المغني لابن قدامةصفحات 52-91
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 52-91
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَمُكَاتَبٍ، وَكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ، إلَّا أَنَّ الْوَاجِدَ لَهُ إذَا كَانَ عَبْدًا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ مَالٍ، فَأَشْبَهَ الِاحْتِشَاشَ وَالِاصْطِيَادَ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا مَلَكَهُ، وَعَلَيْهِ خُمْسُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَهُوَ لَهُمَا، وَيُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ الْخُمْسَ.
قَالَهُ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ.
وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الرِّكَازَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إذَا كَانَ الْوَاجِدُ لَهُ عَبْدًا، يُرْضَخُ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُعْطَاهُ كُلَّهُ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمْسِ فِي كُلِّ رِكَازٍ يُوجَدُ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ بَاقِيَهُ لِوَاجِدِهِ مَنْ كَانَ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيهِ الْخُمْسُ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ وَبَاقِيه لِوَاجِدِهِ، كَالْغَنِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ اكْتِسَابُ مَالٍ، فَكَانَ لِمُكْتَسِبِهِ إنْ كَانَ حُرًّا، أَوْ لِسَيِّدِهِ إنْ كَانَ عَبْدًا، كَالِاحْتِشَاشِ، وَالِاصْطِيَادِ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنْ لَا يَجِبَ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ زَكَاةٌ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(1905) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةَ الْخُمْسِ بِنَفْسِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ وَاجِدَ الْكَنْزِ بِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَلِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَبَرِئَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الزَّكَاةَ، أَوْ أَدَّى الدَّيْنَ إلَى رَبِّهِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ فَيْءٌ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَفْرِقَتَهُ بِنَفْسِهِ، كَخُمْسِ الْغَنِيمَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.
قَالَ: وَإِنْ فَعَلَ ضَمَّنَهُ الْإِمَامُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ رَدُّ خَمْسِ الرِّكَازِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ، فَلَمْ يَجُزْ رَدُّهُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، كَالزَّكَاةِ، وَخُمْسِ الْغَنِيمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى وَاجِدِهِ، وَلِأَنَّهُ فَيْءٌ، فَجَازَ رَدُّهُ أَوْ رَدُّ بَعْضِهِ عَلَى وَاجِدِهِ، كَخَرَاجِ الْأَرْضِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

[مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ فِي الْمَعْدِنِ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ]

[الْفَصْل الْأَوَّل فِي صِفَةِ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ]

(1906) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَخْرَجَ مِنْ الْمَعَادِنِ مِنْ الذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، أَوْ مِنْ الْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ مِنْ الزِّئْبَقِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْأَرْضِ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ وَقْتِهِ) اشْتِقَاقُ الْمَعْدِنِ مِنْ عَدَنَ فِي الْمَكَانِ، يَعْدِنُ: إذَا أَقَامَ بِهِ.
وَمِنْهُ سُمِّيَتْ جَنَّةَ عَدْنٍ، لِأَنَّهَا دَارُ إقَامَةٍ

وَخُلُودٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْمَعَادِنُ: هِيَ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ دُفِنَ.
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: (1907) أَحَدُهَا، فِي صِفَةِ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ.
وَهُوَ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ، مِمَّا يُخْلَقُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ، كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْحَدِيدِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْبِلَّوْرِ، وَالْعَقِيقِ، وَالسَّبَجِ، وَالْكُحْلِ، وَالزَّاجِّ.
وَالزِّرْنِيخِ، وَالْمَغْرَةِ.
وَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ، كَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ إلَّا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا زَكَاةَ فِي حَجَرٍ.» وَلِأَنَّهُ مَالٌ يُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ، أَشْبَهَ الطِّينَ الْأَحْمَرَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِكُلِّ مَا يَنْطَبِعُ، كَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ، دُونَ غَيْرِهِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَلِأَنَّهُ مَعْدِنٌ، فَتَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ كَالْأَثْمَانِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَوْ غَنِمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ خُمْسُهُ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَعْدِنٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ كَالذَّهَبِ.
وَأَمَّا الطِّينُ فَلَيْسَ بِمَعْدِنٍ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ.
وَالْمَعْدِنُ: مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَصِفَتِهِ]

(1908) الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ وَصِفَتِهِ، وَقَدْرُ الْوَاجِبِ فِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ.
وَصِفَتُهُ أَنَّهُ زَكَاةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَاجِبُ فِيهِ الْخُمْسُ، وَهُوَ فَيْءٌ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ زَكَاةٌ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَاحْتَجَّ مِنْ أَوْجَبَ الْخُمْسَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالْجُوزَجَانِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا كَانَ فِي الْخَرَابِ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» . وَرَوَى سَعِيدٌ، وَالْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرِّكَازُ هُوَ الذَّهَبُ الَّذِي يَنْبُتُ مِنْ الْأَرْضِ» . وَفِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الرِّكَازُ؟ قَالَ: هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الْمَخْلُوقَانِ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ» . وَهَذَا نَصٌّ.
وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: «وَفِي السُّيُوبِ الْخُمْسُ» . قَالَ: وَالسُّيُوبُ عُرُوقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ.
وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، أَشْبَهَ الرِّكَازَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ فِي نَاحِيَةِ الْفَرْعِ، قَالَ: فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا الزَّكَاةُ إلَى الْيَوْمِ» . وَقَدْ أَسْنَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عَوْفٍ، إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنْهُ زَكَاةَ الْمَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ.» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْقَبَلِيَّةُ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ.
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَحْرُمُ عَلَى أَغْنِيَاءِ ذَوِي الْقُرْبَى، فَكَانَ زَكَاةً، كَالْوَاجِبِ فِي الْأَثْمَانِ الَّتِي كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ.
وَحَدِيثُهُمْ الْأَوَّلُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي جَوَابِ سُؤَالِهِ عَنْ اللُّقَطَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِلُقَطَةٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُ اسْمَهَا، فَلَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَسَائِرُ أَحَادِيثِهِمْ لَا يُعْرَفُ صِحَّتُهَا، وَلَا هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَسَانِيدِ وَالدَّوَاوِينِ.
ثُمَّ هِيَ مَتْرُوكَةُ الظَّاهِرِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمُسَمَّى بِالرِّكَازِ.
وَالسُّيُوبُ: هُوَ الرِّكَازُ، لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ السَّيْبِ، وَهُوَ الْعَطَاءُ الْجَزِيلُ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي نِصَابِ الْمَعَادِنِ]

(1909) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي نِصَابِ الْمَعَادِنِ وَهُوَ مَا يَبْلُغُ مِنْ الذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَمِنْ الْفِضَّةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الْخُمْسَ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ نِصَابٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رِكَازٌ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ نِصَابٌ كَالرِّكَازِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» . وَقَوْلِهِ: «لَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ.» وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ، حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرِكَازٍ، وَأَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلرِّكَازِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الرِّكَازَ مَالُ كَافِرٍ أُخِذَ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَشْبَهَ الْغَنِيمَةَ.
وَهَذَا وَجَبَ مُوَاسَاةً وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى، فَاعْتُبِرَ لَهُ النِّصَابُ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ الْحَوْلُ؛ لِحُصُولِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةٍ، فَأَشْبَهَ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ إخْرَاجُ النِّصَابِ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ، لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بَيْنَهُنَّ تَرْكَ إهْمَالٍ، فَإِنْ خَرَجَ دُونَ النِّصَابِ، ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ دُونَ النِّصَابِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا وَإِنْ بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا نِصَابًا.
وَإِنْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا دُونَ الْآخَرِ، زَكَّى النِّصَابَ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْآخَرِ.
وَفِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ.
فَأَمَّا تَرْكُ الْعَمَلِ لَيْلًا، أَوْ لِلِاسْتِرَاحَةِ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ لِإِصْلَاحِ الْأَدَاةِ، أَوْ إبَاقِ عَبِيدِهِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْعَمَلِ، وَيُضَمُّ مَا خَرَجَ فِي الْعَمَلَيْنِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعَمَلِ، فَخَرَجَ بَيْنَ الْمَعْدِنَيْنِ تُرَابٌ، لَا شَيْءَ فِيهِ.
وَإِنْ اشْتَمَلَ الْمَعْدِنُ عَلَى أَجْنَاسٍ، كَمَعْدِنٍ فِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.
فَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ

النِّصَابُ فِي الْجِنْسِ بِانْفِرَادِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَاسٌ، فَلَا يَكْمُلُ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَغَيْرِ الْمَعْدِنِ.
وَالصَّوَابُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَعْدِنُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَفِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخِرِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فِي غَيْرِ الْمَعْدِنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَجْنَاسٌ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، ضُمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي قِيمَتِهَا، وَالْقِيمَةُ وَاحِدَةٌ، فَأَشْبَهَتْ عُرُوضَ التِّجَارَةِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَحَدُ النَّقْدَيْنِ، وَجِنْسٌ آخَرُ، ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، كَمَا تُضَمُّ الْعُرُوض إلَى الْأَثْمَانِ.
وَإِنْ اسْتَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ مَعْدِنَيْنِ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَشْبَهَ الزَّرْعَ فِي مَكَانَيْنِ.

[الْفَصْلُ الرَّابِعِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ لِإِخْرَاجِ زَكَاة الْمَعَادِنِ]

(1910) الْفَصْلُ الرَّابِعِ، فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ حِينَ يَتَنَاوَلُهُ وَيَكْمُلُ نِصَابُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا شَيْءَ فِي الْمَعْدِنِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» . وَلَنَا، أَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ حَقِّهِ حَوْلٌ، كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالرِّكَازِ، وَلِأَنَّ الْحَوْلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ هَذَا لِتَكْمِيلِ النَّمَاءِ، وَهُوَ يَتَكَامَلُ نَمَاؤُهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ كَالزُّرُوعِ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، فَيُخَصُّ مَحَلُّ النِّزَاعِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ إلَّا بَعْدَ سَبْكِهِ، وَتَصْفِيَتِهِ، كَعُشْرِ الْحَبِّ، فَإِنْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرَابِهِ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ، وَجَبَ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا.
وَالْقَوْلُ فِي قَدْرِ الْمَقْبُوضِ قَوْلُ الْآخِذِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، فَإِنْ صَفَّاهُ الْآخِذُ، فَكَانَ قَدْرَ الزَّكَاةِ، أَجْزَأَ، وَإِنْ زَادَ رَدَّ الزِّيَادَةَ، إلَّا أَنْ يَسْمَحَ لَهُ الْمُخْرِجُ.
وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَى الْمُخْرِجِ.
وَمَا أَنْفَقَهُ الْآخِذُ عَلَى تَصْفِيَتِهِ، فَهُوَ مِنْ مَالِهِ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ وَلَا يَحْتَسِبُ الْمَالِكُ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْمَعْدِنِ فِي اسْتِخْرَاجِهِ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَلَا فِي تَصْفِيَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَلْزَمُهُ الْمُؤْنَةُ مِنْ حَقِّهِ.
وَشَبَّهَهُ بِالْغَنِيمَةِ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ هَذَا رِكَازٌ فِيهِ الْخُمْسُ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي هَذَا زَكَاةٌ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ فَتَصْفِيَتِهِ كَالْحَبِّ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ احْتَسَبَ بِهِ، كَمَا يَحْتَسِبُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الزَّرْعِ.

[فَصْلُ لَا زَكَاةَ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْبَحْرِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ]

(1911) فَصْلٌ: وَلَا زَكَاةَ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْبَحْرِ، كَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَعْدِنٍ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ مَعْدِنِ الْبَرِّ.
وَيُحْكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْعَنْبَرِ الْخُمْسَ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ.
وَزَادَ الزُّهْرِيُّ فِي اللُّؤْلُؤِ يُخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ.

وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ.
قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَلْقَاهُ الْبَحْرُ.
وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ.
رَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ سُنَّةٌ عَنْهُ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَعْدِنِ الْبَرِّ؛ لِأَنَّ الْعَنْبَرَ إنَّمَا يُلْقِيه الْبَحْرُ، فَيُوجَدُ مُلْقًى فِي الْبَرِّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَاتِ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الْبَرِّ، كَالْمَنِّ وَالزَّنْجَبِيلِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا السَّمَكُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ بِحَالٍ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً، إلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْهُ.
وَقَالَ: لَيْسَ النَّاسُ عَلَى هَذَا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْمَلُ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ كَصَيْدِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهَا فِيهِ.

[فَصْل الْمَعَادِنُ الْجَامِدَةُ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا]

(1912) فَصَلِّ: وَالْمَعَادِنُ الْجَامِدَةُ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، فَهِيَ كَالتُّرَابِ وَالْأَحْجَارِ الثَّابِتَةِ، بِخِلَافِ الرِّكَازِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ، قَالَ: «أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا أَرْضَ كَذَا، مِنْ مَكَانِ كَذَا إلَى كَذَا، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ جَبَلٍ أَوْ مَعْدِنٍ.
قَالَ: فَبَاعَ بَنُو بِلَالٍ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْضًا، فَخَرَجَ فِيهَا مَعْدِنَانِ، فَقَالُوا: إنَّمَا بِعْنَاكَ أَرْضَ حَرْثٍ، وَلَمْ نَبِعْكَ الْمَعْدِنَ.
وَجَاءُوا بِكِتَابِ الْقَطِيعَةِ الَّتِي قَطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِيهِمْ فِي جَرِيدَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَمْسَحُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَقَالَ لِقَيِّمِهِ: اُنْظُرْ مَا اسْتَخْرَجْت مِنْهَا، وَمَا أَنْفَقْت عَلَيْهَا، فَقَاصِّهِمْ بِالنَّفَقَةِ، وَرُدَّ عَلَيْهِمْ الْفَضْلَ.» فَعَلَى هَذَا مَا يَجِدُهُ فِي مِلْكٍ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ إلَى مَعْدِنٍ فِي مَوَاتٍ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِهِ مَا دَامَ يَعْمَلُ، فَإِذَا تَرَكَهُ جَازَ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ فِيهِ.
وَمَا يَجِدُهُ فِي مَمْلُوكٍ يَعْرِفُ مَالِكَهُ، فَهُوَ لِمَالِكِ الْمَكَانِ.
فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ، فَهِيَ مُبَاحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا: تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ نَمَائِهَا وَتَوَابِعِهَا، فَكَانَتْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، كَفُرُوعِ الشَّجَرِ الْمَمْلُوكِ وَثَمَرَتِهِ.

[فَصْلُ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ وَالصَّاغَةِ]

(1913) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ وَالصَّاغَةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِجِنْسِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا.
وَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي يَدِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.
وَقَدْ رَوَى

أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ اشْتَرَى تُرَابَ مَعْدِنٍ بِمِائَةِ شَاةٍ مُتْبِعٍ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ثَمَنَ أَلْفِ شَاةٍ.
فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: رُدَّ عَلَيَّ الْبَيْعَ.
فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ.
فَقَالَ: لَآتِيَنَّ عَلِيًّا فَلَآتِيَنَّ عَلَيْكَ - يَعْنِي أَسْعَى بِكَ - فَأَتَى عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: إنَّ أَبَا الْحَارِثِ أَصَابَ مَعْدِنًا.
فَأَتَاهُ عَلِيٌّ.
فَقَالَ: أَيْنَ الرِّكَازُ الَّذِي أَصَبْت؟ فَقَالَ مَا أَصَبْت رِكَازًا، إنَّمَا أَصَابَهُ هَذَا، فَاشْتَرَيْته مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ مُتْبِعٍ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ مَا أَرَى الْخُمْسَ إلَّا عَلَيْكَ.
قَالَ: فَخَمْسُ الْمِائَةِ شَاةٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَعْدِنِ، لَا زَكَاةُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِ الْمَعْدِنِ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ السَّائِمَةَ بَعْدَ حَوْلِهَا، أَوْ الزَّرْعَ أَوْ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.

[فَصْلُ أَجَّرَ دَارِهِ فَقَبَضَ كَرَّاهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ]

(1914) فَصْلٌ: وَمِنْ أَجَرَ دَارِهِ، فَقَبَضَ كِرَاهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُزَكِّيه إذَا اسْتَفَادَهُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» . وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَأَشْبَهَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَجَرَ دَارِهِ سَنَةً، وَقَبَضَ أُجْرَتَهَا فِي آخِرِهَا، فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا زَكَاتَهَا، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ، فَصَارَتْ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، إذَا قَبَضَهَا بَعْدَ حَوْلٍ زَكَّاهَا حِينَ يَقْبِضُهَا، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ عَلَى مُقَيَّدِهِ.

[بَابُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ]

ِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَدَاوُد، أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» . وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ.» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ» . قَالَهُ بِالزَّايِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ، وَثَبَتَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي قِيمَتِهِ.
وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ، فَقَالَ: أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ.
فَقُلْت: مَا لِي مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وَأَدْمٌ.
فَقَالَ: قَوِّمْهَا ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَهَذِهِ قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُهَا وَلَمْ تُنْكَرْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وَخَبَرُهُمْ الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ، لَا زَكَاةُ الْقِيمَةِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، عَلَى أَنَّ خَبَرَهُمْ عَامٌّ وَخَبَرَنَا خَاصٌّ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.

[مَسْأَلَةُ الْعُرُوض إذَا كَانَتْ لِتِجَارَةِ]

(1915) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْعُرُوضُ إذَا كَانَتْ لِتِجَارَةٍ قَوَّمَهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَزَكَّاهَا الْعُرُوض: جَمْعُ عَرْضٍ.
وَهُوَ غَيْرُ الْأَثْمَانِ مِنْ الْمَالِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، مِنْ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ وَسَائِرِ الْمَالِ.
فَمِنْ مَلَكَ عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ، فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ، وَهُوَ نِصَابٌ، قَوَّمَهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، فَمَا بَلَغَ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ، وَهُوَ رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِهِ.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي اعْتِبَارِ الْحَوْلِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» . إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ فِي كُلِّ حَوْلٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُزَكِّيه إلَّا لِحَوْلٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ الْمَالُ عَيْنًا فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَالْحَوْلِ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهِ عَيْنًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَنْقُصْ عَنْ النِّصَابِ، وَلَمْ تَتَبَدَّلْ صِفَتُهُ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي، كَمَا لَوْ نَقَصَ فِي أَوَّلِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلُهُ عَيْنًا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ.

وَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ، بِعَرْضٍ لِلْقُنْيَةِ، جَرَى فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ اشْتَرَاهُ.

[فَصْلُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ قِيمَةِ الْعُرُوضِ دُونَ عَيْنِهَا]

(1916) فَصْلٌ: وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ قِيمَةِ الْعُرُوضِ دُونَ عَيْنِهَا.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي آخَرَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِخْرَاجِ مِنْ قِيمَتِهَا، وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ مِنْ عَيْنِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
لِأَنَّهَا مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَجَازَ إخْرَاجُهَا مِنْ عَيْنِهِ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَلَنَا أَنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ بِالْقِيمَةِ؛ فَكَانَتْ الزَّكَاةُ مِنْهَا كَالْعَيْنِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَالِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ فِي قِيمَتِهِ.

[فَصْلُ لَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ]

فَصْلٌ: وَلَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا أَنْ يَمْلِكَهُ بِفِعْلِهِ، كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْغَنِيمَةِ، وَاكْتِسَابِ الْمُبَاحَاتِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الزَّكَاةِ بِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَالصَّوْمِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ، أَشْبَهَ الْمَوْرُوثَ.
وَالثَّانِي، أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ وَإِنْ نَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ، وَقَصَدَ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْقُنْيَةُ، وَالتِّجَارَةُ عَارِضٌ، فَلَمْ يَصِرْ إلَيْهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْحَاضِرُ السَّفَرَ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِدُونِ الْفِعْلِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْعَرْضَ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ؛ «لِقَوْلِ سَمُرَةَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّ لِلْبَيْعِ.» ، فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَمْلِكَهُ بِفِعْلِهِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٌ، بَلْ مَتَى نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ صَارَ لِلتِّجَارَةِ.

[مَسْأَلَةُ لَا يَعْتَبِرُ الْحَوْلُ وَلَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَالُ نِصَابًا]

(1918) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَتْ لَهُ سِلْعَةٌ لِلتِّجَارَةِ، وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، وَقِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمِ سَاوَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا، فَلَوْ مَلَكَ سِلْعَةً قِيمَتُهَا دُونَ النِّصَابِ، فَمَضَى نِصْفُ الْحَوْلِ وَهِيَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَتْ قِيمَةُ النَّمَاءِ بِهَا أَوْ تَغَيَّرَتْ الْأَسْعَارِ فَبَلَغَتْ نِصَابًا، أَوْ بَاعَهَا بِنِصَابٍ، أَوْ مَلَكَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ عَرْضًا آخَرَ، أَوْ أَثْمَانًا تَمَّ بِهَا النِّصَابُ، ابْتَدَأَ الْحَوْلَ مِنْ حِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَسِبُ بِمَا مَضَى.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَلَوْ مَلَكَ لِلتِّجَارَةِ نِصَابًا، فَنَقَصَ عَنْ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، ثُمَّ زَادَ حَتَّى بَلَغَ نِصَابًا، اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ انْقَطَعَ بِنَقْصِهِ فِي أَثْنَائِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَى مَا دُونَ النِّصَابِ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِهِ نِصَابًا زَكَّاهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ دُونَ وَسَطِهِ؛

لِأَنَّ التَّقْوِيمَ يَسْبِقُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، فَعُفِيَ عَنْهُ إلَّا فِي آخِرِهِ، فَصَارَ الِاعْتِبَارُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ تُعْرَفَ قِيمَتُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، لِيَعْلَمَ أَنَّ قِيمَتَهُ فِيهِ تَبْلُغُ نِصَابًا وَذَلِكَ يَشُقُّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ كَمَالِ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُعْتَبَرُ لَهَا ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُمْ: يَشُقُّ التَّقْوِيمُ لَا يَصِحُّ.
فَإِنَّ غَيْرَ الْمُقَارِبِ لِلنِّصَابِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ، لِظُهُورِ مَعْرِفَتِهِ، وَالْمُقَارِبُ لِلنِّصَابِ إنْ سَهُلَ عَلَيْهِ التَّقْوِيمُ، وَإِلَّا فَلَهُ الْأَدَاءُ.
وَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ، كَالْمُسْتَفَادِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ إنَّ سَهُلَ عَلَيْهِ ضَبْطُ مَوَاقِيتِ التَّمَلُّكِ، وَإِلَّا فَلَهُ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ مَعَ الْأَصْلِ.

[فَصْلُ مَلَكَ نُصُبًا لِلتِّجَارَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ]

(1919) فَصْلٌ: وَإِذَا مَلَكَ نُصُبًا لِلتِّجَارَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، لَمْ يَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْمُسْتَفَادَ لَا يُضَمُّ إلَى مَا عِنْدَهُ فِي الْحَوْلِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ الْأَوَّلُ لَيْسَ بِنِصَابٍ وَكَمَلَ بِالثَّانِي نِصَابًا، فَحَوْلُهُمَا مِنْ حِينِ مَلَكَ الثَّانِي، وَنَمَاؤُهُمَا تَابِعٌ لَهُمَا، وَلَا يُضَمُّ الثَّالِثُ إلَيْهِمَا، بَلْ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ وَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ نِصَابًا، وَلِهَذَا يُخْرِجُ عَنْهُ بِالْحِصَّةِ، وَنَمَاؤُهُ تَابِعٌ لَهُ

[مَسْأَلَةُ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْعُرُوضِ وَقِيمَتُهَا بِالْفِضَّةِ نِصَابٌ وَلَا تَبْلُغُ نِصَابًا بِالذَّهَبِ]

(1920) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتُقَوَّمُ السِّلَعُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ بِالْأَحُظِّ لِلْمَسَاكِينِ، مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اُشْتُرِيت بِهِ يَعْنِي إذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْعُرُوضِ وَقِيمَتُهَا بِالْفِضَّةِ نِصَابٌ، وَلَا تَبْلُغُ نِصَابًا بِالذَّهَبِ قَوَّمْنَاهَا بِالْفِضَّةِ؛ لِيَحْصُلَ لِلْفُقَرَاءِ مِنْهَا حَظٌّ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا بِالْفِضَّةِ دُونَ النِّصَابِ وَبِالذَّهَبِ تَبْلُغُ نِصَابًا، قَوَّمْنَاهَا بِالذَّهَبِ؛ لِتَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاؤُهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عُرُوضٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقَوَّمُ بِمَا اشْتَرَاهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ لِأَنَّ نِصَابَ الْعَرُوضِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ، وَتُعْتَبَرُ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئًا.
وَلَنَا أَنَّ قِيمَتَهُ بَلَغَتْ نِصَابًا فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مُسْتَعْمَلَانِ، تَبْلُغُ قِيمَةُ الْعُرُوضِ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا، وَلِأَنَّ تَقْوِيمَهُ لِحَظِّ الْمَسَاكِينِ، فَيُعْتَبَرُ مَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ كَالْأَصْلِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَرِ بِالنَّقْدِ شَيْئًا، فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِي عَيْنِهِ، لَا فِي قِيمَتِهِ، بِخِلَافِ الْعَرْضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْدُ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ بِالنَّقْدِ الْآخَرِ نِصَابًا، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ بِعَيْنِهِ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ كَالْعُرُوضِ، فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْعَرُوضِ نِصَابًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَنَيْنِ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَأَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ قِيمَتِهِ مِنْ أَيِّ النَّقْدَيْنِ شَاءَ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّقْدِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْبَلَدِ، لِأَنَّهُ أَحْظُ لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ أَخْرَجَ مِنْ الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لِذَلِكَ، فَإِنْ تَسَاوَيَا أَخْرَجَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.
وَإِذَا بَاعَ الْعُرُوضَ بِنَقْدٍ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، قَوَّمَ النَّقْدَ دُونَ الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَوِّمُ مَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ دُونَ غَيْرِهِ.

[فَصْلُ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ أَوْ بِمَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ]

(1921) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ، بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ، أَوْ بِمَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، بَنَى حَوْلَ الثَّانِي عَلَى الْحَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَالَ التِّجَارَةِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِقِيمَتِهِ، وَقِيمَتُهُ هِيَ: الْأَثْمَانُ نَفْسُهَا، وَكَمَا إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً فَخَفِيَتْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَأَقْرَضَهُ، لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُ بِذَلِكَ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا بَاعَ الْعَرْضَ بِنِصَابٍ أَوْ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ نِصَابٌ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ كَانَتْ خَفِيَّةً، فَظَهَرَتْ، أَوْ بَقِيَتْ عَلَى خَفَائِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ قَرْضٌ فَاسْتَوْفَاهُ، أَوْ أَقْرَضَهُ إنْسَانًا آخَرَ، وَلِأَنَّ النَّمَاءَ فِي الْغَالِبِ فِي التِّجَارَةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّقْلِيبِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْحَوْلَ لَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ لِأَجْلِهِ يَمْنَعُهَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا فِي مَالٍ نَامٍ.
وَإِنْ قَصَدَ بِالْأَثْمَانِ غَيْرَ التِّجَارَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ أَيْضًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْقَطِعُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ، فَانْقَطَعَ الْحَوْلُ بِالْبَيْعِ بِهِ، كَالسَّائِمَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِهَا، فَلَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ بِبَيْعِهَا بِهِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ، وَفَارَقَ السَّائِمَةَ، فَإِنَّهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْقِيمَةِ، فَأَمَّا إنْ أَبْدَلَ عَرْضَ التِّجَارَةِ بِمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ كَالسَّائِمَةِ، وَلَمْ يَنْوِ بِهِ التِّجَارَةَ، لَمْ يَبْنِ حَوْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ.
وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِعَرْضٍ لِلْقُنْيَةِ، بَطَلَ الْحَوْلُ.
وَإِنْ اشْتَرَى عَرْضَ التِّجَارَةِ بِعَرْضِ الْقُنْيَةِ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ إنْ كَانَ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَا لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَلَمْ يُمْكِنْ بِنَاءُ الْحَوْلِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ، لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمَا دُونَ النِّصَابِ مِنْ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ تَصِيرُ قِيمَتُهُ نِصَابًا؛ لِأَنَّ مُضِيَّ الْحَوْلِ عَلَى نِصَابٍ كَامِلٍ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ.

[فَصْلُ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ]

فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ، فَحَالَ الْحَوْلُ، وَالسَّوْمُ وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ مَوْجُودَانِ، زَكَّاهُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: يُزَكِّيهَا زَكَاةَ السَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى، لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا، وَاخْتِصَاصِهَا بِالْعَيْنِ، فَكَانَتْ أَوْلَى.
وَلَنَا، أَنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِيمَا زَادَ بِالْحِسَابِ، وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَنْ النِّصَابِ قَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ زَكَاتِهِ، فَيَجِبُ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِالسَّوْمِ نِصَابًا، وَإِنْ سَبَقَ وَقْتُ وُجُوبِ زَكَاةِ السَّوْمِ وَقْتَ وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهَا فِي نِصْفِ الْحَوْلِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَتَأَخَّرُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَإِلَّا يُفْضِي التَّأْخِيرُ إلَى سُقُوطِهَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا إذَا تَمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ زَكَاةُ الْعَيْنِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ.
فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ، وَجَبَتْ زَكَاةُ

الزَّائِدِ عَنْ النِّصَابِ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهَا، لِأَنَّ هَذَا مَالٌ لِلتِّجَارَةِ، حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ وَهُوَ نِصَابٌ، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الزَّكَاتَيْنِ بِكَمَالِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إيجَابِ زَكَاتَيْنِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ، بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُثْنِي فِي الصَّدَقَةِ» . وَفَارَقَ هَذَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةَ الْفِطْرِ، فَإِنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ لِأَنَّهُمَا بِسَبَبَيْنِ، فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ، تَجِبُ عَنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ طُهْرَةً لَهُ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عَنْ قِيمَتِهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى وَمُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ.
فَأَمَّا إنْ وُجِدَ نِصَابُ السَّوْمِ دُونَ نِصَابِ التِّجَارَةِ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ، قِيمَتُهَا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ تَجِبُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهَا مُعَارِضٌ، فَوَجَبَتْ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ.

[فَصْلُ اشْتَرَى نَخْلًا أَوْ أَرْضًا لِلتِّجَارَةِ فَزُرِعَتْ الْأَرْضُ وَأَثْمَرَتْ النَّخْلُ فَاتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا]

(1923) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى نَخْلًا أَوْ أَرْضًا لِلتِّجَارَةِ، فَزُرِعَتْ الْأَرْضُ وَأَثْمَرَتْ النَّخْلُ، فَاتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، بِأَنْ يَكُونَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادُ الْحَبِّ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ بِمُفْرَدِهَا نِصَابًا لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي الثَّمَرَةَ وَالْحَبَّ زَكَاةَ الْعُشْرِ، وَيُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ.
وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ، فَتَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، كَالسَّائِمَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ زَكَاةَ الْعُشْرِ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِنَّ الْعُشْرَ أَحَظُّ مِنْ رُبْعِ الْعُشْرِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ مَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى رُبْعِ الْعُشْرِ قَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا فَتَجِبُ، وَفَارَقَ السَّائِمَةَ الْمُعَدَّةَ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّ زَكَاةَ السَّوْمِ أَقَلُّ مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ.

[مَسْأَلَةُ إذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ]

(1924) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ نَوَاهَا لِلِاقْتِنَاءِ، ثُمَّ نَوَاهَا لِلتِّجَارَةِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَبِيعَهَا، وَيَسْتَقْبِلَ بِثَمَنِهَا حَوْلًا.
لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ إذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، أَنَّهُ يَصِيرُ لِلْقُنْيَةِ، وَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ مِنْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: لَا يَسْقُطُ حُكْمُ التِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالسَّائِمَةِ الْعَلْفَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقُنْيَةَ الْأَصْلُ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إلَى الْأَصْلِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالْحُلِيِّ التِّجَارَةَ، أَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ، فَإِذَا نَوَى الْقُنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، وَفَارَقَ السَّائِمَةَ إذَا نَوَى عَلْفَهَا، لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهَا الْإِسَامَةُ دُونَ نِيَّتِهَا، فَلَا يَنْتَفِي الْوُجُوبُ إلَّا بِانْتِفَاءِ السَّوْمِ.
وَإِذَا صَارَ الْعَرْضُ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِهَا، فَنَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو بَكْرٍ،

إلَى أَنَّهُ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
وَحَكَوْهُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، لِقَوْلِهِ: فِي مِنْ أَخْرَجَتْ أَرْضُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ لَا يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ التِّجَارَةَ فَأَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يُزَكِّيَهُ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْقُنْيَةِ بِمُجَرَّدِهَا كَافِيَةٌ، فَكَذَلِكَ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يُغَلَّبُ عَلَى الْإِسْقَاطِ احْتِيَاطًا، وَلِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، فَاعْتُبِرَ كَالتَّقْوِيمِ، وَلِأَنَّ سَمُرَةَ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ.» وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ، وَلِأَنَّهُ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَمَا لَوْ نَوَى حَالَ الْبَيْعِ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحُكْمُ بِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ، لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالْمَعْلُوفَةِ السَّوْمَ، وَلِأَنَّ الْقُنْيَةَ الْأَصْلُ، وَالتِّجَارَةُ فَرْعٌ عَلَيْهَا، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْعِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَالْمُقِيمِ يَنْوِي السَّفَرَ، وَبِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى الْقُنْيَةَ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا إلَى الْأَصْلِ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ.
فَكَذَلِكَ إذَا نَوَى بِمَالِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، انْقَطَعَ حَوْلُهُ، ثُمَّ إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبِيعَهُ، وَيَسْتَقْبِلَ بِثَمَنِهِ حَوْلًا.

[فَصْلُ كَانَتْ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ فَنَوَى بِهَا الْإِسَامَةَ وَقَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ]

(1925) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، فَنَوَى بِهَا الْإِسَامَةَ، وَقَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ، انْقَطَعَ حَوْلُ التِّجَارَةِ، وَاسْتَأْنَفَ حَوْلًا.
كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ، وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ.
وَالْأَشْبَهُ بِالدَّلِيلِ أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ سَائِمَةً مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِهِ.
وَهَذَا يُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ إِسْحَاقَ، لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وُجِدَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ خَالِيًا عَنْ مُعَارِضٍ، فَوَجَبَتْ بِهِ الزَّكَاةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَتْ السَّائِمَةُ لَا تَبْلُغُ نِصَابًا بِالْقِيمَةِ.

[مَسْأَلَةُ كَانَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ فَاتَّجَرَ فِيهِ فَنَمَا]

(1926) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ، فَاتَّجَرَ فِيهِ، فَنَمَا، أَدَّى زَكَاةَ الْأَصْلِ مَعَ النَّمَاءِ، إذَا حَالَ الْحَوْلُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَوْلَ النَّمَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى حَوْلِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ فِي الْمِلْكِ، فَتَبِعَهُ فِي الْحَوْلِ، كَالسِّخَالِ وَالنِّتَاجِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ بَنَى حَوْلَ كُلِّ مُسْتَفَادٍ عَلَى حَوْلِ جِنْسِهِ نَمَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ نَضَّتْ الْفَائِدَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَبْنِ حَوْلَهَا

عَلَى حَوْلِ النِّصَابِ، وَاسْتَأْنَفَ لَهَا حَوْلًا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.» وَلِأَنَّهَا فَائِدَةٌ تَامَّةٌ لَمْ تَتَوَلَّدْ مِمَّا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَفَادَ مِنْ غَيْرِ الرِّبْحِ.
وَإِنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِنِصَابٍ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّ الْفَائِدَةَ، وَيُزَكِّي عَنْ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ، وَيَسْتَأْنِفُ لِلزِّيَادَةِ حَوْلًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ نَمَاءٌ جَارٍ فِي الْحَوْلِ، تَابِعٌ لِأَصْلِهِ فِي الْمِلْكِ، فَكَانَ مَضْمُومًا إلَيْهِ فِي الْحَوْلِ، كَالنِّتَاجِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَنِضَّ، وَلِأَنَّهُ ثَمَنُ عَرْضٍ تَجِبُ زَكَاةُ بَعْضِهِ، وَيُضَمُّ إلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَيُضَمُّ إلَيْهِ بَعْدَهُ كَبَعْضِ النِّصَابِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَرْضًا زَكَّى جَمِيعَ الْقِيمَةِ، فَإِذَا نَضَّ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتَحَقِّقًا، وَلِأَنَّ هَذَا الرِّبْحَ كَانَ تَابِعًا لِلْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنِضَّ، فَبِنَضِّهِ لَا يَتَغَيَّرُ حَوْلُهُ.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَقَالٌ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالنِّتَاجِ، وَبِمَا لَمْ يَنِضَّ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ.

[فَصْلُ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ مَا لَيْسَ بِنِصَابٍ فَنَمَا حَتَّى صَارَ نِصَابًا]

(1927) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ مَا لَيْسَ بِنِصَابٍ، فَنَمَا حَتَّى صَارَ نِصَابًا، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينَ صَارَ نِصَابًا.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ لَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَاتَّجَرَ فِيهَا، فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَقَدْ بَلَغَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، يُزَكِّيهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْحَوْلُ عَلَى نِصَابٍ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَمَا لَوْ نَقَصَ فِي آخِرِهِ.

[فَصْلُ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ شِقْصًا بِأَلْفِ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ]

(1928) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ شِقْصًا بِأَلْفٍ، فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ، فَإِنْ جَاءَ الشَّفِيعُ أَخَذَهُ بِأَلْفٍ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ، وَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ.
وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ الشَّفِيعُ، لَكِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْبَائِعِ أَلْفًا.
وَلَوْ انْعَكَسَتْ الْمَسْأَلَةُ، فَاشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ، وَحَالَ الْحَوْلُ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ أَلْفٍ، وَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ إنْ أَخَذَهُ، وَيَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ بِأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ الْبَيْعُ بِهِ.

(1929) فَصْلٌ: وَإِنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا مُضَارَبَةً، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَحَالَ الْحَوْلُ وَقَدْ صَارَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: عَلَيْهِ

زَكَاةُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ، وَالرِّبْحُ نَمَاءُ مَالِهِ.
وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ حِصَّةَ الْمُضَارِبِ لَهُ، وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمُضَارِبِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا، وَلَوْ أَرَادَ رَبُّ الْمَالِ دَفْعَ حِصَّتِهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَالِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ زَكَاةُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَقُولُ: حِصَّتُكَ أَيُّهَا الْعَامِلُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَسْلَمَ فَتَكُونَ لَك، أَوْ تَتْلَفَ فَلَا تَكُونُ لِي وَلَا لَكَ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيَّ زَكَاةُ مَا لَيْسَ لِي بِوَجْهِ مَا، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ.
قُلْنَا: لَكِنَّهُ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، كَمَا لَوْ وَهَبَ نَتَاجَ سَائِمَتِهِ لِغَيْرِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِ، لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهِ، فَكَانَ مِنْهُ، كَمُؤْنَةِ حَمْلِهِ، وَيَحْسُبُ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْعَامِلُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي حِصَّتِهِ حَتَّى يَقْتَسِمَا، وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلًا مِنْ حِينَئِذٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ.
فَقَالَ: إذَا احْتَسَبَا يُزَكِّي الْمُضَارِبُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ احْتَسَبَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَالَهُ فِي الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ إذَا اتَّضَعَ بَعْدَ ذَاكَ كَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
يَعْنِي إذَا اقْتَسَمَا.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْغَالِبِ تَكُونُ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: إنَّ اتَّضَعَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُحْتَسَبُ حَوْلُهُ مِنْ حِينِ ظُهُورِ الرِّبْحِ.
يَعْنِي إذَا كَمَّلَ نِصَابًا.
إلَّا عَلَى قَوْلِ مِنْ قَالَ: إنَّ الشَّرِكَةَ تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ، قَالَ: وَلَا يَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَقْبِضَ الْمَالَ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ، فَإِذَا مَلَكَهُ جَرَى فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ فِي الْمَالِ الضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ عَلَى مُمَاطِلٍ الزَّكَاةَ، وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ إلَى مِلْكِ يَدِهِ مَظْنُونًا، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَنَا، أَنَّ مِلْكَ الْمُضَارِبِ غَيْرُ تَامٍّ، لِأَنَّهُ يَعْرِضُ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَةَ الْأَصْلِ أَوْ يَخْسَرَ فِيهِ، وَهَذَا وِقَايَةٌ لَهُ، وَلِهَذَا مُنِعَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِهِ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِحَقِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ، كَمَالِ الْمُكَاتَبِ، يُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكًا تَامًّا لَاخْتَصَّ بِرِبْحِهِ، فَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةً فَاتَّجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ عِشْرِينَ، ثُمَّ اتَّجَرَ فَرَبِحَ ثَلَاثِينَ، لَكَانَتْ الْخَمْسُونَ الَّتِي رَبِحَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ تَمَّ مِلْكُهُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لَمَلَكَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأُولَى عَشَرَةً، وَاخْتَصَّ بِرِبْحِهَا، وَهِيَ عَشَرَةٌ مِنْ الثَّلَاثِينَ، وَكَانَتْ الْعِشْرُونَ الْبَاقِيَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَمْلِكُ الْمُضَارِبُ ثَلَاثِينَ، وَلِرَبِّ الْمَالِ ثَلَاثُونَ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمَا الْعِشْرِينَ ثُمَّ خَلَطَاهَا.
وَفَارَقَ الْمَغْصُوبَ وَالضَّالَّ، فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ثَابِتٌ تَامٌّ إنَّمَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَمِنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ عَلَى الْمُضَارِبِ.
فَإِنَّمَا يُوجِبُهَا عَلَيْهِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ تَبْلُغُ حِصَّتُهُ نِصَابًا بِمُفْرَدِهَا أَوْ بِضَمِّهَا إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ الْأَثْمَانِ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ إنَّ لِلشَّرِكَةِ تَأْثِيرًا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، كَالدِّينِ لَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَهَا مِنْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُكْمِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ، وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْمَالِ.

[فَصْلُ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ]

(1930) فَصْلٌ: وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ، أَوْ أَذِنَ رَجُلَانِ غَيْرُ شَرِيكَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ صَاحِبِهِ مَعًا، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْعَزَلَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَكَالَةِ، لِإِخْرَاجِ مِنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِإِخْرَاجِ صَاحِبِهِ، إذَا قُلْنَا إنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ؛ قَبْلَ الْحَكَمِ بِعَزْلِ الْمُوَكَّلِ أَوْ بِمَوْتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِتَسْلِيطِهِ عَلَى الْإِخْرَاجِ، وَأَمَرَهُ بِهِ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِإِخْرَاجِهِ، فَكَانَ خَطَرُ التَّغْرِيرِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ.
وَهَذَا أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَلَى هَذَا، إنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَعَلَى الْعَالِمِ الضَّمَانُ دُونَ الْآخَرِ.
فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي الضَّمَانُ دُونَ الْأَوَّلِ.

[بَابُ زَكَاةِ الدَّيْنِ وَالصَّدَقَة]

ِ الصَّدَقَةُ: هِيَ الصَّدَاقُ، وَجَمْعُهَا صَدُقَاتٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] . وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الدُّيُونِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُهَا وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِاشْتِهَارِهَا بِاسْمٍ خَاصٍّ.
(1931) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالَ الْبَاطِنَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَهِيَ الْأَثْمَانُ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي جَدِيدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، كَمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ ": حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ، وَلْيُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ.
. قَالَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَصْحَابُ مَالِكٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ» . وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ، فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ.» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَلَا تُدْفَعُ إلَّا إلَى الْفُقَرَاءِ، وَهَذَا مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، فَيَكُونُ فَقِيرًا، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، لِلْخَبَرِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» . وَيُخَالِفُ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ غَنِيٌّ يَمْلِكُ نِصَابًا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى، وَالْمَدِينُ مُحْتَاجٌ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ كَحَاجَةِ الْفَقِيرِ أَوْ أَشَدِّ، وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حَاجَةِ الْمَالِكِ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ، وَلَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْغِنَى مَا يَقْتَضِي الشُّكْرَ بِالْإِخْرَاجِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ.»

[فَصْلُ زَكَاة الدِّين فِي الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةِ]

(1932) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَهِيَ السَّائِمَةُ، وَالْحُبُوبُ، وَالثِّمَارُ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ

أَيْضًا فِيهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ: يَبْتَدِئُ بِالدَّيْنِ فَيَقْضِيه، ثُمَّ يَنْظُرُ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ إخْرَاجِ النَّفَقَةِ، فَيُزَكِّي مَا بَقِيَ، وَلَا يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ، دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ، صَدَقَةٌ فِي إبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ زَرْعٍ، وَلَا زَكَاةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَسُلَيْمَانَ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ، لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا.
وَرُوِيَ، أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ اخْتَلَفَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَأَهْلِهِ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ.
وَقَالَ الْآخَرُ: يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَ عَلَى ثَمَرَتِهِ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ.
وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ أَنْ لَا يُزَكِّيَ مَا أَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ خَاصَّةً، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ إذَا جَاءَ فَوَجَدَ إبِلًا، أَوْ بَقَرًا، أَوْ غَنَمًا، لَمْ يَسْأَلْ أَيَّ شَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ الْمَالُ هَكَذَا.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، إلَّا فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، فِيمَا اسْتَدَانَهُ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا خَاصَّةً.
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَرَاجِ: يُخْرِجُهُ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ.
جَعَلَهُ كَالدَّيْنِ عَلَى الزَّرْعِ.
وَقَالَ فِي الْمَاشِيَةِ الْمَرْهُونَةِ: (يُؤَدِّي مِنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي عَنْهَا) . فَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِيهَا مَعَ الدَّيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الدَّيْنُ الَّذِي تَتَوَجَّهُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ يَمْنَعُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، إلَّا الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ.
بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا لَيْسَ بِصَدَقَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالظَّاهِرَةِ آكَدُ، لِظُهُورِهَا وَتَعَلُّقِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ بِهَا، وَلِهَذَا يُشْرَعُ إرْسَالُ مِنْ يَأْخُذُ صَدَقَتَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ السُّعَاةَ، فَيَأْخُذُونَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا» وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَعَلَى مَنْعِهَا قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ اسْتَكْرَهُوا أَحَدًا عَلَى صَدَقَةِ الصَّامِتِ، وَلَا طَالَبُوهُ بِهَا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا طَوْعًا، وَلِأَنَّ السُّعَاةَ يَأْخُذُونَ زَكَاةَ مَا يَجِدُونَ، وَلَا يَسْأَلُونَ عَمَّا عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الدَّيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ زَكَاتَهَا، وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ أَطْمَاعِ الْفُقَرَاءِ بِهَا أَكْثَرُ، وَالْحَاجَةَ إلَى حِفْظِهَا أَوْفَرُ، فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِيهَا أَوْكَدُ.

[فَصْلُ اسْتِغْرَاق الدَّيْنُ نِصَابَ الزَّكَاةَ]

(1933) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ، إذَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابِ أَوْ يَنْقُصُهُ، وَلَا يَجِدُ مَا يَقْضِيه بِهِ سِوَى النِّصَابِ، أَوْ مَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، وَعَلَيْهِ مِثْقَالٌ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ، مِمَّا يَنْقُصُ بِهِ النِّصَابُ إذَا قَضَاهُ بِهِ، وَلَا يَجِدُ قَضَاءً لَهُ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ مِثْقَالًا، وَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْعِشْرِينَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ.
وَلَوْ أَنَّ لَهُ مِائَةً مِنْ الْغَنَمِ، وَعَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ سِتِّينَ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَرْبَعِينَ.
فَإِنْ كَانَ

عَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ إحْدَى وَسِتِّينَ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ النِّصَابَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَقْضِي مِنْهُ، فَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ سَلَمًا أَوْ دِيَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْضَى بِالْإِبِلِ، جَعَلْت الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَتِهَا، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ كَانَ أَتْلَفْهَا أَوْ غَصَبَهَا، جَعَلْت قِيمَتَهَا فِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّهَا تُقْضَى مِنْهَا.
وَإِنْ كَانَتْ قَرْضًا، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا يُقْضَى مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ، إذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ، فَضَلَتْ مِنْهَا فَضْلَةٌ تَنْقُصُ النِّصَابَ الْآخَرَ، وَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْآخَرِ، لَمْ يَفْضُلْ مِنْهَا شَيْءٌ، كَرَجُلِ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ، وَعَلَيْهِ سِتٌّ مِنْ الْإِبِلِ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمِائَتَيْنِ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، نَقَصَ نِصَابَ السَّائِمَةِ، وَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ فَضَلَ مِنْهَا بَعِيرٌ، يَنْقُصُ نِصَابَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَلَهُ مِنْ الْإِبِلِ خَمْسٌ أَوْ أَكْثَرُ تُسَاوِي الدَّيْنَ، أَوْ تَفْضُلُ عَلَيْهِ، جَعَلْنَا الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ هَاهُنَا، وَفِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ سِوَى النِّصَابِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَتِسْعٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ لَمْ يَنْقُصْ نِصَابُهَا، لِكَوْنِ الْأَرْبَعِ الزَّائِدَةِ عَنْهُ تُسَاوِي الْمِائَةَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا.
وَإِنْ جَعَلْنَاهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ مِنْهَا، فَجَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ النِّصَابَانِ زَكَوِيَّيْنِ، جَعَلْت الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ فِي جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْآخَرُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَرَجُلٍ عَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَعُرُوضٌ لِلْقُنْيَةِ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ الْعُرُوضِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمِائَتَيْنِ زَائِدَةٍ عَنْ مَبْلَغِ دَيْنِهِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ جِنْسًا وَاحِدًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ يَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَقْضِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَهُ عُرُوضٌ بِأَلْفٍ: إنْ كَانَتْ الْعُرُوض لِلتِّجَارَةِ زَكَّاهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيُحْكَى عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ جِنْسِهِ عِنْدَ التَّشَاحِّ، فَجَعْلُ الدَّيْنِ فِي مُقَابَلَتِهِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ كَانَ النِّصَابَانِ زَكَوِيَّيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعَرْضُ تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ أَهَمُّ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ، وَيَكُونُ قَوْلُ الْقَاضِي مَحْمُولًا عَلَى مَنْ كَانَ الْعَرْضُ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَالِكٌ لِنِصَابٍ فَاضِلٍ عَنْ حَاجَتِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابَانِ زَكَوِيَّانِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا،

وَلَا يُقْضَى مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّك تَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ فِي جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ.

[فَصْلُ هَلْ يَمْنَعُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى الزَّكَاة]

(1934) فَصْلٌ: فَأَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَمْنَعُ الزَّكَاةَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، فَهُوَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ.
يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» . وَالْآخَرُ: لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ آكَدُ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ، فَهُوَ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَيُفَارِقُ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، لِتَأَكُّدِهِ، وَتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ.
فَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ، فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إذَا حَالَ الْحَوْلُ.
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُخْرِجُهَا فِي النَّذْرِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ آكَدُ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ، وَالزَّكَاةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ زَكَاتُهَا، وَتُجْزِئُهُ الصَّدَقَةُ بِهَا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الزَّكَاةَ بِقَدْرِهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ صَدَقَةً تُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ؛ لِكَوْنِ الزَّكَاةِ صَدَقَةً، وَسَائِرُهَا يَكُونُ صَدَقَةً لِنَذْرِهِ وَلَيْسَ بِزَكَاةٍ.
وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَوْ أَكْثَرَ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يُخْرِجُ الْمَنْذُورَ، وَيَنْوِي الزَّكَاةَ بِقَدْرِهَا مِنْهُ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ وَتَمَامِ شَرْطِهِ، فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، لِكَوْنِ الْمَحِلِّ مُتَّسِعًا لَهُمَا جَمِيعًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَجَبَ قَدْرُ الزَّكَاةِ، وَدَخَلَ النَّذْرُ فِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَجِبُ إخْرَاجُهُمَا جَمِيعًا.

[فَصْلُ حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ]

(1935) فَصْلٌ: إذَا قُلْنَا: لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ.
فَحَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، لَمْ يَمْلِكْ إخْرَاجَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا بَعْدَ الْحَجْرِ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَائِهَا، كَمَا لَوْ تَلِفَ مَالُهُ.
فَإِنْ أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ.
أَوْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهَا قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجُوهَا فَعَلَيْهِمْ إثْمُهَا.

[فَصْلُ إذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ جِنَايَةً]

فَصْلٌ: وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ، مَنَعَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ، إنْ كَانَ يَنْقُصُ النِّصَابَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ النِّصَابُ، مَنَعَ الزَّكَاةَ فِي قَدْرِ مَا يُقَابِلُ الْأَرْشَ.

[مَسْأَلَةُ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ]

(1937) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ، فَيُؤَدِّي لِمَا مَضَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، دَيْنٌ عَلَى مُعْتَرِفٍ بِهِ بَاذِلٍ لَهُ، فَعَلَى صَاحِبِهِ زَكَاتُهُ،

إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، فَيُؤَدِّي لِمَا مَضَى، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَجَابِرٌ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَلَزِمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ، كَالْوَدِيعَةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ لَيْسَ فِي الدَّيْنِ زَكَاةٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ، فَلَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ، كَعُرُوضِ الْقُنْيَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ: يُزَكِّيه إذَا قَبَضَهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُوَاسَاةِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَالٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ.
وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ نَائِبٌ عَنْهُ فِي حِفْظِهِ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ، وَإِنَّمَا يُزَكِّيه لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ جَاحِدٍ، أَوْ مُمَاطِلٍ بِهِ.
فَهَذَا هَلْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، أَشْبَهَ مَالَ الْمُكَاتَبِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُزَكِّيه إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الدَّيْنِ الْمَظْنُونِ، قَالَ: إنْ كَانَ صَادِقًا، فَلْيُزَكِّهِ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
رَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِيءِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ يُزَكِّيه إذَا قَبَضَهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا الْمَالَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَى فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ سُقُوطِهَا، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْغَرِيمِ يَجْحَدُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، أَوْ فِيهِمَا.
(1938) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمُؤَجَّلِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، لَكِنْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِي الْحَالِ.

[فَصْلُ الدَّار الْمُؤَجَّرَة إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ]

(1939) فَصْلٌ: وَلَوْ أَجَرَ دَارِهِ سَنَتَيْنِ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا، مَلَكَ الْأُجْرَةَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهَا إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُكْرِي عَلَيْهِ تَامٌّ بِدَلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ.
وَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً كَانَ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَوْنُهَا بِعَرَضِ الرُّجُوعِ لِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ، لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْأُجْرَةَ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَيْنًا فَهِيَ كَالدِّينِ، مُعَجَّلًا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُزَكِّيهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا، وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.
وَهَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى، فِي مَنْ قَبَضَ مِنْ أَجْرِ عَقَارٍ نِصَابًا، يُزَكِّيه فِي الْحَالِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

[فَصْلُ اشْتَرَى شَيْئًا بِعِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ أَسْلَمَ نِصَابًا فِي شَيْءٍ فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ]

(1940) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِعِشْرِينَ دِينَارًا، أَوْ أَسْلَمَ نِصَابًا فِي شَيْءٍ، فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، أَوْ يَقْبِضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ وَالْعَقْدُ بَاقٍ، فَعَلَى الْبَائِعِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ زَكَاةُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِيهِ، فَإِنْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لِتَلَفِ الْمَبِيعِ، أَوْ تَعَذَّرَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ، وَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ.

[فَصْلُ الْغَنِيمَةُ يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بِانْقِضَاءِ الْحَرْبِ]

(1941) فَصْلٌ: وَالْغَنِيمَةُ يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بِانْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَالْأَثْمَانِ وَالسَّائِمَةِ، وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْهَا نِصَابٌ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا انْقَضَى الْحَوْلُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الدِّينِ عَلَى الْمَلِيءِ.
وَإِذَا كَانَ دُونَ النِّصَابِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ سَائِمَةً أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا تَبْلُغُ النِّصَابَ، فَتَكُونَ خُلْطَةً، وَلَا تُضَمُّ إلَى الْخُمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ أَجْنَاسًا، كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ قِسْمَةً بِحُكْمِ، فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الْمَالِ شَاءَ، فَمَا تَمَّ مِلْكُهُ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ.

[مَسْأَلَةُ زَكَّاهُ الْمَال الْمَغْصُوبِ]

(1942) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا غُصِبَ مَالًا، زَكَّاهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، قَالَ: لَيْسَ هُوَ كَالدَّيْنِ الَّذِي مَتَى قَبَضَهُ زَكَّاهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُزَكِّيَهُ

قَوْلُهُ: إذَا غُصِبَ مَالًا.
أَيْ إذَا غُصِبَ الرَّجُلُ مَالًا، فَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْمَرْفُوعُ مُسْتَتِرٌ فِي الْفِعْلِ، وَالْمَالُ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ نَصِيبُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَإِذَا غُصِبَ مَالَهُ.
وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَالْحُكْمُ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَالْمَجْحُودِ وَالضَّالِّ وَاحِدٌ، وَفِي جَمِيعِهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا زَكَاةَ فِيهِ.
نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَالْمَيْمُونِيُّ.
وَمَتَى عَادَ صَارَ كَالْمُسْتَفَادِ، يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَصَارَ مَمْنُوعًا مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ زَكَاتُهُ، كَمَالِ الْمُكَاتَبِ.
وَالثَّانِيَةُ، عَلَيْهِ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ، كَمَا لَوْ نَسِيَ عِنْدَ مَنْ أَوْدَعَهُ، أَوْ كَمَا لَوْ أُسِرَ، أَوْ حُبِسَ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ فِي يَدِهِ، ثُمَّ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَسْقُطَ الزَّكَاةُ عَنْ حَوْلٍ وَاحِدٍ.
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ إذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، يَمْنَعُ، كَنَقْصِ النِّصَابِ.

[فَصْلُ كَانَ الْمَغْصُوبُ سَائِمَةً مَعْلُوفَةً عِنْدَ صَاحِبِهَا وَغَاصِبِهَا]

(1943) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ سَائِمَةً، مَعْلُوفَةً عِنْدَ صَاحِبِهَا وَغَاصِبِهَا، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ.
وَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةً عِنْدَهُمَا فَفِيهَا الزَّكَاةُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي الْمَغْصُوبِ.
وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً عِنْدَ صَاحِبِهَا، سَائِمَةً عِنْدَ غَاصِبِهَا، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَرْضَ بِإِسَامَتِهَا، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ كَمَا لَوْ رَعَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسِيمَهَا.
وَالثَّانِي، عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّ السَّوْمَ يُوجِبُ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِكِ فَأَوْجَبَهَا مِنْ الْغَاصِبِ كَمَا لَوْ كَانَتْ سَائِمَةً عِنْدَهُمَا، وَكَمَا لَوْ غَصَبَ بَذْرًا فَزَرَعَهُ وَجَبَ الْعُشْرُ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةً عِنْدَ مَالِكِهَا مَعْلُوفَةً عِنْدَ غَاصِبِهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا لِأَنَّ الْعَلَفَ مُحَرَّمٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَثْمَانًا فَصَاغَهَا حُلِيًّا لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهَا بِصِيَاغَتِهِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْعَلَفَ إنَّمَا أَسْقَطَ الزَّكَاةَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُؤْنَةِ وَهَا هُنَا لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ وَلَنَا: أَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ، كَنَقْصِ النِّصَابِ وَالْمِلْكِ وَقَوْلُهُ: إنَّ الْعَلَفَ مُحَرَّمٌ.
غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ الْغَصْبُ وَإِنَّمَا الْعَلَفُ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي مَالِهِ بِإِطْعَامِهَا إيَّاهُ، وَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ، وَلِهَذَا لَوْ عَلَفَهَا عِنْدَ مَالِكِهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ خِفَّةِ الْمُؤْنَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْخِفَّةَ لَا تُعْتَبَرُ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ بِمُظِنِّهَا، وَهِيَ السَّوْمُ ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرَاهُ بِمَا

إذَا كَانَتْ مَعْلُوفَةٍ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي بِمَا إذَا عَلَفَهَا مَالِكُهَا عَلَفًا مُحَرَّمًا أَوْ أَتْلَفَ شَاةً مِنْ النِّصَابِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ وَتَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ وَأَمَّا إذَا غَصَبَ ذَهَبًا فَصَاغَهُ حُلِيًّا، فَلَا يُشْبِهُ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ، فَإِنَّ الْعَلَفَ فَاتَ بِهِ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَالصِّيَاغَةُ لَمْ يَفُتْ بِهَا شَيْءٌ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهَا مُسْقِطَةً بِشَرْطِ كَوْنِهَا مُبَاحَةً فَإِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْإِسْقَاطِ، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ عَلَفَهَا عَلَفًا مُحَرَّمًا لَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ وَلَوْ صَاغَهَا صِيَاغَةً مُحَرَّمَةً لَمْ تَسْقُطْ فَافْتَرَقَا، وَلَوْ غَصَبَ حُلِيًّا مُبَاحًا فَكَسَرَهُ أَوْ ضَرَبَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، لِأَنَّ الْمُسْقِطَ لِلزَّكَاةِ زَالَ.
فَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ، كَمَا لَوْ غَصَبَ مَعْلُوفَةً فَأَسَامَهَا وَلَوْ غَصَبَ عُرُوضًا فَاتَّجَرَ فِيهَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ لِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ، وَلَمْ تُوجَدْ مِنْ الْمَالِكِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ عِنْدَ مَالِكِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ النِّيَّةِ شَرْطٌ وَلَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ بِهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ عِنْدَ مَالِكِهَا، وَاسْتَدَامَ النِّيَّةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِغَصْبِهَا وَإِنْ نَوَى بِهَا الْغَاصِبُ الْقُنْيَةَ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَوْجَبْنَا الزَّكَاةَ فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُهَا لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي يَدِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، كَتَلَفِهِ

[فَصْلُ ضَلَّتْ وَاحِدَةٌ مِنْ النِّصَابِ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ غُصِبَتْ فَنَقَصَ النِّصَابُ]

(1944) فَصْلٌ إذَا ضَلَّتْ وَاحِدَةٌ مِنْ النِّصَابِ أَوْ أَكْثَرُ، أَوْ غُصِبَتْ فَنَقَصَ النِّصَابُ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ ضَلَّ جَمِيعُهُ أَوْ غُصِبَ لَكِنْ إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَعَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ.
وَإِذَا رَجَعَ الضَّالُّ أَوْ الْمَغْصُوبُ أَخْرَجَ عَنْهُ، كَمَا لَوْ رَجَعَ جَمِيعُهُ.

[فَصْلُ إنْ أُسِرَ الْمَالِكُ لِلزَّكَاةِ]

(1945) فَصْلٌ وَإِنْ أُسِرَ الْمَالِكُ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ سَوَاءٌ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ أَوْ لَمْ يُحَلْ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ نَافِذٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَتَوْكِيلُهُ فِيهِ

[فَصْلُ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ وَقَدْ حَالَ عَلَى مَالِهِ الْحَوْلُ]

(1946) فَصْلٌ: وَإِنْ ارْتَدَّ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ وَحَالَ الْحَوْلُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فَعَدَمُهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ كَالْمِلْكِ وَالنِّصَابِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ اسْتَأْنَفَ حَوْلًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ وَقَدْ حَالَ عَلَى مَالِهِ الْحَوْلُ فَإِنَّ الْمَالَ لَهُ وَلَا يُزَكِّيه حَتَّى يَسْتَأْنِفَ بِهِ الْحَوْلَ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ، فَأَمَّا إنَّ ارْتَدَّ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَسْقُطُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةَ فَسَقَطَتْ بِالرِّدَّةِ كَالصَّلَاةِ

وَلَنَا: أَنَّهُ حَقُّ مَالٍ فَلَا يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالدَّيْنِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا تَسْقُطُ أَيْضًا، لَكِنْ لَا يُطَالَبُ بِفِعْلِهَا لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ وَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فَإِذَا عَادَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَالزَّكَاةُ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ وَلَا تَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالدَّيْنِ وَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْ الْمُمْتَنِعِ وَكَذَا هَاهُنَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْ مَالِهِ كَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهَا لِأَنَّهَا سَقَطَتْ عَنْهُ بِأَخْذِهَا كَمَا تَسْقُطُ بِأَخْذِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، فَلَا تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَأَصْلُ هَذَا مَا لَوْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا.
وَإِنْ أَخَذَهَا غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبُهُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ بِخِلَافِ نَائِبِ الْإِمَامِ وَإِنْ أَدَّاهَا فِي حَالِ رِدَّتِهِ لَمْ تُجْزِهِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ كَالصَّلَاةِ

[مَسْأَلَةُ اللُّقَطَةُ إذَا صَارَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ كَسَائِرِ مَالِ الْمُلْتَقِطِ]

(1947) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَاللَّقْطَةُ إذَا صَارَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ كَسَائِرِ مَالِ الْمُلْتَقِطِ، اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا ثُمَّ زَكَّاهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ اللُّقَطَةَ تُمْلَكُ بِمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا حَتَّى يَخْتَارَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَتَى مَلَكَهَا اسْتَأْنَفَ حَوْلًا فَإِذَا مَضَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا وَحَكَى الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ إذَا مَلَكَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، أَوْ قِيمَتُهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فَمَنَعَ الزَّكَاةَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ عَلَيْهَا، وَلِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا مِنْهُ مَتَى وَجَدَهَا.
وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يُفْضِي إلَى ثُبُوتِ مُعَاوَضَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَلَا اخْتِيَارِهِ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَمْنَعَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: يَبْطُلُ بِمَا وَهَبَهُ الْأَبُ لِوَلَدِهِ، وَبِنِصْفِ الصَّدَاقِ، فَإِنَّ لَهُمَا اسْتِرْجَاعَهُ، وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فَأَمَّا رَبُّهَا إذَا جَاءَ فَأَخَذَهَا، فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُزَكِّيهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا، وَهُوَ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الضَّالِّ رِوَايَتَيْنِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَتِهِ.
وَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا مِثْلُ مَنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى مُلْتَقِطِهَا، وَإِذَا جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلزَّمَانِ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا إذَا كَانَتْ مَاشِيَةً بِشَرْطِ كَوْنِهَا سَائِمَةً عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ، فَإِنْ عَلَفَهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَغْصُوبِ

[مَسْأَلَةُ الْمَرْأَةُ إذَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا زَكَّتْهُ]

(1948) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَالْمَرْأَةُ إذَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا زَكَّتْهُ لِمَا مَضَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الصَّدَاقَ فِي الذِّمَّةِ دَيْنٌ لِلْمَرْأَةِ، حُكْمُهُ حُكْمُ الدُّيُونِ، عَلَى مَا مَضَى إنْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ بِهِ فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيهِ، إذَا قَبَضَتْهُ أَدَّتْ لِمَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ جَاحِدٍ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَاخْتَارَ

الْخِرَقِيِّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا، فَإِنْ سَقَطَ نِصْفُهُ بِطَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَخَذَتْ النِّصْفَ، فَعَلَيْهَا زَكَاةُ مَا قَبَضَتْهُ، دُونَ مَا لَمْ تَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَمْ تَتَعَوَّضْ عَنْهُ، وَلَمْ تَقْبِضْهُ، فَأَشْبَهَ مَا تَعَذَّرَ قَبْضُهُ لِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ سَقَطَ كُلُّ الصَّدَاقِ قَبْلَ قَبْضِهِ، لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِأَمْرٍ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهَا زَكَاتُهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ دَيْنٍ يَسْقُطُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ غَيْرِ إسْقَاطِ صَاحِبِهِ، أَوْ يَئِسَ صَاحِبُهُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ وَالْمَالُ الضَّالُّ إذَا يَئِسَ مِنْهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا تَلْزَمُ الْمُوَاسَاةُ إلَّا مِمَّا حَصَلَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ نِصَابًا، فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ثُمَّ سَقَطَ نِصْفُهُ، وَقَبَضَتْ النِّصْفَ، فَعَلَيْهَا زَكَاةُ النِّصْفِ الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيهِ، ثُمَّ سَقَطَتْ مِنْ نِصْفِهِ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ، فَاخْتَصَّ السُّقُوطُ بِهِ.
وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ قَبْلَ قَبْضِهِ، ثُمَّ قَبَضَتْهُ كُلَّهُ، زَكَّتْهُ لِذَلِكَ الْحَوْلِ.
وَإِنْ مَضَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ قَبْلَ قَبْضِهِ، ثُمَّ قَبَضَتْهُ، زَكَّتْهُ لِمَا مَضَى كُلِّهِ، مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ النِّصَابِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الزَّكَاةُ مَا لَمْ تَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَدَيْنِ الْكِتَابَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ، وَيُجْبَرُ الْمَدِينُ عَلَى أَدَائِهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ.
وَيُفَارِقُ دَيْنَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ، وَلِلْمُكَاتَبِ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَائِهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَالٍ.

[فَصْلُ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَمَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ فَزَكَّتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ]

(1949) فَصْلُ فَإِنْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَمَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ، فَزَكَّتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ فِيهَا بِنِصْفِهِ، وَكَانَتْ الزَّكَاةُ مِنْ النِّصْفِ الْبَاقِي لَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِنِصْفِ الْمَوْجُودِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْمُخْرَجِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْكُلُّ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْبَعْضُ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] . وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ تَلِفَ كُلُّهُ فَإِنَّهُ مَا أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ تَعَلَّقَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ، وَالزَّكَاةُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ، لَكِنْ تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَقْسِمَانِهِ، ثُمَّ تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ حِصَّتِهَا.
فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ مَلَكَ النِّصْفَ مُشَاعًا، وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ نِصْفَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ مُشَاعًا، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُ.

[فَصْلُ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْ الزَّوْجَ مِنْهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ]

(1950) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا، فَأَبْرَأَتْ الزَّوْجَ مِنْهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، عَلَيْهَا الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَتْهُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، زَكَاتُهُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا مُلِّكَ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَمَا ذَكَرْنَا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا سَقَطَ الدَّيْنُ عَنْهُ، ثُمَّ لَوْ مَلَكَ فِي الْحَالِ لَمْ يَقْتَضِ هَذَا وُجُوبَ زَكَاةِ مَا مَضَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجِ، وَالْمَرْأَةُ لَمْ تَقْبِضْ الدَّيْنَ، فَلَمْ تَلْزَمْهَا زَكَاتُهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ بِغَيْرِ إسْقَاطِهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا قَبَضَتْهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهَا بِحَالٍ.
وَكُلُّ دَيْنٍ عَلَى إنْسَانٍ أَبْرَأَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّدَاقِ فِيمَا ذَكَرْنَا قَالَ أَحْمَدُ: إذَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا، وَقَدْ مَضَى لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، فَإِنَّ زَكَاتَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ كَانَ لَهَا.
وَإِذَا وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَالًا، فَحَالَ الْحَوْلُ، ثُمَّ ارْتَجَعَهُ الْوَاهِبُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهُ، فَإِنْ ارْتَجَعَهُ فَالزَّكَاةُ عَلَى الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ.
وَقَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ شَرِيكَهُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِهِ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي دَرَاهِمُ فَأَقِلْنِي، فَأَقَالَهُ، قَالَ: عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ حَوْلًا.

[مَسْأَلَةُ زَكَاة الْمَاشِيَةُ إذَا بِيعَتْ بِالْخِيَارِ]

(1951) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَالْمَاشِيَةُ إذَا بِيعَتْ بِالْخِيَارِ، فَلَمْ يَنْقَضِ الْخِيَارُ حَتَّى رُدَّتْ، اسْتَقْبَلَ بِهَا الْبَائِعُ حَوْلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُشْتَرِي عَقِيبَهُ، وَلَا يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْتَقِلُ إنْ كَانَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ عَنْ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ، أَنَّهُ مُرَاعًى، فَإِنْ فَسَخَاهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ، وَإِنْ أَمْضَيَاهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ انْتَقَلَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَنُقِلَ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَالُ زَكَائِيًّا انْقَطَعَ الْحَوْلُ بِبَيْعِهِ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، فَإِنْ اسْتَرَدَّهُ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ اسْتَأْنَفَ حَوْلًا؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ حَدَثَ بَعْدَ زَوَالِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهُ حَوْلًا كَمَا لَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ فَسَخَا الْبَيْعَ فِي مُدَّةِ الْمَجْلِسِ بِخِيَارِهِ؛ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ أَيْضًا، فَهُوَ كَخِيَارِ الشَّرْطِ.
وَلَوْ مَضَى الْحَوْلُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ،

ثُمَّ فَسَخَا الْبَيْعَ، كَانَتْ زَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ بِبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ.
وَلَوْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، كَانَتْ زَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَالْبَيْعُ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْهُ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْمُخْرَجِ، وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا حَتَّى سَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ لَزِمَ الْبَيْعُ فِيهِ وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، هِيَ عَلَى الْبَائِعِ، إنْ كَانَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ مِلْكَهُ وَلِأَنَّهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.

[بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ]

ِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ تُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرْضٌ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَدَاوُد، يَقُولُونَ: هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ: «وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.» وَعَنْهُ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] : هُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
وَأُضِيفَتْ هَذِهِ الزَّكَاةُ إلَى الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَقِيلَ لَهَا فِطْرَةٌ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] أَيْ جِبِلَّتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ كَمَا كَانَتْ الْأُولَى صَدَقَةً عَنْ الْمَالِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَهَلْ تُسَمَّى فَرْضًا مَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فَرْضٌ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ» . وَلِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ إنْ كَانَ الْوَاجِبَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبَ الْمُتَأَكِّدَ فَهِيَ مُتَأَكِّدَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا.

[مَسْأَلَةُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ]

(1952) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَزَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَعَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَامَّةً، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَيُخْرِجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، قَالَ لَيْسَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ صَامَ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَعَلَى الرَّقِيقِ.
وَعُمُومُ قَوْلِهِ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ» يَقْتَضِي وُجُوبَهَا عَلَى الْيَتِيمِ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ (1953) فَصْلُ وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي الْحُرِّ الْبَالِغِ وَقَالَ إمَامُنَا، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا، وَلَا عَلَى الصَّغِيرِ.
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ وَقَالَ.
أَبُو حَنِيفَةَ: يُخْرِجُ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا ارْتَدَّ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» . وَلِأَنَّ كُلَّ زَكَاةٍ وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ، وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِهِ الْكَافِرِ، كَزَكَاةِ التِّجَارَةِ وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمِنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» . إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ وَجَامِعُو السُّنَنِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِهِمْ.
وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عَنْ الْقِيمَةِ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَهَذِهِ طُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ، وَلِهَذَا اُخْتُصَّ بِهَا الْآدَمِيُّونَ، بِخِلَافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ

[فَصْلُ لَا صَدَقَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ]

(1954) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لِكَافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ فَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَى الْكَافِرِ إخْرَاجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْهُ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ زَكَاةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ الْفِطْرَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ سَيِّدِهِ مُسْلِمًا، وَقَوْلُهُ: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمُسْلِمِ عَبْدٌ كَافِرٌ لَمْ يَجِبْ فِطْرَتُهُ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ كُلَّ عَبْدٍ وَصَغِيرٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، لَا الْمُؤَدِّي، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.

[مَسْأَلَةُ مِقْدَار زَكَاةِ الْفِطْر]

(1955) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْمُخْرَجِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ الْبُرِّ خَاصَّةً.
وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، فَرُوِيَ صَاعٌ، وَرُوِيَ نِصْفُ صَاعٍ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الزَّبِيبِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، صَاعٌ، وَالْأُخْرَى نِصْفُ صَاعٍ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى ثَعْلَبَةُ بْنُ صُعَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «صَاعٌ مِنْ قَمْحٍ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ سِوَاهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: «كَانَتْ الصَّدَقَةُ تُدْفَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ.» وَقَالَ هُشَيْمٌ: أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، فَحَضَّ عَلَيْهَا وَقَالَ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى» وَلَنَا: مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ، الْمَدِينَةَ، فَتَكَلَّمَ فَكَانَ مِمَّا كَلَّمَ النَّاسَ: أَنِّي لَأَرَى، مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ.» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَا أَزَالَ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْت أُخْرِجُهُ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ فَعَدَلَ النَّاسُ إلَى نِصْفِ صَاعٍ، مِنْ بُرٍّ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ يُخْرَجُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَكَانَ قَدْرُهُ صَاعًا كَسَائِرِ الْأَجْنَاسِ.
وَأَحَادِيثُهُمْ لَا تَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ تَفَرَّدَ بِهِ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ يَهِمُ كَثِيرًا، وَهُوَ صَدُوقٌ فِي الْأَصْلِ.
وَقَالَ مُهَنَّا:

ذَكَرْت لِأَحْمَدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ، فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّمَا هُوَ مُرْسَلٌ، يَرْوِيه مَعْمَرُ بْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا.
قُلْت مِنْ قِبَلِ مَنْ هَذَا؟ قَالَ مِنْ قِبَلِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، لَيْسَ هُوَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ.
وَضَعَّفَ حَدِيثَ ابْنَ أَبِي صُعَيْرٍ وَسَأَلْته عَنْ ابْنِ أَبِي صُعَيْرٍ، أَمَعْرُوفٌ هُوَ؟ قَالَ: مَنْ يَعْرِفُ ابْنَ أَبِي صُعَيْرٍ لَيْسَ هُوَ بِمَعْرُوفٍ وَذَكَرَ أَحْمَدُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، ابْنَ أَبِي صُعَيْرٍ فَضَعَّفَاهُ جَمِيعًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَيْسَ دُونَ الزُّهْرِيِّ مَنْ يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ النُّعْمَانِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ قَالَ بُرٍّ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.» وَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ: وَالنِّصْفُ صَاعٍ، ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِوَايَتُهُ لَيْسَ تَثْبُتُ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ، وَمُعَاضَدَةً لِلْقِيَاسِ

[فَصْلُ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ]

(1956) فَصْلُ وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ فِيمَا مَضَى وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ لِيُحْفَظَ وَيُنْقَلَ.
وَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: الصَّاعُ وَزَنْتُهُ فَوَجَدْتُهُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا حِنْطَةً.
وَقَالَ حَنْبَلٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَخَذْت الصَّاعَ مِنْ أَبِي النَّضْرِ.
وَقَالَ أَبُو النَّضِرِ: أَخَذْته عَنْ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَقَالَ: هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَأَخَذْنَا الْعَدَسَ، فَعَيَّرْنَا بِهِ، وَهُوَ أَصْلَحُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ يُكَالُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَافَى عَنْ مَوْضِعِهِ، فَكِلْنَا بِهِ، ثُمَّ وَزَنَّاهُ، فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ.
وَقَالَ هَذَا أَصْلَحُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ، وَمَا تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ صَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِذَا كَانَ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنْ الْبَرّ وَالْعَدَسِ، وَهُمَا مِنْ أَثْقَلِ الْحُبُوبِ، فَمَا عَدَاهُمَا مِنْ أَجْنَاسِ الْفِطْرَةِ أَخَفُّ مِنْهُمَا، فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْهُمَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا، فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ صَاعٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا بُرًّا، لَمْ يُجْزِهِ.
لِأَنَّ الْبُرَّ يَخْتَلِفُ، فَيَكُونُ فِيهِ الثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُخْرِجَ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ مِمَّا سَوَاءٌ كَيْلُهُ وَوَزْنُهُ، وَهُوَ الزَّبِيبُ وَالْمَاشُ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ مِمَّا هُوَ أَثْقَلُ مِنْهَا لَمْ يُجْزِئْهُ، حَتَّى يَزِيدَ شَيْئًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ صَاعًا.
وَالْأَوْلَى لِمَنْ أَخْرَجَ مِنْ الثَّقِيلِ بِالْوَزْنِ أَنْ يَحْتَاطَ، فَيَزِيدَ شَيْئًا يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ لِمَنْ أَخْرَجَ صَاعًا بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ، الَّذِي هُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ مُدٌّ وَسُبْعٌ، وَالسُّبْعُ أُوقِيَّةٍ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَقَدْرُ ذَلِكَ بِالدَّرَاهِمِ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ الصَّاعِ، وَقَدْ

رَأَيْت مُدًّا ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ مُدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُدِّرَ الْمُدُّ الدِّمَشْقِيُّ بِهِ، فَكَانَ الْمُدُّ الدِّمَشْقِيُّ قَرِيبًا مِنْ خَمْسَةِ أَمْدَادٍ

[مَسْأَلَةُ زَكَاة الْفِطْر مِنْ غَالِبِ قُوت الْبَلَدِ]

(1957) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ وَثَمَرَةٍ تُقْتَاتُ يَعْنِي عِنْدَ عَدَمِ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، يُجْزِئُهُ كُلُّ مُقْتَاتٍ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْمُقْتَاتُ مِنْ غَيْرِهَا، كَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يُعْطِي مَا قَامَ مَقَامَ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُجْزِئُهُ عِنْدَ عَدَمِهَا الْإِخْرَاجُ مِمَّا يَقْتَاتُهُ، كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ، وَلُحُومِ الْحِيتَانِ وَالْأَنْعَامِ، وَلَا يَرُدُّونَ إلَى أَقْرَبِ قُوتِ الْأَمْصَارِ

[مَسْأَلَةُ وُجُوبِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ صَاعًا]

(1958) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَإِنْ أَعْطَى أَهْلُ الْبَادِيَةِ الْأَقِطَ صَاعًا، أَجْزَأَ إذَا كَانَ قُوتَهُمْ، أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُوجِبُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ: لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَزَكَاةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ كَغَيْرِهِمْ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ أَهْلَ الْبَادِيَةِ إخْرَاجُ الْأَقِطِ إذَا كَانَ قُوتَهُمْ.
وَكَذَلِكَ مِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا سِوَاهُ.
فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ سِوَاهُ فَهَلْ يُجْزِئُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، يُجْزِئُهُ أَيْضًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ.» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ.
وَالثَّانِيَة، لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ، فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا كَاللَّحْمِ.
وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ هُوَ قُوتٌ لَهُ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ قُوتًا لَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُ إخْرَاجِهِ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُفَرِّقْ.
وَقَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ: كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَإِنَّمَا خَصَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَقْتَاتُهُ غَيْرُهُمْ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَا سِوَاهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ.
وَذَكَرِ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا عَدِمَ الْأَقِطَ، وَقُلْنَا لَهُ إخْرَاجُهُ، جَازَ إخْرَاجُ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْأَقِطِ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ الْأَقِطُ وَغَيْرُهُ.
وَحَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ، عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إنْ لَمْ يَكُنْ بُرٌّ وَلَا شَعِيرٌ أَخْرَجَ صَاعًا مِنْ لَبَنٍ.

وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ اللَّبَنُ بِحَالٍ؛ لِقَوْلِهِ: مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ أَوْ ثَمَرَةٍ تُقْتَاتُ.
وَقَدْ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى حَالَةِ الْعَدَمِ.
وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَكْمَلَ مِنْ الْأَقِطِ، لَجَازَ إخْرَاجُهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَلِأَنَّ الْأَقِطَ أَكْمَلُ مِنْ اللَّبَنِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ حَالَةَ الِادِّخَارِ وَهُوَ جَامِدٌ، بِخِلَافِ اللَّبَنِ، لَكِنْ يَكُونُ حُكْمُ اللَّبَنِ حُكْمَ اللَّحْمِ، يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَكَذَلِكَ الْجُبْنُ وَمَا أَشْبَهَهُ

[مَسْأَلَةُ إخْرَاجُ التَّمْرِ فِي صَدَقَة الْفِطْر]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَاخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إخْرَاجُ التَّمْرِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ إخْرَاجَ الْعَجْوَةِ مِنْهُ.
وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ إخْرَاجَ الْبُرِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبُرَّ كَانَ أَغْلَى فِي وَقْتِهِ وَمَكَانِهِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُخْرِجَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسَهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ، فَقَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» وَإِنَّمَا اخْتَارَ أَحْمَدُ إخْرَاجَ التَّمْر اقْتِدَاءً بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتِّبَاعًا لَهُ.
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ» قَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، وَأَنَا أُحِبُّ أَنَّ أَسْلُكَهُ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُخْرِجُونَ التَّمْرَ فَأَحَبَّ ابْنُ عُمَرَ مُوَافَقَتَهُمْ، وَسُلُوكَ طَرِيقَتِهِمْ، وَأَحَبَّ أَحْمَدُ، أَيْضًا الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ وَاتِّبَاعَهُمْ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ صَاعًا مِنْ بُرٍّ.» فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا.
وَلِأَنَّ التَّمْرَ فِيهِ قُوَّةٌ وَحَلَاوَةٌ وَهُوَ أَقْرَبُ تَنَاوُلًا وَأَقَلُّ كُلْفَةً، فَكَانَ أَوْلَى (1960) فَصْلٌ: وَالْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّمْرِ الْبُرُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ بَعْدَهُ الزَّبِيبُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ تَنَاوُلًا وَأَقَلُّ كُلْفَةً فَأَشْبَهَ التَّمْرَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْبُرَّ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ لِابْنِ عُمَرَ: الْبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ.
يَعْنِي أَنْفَعُ وَأَكْثَرُ قِيمَةً.
وَلَمْ يُنْكِرْهُ ابْنُ عُمَرَ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ اتِّبَاعًا لِأَصْحَابِهِ، وَسُلُوكًا لِطَرِيقَتِهِمْ.
وَلِهَذَا عَدَلَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ بِصَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إنِّي لَأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ يَعْدِلُ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ.
فَأَخَذَ النَّاسُ بِهِ، وَتَفْضِيلُ التَّمْرِ إنَّمَا كَانَ لِاتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ،

فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي تَفْضِيلِ الْبُرِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّمْرِ مَا كَانَ أَعْلَى قِيمَةً وَأَكْثَرَ نَفْعًا

[مَسْأَلَةُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا]

(1961) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّمْرِ، أَوْ الزَّبِيبِ، أَوْ الْبُرِّ، أَوْ الشَّعِيرِ، أَوْ الْأَقِطِ فَأَخْرَجَ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِهِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْدُولُ إلَيْهِ قُوتَ بَلَدِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُعْطِي مَا قَامَ مَقَامَ الْخَمْسَةِ، عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَالطَّعَامُ قَدْ يَكُونُ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَمَا دَخَلَ فِي الْكَيْلِ.
قَالَ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمَلٌ، وَأَقْيَسُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ الْخَمْسَةِ، إلَّا أَنْ يَعْدَمَهَا، فَيُعْطِيَ مَا قَامَ مَقَامَهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيُّ قُوتٍ كَانَ الْأَغْلَبَ عَلَى الرَّجُلِ، أَدَّى الرَّجُلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ؛ فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ بُقُولِ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الِاعْتِبَارُ بِغَالِبِ قُوتِ الْمُخْرِجِ، ثُمَّ إنْ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى أَعْلَى مِنْهُ، جَازَ، وَإِنْ عَدَلَ إلَى دُونِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ» وَالْغِنَى يَحْصُلُ بِالْقُوتِ وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى أَدْنَى مِنْهُ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ فِي زَكَاةِ الْمَالِ إلَى أَدْنَى مِنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَجْنَاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْفَرْضَ تَفْسِيرٌ لِلْمَفْرُوضِ، فَمَا أُضِيفَ إلَى الْمُفَسَّرِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ مَفْرُوضَةً فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا، وَلِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ غَيْرَهَا عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجْزِ، كَإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالْإِغْنَاءُ يَحْصُلُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ؛ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْإِغْنَاءِ بِأَدَاءِ أَحَدِ الْأَجْنَاسِ الْمَفْرُوضَةِ.

[فَصْلُ إخْرَاجِ السَّلْت فِي صَدَقَة الْفِطْر]

(1962) فَصْلٌ: وَالسُّلْتُ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ، فَيَجُوزُ إخْرَاجُهُ؛ لِدُخُولِهِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذِكْرِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ «كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ.» وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ «لَمْ نُخْرِجْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ.» قَالَ: ثُمَّ شَكَّ فِيهِ سُفْيَانُ بَعْدُ، فَقَالَ «دَقِيقٍ أَوْ سُلْتٍ» . رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ.

[فَصْلُ إخْرَاجُ الدَّقِيقِ فِي صَدَقَة الْفِطْر]

(1963) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الدَّقِيقِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ السَّوِيقُ، قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ سَوِيقٍ أَوْ دَقِيقٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُمَا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ وَلِأَنَّ مَنَافِعَهُ نَقَصَتْ فَهُوَ كَالْخُبْزِ.
وَلَنَا: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: «أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ» وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ أَجْزَاءُ الْحَبِّ بَحْتًا يُمْكِنُ كَيْلُهُ وَادِّخَارُهُ، فَجَازَ إخْرَاجُهُ، كَمَا قَبْلَ الطَّحْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّحْنَ إنَّمَا فَرَّقَ أَجْزَاءَهُ، وَكَفَى الْفَقِيرَ مُؤْنَتَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَزَعَ نَوَى التَّمْرِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ.
وَيُفَارِقُ الْخُبْزَ وَالْهَرِيسَةَ والكبولا؛ لِأَنَّ مَعَ أَجْزَاءِ الْحَبِّ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَالِ الِادِّخَارِ وَالْكَيْلِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ صَاعٌ، وَهُوَ مَكِيلٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَقْتَضِ مَا ذَكَرُوهُ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.

[فَصْلُ إخْرَاجُ الْخُبْزِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْر]

(1964) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ.
وَلَا الْهَرِيسَةِ وَالْكُبُولَا وَأَشْبَاهِهِمَا؛ لِذَلِكَ، وَلَا الْخَلِّ وَلَا الدِّبْسِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا قُوتًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ حَبًّا مَعِيبًا، كَالْمَسُوسِ وَالْمَبْلُولِ، وَلَا قَدِيمًا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] ، فَإِنْ كَانَ الْقَدِيمُ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْهُ، جَازَ إخْرَاجُهُ؛ لِعَدَمِ الْعَيْبِ فِيهِ، وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُ الْأَجْوَدِ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أَنْ يُنَقِّيَ الطَّعَامَ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ لِيَكُونَ عَلَى الْكَمَالِ، وَيَسْلَمَ مِمَّا يُخَالِطُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ يَأْخُذُ حَظًّا مِنْ الْمِكْيَالِ، وَكَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ عَيْبًا فِيهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ، جَازَ إخْرَاجُهُ إذَا زَادَ عَلَى الصَّاعِ قَدْرًا يَزِيدُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ الْمُخْرَجُ صَاعًا كَامِلًا

[فَصْلُ إخْرَاجِ صَدَقَة الْفِطْر مِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا]

(1965) فَصْلٌ: وَمِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوتًا لَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُ

مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَذَكَرْنَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا: أَنَّ خَبَرَ الصَّدَقَةِ وَرَدَ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، فَوَجَبَ التَّخْيِيرُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ إلَى مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ عَدَلَ إلَى الْأَعْلَى، وَالْغِنَى يَحْصُلُ بِدَفْعِ قُوتٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ خَيَّرَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ، قُوتًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قُوتًا لِلْمُخْرِجِ.

[مَسْأَلَةُ لَا تُجْزِئْ الْقِيمَة فِي صَدَقَة الْفِطْر]

(1966) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَعْطَى الْقِيمَةَ، لَمْ تُجْزِئْهُ) قَالَ أَبُو دَاوُد قِيلَ لِأَحْمَدَ وَأَنَا أَسْمَعُ: أُعْطِي دَرَاهِمَ - يَعْنِي فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ - قَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ لِي أَحْمَدُ لَا يُعْطِي قِيمَتَهُ، قِيلَ لَهُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ، عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ، قَالَ يَدَعُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُونَ قَالَ فُلَانٌ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] . وَقَالَ قَوْمٌ يَرُدُّونَ السُّنَنَ: قَالَ فُلَانٌ، قَالَ فُلَانٌ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ، فِيمَا عَدَا الْفِطْرَةَ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سُئِلَ أَحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ بَاعَ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ.
قَالَ: عُشْرُهُ عَلَى الَّذِي بَاعَهُ.
قِيلَ لَهُ: فَيُخْرِجُ ثَمَرًا، أَوْ ثَمَنَهُ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ أَخْرَجَ ثَمَرًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ مِنْ الثَّمَنِ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ.
وَوَجْهُهُ قَوْلُ مُعَاذٍ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِخَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، وَعَنْ طَاوُسٍ، قَالَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ الْيَمَنَ، قَالَ: ائْتُونِي بِعَرْضِ ثِيَابٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ، بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْخُذُ الْعُرُوضَ فِي الصَّدَقَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بَعْدَ اتِّحَادِ قَدْرِ الْمَالِيَّةِ بِاخْتِلَافِ صُوَرِ الْأَمْوَالِ وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» فَإِذَا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْمَفْرُوضَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» . وَهُوَ وَارِدٌ بَيَانًا لِمُجْمَلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] فَتَكُونُ

الشَّاةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الزَّكَاةُ الْمَأْمُورُ بِهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ الصَّدَقَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى، فَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَتَبَهُ فِي الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ قَالَ: «هَذِهِ الصَّدَقَةُ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى.
وَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَيْنَهَا لِتَسْمِيَتِهِ إيَّاهَا.
وَقَوْلُهُ: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ.» وَلَوْ أَرَادَ الْمَالِيَّةَ أَوْ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَا تَخْلُو عَنْ مَالِيَّةِ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَالِيَّةَ لَلَزِمَهُ مَالِيَّةُ بِنْتِ مَخَاضٍ، دُونَ مَالِيَّةِ ابْنِ لَبُونٍ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ «مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنْ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ.» وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، وَالْحَاجَاتُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَوَّعَ الْوَاجِبُ لِيَصِلَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، وَيَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِالْمُوَاسَاةِ مِنْ جِنْسِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ، وَلِأَنَّ مُخْرِجَ الْقِيمَةِ قَدْ عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ مَكَانَ الْجَيِّدِ، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ، الَّذِي رَوَوْهُ فِي الْجِزْيَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِتَفْرِيقِ الصَّدَقَةِ فِي فُقَرَائِهِمْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِحَمْلِهَا إلَى الْمَدِينَة.
وَفِي حَدِيثِهِ هَذَا: فَإِنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ.

[مَسْأَلَةُ الْمُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ]

(1967) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُخْرِجُهَا إذَا خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى الْمُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ.
فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» . فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ الصَّلَاةِ تَرَكَ الْأَفْضَلَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَمَتَى أَخَّرَهَا لَمْ يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ فِي جَمِيعِهِ، لَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَمَالَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَمُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَخْرَجَهَا فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِحُصُولِ الْغَنَاء بِهَا فِي الْيَوْمِ.
قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ نُخْرِجَ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ: فَكَانَ يُؤْمَرُ أَنْ يُخْرِجَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِذَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ: أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ؛ فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ

أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، الرُّخْصَةُ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ، وَلَمْ يُعْطِهَا.
قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَعَدَّهَا لِقَوْمٍ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى.

[فَصْلُ وَقْتُ وُجُوبِ زَكَاة الْفِطْر]

(1968) فَصْلٌ: فَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَهُوَ وَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
فَمَنْ تَزَوَّجَ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَعَلَيْهِ الْفِطْرَةُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، لَمْ تَلْزَمْهُ.
وَلَوْ كَانَ حِينَ الْوُجُوبِ مُعْسِرًا، ثُمَّ أَيْسَرَ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ أَوْ فِي يَوْمِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ مُوسِرًا، ثُمَّ أَعْسَرَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْوُجُوبَ.
وَمِنْ مَاتَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَمَالِكٌ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْعِيدِ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعِيدِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ وُجُوبُهَا يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ كَالْأُضْحِيَّةِ.
وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» . وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إلَى الْفِطْرِ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ دَلِيلُ الِاخْتِصَاصِ، وَالسَّبَبُ أَخُصُّ بِحُكْمِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْأُضْحِيَّةُ لَا تَعَلَّقَ لَهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَا هِيَ وَاجِبَةٌ وَلَا تُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَالْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، أَوْ وُهِبَ لَهُ عَبْدٌ فَقَبِلَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، أَوْ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ، فَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهِبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، وَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمَالِكِ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ وَمَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ حَتَّى غَابَتْ، فَالْفِطْرَةُ عَلَيْهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُوصَى بِهِ هَلْ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ؟ وَلَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الرَّدِّ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ وَرَثَتُهُ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ قَبُولِهِمْ، فَهَلْ تَكُونُ فِطْرَتُهُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي، أَوْ فِي تَرِكَةِ الْمُوصَى لَهُ؟ وَجْهَيْنِ؛ وَقَالَ الْقَاضِي: فِطْرَتُهُ فِي تَرِكَةِ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ.
وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الرَّدِّ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَفِطْرَةُ الْعَبْدِ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنَّمَا قَبِلُوهُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ، وَلِآخَرَ بِمَنْفَعَتِهِ، فَقَبِلَا، كَانَتْ الْفِطْرَةُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَجِبُ بِالرَّقَبَةِ لَا بِالْمَنْفَعَةِ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ نَفَقَتِهِ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّهَا عَلَى مَالِكِ نَفْعِهِ.
وَالثَّانِي: عَلَى مَالِكِ رَقَبَتِهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي كَسْبِهِ.

[مَسْأَلَةُ تَقْدِيمُ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ]

(1969) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَإِنْ قَدَّمَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، أَجْزَأَهُ

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ، لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانُوا يُعْطُونَهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ بَعْدِ نِصْفِ الشَّهْرِ، كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ أَذَانِ الْفَجْرِ وَالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَأَشْبَهَتْ زَكَاةَ الْمَالِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ عَنْهُ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ، جَازَ تَعْجِيلُهَا، كَزَكَاةِ الْمَالِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِهِ، فَيُقْسَمُ - قَالَ يَزِيدُ أَظُنُّ: هَذَا يَوْمَ الْفِطْرِ - وَيَقُولُ أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ". وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَمَتَى قَدَّمَهَا بِالزَّمَانِ الْكَثِيرِ لَمْ يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ بِهَا يَوْمَ الْعِيدِ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا الْفِطْرُ؛ بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ، وَزَكَاةُ الْمَالِ سَبَبُهَا مِلْكُ النِّصَابِ، وَالْمَقْصُودُ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ بِهَا فِي الْحَوْلِ كُلِّهِ فَجَازَ إخْرَاجُهَا فِي جَمِيعِهِ، وَهَذِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ.
فَأَمَّا تَقْدِيمُهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَجَائِزٌ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ.
وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ» وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَبْقَى أَوْ بَعْضَهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ، فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ، فَجَازَ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا، كَزَكَاةِ الْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[مَسْأَلَةُ فَرْضُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ]

(1970) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ عِيَالِهِ، إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ.
عِيَالُ الْإِنْسَانِ: مَنْ يَعُولُهُ.
أَيْ يَمُونُهُ فَتَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُمْ، كَمَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، إذَا وَجَدَ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ وَعَبْدٍ، مِمَّنْ تَمُونُونَ.» وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ نَفَقَتُهُمْ وَفِطْرَتُهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: الزَّوْجَاتُ، وَالْعَبِيدُ، وَالْأَقَارِبُ.
فَأَمَّا الزَّوْجَاتُ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُنَّ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ امْرَأَتِهِ.
وَعَلَى الْمَرْأَةِ فِطْرَةُ نَفْسِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى» . وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا، كَزَكَاةِ مَالِهَا.
وَلَنَا، الْخَبَرُ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ سَبَبٌ تَجِبُ بِهِ النَّفَقَةُ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْفِطْرَةُ، كَالْمِلْكِ وَالْقَرَابَةِ، بِخِلَافِ

زَكَاةِ الْمَالِ فَإِنَّهَا لَا تُتَحَمَّلُ بِالْمِلْكِ وَالْقَرَابَةِ، فَإِنْ كَانَ لِامْرَأَتِهِ مَنْ يَخْدُمُهَا بِأُجْرَةٍ، فَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ فِطْرَتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَجْرُ دُونَ النَّفَقَةِ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا نَظَرْت، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجِبُ لَهَا خَادِمٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ خَادِمِهَا، وَلَا فِطْرَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا، فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَخْدُمَهَا، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا خَادِمًا، أَوْ يَسْتَأْجِرَ أَوْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمِهَا، فَإِنْ اشْتَرَى لَهَا خَادِمًا أَوْ اخْتَارَ الْإِنْفَاقَ عَلَى خَادِمِهَا فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ لَهَا خَادِمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَلَا فِطْرَتُهُ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِ مُؤْنَتَهُ أَوْ لَمْ يَشْرِطْ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ إذَا كَانَتْ أُجْرَةً فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَإِنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَفِطْرَتُهَا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَلْزَمُهُ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ عَلَيْهِ فِطْرَتَهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَيْهَا فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهَا كَالْمَرِيضَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ.
وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَلَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَفَارَقَ الْمَرِيضَةَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، لَا لِخَلَلٍ فِي الْمُقْتَضَى لَهَا، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ ثُبُوتِ تَبَعِهَا، بِخِلَافِ النَّاشِزِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ، وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا وَلَا فِطْرَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُمَوَّنُ.

[فَصْلُ الْعَبِيدُ إنْ كَانُوا لِغَيْرِ التِّجَارَةِ فَعَلَى سَيِّدِهِمْ فِطْرَتُهُمْ]

(1971) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْعَبِيدُ فَإِنْ كَانُوا لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، فَعَلَى سَيِّدِهِمْ فِطْرَتُهُمْ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَإِنْ كَانُوا لِلتِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ أَيْضًا فِطْرَتُهُمْ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَلَا تَجِبُ فِي مَالٍ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ، وَقَدْ وَجَبَتْ فِيهِمْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ الْأُخْرَى، كَالسَّائِمَةِ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ» وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: «أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» . وَلِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ وَاجِبَةٌ فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ، كَعَبِيدِ الْقُنْيَةِ.
أَوْ نَقُولُ مُسْلِمٌ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُ، كَالْأَصْلِ، وَزَكَاةُ الْفِطْرَةِ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَلِهَذَا تَجِبُ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل