المغني لابن قدامةصفحات 92-131
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 92-131
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عَلَى الْأَحْرَارِ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عَنْ الْقِيمَةِ، وَهِيَ الْمَالُ بِخِلَافِ السَّوْمِ وَالتِّجَارَة، فَإِنَّهُمَا يَجِبَانِ بِسَبَبِ مَالٍ وَاحِدٍ، مَتَى كَانَ عَبِيدُ التِّجَارَةِ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُمْ مِنْهَا.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَكَذَلِكَ الْفِطْرَةُ.

[فَصْلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ مَمْلُوكِهِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ الَّذِي تُعْلَمُ حَيَاتُهُ]

(1972) فَصْلٌ: وَتَجِبُ فِطْرَةُ الْعَبْدِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ الَّذِي تُعْلَمُ حَيَاتُهُ، وَالْآبِقِ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمَرْهُونِ، وَالْمَغْصُوبِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ مَمْلُوكِهِ الْحَاضِرِ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالْآبِقِ، وَعَبِيدِ التِّجَارَةِ.
فَأَمَّا الْغَائِبُ، فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ، سَوَاءٌ رَجَا رَجْعَتَهُ أَوْ أَيِسَ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مَحْبُوسًا كَالْأَسِيرِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ، غَائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ.
لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ عَلَيْهِ كَالْحَاضِرِينَ.
وَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِطْرَةَ الْآبِقِ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَأَوْجَبَهَا الزُّهْرِيُّ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَمَالِكٌ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً.
وَلَمْ يُوجِبْهَا عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ كَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالٌ لَهُ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، كَمَالِ التِّجَارَةَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى يَدِهِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ وَالْمَغْصُوبِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ تَابِعَةً لِلنَّفَقَةِ، وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ مَعَ الْغَيْبَةِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ رَدَّ الْآبِقَ رَجَعَ بِنَفَقَتِهِ.
وَأَمَّا مَنْ شُكَّ فِي حَيَاتِهِ مِنْهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ، لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ فِي كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، فَلَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ كَالْمَيِّتِ.
فَإِنْ مَضَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، ثُمَّ عَلِمَ حَيَاتَهُ، لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ لِمَا مَضَى، كَمَا لَوْ سَمِعَ بِهَلَاكِ مَالِهِ الْغَائِبِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ سَالِمًا.
وَالْحُكْمُ فِي الْقَرِيبِ الْغَائِبِ، كَالْحُكْمِ فِي الْبَعِيدِ؛ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ تَجِبُ فِطْرَتُهُمْ مَعَ الْحُضُورِ، فَكَذَلِكَ مَعَ الْغَيْبَةِ كَالْعَبِيدِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ فِطْرَتُهُمْ مَعَ الْغَيْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَعْثُ نَفَقَتهمْ إلَيْهِمْ، وَلَا يَرْجِعُونَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ

(1973) فَصْلٌ: فَأَمَّا عَبِيدُ عَبِيدِهِ؛ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُهُمْ بِالتَّمْلِيكِ، فَالْفِطْرَةُ عَلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، فَقَدْ قِيلَ: لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُهُمْ، وَمِلْكُ الْعَبْدِ نَاقِصٌ.
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ فِطْرَتِهِمْ؛ لِأَنَّ فِطْرَتَهُمْ تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، وَنَفَقَتُهُمْ وَاجِبَةٌ فَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُمْ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا كَمَالُ الْمِلْكِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَبِيدِهِ، مَعَ نَقْصِ مِلْكِهِ.

[فَصْلُ زَوْجَةُ الْعَبْدِ فِطْرَتَهَا عَلَى نَفْسِهَا]

(1974) فَصْلٌ: وَأَمَّا زَوْجَةُ الْعَبْدِ فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ فِطْرَتَهَا عَلَى نَفْسِهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَعَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي وُجُوبُ فِطْرَتِهَا عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ خَادِمِ امْرَأَتِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» . وَهَذِهِ مِمَّنْ يَمُونُونَ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ، لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ، فَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَوْلَى.
وَهَكَذَا لَوْ زَوَّجَ الِابْنُ أَبَاهُ، وَكَانَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَنَفَقَةُ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[فَصْلُ فِي وُجُوبَ الْفِطْرَةِ عَلَيْهِ مَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ إنْسَانٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ]

(1975) فَصْلٌ: وَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ إنْسَانٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَخْتَارُونَ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ.
أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، فِي مَنْ ضَمَّ إلَى نَفْسِهِ يَتِيمَةً يُؤَدِّي عَنْهَا؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» . وَهَذَا مِمَّنْ يُمَوَّنُونَ، وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ كَعَبْدِهِ وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُنْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لَا عَلَى الْإِيجَابِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُؤْنَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ الْآبِقِ وَلَمْ يَمُنْهُ، وَلَوْ مَلَكَ عَبْدًا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَوْ تَزَوَّجَ، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُمْ؛ لِوُجُوبِ مُؤْنَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَمُنْهُمْ، وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، أَوْ مَاتَا، أَوْ مَاتَ وَلَدُهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُمْ، وَإِنْ مَانَهُمْ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: (مِمَّنْ تَمُونُونَ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، فَيَقْتَضِي الْحَالَ أَوْ الِاسْتِقْبَالَ دُونَ الْمَاضِي، وَمِنْ مَانَهُ فِي رَمَضَانَ إنَّمَا وُجِدَتْ مُؤْنَتُهُ فِي الْمَاضِي، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ، وَلَوْ دَخَلَ فِيهِ لَاقْتَضَى وُجُوبَ الْفِطْرَةِ عَلَى مَنْ مَانَهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يُقَيِّدُهُ بِالشَّهْرِ وَلَا بِغَيْرِهِ، فَالتَّقْيِيدُ بِمُؤْنَةِ الشَّهْرِ تَحَكُّمٌ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ فِطْرَةُ هَذَا

الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُنْهُ.
وَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا الْمُعْتَبَرُ الْإِنْفَاقُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إذَا مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ، وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ مَلَكَ عَبْدًا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَإِذَا مَانَهُ جَمَاعَةٌ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ، أَوْ مَانَهُ إنْسَانٌ بَعْضَ الشَّهْرِ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ هَذَا تَكُونُ فِطْرَتُهُ عَلَى مِنْ مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ فِطْرَتُهُ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ مَانَهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْمُؤْنَةُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ عَلَى الْجَمِيعِ فِطْرَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْحِصَصِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَكُوا فِي مِلْكِ عَبْدٍ.

[مَسْأَلَةُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا نِصَابٌ]

(1976) مَسْأَلَةٌ: قَالَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا نِصَابٌ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ فَاضِلٌ عَنْ مَسْكَنِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَالْفَقِيرُ لَا غِنَى لَهُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا.
وَلَنَا مَا رَوَى ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ قَالَ: بُرٍّ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى» . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ» . وَلِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ لَا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِ، فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُوبُ النِّصَابِ فِيهِ.
كَالْكَفَّارَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَيُعْطَى لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَاَلَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ عَاجِزٌ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى زَكَاةِ الْمَالِ

[فَصْلُ لَمْ يَفْضُلْ إلَّا صَاعٌ لَيْلَة الْعِيدِ]

(1977) فَصْلٌ: وَإِذَا لَمْ يَفْضُلْ إلَّا صَاعٌ أَخْرَجَهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَنْبَنِي عَلَى النَّفَقَةِ، فَكَمَا يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرَةِ.
فَإِنْ فَضَلَ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ، فَإِنَّ نَفَقَتَهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ صِلَةٌ تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ دُونَ الْإِعْسَارِ.
فَإِنْ فَضَلَ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ رَقِيقِهِ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ فِي الْإِعْسَارِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الرَّقِيقِ عَلَى الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ فِطْرَتَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَفِطْرَتُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
فَإِنْ فَضَلَ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا وَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا.
وَفِي الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَجْهَانِ؛

أَحَدُهُمَا، يُقَدَّمُ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ كَبَعْضِهِ.
وَالثَّانِي الْوَالِدُ؛ لِأَنَّهُ كَبَعْضِ وَالِدِهِ.
وَتُقَدَّمُ فِطْرَةُ الْأُمِّ عَلَى فِطْرَةِ الْأَبِ، لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ، بِدَلِيلِ «قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا سَأَلَهُ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ أُمَّكَ.
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمَّكَ.
قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّك قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ ثُمَّ أَبَاكَ» . وَلِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ عَنْ الْكَسْبِ.
وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الْأَبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . ثُمَّ بِالْجَدِّ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ فِي الْمِيرَاثِ.
وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الْوَلَدِ عَلَى فِطْرَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّدَقَةِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: عِنْدِي دِينَارٌ.
قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ.
قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ.
قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ.» فَقَدَّمَ الْوَلَدَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ عَنْهُ.
وَلِأَنَّ الْوَلَدَ كَبَعْضِهِ، فَيُقَدَّمُ كَتَقْدِيمِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا ضَيَّعَ وَلَدَهُ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَيَضِيعُ، وَالزَّوْجَةُ إذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لَهَا مَنْ يَمُونُهَا، مِنْ زَوْجٍ أَوْ ذِي رَحِمٍ.
وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، فَكَانَتْ أَضْعَفَ فِي اسْتِتْبَاعِ الْفِطْرَةِ مِنْ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى سَبِيلِ الصِّلَةَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِوَضِ الْمُقَدَّرِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَمَّنْ لَهُ الْعِوَضُ وَلِهَذَا لَمْ تَجِبُ فِطْرَةُ الْأَخِيرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ مُؤْنَتُهُ، بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ، فَإِنَّهَا كَمَا اقْتَضَتْ صِلَتَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، اقْتَضَتْ صِلَتَهُ بِتَطْهِيرِهِ بِإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ عَنْهُ.

[فَصْلُ لَمْ يَفْضُلْ إلَّا بَعْضُ صَاعٍ لَيْلَةَ الْعِيدِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ]

(1978) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ إلَّا بَعْضُ صَاعٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا لَا يَلْزَمُهُ.
اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا، كَالْكَفَّارَةِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.» وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ، فَوَجَبَ مِنْهَا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، وَلِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ الصَّاعِ يُخْرَجُ عَنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، فَجَازَ أَنْ يُخْرَجَ عَنْ غَيْرِهِ كَالصَّاعِ

[فَصْلُ أَعْسَرَ بِفِطْرَةِ زَوْجَتِهِ]

(1979) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْسَرَ بِفِطْرَةِ زَوْجَتِهِ، فَعَلَيْهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا، أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً؛ لِأَنَّهَا تُتَحَمَّلُ إذَا كَانَ ثَمَّ مُتَحَمِّلٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَادَ إلَيْهَا، كَالنَّفَقَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لِعُسْرَتِهِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ، كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ.
وَتُفَارِقُ النَّفَقَةَ، فَإِنَّ وُجُوبَهَا

آكَدُ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَتَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالْعَاجِزِ، وَيُرْجَعُ عَلَيْهَا بِهَا عِنْدَ يَسَارِهِ، وَالْفِطْرَةُ بِخِلَافِهَا.

[فَصْلُ مِنْ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ إذَا أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ]

(1980) فَصْلٌ: وَمَنْ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، كَالْمَرْأَةِ وَالنَّسِيبِ الْفَقِيرِ، إذَا أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ.
وَإِنْ أَخْرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ فِطْرَتَهُ فَأَجْزَأْهُ كَاَلَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ.

[فَصْلُ لَهُ دَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا هَلْ عَلَيْهِ زَكَاة الْفِطْر]

(1981) فَصْلٌ: وَمَنْ لَهُ دَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِسُكْنَاهَا، أَوْ إلَى أَجْرِهَا لِنَفَقَتِهِ، أَوْ ثِيَابُ بِذْلَةٌ لَهُ، أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَوْ رَقِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِمْ هُوَ أَوْ مَنْ يَمُونُهُ، أَوْ بَهَائِمُ يَحْتَاجُونَ إلَى رُكُوبِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي حَوَائِجِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا كَذَلِكَ، أَوْ بِضَاعَةٌ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ مِنْهَا، فَلَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهُ، كَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ.
وَمَنْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِلنَّظَرِ فِيهَا وَالْحِفْظِ مِنْهَا، لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهَا.
وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَ لَهَا حُلِيٌّ لِلُبْسٍ أَوْ لِكِرَاءٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهَا بَيْعُهُ فِي الْفِطْرَةِ.
وَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَصَرْفُهُ فِي الْفِطْرَة وَجَبَتْ الْفِطْرَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَصْلِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَكَ مِنْ الطَّعَامِ مَا يُؤَدِّيه فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ.

[مَسْأَلَةُ لَا تَجِبُ فِطْرَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ]

(1982) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي مُكَاتَبِهِ زَكَاةٌ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَمِمَّنْ قَالَ: لَا تَجِبُ فِطْرَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ، أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَأَوْجَبَهَا عَلَى السَّيِّدِ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ عَبِيدِهِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " مِمَّنْ تَمُونُونَ ". وَهَذَا لَا يَمُونُهُ، وَلِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ عَبِيدِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِطْرَةَ نَفْسِهِ، وَفِطْرَةَ مِنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ كَزَوْجَتِهِ، وَرَقِيقِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِصُ الْمِلْكِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ، كَالْقِنِّ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَزَكَاةِ الْمَالِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَهَذَا

عَبْدٌ وَلَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ، فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهَا كَالْحُرِّ الْمُوسِرِ وَيُفَارِقُ زَكَاةَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا يُعْتَبَرُ لَهَا الْغِنَى وَالنِّصَابُ وَالْحَوْلُ، وَلَا يَحْمِلُهَا أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ.
(1983) فَصْلٌ: وَتَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ فِطْرَةُ مِنْ يَمُونُهُ كَالْحُرِّ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ»

[مَسْأَلَةُ فِطْرَةُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَوَالِيهِ]

(1984) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا مَلَكَ جَمَاعَةٌ عَبْدًا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاعًا، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، صَاعًا عَنْ الْجَمِيعِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِطْرَةَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَوَالِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا فِطْرَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وِلَايَةٌ تَامَّةٌ، أَشْبَهَ الْمُكَاتَبَ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ مَمْلُوكٌ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا فَلَزِمَتْهُ لِمَمْلُوكِ الْوَاحِدِ، وَفَارَقَ الْمُكَاتَبَ، فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ مُؤْنَتُهُ، وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُخْرِجُ عَنْ نَفْسِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، بِخِلَافِ الْقِنِّ، وَالْوِلَايَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، بِدَلِيلِ عَبْدِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ إنَّ وِلَايَتَهُ لِلْجَمِيعِ، فَتَكُونُ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِمْ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَفِي إحْدَاهُمَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
وَالثَّانِيَةُ، عَلَى الْجَمِيعِ صَاعٌ وَاحِدٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ.
وَهَذَا الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ فُورَانُ: رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: يُعْطِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفَ صَاعٍ.
يَعْنِي رَجَعَ عَنْ إيجَابِ صَاعٍ كَامِلٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ.
وَهَذَا قَوْلُ سَائِرِ مَنْ أَوْجَبَ فِطْرَتَهُ عَلَى سَادَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَ صَاعًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ.
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُشْتَرَكِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ نَفَقَتَهُ تُقْسَمُ عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُ التَّابِعَةُ لَهَا، وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَنْهُ صِيعَانٌ كَسَائِرِ النَّاسِ، وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَوَجَبَتْ عَلَى سَادَتِهِ بِالْحِصَصِ، كَمَاءِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى

[فَصْلُ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ]

(1985) فَصْلٌ: وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَى الْحُرِّ بِحِصَّتِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ.

وَلَنَا، أَنَّهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ تَلْزَمُ فِطْرَتُهُ شَخْصَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْفِطْرَةِ، فَكَانَتْ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِمَا كَالْمُشْتَرَكِ، ثُمَّ هَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاعٌ أَوْ بِالْحِصَصِ؟ يَنْبَنِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْآخَرِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ السَّيِّدِ مُهَايَأَةٌ أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِكُونَ فِي الْعَبْدِ قَدْ تَهَايَئُوا عَلَيْهِ، لَمْ تَدْخُلْ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ مُعَاوَضَةُ كَسْبٍ بِكَسْبٍ؛ وَالْفِطْرَةُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ.

(1986) فَصْلٌ: وَلَوْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَلَدًا بِرَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَالْحُكْمُ فِي فِطْرَتِهِ كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ.
وَلَوْ أَنَّ شَخْصًا حُرًّا لَهُ قَرِيبَانِ فَأَكْثَرُ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُ بَيْنَهُمْ، كَانَتْ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِمْ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ.

[مَسْأَلَةُ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ لِمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صَدَقَةَ الْأَمْوَالِ]

(1987) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَيُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ لِمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صَدَقَةَ الْأَمْوَالِ إنَّمَا كَانَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ زَكَاةٌ، فَكَانَ مَصْرِفُهَا مَصْرِفَ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَة.
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْمَالِ إلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذِمِّيٍّ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ.
وَلَنَا، أَنَّهَا زَكَاةٌ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، كَزَكَاةِ الْمَالِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُجْزِئَ أَنْ يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّة.
(1988) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَقَارِبِهِ مِنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَلَا يُعْطِي مِنْهَا غَنِيًّا، وَلَا ذَا قُرْبَى،

وَلَا أَحَدًا مِمَّنْ مُنِعَ أَخْذَ زَكَاةِ الْمَالِ.
وَيَجُوزُ صَرْفُهَا فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ فَأَشْبَهَتْ صَدَقَةَ الْمَالِ.

[فَصْلُ أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِمَّنْ لَهُ نِصَابٌ وَرَدُّهَا عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ]

(1989) فَصْلٌ: وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَأَخْرَجَهَا آخِذُهَا إلَى دَافِعَهَا، أَوْ جُمِعَتْ الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ، فَفَرَّقَهَا عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ، فَعَادَتْ إلَى إنْسَانٍ صَدَقَتُهُ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي، جَوَازَ ذَلِكَ.
قَالَ: لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي مَنْ لَهُ نِصَابٌ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، أَنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَتُرَدُّ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلِأَنَّ قَبْضَ الْإِمَامِ أَوْ الْمُسْتَحِقِّ أَزَالَ مِلْكَ الْمُخْرِجِ، وَعَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَجَازَ كَمَا لَوْ عَادَتْ بِمِيرَاثٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَذْهَبُ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا كَشِرَائِهَا؛ «وَلِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَرَسَ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَشْتَرِهَا وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» ، فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِلْخَبَرِ.
وَإِنْ وَرِثَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ.

[مَسْأَلَةُ يَجُوزُ فِي الصَّدَقَة أَنْ يُعْطِيَ الْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ وَالْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ]

(1990) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ وَالْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ إعْطَاءُ الْجَمَاعَةِ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّهُ صَرَفَ صَدَقَتَهُ إلَى مُسْتَحِقَّهَا، فَبَرِئَ مِنْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى وَاحِدٍ؛ وَأَمَّا إعْطَاءُ الْوَاحِدِ صَدَقَةَ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ، أَوْجَبُوا تَفْرِقَةَ الصَّدَقَةِ عَلَى سِتَّةِ أَصْنَافٍ، وَدَفْعَ حِصَّةِ كُلِّ صِنْفٍ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَجَازَ صَرْفُهَا إلَى وَاحِدٍ كَالتَّطَوُّعِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

[مَسْأَلَةُ حُكْم زَكَاة الْفِطْرِ عَنْ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمَّهُ]

(1991) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَخْرَجَ عَنْ الْجَنِينِ، فَحَسَنٌ وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُخْرِجُ عَنْ الْجَنِينِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْفِطْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْجَنِينِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى الرَّجُلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمَّهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَبِهِ وَيَرِثُ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَيُقَاسُ عَلَى الْمَوْلُودِ.
وَلَنَا أَنَّهُ جَنِينٌ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِهِ، كَأَجِنَّةِ الْبَهَائِمِ وَلِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُخْرِجُهَا عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ عَمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّةً كَسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ

[مَسْأَلَةُ كَانَ فِي يَدِهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ]

(1992) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُخْرِجَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إنَّمَا لَمْ يَمْنَعْ الدَّيْنُ الْفِطْرَةَ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ وُجُوبًا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا، وَوُجُوبِ تَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ فَجَرَتْ مَجْرَى النَّفَقَةِ وَلِأَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِي الْمِلْكِ، فَأَثَّرَ فِيهَا، وَهَذِهِ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَتَسْقُطُ الْفِطْرَةُ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، وَكَوْنُهُ أَسْبَقَ سَبَبًا وَأَقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ غَيْرَ الْفِطْرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْمُطَالَبَةِ إنَّمَا هُوَ فِي إلْزَامِ الْأَدَاءِ وَتَحْرِيمِ التَّأْخِيرِ.

[فَصْلُ مَاتَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ قَبْلَ أَدَائِهَا]

(1993) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ قَبْلَ أَدَائِهَا، أُخْرِجَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِمَا، قُضِيَا جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِمَا، قُسِّمَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالصَّدَقَةِ بِالْحِصَصِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي زَكَاةِ الْمَالِ، أَنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا هَاهُنَا.
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالٍ وَصَدَقَةُ فِطْرٍ وَدَيْنٌ، فَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَالْمَالِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِاتِّحَادِ مَصْرِفِهِمَا، فَيُحَاصَّانِ الدَّيْنَ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ حَقَّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَحَقَّ الْآدَمِيِّ، إذَا تَعَلَّقَا بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ، فَكَانَا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ كَانَا فِي الْعَيْنِ، تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِيفَاءِ

[فَصْلُ إذَا مَاتَ الْمُفْلِسُ وَلَهُ عَبِيدٌ فَفِطْرَتُهُمْ عَلَى الْوَرَثَةِ]

(1994) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ الْمُفْلِسُ، وَلَهُ عَبِيدٌ، فَهَلَّ شَوَّالٌ قَبْلَ قِسْمَتِهِمْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، فَفِطْرَتُهُمْ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَة، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ، وَفِطْرَةُ الرَّهْنِ عَلَى مَالِكِهِ.

[فَصْلُ مَاتَ عَبِيدُهُ أَوْ مَنْ يَمُونهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ]

(1995) فَصْلٌ: وَلَوْ مَاتَ عَبِيدُهُ، أَوْ مَنْ يَمُونُهُ، بَعْدَ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، لَمْ تَسْقُطْ، لِأَنَّهَا دَيْنٌ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِسَبَبِ عَبْدِهِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَ الْعَبْدُ بِإِذْنِهِ دَيْنًا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ، وَلِأَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ لَا تَسْقُطُ بِتَلَفِهِ، فَالْفِطْرَةُ أَوْلَى، فَإِنْ زَكَاةَ الْمَالِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ بِخِلَافِهِ.

[فُصُولٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ]

[فَصْلُ صَدَقَة التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ]

ِ: (1996) فَصْلُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] . وَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةِ، وَحَثَّ عَلَيْهَا وَرَغَّبَ فِيهَا.
وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ إلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271] وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» . وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَاتِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 14] . وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى أَدَاءِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ.
وَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 15] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ، صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» . وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

«وَسَأَلَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ تَضَعَ صَدَقَتَهَا فِي زَوْجِهَا وَبَنِي أَخٍ لَهَا يَتَامَى؟ قَالَ: نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ؛ أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ عَلَى مِنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16]

[فَصْلُ الْأَوْلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ الْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَة مَنْ يَمُونهُ عَلَى الدَّوَامِ]

(1997) فَصْلٌ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ الْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ عَلَى الدَّوَامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،.
فَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَنْقُصُ عَنْ كِفَايَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَلَا كَسْبَ لَهُ، أَثِمَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَمُونُ» . وَلِأَنَّ نَفَقَةَ مِنْ يَمُونُهُ وَاجِبَةٌ، وَالتَّطَوُّعَ نَافِلَةٌ، وَتَقْدِيمُ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ كَانَ لِمَنْ يُمَوَّنُ كِفَايَتُهُمْ فَأَرَادَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَكَانَ ذَا مَكْسَبٍ، أَوْ كَانَ وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ، يُحْسِنُ التَّوَكُّلَ وَالصَّبْرَ عَلَى الْفَقْرِ، وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ» . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْت الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُهُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قُلْت: أَبْقَيْت لَهُمْ مِثْلَهُ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقُلْت: لَا أُسَابِقُكَ إلَى شَيْءٍ بَعْدَهُ أَبَدًا» . فَهَذَا كَانَ فَضِيلَةً فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِقُوَّةِ يَقِينِهِ، وَكَمَالِ إيمَانِهِ، وَكَانَ أَيْضًا تَاجِرًا ذَا مَكْسَبٍ، فَإِنَّهُ قَالَ حِينَ وَلِيَ: قَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ كَسْبِي لَمْ يَكُنْ لِيَعْجِزَ عَنْ مُؤْنَةِ عِيَالِي.
أَوْ كَمَا قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُتَصَدِّقِ أَحَدُ هَذَيْنِ كُرِهَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْت هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ، فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا.
فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، وَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى.» فَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي كَرِهَ مِنْ أَجْلِهِ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَكِفَّ النَّاسَ، أَيْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ لِلصَّدَقَةِ، أَيْ يَأْخُذَهَا بِبَطْنِ كَفِّهِ يُقَالُ: تَكَفَّفَ وَاسْتَكَفَّ.
إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَرَوَى النَّسَائِيّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى رَجُلًا ثَوْبَيْنِ مِنْ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ حَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَطَرَحَ الرَّجُلُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَلَمْ تَرَوْا إلَى هَذَا، دَخَلَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَأَعْطَيْته ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قُلْت: تَصَدَّقُوا.
فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ.
وَانْتَهَرَهُ» . وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَخْرَجَ جَمِيعَ مَالِهِ، لَا يَأْمَنُ فِتْنَةَ الْفَقْرِ وَشِدَّةَ نِزَاعِ النَّفْسِ إلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَيَنْدَمُ، فَيَذْهَبُ مَالُهُ وَيَبْطُلُ أَجْرُهُ، وَيَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ.
وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الْإِضَافَةِ أَنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ مِنْ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الصِّيَامِ]

الصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ، يُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ.
إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] . أَيْ صَمْتًا؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ عَنْ الْكَلَامِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يَعْنِي بِالصَّائِمَةِ: الْمُمْسِكَةَ عَنْ الصَّهِيلِ.
وَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» . ذَكَرَ مِنْهَا صَوْمَ رَمَضَانَ، وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ.
قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ: وَاَلَّذِي أَكْرَمَك لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
(1998) فَصْلٌ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى» . فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الشَّهْرِ، لِئَلَّا يُخَالِفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ.
وَالْمُسْتَحَبُّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: شَهْرُ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ سُمِّيَ رَمَضَانُ، فَرَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يُحَرِّقُ الذُّنُوبَ» . فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ شُرِعَ صَوْمُهُ دُونَ غَيْرِهِ، لِيُوَافِقَ اسْمُهُ مَعْنَاهُ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى، كَسَائِرِ الشُّهُورِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ وَالصَّوْمُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ قَالَ: الْآنَ حِينَ تَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ، إنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَعْمَشِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] . يَعْنِي بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ.
وَهَذَا يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ.» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ هُوَ الصَّبَاحُ، وَأَنَّ السَّحُورَ لَا يَكُونُ إلَّا قَبْلَ الْفَجْرِ.
وَهَذَا إجْمَاعٌ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا الْأَعْمَشُ وَحْدَهُ، فَشَذَّ وَلَمْ يُعَرِّجْ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ.
وَالنَّهَارُ الَّذِي يَجِبُ صِيَامُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
قَالَ: هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
.

[مَسْأَلَةُ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ تَرَائِي الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانُ]

(2000) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، طَلَبُوا الْهِلَالَ، فَإِنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ تَرَائِي الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَتَطْلُبُهُ لِيَحْتَاطُوا بِذَلِكَ لِصِيَامِهِمْ، وَيَسْلَمُوا مِنْ الِاخْتِلَافِ.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ» . فَإِذَا رَأَوْهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ إجْمَاعًا، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ وَكَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانُوا يَصُومُونَهُ، مِثْلُ مَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ، أَوْ صَوْمُ يَوْمِ الْخَمِيسِ، أَوْ صَوْمُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ، وَشِبْهُ ذَلِكَ إذَا وَافَقَ صَوْمَهُ، أَوْ مَنْ صَامَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، فَلَا بَأْسَ بِصَوْمِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَمَّارٌ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ، وَاسْتِقْبَالَ رَمَضَانَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ.
وَحُكِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، هَلْ يُكْرَهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يُغْمَى الْهِلَالُ.
وَاتِّبَاعُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى.
فَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الشَّهْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ، فَإِنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ لِتَخْصِيصِهِ النَّهْيَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ.
وَقَدْ رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ، فَأَمْسِكُوا عَنْ الصِّيَامِ، حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَيْسَ هُوَ بِمَحْفُوظٍ.
قَالَ: وَسَأَلْنَا عَنْهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، فَلَمْ يُصَحِّحْهُ، وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ، وَكَانَ يَتَوَقَّاهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَالْعَلَاءُ ثِقَةٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا هَذَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ.
وَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى نَفْيِ اسْتِحْبَابِ الصِّيَامِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ نِصْفِ الشَّهْرِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي صِلَةِ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ فِي حَقِّ مَنْ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ إذًا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى التَّعَارُضِ، وَرَدِّ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اخْتِصَارٌ وَتَقْدِيرُهُ: طَلَبُوا الْهِلَالَ، فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ وَكَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا.
فَحَذَفَ بَعْضَ الْكَلَامِ لِلْعِلْمِ بِهِ اخْتِصَارًا.
(2001) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى الْهِلَالَ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.

[فَصْلُ إذَا رَأَى الْهِلَال أَهْلُ بَلَدٍ لَزِمَ جَمِيعَ الْبِلَادِ الصَّوْمُ]

(2002) فَصْلٌ: وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ جَمِيعَ الْبِلَادِ الصَّوْمُ.
وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ، لَا تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ لِأَجْلِهَا كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ، لَزِمَ أَهْلَهُمَا الصَّوْمُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ، كَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ، فَلِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رَوَى كُرَيْبٌ، قَالَ: «قَدِمْت الشَّامَ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ، وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ؟ قُلْت: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ.
فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْته لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟ قُلْت: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: لَكِنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ.
فَقُلْت: أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . «وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا قَالَ لَهُ: اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ السَّنَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَقَوْلُهُ لِلْآخَرِ لَمَّا قَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّوْمِ؟ قَالَ: (شَهْرَ رَمَضَانَ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، بِشَهَادَةِ الثِّقَاتِ، فَوَجَبَ صَوْمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَوُجُوبِ النُّذُورِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَيَجِبُ صِيَامُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ شَهِدَتْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَيَجِبُ الصَّوْمُ، كَمَا لَوْ تَقَارَبَتْ الْبُلْدَانُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ كُرَيْبٌ فَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بُقُولِ كُرَيْبٌ وَحْدَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ النَّاسَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ، أَفْطَرُوا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنَّنَا إنَّمَا قُلْنَا يُفْطِرُونَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَتِهِ، فَيَكُونُ فِطْرُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْمِهِمْ بِشَهَادَتِهِ، وَهَاهُنَا لَمْ يَصُومُوا بِقَوْلِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْفِطْرِ عَلَيْهِ.
الثَّانِي، أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْوَجْهِ الْآخَرِ.

[مَسْأَلَةُ حَالَ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتِّرْ]

(2003) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ، أَوْ قَتَرٌ وَجَبَ صِيَامُهُ، وَقَدْ أَجْزَأَ إذَا كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ مَا نَقَلَ الْخِرَقِيِّ، اخْتَارَهَا أَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَمْرِو بْن الْعَاصِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَبِهِ قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَمُطَرِّفٌ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ، فَإِنْ صَامَ صَامُوا، وَإِنْ أَفْطَرَ أَفْطَرُوا.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» . قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمُعْظَمِ النَّاسِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا يَجِبُ صَوْمُهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ صَامَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَوْمُ شَكٍّ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ.
وَلَنَا مَا رَوَى نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ.
وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» . قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ الْهِلَالَ، فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَمَعْنَى اُقْدُرُوا لَهُ: أَيْ ضَيَّقُوا لَهُ الْعَدَدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] . أَيْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26] . وَالتَّضْيِيقُ لَهُ أَنْ

يُجْعَلَ شَعْبَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ رَاوِيه، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ، كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِرَجُلٍ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.
وَفِي لَفْظٍ: أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْت فَصُمْ يَوْمَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسُرَرُ الشَّهْرِ: آخِرُهُ لَيَالٍ يَسْتَتِرُ الْهِلَالُ فَلَا يَظْهَرُ.
وَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الشَّهْرِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، فَوَجَبَ الصَّوْمُ كَالطَّرَفِ الْآخَرِ.
قَالَ عَلِيٌّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ: لَأَنْ أَصُمْ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ.
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُحْتَاطُ لَهُ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الصَّوْمُ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُفْطَرْ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ.
فَأَمَّا خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَرْوِيه مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ " وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، لِإِمَامَتِهِ، وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ، وَثِقَتِهِ، وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَذْهَبِهِ، وَلِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ: " فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ " مُخَالِفَةٌ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَلِمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَرَأْيِهِ.
وَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الصَّحْوِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَوْ كَمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ يَحُولُ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ.

[مَسْأَلَةُ لَا يَصِحُّ صَوْمٌ إلَّا بِنِيَّةِ]

(2004) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُ فَرْضٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمٌ إلَّا بِنِيَّةٍ.
إجْمَاعًا، فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ، كَالصَّلَاةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ فَرْضًا كَصِيَامِ رَمَضَانَ فِي أَدَائِهِ أَوْ قَضَائِهِ، وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، اُشْتُرِطَ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنْ اللَّيْلِ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ صِيَامُ رَمَضَانَ وَكُلُّ صَوْمٍ مُتَعَيِّنٍ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَانَ صَوْمًا وَاجِبًا مُتَعَيِّنًا، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» . وَفِي لَفْظِ ابْنِ حَزْمٍ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ.» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ.
وَلِأَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ، كَالْقَضَاءِ.
فَأَمَّا صَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَلَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُبَحْ فِطْرُهُ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِمْسَاكُ صِيَامًا تَجَوُّزًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ «أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» . وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ بَعْدَ الْأَكْلِ لَيْسَ بِصِيَامٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صِيَامًا تَجُوزَا.
ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ صِيَامٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ رَمَضَانَ، أَنَّ وُجُوبَ الصِّيَامِ تَجَدَّدَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَأَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ حِينَ تَجَدَّدَ الْوُجُوبُ، كَمَنْ كَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، فَنَذَرَ إتْمَامَ صَوْمِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّتُهُ عِنْدَ نَذْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّذْرُ مُتَقَدِّمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ التَّطَوُّعَ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُفْطِرَاتِ فِي أَوَّلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ: «فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» فَإِذَا نَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ مَنْ النَّهَارِ كَانَ صَائِمًا بَقِيَّةَ النَّهَارِ دُونَ أَوَّلِهِ، وَالْفَرْضُ يَكُونُ وَاجِبًا فِي جَمِيعِ النَّهَارِ، وَلَا يَكُونُ صَائِمًا بِغَيْرِ النِّيَّةِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ التَّطَوُّعَ سُومِحَ فِي نِيَّتِهِ مِنْ اللَّيْلِ تَكْثِيرًا لَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ الصَّوْمُ فِي النَّهَارِ، فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ يَمْنَعُ ذَلِكَ، فَسَامَحَ الشَّرْعُ فِيهَا، كَمُسَامَحَتِهِ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ فِيهِ فِي السَّفَرِ تَكْثِيرًا لَهُ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ نَوَى أَجْزَأَهُ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ بَعْدَ النِّيَّةِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، أَمْ لَمْ يَفْعَلْ.
وَاشْتَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا يَأْتِيَ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ.
وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ النِّيَّةِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ، كَمَا اخْتَصَّ أَذَانُ الصُّبْحِ وَالدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بِهِ.
وَلَنَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» .

مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلِأَنَّهُ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ، فَصَحَّ صَوْمُهُ، كَمَا لَوْ نَوَى فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَنْتَبِهُ فِيهِ، وَلَا يَذْكُرُ الصَّوْمَ، وَالشَّارِعُ إنَّمَا رَخَّصَ فِي تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى ابْتِدَائِهِ، لِحَرَجِ اعْتِبَارِهَا عِنْدَهُ، فَلَا يَخُصُّهَا بِمَحِلٍّ لَا تَنْدَفِعُ الْمَشَقَّةُ بِتَخْصِيصِهَا بِهِ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَهَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الصَّوْمِ بِالْأَذَانِ وَالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُوزَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَلَا يُفْضِي مَنْعُهُمَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ إلَى فَوَاتِهِمَا، بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَلِأَنَّ اخْتِصَاصَهُمَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ بِمَعْنَى تَجْوِيزِهِمَا فِيهِ، وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ وَالتَّحَتُّمِ، وَفَوَاتِ الصَّوْمِ بِفَوَاتِهَا فِيهِ، وَهَذَا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَمَضَرَّةٌ، بِخِلَافِ التَّجْوِيزِ، وَلِأَنَّ مَنْعَهُمَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لَا يُفْضِي إلَى اخْتِصَاصِهِمَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ، لِجَوَازِهِمَا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالنِّيَّةُ بِخِلَافِهِ، فَأَمَّا إنَّ فَسَخَ النِّيَّةَ، مِثْلُ إنَّ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ نِيَّةِ الصِّيَامِ، لَمْ تُجْزِئْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ الْمَفْسُوخَةُ، لِأَنَّهَا زَالَتْ حُكْمًا وَحَقِيقَةً.

[فَصْلُ نَوَى مِنْ النَّهَارِ صَوْمَ الْغَدِ]

(2005) فَصْلٌ: وَإِنْ نَوَى مِنْ النَّهَارِ صَوْمَ الْغَدِ، لَمْ تُجْزِئْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ، إلَّا أَنْ يَسْتَصْحِبَهَا إلَى جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ، مِنْ نَوَى الصَّوْمَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالنَّهَارِ، وَلَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَا بَأْسَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَسَخَ النِّيَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَظَاهِرُ هَذَا حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِنِيَّتِهِ مِنْ النَّهَارِ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَصْحَبَ النِّيَّةَ إلَى جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ.
وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ ". وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ، وَلَا قَرِيبًا مِنْهَا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ صَوْمَ بَعْدَ غَدٍ.

[فَصْلُ تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ]

(2006) فَصْلٌ: وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ، إذَا نَوَى صَوْمَ جَمِيعِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ جِنْسُهُ لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ نَوَى كُلَّ يَوْمٍ فِي لَيْلَتِهِ.
وَلَنَا.
أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْوِيَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ لَيْلَتِهِ، كَالْقَضَاءِ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ عِبَادَاتٌ لَا يَفْسُدُ بَعْضُهَا بِفَسَادِ بَعْضٍ، وَيَتَخَلَّلُهَا مَا يُنَافِيهَا، فَأَشْبَهَتْ الْقَضَاءَ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ.
وَعَلَى قِيَاسِ رَمَضَانَ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي رَمَضَانَ.
.

[فَصْلُ مَتَى خَطَرَ بِقَلْبِهِ فِي اللَّيْلِ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ صَائِمٌ فِيهِ فَقَدْ نَوَى]

فَصْلٌ: وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ فِعْلَ شَيْءٍ، وَعَزْمُهُ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، فَمَتَى خَطَرَ بِقَلْبِهِ فِي اللَّيْلِ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ صَائِمٌ فِيهِ، فَقَدْ نَوَى.
وَإِنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ يَبْنِي عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ وَلَا قَتَرٌ، فَعَزَمَ أَنْ يَصُومَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، لَمْ تَصِحّ النِّيَّةُ، وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِهِ وَلَا هُوَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ اعْتِقَادِهِ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ حَمَّادٌ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَصِحُّ إذَا نَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ، فَصَحَّ كَالْيَوْمِ الثَّانِي، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ النِّيَّةَ بِصَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحِسَابِ، فَوَافَقَ الصَّوَابَ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ» . فَأَمَّا لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رَمَضَانَ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: «وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ» . لَكِنْ إنْ قَالَ: إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَأَنَا صَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَأَنَا مُفْطِرٌ.
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ، وَالنِّيَّةُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ وَاقِعٌ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ رَمَضَانَ.
.

[فَصْلُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ]

(2008) فَصْلٌ: وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ مِنْ قَضَائِهِ، أَوْ مِنْ كَفَّارَتِهِ، أَوْ نَذْرِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فَإِنَّهُ قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَسِيرٌ صَامَ فِي أَرْضِ الرُّومِ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ رَمَضَانُ، يَنْوِي التَّطَوُّعَ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا بِعَزِيمَةٍ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ.
وَلَا يُجْزِئُهُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا بِعَزِيمَةٍ مِنْ اللَّيْلِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ.
فَإِنَّ الْمَرُّوذِيَّ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: يَكُونُ يَوْمُ الشَّكِّ يَوْمَ غَيْمٍ إذَا أَجْمَعِنَا عَلَى أَنَّنَا نُصْبِحُ صِيَامًا يُجْزِئُنَا مِنْ رَمَضَانَ، وَإِنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . أَلَيْسَ يُرِيدُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لَا، إذَا نَوَى مِنْ اللَّيْلِ أَنَّهُ صَائِمٌ أَجْزَأْهُ.
وَحَكَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ نَوَى نَفْلًا وَقَعَ عَنْهُ رَمَضَانُ وَصَحَّ صَوْمُهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَلَوْ نَوَى أَنْ يَصُومَ تَطَوُّعًا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَوَافَقَ رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَجَدْت هَذَا الْكَلَامَ اخْتِيَارًا لِأَبِي الْقَاسِمِ، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِهِ ". وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: لَا يُجْزِئُهُ، إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ مِنْ اللَّيْلِ بِلَا شَكٍّ وَلَا تَلَوُّمٍ.
فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: لَوْ نَوَى فِي رَمَضَانَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا، أَوْ نَوَى نَفْلًا، وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ، وَصَحَّ صَوْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ مُقْمِيًا؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ مُسْتَحَقٌّ فِي زَمَنٍ بِعَيْنِهِ، فَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ، كَالْقَضَاءِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، كَمَسْأَلَتِنَا فِي افْتِقَارِهِ إلَى التَّعْيِينِ، فَلَوْ طَافَ يَنْوِي بِهِ الْوَدَاعَ، أَوْ طَافَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ مُطْلَقًا، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ.
ثُمَّ الْحَجُّ مُخَالِفٌ لِلصَّوْمِ، وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا، وَيَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْضِ.
وَلَوْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَلَوْ نَوَى الْإِحْرَامَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، صَحَّ، وَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا، بِخِلَافِ الصَّوْمِ.

[فَصْلُ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ]

(2009) فَصْلٌ: وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ، إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ، فَرْضًا، وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ.
لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الصَّوْمَ مِنْ رَمَضَانَ جَزْمًا، وَيُجْزِئُهُ عَلَى الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى الصَّوْمَ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ، فَنَوَى أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ سَنَةِ سِتٍّ، أَوْ نَوَى الصَّوْمَ عَنْ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَكَانَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ غَدًا الْأَحَدُ، فَنَوَاهُ، وَكَانَ الِاثْنَيْنِ، صَحَّ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّوْمِ لَمْ تَخْتَلَّ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي الْوَقْتِ.

[فَصْلٌ إذَا عَيَّنَ النِّيَّةَ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ قَضَائِهِ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهُ فَرْضًا]

(2010) فَصْلٌ: وَإِذَا عَيَّنَ النِّيَّةَ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ قَضَائِهِ أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرٍ، لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهُ فَرْضًا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ.
وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ.

[مَسْأَلَةُ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ]

(2011) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ نَوَى صِيَامَ التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ، وَلَمْ يَكُنْ طَعِمَ، أَجْزَأَهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ، عِنْدَ إمَامِنَا، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي طَلْحَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُد: لَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» . وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ يَتَّفِقُ وَقْتُ النِّيَّةِ لِفَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ.
وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قُلْنَا: لَا.
قَالَ: فَإِنِّي إذًا صَائِمٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ عَاشُورَاءَ.
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ يُخَفَّفُ نَفْلُهَا عَنْ فَرْضِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقِيَامُ لِنَفْلِهَا، وَيَجُوزُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَكَذَا الصِّيَامُ.
وَحَدِيثُهُمْ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِنَا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْهُ، فَقَالَ: أُخْبِرُك مَا لَهُ عِنْدِي ذَلِكَ الْإِسْنَادُ، إلَّا أَنَّهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ، إسْنَادَانِ جَيِّدَانِ.
وَالصَّلَاةُ يَتَّفِقُ وَقْتُ النِّيَّةِ لِنَفْلِهَا وَفَرْضِهَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ لَا يُفْضِي إلَى تَقْلِيلهَا، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يُعَيِّنُ لَهُ الصَّوْمَ مِنْ النَّهَارِ، فَعُفِيَ عَنْهُ، كَمَا لَوْ جَوَّزْنَا التَّنَفُّلَ قَاعِدًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ، لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.

(2012) فَصْلٌ: وَأَيَّ وَقْتٍ مِنْ النَّهَارِ نَوَى أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ قَالَ: أَحَدُكُمْ بِأَخِيرِ النَّظَرَيْنِ، مَا لَمْ يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إنِّي لَمْ آكُلْ إلَى الظُّهْرِ، أَوْ إلَى الْعَصْرِ، أَفَأَصُومُ بَقِيَّةَ يَوْمِي؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي، فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ النِّيَّةُ بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ النَّهَارِ مَضَى مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، بِخِلَافِ النَّاوِي قَبْلَ الزَّوَالِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي الْأُصُولِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ؛ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَهَا، وَلَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا، وَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً، كَانَ مُدْرِكًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ بِالتَّشَهُّدِ، وَلَوْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى فِي أَوَّلِهِ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ، فَكَذَا جَمِيعُ النَّهَارِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ النَّفْلِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ نَوَى فِي التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ يَوْمِهِ، وَإِذَا أَجْمَعَ مِنْ اللَّيْلِ كَانَ لَهُ يَوْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي " الْهِدَايَةِ ": يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الْيَوْمِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَكَلَ فِي بَعْضِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ صِيَامُ بَاقِيه، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ

نِيَّةٍ حَقِيقَةً، كَمَا لَوْ نَسِيَ الصَّوْمَ بَعْدَ نِيَّتِهِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ الرَّكْعَةِ أَوْ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ كَانَ مُدْرِكًا لِجَمِيعِهَا.
وَلَنَا أَنَّ مَا قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يَنْوِ صِيَامَهُ، فَلَا يَكُونُ صَائِمًا فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَلَا تُوجَدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ.
وَدَعْوَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِصَوْمِ الْبَعْضِ أَنْ لَا تُوجَدَ الْمُفْطِرَاتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْيَوْمِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ «فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» . وَأَمَّا إذَا نَسِيَ النِّيَّةَ بَعْدَ وُجُودِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَصْحِبًا لِحُكْمِهَا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، فَإِنَّهَا لَمْ تُوجَدْ حُكْمًا، وَلَا حَقِيقَةً، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى الْفَرْضَ مِنْ اللَّيْلِ، وَنَسِيَهُ فِي النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ.
وَأَمَّا إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ رَكْعَةٍ، وَيَنْوِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ، وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَحِيلًا، أَمَّا أَنْ يَكُونَ مَا صَلَّى الْإِمَامُ قَبْلَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ مَحْسُوبًا لَهُ، بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْ فِعْلِهِ فَكَلَّا، وَلِأَنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ مُدْرِكٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الرَّكْعَةِ، لِأَنَّ الْقِيَامَ وُجِدَ حِينَ كَبَّرَ وَفَعَلَ سَائِرَ الْأَرْكَانِ مَعَ الْإِمَامِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ فِيهِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ وَرُكْنِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ طَعِمَ قَبْلَ النِّيَّةِ، وَلَا فَعَلَ مَا يُفْطِرُهُ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.

[مَسْأَلَةُ نَوَى الصِّيَام مِنْ اللَّيْلِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْر فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ]

(2013) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ، فَلَمْ يُفِقْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَدْ صَحَّتْ، وَزَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ، كَالنَّوْمِ.
وَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ، فَلَا يُضَافُ الْإِمْسَاكُ إلَيْهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ.
وَلِأَنَّ النِّيَّةَ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ، فَلَا تُجْزِئُ وَحْدَهَا، كَالْإِمْسَاكِ وَحْدَهُ، أَمَّا النَّوْمُ فَإِنَّهُ عَادَةٌ، وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَتَى نُبِّهَ انْتَبَهَ، وَالْإِغْمَاءُ عَارِضٌ يُزِيلُ الْعَقْلَ، فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَزَوَالُ الْعَقْلِ يَحْصُلُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا، الْإِغْمَاءُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَمَتَى فَسَدَ الصَّوْمُ بِهِ فَعَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛

لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَتَطَاوَلُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَزُلْ بِهِ التَّكْلِيفُ وَقَضَاءُ الْعِبَادَاتِ، كَالنَّوْمِ، وَمَتَى أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ، صَحَّ صَوْمُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: تُعْتَبَرُ الْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، لِيَحْصُلَ حُكْمُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِهِ.
وَلَنَا أَنَّ الْإِفَاقَةَ حَصَلَتْ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ، فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ فِي أَوَّلِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ مِنْ اللَّيْلِ، فَيَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا فِي النَّهَارِ، كَمَا لَوْ نَامَ أَوْ غَفَلَ عَنْ الصَّوْمِ، وَلَوْ كَانَتْ النِّيَّةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْإِفَاقَةِ فِي النَّهَارِ، لِمَا صَحَّ مِنْهُ صَوْمُ الْفَرْضِ بِالْإِفَاقَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ.
الثَّانِي، النَّوْمُ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ أَوْ بَعْضِهِ.
الثَّالِثُ، الْجُنُونُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِغْمَاءِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ، لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ، لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَلَزِمَهُ صِيَامُهُ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْيَوْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا وُجِدَ الْجُنُونُ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ، فَأَفْسَدَهُ وُجُودُهُ فِي بَعْضِهِ، كَالْحَيْضِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الْوُجُوبَ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ، فَمَنَعَهُ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ، كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ، وَأَمَّا إنَّ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَنَا مَنْعٌ فِي وُجُوبِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ بَعْضَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ، فَلَزِمَهُ، كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّوْمِ، كَالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ، وَيُفَارِقُ الْحَيْضَ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، وَإِنَّمَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ، وَيُحَرِّمُ فِعْلَهُ، وَيُوجِبُ الْغُسْلَ، وَيُحَرِّمُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْوَطْءَ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجُنُونِ عَلَيْهِ.

[مَسْأَلَةُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ]

(2014) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا سَافَرَ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، فَلَا يُفْطِرُ حَتَّى يَتْرُكَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَاهُ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، الَّذِي يُبِيحُ الْقَصْرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَدْرَهُ فِي الصَّلَاةِ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو الْمُسَافِرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهُ.

الثَّانِي، أَنْ يُسَافِرَ فِي أَثْنَاء الشَّهْرِ لَيْلًا، فَلَهُ الْفِطْرُ فِي صَبِيحَةِ اللَّيْلَةِ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا، وَمَا بَعْدَهَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ: لَا يُفْطِرُ مَنْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ الشَّهْرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . وَهَذَا قَدْ شَهِدَهُ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فَأُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ، كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الشَّهْرِ، وَالْآيَةُ تَنَاوَلَتْ الْأَمْرَ بِالصَّوْمِ لِمَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَهَذَا لَمْ يَشْهَدْهُ كُلَّهُ.
الثَّالِثُ، أَنْ يُسَافِرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَحُكْمُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَنْ سَافَرَ لَيْلًا، وَفِي إبَاحَةِ فِطْرِ الْيَوْمِ الَّذِي سَافَرَ فِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهُ أَنْ يُفْطِرَ.
وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُد، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: رَكِبْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ، قُلْت: أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ «أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَأَكَلَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ السَّفَرَ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ فِي النَّهَارِ لَأَبَاحَ الْفِطْرَ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ أَبَاحَهُ كَالْمَرَضِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ بِهِمَا، فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْآخَرِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِيهَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُفَارِقُ الصَّلَاةَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَلْزَمُ إتْمَامُهَا بِنِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ حَتَّى يُخَلِّفَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُجَاوِزُهَا وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْن بُنْيَانِهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ، إنْ شَاءَ، يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُ الْحَسَنِ قَوْلٌ شَاذٌّ، وَلَيْسَ الْفِطْرُ لِأَحَدٍ فِي الْحَضَرِ فِي نَظَرٍ وَلَا أَثَرٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ خِلَافُهُ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: «أَتَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ، وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْت لَهُ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ.
ثُمَّ رَكِبَ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . وَهَذَا شَاهِدٌ، وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ، وَمَهْمَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
فَأَمَّا أَنَسٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَرَزَ مِنْ الْبَلَدِ خَارِجًا مِنْهُ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي مَنْزِلِهِ ذَلِكَ.

[فَصْلُ نَوَى الْمُسَافِرُ الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ]

(2015) فَصْلٌ: وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ، فَقَالَ مَرَّةً: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: إنَّ صَحَّ حَدِيثُ الْكَدِيدِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
وَلَنَا، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مَا فَعَلْت، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ، وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَعْرُجُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَغَيْرِهِمَا، إلَّا الْجِمَاعَ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ فَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ؛ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ كَالْحَاضِرِ.

وَلَنَا أَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهِ، كَالتَّطَوُّعِ، وَفَارَقَ الْحَاضِرَ الصَّحِيحَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي الصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ، وَلِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَ حُصُولِ الْفِطْرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ.
وَمَتَى أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِعْلُ جَمِيعِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ، مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالصَّوْمِ، فَتَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ.

[فَصْلُ لَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ]

(2016) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ، كَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُرِدْ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ، لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَصْلِ.
فَإِنْ نَوَى صَوْمًا غَيْرَ رَمَضَانَ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، لَا عَنْ رَمَضَانَ، وَلَا عَنْ مَا نَوَاهُ.
هَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ إذَا كَانَ وَاجِبًا؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُهُ، فَكَانَ لَهُ صَوْمُهُ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، كَغَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَلَنَا أَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرَ لِلْعُذْرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصُومَهُ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، كَالْمَرِيضِ، وَبِهَذَا يُنْتَقَضُ مَا ذَكَرُوهُ، وَيُنْقَضُ أَيْضًا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهُ.
قَالَ صَالِحٌ: قِيلَ لِأَبِي: مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَهُوَ يَنْوِي بِهِ تَطَوُّعًا، يُجْزِئُهُ؟ قَالَ: أَوَيَفْعَلُ هَذَا مُسْلِمٌ،.

[مَسْأَلَةُ مُبْطِلَات الصِّيَام وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ]

[فَصْلُ الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِمَا يُتَغَذَّى بِهِ]

(2017) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، أَوْ احْتَجَمَ، أَوْ اسْتَعَطَ، أَوْ أَدْخَلَ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أَوْ قَبَّلَ فَأَمْنَى، أَوْ أَمْذَى، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ عَامِدًا، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، إذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا) (2018) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] مَدَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصِّيَامِ عَنْهُمَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِمَا يُتَغَذَّى بِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يَتَغَذَّى بِهِ، فَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ يَحْصُلُ بِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ:

لَا يُفْطِرُ بِمَا لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبَرْدَ فِي الصَّوْمِ، وَيَقُولُ: لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ.
وَلَعَلَّ مِنْ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إنَّمَا حَرَّمَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، فَمَا عَدَاهُمَا يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
وَلَنَا دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا.

[فَصْلُ الْحِجَامَةَ يُفْطِرُ بِهَا الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ]

(2019) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّ الْحِجَامَةَ يُفْطِرُ بِهَا الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.
وَكَانَ الْحَسَنُ، وَمَسْرُوقٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، لَا يَرَوْنَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ.
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا فِي الصَّوْمِ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعُرْوَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ، وَلَا يُفْطِرُ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ، أَشْبَهَ الْفَصْدَ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ.» رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ رَافِعٍ إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ: حَدِيثُ شَدَّادٍ وَثَوْبَانِ صَحِيحَانِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ شَدَّادٍ وَثَوْبَانِ.
وَحَدِيثُهُمْ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِنَا، بِدَلِيلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَاحَّةِ بِقَرْنٍ وَنَابٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ، فَوَجَدَ لِذَلِكَ ضَعْفًا شَدِيدًا، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ» . رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ، وَعَنْ الْحَكَمِ، قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَائِمٌ» فَضَعُفَ، ثُمَّ كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِهِمْ، يُعِدُّ الْحَجَّامَ وَالْمَحَاجِمَ، فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ احْتَجَمَ بِاللَّيْلِ.
كَذَلِكَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ نَسْخَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ فَأَفْطَرَ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ «قَاءَ فَأَفْطَرَ» فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى الْحَاجِمَ وَالْمُحْتَجِمَ يَغْتَابَانِ» فَقَالَ ذَلِكَ، قُلْنَا: لَمْ تَثْبُتْ

صِحَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ السَّبَبِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنْ الْحِجَامَةِ، وَهِيَ الْخَوْفُ مِنْ الضَّعْفِ، فَيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِمَا سِوَاهُ، أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً.
عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إجْمَاعًا، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ كَمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْغِيبَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَرَادَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْحِجَامَةِ امْتَنَعَ، وَهَذَا أَشَدُّ عَلَى النَّاسِ، مَنْ يَسْلَمُ مِنْ الْغِيبَةِ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ ضَعْفَ الصَّائِمِ بِهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْفِطْرَ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» أَيْ قَرُبَا مِنْ الْفِطْرِ.
قُلْنَا: هَذَا تَأْوِيلٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَاجِمِ، فَإِنَّهُ لَا ضَعْفَ فِيهِ.

[فَصْلُ يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ]

(2020) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ، أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ كَدِمَاغِهِ وَحَلْقِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفُذُ إلَى مَعِدَتِهِ، إذَا وَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ، وَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، سَوَاءٌ وَصَلَ مِنْ الْفَمِ عَلَى الْعَادَةِ، أَوْ غَيْرِ الْعَادَةِ كَالْوَجُورِ وَاللَّدُودِ، أَوْ مِنْ الْأَنْفِ كَالسَّعُوطِ، أَوْ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الدِّمَاغِ، أَوْ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْحَلْقِ كَالْكُحْلِ، أَوْ مَا يَدْخُلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الدُّبُرِ بِالْحُقْنَةِ، أَوْ مَا يَصِلُ مِنْ مُدَاوَاةِ الْجَائِفَةِ إلَى جَوْفِهِ، أَوْ مِنْ دَوَاءِ الْمَأْمُومَةِ إلَى دِمَاغِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى جَوْفِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ الْأَكْلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، أَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ، سَوَاءٌ اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِهِ، أَوْ عَادَ فَخَرَجَ مِنْهُ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُفْطِرُ بِالسَّعُوطِ، إلَّا أَنْ يَنْزِلَ إلَى حَلْقِهِ، وَلَا يُفْطِرُ إذَا دَاوَى الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ.
وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الْحُقْنَةِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَلْقِ مِنْهُ شَيْءٌ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ وَلَا الْجَوْفِ.
وَلَنَا أَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِهِ، فَيُفْطِرهُ، كَالْوَاصِلِ إلَى الْحَلْقِ، وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ، وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيه، فَيُفْطِرُهُ، كَجَوْفِ الْبَدَن.

[فَصْلُ إذَا وَجَدَ الصَّائِم طَعِّمْ الْكُحْلُ فِي حَلْقِهِ أَوْ عِلْم وُصُولَهُ إلَيْهِ]

(2021) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْكُحْلُ، فَمَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَوْ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَطَّرَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُفَطِّرْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَا يَجِدُ طَعْمَهُ كَالزُّرُورِ وَالصَّبْرِ وَالْقَطُورِ، أَفْطَرَ.
وَإِنْ اكْتَحَلَ بِالْيَسِيرِ مِنْ

الْإِثْمِدِ غَيْرِ الْمُطَيَّبِ، كَالْمِيلِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يُفْطِرْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَ الْكُحْلُ حَادًّا، فَطَّرَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَنَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ.
وَعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، أَنَّ الْكُحْلَ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُفَطِّرُهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَلِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مَنْفَذًا؛ فَلَمْ يُفْطِرْ بِالدَّاخِلِ مِنْهَا، كَمَا لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَوْصَلَ إلَى حَلْقِهِ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِفِيهِ فَأَفْطَرَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَلَهُ مِنْ أَنْفِهِ، وَمَا رَوَوْهُ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَابِ الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ شَيْءٌ.
ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ اكْتَحَلَ بِمَا لَا يَصِلُ.
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَتْ الْعَيْنُ مَنْفَذًا لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ يُوجَدُ طَعْمُهُ فِي الْحَلْقِ، وَيَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ فَيَتَنَخَّعَهُ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي إنْسَانٌ أَنَّهُ اكْتَحَلَ بِاللَّيْلِ فَتَنَخَّعَهُ بِالنَّهَارِ.
ثُمَّ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَاصِلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنْفَذٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ جَائِفَةً، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ.

[فَصْلُ مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَابْتِلَاعِ الرِّيق لَا يُفْطِرهُ]

(2022) فَصْلٌ: وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، كَابْتِلَاعِ الرِّيقِ لَا يُفَطِّرُهُ، لِأَنَّ اتِّقَاءَ ذَلِكَ يَشُقُّ، فَأَشْبَهَ غُبَارَ الطَّرِيقِ، وَغَرْبَلَةَ الدَّقِيقِ.
فَإِنْ جَمَعَهُ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ قَصْدًا لَمْ يُفَطِّرْهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ مَعِدَتِهِ، أَشْبَهَ مَا إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُفَطِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَصَدَ ابْتِلَاعَ غُبَارِ الطَّرِيقِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الرِّيقَ لَا يُفَطِّرُ إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ، وَإِنْ قَصَدَ ابْتِلَاعَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَهُ، بِخِلَافِ غُبَارِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ خَرَجَ رِيقُهُ إلَى ثَوْبِهِ، أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، أَوْ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَابْتَلَعَهُ، أَوْ بَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ، أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ فَمِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَلَعَ غَيْرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قُلْنَا: قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: هَذَا إسْنَادٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يُقَبِّلُ فِي الصَّوْمِ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا فِي غَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَمُصَّهُ، ثُمَّ لَا يَبْتَلِعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ انْفِصَالُ مَا عَلَى لِسَانِهَا مِنْ الْبَلَلِ إلَى فَمِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ حَصَاةً مَبْلُولَةً فِي فِيهِ، أَوْ لَوْ تَمَضْمَضَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَّهُ.
وَلَوْ تَرَكَ فِي فَمِهِ حَصَاةً أَوْ دِرْهَمًا، فَأَخْرَجَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ مِنْ الرِّيقِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي فِيهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الرِّيقِ كَثِيرًا فَابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يُفْطِرْ بِابْتِلَاعِ رِيقِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُفْطِرُ لِابْتِلَاعِهِ ذَلِكَ الْبَلَلَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْجِسْمِ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْفِصَالُ ذَلِكَ الْبَلَلِ، وَدُخُولُهُ إلَى حَلْقِهِ، فَلَا يُفَطِّرُهُ، كَالْمَضْمَضَةِ وَالتَّسَوُّكِ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْمَبْلُولِ.
وَيُقَوِّي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي مَصِّ لِسَانِهَا.
وَلَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ، ثُمَّ عَادَ فَأَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ، لَمْ يُفْطِرْ.

[فَصْلُ ابْتِلَاع الصَّائِم النُّخَامَةَ]

(2023) فَصْلٌ: وَإِنْ ابْتَلَعَ النُّخَامَةَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا، يُفْطِرُ.
قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إذَا تَنَخَّمَ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ، فَقَدْ أَفْطَرَ.
لِأَنَّ النُّخَامَةَ مِنْ الرَّأْسِ تَنْزِلُ، وَالرِّيقَ مِنْ الْفَمِ.
وَلَوْ تَنَخَّعَ مِنْ جَوْفِهِ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ، أَفْطَرَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهَا، أَشْبَهَ الدَّمَ، وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ، أَشْبَهَ الْقَيْءَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُفْطِرُ.
قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَيْسَ عَلَيْك قَضَاءٌ إذَا ابْتَلَعْتَ النُّخَامَةَ وَأَنْتَ صَائِمٌ.
لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فِي الْفَمِ، غَيْرُ وَاصِلٍ مِنْ خَارِجٍ، أَشْبَهَ الرِّيقَ.

[فَصْلُ سَالَ فَمُ الصَّائِم دَمًا أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ قَلْسٌ أَوْ قَيْء]

(2024) فَصْلٌ: فَإِنْ سَالَ فَمُهُ دَمًا، أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ قَلْسٌ أَوْ قَيْءٌ، فَازْدَرَدَهُ أَفْطَرَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا؛ لِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَالْأَصْلُ حُصُولُ الْفِطْرِ بِكُلِّ وَاصِلٍ مِنْهُ، لَكِنَّ عُفِيَ عَنْ الرِّيقِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَإِنْ أَلْقَاهُ مِنْ فِيهِ، وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا، أَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ، فَابْتَلَعَ رِيقَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُنَجَّسِ أَفْطَرَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ، وَإِلَّا فَلَا.

[فَصْلُ لَا يُفْطِرُ بِالْمَضْمَضَةِ]

(2025) فَصْلٌ: وَلَا يُفْطِرُ بِالْمَضْمَضَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْت مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْت: لَا بَأْسَ.
قَالَ: فَمَهْ» ؟ . وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ، كَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ.
وَإِنْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْشَقَ فِي الطَّهَارَةِ، فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا إسْرَافٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى جَوْفِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَأَفْطَرَ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ شُرْبَهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَارَتْ ذُبَابَةٌ إلَى حَلْقِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمُتَعَمِّدَ.
فَأَمَّا إنَّ أَسْرَفَ فَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» . حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
    وَلِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ بِذَلِكَ لِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى حَلْقِهِ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ.
    فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِيدَ الصَّوْمَ.
    وَهَلْ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، يُفْطِرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُبَالَغَةِ حِفْظًا لِلصَّوْمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ التَّعَمُّدَ.
    وَالثَّانِي، لَا يُفْطِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَأَشْبَهَ غُبَارَ الدَّقِيقِ إذَا نَخَلَهُ.
    فَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ؛ فَإِنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ، كَغَسْلِ فَمِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَضْمَضَةِ لِلطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا، أَوْ تَمَضْمَضَ مِنْ أَجْلِ الْعَطَشِ، كُرِهَ.
    وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الصَّائِمِ يَعْطَشُ فَيَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَمُجُّهُ.
    قَالَ: يَرُشُّ عَلَى صَدْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ.
    فَإِنْ فَعَلَ، فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى حَلْقِهِ، أَوْ تَرَكَ الْمَاءَ فِي فِيهِ عَابِثًا، أَوْ لِلتَّبَرُّدِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
    وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ الْعَطَشِ، أَوْ مِنْ الْحَرِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

[فَصْلُ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الصَّائِمُ]

(2026) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الصَّائِمُ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، «قَالَتَا: نَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَصُومُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ الْحَمَّامَ، وَهُوَ صَائِمٌ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
فَأَمَّا الْغَوْصُ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي الصَّائِمِ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ: إذَا لَمْ يَخَفْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ.
وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي الْمَاءِ، خَوْفًا أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ، فَإِنْ دَخَلَ فِي مَسَامِعِهِ، فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ مِنْ الْغُسْلِ الْمَشْرُوعِ، مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ، فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ، أَوْ أَسْرَفَ، أَوْ كَانَ عَابِثًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الدَّاخِلِ إلَى الْحَلْقِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلُ الصَّائِمِ يَمْضُغُ الْعِلْكَ]

(2027) فَصْلٌ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: الصَّائِمُ يَمْضُغُ الْعِلْكَ.
قَالَ: لَا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: الْعِلْكُ ضَرْبَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ، وَهُوَ الرَّدِيءُ الَّذِي إذَا مَضَغَهُ يَتَحَلَّلُ، فَلَا يَجُوزُ مَضْغُهُ، إلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَنَزَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، أَفْطَرَ بِهِ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ.
وَالثَّانِي، الْعِلْكُ الْقَوِيُّ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغَهُ صَلُبَ وَقَوِيَ، فَهَذَا يُكْرَهُ مَضْغُهُ وَلَا يَحْرُمُ.
وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْلُبُ الْفَمَ، وَيَجْمَعُ الرِّيقَ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ.
وَرَخَّصَتْ عَائِشَةُ فِي مَضْغِهِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، فَهُوَ كَالْحَصَاةِ يَضَعُهَا فِي فِيهِ، وَمَتَى مَضَغَهُ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، لَمْ يُفْطِرْ.
وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، لَمْ يُفْطِرْ.
وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُفَطِّرُهُ، كَالْكُحْلِ إذَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يُفَطِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمُجَرَّدُ الطَّعْمِ لَا يُفَطِّرُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: مِنْ لَطَّخَ بَاطِنَ قَدَمِهِ بِالْحَنْظَلِ، وَجَدَ طَعْمَهُ، وَلَا يُفْطِرُ، بِخِلَافِ الْكُحْلِ، فَإِنَّ أَجْزَاءَهُ تَصِلُ إلَى الْحَلْقِ، وَيُشَاهَدُ إذَا تَنَخَّعَ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا وَهُوَ صَائِمٌ، مَا لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا يَجِدُ طَعْمَهُ فَلَا يُعْجِبُنِي.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْت أَبِي عَنْ الصَّائِمِ يَفْتِلُ الْخُيُوطَ، قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْزُقَ.

[فَصْلُ ذَوْقَ الطَّعَامِ لِلصَّائِمِ]

(2028) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَذُوقَ الطَّعَامَ وَالْخَلَّ وَالشَّيْءَ يُرِيدُ شِرَاءَهُ.
وَالْحَسَنُ كَانَ يَمْضُغُ الْجَوْزَ لِابْنِ ابْنِهِ وَهُوَ صَائِمٌ.
وَرَخَّصَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْطِرْ.

[فَصْلُ لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ]

(2029) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ.
قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا أُحْصِي، يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ زِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ: مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَدْوَمَ

لِسِوَاكٍ رَطْبٍ وَهُوَ صَائِمٌ، مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ عُودًا ذَاوِيًا.
وَلَمْ يَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسِّوَاكِ أَوَّلَ النَّهَارِ بَأْسًا، إذَا كَانَ الْعُودُ يَابِسًا.
وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ تَرْكَ السِّوَاكِ بِالْعَشِيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ» لِتِلْكَ الرَّائِحَةِ لَا يُعْجِبُنِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي التَّسَوُّكِ بِالْعُودِ الرَّطْبِ، فَرُوِيَتْ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ.
وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَإِسْحَاقَ، وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُغَرِّرٌ بِصَوْمِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ إلَى حَلْقِهِ، فَيُفَطِّرَهُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ لَا يُكْرَهُ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعُرْوَةَ، وَمُجَاهِدٍ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ.

[فَصْلُ أَصْبَحَ الصَّائِم بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ]

(2030) فَصْلٌ: وَمَنْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ؛ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا؛ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ، فَازْدَرَدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُ لَفْظُهُ، فَإِنْ لَفَظَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَامِدًا، فَسَدَ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِمَّا يَأْكُلُهُ، فَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ.
وَلَنَا أَنَّهُ بَلَعَ طَعَامًا يُمْكِنُهُ لَفْظُهُ بِاخْتِيَارِهِ، ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَأَفْطَرَ بِهِ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْأَكْلَ، وَيُخَالِفُ مَا يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْصُقَ.
قُلْنَا: لَا يَخْرُجُ جَمِيعُ الرِّيقِ بِبُصَاقِهِ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ ابْتِلَاعِ رِيقِهِ كُلِّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ.

[فَصْلُ قَطَّرَ الصَّائِم فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا]

(2031) فَصْلٌ: فَإِنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا، لَمْ يُفْطِرْ بِهِ، سَوَاءٌ وَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ، أَوْ لَمْ يَصِلْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الدُّهْنَ إلَى جَوْفٍ فِي جَسَدِهِ، فَأَفْطَرَ، كَمَا لَوْ نَوَى الْجَائِفَةَ، وَلِأَنَّ الْمَنِيَّ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ فَيُفَطِّرُهُ، وَمَا أَفْطَرَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ جَازَ أَنْ يُفْطِرَ بِالدَّاخِلِ مِنْهُ، كَالْفَمِ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ بَاطِنِ الذَّكَرِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْبَوْلُ رَشْحًا، فَاَلَّذِي يَتْرُكُهُ فِيهِ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، فَلَا يُفَطِّرُهُ، كَاَلَّذِي يَتْرُكُهُ فِي فِيهِ وَلَمْ يَبْتَلِعْهُ.

[فَصْلُ الصَّائِم إذَا قَبَّلَ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى]

(2032) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: إذَا قَبَّلَ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى، وَلَا يَخْلُو الْمُقَبِّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ لَا يُنْزِلَ، فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.
وَيُرْوَى بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا، وَقِيلَ بِالتَّسْكِينِ: الْعُضْوُ.
وَبِالْفَتْحِ: الْحَاجَةُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «هَشَشْتُ فَقَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: صَنَعْت الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ.
فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْت: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: فَمَهْ؟ .» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
شَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الشَّهْوَةِ، وَأَنَّ الْمَضْمَضَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نُزُولُ الْمَاءِ لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا نُزُولُهُ أَفْطَرَ.
إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ: هَذَا رِيحٌ، لَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يُمْنِيَ فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إيمَاءِ الْخَبَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ، فَأَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يُمْذِيَ فَيُفْطِرَ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُفْطِرُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ.
وَلَنَا أَنَّهُ خَارِجٌ تَخَلَّلَهُ الشَّهْوَةُ، خَرَجَ بِالْمُبَاشَرَةِ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ، كَالْمَنِيِّ، وَفَارَقَ الْبَوْلَ بِهَذَا، وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ فِي هَذَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمُقَبِّلَ إذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ أَنْزَلَ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْقُبْلَةُ؛ لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِصَوْمِهِ، فَحَرُمَتْ، كَالْأَكْلِ.
وَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ، لَكِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنَّهُ ذَلِكَ، كُرِهَ لَهُ التَّقْبِيلُ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ صَوْمَهُ لِلْفِطْرِ، وَلَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ، فَأَعْرَضَ عَنِّي،

فَقُلْت لَهُ: مَا لِي؟ فَقَالَ: " إنَّك تُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ ". وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا مَنَعَتْ الْوَطْءَ مَنَعَتْ الْقُبْلَةَ، كَالْإِحْرَامِ.
وَلَا تَحْرُمُ الْقُبْلَةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ.
وَلِأَنَّ إفْضَاءَهُ إلَى إفْسَادِ الصَّوْمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِالشَّكِّ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُحَرِّكُ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ لَمَّا كَانَ مَالِكًا لِإِرْبِهِ، وَغَيْرُ ذِي الشَّهْوَةِ فِي مَعْنَاهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَأَتَاهُ آخَرُ، فَسَأَلَهُ، فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَإِذَا الَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَأَشْبَهَتْ لَمْسَ الْيَدِ لِحَاجَةٍ.
وَالثَّانِيَةُ، يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ حُدُوثَ الشَّهْوَةِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ، فَاسْتَوَى فِي الْقُبْلَةِ فِيهَا مَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، وَغَيْرُهُ، كَالْإِحْرَامِ.
فَأَمَّا اللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَلَمْسِ يَدِهَا لِيَعْرِفَ مَرَضَهَا، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَا يُكْرَهُ فِي الصِّيَامِ، كَلَمْسِ ثَوْبِهَا.

[فَصْلُ اسْتَمْنَى الصَّائِم بِيَدِهِ]

(2033) فَصْلٌ: وَلَوْ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِهِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقُبْلَةِ فِي إثَارَةِ الشَّهْوَةِ.
فَأَمَّا إنَّ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، وَلَا تَسَبُّبٍ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ.
وَلَوْ احْتَلَمَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، لِأَنَّهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ شَيْءٌ وَهُوَ نَائِمٌ.
وَلَوْ جَامَعَ فِي اللَّيْلِ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ مَا أَصْبَحَ، لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ فِي النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ شَيْئًا فِي اللَّيْلِ، فَذَرَعَهُ الْقَيْءُ فِي النَّهَارِ.

[فَصْلُ كَرَّرَ الصَّائِم النَّظَرَ فَأَنْزَلَ]

(2034) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: إذَا كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، وَلِتَكْرَارِ النَّظَرِ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِهِ إنْزَالٌ، فَلَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ.

الثَّانِي، أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ، فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ فِي قَوْلِ إمَامِنَا، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْحَسَنِ بْن صَالِحٍ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْفِكْرِ.
وَلَنَا أَنَّهُ إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَتَلَذَّذُ بِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ، كَالْإِنْزَالِ بِاللَّمْسِ، وَالْفِكْرُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، بِخِلَافِ تَكْرَارِ النَّظَرِ.
الثَّالِثُ: مَذْي بِتَكْرَارِ النَّظَرِ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ، وَلَا يُمْكِنْ قِيَاسُهُ عَلَى إنْزَالِ الْمَنِيِّ، لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ فِي الْأَحْكَامِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
فَأَمَّا إنْ نَظَرَ فَصَرَفَ بَصَرَهُ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ بِالنَّظَرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَرَّرَهُ.
وَلَنَا أَنَّ النَّظْرَةَ الْأُولَى لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا، فَلَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ مَا أَفْضَتْ إلَيْهِ، كَالْفِكْرَةِ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ التَّكْرَارُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ تَكْرَارَ النَّظَرِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِمَنْ لَا يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، كَالْقُبْلَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ إفْضَاءَهُ إلَى الْإِنْزَالِ الْمُفْطِرِ بَعِيدٌ جِدًّا، بِخِلَافِ الْقُبْلَةِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْمَذْيِ بِهَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ.

[فَصْلُ إنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ]

(2035) فَصْلٌ: فَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ، أَنَّهُ يَفْسُدُ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الْفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ، فَتَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ، بِدَلِيلِ تَأْثِيمِ صَاحِبِهَا فِي مُسَاكَنَتِهَا، فِي بِدْعَةٍ وَكُفْرٍ، وَمَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَأَمَرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي آلَائِهِ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ ذَلِكَ بِهَا، كَالِاحْتِلَامِ.
فَأَمَّا إنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ صُورَةُ الْفِعْلِ، فَأَنْزَلَ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» . وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ، وَلَا تَكْرَارِ النَّظَرِ، لِأَنَّهُ دُونَهُمَا فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ، وَيُخَالِفُهُمَا فِي التَّحْرِيمِ إذَا تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ فِي زَوْجَةٍ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.

[فَصْلُ الْمُفْسِدَ لِلصَّوْمِ]

(2036) الْفَصْلُ السَّادِسُ: أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلصَّوْمِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا كَانَ عَنْ عَمْدٍ وَقَصْدٍ، فَأَمَّا مَا حَصَلَ مِنْهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَالْغُبَارِ الَّذِي يَدْخُلُ حَلْقَهُ مِنْ الطَّرِيق، وَنَخْلِ الدَّقِيقِ، وَالذُّبَابَةِ الَّتِي تَدْخُلُ حَلْقَهُ، أَوْ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيَدْخُلُ مَسَامِعَهُ، أَوْ أَنْفَهُ أَوْ حَلْقَهُ، أَوْ يُلْقَى فِي مَاءٍ فَيَصِلُ إلَى جَوْفِهِ، أَوْ يَسْبِقُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ، أَوْ يُصَبُّ فِي حَلْقِهِ أَوْ أَنْفِهِ شَيْءٌ كَرْهًا، أَوْ تُدَاوَى مَأْمُومَتُهُ أَوْ جَائِفَتُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَوْ يُحَجَّمُ كَرْهًا، أَوْ تُقَبِّلُهُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَيُنْزِلُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فَلَا يُفْطِرُ، كَالِاحْتِلَامِ.
وَأَمَّا إنْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ، فَفَعَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُفْطِرُ بِهِ أَيْضًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.» قَالَ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمُفْطِرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ يُفْطِرُ لِدَفْعِ الْمَرَضِ، وَمِنْ يَشْرَبُ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، وَيُفَارِقُ الْمَلْجَأَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حِيزَ الْفِعْلِ، وَلِذَلِكَ لَا يُضَافُ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِيمَا لَوْ أُكْرِهْ عَلَى قَتْلِ آدَمِيٍّ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ.

[فَصْلُ مَتَى أَفْطَرَ بِشَيْءِ مِنْ مُفْطِرَاتِ الصِّيَامِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ]

(2037) الْفَصْلُ السَّابِعُ: أَنَّهُ مَتَى أَفْطَرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ، فَلَا تَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِأَدَائِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَلَا كَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَحَمَّادٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ أَنْزَلَ بِلَمْسٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ تَكْرَارِ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ عَنْ مُبَاشَرَةٍ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ.
وَعَنْهُ فِي الْمُحْتَجِمِ، إنْ كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ فِي الْمُحْتَجِمِ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ مَا كَانَ هَتْكًا لِلصَّوْمِ، إلَّا الرِّدَّةَ؛ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ فِي رَمَضَانَ أَشْبَهَ الْجِمَاعَ.
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، أَنَّ الْفِطْرَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ يُوجِبُ مَا يُوجِبُهُ الْجِمَاعُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ اعْتَبَرَ مَا يُتَغَذَّى بِهِ أَوْ يُتَدَاوَى بِهِ، فَلَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ نَوَاةً أَوْ فُسْتُقَةً بِقِشْرِهَا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِأَعْلَى مَا فِي الْبَابِ مِنْ جِنْسِهِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامِعِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَفْطَرَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، فَلَمْ تُوجِبْ الْكَفَّارَةَ، كَبَلْعِ الْحَصَاةِ أَوْ التُّرَابِ، أَوْ كَالرِّدَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِهَذَا وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَمَسُّ، وَالْحُكْمَ فِي التَّعَدِّي بِهِ آكَدُ، وَلِهَذَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا، وَيَخْتَصُّ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ دُونَ سَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ، وَوُجُوبِ الْبَدَنَةِ، وَلِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ يُفْسِدُ صَوْمَ اثْنَيْنِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

[فَصْلُ الْوَاجِبُ فِي قَضَاء رَمَضَانَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَوْمٌ]

(2038) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ فِي الْقَضَاءِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَوْمٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ إبْرَاهِيمُ، وَوَكِيعٌ:

يَصُومُ ثَلَاثَةَ آلَافِ يَوْمٍ.
وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِهِمَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا يَصُومُ شَهْرًا.
وَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِ السَّنَةِ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ: «صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْعُذْرِ وَعَدَمِهِ، بِدَلِيلِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُ رَبِيعَةَ يَبْطُلُ بِالْمَعْذُورِ.
وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان مُتَعَمَّدًا، لَمْ يَقْضِهِ، وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ» ، فَقَالَ: لَيْسَ يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ.

[مَسْأَلَةُ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ مُفْطِرَاتِ الصِّيَامِ نَاسِيًا]

(2039) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا، فَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا شَيْءَ عَلَى مِنْ أَكَلَ نَاسِيًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ: يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ عَمْدًا، لَا يَجُوزُ مَعَ سَهْوِهِ، كَالْجِمَاعِ، وَتَرْكِ النِّيَّةِ، وَلَنَا: مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ: (مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلَا يُفْطِرْ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ) . وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ، فَكَانَ فِي مَحْظُورَاتِهَا مَا يَخْتَلِفُ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجَّ.
وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَيْسَ تَرْكُهَا فِعْلًا، وَلِأَنَّهَا شَرْطٌ، وَالشُّرُوطُ لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ، بِخِلَافِ الْمُبْطِلَاتِ، وَالْجِمَاعُ حُكْمُهُ أَغْلَظُ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.

[فَصْلُ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ مُفْطِرَاتِ الصِّيَامِ وَهُوَ نَائِمٌ]

(2040) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نَائِمٌ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ، وَلَا عِلْمَ بِالصَّوْمِ، فَهُوَ أُعْذَرُ مِنْ النَّاسِي.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ.
أَنَّ مِنْ فَعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ، لَمْ يُفْطِرْ، وَلَمْ أَرَهُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» . فِي حَقَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُمَا يُحَجِّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، مَعَ جَهْلِهِمَا بِتَحْرِيمِهِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْلَ لَا يُعْذَرُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ جَهْلٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْفِطْرَ، كَالْجَهْلِ بِالْوَقْتِ فِي حَقَّ مَنْ يَأْكُلُ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ.

[مَسْأَلَةُ مَنْ اسْتِقَاء فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ]

(2041) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل