَّوْجُ الْمَفْقُودُ فِي زَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ إيلَاءٍ أَوْ قَذْفٍ]

(6359) فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الزَّوْجُ الْمَفْقُودُ فِي زَوْجَتِهِ، بِطَلَاقٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ إيلَاءٍ، أَوْ قَذْفٍ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُ بَاقٍ، وَلِهَذَا خُيِّرَ فِي أَخْذِهَا، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِإِبَاحَةِ تَزْوِيجِهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ، فَلَا يَبْطُلُ فِي الْبَاطِنِ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِمَوْتِهِ بَيِّنَةٌ كَاذِبَةٌ.

[فَصْلٌ عِدَّة الْأَمَةُ الَّتِي فَقَدَتْ زَوْجَهَا]

(6360) فَصْلٌ: وَإِذَا فَقَدَتْ الْأَمَةُ زَوْجَهَا، تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَتَرَبَّصُ نِصْفَ تَرَبُّصِ الْحُرَّةِ.
وَرَوَاهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مَضْرُوبَةٌ لِلْمَرْأَةِ لِعَدَمِ زَوْجِهَا، فَكَانَتْ الْأَمَةُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرَّةِ، كَالْعِدَّةِ.
وَلَنَا أَنَّ الْأَرْبَعَ سِنِينَ مَضْرُوبَةٌ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَمُدَّةُ الْحَمْلِ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ سَوَاءٌ، فَاسْتَوَيَا فِي التَّرَبُّصِ لَهَا، كَالتِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، وَكَالْحَمْلِ نَفْسِهِ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ قِيَاسُهُمْ.
فَأَمَّا الْعَبْدُ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً، فَتَرَبُّصُهَا كَتَرَبُّصِ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْحُرِّ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَهِيَ كَالْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ.
وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ نِصْفُ أَجَلِ الْحُرِّ.
وَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَبُّصٌ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِفُرْقَةِ زَوْجِهَا، فَأَشْبَهَ الْعِدَّةَ.

[فَصْلٌ غَابَ رَجُلٌ عَنْ زَوْجَتِهِ فَشَهِدَ ثِقَاتٌ بِوَفَاتِهِ]

(6361) فَصْلٌ: فَإِنْ غَابَ رَجُلٌ عَنْ زَوْجَتِهِ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ بِوَفَاتِهِ، فَاعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ لِلْوَفَاةِ، أُبِيحَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ، يُخَيَّرُ زَوْجُهَا بَيْنَ أَخْذِهَا، وَتَرْكِهَا وَلَهُ الصَّدَاقُ.
وَكَذَلِكَ إنْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ بِمَوْتِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ سُهَيَّةَ، أَنَّ زَوْجَهَا صَيْفِيَّ بْنَ فُسَيْلٍ، نُعِيَ لَهَا مِنْ قَنْدَابِيلَ، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ، ثُمَّ إنَّ زَوْجَهَا الْأَوَّلَ قَدِمَ، فَأَتَيْنَا عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: كَيْفَ أَقْضِي بَيْنَكُمْ وَأَنَا عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَقُلْنَا: قَدْ رَضِينَا بِقَوْلِكَ.
فَقَضَى أَنْ يُخَيَّرَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ.
فَرَجَعْنَا.
فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أَتَيْنَا عَلِيًّا، فَخَيَّرَ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، فَاخْتَارَ الصَّدَاقَ، فَأَخَذَ مِنِّي أَلْفَيْنِ، وَمِنْ زَوْجِي الْآخَرِ أَلْفَيْنِ.
فَإِنْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِشَهَادَةِ مَحْصُورَةٍ، فَمَا حَصَلَ مِنْ غَرَامَةٍ فَعَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ فِي إيجَابِهَا.
وَإِنْ شَهِدُوا بِمَوْتِ رَجُلٍ، فَقُسِّمَ مَالُهُ، ثُمَّ قَدِمَ، فَمَا وَجَدَ مِنْ مَالِهِ أَخَذَهُ.
وَمَا تَلِفَ مِنْهُ أَوْ تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ فِيهِ، فَلَهُ تَضْمِينُ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْمُتْلِفِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.

[فَصْل نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً نِكَاحًا مُتَّفَقًا عَلَى بُطْلَانِهِ]

(6362) فَصْلٌ: وَإِذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً نِكَاحًا مُتَّفَقًا عَلَى بُطْلَانِهِ، مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ ذَاتَ مَحْرَمِهِ، أَوْ مُعْتَدَّةً يَعْلَمُ حَالَهَا وَتَحْرِيمَهَا، فَلَا حُكْمَ لِعَقْدِهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهَا كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، لَا تُوجِبُ عِدَّةً، وَكَذَلِكَ الْمَوْتُ عَنْهَا لَا يُوجِبُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ.
وَإِنْ وَطِئَهَا، اعْتَدَّتْ لِوَطْئِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ مُنْذُ وَطِئَهَا، سَوَاءٌ فَارَقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، كَمَا لَوْ زَنَى بِهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ.
وَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنْ مَاتَ عَنْهَا، فَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَلَيْهَا عِدَّةَ الْوَفَاةِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُثْبِتُ الْحِلَّ، فَأَشْبَهَ الْبَاطِلَ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ نِكَاحٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، فَوَجَبَتْ بِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَفَارَقَ الْبَاطِلَ، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ.
وَإِنْ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، اعْتَدَّتْ بَعْدَ فُرْقَتِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْخَلْوَةِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمُفَارِقَةَ فِي الْحَيَاةِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، بِلَا خِلَافٍ، فَفِي الْفَاسِدِ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْخَلْوَةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ، فَكَذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا خَلْوَةٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهْت الَّتِي نِكَاحُهَا بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْخَلْوَةَ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لَا تُوجِبُ الْعِدَّةَ، فَفِي الْفَاسِدِ أَوْلَى.
وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.

[فَصْلٌ عِدَّةِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا]

(6363) فَصْلٌ: فِي عِدَّةِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا.
وَمَتَى كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالْحَمْلِ أَوْ بِالْقُرُوءِ، فَعِدَّتُهَا كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ لَا تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ بِالْقُرُوءِ قُرْءَانِ، فَأَدْنَى مَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ يُوجِبُ قُرْءًا ثَالِثًا، لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ.
وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالشُّهُورِ؛ إمَّا لِلْوَفَاةِ، وَإِمَّا لِلْإِيَاسِ أَوْ الصِّغَرِ، فَعِدَّتُهَا بِالْحِسَابِ مِنْ عِدَّةِ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا، فَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ، فَعَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِ لَيَالٍ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يُحْسَبُ مَعَ النَّهَارِ، فَيَكُونُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالشُّهُورِ عَنْ الطَّلَاقِ، وَقُلْنَا: إنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ شَهْرٌ وَنِصْفٌ.
كَانَ عِدَّةُ الْمُعْتَقِ نِصْفُهَا شَهْرَيْنِ وَرُبْعًا.
وَإِنْ قُلْنَا: عِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
فَعِدَّةُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا، كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ، سَوَاءً.
وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرَةُ، وَالْمُكَاتَبَةُ، عِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْأَمَةِ، سَوَاءً؛ لِأَنَّهُنَّ إمَاءٌ.

[مَسْأَلَة أُمُّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا]

(6364) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا، فَلَا تُنْكَحُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كَامِلَةً) هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي عِيَاضٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تُفْسِدُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَّةُ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، كَالزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، رِوَايَةً ثَالِثَةً، أَنَّهَا تَعْتَدُّ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ.
وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي (الْجَامِعِ) ، وَلَا أَظُنُّهَا صَحِيحَةً عَنْ أَحْمَدَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ؛ وَلِأَنَّهَا حِينَ الْمَوْتِ أَمَةٌ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا عِدَّةَ الْأَمَةِ، كَمَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، فَعَتَقَتْ بَعْد مَوْتِهِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ تُسْتَبْرَأُ، فَكَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، كَالْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ وَلَنَا أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقَبَةِ، فَكَانَ حَيْضَةً فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ، كَسَائِرِ اسْتِبْرَاءِ الْمُعْتَقَاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِغَيْرِ الزَّوْجَاتِ وَالْمَوْطُوآت بِشُبْهَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] . مَا هُنَّ

بِأَزْوَاجٍ.
فَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَضَعِيفٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ضَعَّفَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: لَا يَصِحُّ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْجَبُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا؟ وَقَالَ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ إنَّمَا هِيَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ أَمَةٌ خَرَجَتْ مِنْ الرِّقِّ إلَى الْحُرِّيَّةِ.
وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا أَنْ يُوَرِّثَهَا.
وَلَيْسَ لِقَوْلِ: تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَجْهٌ، وَإِنَّمَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مُطَلَّقَةً، وَلَا فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ إيَّاهَا عَلَى الزَّوْجَاتِ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَلَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ، وَلَا مُطَلَّقَةً، وَلَا فِي حُكْمِ الْمُطَلَّقَةِ.

[فَصْلٌ مَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْحَمْلِ]

(6365) فَصْلٌ: وَلَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ طُهْرٌ وَاحِدٌ، وَلَا بَعْضُ حَيْضَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: مَتَى طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ، فَقَدْ تَمَّ اسْتِبْرَاؤُهَا.
وَزَعَمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَكْفِي طُهْرٌ وَاحِدٌ إذَا كَانَ كَامِلًا، وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ فِي حَيْضِهَا، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ، حَلَّتْ، وَتَمَّ اسْتِبْرَاؤُهَا.
وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ كُلِّهِ، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . وَقَالَ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَطَأْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ.
وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِبْرَاءٌ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ هُوَ الْحَيْضُ، فَإِنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ.
فَأَمَّا الطُّهْرُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوَّلَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى مَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ، دُونَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَبِنَاؤُهُمْ قَوْلَهُمْ هَذَا عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ.
بِنَاءٌ لِلْخِلَافِ عَلَى الْخِلَافِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ، ثُمَّ لَمْ يُمْكِنْهُمْ بِنَاءُ هَذَا عَلَى ذَاكَ حَتَّى خَالَفُوهُ، فَجَعَلُوا الطُّهْرَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ قُرْءًا، وَلَمْ يَجْعَلُوا الطُّهْرَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ قُرْءًا، وَخَالَفُوا الْحَدِيثَ وَالْمَعْنَى.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ بَعْضَ الْحَيْضَةِ الْمُقْتَرِنَ بِالطُّهْرِ يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ.
قُلْنَا: فَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ حِينَئِذٍ عَلَى بَعْضِ الْحَيْضَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قُرْءًا عِنْدَ أَحَدٍ.
فَإِذَا تُقَرَّرَ هَذَا، فَإِنْ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ طَاهِرٌ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ

الْمُسْتَقْبَلَةِ حَلَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، لَمْ تَعْتَدَّ بِبَقِيَّةِ تِلْكَ الْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ مَتَى طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ حَلَّتْ؛ لِأَنَّ اسْتِبْرَاءَ هَذِهِ بِحَيْضَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ.

[مَسْأَلَة عِدَّة الْأَيِسَة]

(6366) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ آيِسًا، فَبِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالْقَوَابِلَ، فَقَالُوا: لَا تُسْتَبْرَأُ الْحُبْلَى فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
فَأَعْجَبَهُ قَوْلُهُمْ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ.
وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقُرْءِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً ثَالِثَةً، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرَيْنِ.
كَعِدَّةِ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ.
وَلَمْ أَرَ لِذَلِكَ وَجْهًا، وَلَوْ كَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِشَهْرَيْنِ، لَكَانَ اسْتِبْرَاءُ ذَاتِ الْقُرْءِ بِقُرْأَيْنِ، وَلَمْ نَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَكَمُ، فِي الْأَمَةِ الَّتِي لَا تَحِيضُ: تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ.
وَرَوَاهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: إنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ، فَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً.
قَالَ عَمِّي: كَذَلِكَ أَذْهَبُ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْآيِسَةِ كَذَلِكَ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ الْأَوَّلُ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ جَعَلْت ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مَكَانَ حَيْضَةٍ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مَكَانَ كُلِّ حَيْضَةٍ شَهْرًا؟ فَقَالَ: إنَّمَا قُلْنَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْقَوَابِلَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ النُّطْفَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَإِذَا خَرَجَتْ الثَّمَانُونَ، صَارَ بَعْدَهَا مُضْغَةً، وَهِيَ لَحْمٌ، فَتَبَيَّنَ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ لِي: هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ النِّسَاءِ.
فَأَمَّا شَهْرٌ، فَلَا مَعْنَى فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا.
وَوَجْهُ اسْتِبْرَائِهَا بِشَهْرٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الشَّهْرَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ الشُّهُورُ بِاخْتِلَافِ الْحَيْضَاتِ، فَكَانَتْ عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، مَكَانَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَيْنِ، مَكَانَ قُرْأَيْنِ، وَلِلْأَمَةِ الْمُسْتَبْرَأَةِ الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا عَشْرَةُ أَشْهُرٍ؛ تِسْعَةٌ لِلْحَمْلِ، وَشَهْرٌ مَكَانَ الْحَيْضَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ هَاهُنَا شَهْرٌ، كَمَا فِي حَقِّ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وُجِدَ ثَمَّ مَا دَلَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَهُوَ تَرَبُّصُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ.
قُلْنَا: وَهَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَهُوَ الْإِيَاسُ، فَاسْتَوَيَا.

[مَسْأَلَة ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ الْعِدَّة]

(6367) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَشَهْرٍ مَكَانَ الْحَيْضَةِ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ.
وَالثَّانِيَةُ بِسَنَةٍ؛ تِسْعَةُ أَشْهُرِ لِلْحَمْلِ، لِأَنَّهَا غَالِبُ مُدَّتِهِ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مَكَانَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُسْتَبْرَأُ بِهَا الْآيِسَاتُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْآيِسَةِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمُخْتَارَ عَنْ أَحْمَدَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَهَاهُنَا جَعَلَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ شَهْرًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ تَكْرَارِهَا فِي الْآيِسَةِ، لِتُعْلَمَ بَرَاءَتُهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَقَدْ عُلِمَ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ هَاهُنَا بِمُضِيِّ غَالِبِ مُدَّتِهِ، فَجُعِلَ الشَّهْرُ مَكَانَ الْحَيْضَةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ.

[فَصْلٌ عَلِمَتْ مَا رَفَعَ الْحَيْضَ فِي الْعِدَّة]

(6368) فَصْلٌ: وَإِنْ عَلِمَتْ مَا رَفَعَ الْحَيْضَ، لَمْ تَزَلْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ، فَتَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِحَيْضَةٍ، إلَّا أَنْ تَصِيرَ آيِسَةً، فَتَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا اسْتِبْرَاءَ الْآيِسَاتِ.
وَإِنْ ارْتَابَتْ بِنَفْسِهَا، فَهِيَ كَالْحُرَّةِ الْمُسْتَرِيبَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة عِدَّة الْحَامِلِ]

(6369) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَحَتَّى تَضَعَ) وَهَذِهِ، بِحَمْدِ اللَّهِ، لَا خِلَافَ فِيهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» . وَلِأَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمُطَلَّقَةِ وَاسْتِبْرَاءَ كُلِّ أَمَةٍ إذَا كَانَتْ حَامِلًا بِوَضْعِ حَمْلِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِوَضْعِهِ، وَمَتَى كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
فَلَا يَنْقَضِي اسْتِبْرَاؤُهَا حَتَّى تَضَعَ آخِرَ حَمْلِهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُعْتَدَّةِ.

[فَصْلٌ زَوَّجَ أُمُّ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ فِي الْعِدَّةِ]

(6370) فَصْلٌ: وَإِذَا زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ، عَتَقَتْ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمَوْلَى، وَلَيْسَتْ لَهُ فِرَاشًا، وَإِنَّمَا هِيَ فِرَاشٌ لِلزَّوْجِ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الِاسْتِبْرَاءُ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ فِرَاشًا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى اسْتَبْرَأَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا.
فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ

الْمَسِيسِ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، فَعَلَيْهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ كَامِلَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حُرَّةً فِي حَالِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا.
وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ فِي عِدَّةِ الزَّوْجِ، عَتَقَتْ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ زَالَ فِرَاشُهُ عَنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ مِنْ أَجْلِهِ، كَغَيْرِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا بَاعَهَا ثُمَّ مَاتَ.
وَتَبْنِي عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ إنْ كَانَ طَلَاقُهَا بَائِنًا، أَوْ كَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ، عَلَى مَا مَضَى.
وَإِنْ بَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ، أَوْ بَانَتْ بِمَوْتِ زَوْجِهَا، أَوْ طَلَاقِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَقَضَتْ عِدَّتَهُ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا، فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى فِرَاشِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ، إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا السَّيِّدُ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ فِرَاشَهُ قَدْ زَالَ بِتَزْوِيجِهَا، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهَا مَا يَرُدُّهَا إلَيْهِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَمَةَ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ.

[فَصْلٌ عِدَّة الْأَمَة الَّتِي مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا وَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا]

(6371) فَصْلٌ: فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَيَّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، لَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّ فِرَاشَ سَيِّدِهَا قَدْ زَالَ عَنْهَا، وَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِوَفَاةِ زَوْجِهَا عِدَّةَ الْحَرَائِرِ؛ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ أَوَّلًا، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ حُرَّةً فَلَزِمَهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ، لِتَخْرُجَ مِنْ الْعِدَّةِ بِيَقِينٍ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، إنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ فَمَا دُونُ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ مَاتَ أَوَّلًا، فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ آخِرًا، فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عِدَّةَ الْحُرَّةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهَا بَعْد مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ، مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَاسْتِبْرَاءٍ بِحَيْضَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ السَّيِّدَ مَاتَ أَوَّلًا، فَيَكُونُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ آخِرًا، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَعَوْدِهَا إلَى فِرَاشِهِ، فَلَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْقَائِلِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا بِحَيْضَةٍ، وَمِنْ زَوْجِهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ، فَإِنْ جُهِلَ مَا بَيْنَ مَوْتِهِمَا، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ، احْتِيَاطًا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ، كَمَا أَخَذْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْإِيجَابِ بَيْنَ عِدَّةِ حُرَّةٍ وَحَيْضَةٍ، فِيمَا إذَا عَلِمْنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ.
وَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِثْلُ قَوْلِنَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَكَانَ الْحَيْضَةِ ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي اسْتِبْرَاءِ أُمِّ الْوَلَدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ، وَعَلَيْهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَلَا أَنْقُلُهَا إلَى حُكْمِ الْحَرَائِرِ إلَّا بِإِحَاطَةِ

أَنَّ الزَّوْجَ مَاتَ بَعْدَ الْمَوْلَى.
وَقِيلَ: إنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا.
وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَحْوَطُ.
فَأَمَّا الْمِيرَاثُ، فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ مِنْ زَوْجِهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ، وَالْحُرِّيَّةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَلَمْ تَرِثْ مَعَ الشَّكِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْثِ وَالْعِدَّةِ، أَنَّ إيجَابَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا اسْتِظْهَارٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِيجَابَ الْإِرْثِ إسْقَاطٌ لِحَقِّ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمِيرَاثِ لَهَا، فَلَا تَرِثُ إلَّا بِيَقِينٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ لَوْ مَاتَتْ وُقِفَ مِيرَاثُهُ مِنْهَا مَعَ الشَّكِّ فِي إرْثِهِ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ هَاهُنَا الرِّقُّ، وَالشَّكُّ فِي زَوَالِهِ وَحُدُوثِ الْحَالِ الَّتِي يَرِثُ فِيهَا، وَالْمَفْقُودُ الْأَصْلُ حَيَاتُهُ، وَالشَّكُّ فِي مَوْتِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا، فَافْتَرَقَا.

[مَسْأَلَة أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا فَمَا عُدْتهَا]

(6372) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا) ، (لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كَامِلَةً، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا، وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ، ثُمَّ زَوَّجَهَا) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هَاهُنَا بِحَيْضَةٍ فِي ذَاتِ الْقُرُوءِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، فِي مَنْ أَرَادَ تَزْوِيجَ أَمَةٍ كَانَ يُصِيبُهَا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّ لَهُ بَيْعَهَا، فَكَانَ لَهُ تَزْوِيجُهَا، كَاَلَّتِي لَا يُصِيبُهَا.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ: عِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ، كَعِدَّةِ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ.
وَلَنَا أَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ مَوْطُوءَةٌ وَطْئًا لَهُ حُرْمَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا سَيِّدُهَا الْيَوْمَ، ثُمَّ زَوَّجَهَا، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فِي آخِرِ الْيَوْمِ، أَفْضَى إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُشْتَرِيهَا وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، فَلَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ فِي الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ، بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ.

[فَصْلٌ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَات الْقُرُوءِ فَمَا هِيَ عِدَّتُهَا]

(6373) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِمَا ذَكَرْنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ، عَلَى مَا شَرَحْنَا.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَمَةً لَا يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا لِسَيِّدِهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الِاسْتِبْرَاءُ، كَالْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ، وَلِأَنَّ تَرْكَهَا بِالِاسْتِبْرَاءِ لَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ، بِخِلَافِ الْمَوْطُوءَةِ.

[فَصْلٌ مَاتَ عَنْ أَمَةٍ كَانَ يُصِيبُهَا فَمَا هِيَ عِدَّتُهَا]

(6374) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ عَنْ أَمَةٍ كَانَ يُصِيبُهَا، فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِمَا ذَكَرْنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا، فَأَشْبَهَتْ

أُمَّ الْوَلَدِ، إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ حُرَّةً.

[فَصْل أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا فَمَا هِيَ عِدَّتُهَا]

فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا، أَوْ غَيْرَهَا مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ إصَابَتُهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَالِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ يُوَفَّوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ؛ رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنِ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا» . وَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِبْرَاءً، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاء لِصِيَانَةِ مَائِهِ وَحِفْظِهِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِمَاءِ غَيْرِهِ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُخْتَلِعَتَهُ فِي عِدَّتِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْأَمَةِ الَّتِي لَا يَطَؤُهَا إذَا أَعْتَقَهَا: لَا يَتَزَوَّجُهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا لَمْ تَحِلّ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ بِالنِّكَاحِ، كَاَلَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا، وَلَمْ يَنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ أَصَابَهَا، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى حِلِّهَا لَهُ بِظَاهِرِهِ، لِدُخُولِهَا فِي الْعُمُومِ، وَلِأَنَّهَا تَحِلُّ لِمَنْ تَزَوَّجَهَا سِوَاهُ، فَلَهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَالِ، كَانَ جَائِزًا حَسَنًا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ، فَإِنَّهُ تَارِكٌ لِوَطْئِهَا، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إنَّمَا كَانَ لِصِيَانَةِ مَائِهِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هَاهُنَا.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ، مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا.

[فَصْلٌ اشْتَرَى أَمَةً فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا]

(6376) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً، فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَهُ ذَلِكَ.
وَيُحْكَى أَنَّ الرَّشِيدَ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَتَاقَتْ نَفْسُهُ إلَى جِمَاعهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَأَمَرَهُ أَبُو يُوسُفَ أَنْ يَعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَطَأَهَا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْمَهْدِيَّ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَأَعْجَبَتْهُ، فَقِيلَ لَهُ: اعْتِقْهَا وَتَزَوَّجْهَا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَعْظَمِ هَذَا، أَبْطَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، جَعَلَ اللَّهُ عَلَى الْحَرَائِرِ الْعِدَّةَ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَلَيْسَ مِنْ امْرَأَةٍ تَطْلُقُ أَوْ يَمُوتُ زَوْجُهَا إلَّا تَعْتَدُّ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِحَيْضَةٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَفَرْجٌ يُوطَأُ يَشْتَرِيهِ، ثُمَّ

يَعْتِقُهَا عَلَى الْمَكَانِ، فَيَتَزَوَّجهَا، فَيَطَؤُهَا، يَطَؤُهَا رَجُلٌ الْيَوْمَ وَيَطَؤُهَا الْآخَرُ غَدًا، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَيْفَ يَصْنَعُ؟ هَذَا نَقْضُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُوطَأُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ الْحَامِلِ حَتَّى تَحِيضَ» . وَهَذَا لَا يَدْرِي أَهِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا.
مَا أَسْمَجَ هَذَا، قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ هَذَا: فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَذَا، وَقَبَّحَ مَنْ يَقُولُهُ.
وَفِيمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ كِفَايَةٌ مَعَ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، إذَا لَمْ يَعْتِقْهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّنْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ، كَالْمُعْتَدَّةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَاةُ مِنْ رَجُلٍ يَطَؤُهَا، أَوْ مِنْ رَجُلٍ قَدْ اسْتَبْرَأَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا، أَوْ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَجْبُوبِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا اشْتَرَاهَا مِمَّنْ لَا يَطَؤُهَا، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا، سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا أَوْ لَمْ يُعْتِقْهَا، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا أَعْتَقَهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا، وَقَدْ كَانَ لِسَيِّدِهَا تَزْوِيجُهَا قَبْلَ بَيْعِهَا، فَجَازَ ذَلِكَ بَعْدَ بَيْعِهَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ عَتَقَتْ عَلَى الْبَائِعِ بِإِعْتَاقِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لَجَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ نِكَاحُهَا، فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . وَلِأَنَّهَا أَمَةٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَحَرُمَ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهَا وَالتَّزَوُّجُ بِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ بَائِعُهَا يَطَؤُهَا.
فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا، فَأُبِيحَ لَهَا النِّكَاحُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا الْبَائِعُ، وَفَارَقَ الْمَوْطُوءَةَ؛ فَإِنَّهَا فِرَاشٌ يَجِبُ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا إذَا عَتَقَتْ، فَحَرُمَ عَلَيْهَا النِّكَاحُ، كَالْمُعْتَدَّةِ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَرَادَ سَيِّدُهَا نِكَاحَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، كَالْمُعْتَدَّةِ، وَلِأَنَّ هَذَا يُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى إبْطَالِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَمُنِعَ مِنْهُ، بِخِلَافِ تَزْوِيجِهَا لِغَيْرِهِ.

[فَصْلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا فَاسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا]

(6377) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَاسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا فِرَاشًا بِاسْتِبْرَائِهِ لَهَا.
وَإِنْ بَاعَهَا، فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ وَطْئِهَا، لَمْ تَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَاء لِذَلِكَ.
وَإِنْ بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ وَطْئِهَا وَاسْتِبْرَائِهَا، فَعَلَيْهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا.
وَإِنْ مَضَى بَعْضُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، لَزِمَهَا إتْمَامُهُ بَعْدَ عِتْقِهَا، وَلَا يَنْقَطِعُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا لِلْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ بِإِعْتَاقِهِ.

[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَوَطِئَاهَا]

(6378) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَوَطِئَاهَا، لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ حَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَرَاءَةُ الرَّحِمِ تُعْلَمُ بِاسْتِبْرَاءٍ وَاحِدٍ.

وَلَنَا أَنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا، كَالْعِدَّتَيْنِ، وَلِأَنَّهُمَا اسْتِبْرَاءَانِ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَأَشْبَهَا الْعِدَّتَيْنِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ.

[مَسْأَلَة مَلَكَ أَمَةً يَجِبُ اسْتِبْرَائِهَا أَوَّلًا]

(6379) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَمَنْ مَلَكَ أَمَةً، لَمْ يُصِبْهَا وَلَمْ يُقَبِّلْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا بِحَيْضَةٍ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، إنْ كَانَتْ حَامِلًا، أَوْ بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، إنْ كَانَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ أَوْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَمَةً بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالْإِرْثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، مِمَّنْ تَحْمِلُ أَوْ مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ.
وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالِاسْتِبْرَاءِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي الْبِكْرِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحْمِلُ مِثْلُهَا، لَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاؤُهَا لِذَلِكَ.
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهَا، لَكَانَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُزَوِّجِ دُونَ الزَّوْجِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَامَ أَوْطَاسٍ أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ.
وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: إنَّنِي لَا أَقُولُ إلَّا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السَّبْيِ، حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَطَأُ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّهُ مَلَكَ جَارِيَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، كَالثَّيِّبِ الَّتِي تَحْمِلُ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلِاسْتِبْرَاءِ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَاَلَّتِي تَحْمِلُ وَاَلَّتِي لَا تَحْمِلُ، كَالْعِدَّةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْعَذْرَاءَ تَحْمِلُ.
فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ فِي جِيرَانِنَا.
وَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيِّ، أَوْ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِرَضَاعِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبَتِّيُّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّبْيِ وَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا الْمُشْتَرِي، أَفْضَى إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّزْوِيجِ، أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَادُ إلَّا لِلِاسْتِمْتَاعِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِنْ تَحِلُّ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ، وَلَا مُرْتَدَّةٍ، وَلَا مَجُوسِيَّةٍ،

وَلَا وَثَنِيَّةٍ، وَلَا مُحَرَّمَةٍ بِالرَّضَاعِ وَلَا الْمُصَاهَرَةِ، وَالْبَيْعُ يُرَادُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَصَحَّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلِهَذَا صَحَّ فِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُ قُبْلَتِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا لِشَهْوَةٍ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، قَالَ: تُسْتَبْرَأُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَهْدِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً بِأَيِّ شَيْءٍ تُسْتَبْرَأُ إذَا كَانَتْ رَضِيعَةً.
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، وَإِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُوطَأُ وَتَحْبَلُ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَلَا تَحْرُمُ مُبَاشَرَتُهَا.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِبَاحَةِ مُتَحَقِّقٌ.
وَلَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِهَا دَلِيلٌ، فَإِنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ مُبَاشَرَةِ الْكَبِيرَةِ إنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ دَاعِيًا إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، أَوْ خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُتَوَهَّمُ هَذَا فِي هَذِهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ.
فَأَمَّا مَنْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، فَلَا تَحِلُّ قُبْلَتُهَا، وَلَا الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، إلَّا الْمَسْبِيَّةَ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَحْرُمُ مِنْ الْمُشْتَرَاةِ إلَّا فَرْجُهَا، وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ، مَا لَمْ يَمَسَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا نَهَى عَنْ الْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، فَاخْتُصَّ بِالْفَرْجِ، كَالْحَيْضِ.
وَلَنَا أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَحَرَّمَ الِاسْتِمْتَاعَ، كَالْعِدَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ كَوْنِهَا حَامِلًا مِنْ بَائِعِهَا، فَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأُمِّ وَلَدِ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ لِلْحَيْضِ.
فَأَمَّا الْمَسْبِيَّةُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُ مُبَاشَرَتِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ كُلَّ اسْتِبْرَاءٍ حَرَّمَ الْوَطْءَ حَرَّمَ دَوَاعِيَهُ، كَالْعِدَّةِ، وَلِأَنَّهُ دَاعِيَةٌ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، لِأَجْلِ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَبِيعَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: وَقَعَ فِي سَهْمِي يَوْمَ جَلُولَاءَ جَارِيَةٌ، كَأَنَّ عُنُقَهَا إبْرِيقُ فِضَّةٍ، فَمَا مَلَكْت نَفْسِي أَنْ قُمْت إلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ.
وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَسْبِيَّةِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْمَبِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ، فَيَكُونَ مُسْتَمْتِعًا بِأُمِّ وَلَدِ غَيْرِهِ، وَمُبَاشِرًا لِمَمْلُوكَةِ غَيْرِهِ، وَالْمَسْبِيَّةُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا لِئَلَّا يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا.
يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِجَمِيعِهَا، وَلَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا، ثُمَّ مَلَكَ بَاقِيَهَا، لَمْ يُحْتَسَب الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا مِنْ حِينِ مَلَكَ بَاقِيهَا.
وَإِنْ مَلَكَهَا بِبَيْعِ فِيهِ الْخِيَارُ، انْبَنَى عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ فِي مُدَّتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَقِلُ.
فَابْتِدَاءُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْتَقِلُ.
فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا، فَابْتِدَاء الْخِيَارَ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ؛

لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَهَلْ يُبْتَدَأُ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، مِنْ حِينِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِهِ.
وَالثَّانِي، مِنْ حِينِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَتِهَا مِنْ مَاءِ الْبَائِعِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ.
وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدُهُ التَّاجِرُ أَمَةً، فَاسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ صَارَتْ إلَى السَّيِّدِ، حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ عَلَى مَا فِي يَدِ عَبْدِهِ، فَقَدْ حَصَلَ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي مِلْكِهِ.
وَإِنْ اشْتَرَى مُكَاتِبُهُ أَمَةً، فَاسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ صَارَتْ إلَى سَيِّدِهِ، فَعَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَجَدَّدَ عَلَيْهَا، إذْ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مِلْكٌ عَلَى مَا فِي يَدِ مُكَاتِبِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ مِنْ ذَوَات مَحَارِمِ الْمُكَاتِبِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تُبَاحُ لِلسَّيِّدِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُكَاتِبِ، إنْ رَقَّ رَقَّتْ، وَإِنْ عَتَقَ عَتَقَتْ، وَالْمُكَاتِبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَالِاسْتِبْرَاءُ الْوَاجِبُ هَاهُنَا فِي حَقِّ الْحَامِلِ بِوَضْعِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي ذَاتِ الْقُرُوءِ بِحَيْضَةٍ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ: بِحَيْضَتَيْنِ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَلِلْمَعْنَى؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِحَيْضَةٍ، وَفِي الْآيِسَةِ وَاَلَّتِي لَمْ تَحِضْ وَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ.

[فَصْلٌ مَلَكَ مَجُوسِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا]

(6380) فَصْلٌ: وَمَنْ مَلَكَ مَجُوسِيَّةً، أَوْ وَثَنِيَّةً، فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، أَوْ تُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا؛ لِمَا مَضَى.
وَإِنْ اسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ، حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ اسْتِبْرَائِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تُجَدِّدَ اسْتِبْرَاءَهَا بَعْدَ إسْلَامِهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَجَدَّدَ عَلَى اسْتِمْتَاعِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَنْ تَجَدَّدَ مِلْكُهُ عَلَى رَقَبَتِهَا.
وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . وَهَذَا وَرَدَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ، وَكُنَّ مُشْرِكَاتٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِي حَقِّهِنَّ بِأَكْثَرَ مِنْ حَيْضَةٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ مِلْكُهُ عَلَيْهَا، وَلَا أَصَابَهَا وَطْءٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا، كَمَا لَوْ حَلَّتْ الْمُحَرَّمَةُ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إنَّمَا وَجَبَ كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ تَجَدُّدُ الْمِلْكِ عَلَى رَقَبَتِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَلَوْ بَاعَ أَمَتَهُ، ثُمَّ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ إقَالَةٍ بَعْدَ قَبْضِهَا أَوْ افْتِرَاقِهِمَا، لَزِمَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي لَهَا امْرَأَةً أَوْ غَيْرَهَا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا، أَوْ قَبْلَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي بِالْجَارِيَةِ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا تَقَابَلَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ مَعَ تَعَيُّنِ الْبَرَاءَةِ.

[فَصْلٌ زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ]

(6381) فَصْلٌ: وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَلَكِنْ إنْ طَلُقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
وَلَوْ ارْتَدَّتْ أَمَتَهُ، أَوْ كَاتَبَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْمُرْتَدَّةُ، وَعَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ، حَلَّتْ لِسَيِّدِهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ اسْتِمْتَاعِهَا، ثُمَّ عَادَ، فَأَشْبَهَتْ الْمُشْتَرَاةَ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ مِلْكُهُ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَتْ الْمُحَرَّمَةَ إذَا حَلَّتْ، وَالْمَرْهُونَةَ إذَا فُكَّتْ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي حِلِّهِمَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ شُرِعَ لِمَعْنًى مَظِنَّتُهُ تَجَدُّدُ الْمِلْكِ، فَلَا يُشْرَعُ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَظِنَّةِ وَالْمَعْنَى.

[فَصْلٌ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوِّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ]

(6382) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ تُبَحْ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: هَذِهِ حِيلَةٌ وَضَعَهَا أَهْلُ الرَّأْيِ، لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَاءٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ تَجَدَّدَ الْمِلْكُ فِيهَا، وَلَمْ يَحْصُلْ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ تَحِلَّ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً، وَلِأَنَّ إسْقَاطَ الِاسْتِبْرَاءِ هَاهُنَا ذَرِيعَةٌ إلَى إسْقَاطِهِ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ إسْقَاطَهُ، بِأَنْ يُزَوِّجَهَا عِنْدَ بَيْعِهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ، وَالْحِيَلُ حَرَامٌ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الزَّوْجُ دَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا.
فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ اسْتِبْرَاؤُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِالْعِدَّةِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ عَتَقَتْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَعَ الْعِدَّةِ اسْتِبْرَاءٌ، وَلِأَنَّهَا قَدْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِمَّنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ، فَأَجْزَأَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنْ سَيِّدِهَا إذَا كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ.
وَإِنْ اشْتَرَاهَا، وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ زَوْجِهَا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لِسَيِّدِهَا، وَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ الزَّوْجِ بِالْعِدَّةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ عَتَقَتْ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي الْمُزَوَّجَةِ: هَلْ يَدْخُلُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْعِدَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي الْمُعْتَدَّةِ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ اسْتِبْرَاؤُهَا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَا يَتَدَاخَلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلَيْنِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِأَنَّهَا حِيلَةٌ وَضَعَهَا أَهْلُ الرَّأْيِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هَاهُنَا، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ رَجُلَيْنِ.
فَإِنَّ السَّيِّدَ هَاهُنَا لَيْسَ لَهُ اسْتِبْرَاءٌ.

[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ لِرَجُلَيْنِ فَوَطِئَاهَا ثُمَّ بَاعَاهَا لِرَجُلٍ]

(6383) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ لِرَجُلَيْنِ، فَوَطِئَاهَا، ثُمَّ بَاعَاهَا لِرَجُلٍ، أَجْزَأَهُ اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْبَرَاءَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَعْتَقَهَا لَأَلْزَمْتُمُوهَا اسْتِبْرَاءَيْنِ.
قُلْنَا: وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي حَقِّ الْمُعْتَقَةِ مُعَلَّلٌ بِالْوَطْءِ،

وَلِذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهَا وَهِيَ مِمَّنْ لَا يَطَؤُهَا، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ، وَقَدْ وُجِدَ الْوَطْءُ مِنْ اثْنَيْنِ، فَلَزِمَهَا حُكْمُ وَطْئِهِمَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا هُوَ مُعَلَّلٌ بِتَجْدِيدِ الْمِلْكِ لَا غَيْرُ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الِاسْتِبْرَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ سَيِّدُهَا يَطَؤُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَالْمِلْكُ وَاحِدٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَجَدَّدَ الِاسْتِبْرَاءُ.

[فَصْل اشْتَرَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ]

(6384) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا مِنْ مَائِهِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ؛ لِيَعْلَمَ هَلْ الْوَلَدُ مِنْ النِّكَاحِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لَهُ، لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِهِ لَهُ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ هُوَ حَادِثٌ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ، وَتَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ؟ وَمَتَى تَبَيَّنَ حَمْلُهَا فَلَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ الْحَمْلُ، وَزَالَ الِاشْتِبَاهُ.

[فَصْلٌ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا]

(6385) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، أَثِمَ، وَالِاسْتِبْرَاءُ بَاقٍ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِعُدْوَانِهِ.
فَإِنْ لَمْ تَعْلَقْ مِنْهُ، اسْتَبْرَأَهَا بِمَا كَانَ يَسْتَبْرِئُهَا بِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ، وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَمَتَى وَضَعَتْ حَمْلَهَا، اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا.
وَإِنْ وَطِئَهَا، وَهِيَ حَامِلٌ حَمْلًا كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ، فَمَتَى وَضَعَتْ حَمْلَهَا انْقَضَى اسْتِبْرَاؤُهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يَلْحَقُ بِالْمُشْتَرِي، وَلَا يَتْبَعُهُ، وَلَكِنْ يَعْتِقُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ مَرَّ بِامْرَأَةِ مُجِحٍّ، عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا.
فَقَالُوا: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، أَوْ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ» وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إنَّ اسْتَلْحَقَهُ وَشَرَكَهُ فِي مِيرَاثِهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ مَمْلُوكًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَكَ فِيهِ، لِكَوْنِ الْوَطْءِ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَطْءِ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

(6386) فَصْلٌ: وَمَنْ أَرَادَ بَيْعَ أَمَتِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، لِيُعْلَمَ خُلُوُّهَا مِنْ الْحَمْلِ، فَيَكُونَ أَحْوَطَ لِلْمُشْتَرِي، وَأَقْطَعَ لِلنِّزَاعِ قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنْ كَانَتْ لِامْرَأَةٍ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ لَا تَبِيعَهَا حَتَّى تَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ، فَهُوَ أَحْوَطُ لَهَا.
وَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا، وَكَانَتْ آيِسَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْحَمْلِ مَعْلُومٌ.
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحْمِلُ، وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بَاعَ جَارِيَةً كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا.
وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ آكَدُ، وَلَا يَجِبُ قَبْلَ النِّكَاحِ وَبَعْدَهُ، كَذَلِكَ لَا يَجِبُ فِي الْأَمَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْعَ جَارِيَةٍ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَاعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَارِيَةً كَانَ يَقَعُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهَا، فَخَاصَمُوهُ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كُنْت تَقَعُ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَبِعْتهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَبْرِئَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا كُنْت لِذَلِكَ بِخَلِيقٍ.
قَالَ: فَدَعَا الْقَافَةَ، فَنَظَرُوا إلَيْهِ، فَأَلْحَقُوهُ بِهِ.
وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الِاسْتِبْرَاءُ لِحِفْظِ مَائِهِ، فَكَذَلِكَ الْبَائِعُ؛ وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجَوَازِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءِ لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ، فَإِنْ خَالَفَ وَبَاعَ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَمْ يَحْكُمَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ فِي الْأَمَةِ الَّتِي بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا إلَّا بِلَحَاقِ الْوَلَدِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي كُلِّ أَمَةٍ يَطَؤُهَا، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ الْآيِسَةِ وَغَيْرِهَا.
وَالْأُولَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ فِي الْآيِسَةِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ احْتِمَالُ الْحَمْلِ، وَهُوَ وَهْمٌ بَعِيدٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَلَا نُثْبِتُ بِهِ حُكْمًا بِمُجَرَّدِهِ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ]

(6387) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحْوَالٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ يَكُونَ الْبَائِعُ ادَّعَى الْوَلَدَ، فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ لِلْبَائِعِ، وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينَ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، فَالْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ أَحَدِهِمَا لَهَا، وَلِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ

مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، فَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَمْلِكُ فَسْخَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ تَجَدَّدَ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا.
فَإِنْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْهُ، وَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَحْدَهُ، فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي، لَحِقَهُ، وَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إلَيْهِ ظَاهِرًا، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْبَائِعِ فِيمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ الْجَارِيَةَ مَغْصُوبَةٌ أَوْ مُعْتَقَةٌ.
وَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ لِلْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِوَلَدِهِ بِمَالٍ.
وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ كَانَ أَبُوهُ أَحَقَّ بِمِيرَاثِهِ مِنْهُ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ عَبْدَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِالْمُشْتَرِي، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَأَقَرَّ لَهُ الْمُشْتَرِي، لَحِقَهُ، وَبَطَلِ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْبَيْعُ، وَتَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ قَبْلَ بَيْعِهَا.
الْحَالُ الْخَامِسُ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَاعَهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ، وَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَالِ الثَّالِثِ، سَوَاءٌ.

[مَسْأَلَةٌ تَجْتَنِبُ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الطِّيبَ وَالزِّينَةَ]

(6388) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَتَجْتَنِبُ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الطِّيبَ وَالزِّينَةَ، وَالْبَيْتُوتَةَ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا، وَالْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ، وَالنِّقَابَ هَذَا يُسَمَّى الْإِحْدَادَ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ.
وَهُوَ قَوْلٌ شَذَّ بِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَخَالَفَ بِهِ السُّنَّةَ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَالْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ، وَالْكَبِيرَةُ وَالصَّغِيرَةُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا إحْدَادَ عَلَى ذِمِّيَّةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَتَيْنِ.

وَلَنَا، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفَةِ تُسَاوِي الْمُكَلَّفَةَ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَات، كَالْخَمْرِ وَالزِّنَى، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْإِثْمِ، فَكَذَلِكَ الْإِحْدَادُ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الذِّمِّيَّةِ فِي النِّكَاحِ كَحُقُوقِ الْمُسْلِمَةِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا عَلَيْهَا.
(6389) فَصْلٌ: وَلَا إحْدَادَ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجَاتِ، كَأُمِّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الَّتِي يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا، إذَا مَاتَ عَنْهَا، وَلَا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ، وَالْمَزْنِيُّ بِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . وَلَا إحْدَادَ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، لَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ لِزَوْجِهَا، وَتَسْتَشْرِفَ لَهُ، لِيَرْغَبَ فِيهَا، وَتَتَّفِقَ عِنْدَهُ، كَمَا تَفْعَلُ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ.
وَلَا إحْدَادَ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا لَهَا مَنْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ وَيَحِلُّ لَهَا، فَتَحْزَنَ عَلَى فَقْدِهِ.

[فَصْلٌ تَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ مَا يَدْعُو إلَى جِمَاعِهَا]

(6390) فَصْلٌ: وَتَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ مَا يَدْعُو إلَى جِمَاعِهَا، وَيُرَغِّبُ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا، وَيُحَسِّنُهَا، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا الطِّيبُ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْدَادَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمَسُّ طِيبًا، إلَّا عِنْدَ أَدْنَى طُهْرِهَا، إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا لِي

بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الطِّيبَ يُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ، وَيَدْعُو إلَى الْمُبَاشَرَةِ.
وَلَا يَجُوزُ لَهَا اسْتِعْمَالُ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ، كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْبَانِ، وَمَا أَشْبَهُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلطِّيبِ.
فَأَمَّا الْأَدْهَانُ بِغَيْرِ الْمُطَيَّبِ، كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَالسَّمْنِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ.
الثَّانِي: اجْتِنَابُ الزِّينَةِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ.
وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا الزِّينَةُ فِي نَفْسِهَا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَخْتَضِبَ، وَأَنْ تُحَمِّرَ وَجْهَهَا بالكلكون، وَأَنْ تُبَيِّضَهُ بأسفيداج الْعَرَائِسِ، وَأَنْ تَجْعَلَ عَلَيْهِ صَبْرًا يُصَفِّرُهُ، وَأَنْ تَنْقُشَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا، وَأَنْ تُحَفِّفَ وَجْهَهَا، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُحْسِنهَا، وَأَنْ تَكْتَحِلَ بِالْإِثْمِدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد.
وَرَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُحِدُّ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا عِنْدَ أَدْنَى طُهْرِهَا، إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا، بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا.
مَرَّتَيْنِ

أَوْ ثَلَاثًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْت عَلَى عَيْنِيَّ صَبْرًا، فَقَالَ: مَاذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ . قُلْت: إنَّمَا هُوَ صَبْرٌ، لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ.
قَالَ: إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ، لَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ، وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ.
قَالَتْ: قُلْت: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: بِالسِّدْرِ، تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَك» . وَلِأَنَّ الْكُحْلَ مِنْ أَبْلَغِ الزِّينَةِ، وَالزِّينَةُ تَدْعُو إلَيْهَا، وَتُحَرِّكَ الشَّهْوَةَ، فَهِيَ كَالطِّيبِ وَأَبْلَغَ مِنْهُ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ لِلسَّوْدَاءِ أَنْ تَكْتَحِلَ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، فَإِنَّهُ يُزَيِّنُهَا وَيُحَسِّنُهَا.
وَإِنْ اُضْطُرَّتْ الْحَادَّةُ إلَى الْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ لِلتَّدَاوِي، فَلَهَا أَنْ تَكْتَحِلَ لَيْلًا، وَتَمْسَحَهُ نَهَارًا.
وَرَخَّصَ فِيهِ عِنْد الضَّرُورَةِ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أَسِيدٍ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّيَ، وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَيْهَا، فَتَكْتَحِلُ بِالْجَلَاءِ، فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ، تَسْأَلُهَا عَنْ كُحْلِ الْجَلَاءِ، فَقَالَتْ: لَا تَكْتَحِلِي إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، يَشْتَدُّ عَلَيْك، فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ، وَتَغْسِلِينَهُ بِالنَّهَارِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ، لِأَنَّهُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ، فَأَمَّا الْكُحْلُ بِالتُّوتْيَا والعنزروت وَنَحْوِهِمَا، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا زِينَةَ فِيهِ، بَلْ يُقَبِّحُ الْعَيْنَ، وَيَزِيدُهَا مُرَّهَا.
وَلَا تُمْنَعُ مِنْ جَعْلِ الصَّبْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا مِنْ بَدَنِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ فِي الْوَجْهِ لِأَنَّهُ يُصَفِّرُهُ، فَيُشْبِهُ الْخِضَابَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ» ، وَلَا تُمْنَعُ مِنْ التَّنْظِيفِ بِتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ الْمَنْدُوبِ إلَى حَلْقِهِ، وَلَا مِنْ الِاغْتِسَالِ بِالسِّدْرِ، وَالِامْتِشَاطِ بِهِ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلطِّيبِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: زِينَةُ الثِّيَابِ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ الْمُصْبَغَةُ لِلتَّحْسِينِ، كَالْمُعَصْفَرِ، وَالْمُزَعْفَرِ، وَسَائِرِ الْأَحْمَرِ، وَسَائِرِ الْمُلَوَّنِ لِلتَّحْسِينِ، كَالْأَزْرَقِ الصَّافِي، وَالْأَخْضَرِ الصَّافِي، وَالْأَصْفَرِ، فَلَا يَجُوزُ لُبْسُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَلْبَسُ

ثَوْبًا مَصْبُوغًا» . وَقَوْلُهُ: «لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَ» . فَأَمَّا مَا لَا يُقْصَدُ بِصَبْغِهِ حُسْنُهُ، كَالْكُحْلِيِّ، وَالْأَسْوَدِ، وَالْأَخْضَرِ الْمُشْبَعِ، فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِينَةٍ.
وَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ فِيهِ احْتِمَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لُبْسُهُ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَعُ وَأَحْسَنُ؛ وَلِأَنَّهُ مَصْبُوغٌ لِلْحُسْنِ، فَأَشْبَهَ مَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ» . وَهُوَ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ نَسْجِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُصْبَغْ وَهُوَ ثَوْبٌ، فَأَشْبَهَ مَا كَانَ حَسَنًا مِنْ الثِّيَابِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَأَمَّا الْعَصْبُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَبْتٌ تُصْبَغُ بِهِ الثِّيَابُ.
قَالَ صَاحِبُ الرَّوْضِ الْأَنِفِ الْوَرْسُ وَالْعَصْبُ نَبَتَانِ بِالْيَمَنِ، لَا يَنْبُتَانِ إلَّا بِهِ.
فَأَرْخَصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَادَّةِ فِي لُبْسِ مَا صُبِغَ بِالْعَصْبِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا صُبِغَ لِغَيْرِ التَّحْسِينِ، أَمَّا مَا صُبِغَ غَزْلُهُ لِلتَّحْسِينِ، كَالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ، فَلَا مَعْنَى لِتَجْوِيزِ لُبْسِهِ، مَعَ حُصُولِ الزِّينَةِ بِصَبْغِهِ، كَحُصُولِهَا بِمَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ.
وَلَا تُمْنَعُ مِنْ حِسَانِ الثِّيَابِ غَيْرِ الْمَصْبُوغَةِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ إبْرَيْسَمٍ؛ لِأَنَّ حُسْنَهُ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ تَغْيِيرُهُ، كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ حَسَنَةَ الْخِلْقَةِ، لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تُغَيِّرَ لَوْنَهَا، وَتُشَوِّهَ نَفْسَهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْحُلِيُّ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ الْحُلِيِّ كُلِّهِ، حَتَّى الْخَاتَمِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَا الْحُلِيُّ» . وَقَالَ عَطَاءٌ: يُبَاحُ حُلِيُّ الْفِضَّةِ دُونَ الذَّهَبِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ؛ وَلِأَنَّ الْحُلِيَّ يَزِيدُ حُسْنَهَا، وَيَدْعُو إلَى مُبَاشَرَتِهَا، قَالَتْ امْرَأَةٌ: وَمَا الْحُلِيُّ إلَّا زِينَةٌ لِنَقِيصَةِ ... تُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا (6391) فَصْلٌ: وَالثَّالِثُ مِمَّا تَجْتَنِبُهُ الْحَادَّةُ النِّقَابُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مِثْلُ الْبُرْقُعِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مُشَبَّهَةٌ بِالْمُحْرِمَةِ وَالْمُحْرِمَةُ تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا احْتَاجَتْ إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا أَسْدَلَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَفْعَلُ الْمُحْرِمَةُ.

[فَصْلٌ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا]

(6392) فَصْلٌ: وَالرَّابِعُ الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا.
وَمِمَّنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الِاعْتِدَادَ فِي مَنْزِلِهَا، عُمَرُ، وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، بِالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ، وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى:

﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: 240] . قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ، فَنَسَخَ السُّكْنَى، تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ.
رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَلَنَا، مَا رَوَتْ فُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، «أَنَّهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُ بِطَرَفِ الْقَدُومِ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةٍ.
قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ.
قَالَتْ: فَخَرَجْت حَتَّى إذَا كُنْت فِي الْحُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، دَعَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيْفَ قُلْتِ فَرَدَّدْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: اُمْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
فَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إلَيَّ، فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي مُوَطَّئِهِ، وَالْأَثْرَمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَضَى بِهِ عُثْمَانُ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ الِاعْتِدَادُ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا لِزَوْجِهَا، أَوْ بِإِجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِفُرَيْعَةَ: اُمْكُثِي فِي بَيْتِك» . وَلَمْ تَكُنْ فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ زَوْجُهَا.
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: «اعْتَدِّي فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَتَاك فِيهِ نَعْيُ زَوْجِك» وَفِي لَفْظٍ: «اعْتَدِّي حَيْثُ أَتَاك الْخَبَرُ» فَإِنْ أَتَاهَا الْخَبَرُ فِي غَيْرِ مَسْكَنِهَا، رَجَعَتْ إلَى مَسْكَنِهَا فَاعْتَدَّتْ فِيهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيُّ: لَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا الَّذِي أَتَاهَا فِيهِ نَعْيُ زَوْجِهَا، اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اُمْكُثِي فِي بَيْتِك» وَاللَّفْظُ الْآخَرُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا، فَإِنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ لَا عُمُومَ لَهَا، ثُمَّ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ فِي السُّوقِ وَالطَّرِيقِ وَالْبَرِّيَّةِ، إذَا أَتَاهَا الْخَبَرُ وَهِيَ فِيهَا.
(6393) فَصْلٌ: فَإِنْ خَافَتْ هَدْمًا أَوْ غَرَقًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ حَوَّلَهَا صَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِكَوْنِهِ عَارِيَّةً رَجَعَ فِيهَا، أَوْ بِإِجَارَةٍ انْقَضَتْ مُدَّتُهَا، أَوْ مَنَعَهَا السُّكْنَى تَعَدِّيًا، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إجَارَتِهِ، أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، أَوْ لَمْ تَجِدْ مَا تَكْتَرِي بِهِ، أَوْ لَمْ تَجِدْ إلَّا مِنْ مَالِهَا، فَلَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ؛ لِأَنَّهَا حَالُ عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُهَا بِذَلِكَ أَجْرِ الْمَسْكَنِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهَا فِعْلُ السُّكْنَى، لَا تَحْصِيلُ الْمَسْكَنِ، وَإِذَا تَعَذَّرَتْ السُّكْنَى، سَقَطَتْ، وَلَهَا أَنْ تَسْكُنَ حَيْثُ شَاءَتْ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُهَا النَّقْلَةُ

إلَيْهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَوْضِعِ الْوُجُودِ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجِدُ فِيهِ أَهْلَ السُّهْمَانِ، فَإِنَّهُ يَنْقُلُهَا إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُهُمْ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ لِعُذْرٍ، وَلَمْ يَرِدَ الشَّرْعُ لَهُ بِبَدَلٍ، فَلَا يَجِبُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ الْحَجُّ لِلْعَجْزِ عَنْهُ وَفَوَاتِ شَرْطٍ، وَالْمُعْتَكِفُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِلَا نَصٍّ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، فَإِنَّ مَعْنَى الِاعْتِدَادِ فِي بَيْتِهَا لَا يُوجَدُ فِي السُّكْنَى فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ، وَيُفَارِقُ أَهْلَ السُّهْمَانِ؛ فَإِنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ الْأَقْرَبِ، وَفِي نَقْلِهَا إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُهُ نَفْعُ الْأَقْرَبِ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ.

[فَصْلٌ السُّكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا]

(6394) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا سُكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا، إذَا كَانَتْ حَائِلًا.
رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَوْلَانِ.
وَجْهُ الْوُجُوبِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] . فَنُسِخَ بَعْضُ الْمُدَّةِ، وَبَقِيَ بَاقِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فُرَيْعَةَ بِالسُّكْنَى فِي بَيْتِهَا، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ الْوَرَثَةِ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ السُّكْنَى، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَسْكُنَ إلَّا بِإِذْنِهِمْ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ لِلزَّوْجَةِ ثُمْنَ التَّرِكَةَ أَوْ رُبْعَهَا، وَجَعَلَ بَاقِيَهَا لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَالْمَسْكَنُ مِنْ التَّرِكَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْتَحَقَّ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ زَوْجِهَا، فَأَشْبَهْت الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، وَقُلْنَا: لَهَا السُّكْنَى.
فَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا، فَوَجَبَ لَهَا السُّكْنَى.
قِيَاسًا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ.
فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَأَمَّا أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فُرَيْعَةَ بِالسُّكْنَى، فَقَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلِمَ أَنَّ الْوَارِثَ يَأْذَنُ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ الْأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى عَلَيْهَا، وَيَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْإِمْكَانِ، وَإِذْنُ الْوَارِثِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ الْإِمْكَانُ بِهِ، فَإِذَا قُلْنَا لَهَا السُّكْنَى فَهِيَ أَحَقُّ بِسُكْنَى الْمَسْكَنِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ، مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمُتَوَفَّى، وَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ بَيْعًا يَمْنَعُهَا السُّكْنَى، فِيهِ حَتَّى تَقْضِيَ الْعِدَّةَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَسْكَنُ، فَعَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَكْتَرِيَ لَهَا مَسْكَنًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ مَسْكَنِهَا إلَّا لِعُذْرِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ اتَّفَقَ الْوَارِثُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى نَقْلِهَا عَنْهُ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّكْنَى يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِلْعِدَّةِ، وَالْعِدَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَجُزْ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى إبْطَالِهَا، بِخِلَافِ سُكْنَى النِّكَاحِ؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ لَهُمَا؛ وَلِأَنَّ السُّكْنَى هَاهُنَا مِنْ الْإِحْدَادِ، فَلَمْ يَجُزْ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَرْكِهَا، كَسَائِرِ خِصَالِ الْإِحْدَادِ.
وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهَا، إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِفَاحِشَةِ مُبَيِّنَةٍ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] . وَهِيَ أَنْ تُطَوِّلْ لِسَانَهَا عَلَى أَحْمَائِهَا وَتُؤْذِيهِمْ

بِالسَّبِّ وَنَحْوِهِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ: هِيَ الزِّنَى لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] . وَإِخْرَاجُهُنَّ هُوَ الْإِخْرَاجُ لِإِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَى، ثُمَّ تُرَدُّ إلَى مَكَانِهَا.
وَلَنَا أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي الْإِخْرَاجَ عَنْ السُّكْنَى، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا قَالَاهُ.
وَأَمَّا الْفَاحِشَةُ فَهِيَ اسْمٌ لِلزِّنَى وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْفَاحِشَةِ، يُقَال: أَفْحَشَ فُلَانٌ فِي مَقَالِهِ.
وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْت لَفُلَانٍ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ.
فَلَمَّا دَخَلَ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ.
فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ» . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخْرِجُونَهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ، إلَى مَسْكَنٍ آخَرَ مِنْ الدَّارِ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً تَجْمَعُهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَجْمَعُهُمْ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْ نَقْلُهَا إلَى غَيْرِهِ فِي الدَّارِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ أَذَاهَا بِذَلِكَ، فَلَهُمْ نَقْلُهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَنْتَقِلُونَ هُمْ عَنْهَا؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا وَاجِبٌ فِي الْمَكَانِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبِ عَلَيْهِمْ.
وَالنَّصُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُخْرَجُ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى مَا خَالَفَهُ؛ وَلِأَنَّ الْفَاحِشَةَ مِنْهَا، فَكَانَ الْإِخْرَاجُ لَهَا.
وَإِنْ كَانَ أَحْمَاؤُهَا هُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَهَا، وَيُفْحِشُونَ عَلَيْهَا، نُقِلُوا هُمْ دُونَهَا، فَإِنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِفَاحِشَةٍ، فَلَا تُخْرَجُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ، وَلِأَنَّ الذَّنْبِ لَهُمْ فَيَخُصُّونَ بِالْإِخْرَاجِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَسْكَنُ لِغَيْرِ الْمَيِّتِ فَتَبَرَّعَ صَاحِبُهُ بِإِسْكَانِهَا فِيهِ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ بِهِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْكِنَهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ، وَجَبَ بَذْلُهَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِبَذْلِهَا، فَيَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ بِهِ، فَإِنْ حَوَّلَهَا صَاحِبُ الْمَكَانِ، أَوْ طَلَبَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَعَلَى الْوَرَثَةِ إسْكَانُهَا إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ يُسْتَأْجَرُ لَهَا بِهِ مَسْكَنٌ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا يُقَدَّمُ عَلَى الْمِيرَاثِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ النَّقْلَةَ عَنْ هَذَا الْمَسْكَنِ الَّذِي يَنْقُلُونَهَا إلَيْهِ، فَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا بِهِ حَقٌّ لَهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْمَسْكَنَ الَّذِي كَانَ يَجِبُ عَلَيْهَا السُّكْنَى بِهِ، هُوَ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ حِينَ مَوْتِ زَوْجِهَا، وَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا السُّكْنَى بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسْكَنُ الَّذِي كَانَتْ بِهِ لِأَبَوَيْهَا، أَوْ لَأَحَدِهِمَا، أَوْ لَغَيْرِهِمْ.
وَإِنْ كَانَتْ تَسْكُنُ فِي دَارِهَا فَاخْتَارَتْ الْإِقَامَةَ فِيهَا، وَالسُّكْنَى بِهَا مُتَبَرِّعَةً أَوْ بِأُجْرَةٍ تَأْخُذُهَا مِنْ التَّرِكَةِ، جَازَ، وَيَلْزَمُ الْوَرَثَةَ بَذْلُ الْأُجْرَةِ إذَا طَلَبَتْهَا، وَإِنْ طَلَبَتْ أَنْ تُسْكِنَهَا غَيْرَهَا، وَتَنْتَقِلَ عَنْهَا، فَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُؤْجِرَ دَارَهَا وَلَا تُعِيرَهَا، وَعَلَيْهِمْ إسْكَانُهَا.

[فَصْلٌ تَطَوَّعَ الْوَرَثَةُ بِإِسْكَانِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا]

(6395) فَصْلٌ: فَأَمَّا إذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهَا السُّكْنَى.
فَتَطَوَّعَ الْوَرَثَةُ بِإِسْكَانِهَا فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا، أَوْ السُّلْطَانِ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ بِهِ، وَإِنْ مُنِعَتْ السُّكْنَى بِهِ، أَوْ طَلَبُوا مِنْهَا الْأُجْرَةَ، فَلَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا

أَخْرَجَهَا الْمُؤَجِّرُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ، وَسَوَاءٌ قَدَرَتْ عَلَى الْأُجْرَةِ، أَوْ عَجَزَتْ عَنْهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا تَلْزَمُهَا السُّكْنَى لَا تَحْصِيلُ الْمَسْكَنِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي مَسْكَنٍ لِزَوْجِهَا، فَأَخْرَجَهَا الْوَرَثَةُ مِنْهُ، وَبَذَلُوا لَهَا مَسْكَنًا آخَرَ، لَمْ تَلْزَمْهَا السُّكْنَى.
وَكَذَلِكَ إنْ أُخْرِجَتْ مِنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي هِيَ بِهِ، أَوْ خَرَجَتْ لِأَيِّ عَارِضٍ كَانَ، لَمْ تَلْزَمْهَا السُّكْنَى فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ سِوَاهُ، سَوَاءٌ بَذَلَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا إنَّمَا يَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ فِي بَيْتِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، لَا فِي غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا لَهَا السُّكْنَى، فَتَعَذَّرَ سُكْنَاهَا فِي مَسْكَنِهَا وَبُذِلَ لَهَا سِوَاهُ.
وَإِنْ طَلَبَتْ مَسْكَنًا سِوَاهُ، لَزِمَ الْوَرَثَةَ تَحْصِيلُهُ، بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، إنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ تَرِكَةً تَفِي بِذَلِكَ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمَيِّتِ، فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ؛ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ، ضَرَبَتْ بِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا مُسَاوٍ لِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، وَتَسْتَأْجِرُ بِمَا يُصِيبُهَا مَوْضِعًا تَسْكُنُهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُطَلَّقَةِ إذَا حُجِرَ عَلَى الزَّوْجِ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنَّهَا تَضْرِبُ بِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ لِمُدَّةِ الْعِدَّةِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، إذَا كَانَتْ حَامِلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قَدَّمْتُمْ حَقَّ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ حَقَّهَا ثَبَتَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، فَشَارَكْت الْغُرَمَاءَ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمُفْلِسُ مَالًا لَإِنْسَانٍ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ، وَهِيَ فِي مَسْكَنِهِ، لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَسْكَنِ، قَبْلَ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ حَقُّهَا مُقَدَّمًا كَحَقِّ الْمُرْتَهِنِ.
وَإِنْ طَلَبَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ هَذَا الْمَسْكَنِ، وَتُتْرَكُ السُّكْنَى لَهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى إذَا كَانَتْ حَامِلًا، وَمُدَّةُ الْحَمْلِ مَجْهُولَةٌ، فَتَصِيرُ كَمَا لَوْ بَاعَهَا وَاسْتَثْنَى نَفْعَهَا مُدَّةً مَجْهُولَةً.
وَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ قِسْمَةَ مَسْكَنِهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهَا فِي السُّكْنَى، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادُوا التَّعْلِيمَ بِخُطُوطٍ، مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ وَلَا بِنَاءٍ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِيهِ.
(6396) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مُدَّةِ عِدَّتِهَا.
فَإِنَّهَا تَضْرِبُ بِمُدَّةِ عَادَتِهَا فِي وَضْعِ الْحَمْلِ، إنْ كَانَتْ حَامِلًا، وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، وَقُلْنَا: لَهَا السُّكْنَى.
ضَرَبَتْ بِمُدَّةِ عَادَتِهَا فِي الْقُرُوءِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، ضَرَبَتْ بِغَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ، وَهُوَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، لِكُلِّ قُرْءٍ شَهْرٌ، أَوْ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ، إنْ كَانَ قَدْ مَضَى مِنْ مُدَّةِ حَمْلِهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ الْقِسْمَةِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَإِذَا ضَرَبَتْ بِذَلِكَ، فَوَافَقَ الصَّوَابَ، فَلَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ، اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ، وَتَسْتَأْجِرُ بِمَا يَحْصُلُ لَهَا مَكَانًا تَسْكُنُهُ.
وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ، سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ أَقَلَّ مِمَّا ضَرَبَتْ بِهِ، مِثْلَ إنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ تَرَبَّصَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فِي شَهْرَيْنِ، فَعَلَيْهَا رَدُّ الْفَضْلِ وَتَضْرِبُ فِيهِ بِحِصَّتِهَا مِنْهُ.
وَإِنْ طَالَتْ الْعِدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، مِثْلَ ذَلِكَ مِثْلَ إنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا فِي عَامٍ، أَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فِي نِصْفِ عَامٍ، رَجَعَتْ بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ، كَمَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهَا

فِي صُورَةِ النَّقْصِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَرْجِعَ بِهِ، وَيَكُونَ فِي ذِمَّةِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّنَا قَدَّرْنَا ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزِ الزِّيَادَةِ، فَلَمْ تَكُنْ لَهَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ لِلْمُعْتَدَّةِ الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا]

(6397) فَصْلٌ: وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا.
لِمَا رَوَى «جَابِرٌ قَالَ طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُذُّ نَخْلَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ، فَنَهَاهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ اُخْرُجِي، فَجُذِّي نَخْلَك، لَعَلَّك أَنْ تَصَّدَّقِي مِنْهُ، أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد.
وَرَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: «اُسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَاءَتْ نِسَاؤُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُلْنَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْلِ، أَفَنَبِيتُ عِنْدَ إحْدَانَا، فَإِذَا أَصْبَحْنَا بَادَرْنَا إلَى بُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ، حَتَّى إذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ، فَلْتَؤُبْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا» . وَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، وَلَا الْخُرُوجُ لَيْلًا، إلَّا لِضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ، بِخِلَافِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ قَضَاءِ الْحَوَائِج وَالْمَعَاشِ، وَشِرَاءِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا حَقٌّ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِهَا، كَالْيَمِينِ وَالْحَدِّ، وَكَانَتْ ذَاتَ خِدْرٍ، بَعَثَ إلَيْهَا الْحَاكِمُ مَنْ يَسْتَوْفِي الْحَقَّ مِنْهَا فِي مَنْزِلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً جَازَ إحْضَارُهَا لِاسْتِيفَائِهِ، فَإِذَا فَرَغَتْ رَجَعَتْ إلَى مَنْزِلِهَا.
(6398) فَصْلٌ: وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي الْإِحْدَادِ وَالِاعْتِدَادِ فِي الْمَنْزِلِ، إلَّا أَنَّ سُكْنَاهَا فِي الْعِدَّةِ كَسُكْنَاهَا فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا، لِلسَّيِّدِ إمْسَاكُهَا نَهَارًا، وَإِرْسَالُهَا لَيْلًا، فَإِنْ أَرْسَلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، اعْتَدَّتْ زَمَانَهَا كُلَّهُ فِي الْمَنْزِلِ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ سُكْنَاهَا فِيهِمَا كَالْحُرَّةِ سَوَاءٌ.
(6399) فَصْلٌ: وَالْبَدَوِيَّةُ كَالْحَضَرِيَّةِ فِي الِاعْتِدَادِ فِي مَنْزِلهَا الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيهِ، فَإِنْ انْتَقَلْت الْحِلَّةُ، انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْمُقَامُ وَحْدَهَا، وَإِنْ انْتَقَلَ غَيْرُ أَهْلِهَا لَزِمَهَا الْمُقَامُ مَعَهُمْ، وَإِنْ انْتَقَلَ أَهْلُهَا انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ الْحِلَّةِ مِنْ لَا تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا مَعَهُمْ، فَتَكُونَ مُخَيَّرَةً بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالرَّحِيلِ.
وَإِنْ هَرَبَ أَهْلُهَا فَخَافَتْ هَرَبَتْ مَعَهُمْ، وَإِنْ أَمِنَتْ أَقَامَتْ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ فِي مَنْزِلِهَا.

[فَصْلٌ مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَامْرَأَتُهُ فِي السَّفِينَةِ وَلَهَا مَسْكَنٌ فِي الْبَرِّ]

(6400) فَصْلٌ فَإِنْ: مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَامْرَأَتُهُ فِي السَّفِينَةِ، وَلَهَا مَسْكَنٌ فِي الْبَرِّ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُسَافِرَةِ فِي الْبَرِّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ سِوَاهَا، وَكَانَ فِيهَا بَيْتٌ يُمْكِنُهَا السُّكْنَى فِيهِ، بِحَيْثُ لَا تَجْتَمِعُ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَمْكَنَهَا الْمُقَامُ فِيهِ، بِحَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَعَهَا مَحْرَمُهَا، لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً وَلَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا، أَوْ لَا يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ فِيهَا إلَّا بِحَيْثُ تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ، لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلَى مَوْضِعٍ سِوَاهَا.

[مَسْأَلَةٌ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا تَتَوَقَّى الطِّيبَ وَالزِّينَةَ]

(6401) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا، تَتَوَقَّى الطِّيبَ، وَالزِّينَةَ، وَالْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ؛ فَعَنْهُ، يَجِبُ عَلَيْهَا.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ عَلَيْهَا.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . وَهَذِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْدَادَ إنَّمَا يَجِبُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ غَيْرِ وَفَاةٍ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ، كَالرَّجْعِيَّةِ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَلِأَنَّ الْإِحْدَادَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِإِظْهَارِ الْأَسَفِ عَلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا وَمَوْتِهِ، فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ فَارَقَهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، وَقَطَعَ نِكَاحَهَا، فَلَا مَعْنَى لَتَكْلِيفِهَا الْحُزْنَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدِ، لَحِقَ الزَّوْجَ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَنْفِيه، فَاحْتِيطَ عَلَيْهَا بِالْإِحْدَادِ، لِئَلَّا يَلْحَقَ بِالْمَيِّتِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنَّ زَوْجَهَا بَاقٍ، فَهُوَ يُحْتَاطُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَيَنْفِي وَلَدَهَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ، فَلَزِمَهَا الْإِحْدَادُ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكَاحَ، فَحَرَّمَتْ دَوَاعِيَهُ.
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الرَّجْعِيَّةُ، فَإِنَّهَا زَوْجَةٌ، وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ لَيْسَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ نِكَاحٍ، فَلَمْ تَكْمُلْ الْحُرْمَةُ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَإِنَّمَا مَدْلُولُهُ تَحْرِيمُ الْإِحْدَادِ عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ الزَّوْجِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ وَلِهَذَا جَازَ الْإِحْدَادُ هَاهُنَا بِالْإِجْمَاعِ، فَإِذَا قُلْنَا يَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ، لَزِمَهَا شَيْئَانِ؛ تَوَقِّي الطِّيبِ، وَالزِّينَةِ فِي نَفْسِهَا، عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِيهَا، وَلَا تُمْنَعُ مِنْ النِّقَابِ، وَلَا مِنْ الِاعْتِدَادِ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا، وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ.
عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(6402) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْمَبْتُوتَةُ حَامِلًا، وَجَبَ لَهَا السُّكْنَى، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛

إحْدَاهُمَا، لَا يَجِبُ لَهَا ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُوسٌ، وَالْحَسَنُ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُد.
وَالثَّانِيَةُ يَجِبُ لَهَا ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] . فَأَوْجَبَ لَهُنَّ السُّكْنَى مُطْلَقًا، ثُمَّ خَصَّ الْحَامِلَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.
وَلَنَا مَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ.
فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى.
فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا عُمَرُ، وَقَالَ مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيَّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: لَقَدْ عَابَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَيْبِ،؟ وَقَالَ: إنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَان وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا.؟ وَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ، إنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً، فَوُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى.
قُلْنَا: أَمَّا مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ، فَإِنَّ فَاطِمَةَ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهَا، قَالَتْ: بَيْنِي وَبَيْنكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1] . فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيْفَ

تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا، إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟ فَكَيْفَ تُحْبَسُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ عُمَرَ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا.
فَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ، قَالَ وَلَكِنَّهُ قَالَ: لَا نُجِيزُ فِي دِينِنَا قَوْلَ امْرَأَةٍ.
وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَدْ أَخَذْنَا بِخَبَرِ فُرَيْعَةَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ، وَبِرِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَصَارَ أَهْلُ الْعِلْمِ إلَى خَبَرِ فَاطِمَةَ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، مِثْلَ سُقُوطِ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَنَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى الرِّجَالِ، وَخِطْبَةِ الرَّجُلِ، عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا لَمْ تَكُنْ سَكَنَتْ إلَى الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ مِنْ تَأَوَّلَ حَدِيثَهَا، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهَا تُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ أَعْلَمُ بِحَالِهَا، وَلَمْ يَتَّفِقْ الْمُتَأَوِّلُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَقَدْ رُدَّ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَيْهَا، فَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، لَمَّا قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ: لَئِنْ كَانَتْ إنَّمَا أَخَذَتْ بِمَا أَفْتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فَتَنَتْ النَّاسَ، وَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةً حَسَنَةً، مَعَ أَنَّهَا أَحْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، وَلَا بَيْنهمَا مِيرَاثٌ.
وَقَوْلُ عَائِشَةَ: إنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَان وَحْشٍ.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَا ابْنَةَ آلِ قَيْسٍ، إنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا كَانَ لِزَوْجِك عَلَيْك الرَّجْعَةُ» . هَكَذَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ التَّأْوِيلِ، مَا احْتَاجَ عُمَرُ فِي رَدِّهِ إلَى أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ قَوْلُ امْرَأَةٍ.
ثُمَّ فَاطِمَةُ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ، وَهِيَ أَعْرَفُ بِنَفْسِهَا وَبِحَالِهَا، وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا، وَرَدَّتْ عَلَى مِنْ رَدَّ خَبَرَهَا، أَوْ تَأَوَّلَهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهَا؛ لِمَعْرِفَتِهَا بِنَفْسِهَا، وَمُوَافَقَتِهَا ظَاهِرَ الْخَبَرِ، كَمَا فِي سَائِرِ مَا هَذَا سَبِيلُهُ.

[فَصْلٌ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَسْكُنُهُ الْمُعْتَدَّةُ فِي الطَّلَاقِ]

(6403) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَسْكُنُهُ فِي الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: لَهَا السُّكْنَى.
أَوْ لَمْ نَقُلْ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْن إقْرَارِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ، وَبَيْنَ نَقْلِهَا إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا، وَالْمُسْتَحَبُّ إقْرَارُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] . وَلِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الَّذِينَ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى، يَرَوْنَ وُجُوبَ الِاعْتِدَادِ عَلَيْهَا فِي مَنْزِلِهَا، فَإِنْ كَانَتْ فِي بَيْتٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ سُكْنَاهُ، وَيَصْلُحُ لِمِثْلِهَا، اعْتَدَّتْ فِيهِ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا، انْتَقَلَ عَنْهَا وَتَرَكَهُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ سُكْنَاهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْمَوْضِعُ لَهُمَا، وَفِي الدَّارِ مَوْضِعٌ لَهَا مُنْفَرِدٌ كَالْحُجْرَةِ أَوْ عُلْوِ الدَّارِ أَوْ سُفْلِهَا، وَبَيْنهمَا بَابٌ مُغْلَقٌ، سَكَنَتْ فِيهِ، وَسَكَنَ الزَّوْجُ فِي الْبَاقِي، لِأَنَّهُمَا

كَالْحُجْرَتَيْنِ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا بَابٌ مُغْلَقٌ، لَكِنَّ لَهَا مَوْضِعٌ تَتَسَتَّرُ فِيهِ، بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا، وَمَعَهَا مَحْرَمٌ تَتَحَفَّظُ بِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ مَعَ الْمُحْرِمِ يُؤْمَنُ الْفَسَادُ، وَيُكْرَهُ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ النَّظَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ، لَمْ يَجُزْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إسْكَانِهَا، وَكَانَتْ مِمَّنْ لَهَا عَلَيْهِ السُّكْنَى، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مَعْدُومًا، رَجَعَتْ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مَوْجُودًا، فَهَلْ تَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ الْمَسْكَنِ، فَاكْتَرَتْ لِنَفْسِهَا مَوْضِعًا، أَوْ سَكَنَتْ فِي مَوْضِعٍ تَمْلِكُهُ، لَمْ تَرْجِعْ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّهَا تَبَرَّعَتْ بِذَلِكَ فَلَمْ تَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنَّ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ إسْكَانِهَا؛ لِعُسْرَتِهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ؛ سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ.
وَكَذَلِكَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إذَا لَمْ يُسْكِنْهَا وَرَثَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَلْزَمُهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهِ لِتَحْصِينِ مَائِهِ، فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ، لَمْ يَلْزَمْهَا ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ إلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ بِالْقُرْبِ]

(6404) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَتْ إلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ بِالْقُرْبِ، رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا، فَإِنْ رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ، أَتَتْ بِهِ فِي مَنْزِلِهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ الْوَفَاةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ، وَلَا إلَى غَيْرِهِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَإِنْ خَرَجَتْ، فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي الطَّرِيقِ، رَجَعَتْ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ مَا لَمْ تُحْرِمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا، وَعَلَيْهَا مَشَقَّةٌ، وَلَا لَهَا مِنْ سَفَرٍ وَإِنْ رَجَعَتْ.
قَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ يُحَدَّ الْقَرِيبُ بِمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَالْبَعِيدُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْحَضَرِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى الْقَصْرَ إلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
فَقَالَ: مَتَى كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْكَنِهَا دُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ لَزِمَهَا الْمُضِيُّ إلَى مَقْصِدِهَا، وَالِاعْتِدَادُ فِيهِ إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي مَوْضِعِهَا الَّذِي هِيَ بِهِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ فِيهِ، لَزِمَهَا الْإِقَامَةُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ، مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ فَارَقَتْ الْبُنْيَانَ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَالتَّمَامِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ، وَهُوَ السَّفَرُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ قَدْ بَعُدَتْ.
وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ

الْمُسَيِّبِ قَالَ: تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ، نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ.
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلهَا قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ سَفَرُهَا، فَلَزِمَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ الْبُنْيَانَ.
وَعَلَى أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا يَلْزَمُهَا الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا مَشَقَّةً وَتَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ فِي رُجُوعِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَنْ بَلَغَتْ مَقْصِدَهَا.
وَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَعِيدَةُ الرُّجُوعَ، فَلَهَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ تَصِلُ إلَى مَنْزِلهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا فِي الرُّجُوعِ خَوْفٌ أَوْ ضَرَرٌ، فَلَهَا الْمُضِيُّ فِي سَفَرِهَا، كَمَا لَوْ بَعُدَتْ، وَمَتَى رَجَعَتْ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، مِنْ عِدَّتِهَا، لَزِمَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي مَنْزِلِ زَوْجِهَا، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِيهِ، فَلَزِمَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُسَافِرْ مِنْهُ.
(6405) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا حِجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَمَاتَ زَوْجُهَا، لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْمَنْزِلِ تَفُوتُ، وَلَا بَدَلَ لَهَا، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْعَامِ.
وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ إحْرَامِهَا بِحَجِّ الْفَرْضِ، أَوْ بِحَجِّ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ مُتَّسِعًا، لَا تَخَافُ فَوْتَهُ، وَلَا فَوْتَ الرُّفْقَةِ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ خَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، لَزِمَهَا الْمُضِيُّ فِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهَا الْمُقَامُ وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، فَلَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُنْشِئَ سَفَرًا، كَمَا لَوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُوبِ، وَضِيقِ الْوَقْتِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَسْبَقَ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَشَقَّةُ بِتَفْوِيتِهِ تَعْظُمُ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ أَنْ بَعُدَ سَفَرُهَا إلَيْهِ.
وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا، وَخَشِيَتْ فَوَاتَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لَهَا الْمُضِيُّ إلَيْهِ؛ لِمَا فِي بَقَائِهَا فِي الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَلْزَمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَسْبَقُ؛ وَلِأَنَّهَا فَرَّطَتْ وَغَلِطَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَإِذَا قَضَتْ الْعِدَّةَ، وَأَمْكَنَهَا السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ، لَزِمَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَدْرَكَتْهُ، وَإِلَّا تَحَلَّلَتْ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَحُكْمُهَا فِي الْقَضَاءِ حُكْمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا السَّفَرُ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ، كَاَلَّتِي يَمْنَعُهَا زَوْجُهَا مِنْ السَّفَرِ.
وَحُكْمُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ كَذَلِكَ، إذَا خِيفَ فَوَاتُ الرُّفْقَةِ أَوْ لَمْ يُخَفْ.

[فَصْلٌ مُعْتَدَّةٌ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا لِلسَّفَرِ لِغَيْرِ النَّقْلَةِ فَخَرَجَتْ ثُمَّ مَاتَ]

(6406) فَصْلٌ: وَإِذَا أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا لِلسَّفَرِ لِغَيْرِ النَّقْلَةِ، فَخَرَجَتْ ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ.
وَإِذَا مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا، فَلَهَا الْإِقَامَةُ حَتَّى تَقْضِيَ مَا خَرَجَتْ إلَيْهِ، وَتَنْقَضِيَ حَاجَتُهَا مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهَا لَنُزْهَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَدَّرَ لَهَا مُدَّةً، فَإِنَّهَا تُقِيمُ إقَامَةَ الْمُسَافِرِ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَدَّرَ لَهَا مُدَّةً، فَلَهَا إقَامَتُهَا؛ لِأَنَّ سَفَرَهَا بِحُكْمِ إذْنِهِ، فَكَانَ لَهَا إقَامَةُ مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهَا، أَوْ قَضَتْ حَاجَتَهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهَا الرُّجُوعُ؛ لَخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَتَمَّتْ الْعِدَّةَ فِي مَكَانِهَا، وَإِنْ أَمْكَنَهَا الرُّجُوعُ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُهَا الْوُصُولُ إلَى مَنْزِلهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، لَزِمَتْهَا الْإِقَامَةُ فِي مَكَانِهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ وَهِيَ مُقِيمَةٌ أَوْلَى مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي السَّفَرِ.
وَإِنْ كَانَتْ تَصِلُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ، لَزِمَهَا الْعَوْدُ؛ لِتَأْتِيَ بِالْعِدَّةِ فِي مَكَانِهَا.
(6407) فَصْلٌ: وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ لَهَا فِي الِانْتِقَالِ إلَى دَارٍ أُخْرَى، أَوْ بَلَدٍ آخَرَ، فَمَاتَ قَبْلَ انْتِقَالِهَا، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي الدَّارِ الَّتِي هِيَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا بَيْتُهَا، وَسَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ نَقْلِ مَتَاعِهَا أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا مَسْكَنُهَا، مَا لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْتِقَالِهَا إلَى الثَّانِيَةِ، اعْتَدَّتْ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَسْكَنُهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ نَقَلَتْ مَتَاعَهَا، أَوْ لَمْ تَنْقُلْهُ.
وَإِنْ مَاتَ وَهِيَ بَيْنَهُمَا، فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا مَسْكَنَ لَهَا مِنْهُمَا.
فَإِنَّ الْأُولَى قَدْ خَرَجَتْ عَنْهَا مُنْتَقِلَةً، فَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَسْكَنًا لَهَا، وَالثَّانِيَةُ لَمْ تَسْكُنْ بِهَا، فَهُمَا سَوَاءٌ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا الْمَسْكَنُ الَّذِي أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي السُّكْنَى بِهِ.
وَهَذَا يُمْكِنُ فِي الدَّارَيْنِ، فَأَمَّا إذَا كَانَا بَلَدَيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهَا الِانْتِقَالُ إلَى الْبَلَدِ الثَّانِي بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ تَنْتَقِلُ لِغَرَضِ زَوْجِهَا فِي صُحْبَتِهَا إيَّاهُ، وَإِقَامَتِهَا مَعَهُ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهَا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَكَلَّفْنَاهَا السَّفَرَ الشَّاقَّ، وَالتَّغَرُّبَ عَنْ وَطَنِهَا وَأَهْلِهَا، وَالْمُقَامَ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمِهَا، وَالْمُخَاطَرَةَ بِنَفْسِهَا، مَعَ فَوَاتِ الْغَرَضِ، وَظَاهِرُ حَالِ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ، لَمَا نَقَلَهَا، فَصَارَتْ الْحَيَاةُ مَشْرُوطَةً فِي النَّقْلَةِ.
فَأَمَّا إنْ انْتَقَلَتْ إلَى الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأُولَى لِنَقْلِ مَتَاعِهَا، فَمَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ بِهَا، فَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ إلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَسْكَنَهَا بِانْتِقَالِهَا إلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَادَتْ إلَى الْأُولَى لَحَاجَةٍ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَسْكَنِهَا دُونَ مَوْضِعِهَا.
وَإِنْ مَاتَ وَهِيَ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ: أَذِنَ لِي زَوْجِي فِي السُّكْنَى بِهَذَا الْمَكَانِ.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، أَوْ قَالَتْ: إنَّمَا أَذِنَ لِي زَوْجِي فِي الْمَجِيءِ إلَيْهِ، لَا فِي الْإِقَامَةِ بِهِ.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا أُعْرَفُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: يَلْزَمُهَا السَّفَرُ عَنْ بَلَدِهَا.
فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ مَحْرَمِهَا مُسَافِرًا مَعَهَا، وَالْأَمْنِ عَلَى نَفْسِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل