باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي التَّعْرِيفِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ قَالَ: عَرِّفْهَا، وَتَكُونُ بَيْنَنَا.
فَفَعَلَ، صَحَّ أَيْضًا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ نِصْفِهَا، وَوَكَّلَهُ فِي الْبَاقِي.
وَإِنْ قَصَدَ الثَّانِي بِالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَهَا لِنَفْسِهِ دُونِ الْأَوَّلِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ، فَمَلَكَهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِهَا لِنَفْسِهِ
وَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّعْرِيفِ لِلْأَوَّلِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ غَاصِبٌ فَعَرَّفَهَا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَعَرَّفَهَا، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا.
وَيُشْبِهُ هَذَا الْمُتَحَجِّرَ فِي الْمَوَاتِ إذَا سَبَقَهُ غَيْرُهُ إلَى مَا حَجَرَهُ، فَأَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
فَأَمَّا إنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ، فَعَرَّفَهَا، لَمْ يَمْلِكْهَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مُعْتَدٍ بِأَخْذِهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا، فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ.
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا الْتَقَطَهَا ثَانٍ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ وَالتَّعْرِيفُ.
[فَصْلٌ اصْطَادَ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِيهَا دُرَّةً]
(4519) فَصْلٌ: وَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً، فَوَجَدَ فِيهَا دُرَّةً، فَهِيَ لِلصَّيَّادِ؛ لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] . فَتَكُونُ لِآخِذِهَا، فَإِنْ بَاعَهَا الصَّيَّادُ وَلَمْ يَعْلَمْ، فَوَجَدَهَا الْمُشْتَرِي فِي بَطْنِهَا، فَهِيَ لِلصَّيَّادِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا فِي بَطْنِهَا فَلَمْ يَبِعْهُ، وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ، كَمَنْ بَاعَ دَارًا لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ فِيهَا.
وَإِنْ وَجَدَ فِي بَطْنِهَا عَنْبَرَةً أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَكُونُ فِي الْبَحْرِ، فَهُوَ لِلصَّيَّادِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَوْهَرَةِ
وَإِنْ وَجَدَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَهِيَ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْلَقُ فِي الْبَحْرِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا لِآدَمِيٍّ، فَيَكُونُ لُقَطَةً، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي الْبَحْرِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدُّرَّةِ إذَا كَانَ فِيهَا أَثَرٌ لِآدَمِيٍّ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ لُقَطَةً لَا يَمْلِكُهَا الصَّيَّادُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْبَحْرِ حَتَّى تَثْبُتَ الْيَدُ عَلَيْهَا، فَهِيَ كَالدِّينَارِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَنْبَرَةِ إذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ مَصْنُوعَةً، كَالتُّفَّاحَةِ مَثْقُوبَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخْلَقُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ، فَهِيَ لُقَطَةٌ
وَإِنْ وَجَدَهَا الصَّيَّادُ فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا؛ لِأَنَّهُ مُلْتَقِطُهَا، وَإِنْ وَجَدَهَا الْمُشْتَرِي، فَالتَّعْرِيفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدُهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْبِدَايَةِ بِالْبَائِعِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ السَّمَكَةُ ابْتَلَعَتْ ذَلِكَ بَعْدَ اصْطِيَادِهَا وَمِلْكِ الصَّيَّادِ لَهَا، فَاسْتَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ.
فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى شَاةً، وَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا دُرَّةً أَوْ عَنْبَرَةً أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، فَهِيَ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا، وَيَبْدَأُ بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ابْتَلَعَتْهَا مِنْ مِلْكِهِ فَيَبْدَأُ بِهِ، كَقَوْلِنَا فِي مُشْتَرِي الدَّارِ إذَا وَجَدَ فِيهَا مَالًا مَدْفُونًا
وَإِنْ اصْطَادَ السَّمَكَةَ مِنْ غَيْرِ الْبَحْرِ، كَالنَّهْرِ وَالْعَيْنِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الشَّاةِ، فِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي بَطْنِهَا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لُقَطَةٌ، دُرَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْبَحْرِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ.
وَيَحْتَمِلُ
أَنْ تَكُونَ الدُّرَّةُ لِلصَّيَّادِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] .
[فَصْلٌ وَجَدَ عَنْبَرَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ]
(4520) فَصْلٌ: وَإِنْ وَجَدَ عَنْبَرَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَهِيَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ أَلْقَاهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمِلْكِ فِيهَا، فَكَانَتْ مُبَاحَةً لِآخِذِهَا، كَالصَّيْدِ.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ
مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو الْعَبْدِيِّ، قَالَ: أَلْقَى بَحْرُ عَدَنَ عَنْبَرَةً مِثْلَ الْبَعِيرِ، فَأَخَذَهَا نَاسٌ بِعَدَنَ.
فَكُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إلَيْنَا، أَنْ خُذُوا مِنْهَا الْخُمُسَ، وَادْفَعُوا إلَيْهِمْ سَائِرَهَا، وَإِنْ بَاعُوكُمُوهَا فَاشْتَرُوهَا.
فَأَرَدْنَا أَنْ نَزِنَهَا فَلَمْ نَجِدْ مِيزَانًا يُخْرِجُهَا، فَقَطَعْنَاهَا اثْنَيْنِ، وَوَزَنَّاهَا، فَوَجَدْنَاهَا سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، فَأَخَذْنَا خُمُسَهَا، وَدَفَعْنَا سَائِرَهَا إلَيْهِمْ، ثُمَّ اشْتَرَيْنَاهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَبَعَثْنَا بِهَا إلَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى بَاعَهَا بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
[فَصْلٌ صَادَ غَزَالًا فَوَجَدَهُ مَخْضُوبًا أَوْ فِي عُنُقِهِ حِرْزٌ أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ]
(4521) فَصْلٌ: وَإِنْ صَادَ غَزَالًا، فَوَجَدَهُ مَخْضُوبًا، أَوْ فِي عُنُقِهِ حِرْزٌ، أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، فَهُوَ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ أَلْقَى شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا سَمَكَةٌ، فَجَذَبَتْ الشَّبَكَةَ، فَمَرَّتْ بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَصَادَهَا رَجُلٌ، فَإِنَّ السَّمَكَةَ لِلَّذِي حَازَهَا، وَالشَّبَكَةُ يُعَرِّفُهَا وَيَدْفَعُهَا إلَى صَاحِبِهَا.
فَجَعَلَ الشَّبَكَةَ لُقَطَةً؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِآدَمِيٍّ، وَالسَّمَكَةَ لِمَنْ صَادَهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً وَلَمْ يَمْلِكْهَا صَاحِبُ الشَّبَكَةِ، لِكَوْنِ شَبَكَتِهِ لَمْ تُثْبِتْهَا، فَبَقِيَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَهَكَذَا لَوْ نَصَبَ فَخًّا أَوْ شَرَكًا، فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ مِنْ صَيُودِ الْبَرِّ، فَأَخَذَهُ وَذَهَبَ بِهِ، وَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ لِمَنْ صَادَهُ، وَيَرُدُّ الْآلَةَ إلَى صَاحِبِهَا، فَهِيَ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ انْتَهَى إلَى شَرَكٍ فِيهِ حِمَارُ وَحْشٍ، أَوْ ظَبْيَةٌ، قَدْ شَارَفَ الْمَوْتَ، فَخَلَّصَهُ وَذَبَحَهُ: هُوَ لِصَاحِبِ الْأُحْبُولَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْأُحْبُولَةِ فَهُوَ لِمَنْ نَصَبَهَا، وَإِنْ كَانَ بَازِيًا أَوْ صَقْرًا أَوْ عُقَابًا.
وَسُئِلَ عَنْ بَازِي أَوْ صَقْرٍ أَوْ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَوْ فَهْدٍ، ذَهَبَ عَنْ صَاحِبِهِ، فَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَمَرَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَتَى لِذَلِكَ أَيَّامٌ، فَأَتَى قَرْيَةً، فَسَقَطَ عَلَى حَائِطٍ، فَدَعَاهُ رَجُلٌ فَأَجَابَهُ؟ قَالَ: يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ دَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَنَصَبَ لَهُ شَرَكًا فَصَادَهُ بِهِ؟ قَالَ: يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَجَعَلَ هَذَا لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِذَهَابِهِ عَنْهُ، وَالسَّمَكَةِ فِي الشَّبَكَةِ لَمْ يَكُنْ مَلَكَهَا وَلَا حَازَهَا، وَكَذَلِكَ جَعَلَ مَا وَقَعَ فِي الْأُحْبُولَةِ مِنْ الْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْعُقَابِ لِصَاحِبِ الْأُحْبُولَةِ.
وَلَمْ يَجْعَلُهُ هَاهُنَا لِمَنْ وَقَعَ فِي شَرَكِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَمْلُوكًا لَإِنْسَانٍ فَذَهَبَ، وَإِنَّمَا
يُعْلَمُ هَذَا بِالْخَبَرِ، أَوْ بِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فِيهِ، مِثْلَ وُجُودِ السَّيْرِ فِي رِجْلِهِ، أَوْ آثَارِ التَّعَلُّمِ، مِثْلَ اسْتِجَابَتِهِ لِلَّذِي يَدْعُوهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمَتَى لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَهُوَ لِمَنْ اصْطَادَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِلْكِ فِيهِ وَإِبَاحَتُهُ.
[فَصْلٌ أُخِذَتْ ثِيَابُهُ مِنْ الْحَمَّامِ وَوَجَدَ بَدَلَهَا]
(4522) فَصْلٌ: وَمَنْ أُخِذَتْ ثِيَابُهُ مِنْ الْحَمَّامِ، وَوَجَدَ بَدَلَهَا، وَأُخِذَ مَدَاسُهُ، وَتُرِكَ لَهُ بَدَلُهُ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فِي مَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ وَوَجَدَ غَيْرَهَا: لَمْ يَأْخُذْهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا.
إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ لَمْ تَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ ثِيَابِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا فَقَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ، فَيُعَرِّفُهُ كَاللُّقَطَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي هَذَا، فَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى السَّرِقَةِ، بِأَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُ أَوْ مَدَاسُهُ خَيْرًا مِنْ الْمَتْرُوكَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا لَا تَشْتَبِهُ عَلَى الْآخِذِ بِثِيَابِهِ وَمَدَاسِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْرِيفِ
لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا جُعِلَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ عَنْ رَبِّهِ، لِيَعْلَمَ بِهِ وَيَأْخُذَهُ، وَتَارِكُ هَذَا عَالِمٌ بِهِ رَاضٍ بِبَدَلِهِ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، وَلَا يَعْتَرِفُ أَنَّهُ لَهُ، فَلَا يَحْصُلُ فِي تَعْرِيفِهِ فَائِدَةٌ، فَإِذًا لَيْسَ هُوَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَفِيمَا يَصْنَعُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
الثَّانِي أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الظَّاهِرِ تَرَكَهَا لَهُ بَاذِلًا إيَّاهَا لَهُ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، فَصَارَ كَالْمُبِيحِ لَهُ أَخْذَهَا بِلِسَانِهِ، فَصَارَ كَمَنْ قَهَرَ إنْسَانًا عَلَى أَخْذِ ثَوْبِهِ، وَدَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا.
الثَّالِثُ أَنَّهُ يَرْفَعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، لِيَبِيعَهَا، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا عِوَضًا عَنْ مَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ، بِحُصُولِ عِوَضٍ عَنْهَا، وَنَفْعًا لِلسَّارِقِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ الْإِثْمِ، وَحِفْظًا لِهَذِهِ الثِّيَابِ الْمَتْرُوكَةِ مِنْ الضَّيَاعِ، وَقَدْ أَبَاحَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ حَقٌّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ، إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَائِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُنَا مَعَ رِضَاءِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِأَخْذِهِ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْآخِذَ لِلثِّيَابِ إنَّمَا أَخَذَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا ثِيَابُهُ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَتْرُوكَةُ خَيْرًا مِنْ الْمَأْخُوذَةِ أَوْ مَثَلَهَا، وَهِيَ مِمَّا تَشْتَبِهُ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الضَّائِعَةِ مِنْهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِهَا، أَخَذَهَا وَرَدَّ مَا كَانَ أَخَذَهُ فَتَصِيرُ كَاللُّقَطَةِ فِي الْمَعْنَى، وَبَعْدَ التَّعْرِيفِ إذَا لَمْ تُعْرَفْ، فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إلَّا أَنَّنَا إذَا قُلْنَا يَأْخُذُهَا أَوْ يَبِيعُهَا الْحَاكِمُ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ ثَمَنَهَا، فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِقَدْرِ قِيمَةِ ثِيَابِهِ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ فَاضِلٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهَا بِتَرْكِهَا عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ غَيْرَهَا اخْتِيَارًا مِنْهُ لِتَرْكِهَا، وَلَا رِضًى بِالْمُعَاوَضَةِ بِهَا.
وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَدْفَعُهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَبِيعَهَا، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا.
فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُسْقِطَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِهَا مَا قَابَلَ ثِيَابَهُ، وَيَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ عِنْدَهُ رُهُونٌ أَتَى عَلَيْهَا زَمَانٌ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا]
(4523) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ عِنْدَهُ رُهُونٌ، قَدْ أَتَى عَلَيْهَا زَمَانٌ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا: يَبِيعُهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا لَهُ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْتَوْفَى دُيُونَهُ الَّتِي رَهَنَ الرَّهْنَ بِهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ دَيْنَهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا، بَاعَهَا، وَاسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهَا، وَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا، رَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَبِيعَهَا، وَيُقْبِضَهُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِبَاقِيهِ.
[فَصْلٌ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالسَّاكِنُ فِي دَفْنٍ فِي الدَّارِ]
(4524) فَصْلٌ: نَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَحْمَدَ، إذَا تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالسَّاكِنُ فِي دَفْنٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا دَفَنْته.
بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا الَّذِي دَفَنَ، فَكُلُّ مَنْ أَصَابَ الْوَصْفَ فَهُوَ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يُوجَد فِي الْأَرْضِ مِنْ الدَّفْنِ مِمَّا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَاللُّقَطَةُ تُسْتَحَقُّ بِوَصْفِهَا، وَلِأَنَّ الْمُصِيبَ لِلْوَصْفِ فِي الظَّاهِرِ هُوَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَهُ أَجْنَبِيَّانِ، فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا.
[فَصْلٌ وَجَدَ لُقَطَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ]
(4525) فَصْلٌ: وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَيْشِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَطْرَحُهَا فِي الْمَقْسِمِ.
إنَّمَا عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِمُسْلِمٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِتَعْرِيفِهَا.
وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يُتَمِّمُ التَّعْرِيفَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا ابْتِدَاءُ التَّعْرِيفِ فَيَكُونُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِأَحَدِهِمْ، فَإِذَا قَفَلَ أَتَمَّ التَّعْرِيفَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي دَارِهِمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ تُعْرَفْ، مَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ
وَإِنْ كَانَ فِي الْجَيْشِ، طَرَحَهَا فِي الْمَقْسِمِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَأَشْبَهَتْ مُبَاحَاتِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا.
وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُتَلَصِّصًا، فَوَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ لَهُ، ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ غَنِيمَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لَهُ، لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَأَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةٌ.
[مَسْأَلَة مَوْتِ الْمُلْتَقِطُ]
(4526) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ قَدْ مَاتَ، فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا مَاتَ، وَاللُّقَطَةُ مَوْجُودَةٌ بِعَيْنِهَا، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي إتْمَامِ تَعْرِيفِهَا إنْ مَاتَ
قَبْلَ الْحَوْلِ، وَيَمْلِكُهَا بَعْدَ إتْمَامِ التَّعْرِيفِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ، وِرْثَهَا الْوَارِثُ، كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْمَيِّتِ، وَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا، أَخَذَهَا مِنْ الْوَارِثِ، كَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمَوْرُوثِ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةَ الْعَيْنِ، فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ لِلْمَيِّتِ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، أَوْ بِقِيمَتِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ اتَّسَعَتْ لِذَلِكَ، وَإِنْ ضَاقَتْ التَّرِكَةُ زَاحَمَ الْغُرَمَاءُ بِبَدَلِهَا، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحُلُولِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الْحَوْلِ
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَالْوَدِيعَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ تَمَلُّكِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، عَلَى رَأْيِ مِنْ رَأَى أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ تَلَفَهَا، وَلَمْ يَجِدْهَا فِي تَرِكَتِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ صَاحِبَهَا غَرِيمٌ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُلْتَقَطِ شَيْءٌ، وَيَسْقُطَ حَقُّ صَاحِبِهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُلْتَقِطِ مِنْهَا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَلَا تُشْغَلُ ذِمَّتُهُ بِالشَّكِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْتُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمَانَةً عِنْدَهُ، وَلَمْ تُعْلَمْ جِنَايَتُهُ فِيهَا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهَا.
وَإِنْ مَاتَ بَعْد الْحَوْلِ، فَهِيَ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا إلَى مَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِهِ، وَوُجُوبُ بَدَلِهَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ صَاحِبَهَا لَوْ جَاءَ بَعْدَ بَيْعِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا، أَوْ هِبَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَدَلُهَا، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهَا إذَا انْتَقَلَتْ إلَى الْوَارِثِ يَمْلِكُ صَاحِبُهَا أَخْذَهَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَوْرُوثِ
، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِمَوْرُوثِهِ، وَمِلْكُ مَوْرُوثِهِ فِيهَا كَانَ مُرَاعَاةً مَشْرُوطًا بِعَدَمِ مَجِيءِ صَاحِبِهَا، فَكَذَلِكَ مِلْكُ وَارِثِهِ، بِخِلَافِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهَبِ، فَإِنَّهُمَا يَمْلِكَانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.
[مَسْأَلَة كَانَ صَاحِبُ اللُّقَطَة جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا]
(4527) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا، فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ الْتَقَطَهَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَعَالَةَ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ وَغَيْرِهِمَا جَائِزَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَوْا حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يُقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: لَمْ تُقْرُونَا، فَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعَ شِيَاهٍ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهَا حَتَّى نَسْأَلَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَسَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَكُونُ مَجْهُولًا، كَرَدِّ الْآبِقِ وَالضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ فِيهِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى رَدِّهِمَا، وَقَدْ لَا يَجِدُ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِهِ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إبَاحَةِ بَذْلِ الْجُعْلِ فِيهِ، مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ
؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِجَارَةَ لَمَّا كَانَتْ لَازِمَةً، افْتَقَرَتْ إلَى تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، وَالْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ لَا يَجِبُ تَقْدِيرُ مُدَّتِهَا، وَلِأَنَّ الْجَائِزَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكُهَا، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ اللَّازِمَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِذَا قَالَ: مَنْ رَدَّ عَلَيَّ ضَالَّتِي أَوْ عَبْدِي الْآبِقَ، أَوْ خَاطَ لِي هَذَا الْقَمِيصَ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا.
صَحَّ، وَكَانَ عَقْدًا جَائِزًا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ حُصُولِ الْعَمَلِ.
لَكِنْ إنْ رَجَعَ الْجَاعِلُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْعَمَلِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ بِعِوَضٍ، فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ
وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ إتْمَامِ الْعَمَلِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ، وَيَصِيرُ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا، بِأَنْ لَا يَعْلَمَ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ
وَالثَّانِي أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، فَلَمْ يَجِبْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَالْعِوَضُ يَصِيرُ لَازِمًا بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجُوزَ الْجَعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ، وَمَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا.
فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ.
جَازَ وَقَالُوا: إذَا جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ، أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ، وَكَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، كَجَارِيَةٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِلُ
فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ الْبَصْرَةِ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ، أَوْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا، فَلَهُ كَذَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ فَمَعَ الْعِلْمِ أَوْلَى.
وَإِنْ عَلَّقَهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَقَالَ: مَنْ رَدَّ لِي عَبْدِي مِنْ الْعِرَاقِ فِي شَهْرٍ، فَلَهُ دِينَارٌ.
أَوْ مَنْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا فِي الْيَوْمِ، فَلَهُ دِرْهَمٌ.
صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا جَازَتْ مَجْهُولَةً، فَمَعَ التَّقْدِيرِ أَوْلَى
فَإِنْ قِيلَ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ، فَكَيْفَ أَجَزْتُمُوهُ فِي الْجَعَالَةِ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا أَنَّ الْجَعَالَةَ يُحْتَمَلُ فِيهَا الْغَرَرُ، وَتَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
الثَّانِي أَنَّ الْجَعَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا مَعَ الْغَرَرِ ضَرَرٌ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا مَعَ الْغَرَرِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ أَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا قُدِّرَتْ بِمُدَّةٍ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَهَا، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ، فَرُبَّمَا عَمِلَهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ
فَقَدْ لَزِمَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ.
فَقَدْ خَلَا بَعْضُ الْمُدَّةِ مِنْ الْعَمَلِ، إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ عَمَلِهِ، فَأَلْزَمْنَاهُ إتْمَامَ الْعَمَلِ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ.
فَمَا أَتَى بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْجُعْلَ هُوَ عَمَلٌ مُقَيَّدٌ بِمُدَّةٍ، إنْ أَتَى بِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فِيهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ عَمِلَ الْعَمَلَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عِوَضٌ يُسْتَحَقُّ بِعَمَلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ.
[فَصْلٌ جَعَلَ الْجَعْلَ فِي الْجَعَالَةِ لَوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ]
(4528) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْجُعْلَ فِي الْجَعَالَةِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَقُولَ لَهُ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ دِينَارٌ.
فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ يَرُدُّهُ سِوَاهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَيَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ.
فَمَنْ رَدَّهُ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَلِآخَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُعَيَّنِ عِوَضًا، وَلِسَائِرِ النَّاسِ عِوَضًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ فِي الْإِجَارَةِ مُخْتَلِفًا مَعَ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى
فَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ.
فَرَدَّهَا ثَلَاثَةٌ، فَلَهُمْ الدِّينَارُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِوَضُ، فَاشْتَرَكُوا فِي الْعِوَضِ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ.
فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ، اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا كَامِلًا، فَلِمَ لَا يَكُونُ هَاهُنَا كَذَلِكَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ دَخَلَ دُخُولًا كَامِلًا، كَدُخُولِ الْمُنْفَرِدِ، فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَامِلًا، وَهَا هُنَا لَمْ يَرُدُّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَامِلًا، إنَّمَا اشْتَرَكُوا فِيهِ، فَاشْتَرَكُوا فِي عِوَضِهِ.
فَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَلَهُ دِينَارٌ
فَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَبْدًا.
وَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ.
فَنَقَبَ ثَلَاثَةٌ نَقْبًا وَاحِدًا.
فَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهَا دِينَارًا، وَلِآخَرَ دِينَارَيْنِ، وَلِثَالِثٍ ثَلَاثَةً، فَرَدَّهُ الثَّلَاثَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ مَا جَعَلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْمُسَمَّى.
فَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ دِينَارًا، وَلِآخَرَيْنِ عِوَضًا مَجْهُولًا، فَرَدُّوهُ مَعًا، فَلِصَاحِبِ الدِّينَارِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْآخَرَيْنِ أَجْرُ عَمَلِهِمَا
وَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ شَيْئًا فِي رَدِّهَا، فَرَدَّهَا هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا: رَدَدْنَا مُعَاوَنَةً لَهُ.
اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْجُعْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ قَالَا: رَدَدْنَاهُ لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ لِأَنْفُسِنَا.
فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْلِ؛
لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْجُعْلِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْآخَرَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
[فَصْلٌ قَالَ مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ]
فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ.
فَرَدَّهُ إنْسَانٌ مِنْ نِصْفِ طَرِيقِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ نِصْفَ الْعَمَلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ دِينَارٌ.
فَرَدَّ أَحَدَهُمَا، فَلَهُ نِصْفُ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ، وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلَ فِي رَدِّهِ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَ فِي رَدِّ أَحَدِ عَبْدَيْهِ شَيْئًا فَرَدَّ الْآخَرَ.
وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ.
فَرَدَّهُ إنْسَانٌ إلَى نِصْفِ الطَّرِيقِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْجُعْلَ بِرَدِّهِ، وَلَمْ يَرُدَّهُ
وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، فَخَاطَهُ، وَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى تَلِفَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ كَانَ الْجَاعِلُ قَالَ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ فَقَدْ وُجِدَ الْوِجْدَانُ؟ قُلْنَا: قَرِينَةُ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الرَّدِّ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الرَّدُّ لَا الْوِجْدَانُ الْمُجَرَّدُ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْوِجْدَانِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الرَّدِّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَتِي فَرَدَّهَا عَلَيَّ.
[فَصْل الْجَعَالَة تُسَاوِي الْإِجَارَةَ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ]
(4530) فَصْلٌ: وَالْجَعَالَةُ تُسَاوِي الْإِجَارَةِ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ، وَمَا كَانَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا فَلَا، وَفِي أَنَّ مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ، جَازَ أَخْذُهُ عَلَيْهِ فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ، مِثْلُ الْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ، وَمَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، مِمَّا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْحَجِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْإِجَارَةَ
وَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ فِي أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَهِيَ لَازِمَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْمُدَّةِ، وَلَا بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ الْعَقْدِ مَعَ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ.
فَعَلَى هَذَا مَتَى شَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولًا، كَقَوْلِهِ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ ثَوْبٌ، أَوْ فَلَكَ سَلَبُهُ.
أَوْ شَرَطَ عِوَضًا مُحَرَّمًا، كَالْخَمْرِ وَالْحُرِّ، أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ ثُلُثُهُ، أَوْ مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ أَحَدُهُمَا.
فَرَدَّهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَهُ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ.
[فَصْلٌ رَدَّ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا غَيْرَ رَدِّ الْآبِقِ بِغَيْرِ جَعَلَ]
(4531) فَصْلٌ: وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا غَيْرَ رَدِّ الْآبِقِ، بِغَيْرِ جُعْلٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ مَعَ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مَعَ عَدَمِهَا، كَالْعَمَلِ فِي الْإِجَارَةِ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُعْلِ، فَقَالَ: جَعَلْت لِي فِي رَدِّ لُقَطَتِي كَذَا.
فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْعِوَضِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعِوَضِ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِهِ، كَرَبِّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَحَالَفَا، كَالْمُتَبَايِعِينَ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، وَالْأَجِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَجْرِ.
فَعَلَى هَذَا إنْ تَحَالَفَا فُسِخَ الْعَقْدُ، وَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَسَافَةِ، فَقَالَ: جَعَلْت لَك الْجُعْلَ عَلَى رَدِّهَا مِنْ حَلَبَ
فَقَالَ: بَلْ عَلَى رَدِّهَا مِنْ حِمْصَ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ الَّذِي جُعِلَ الْجُعْلُ فِي رَدِّهِ، فَقَالَ: رَدَدْت الْعَبْدَ الَّذِي شَرَطْت لِي الْجُعْلَ فِيهِ.
قَالَ: بَلْ شَرَطْت لَك الْجُعْلَ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ تَرُدَّهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِشَرْطِهِ، وَلِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ شَرْطًا فِي هَذَا الْعَقْدِ فَأَنْكَرَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الشَّرْطِ.
[فَصْلٌ رَدُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ]
(4532) فَصْلٌ: أَمَّا رَدُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِرَدِّهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ لَهُ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوجِبُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ
لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا جُعْلَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: " وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ". وَلَمْ يَذْكُرْ جُعْلًا.
وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرُطَ لَهُ عِوَضًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، كَمَا لَوْ رَدَّ جَمَلَهُ الشَّارِدَ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ، إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ، دِينَارًا
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي زَمَنِهِمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّ فِي شَرْطِ الْجُعْلِ فِي رَدِّهِمْ حَثًّا عَلَى رَدِّ الْإِبَاقِ، وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَرِدَّتِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَتَقْوِيَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ رَدَّ الشَّارِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَقْرَبُ إلَى الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَلَا الْقِيَاسُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَلَا تَحَقَّقَتْ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ الظَّاهِرُ هَرَبَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا فِي الْمَجْلُوبِ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، وَهَذَا بَعِيدٌ فِيهِمْ
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَدْرِ الْجُعْلِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارٌ، إنْ رَدَّهُ مِنْ الْمِصْرِ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ
إحْدَاهُمَا يَلْزَمُهُ دِينَارٌ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، لِلْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَالثَّانِيَةُ، لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَشُرَيْحٍ.
فَرَوَى أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إنِّي أَصَبْت عَبِيدًا إبَاقًا.
فَقَالَ: لَك أَجْرٌ وَغَنِيمَةٌ.
فَقُلْت: هَذَا الْأَجْرُ، فَمَا الْغَنِيمَةُ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَعْطَيْت الْجُعْلَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ.
قَالَ الْخَلَّالُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ إسْنَادًا.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَجَدَهُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ، يُرْضَخُ لَهُ عَلَى قَدْرِ الْمَكَانِ الَّذِي تَعْنِي إلَيْهِ
وَلَا فَرْقَ عِنْدَ إمَامِنَا بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ الْجُعْلَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ لَا يَزِيدَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ نَقَصَ الْجُعْلُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمًا، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ.
وَلَنَا عُمُومُ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّهُ جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ فِي رَدِّ الْآبِقِ، فَاسْتَحَقَّهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبُهُ، وَيَسْتَحِقُّهُ إنْ مَاتَ سَيِّدُهُ فِي تَرِكَتِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الَّذِي رَدَّهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلَى، سَقَطَ الْجُعْلُ
وَلَنَا أَنَّ هَذَا عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ وَرَثَةِ الْمَوْلَى.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَنْ رَدَّهُ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الْإِبَاقِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَنَا الْخَبَرُ، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ، وَلِأَنَّهُ رَدَّ آبِقًا، فَاسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، كَالْمَعْرُوفِ بِرَدِّهِمْ.
[فَصْلٌ أَخْذُ الْآبِقِ لِمَنْ وَجَدَهُ]
(4533) فَصْل: وَيَجُوزُ أَخْذُ الْآبِقِ لِمَنْ وَجَدَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُؤْمَنُ لَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَارْتِدَادُهُ، وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ فِي سَائِر الْبِلَادِ، بِخِلَافِ الضَّوَالِّ الَّتِي تَحْفَظُ نَفْسَهَا.
فَإِذَا أَخَذَهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهُ، دَفَعَهُ إلَيْهِ إذَا أَقَامَ بِهِ الْبَيِّنَةَ، أَوْ اعْتَرَفَ الْعَبْدُ أَنَّهُ سَيِّدُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَيِّدَهُ، دَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ،
فَيَحْفَظُهُ لِصَاحِبِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا
وَلَيْسَ لِمُلْتَقِطِهِ بَيْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْحَفِظُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ.
فَإِنْ بَاعَهُ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَإِنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا فِي بَيْعِهِ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِهَذَا نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ ثُمَّ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ حُرٌّ
وَلَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَهُ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَهُوَ كَتَرِكَةِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ.
فَإِنْ عَادَ السَّيِّدُ فَأَنْكَرَ الْعِتْقَ، وَطَلَبَ الْمَالَ، دُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ.
[فَصْلٌ أَبَقَ الْعَبْدُ فَحَصَلَ فِي يَدِ حَاكِمٍ فَأَقَامَ سَيِّدُهُ بَيِّنَةً عِنْدَ حَاكِمِ بَلَدٍ آخَرَ]
(4534) فَصْلٌ: وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، فَحَصَلَ فِي يَدِ حَاكِمٍ، فَأَقَامَ سَيِّدُهُ بَيِّنَةً عِنْدَ حَاكِمِ بَلَدٍ آخَرَ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَاسْتَقْصَى صِفَاتِهِ، عَبْدَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَبَقَ مِنْهُ، فَقَبِلَ الْحَاكِمُ بَيِّنَتَهُ، وَكَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى الْحَاكِمِ الَّذِي عِنْدَهُ الْعَبْدُ: ثَبَتَ عِنْدِي إبَاقُ فُلَانٍ الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا.
قَبِلَ كِتَابَهُ، وَسَلَّمَ إلَيْهِ الْعَبْدَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: يَأْخُذُ بِهِ كَفِيلًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَثْبَتَتْهُ بِصِفَاتِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِوَصْفِهِ فِي السَّلَمِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُونَ بِالصِّفَاتِ، وَقَدْ تَتَّفِقُ الصِّفَاتُ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ، وَيُفَارِقُ الْمُسْلَمَ فِيهِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ مَا يُوجَدُ مِنْهُ الصِّفَةُ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيِّنٍ.
وَلَنَا أَنَّهُ يُقْبَلُ كِتَابُ الْحَاكِمِ إلَى الْحَاكِمِ عَلَى شَخْصٍ غَائِبٍ، وَيُؤْخَذُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ، وَلَيْسَ ثَمَّ شَهَادَةٌ عَلَى عَيْنٍ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا، إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ تَسْلِيمِهِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ يَخْتِمُ فِي عُنُقِهِ خَيْطًا ضَيِّقًا لَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلِهِ، لِيَحْمِلَهُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ، لِيُشْهِدَ الشُّهُودَ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ شَهِدُوا بِعَيْنِهِ، سُلِّمَ إلَى مُدَّعِيه، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ فِي ضَمَانِ الَّذِي أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.
[مَسْأَلَة كَانَ الْتَقَطَهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا لِعِلَّةِ الْجُعْلِ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْتَقَطَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّهَا لِعِلَّةِ الْجُعْلِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ) . إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا الْتَقَطَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، فَقَدْ الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَعَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ جُعْلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، كَمَا لَوْ الْتَقَطَهَا وَلَمْ يَجْعَلْ رَبُّهَا فِيهَا شَيْئًا.
وَفَارَقَ الْمُلْتَقِطَ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْجُعْلَ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ جُعِلَ لَهُ، فَاسْتَحَقَّهُ، كَالْأَجِيرِ إذَا عَمِلَ بَعْدَ الْعَقْدِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْتِقَاطُهُ
لَهَا بَعْدَ الْجُعْلِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا
وَلَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْجُعْلِ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الْوَاجِبِ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ.
وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ الْمُلْتَقِطُ، فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ عِوَضًا عَنْ الِالْتِقَاطِ الْمُبَاحِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مُلْتَقِطَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، سَوَاءٌ رَدَّهَا لِعِلَّةِ الْجُعْلِ أَوْ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ مَعَ قَصْدِهِ إيَّاهُ، وَعَمَلِهِ مِنْ أَجْلِهِ، فَلَأَنْ لَا يَسْتَحِقَّهُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْلَى.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ رَدَّهَا لِعِلَّةِ الْجُعْلِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ فِيمَا إذَا رَدَّهَا لِغَيْرِ عِلَّتِهِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَدْعُو إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي مِنْ يُرِيدُ الْجُعْلَ، أَمَّا مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يُرِيدُهُ، فَلَا يَقَعُ التَّنَازُعُ فِيهِ غَالِبًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالسَّفِيهَ إذَا الْتَقَطَ أَحَدُهُمْ لُقَطَةً ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا]
(4536) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ اللُّقَطَةَ سَفِيهًا أَوْ طِفْلًا، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا، فَإِنْ تَمَّتْ السَّنَةُ، ضَمَّهَا إلَى مَالِ وَاجِدِهَا) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالسَّفِيهَ، إذَا الْتَقَطَ أَحَدُهُمْ لُقَطَةً، ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ، فَصَحَّ مِنْهُ، كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ.
وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ.
وَإِذَا عَلِمَ بِهَا وَلِيُّهُ، لَزِمَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ، فَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الصَّبِيِّ.
وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ، فَإِذَا تَرَكَهَا فِي يَدِهِ كَانَ مُضَيِّعًا لَهَا، وَإِذَا أَخَذَهَا الْوَلِيُّ، عَرَّفَهَا؛ لِأَنَّ وَاجِدَهَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّعْرِيفِ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، دَخَلَتْ فِي مِلْكِ وَاجِدِهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ شَرْطُهُ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ، كَمَا لَوْ اصْطَادَ صَيْدًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا: إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، فَكَأَنَّ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِحَيْثُ يُسْتَقْرَضُ لَهُمَا، يَتَمَلَّكُهُ لَهُمَا، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَمَلَّكُهُ لَهُمَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ ظُهُورِ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ تَمَلُّكُهُ مَصْلَحَةً لَهُ
وَلَنَا عُمُومُ الْأَخْبَارِ، وَلَوْ جَرَى هَذَا مَجْرَى الِاقْتِرَاضِ لَمَا صَحَّ الْتِقَاطُ صَبِيٍّ لَا يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَبَرُّعًا بِحِفْظِ مَالِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.
(4537) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى، فِي غُلَامٍ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، الْتَقَطَ لُقَطَةً، ثُمَّ كَبِرَ: فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا.
قَدْ مَضَى أَجَلُ التَّعْرِيفِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ السِّنِينَ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالَ أَجَلِ التَّعْرِيفِ.
قَالَ: وَقَدْ كُنْت سَمِعْته قَبْلَ هَذَا أَوْ بَعْدَهُ يَقُولُ فِي انْقِضَاءِ أَجَلِ التَّعْرِيفِ إذَا لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا:
أَيَتَصَدَّقُ بِمَالِ الْغَيْر؟
، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَى نَحْوُهَا فِيمَا إذَا لَمْ يُعَرِّفْ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ فِي حَوْلِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَإِنْ عَرَّفَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ ظَاهِرًا، لِكَوْنِ صَاحِبِهَا يَئِسَ مِنْهَا، وَتَرَكَ طَلَبَهَا.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَرَكَ التَّعْرِيفَ لِعُذْرٍ، كَانَ كَتَرْكِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِكَوْنِ الصَّبِيِّ مِنْ أَهْلِ الْعُذْرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا وَجْهَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ، أَصَابَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَذَهَبَ بِهَا إلَى مَنْزِلِهِ، فَضَاعَتْ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرَادَ رَدَّهَا، فَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهَا: تَصَدَّقَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَشَرَةً، وَكَانَ يُجْحِفُ بِهِ، تَصَدَّقَ قَلِيلًا قَلِيلًا
قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِ الصَّبِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ وَلِيَّهُ حَتَّى يَقُومَ بِتَعْرِيفِهَا.
[فَصْلٌ وَجَدَ الْعَبْدُ لُقَطَةً]
(4538) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَدَ الْعَبْدُ لُقَطَةً، فَلَهُ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَيَصِحُّ الْتِقَاطُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ أَمَانَةُ وِلَايَةٍ، فِي الثَّانِي تَمَلُّكٌ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ وَلَا الْمِلْكِ.
وَلَنَا عُمُومُ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الصَّبِيُّ وَيَصِحُّ مِنْهُ، فَصَحَّ مِنْ الْعَبْدِ، كَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ، صَحَّ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ، كَالْحُرِّ
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ وَالْأَمَانَاتِ.
يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُمَا أَدْنَى حَالًا مِنْهُ فِي هَذَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّهُ يَتَمَلَّكُ لِسَيِّدِهِ، كَمَا يَحْصُلُ بِسَائِرِ الِاكْتِسَابِ، وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ تَخْلِيصُ مَالٍ مِنْ الْهَلَاكِ، فَجَازَ مِنْ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، كَإِنْقَاذِ الْمَالِ الْغَرِيقِ وَالْمَغْصُوبِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ لُقَطَةً كَانَتْ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ إتْلَافٍ، وَجَبَ ضَمَانُهَا فِي رَقَبَتِهِ، كَسَائِرِ جِنَايَاتِهِ، وَإِنْ عَرَّفَهَا، صَحَّ تَعْرِيفُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ قَوْلًا صَحِيحًا، فَصَحَّ تَعْرِيفُهُ، كَالْحُرِّ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَهَا سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ كَسْبُ الْعَبْدِ، وَكَسْبُهُ لِسَيِّدِهِ
وَإِنْ عَلِمَ السَّيِّدُ بِلُقَطَةِ عَبْدِهِ، كَانَ لَهُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ، وَلِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ كَسْبِهِ مِنْ يَدِهِ، فَإِذَا انْتَزَعَهَا بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهَا الْعَبْدُ مَلَكَهَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعَرِّفْهَا، عَرَّفَهَا سَيِّدُهُ حَوْلًا كَامِلًا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ عَرَّفَهَا بَعْضَ الْحَوْلِ، عَرَّفَهَا السَّيِّدُ تَمَامَهُ.
فَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ إقْرَارَهَا فِي يَدِ عَبْدِهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَمِينًا جَازَ، وَكَانَ السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِعَبْدِهِ فِي حِفْظِهَا، كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حِفْظِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ أَمِينٍ، كَانَ السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بِإِقْرَارِهَا فِي يَدِهِ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِهِ، وَمَا يَسْتَحِقُّ بِهَا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ
وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ، فَلَهُ انْتِزَاعُ اللُّقَطَةِ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَأَكْسَابُهُ لِسَيِّدِهِ.
وَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ، وَتَسْلِيمُهَا
إلَى الْحَاكِمِ، لِيُعَرِّفهَا، ثُمَّ يَدْفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ.
فَإِنْ أَعْلَمَ سَيِّدَهُ بِهَا، فَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ، أَوْ أَخَذَهَا فَعَرَّفَهَا وَأَدَّى الْأَمَانَةَ فِيهَا فَتَلِفَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطَهُ، فَلَا ضَمَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِتَفْرِيطٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْأَمَانَةَ فِيهَا، وَجَبَ ضَمَانُهَا، وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ وَذِمَّةِ السَّيِّدِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ حَصَلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
[فَصْلٌ الْمَكَاتِب كَالْحُرِّ فِي اللُّقَطَةِ]
(4539) فَصْلٌ: وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ فِي اللُّقَطَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَهُ فِي الْحَالِ، وَأَكْسَابُهُ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ، وَاللُّقَطَةُ مِنْ أَكْسَابِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَادَ عَبْدًا، وَصَارَ حُكْمُهُ فِي اللُّقَطَةِ حُكْمَ الْعَبْدِ، عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ.
وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ.
وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ إذَا الْتَقَطَ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ نِصْفَيْنِ، كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ، وَهِيَ بَيْنَهُمَا فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ كَالْحُرَّيْنِ إذَا الْتَقَطَا لُقَطَةً، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، فَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ؛ لِأَنَّهَا كَسْبٌ نَادِرٌ، لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَلَا يُظَنُّ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْمُهَايَأَةِ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا
وَالثَّانِي: تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ أَكْسَابِهِ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي يَوْمِهِ فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهَا فِي يَوْمِ سَيِّدِهِ فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلُقَطَتُهُ بَيْنَهُمَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ.
[فَصْلٌ الذِّمِّيُّ فِي الِالْتِقَاطِ كَالْمُسْلِمِ]
(4540) فَصْلٌ: وَالذِّمِّيُّ فِي الِالْتِقَاطِ كَالْمُسْلِمِ.
وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ الِالْتِقَاطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ.
وَلَنَا أَنَّهَا نَوْعُ اكْتِسَابٍ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا، كَالْحَشِّ وَالِاحْتِطَابِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُهُمَا، مَعَ عَدَمِ الْأَمَانَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا كَامِلًا، مَلَكَهَا كَالْمُسْلِمِ، وَإِنْ عَلِمَ بِهَا الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ، أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ.
وَضَمَّ إلَيْهِ مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عَلَيْهِ، وَيُعَرِّفُهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ الْكَافِرَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، وَلَا نَأْمَنُهُ أَنْ يُخِلَّ فِي التَّعْرِيفِ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَجْرُ الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُنْزَعَ مِنْ يَدِ الذِّمِّيِّ، وَتُوضَعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ غَيْر الْأَمِينِ لَا يَأْخُذ اللُّقَطَةَ]
(4541) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَيْسَ بِأَمِينٍ أَنْ لَا يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْأَمَانَةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، فَإِنْ الْتَقَطَ صَحَّ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهَا جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ الْكَسْبِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَسْبِ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الْتِقَاطُ الْكَافِرِ، فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى، فَإِذَا الْتَقَطَهَا فَعَرَّفَهَا حَوْلًا، مَلَكَهَا كَالْعَدْلِ.
وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ بِهَا، أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ، وَضَمَّ إلَيْهِ مُشْرِفًا يُشْرِفُ عَلَيْهِ، وَيَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا كَمَا قُلْنَا فِي الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا نَأْمَنُهُ عَلَيْهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَنْزِعُهَا مِنْ يَدِهِ، وَيَضَعُهَا فِي يَدِ عَدْلٍ
وَلَنَا أَنَّ مَنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ، لَمْ تَزُلْ يَدُهُ عَنْ اللُّقَطَةِ، كَالْعَدْلِ، وَالْحِفْظُ يَحْصُلُ بِضَمِّ الْمُشْرِفِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْمُشْرِفَ حِفْظُهَا مِنْهُ، اُنْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَتُرِكَتْ فِي يَدِ عَدْلٍ، فَإِذَا عَرَّفَهَا وَتَمَّتْ السَّنَةُ، مَلَكَهَا مُلْتَقِطُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ.
[مَسْأَلَة وَجَدَ الشَّاةَ بِمِصْرَ أَوْ بِمُهْلِكَةِ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا وَجَدَ الشَّاةَ بِمِصْرٍ، أَوْ بِمَهْلَكَةٍ، فَهِيَ لُقَطَةٌ) يَعْنِي أَنَّهُ يُبَاحُ أَخْذُهَا وَالْتِقَاطُهَا، وَحُكْمُهَا إذَا أَخَذَهَا حُكْمُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فِي التَّعْرِيفِ وَالْمِلْكِ بَعْدَهُ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ضَالَّةَ الْغَنَمِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا لَهُ أَكْلُهَا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَهِيَ الثَّعْلَبُ، وَابْنُ آوَى، وَالذِّئْبُ، وَوَلَدُ الْأَسَدِ وَنَحْوُهَا
فَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا، كَفُصْلَانِ الْإِبِلِ، وَعُجُولِ الْبَقَرِ، وَأَفْلَاءِ الْخَيْلِ، وَالدَّجَاجِ، وَالْإِوَزِّ وَنَحْوِهَا، يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ.
وَيُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ الْتِقَاطُهَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَقْرَبَهَا، إلَّا أَنْ يَحُوزَهَا لِصَاحِبِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» . وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ أَشْبَهَ الْإِبِلَ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا سُئِلَ عَنْ الشَّاةِ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَلِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ وَالضَّيَاعُ، فَأَشْبَهَ لُقَطَةَ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَحَدِيثُنَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَنَخُصُّهُ بِهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْإِبِلِ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ مَنْعَ الْتِقَاطِهَا بِأَنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْغَنَمِ، ثُمَّ قَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا قِيَاسُ مَا أَمَرَ بِالْتِقَاطِهِ عَلَى مَا مَنَعَ ذَلِكَ فِيهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَهَا بِمِصْرٍ أَوْ بِمَهْلَكَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ،
فِي الشَّاةِ تُوجَدُ فِي الصَّحْرَاءِ: اذْبَحْهَا، وَكُلْهَا.
وَفِي الْمِصْرِ: ضُمَّهَا حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» . وَالذِّئْبُ لَا يَكُونُ فِي الْمِصْرِ
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " خُذْهَا ". وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ، وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ، فَاسْتَوَى فِيهَا الْمِصْرُ وَالصَّحْرَاءُ، كَسَائِرِ اللُّقَطَاتِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الذِّئْبَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الصَّحْرَاءِ.
قُلْنَا: كَوْنُهَا لِلذِّئْبِ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا لِغَيْرِهِ فِي الْمِصْرِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى عَرَّفَهَا حَوْلًا كَامِلًا، مَلَكَهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا.
وَلَعَلَّهَا الرِّوَايَةُ الَّتِي مَنَعَ مِنْ الْتِقَاطِهَا فِيهَا.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ» ، فَأَضَافَهَا إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ، وَلِأَنَّهَا يُبَاحُ الْتِقَاطُهَا، فَمُلِكَتْ بِالتَّعْرِيفِ، كَالْأَثْمَانِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعٌ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
[فَصْلٌ يَتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُ ضَالَّةِ الْغَنَمِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ]
(4543) فَصْلٌ: وَيَتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَكْلُهَا فِي الْحَالِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ضَالَّةَ الْغَنَمِ، فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا، لَهُ أَكْلُهَا.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» . فَجَعَلَهَا لَهُ فِي الْحَالِ، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لَا يَسْتَأْنِي بِأَكْلِهَا، وَلِأَنَّ فِي أَكْلِهَا فِي الْحَالِ إغْنَاءً عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَحِرَاسَةً لِمَالِيَّتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا إذَا جَاءَ.
فَإِنَّهُ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا بِكَمَالِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَفِي إبْقَائِهَا تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَالْغَرَامَةِ فِي عَلَفِهَا، فَكَانَ أَكْلُهَا أَوْلَى.
وَمَتَى أَرَادَ أَكْلَهَا حَفِظَ صِفَتَهَا، فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا لَهُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا مَالِكًا، فَإِنَّهُ قَالَ: كُلْهَا، وَلَا غُرْمَ عَلَيْك لِصَاحِبِهَا وَلَا تَعْرِيفَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " هِيَ لَك ". وَلَمْ يُوجِبْ فِيهَا تَعْرِيفًا وَلَا غُرْمًا، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لَا يُعَرِّفُ وَلَا يَغْرَمُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُوَافِقْ مَالِكًا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِهِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «رُدَّ عَلَى أَخِيك ضَالَّتَهُ»
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا، وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ لَهَا قِيمَةٌ، وَتَتْبَعُهَا النَّفْسُ، فَتَجِبُ غَرَامَتُهَا لِصَاحِبِهَا إذَا جَاءَ كَغَيْرِهَا، وَلِأَنَّهَا مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا، فَلَمْ يَجُزْ تَمَلُّكُهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ الْبُنْيَانِ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ رَدُّهَا مَعَ بَقَائِهَا، فَوَجَبَ غُرْمُهَا إذَا أَتْلَفَهَا، كَلُقَطَةِ الذَّهَبِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " هِيَ لَك ". لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ غَرَامَتِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ فِي لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا، فِي أَكْلِهَا وَإِنْفَاقِهَا، وَقَالَ: " هِيَ كَسَائِرِ مَالِك ". ثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى وُجُوبِ غَرَامَتِهَا، كَذَلِكَ الشَّاةُ، وَلَا فَرْقَ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهَا بَيْنَ وِجْدَانِهَا
فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَيْعُهَا، بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ.
وَلَنَا أَنَّ مَا جَازَ أَكْلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ، أُبِيحَ فِي الْمِصْرِ، كَسَائِرِ الْمَأْكُولَاتِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " هِيَ لَك ". وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ أَكْلَهَا مُعَلَّلٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَهَذَا فِي الْمِصْرِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الصَّحْرَاءِ.
الثَّانِي، أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَتَمَلَّكهَا.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مُحْتَسِبًا بِالنَّفَقَةِ عَلَى مَالِكِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا يَرْجِعُ بِهِ
نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، فِي طِيَرَةٍ أَفْرَخَتْ عِنْدَ قَوْمٍ، فَقَضَى أَنَّ الْفِرَاخَ لِصَاحِبِ الطِّيَرَةِ، وَيَرْجِعُ بِالْعَلَفِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.
وَقَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مَنْ وَجَدَ ضَالَّةً، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَجَاءَ رَبُّهَا، بِأَنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ مَا أَنْفَقَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ لِحِفْظِهَا، فَكَانَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهَا، كَمُؤْنَةِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَلَمْ يُعْجِبْ الشَّعْبِيَّ قَضَاءُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ.
كَمَا لَوْ بَنِي دَارِهِ، وَيُفَارِقُ الْعِنَبَ وَالرُّطَبَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ تَجْفِيفُهُ وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَحْظَ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَتَكَرَّرُ، وَالْحَيَوَانُ يَتَكَرَّرُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا اسْتَغْرَقَ قِيمَتَهُ، فَكَانَ بَيْعُهُ أَوْ أَكْلُهُ أَحْظَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَسِبْ الْمُنْفِقُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ.
الثَّالِثُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا، وَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَبِيعُهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
وَلَنَا أَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا بِغَيْرِ إذْنٍ، فَبَيْعُهَا أَوْلَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا لَهَا تَعْرِيفًا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؛ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» . وَلَمْ يَأْمُرْ بِتَعْرِيفِهَا، كَمَا أَمَرَ فِي لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ.
وَلَنَا أَنَّهَا لُقَطَةٌ لَهَا خَطَرٌ، فَوَجَبَ تَعْرِيفُهَا، كَالْمَطْعُومِ الْكَثِيرِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ تَعْرِيفِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بَعْدَ بَيَانِهِ التَّعْرِيفَ فِيمَا سِوَاهَا، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ فِيهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا فِي الْحَوْلِ سُقُوطُ التَّعْرِيفِ، كَالْمَطْعُومِ.
(4544) فَصْلٌ: إذَا أَكَلَهَا ثَبَتَتْ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ عَزْلُهَا؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى الْمَالِ الْمَعْزُولِ.
وَلَوْ عَزَلَ شَيْئًا ثُمَّ أَفْلَسَ، كَانَ صَاحِبُ اللَّقَطِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْمَالِ الْمَعْزُولِ.
وَإِنْ بَاعَهَا، وَحَفِظَ ثَمَنَهَا، وَجَاءَ صَاحِبُهَا، أَخَذَهُ، وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، لَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ فِيهِ.
[فَصْلٌ الْتِقَاط مَا لَا يَبْقَى عَامًا]
(4545) فَصْلٌ: وَإِذَا الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى عَامًا، فَذَلِكَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا مَا لَا يَبْقَى بِعِلَاجٍ وَلَا غَيْرِهِ، كَالطَّبِيخِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْفَاكِهَةِ الَّتِي لَا تُجَفَّفُ، وَالْخَضْرَاوَاتِ.
فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ، وَبَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ.
فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَلِفَ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَالْوَدِيعَةِ.
فَإِنْ أَكَلَهُ ثَبَتَتْ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي لُقَطَةِ الْغَنَمِ.
وَإِنْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ، جَازَ
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ بَيْعَ الْيَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا دَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ، جَازَ الْبَيْعُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ، فَأَمَّا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ، فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ، لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ بَيْعُهُ، كَغَيْرِ اللُّقَطَةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ أُبِيحَ لِلْمُلْتَقِطِ أَكْلُهُ، فَأُبِيحَ لَهُ بَيْعُهُ، كَمَالِهِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ أُبِيحَ لَهُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْحَاكِمِ، فَجَازَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، كَمَالِهِ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى أَرَادَ أَكْلَهُ أَوْ بَيْعَهُ، حَفِظَ صِفَاتِهِ، ثُمَّ عَرَّفَهُ عَامًا، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ، دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَهُ أَوْ أَكَلَ ثَمَنَهُ، غَرِمَهُ لَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ أَكَلَهُ.
وَإِنْ تَلِفَ الثَّمَنُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ، أَوْ نَقَصَ أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ، أَوْ نَقَصَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ نَقَصَ الثَّمَنُ لِتَفْرِيطِهِ، فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ ضَمَانُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ تَلِفَ الثَّمَنُ بَعْدَ تَمَلُّكِهِ، أَوْ نَقَصَ، ضَمِنَهُ.
النَّوْعُ الثَّانِي مَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ بِالْعِلَاجِ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ.
فَإِنْ كَانَ فِي التَّجْفِيفِ جَفَّفَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَإِنْ احْتَاجَ فِي التَّجْفِيفِ إلَى غَرَامَةٍ، بَاعَ بَعْضَهُ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي بَيْعِهِ، بَاعَهُ، وَحَفِظَ ثَمَنَهُ، كَالطَّعَامِ وَالرُّطَبِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ، تَعَيَّنَ أَكْلُهُ، كَالْبِطِّيخِ.
وَإِنْ كَانَ أَكْلُهُ أَنْفَعَ لِصَاحِبِهِ.
فَلَهُ أَكْلُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ.
وَيَقْتَضِي قَوْلُ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْعُرُوضَ لَا تُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ
أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ، لَكِنْ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ بِهِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ يَجِدُ فِي مَنْزِلِهِ طَعَامًا لَا يَعْرِفُهُ: يُعَرِّفُهُ مَا لَمْ يَخْشَ فَسَادَهُ، فَإِنْ خَشِيَ فَسَادَهُ، تَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ غَرِمَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، فِي لُقَطَةِ مَا لَا يَبْقَى سَنَةً: يَتَصَدَّقُ بِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَبِيعُهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ.
وَلَنَا عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» وَهَذَا تَجْوِيزٌ لِلْأَكْلِ، فَإِذَا جَازَ فِيمَا هُوَ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ، فَفِيمَا يَفْسُدُ بِبَقَائِهِ أَوْلَى.
[مَسْأَلَة لَا يَتَعَرَّضُ لِبَعِيرِ وَلَا لِمَا فِيهِ قُوَّةٌ يَمْنَعُ عَنْ نَفْسِهِ]
(4546) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَا يَتَعَرَّضُ لِبَعِيرٍ، وَلَا لِمَا فِيهِ قُوَّةٌ يَمْنَعُ عَنْ نَفْسِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يَقْوَى عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَوُرُودِ الْمَاءِ، لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ، وَلَا التَّعَرُّضُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ لِكِبَرِ جُثَّتِهِ، كَالْإِبِلِ، وَالْخَيْلِ، وَالْبَقَرِ، أَوْ لِطَيَرَانِهِ كَالطُّيُورِ كُلِّهَا، أَوْ لِسُرْعَتِهِ، كَالظِّبَاءِ وَالصَّيُودِ، أَوْ بِنَابِهِ كَالْكِلَابِ وَالْفُهُودِ.
قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً، فَهُوَ ضَالٌّ.
أَيْ مُخْطِئٌ
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ: مَنْ وَجَدَهَا فِي الْقُرَى عَرَّفَهَا، وَمَنْ وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ لَا يَقْرَبُهَا.
وَرَوَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: مَنْ وَجَدَ بَدَنَةً فَلْيُعَرِّفْهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَلْيَنْحَرْهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي لَفْظٍ يُبَاحُ الْتِقَاطُهَا؛ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ أَشْبَهَتْ الْغَنَمَ.
وَلَنَا
«قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا: مَا لَك وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا.
وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نُصِيبُ هَوَامَّ الْإِبِلِ.
قَالَ: ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ» . وَرُوِيَ عَنْ «جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَمَرَ بِطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ بِبَقَرِهِ حَتَّى تَوَارَتْ، وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ.
وَقِيَاسُهُمْ يُعَارِضُ صَرِيحَ النَّصِّ، وَكَيْفَ يَجُوزُ تَرْكُ نَصَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَرِيحِ قَوْلِهِ بِقِيَاسِ نَصِّهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرِ، عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ تُفَارِقُ الْغَنَمَ، لِضَعْفِهَا، وَقِلَّةِ صَبْرِهَا عَنْ الْمَاءِ.
[فَصْلٌ كَانَتْ الصَّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً إذَا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ وَعَجَزَ عَنْهَا صَاحِبُهَا جَازَ الْتِقَاطُهَا]
(4547) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الصَّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً، إذَا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ، وَعَجَزَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، جَازَ الْتِقَاطُهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا أَضْيَعُ لَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَالْمَقْصُودُ حِفْظُهَا لِصَاحِبِهَا، لَا حِفْظُهَا فِي نَفْسِهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ حِفْظَهَا فِي أَنْفُسِهَا لَمَا جَازَ الْتِقَاطُ الْأَثْمَانِ، فَإِنَّ الدِّينَارَ دِينَارٌ حَيْثُمَا كَانَ.
[فَصْلٌ الْبَقَرَةُ كَالْإِبِلِ فِي اللُّقَطَة]
(4548) فَصْلٌ: وَالْبَقَرَةُ كَالْإِبِلِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْبَقَرَةَ كَالشَّاةِ
وَلَنَا، خَبَرُ جَرِيرٍ فَإِنَّهُ طَرَدَ الْبَقَرَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا، وَلِأَنَّهَا تَمْتَنِعُ عَنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَتُجْزِئُ فِي
الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ عَنْ سَبْعَةٍ، فَأَشْبَهَتْ الْإِبِلَ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ.
فَأَمَّا الْحُمُرُ، فَجَعَلَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّ لَهَا أَجْسَامًا عَظِيمَةً، فَأَشْبَهَتْ الْبِغَالَ وَالْخَيْلَ، وَلِأَنَّهَا مِنْ الدَّوَابِّ، فَأَشْبَهَتْ الْبِغَالَ.
وَالْأَوْلَى إلْحَاقُهَا بِالشَّاةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ الْإِبِلَ بِأَنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا.
يُرِيدُ شِدَّةَ صَبْرِهَا عَنْ الْمَاءِ؛ لِكَثْرَةِ مَا تُوعِي فِي بُطُونِهَا مِنْهُ، وَقُوَّتِهَا عَلَى وُرُودِهِ.
وَفِي إبَاحَةِ ضَالَّةِ الْغَنَمِ بِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِأَخْذِ الذِّئْبِ إيَّاهَا، بِقَوْلِهِ: " هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ ". وَالْحُمُرُ مُسَاوِيَةٌ لِلشَّاةِ فِي عِلَّتِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِنْ الذِّئْبِ، وَمُفَارِقَةٌ لِلْإِبِلِ فِي عِلَّتِهَا، فَإِنَّهَا لَا صَبْرَ لَهَا عَنْ الْمَاءِ، وَلِهَذَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِقِلَّةِ صَبْرِهَا عَنْهُ، فَيُقَالُ: مَا بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِ إلَّا ظَمَأُ حِمَارٍ.
وَإِلْحَاقُ الشَّيْءِ بِمَا سَاوَاهُ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ وَفَارَقَهُ فِي الصُّورَةِ، أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِمَا قَارَبَهُ فِي الصُّورَةِ وَفَارَقَهُ فِي الْعِلَّةِ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْحَيَوَانِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ يَنْحَفِظُ بِنَفْسِهِ، كَأَحْجَارِ الطَّوَاحِينِ، وَالْكَبِيرِ مِنْ الْخَشَبِ، وَقُدُورِ النُّحَاسِ، فَهُوَ كَالْإِبِلِ فِي تَحْرِيمِ أَخْذِهِ، بَلْ أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَتَعَرَّضُ فِي الْجُمْلَةِ لِلتَّلَفِ.
إمَّا بِالْأَسَدِ، وَإِمَّا بِالْجُوعِ أَوْ الْعَطَشِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَا تَكَادُ تَضِيعُ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا حُرِّمَ أَخْذُ الْحَيَوَانِ، فَهَذِهِ أَوْلَى.
[فَصْل أَخَذَ هَذَا الْحَيَوَانَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِقَاطِ]
(4549) فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَذَ هَذَا الْحَيَوَانَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِقَاطِ، ضَمِنَهُ، إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا أَذِنَ الشَّارِعُ لَهُ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ.
فَإِنْ رَدَّهُ إلَى مَوْضِعِهِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَبْرَأُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَرْسِلْهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَبْته فِيهِ.
وَجَرِيرٌ طَرَدَ الْبَقَرَةَ الَّتِي لَحِقَتْ بِبَقَرِهِ
وَلَنَا أَنَّ مَا لَزِمَهُ ضَمَانُهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ إلَّا بِرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ نَائِبِهِ، كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْبَقَرَةَ، وَلَا أَخَذَهَا رَاعِيهِ، إنَّمَا لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ، فَطَرَدَهَا عَنْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَتْ دَارِهِ فَأَخْرَجَهَا.
فَعَلَى هَذَا، مَتَى لَمْ يَأْخُذْهَا بِحَيْثُ ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا، لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ طَرَدَهَا أَوْ لَمْ يَطْرُدْهَا.
وَإِنْ أَخَذَهَا فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا، فَدَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي ضَوَالِّ النَّاسِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا، فَكَانَ نَائِبًا عَنْ أَصْحَابِهَا فِيهَا.
[فَصْلٌ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَخْذُ الضَّالَّةِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ لِصَاحِبِهَا]
(4550) فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَخْذُ الضَّالَّةِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمَى مَوْضِعًا يُقَالُ
لَهُ النَّقِيعُ لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَالضَّوَالِّ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ، وَفِي أَخْذِ هَذِهِ حِفْظٌ لَهَا عَنْ الْهَلَاكِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُنْ يُعَرِّفُ الضَّوَالَّ.
وَلِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَالَّةٌ فَإِنَّهُ يَجِيءُ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ، فَإِذَا عَرَفَ ضَالَّتَهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهَا، وَلَا يَكْتَفِي فِيهَا بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَعْرِفُ صِفَاتِهَا مَنْ رَآهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَلَا تَكُونُ الصِّفَةُ لَهَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ لَهَا
وَلِأَنَّ الضَّالَّةَ قَدْ كَانَتْ ظَاهِرَةً بَيْن النَّاسِ حِينَ كَانَتْ فِي يَدِ مَالِكِهَا، فَلَا يَخْتَصُّ هُوَ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتهَا دُونَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا، وَيُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا لِظُهُورِهَا لِلنَّاسِ، وَمَعْرِفَةِ خُلَطَائِهِ وَجِيرَانِهِ بِمِلْكِهِ إيَّاهَا.
[فَصْلٌ أَخَذَ اللُّقَطَة غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِيَحْفَظهَا لِصَاحِبِهَا]
(4551) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخَذَهَا غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِيَحْفَظهَا لِصَاحِبِهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
وَلِأَصْحَابِهِ وَجْهٌ، أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا لِحِفْظِهَا، قِيَاسًا عَلَى الْإِمَامِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَعَ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ قَاصِدِ الْحِفْظِ وَقَاصِدِ الِالْتِقَاطِ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً، وَهَذَا لَا وِلَايَةَ لَهُ.
وَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَهَا بِأَرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْأَسَدَ يَفْتَرِسُهَا إنْ تُرِكَتْ بِهِ، أَوْ فَرَسًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ بِمَوْضِعٍ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، كَوَادِي التَّيْمِ، أَوْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا مَاءَ بِهَا وَلَا مَرْعًى، فَالْأَوْلَى جَوَازُ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى آخِذِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْقَاذَهَا مِنْ الْهَلَاكِ، فَأَشْبَهَ تَخْلِيصَهَا مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ
فَإِذَا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، سَلَّمَهَا إلَى نَائِبِ الْإِمَامِ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِيهَا.
[فَصْلٌ مَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ الضَّوَالِّ فَإِنَّهُ يُشْهِدُ عَلَيْهَا وَيَسِمُهَا بِأَنَّهَا ضَالَّةٌ]
(4552) فَصْلٌ: وَمَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ الضَّوَالِّ، فَإِنَّهُ يُشْهِدُ عَلَيْهَا، وَيَسِمُهَا بِأَنَّهَا ضَالَّةٌ، ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ حِمًى تَرْعَى فِيهِ، تَرَكَهَا فِيهِ، إنْ رَأَى ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمًى، بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ يُحَلِّيَهَا، وَيَحْفَظَ صِفَاتِهَا، وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا يُفْضِي إلَى أَنْ تَأْكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِهَا.
[فَصْلٌ تَرَكَ دَابَّةً بِمُهْلِكَةِ فَأَخَذَهَا إنْسَانٌ فَأَطْعَمَهَا وَسَقَاهَا وَخَلَّصَهَا]
(4553) فَصْلٌ: وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ، فَأَخَذَهَا إنْسَانٌ، فَأَطْعَمَهَا وَسَقَاهَا وَخَلَّصَهَا، مَلَكَهَا.
وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَإِسْحَاقُ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِيَرْجِعَ إلَيْهَا، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ لِمَالِكِهَا
الْأَوَّلِ، وَيَغْرَمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: هِيَ لِمَالِكِهَا، وَالْآخَرُ مُتَبَرِّعٌ بِالنَّفَقَةِ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَهْلَكَةٍ، وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، كَمَا لَوْ بَنَى دَارِهِ
وَلَنَا مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا، فَسَيَّبُوهَا، فَأَخَذَهَا، فَأَحْيَاهَا، فَهِيَ لَهُ» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَقُلْت - يَعْنِي لِلشَّعْبِيِّ -: مَنْ حَدَّثَك بِهَذَا؟ قَالَ: غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ.
وَفِي لَفْظٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ، فَأَحْيَاهَا رَجُلٌ، فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا»
وَلِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِمِلْكِهَا إحْيَاءَهَا وَإِنْقَاذَهَا مِنْ الْهَلَاكِ، وَحِفْظًا لِلْمَالِ عَنْ الضَّيَاعِ، وَمُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ، وَفِي الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ تَضْيِيعٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ تَحْصُلُ، وَلِأَنَّهُ نُبِذَ رَغْبَةً عَنْهُ وَعَجْزًا عَنْ أَخْذِهِ، فَمَلَكَهُ آخِذُهُ، كَالسَّاقِطِ مِنْ السُّنْبُلِ، وَسَائِرِ مَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ.
[فَصْل تَرَكَ مَتَاعًا فَخَلَّصَهُ إنْسَانٌ]
(4554) فَصْلٌ: وَإِنْ تَرَكَ مَتَاعًا، فَخَلَّصَهُ إنْسَانٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ، كَالْخَشْيَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَمُوتُ إذَا لَمْ يُطْعَمْ وَيُسْقَى، وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ، وَالْمَتَاعُ يَبْقَى حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ عَبْدًا، لَمْ يُمْلَكْ بِأَخْذِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الْعَادَةِ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ إلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا، بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ.
وَلَهُ أَخْذُ الْعَبْدِ وَالْمَتَاعِ لِيُخَلِّصَهُ لِصَاحِبِهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَخْلِيصِ الْمَتَاعِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ عَلَى قِيَاسِهِ
قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ الْأَجْرِ، عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ أَمَرَهُ بِهِ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ جُعْلٍ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، كَالْمُلْتَقِطِ.
وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا لَاسْتَحَقَّهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ، وَيُفَارِقُ هَذَا الْمُلْتَقِطَ، فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ لَمْ يُخَلِّصْ اللُّقَطَةَ مِنْ الْهَلَاكِ، وَلَوْ تَرَكَهَا أَمْكَنَ أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهَا فَيَطْلُبَهَا مِنْ مَكَانِهَا فَيَجِدَهَا، وَهَا هُنَا إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ هَذَا ضَاعَ وَهَلَكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ صَاحِبُهُ، فَفِي جَعْلِ الْأَجْرِ فِيهِ حِفْظٌ لِلْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ، فَجَازَ ذَلِكَ كَالْجُعْلِ فِي الْآبِقِ.
وَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ جَعَلَ فِيهَا الشَّارِعُ مَا يَحُثُّ عَلَى أَخْذِهَا، وَهُوَ مِلْكُهَا إنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا، فَاكْتُفِيَ بِهِ عَنْ الْأَجْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ فِي هَذَا مَا يَحُثُّ عَلَى تَخْلِيصِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ إلَّا الْأَجْرُ.
فَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ رُكَّابُ الْبَحْرِ فِيهِ، خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ، فَلَمْ أَعْلَمْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا، سِوَى عُمُومِ قَوْلِهِمْ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ هَذَا مَنْ أَخَذَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، فِي مَنْ أَخْرَجَهُ، قَالَ:
وَمَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَهُوَ لِأَهْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَرُدُّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَا جُعَلَ لَهُ.
وَيَقْتَضِيه قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ لِمَنْ أَنْقَذَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا
وَوَجْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا مَالٌ أَلْقَاهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، فَمَلَكَهُ مَنْ أَخَذَهُ، كَاَلَّذِي أَلْقَوْهُ رَغْبَةً عَنْهُ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرُوهُ تَحْقِيقًا لِإِتْلَافِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمُبَاشَرَتِهِ بِالْإِتْلَافِ.
فَأَمَّا إنْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ، فَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ مَتَاعَهُمْ، وَلَا شَيْءَ لِلَّذِي أَصَابُوهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَالْقَاضِي.
وَعَلَى قِيَاسِ نَصِّ أَحْمَدَ يَكُونُ لِمُسْتَخْرِجِهِ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى تَخْلِيصِهِ، وَحِفْظِهِ لِصَاحِبِهِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ الْغَرَقِ.
فَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْأَجْرُ، بَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ لِيُخَلِّصَهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لَمْ يُخَاطِرْ بِنَفْسِهِ فِي اسْتِخْرَاجِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالْأَجْرِ، كَجُعْلِ رَدِّ الْآبِقِ.
[فَصْلٌ الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا أَوْ جَارِيَةً]
(4555) فَصْلٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا، أَوْ جَارِيَةً، أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُمْلَكُ الْعَبْدُ دُونَ الْجَارِيَةِ، لِأَنَّ التَّمَلُّكَ بِالتَّعْرِيفِ عِنْدَهُ اقْتِرَاضٌ، وَالْجَارِيَةُ عِنْدَهُ لَا تُمْلَكُ بِالْقَرْضِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ لَا قَوْلَ لَهُ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، لَاعْتُبِرَ فِي تَعْرِيفِهِ سَيِّدَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَاب اللَّقِيطِ]
[مَسْأَلَة اللَّقِيطُ حُرٌّ]
ِ وَهُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوذُ.
وَاللَّقِيطُ بِمَعْنَى الْمَلْقُوطِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِمْ: قَتِيلٌ وَجَرِيحٌ وَطَرِيحٌ.
وَالْتِقَاطُهُ وَاجِبٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] . وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَإِطْعَامِهِ إذَا اُضْطُرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ الْغَرَقِ.
وَوُجُوبُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ، إذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْجَمَاعَةُ، أَثِمُوا كُلُّهُمْ، إذَا عَلِمُوا فَتَرَكُوهُ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِ
وَرُوِيَ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: وَجَدْت مَلْفُوفًا، فَأَتَيْت بِهِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَك وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سُنَيْنًا أَبَا جَمِيلَةَ بِهَذَا، وَقَالَ: عَلَيْنَا رَضَاعُهُ.
(4556) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَاللَّقِيطُ حُرٌّ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا النَّخَعِيّ
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ.
رُوِينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إنْ الْتَقَطَهُ لِلْحِسْبَةِ، فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ، فَذَلِكَ لَهُ.
وَذَلِكَ قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ عَنْ الْخُلَفَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَلَا يَصِحُّ فِي النَّظَرِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ.
[فَصْلٌ لَا يَخْلُو اللَّقِيطُ مِنْ أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْكُفْرِ]
(4557) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو اللَّقِيطُ مِنْ أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي دَارِ الْكُفْرِ، فَأَمَّا دَارُ الْإِسْلَامِ فَضَرْبَانِ؛ أَحَدُهُمَا، دَارٌ اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ، كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، فَلَقِيطُ هَذِهِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
الثَّانِي دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ، كَمَدَائِنِ الشَّامِ، فَهَذِهِ إنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمِ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ، بَلْ كُلُّ أَهْلِهَا ذِمَّةٌ حُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ.
وَأَمَّا بَلَدُ الْكُفَّارِ فَضَرْبَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا بَلَدٌ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَغَلَبَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِ، كَالسَّاحِلِ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، إنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمَانَهُ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى كَتْمِ إيمَانِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ
وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَأَقَرُّوا فِيهِ أَهْلَهُ بِالْجِزْيَةِ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
الثَّانِي دَارٌ لَمْ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَصْلًا.
كَبِلَادِ الْهِنْدِ وَالرُّومِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَقِيطُهَا كَافِرٌ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَأَهْلُهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمُونَ كَالتُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ، احْتَمَلَ أَنْ يُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُحْكَمَ بِكُفْرِهِ، تَغْلِيبًا لِلدَّارِ وَالْأَكْثَرِ
وَهَذَا التَّفْصِيلُ كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إذَا وُجِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، مَيِّتًا فِي أَيِّ مَكَان وُجِدَ، أَنَّ غُسْلَهُ وَدَفْنَهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ يَجِبُ، وَقَدْ مَنَعُوا أَنْ يُدْفَنَ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: وَإِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا مُشْرِكٌ، فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِ مَا حَكَمُوا بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ.
هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
[فَصْلٌ بَلَغَ اللَّقِيطُ حَدًّا يَصِحُّ فِيهِ إسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ]
(4558) فَصْلٌ: وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، إنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ظَاهِرًا لَا يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَ كَافِرٍ، فَلَوْ أَقَامَ كَافِرٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، حَكَمْنَا لَهُ بِهِ.
وَإِذَا بَلَغَ اللَّقِيطُ حَدًّا يَصِحُّ فِيهِ إسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ، فَوَصَفَ الْإِسْلَامَ فَهُوَ مُسْلِمٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ.
وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ، وَهُوَ مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ الدَّارِ.
وَهَذَا وَجْهٌ مُظْلِمٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ وُجِدَ عَرِيًّا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَثَبَتَ حُكْمُهُ، وَاسْتَقَرَّ، فَلَمْ يَجُزْ إزَالَةُ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ مُسْلِمٍ.
وَقَوْلُهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْحَالِ مَنْ كَانَ أَبُوهُ.
وَلَا مَا كَانَ دِينُهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا إذَا بَلَغَ اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمْ.
فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ وَصَفَ كُفْرًا، يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، عُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْتِزَامِهَا، أَوْ وَصَفَ كُفْرًا لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ.
وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ هَذَا اللَّقِيطَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْن
وَثَنِيٍّ حَرْبِيٍّ، فَهُوَ حَاصِلٌ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عُهْدَةٍ وَلَا عَقْدٍ، فَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ، وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ سَابِيه، أَوْ يَكُونَ ابْنَ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا ذِمِّيٌّ، فَلَا يُقَرُّ عَلَى الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ يَكُونَ ابْنَ مُسْلِمٍ أَوْ ابْنَ مُسْلِمَيْنِ، فَيَكُونَ مُسْلِمًا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ، وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ: وَلَدُهَا مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مَعَهُ إلَّا أُمُّهُ
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْوَلَدِ حَالٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَرَّ فِيهَا عَلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُرَدُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
[فَصْلٌ جِنَايَة اللَّقِيطُ]
(4559) فَصْلٌ: إذَا جَنَى اللَّقِيطُ جِنَايَةً تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَالْعَقْلُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَهُ، وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَحُكْمُهُ فِيهَا غَيْرُ حُكْمِ اللَّقِيطِ؛ إنْ كَانَتْ تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَلَهُ مَالٌ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ، وَإِلَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ.
وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الدِّيَةَ، فَهِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ وَارِثُهُ
وَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إنْ رَآهُ أَحْظَ لِلْمَلَاقِيطِ، وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْمُصَالَحَةِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْأَرْشَ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَلِوَلِيِّهِ أَخْذُ الْأَرْشِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، وَلِلَّقِيطِ مَالٌ يَكْفِيه، وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى بُلُوغِهِ لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ، سَوَاءٌ كَانَ عَاقِلًا أَوْ مَعْتُوهًا
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَكَانَ عَاقِلًا، اُنْتُظِرَ بُلُوغُهُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا فَلِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ لَيْسَ لَهُ حَالٌ مَعْلُومَةٌ مُنْتَظَرَةٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدُومُ بِهِ، وَالْعَاقِلُ لَهُ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ، فَافْتَرَقَا.
وَفِي الْحَالِ الَّتِي يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ، فَإِنَّ الْجَانِيَ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ اللَّقِيطُ، فَيَسْتَوْفِيَ لِنَفْسِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ لِلْإِمَامِ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ لَهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ
فَكَانَ لِلْإِمَامِ اسْتِيفَاؤُهُ عَنْ اللَّقِيطِ، كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.
وَلَنَا أَنَّهُ قِصَاصٌ لَمْ يَتَحَتَّمْ اسْتِيفَاؤُهُ، فَوَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَالِغًا غَائِبًا، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ هُوَ لَهُ، إنَّمَا هُوَ لِوَارِثِهِ، وَالْإِمَامُ الْمُتَوَلِّي لَهُ.
[فَصْلٌ قَذَفَ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُحْصَنًا]
(4560) فَصْلٌ: وَإِنْ قَذَفَ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُحْصَنًا، حُدَّ ثَمَانِينَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ.
وَإِنْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ، وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ.
فَإِنْ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَصَدَّقَهُ اللَّقِيطُ، سَقَطَ الْحَدُّ؛ لِإِقْرَارِ الْمُسْتَحِقِّ بِسُقُوطِ الْحَدِّ، وَيَجِبُ التَّعْزِيرُ؛ لِقَذْفِهِ مَنْ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ اللَّقِيطُ، وَقَالَ: إنِّي حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَقَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِلظَّاهِرِ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ حَدَّ الْحُرِّ إذَا كَانَ قَاذِفًا، وَأَوْجَبْنَا لَهُ الْقِصَاصَ، وَإِنْ
كَانَ الْجَانِي حُرًّا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ، بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ أَمَةٍ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً، وَالْحَدُّ يَنْدَرِئ بِالشُّبُهَاتِ.
وَفَارَقَ الْقِصَاصَ لَهُ إذَا ادَّعَى الْجَانِي عَلَيْهِ أَنَّهُ عَبْدٌ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِحَدٍّ، وَإِنَّمَا: وَجَبَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، وَلِذَلِكَ جَازَتْ الْمُصَالَحَةُ عَنْهُ، وَأَخْذُ بَدَلِهِ، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ.
وَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّقِيطَ إذَا كَانَ قَاذِفًا، فَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدٌ لِيَجِب عَلَيْهِ حَدُّ الْعَبْدِ، قُبِلَ مِنْهُ؛ لِذَلِكَ
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ مِنْ كَانَ مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ، لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ بِاحْتِمَالِ رِقِّهِ، بِدَلِيلِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، وَلَوْ سَقَطَ الْحَدُّ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ، لَسَقَطَ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْقَاذِفُ رِقَّهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ.
[مَسْأَلَة يُنْفِقُ عَلَيَّ اللَّقِيط مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ يُنْفَقُ عَلَيْهِ]
(4561) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ يُنْفَقُ عَلَيْهِ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ اللَّقِيطَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ، لَمْ يُلْزَمْ الْمُلْتَقِطُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، كَوُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ
وَذَلِكَ لِأَنَّ أَسْبَابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، مِنْ الْقَرَابَةِ، وَالزَّوْجِيَّةِ، وَالْمِلْكِ، وَالْوَلَاءِ، مُنْتَفِيَةٌ، وَالِالْتِقَاطُ إنَّمَا هُوَ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ الْهَلَاكِ، وَتَبَرُّعٌ بِحِفْظِهِ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ النَّفَقَةَ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ اللَّقِيطِ.
وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَدِيثِ أَبِي جَمِيلَةَ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَك وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ وَارِثُهُ، وَمَالُهُ مَصْرُوفٌ إلَيْهِ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، كَقَرَابَتِهِ وَمَوْلَاهُ
فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ، أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا إمَامَ فِيهِ، أَوْ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا، فَعَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] . وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ هَلَاكَهُ، وَحِفْظُهُ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ، كَإِنْقَاذِهِ مِنْ الْغَرَقِ.
وَهَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، إذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْكُلُّ أَثِمُوا.
وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْتَقِطَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ
فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ، لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ، مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: تُؤَدَّى النَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ إذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَحْلِفُ مَا أَنْفَقَ احْتِسَابًا، فَإِنْ حَلَفَ اُسْتُسْعِيَ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ مُتَبَرِّعٌ بِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ كَانَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ، كَالضَّامِنِ إذَا قَضَى عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوْضِعِهِ.
[فَصْلٌ وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ شَيْءٌ]
(4562) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ شَيْءٌ، فَهُوَ لَهُ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ، وَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ وَلِيُّهُ وَيَبِيعَ، وَمَنْ لَهُ مِلْكٌ صَحِيحٌ فَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، كَالْبَالِغِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَكُلُّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ، أَوْ مُتَعَلِّقًا بِمَنْفَعَتِهِ، فَهُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَيَثْبُتُ بِذَلِكَ مِلْكًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ لَابِسًا لَهُ، أَوْ مَشْدُودًا فِي مَلْبُوسِهِ، أَوْ فِي يَدَيْهِ، أَوْ مَجْعُولًا فِيهِ، كَالسَّرِيرِ وَالسَّفَطِ، وَمَا فِيهِ مِنْ فَرْشٍ أَوْ دَرَاهِمَ، وَالثِّيَابُ الَّتِي تَحْتَهُ وَاَلَّتِي عَلَيْهِ
وَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ كَانَتْ مَشْدُودَةً فِي ثِيَابِهِ، أَوْ كَانَ فِي خَيْمَةٍ، أَوْ فِي دَارٍ، فَهِيَ لَهُ.
وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ، فَلَيْسَ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلَى جَانِبِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، لَيْسَ هُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ.
وَالثَّانِي، هُوَ لَهُ.
وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تُرِكَ لَهُ، فَهُوَ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ تَحْتَهُ، وَلِأَنَّ الْقَرِيبَ مِنْ الْبَالِغِ يَكُونُ فِي يَدِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقْعُدُ فِي السُّوقِ وَمَتَاعُهُ بِقُرْبِهِ، وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، وَالْحَمَّالُ إذَا جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، تَرَكَ حِمْلَهُ قَرِيبًا مِنْهُ
فَأَمَّا الْمَدْفُونُ تَحْتَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَ الْحَفْرُ طَرِيًّا، فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ طَرِيًّا فَوَاضِعُ اللَّقِيطِ حَفَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيًّا، كَانَ مَدْفُونًا قَبْلَ وَضْعِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ لَهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَفْرُ طَرِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إذَا كَانَ الْحَفْرُ طَرِيًّا، كَالْبَعِيدِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ، لَشَدَّهُ وَاضِعُهُ فِي ثِيَابِهِ، لِيُعْلَمَ بِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ فِي مَكَان لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ، وَمَا هُوَ لَهُ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ كِفَايَتُهُ، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ذُو مَالٍ، فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ النَّاسِ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ لِمُلْتَقِطِهِ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ.
ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ وَلِيٌّ لَهُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ إذْنُ الْحَاكِمِ، كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ، وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، كَتَبْدِيدِ الْخَمْرِ.
وَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ أَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا، وَغَابَ، وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ، وَلَهُ وَلَدٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ، هَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ؟ فَقَالَ: تَقُومُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ، حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ
عَلَيْهِمْ
فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ.
فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا مِثْلُهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى اللَّقِيطِ، وَعَلَى مَالِهِ؛ فَإِنَّ لَهُ وِلَايَةَ أَخْذِهِ وَحِفْظِهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى اللَّقِيطِ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ مَالِ أَبِيهِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ الصَّبِيِّ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ، لِعَدَمِ مَالِهِ، وَعَدَمِ نَفَقَةٍ تَرَكَهَا أَبُوهُ بِرَسْمِهِ، وَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُودَعِ، فَاحْتِيجَ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ ثَمَّ وُجُوبُهُ فِي اللَّقِيطِ.
وَمَتَى لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، فَلَهُ الْإِنْفَاقُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ فِي مَوْضِعٍ يَجِدُ حَاكِمًا، وَإِنْ أَنْفَقَ ضَمِنَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ لِأَبِي الصَّغِيرِ وَدَائِعُ عِنْدَ إنْسَانٍ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْحَضَانَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، فَفِي جَوَازِ الْإِنْفَاقِ وَجْهَانِ؛ وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ ابْتِدَاءً، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالٍ.
فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَهُ أَخْذَهُ وَحِفْظَهُ، وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ اللَّقِيطِ وَبَيْنَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْحَاكِمَ فِي مَوْضِعٍ يَجِدُ حَاكِمًا؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ، وَأَقْطَعُ لِلظِّنَّةِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ، وَحِفْظٌ لِمَالِهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ، فَإِذَا بَلَغَ اللَّقِيطُ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ، وَفِي التَّفْرِيطِ فِي الْإِنْفَاقِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ.
[مَسْأَلَة وَلَاء اللَّقِيط]
(4563) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَوَلَاؤُهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ) يَعْنِي مِيرَاثَهُ لَهُمْ، فَإِنَّ اللَّقِيطَ حُرُّ الْأَصْلِ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُمْ خُوِّلُوا كُلَّ مَالٍ لَا مَالِك لَهُ، وَلِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَالَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَ اللَّقِيطِ، فَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " وَوَلَاؤُهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ". تَجَوُّزٌ فِي اللَّفْظِ، لِاشْتِرَاكِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَهُ الْوَلَاءُ فِي أَخْذِ الْمِيرَاثِ، وَحِيَازَتِهِ كُلِّهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ.
هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَإِسْحَاقُ: عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُلْتَقِطِهِ؛ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي جَمِيلَةَ فِي لُقَطَتِهِ: هُوَ حُرٌّ، وَلَك وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ، وَلَا عَلَى آبَائِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ، كَالْمَعْرُوفِ نَسَبُهُ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ ابْنَ حُرَّيْنِ، فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ مُعْتَقَيْنِ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِغَيْرِ مُعْتِقِهِمَا.
وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ لَا يَثْبُتُ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَخَبَرُ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَبُو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لَا تَقُومُ بِحَدِيثِهِ حُجَّةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنَى بِقَوْلِهِ: وَلَك وَلَاؤُهُ.
أَيْ لَك وِلَايَتُهُ، وَالْقِيَامُ بِهِ وَحِفْظُهُ.
لِذَلِكَ ذَكَرَهُ عَقِيبَ قَوْلِ عَرِيفِهِ: إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ.
وَهَذَا يَقْتَضِي تَفْوِيضَ الْوِلَايَةِ إلَيْهِ، لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عَلَيْهِ دُونَ الْمِيرَاثِ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّقِيطِ فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ مِنْ عُرِفَ نَسَبُهُ، وَانْقَرَضَ أَهْلُهُ، يُدْفَعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ فَلَهَا الرُّبْعُ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ، فَلَهُ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ، أَوْ ذُو رَحِمٍ، كَبِنْتِ بِنْتٍ، أَخَذَتْ جَمِيعَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَذَا الرَّحِمِ مُقَدَّمٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة لَمْ يَكُنْ مَنْ وَجَدَ اللَّقِيطَ أَمِينًا]
مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ وَجَدَ اللَّقِيطَ أَمِينًا، مُنِعَ مِنْ السَّفَرِ بِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إنْ كَانَ أَمِينًا أُقِرَّ اللَّقِيطُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ، حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ.
وَلِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . وَهَلْ يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ، كَمَا لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ فِي اللُّقَطَةِ
وَالثَّانِي يَجِبُ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْإِشْهَادِ حِفْظُ النَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَاخْتُصَّ بِوُجُوبِ الشَّهَادَةِ، كَالنِّكَاحِ، وَفَارَقَ اللُّقَطَةَ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا حِفْظُ الْمَالِ، فَلَمْ يَجِبْ الْإِشْهَادُ فِيهَا، كَالْبَيْعِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ، وَيُمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ بِهِ، لِئَلَّا يَدَّعِيَ رِقَّهُ وَيَبِيعَهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ، وَيُضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا إذَا ضَمَمْنَا إلَيْهِ فِي اللُّقَطَةِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنْ يَدَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حِفْظِ اللَّقِيطِ إلَّا الْوِلَايَةُ، وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ.
وَفَارَقَ اللُّقَطَةَ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ فِي اللُّقَطَةِ مَعْنَى الْكَسْبِ، وَلَيْسَ هَا هُنَا إلَّا الْوِلَايَةُ.
وَالثَّانِي أَنَّ اللُّقَطَةَ لَوْ انْتَزَعْنَاهَا مِنْهُ رَدَدْنَاهَا إلَيْهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَاحْتَطْنَا عَلَيْهَا مَعَ بَقَائِهَا فِي يَدَيْهِ، وَهَا هُنَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ بِحَالٍ، فَكَانَ الِانْتِزَاعُ أَحْوَطَ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ الْمَالِ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِيَاطُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ،
أَوْ يَنْصِبَ الْحَاكِمُ مَنْ يُعَرِّفُهَا، وَهَا هُنَا الْمَقْصُودُ حِفْظُ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدَّعِي رِقَّهُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، أَوْ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، وَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى حِفْظِهَا وَالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهَا عَامًا وَاحِدًا، وَهَذَا يُحْتَاجُ إلَى الِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِ
وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ بِالْتِقَاطِهِ إيَّاهُ، وَسَبْقِهِ إلَيْهِ، وَأَمْكَنَ حِفْظُ اللَّقِيطِ فِي يَدَيْهِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَضَمِّ أَمِينٍ يُشَارِفُهُ إلَيْهِ، وَيُشِيعُ أَمْرَهُ، فَيُعْرَفُ أَنَّهُ لَقِيطٌ، فَيُحْفَظُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ وِلَايَتِهِ.
جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، كَمَا فِي اللُّقَطَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّرْجِيحِ لِلُّقَطَةِ فَيُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ بِأَنَّ اللَّقِيطَ ظَاهِرٌ مَكْشُوفٌ لَا تَخْفَى الْخِيَانَةُ فِيهِ، وَاللُّقَطَةُ مَسْتُورَةٌ خَفِيَّةٌ تَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الْخِيَانَةُ، وَلَا يُعْلَمُ بِهَا، وَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ يُمْكِنُ أَخْذُ بَعْضِهَا وَتَنْقِيصُهَا وَإِبْدَالُهَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي اللَّقِيطِ
وَلِأَنَّ الْمَالَ مَحَلُّ الْخِيَانَةِ، وَالنُّفُوسُ إلَى تَنَاوُلِهِ وَأَخْذِهِ دَاعِيَةٌ، بِخِلَافِ اللَّقِيطِ.
فَعَلَى هَذَا، مَتَى أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ السَّفَرَ بِاللَّقِيطِ مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُبْعِدُهُ مِمَّنْ عَرَفَ؛ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَ رِقَّهُ وَيَبِيعَهُ.
[فَصْلٌ الْتَقَطَ اللَّقِيطَ مَسْتُورُ الْحَالِ]
(4565) فَصْلٌ: وَإِذَا الْتَقَطَ اللَّقِيطَ مَنْ هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ، لَمْ تُعْرَفُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ وَلَا الْخِيَانَةِ، أُقِرَّ اللَّقِيطُ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَدْلِ فِي لُقَطَةِ الْمَالِ وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ، وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
فَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِلُقَطَتِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَمَانَتَهُ، فَلَمْ تُؤْمَنْ الْخِيَانَةُ مِنْهُ
وَالثَّانِي يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ فِي الْحَضَرِ مِنْ غَيْرِ مُشْرِفٍ يُضَمُّ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْعَدْلَ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ السَّتْرُ وَالصِّيَانَةُ.
فَأَمَّا مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ، وَظَهَرَتْ أَمَانَتُهُ، فَيُقَرُّ اللَّقِيطُ فِي يَدِهِ فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ سَفَرُهُ لِغَيْرِ النَّقْلَةِ.
[فَصْلٌ سَفَرِ الْأَمِينِ بِاللَّقِيطِ]
(4566) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ سَفَرُ الْأَمِينِ بِاللَّقِيطِ إلَى مَكَان يُقِيمُ بِهِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ الْتَقَطَهُ مِنْ الْحَضَرِ، فَأَرَادَ النَّقْلَةَ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا، أَنَّ مُقَامَهُ فِي الْحَضَرِ أَصْلَحُ لَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَأَرْفَهُ لَهُ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي الْحَضَرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وُلِدَ فِيهِ، فَبَقَاؤُهُ فِيهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ وَظُهُورِ أَهْلِهِ، وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ النَّقْلَةَ بِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ مِنْ الْحَضَرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ
أَحَدُهُمَا لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي بَلَدِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، فَلَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ الْمُنْتَقِلُ عَنْهُ، قِيَاسًا عَلَى الْمُنْتَقِلِ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ.
وَالثَّانِي، يُقَرُّ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ، وَالْبَلَدُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ فِي الرَّفَاهِيَةِ، فَيُقَرُّ فِي يَدِهِ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَفَارَقَ الْمُنْتَقِلَ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ بِتَفْوِيتِ الرَّفَاهِيَةِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ الْتَقَطَهُ مِنْ الْبَادِيَةِ فَلَهُ نَقْلُهُ إلَى الْحَضَرِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالشَّقَاءِ إلَى الرَّفَاهِيَةِ وَالدَّعَةِ وَالدِّينِ.
وَإِنْ أَقَامَ بِهِ فِي حِلَّةٍ يَسْتَوْطِنُهَا، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ بِهِ فِي الْمَوَاضِعِ، احْتَمَلَ أَنْ يُقَرَّ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ابْنُ بَدَوِيَّيْنِ، وَإِقْرَارُهُ فِي يَدَيْ مُلْتَقِطِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ، فَيُدْفَعَ إلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَهُ لَهُ، وَأَخَفُّ عَلَيْهِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: يُنْزَعُ مِنْ مُلْتَقِطِهِ.
فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا وُجِدَ مَنْ يُدْفَعُ إلَيْهِ، مِمَّنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ، أُقِرَّ فِي يَدَيْ مُلْتَقِطِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي يَدَيْهِ مَعَ قُصُورِهِ، أَوْلَى مِنْ إهْلَاكِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا مِثْلُ مُلْتَقِطِهِ، فَمُلْتَقِطُهُ أَوْلَى بِهِ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي نَزْعِهِ مِنْ يَدِهِ، وَدَفْعِهِ إلَى مِثْلِهِ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْعَبْدِ الْتِقَاطُ الطِّفْلِ الْمَنْبُوذِ إذَا وُجِدَ مِنْ يَلْتَقِطُهُ سِوَاهُ]
(4567) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْتِقَاطُ الطِّفْلِ الْمَنْبُوذِ، إذَا وُجِدَ مَنْ يَلْتَقِطُهُ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِسَيِّدِهِ؛ فَلَا يُذْهِبُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى اللَّقِيطِ إلَّا الْوِلَايَةُ، وَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ.
فَإِنْ الْتَقَطَهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدَيْهِ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ، أُقِرَّ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَصَارَ كَمَا لَوْ الْتَقَطَهُ بِيَدِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَصَارَ كَمَا لَوْ الْتَقَطَهُ.
وَالْحُكْمُ فِي الْأَمَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُكَاتَبِ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَلْتَقِطُهُ سِوَاهُ، وَجَبَ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ الْهَلَاكِ، فَأَشْبَهَ تَخْلِيصَهُ مِنْ الْغَرَقِ
وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، كَالْقِنِّ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ، وَلَا بِمَنَافِعِهِ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْكَافِرِ الْتِقَاطُ مُسْلِمٍ]
(4568) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ الْتِقَاطُ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَفْتِنَهُ وَيُعَلِّمَهُ الْكُفْرَ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَبِّيه عَلَى دِينِهِ، وَيَنْشَأُ عَلَى ذَلِكَ، كَوَلَدِهِ.
فَإِنْ الْتَقَطَهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ كَانَ الطِّفْلُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَلَهُ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.
[فَصْلٌ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ وَتَنَاوَلَاهُ تَنَاوُلًا وَاحِدًا]
(4569) فَصْلٌ: وَإِنْ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ، وَتَنَاوَلَاهُ تَنَاوُلًا وَاحِدًا، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ، كَالْمُسْلِمِ الْعَدْلِ الْحُرِّ، وَالْآخَرُ مِمَّنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ، كَالْكَافِرِ
إذَا كَانَ اللَّقِيطُ مُسْلِمًا، وَالْفَاسِقِ، وَالْعَبْدِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ، وَالْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى مَنْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ، وَتَكُونُ مُشَارَكَةُ هَؤُلَاءِ لَهُ كَعَدَمِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ الْتَقَطَهُ وَحْدَهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ، فَإِذَا شَارَكَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِالْتِقَاطِ أَوْلَى.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِمَّنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدَيْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يُنْزَعُ مِنْهُمَا، وَيُسَلَّمُ إلَى غَيْرِهِمَا.
الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّنْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ لَوْ انْفَرَدَ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَحْظُ لِلَّقِيطِ مِنْ الْآخَرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، فَالْمُوسِرُ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْظُ لِلطِّفْلِ، وَإِنْ الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَالْمُسْلِمُ أَحَقُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ لِلْكَافِرِ وِلَايَةً عَلَى الْكَافِرِ، وَيُقَرُّ فِي يَدِهِ إذَا انْفَرَدَ بِالْتِقَاطِهِ، فَسَاوَى الْمُسْلِمَ فِي ذَلِكَ
وَلَنَا أَنَّ دَفْعَهُ إلَى الْمُسْلِمِ أَحْظُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا، فَيَسْعَدُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَنْجُو مِنْ النَّارِ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ، فَالتَّرْجِيحُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْيَسَارِ الَّذِي إنَّمَا يُتَعَلَّقُ بِهِ تَوْسِعَةً عَلَيْهِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُوسِرُ بَخِيلًا، فَلَا تَحْصُلُ التَّوْسِعَةُ.
فَإِنْ تَعَارَضَ التَّرْجِيحَانِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُ فَقِيرًا وَالْكَافِرُ مُوسِرًا، فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ لَهُ بِإِسْلَامِهِ أَعْظَمُ مِنْ النَّفْعِ الْحَاصِلِ بِيَسَارِهِ مَعَ كُفْرِهِ.
وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ فِي تَقْدِيمِ الْمُوسِرِ، يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْجَوَادُ عَلَى الْبَخِيلِ؛ لِأَنَّ حَظَّ الطِّفْلِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُ الْحَظُّ فِيهَا بِالْيَسَارِ، وَرُبَّمَا تَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ، وَتَعَلَّمَ مِنْ جُودِهِ.
الرَّابِعُ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي كَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ مُقِيمَيْنِ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ، فَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَتَسْلِيمِهِ إلَى صَاحِبِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِيثَارِ بِهِ.
وَإِنْ تَشَاحَّا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] . وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ تَهَايَآهُ، فَجُعِلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَضَرَّ بِالطِّفْلِ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَغْذِيَةُ وَالْأُنْسُ وَالْإِلْفُ.
وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا مُتَسَاوٍ، فَتَعْيِينُ أَحَدِهِمَا بِالتَّحَكُّمِ لَا يَجُوزُ، فَتَعَيَّنَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا، كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي تَعْيِينِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ، وَبَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْبِدَايَةِ بِالْقِسْمَةِ، وَبَيْنَ الْعَبِيدِ فِي الْإِعْتَاقِ.
وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ، وَلَا تُرَجَّحُ الْمَرْأَةُ هَا هُنَا، كَمَا تُرَجَّحُ فِي حَضَانَةِ وَلَدِهَا عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهَا رُجِّحَتْ ثَمَّ لِشَفَقَتِهَا عَلَى وَلَدِهَا، وَتَوَلِّيهَا لِحَضَانَتِهِ بِنَفْسِهَا، وَالْأَبُ يَحْضُنُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، فَكَانَتْ أُمُّهُ أَحْظَ لَهُ وَأَرْفَقَ بِهِ، أَمَّا هَا هُنَا، فَإِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ اللَّقِيطِ، وَالرَّجُلُ يَحْضُنُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَاسْتَوَيَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَسْتُورَ الْحَالِ، وَالْآخَرُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ، احْتَمَلَ أَنْ يُرَجَّحَ الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ
الِالْتِقَاطِ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَالْأَمْرُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيَكُونُ الْحَظُّ لِلطِّفْلِ فِي تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ أَتَمَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَسَاوَيَا؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ وُجُودِ الْمَانِعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ، فَلَا يُؤَثِّرُ التَّرْجِيحُ.
[فَصْلٌ رَأَيَا اللَّقِيط جَمِيعًا فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَهُ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ]
(4570) فَصْلٌ: وَإِنْ رَأَيَاهُ جَمِيعًا، فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَهُ، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . وَإِنْ رَآهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، فَسَبَقَ إلَى أَخْذِهِ الْآخَرُ، فَالسَّابِقُ إلَى أَخْذِهِ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ هُوَ الْأَخْذُ لَا الرُّؤْيَةَ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: نَاوِلْنِيهِ.
فَأَخَذَهُ الْآخَرُ، نَظَرْنَا إلَى نِيَّتِهِ، فَإِنْ نَوَى أَخْذَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْآخَرُ بِمُنَاوَلَتِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ نَوَى مُنَاوَلَتَهُ فَهُوَ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ النِّيَابَةِ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَكَّلَ لَهُ فِي تَحْصِيلِ مُبَاحٍ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا الْتَقَطْته]
(4571) فَصْلٌ: فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا الْتَقَطْته.
وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا، وَكَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ.
ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ، كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَسُلِّمَ إلَيْهِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَا تُشْرَعُ الْيَمِينُ هَا هُنَا، وَيُسَلَّمُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُسَلِّمُهُ الْحَاكِمُ إلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا حَقًّا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَنَازَعَا وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِمَا.
فَإِنْ وَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: فِي ظَهْرِهِ شَامَةٌ، أَوْ بِجَسَدِهِ عَلَامَةٌ.
وَذَكَرَ شَيْئًا فِي جَسَدِهِ مَسْتُورًا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقَدَّمُ بِالصِّفَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقَدَّمُ بِالصِّفَةِ، كَمَا لَوْ وَصَفَ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ لَا تُقَدَّمُ بِهِ دَعْوَاهُ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ اللُّقَطَةِ، فَقُدِّمَ بِوَصْفِهَا، كَلُقَطَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ يَدِهِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا بِهَا.
وَقِيَاسُ اللَّقِيطِ عَلَى اللُّقَطَةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا أَخَذَ مِمَّنْ قَدْ
ثَبَتَ الْحَقُّ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
وَإِنْ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا، أَوْ أُطْلِقَتَا مَعًا، أَوْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى، فَقَدْ تَعَارَضَتَا.
وَهَلْ يَسْقُطَانِ أَوْ يُسْتَعْمَلَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَسْقُطَانِ، فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَالثَّانِي، يُسْتَعْمَلَانِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ كَانَ أَوْلَى.
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ الْآخَرِ، أَوْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَعْوَى الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِمَّنْ لَا تُقَرُّ يَدُهُ عَلَى اللَّقِيطِ، أُقِرَّ فِي يَدِ الْآخَرِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَى مِنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ بِحَالٍ.
[مَسْأَلَة ادَّعَى نَسُبّ اللَّقِيط مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ]
(4572) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، أُرِيَ الْقَافَةَ، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقُوهُ لَحِقَ) يَعْنِي إذَا اُدُّعِيَ نَسَبُهُ، فَلَا تَخْلُو دَعْوَى نَسَبِ اللَّقِيطِ مِنْ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَهُ وَاحِدٌ يَنْفَرِدُ بِدَعْوَاهُ، فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا، لَحِقَ نَسَبُهُ بِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ مُلْتَقِطَهُ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِوَلَدِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَهُ عَبْدًا، لَحِقَ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لِمَائِهِ حُرْمَةً، فَلَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ كَالْحُرِّ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ حَضَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ذِمِّيًّا، لَحِقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ الْفِرَاشِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي إقْرَارِهِ إضْرَارٌ بِغَيْرِهِ، فَيَثْبُتُ إقْرَارُهُ، كَالْمُسْلِمِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ مِنْ النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي حَضَانَتِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَتْبَعُهُ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَحِقَهُ فِي نَسَبِهِ يَلْحَقُ بِهِ فِي دِينِهِ، كَالْبَيِّنَةِ، إلَّا أَنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلَنَا أَنَّ هَذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ فِي كُفْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا، كَدَعْوَى رِقِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَبِعَهُ فِي دِينِهِ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِنَسَبِهِ؛
لِأَنَّهُ يَكُونُ إضْرَارًا بِهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ، كَدَعْوَى الرِّقِّ.
أَمَّا مُجَرَّدُ النَّسَبِ بِدُونِ اتِّبَاعِهِ فِي الدِّينِ، فَمَصْلَحَةٌ عَارِيَّةٌ عَنْ الضَّرَرِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ الضَّرَرِ وَالْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَرُوِيَ أَنَّ دَعْوَاهَا تُقْبَلُ، وَيَلْحَقُهَا نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا، كَالْأَبِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَ الرَّجُلِ، بَلْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي بِهِ مِنْ زَوْجٍ، وَوَطْءٍ بِشُبْهَةٍ، وَيَلْحَقُهَا وَلَدُهَا مِنْ الزِّنَى دُونَ الرَّجُلِ، وَلِأَنَّ فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، حِينَ تَحَاكَمَ إلَيْهِمَا امْرَأَتَانِ كَانَ لَهُمَا ابْنَانِ، فَذَهَبَ الذِّئْبُ بِأَحَدِهِمَا، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْبَاقِيَ ابْنُهَا، وَأَنَّ الَّذِي أَخَذَهُ الذِّئْبُ ابْنُ الْأُخْرَى، فَحَكَمَ بِهِ دَاوُد لِلْكُبْرَى، وَحَكَمَ بِهِ سُلَيْمَانُ لِلْأُخْرَى، بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْهُمَا.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَلْحَقُ بِهَا دُونَ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَهُ نَسَبُ وَلَدٍ لَمْ يُقِرَّ بِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَهُ، لَمْ يَلْحَقْ بِزَوْجَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الرَّجُلُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى، أَوْ مِنْ أَمَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ لَا يَحِلُّ لَهَا نِكَاحُ غَيْرِ زَوْجِهَا، وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا لِغَيْرِهِ.
قُلْنَا: يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا هَذَا الزَّوْجُ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا قُبِلَ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ مِنْ الزَّوْجِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الصَّبِيِّ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ النِّسْبَةِ إلَى كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ بِالْمَرْأَةِ، بَلْ إلْحَاقُهُ بِهَا دُونَ زَوْجِهَا تَطَرُّقٌ لِلْعَارِ إلَيْهِ وَإِلَيْهَا.
قُلْنَا: بَلْ قَبِلْنَا دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي حَقًّا لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى أَحَدٍ فِيهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ، كَدَعْوَى الْمَالِ، وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهَا إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا، لِإِفْضَائِهِ إلَى إلْحَاقِ النَّسَبِ بِزَوْجِهَا بِغَيْرِ إقْرَارِهِ وَلَا رِضَاهُ، أَوْ إلَى أَنَّ امْرَأَتَهُ وُطِئَتْ بِزِنًا أَوْ شُبْهَةٍ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيمَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ، قُبِلَتْ دَعْوَاهَا لِعَدَمِ هَذَا الضَّرَرِ.
وَهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ، نَقَلَهَا الْكَوْسَجُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: إنْ كَانَ لَهَا إخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لَا تُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَافِعٌ، لَمْ يُحَلْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا أَهْلٌ وَنَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لَمْ تُخْفِ وِلَادَتَهَا عَلَيْهِمْ، وَيَتَضَرَّرُونَ بِإِلْحَاقِ النَّسَبِ بِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْيِيرِهِمْ بِوِلَادَتِهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَهْلٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا بِحَالٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ،
عَلَى أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِدَعْوَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا يُمْكِنُهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بِمُجَرَّدِهِ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ زَوْجُهَا طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا.
وَلَنَا أَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ، وَإِمْكَانُ الْبَيِّنَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الْقَوْلِ، كَالرَّجُلِ، فَإِنَّهُ تُمْكِنُهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَمَةً، فَهِيَ كَالْحُرَّةِ، إلَّا أَنَّنَا إذَا قَبِلْنَا دَعْوَاهَا فِي نَسَبِهِ، لَمْ نَقْبَلْ قَوْلَهَا فِي رِقِّهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَقْبَلُ الدَّعْوَى فِيمَا يَضُرُّهُ، كَمَا لَمْ نَقْبَلْ الدَّعْوَى فِي كُفْرِهِ إذَا ادَّعَى نَسَبَهُ كَافِرٌ.
(4573) الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي فُصُولٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ إذَا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، أَوْ حُرٌّ وَعَبْدٌ، فَهُمَا سَوَاءٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنْ الذِّمِّيِّ، وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ عَلَى اللَّقِيطِ ضَرَرًا فِي إلْحَاقِهِ بِالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي الْحَضَانَةِ.
وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا انْفَرَدَ صَحَّتْ دَعْوَاهُ، فَإِذَا تَنَازَعُوا، تَسَاوَوْا فِي الدَّعْوَى، كَالْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الضَّرَرِ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّنَا لَا نَحْكُمُ بِرِقِّهِ وَلَا كُفْرِهِ.
وَلَا يُشْبِهُ النَّسَبُ الْحَضَانَةَ، بِدَلِيلِ أَنَّنَا نُقَدِّمُ فِي الْحَضَانَةِ الْمُوسِرَ وَالْحَضَرِيَّ، وَلَا نُقَدِّمُهُمَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إذَا كَانَ عَبْدٌ، امْرَأَتُهُ أَمَةٌ، فِي أَيْدِيهِمَا صَبِيٌّ، فَادَّعَى رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ امْرَأَتُهُ عَرَبِيَّةٌ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ، فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَهُوَ ابْنُهُ فِي قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُقْضَى بِهِ لِلْعَرَبِيِّ، لِلْعِتْقِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي مِنْ الْمَوَالِي عَبْدَهُمْ.
وَقَوْلُهُمْ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَغَيْرَهُمْ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ بِهِمْ سَوَاءٌ.
[فَصْلٌ ادَّعَى نَسُبّ اللَّقِيط اثْنَانِ وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا بِهِ بَيِّنَةٌ]
(4574) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا ادَّعَاهُ اثْنَانِ، فَكَانَ لِأَحَدِهِمَا بِهِ بَيِّنَةٌ، فَهُوَ ابْنُهُ.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا هَا هُنَا؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا فِي الْمَالِ إمَّا بِقِسْمَتِهِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ هَا هُنَا، وَإِمَّا بِالْإِقْرَاعِ بَيْنَهُمَا، وَالْقُرْعَةُ لَا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ ثُبُوتَهُ هَا هُنَا يَكُونُ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ مُرَجَّحَةٌ.
قُلْنَا: فَيَلْزَمُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ لُحُوقُهُ بِالْوَطْءِ لَا بِالْقُرْعَةِ.
[فَصْلُ إذَا لَمْ تَكُنْ بِنَسَبِ اللَّقِيط بَيِّنَةٌ أَوْ تَعَارَضَتْ بِهِ بَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا]
(4575) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ تَعَارَضَتْ بِهِ بَيِّنَتَانِ، وَسَقَطَتَا، فَإِنَّا نُرِيهِ الْقَافَةَ مَعَهُمَا، أَوْ مَعَ عَصَبَتِهِمَا عِنْدَ فَقْدِهِمَا، فَنُلْحِقُهُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ مِنْهُمَا.
هَذَا قَوْلُ أَنَسٍ، وَعَطَاءٍ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا حُكْمَ لِلْقَافَةِ، وَيُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ جَمِيعًا؛
لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْقَافَةِ تَعْوِيلٌ عَلَى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، فَإِنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ، وَيَنْتَفِي بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ . قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ.
قَالَ: وَهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الشَّبَهُ كَافِيًا لَاكْتُفِيَ بِهِ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، وَفِيمَا إذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِأَخٍ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ، وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؟» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْلَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَافَةِ لَمَا سُرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى بِهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: «اُنْظُرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ حَمْشَ السَّاقَيْنِ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْدًا، جُمَالِيًّا، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ.
فَأَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» . فَقَدْ حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي أَشْبَهَهُ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْعَمَلِ بِالشَّبَهِ إلَّا الْأَيْمَانُ، فَإِذَا انْتَفَى الْمَانِعُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لِوُجُودِ مُقْتَضِيه.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، حِينَ رَأَى بِهِ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» . فَعَمِلَ بِالشَّبَهِ فِي حَجْبِ سَوْدَةَ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَدِيثَانِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، إذْ لَمْ يَحْكُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشَّبَهِ فِيهِمَا، بَلْ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِزَمْعَةَ، «وَقَالَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ: هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . وَلَمْ يَعْمَلْ بِشَبَهِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، لِشَبَهِهِ بِالْمَقْذُوفِ.
قُلْنَا: إنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمَعَةَ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ أَقْوَى، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ لِمُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا، لَا يُوجِبُ الْإِعْرَاضَ عَنْهَا إذَا خَلَتْ عَنْ الْمُعَارِضِ.
وَكَذَلِكَ تَرْكُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ أَيْمَانِهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ.»
عَلَى أَنَّ ضَعْفَ الشَّبَهِ عَنْ إقَامَةِ الْحَدِّ لَا يُوجِبُ ضَعْفَهُ عَنْ إلْحَاقِ النَّسَبِ، فَإِنَّ الْحَدَّ فِي الزِّنَى لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَقْوَى الْبَيِّنَاتِ، وَأَكْثَرِهَا عَدَدًا، وَأَقْوَى الْإِقْرَارِ، حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِ تَكْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَيَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَيَثْبُتُ مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ بِوَلَدٍ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، لَحِقَهُ وَلَدُهَا، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَى نَفْيِهِ بِعَدَمِ إقَامَةِ الْحَدِّ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِظَنٍّ غَالِبٍ، وَرَأْيٍ رَاجِحٍ، مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَجَازَ، كَقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الشَّبَهَ يَجُوزُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ.
قُلْنَا: الظَّاهِرُ وُجُودُهُ، وَلِهَذَا «قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أَوَ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟» . وَالْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ لِمُخَالَفَةِ لَوْنِهِ، وَعَزْمِهِ عَلَى نَفْيِهِ لِذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ خِلَافُهُ، وَأَنَّ فِي طِبَاعِ النَّاسِ إنْكَارَهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُوجَدُ نَادِرًا، وَإِنَّمَا أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ لِوُجُودِ الْفِرَاشِ، وَتَجُوزُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِدَلِيلٍ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَلِأَنَّ ضَعْفَ الشَّبَهِ عَنْ نَفْيِ النَّسَبِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُهُ عَنْ إثْبَاتِهِ، فَإِنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ، وَيَثْبُتُ بِأَدْنَى دَلِيلٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّشْدِيدُ فِي نَفْيِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِأَقْوَى الْأَدِلَّةِ، كَمَا أَنَّ الْحَدَّ لَمَّا انْتَفَى بِالشَّبَهِ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِأَقْوَى دَلِيلٍ، فَلَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ نَفْيِهِ بِالشَّبَهِ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ النَّسَبُ فِي مَسْأَلَتِنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَاهُنَا إنْ عَمِلْتُمْ بِالْقَافَةِ فَقَدْ نَفَيْتُمْ النَّسَبَ عَمَّنْ لَمْ تُلْحِقْهُ الْقَافَةُ بِهِ.
قُلْنَا: إنَّمَا انْتَفَى النَّسَبُ هَا هُنَا لِعَدَمِ دَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، وَقَدْ عَارَضَهَا مِثْلُهَا، فَسَقَطَ حُكْمُهَا، وَكَانَ الشَّبَهُ مُرَجِّحًا لِأَحَدِهِمَا، فَانْتَفَتْ دَلَالَةٌ أُخْرَى، فَلَزِمَ انْتِفَاءُ النَّسَبِ لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ، وَتَقْدِيمُ اللِّعَانِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَالْيَدِ تُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ، وَيُعْمَلُ بِهَا.
[فَصْلٌ الْقَافَةُ]
(4576) فَصْلٌ: وَالْقَافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْإِنْسَانَ بِالشَّبَهِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ، وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْإِصَابَةُ، فَهُوَ قَائِفٌ.
وَقِيلَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِي الَّذِي رَأَى أُسَامَةَ وَأَبَاهُ زَيْدًا قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: " إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ". وَكَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيّ قَائِفًا، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي شُرَيْحٍ.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، عَدْلًا، مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ، حُرًّا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ، وَالْحَكَمُ تُعْتَبَرُ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَتُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْقَائِفِ بِالتَّجْرِبَةِ، وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الصَّبِيُّ مَعَ عَشَرَةٍ مِنْ الرِّجَالِ غَيْرِ مَنْ يَدَّعِيه، وَيُرَى إيَّاهُمْ، فَإِنْ
أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّا نَتَبَيَّنُ خَطَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يُلْحِقْهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَرَيْنَاهُ إيَّاهُ مَعَ عِشْرِينَ فِيهِمْ مُدَّعِيه، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ لَحِقَ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ بِأَنْ يَرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ مَعَ قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِقَرِيبِهِ، عُلِمَتْ إصَابَتُهُ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ سَقَطَ قَوْلُهُ، جَازَ.
وَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ عِنْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْقَائِفِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي مَعْرِفَةِ إصَابَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُجَرِّبْهُ فِي الْحَالِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْإِصَابَةِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ فِي مَرَّاتٍ كَبِيرَةٍ، جَازَ.
وَقَدْ رَوَيْنَا أَنْ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ فِي وَلَدٍ لَهُ مِنْ جَارِيَتِهِ، وَأَبَى أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ، فَمَرَّ بِهِ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي الْمَكْتَبِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: اُدْعُ لِي أَبَاك.
فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: وَمَنْ أَبُو هَذَا؟ قَالَ: فُلَانٌ.
قَالَ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْت أَنَّهُ أَبُوهُ؟ قَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ.
فَقَامَ الْمُعَلِّمُ مَسْرُورًا إلَى أَبِيهِ، فَأَعْلَمَهُ بُقُولِ إيَاسٍ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَسَأَلَ إيَاسًا، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْت أَنَّ هَذَا وَلَدِي؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَهَلْ يَخْفَى وَلَدُك عَلَى أَحَدٍ، إنَّهُ لَأَشْبَهُ بِك مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ.
فَسُرَّ الرَّجُلُ، وَاسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ.
وَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ، أَوْ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ، فَإِنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى عَنْهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذَا قَالَ أَحَدُ الْقَافَةِ: هُوَ لِهَذَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ لِهَذَا؟ قَالَ: لَا يُقْبَلُ وَاحِدٌ حَتَّى يَجْتَمِعَ اثْنَانِ، فَيَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ.
فَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْقَافَةِ أَنَّهُ لِهَذَا، فَهُوَ لِهَذَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ، وَيُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ قَوْلُ وَاحِدٍ.
وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى مَا إذَا تَعَارَضَ قَوْلُ الْقَائِفِينَ، فَقَالَ: إذَا خَالَفَ الْقَائِفُ غَيْرَهُ، تَعَارَضَا وَسَقَطَا.
وَإِنْ قَالَ اثْنَانِ قَوْلًا، وَخَالَفَهُمَا وَاحِدٌ، فَقَوْلُهُمَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا شَاهِدَانِ، فَقَوْلُهُمَا أَقْوَى مِنْ قَوْلِ وَاحِدٍ.
وَإِنْ عَارَضَ قَوْلُ اثْنَيْنِ قَوْلَ اثْنَيْنِ، سَقَطَ قَوْلُ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ عَارَضَ قَوْلُ الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ، لَمْ يُرَجَّحْ، وَسَقَطَ الْجَمِيعُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ اثْنَيْنِ، وَالْأُخْرَى ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ.
فَأَمَّا إنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِوَاحِدٍ، ثُمَّ جَاءَتْ قَافَةٌ أُخْرَى فَأَلْحَقَتْهُ بِآخَرَ، كَانَ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَائِفَ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَمَتَى حَكَمَ الْحَاكِمُ حُكْمًا لَمْ يَنْتَقِضْ بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِهِ؛ لِذَلِكَ.
فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ.
حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَيَسْقُطُ بِوُجُودِ الْأَصْلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ.
[فَصْلٌ الْحَاقّ الْقَافَة اللَّقِيط بِكَافِرِ أَوْ رَقِيقٍ]
(4577) فَصْلٌ: وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِكَافِرٍ أَوْ رَقِيقٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ وَلَا رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ثَبَتَا لَهُ بِظَاهِرِ الدَّارِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ، كَمَا لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ.
وَإِنَّمَا قَبِلْنَا قَوْلَ الْقَائِفِ فِي النَّسَبِ، لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهِ، وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ رِقِّهِ وَكُفْرِهِ، وَإِثْبَاتُهُمَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ.