باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَمِلْكُ الْبَائِعِ لِلْفَسْخِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْعِتْقِ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنَّ مُشْتَرِيَ الْعَبْدِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، مَعَ أَنَّ لِلْبَائِعِ الْفَسْخَ.
وَلَوْ وَهَبَ رَجُلٌ ابْنَهُ عَبْدًا، فَأَعْتَقَهُ، نَفَذَ عِتْقُهُ، مَعَ مِلْكِ الْأَبِ لِاسْتِرْجَاعِهِ.
وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْبَائِعِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ يَنْفُذُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ انْتَقَلَ فَإِنَّهُ يَسْتَرْجِعُهُ بِالْعِتْقِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ، فَلَمْ يَنْفُذْ، كَعِتْقِ الْأَبِ عَبْدَ ابْنِهِ الَّذِي وَهَبَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمُشْتَرِي، نَفَذَ عِتْقُ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ أَعْتَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا، فَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْبَائِعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ؛ لِكَوْنِهِ أَعْتَقَ غَيْرَ مَمْلُوكِهِ، وَلَكِنْ حَصَلَ بِإِعْتَاقِهِ فَسْخُ الْبَيْعِ، وَاسْتِرْجَاعُ الْعَبْدِ، فَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي.
وَمَتَى أَعَادَ الْبَائِعُ الْإِعْتَاقَ مَرَّةً ثَانِيَةً، نَفَذَ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ عَادَ الْعَبْدُ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْجَعَهُ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، جَرَى مَجْرَى إعْتَاقِهِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ.
وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَأَعْتَقَهُمَا، نَفَذَ عِتْقُ الْأَمَةِ دُونَ الْعَبْدِ.
وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ أَعْتَقَ الْآخَرَ، نَظَرْت، فَإِنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوَّلًا، نَفَذَ عِتْقُهَا، وَبَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْعَبْدِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوَّلًا، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَرَجَعَ إلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ، وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِالْفَسْخِ عَنْ مِلْكِهِ، وَعَادَتْ إلَى سَيِّدِهَا الْبَائِعِ لَهَا.
[فَصْلٌ قَالَ لِعَبْدِهِ إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ]
(2766) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ.
ثُمَّ بَاعَهُ، صَارَ حُرًّا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَسَوَاءٌ شَرَطَا الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْرِطَاهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ بَيْعُهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ.
فَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ زَمَنُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، وَشَرْطٌ لِلْحُرِّيَّةِ.
فَيَجِبُ تَغْلِيبُ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ حُرِّيَّتَهُ عَلَى فِعْلِهِ لِلْبَيْعِ.
وَالصَّادِرُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ، فَمَتَى قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك.
فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ، فَيَعْتِقُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ تَخَايَرَا ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى مَذْهَبنَا.
فَإِنَّنَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَعْتَقَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ.
[فَصْلٌ وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ]
(2767) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْمَرْهُونَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا اخْتِلَافًا، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَبِحَقِيقَتِهِ أَوْلَى، وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ
نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً لِوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ الْمِلْكِ إلَيْهِ، وَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ نَمَائِهَا، وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.
وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ فَسْخِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ انْتَقَلَ رَجَعَتْ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ انْقَطَعَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْهَا، فَيَكُونُ وَاطِئًا لِمَمْلُوكَتِهِ الَّتِي لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا.
وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 6] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] ، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ يَقَعُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَيَكُونُ حَرَامًا.
وَلَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ وَطْئِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ.
وَلَنَا، أَنَّ مِلْكَهُ يَحْصُلُ بِابْتِدَاءِ وَطْئِهِ، فَيَحْصُلُ تَمَامُ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ، وَحِلَّ الْوَطْءُ لَهُ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ الْفَسْخُ بِالْمُلَامَسَةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْئِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُشْتَرِي: إنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا.
فِيمَا إذَا مَشَطَهَا، أَوْ خَضَّبَهَا، أَوْ حَفَّهَا، فَبِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِلْجِمَاعِ وَلَمْسِ فَرْجِهَا بِفَرْجِهِ أَوْلَى.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ، لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
[فَصْلٌ نَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ]
(2768) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ.
قَالَ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ إذَا أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ ثُمَّ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ، صَارَ كَأَنَّهُ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ، فَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، كَالْإِجَارَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُجِزْ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ
(2769) فَصْلٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " أَوْ مَاتَ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَبْدَ، وَرَدَّ الضَّمِيرَ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ ". وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَدَّ الضَّمِيرَ إلَى الْمُشْتَرِي، وَأَرَادَ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الْعَبْدِ قَدْ تَنَاوَلَهُ بِقَوْلِهِ: " أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ ". وَالْحُكْمُ فِي مَوْتِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ خِيَارَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَيَبْقَى خِيَارُ الْآخَرِ بِحَالِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدْ طَالَبَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِيهِ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَبْطُلُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، كَالْأَجَلِ وَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَلَنَا، أَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ؛ فَلَمْ يُورَثْ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.
[مَسْأَلَة إذَا تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا رَدُّهُ إلَّا بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارِ]
(2770) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا رَدُّهُ إلَّا بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، مَا لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِي جَوَازَهُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» ، وَقَوْلُهُ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا» . جَعَلَ التَّفَرُّقَ غَايَةً لِلْخِيَارِ.
وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، إلَّا أَنْ يَجِدَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا فَيَرُدَّهَا بِهِ، أَوْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَيَمْلِكُ الرَّدَّ أَيْضًا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ الرَّدِّ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي مَعْنَى الْعَيْبِ أَنَّ يُدَلِّسَ الْمَبِيعَ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ، أَوْ يَشْتَرِطَ فِي الْمَبِيعِ صِفَةً يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ فِي الْمُرَابَحَةِ فِي الثَّمَنِ أَنَّهُ حَالٌّ، فَبَانَ مُؤَجَّلًا، وَنَحْوَ هَذَا، وَنَذْكُرُ هَذَا فِي مَوَاضِعِهِ.
(2771) فَصْلٌ: وَلَوْ أَلْحَقَا فِي الْعَقْدِ خِيَارًا بَعْدَ لُزُومِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يَلْحَقُهُ؛ لِأَنَّ لَهُمَا فَسْخَ الْعَقْدِ، فَكَانَ لَهُمَا إلْحَاقُ الْخِيَارِ بِهِ كَحَالَةِ الْمَجْلِسِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَمْ يَصِرْ جَائِزًا بِقَوْلِهِمَا، كَالنِّكَاحِ.
وَفَارَقَ حَالَ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ.
[فَصْلٌ بُيُوعُ الْأَعْيَانِ الْمَرْئِيَّةِ]
(2772) فَصْلٌ: وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ الْمَرْئِيَّةِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِبَيْعِ الْغَائِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ كُلَّ مَا يُسَمَّى خِيَارًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرُهُ.
وَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا، أَنَّ الْغَائِبَ الَّذِي لَمْ يُوصَفْ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ،
وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَصِحُّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي.
وَهَلْ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ أَشْهَرُهُمَا ثُبُوتُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ، أَنَّهُمَا تَبَايَعَا دَارَيْهِمَا بِالْكُوفَةِ، وَالْأُخْرَى بِالْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لِعُثْمَانَ: إنَّك قَدْ غَبِنْت، فَقَالَ: مَا أُبَالِي؛ لِأَنِّي بِعْت مَا لَمْ أَرَهُ.
وَقِيلَ لِطَلْحَةَ، فَقَالَ: لَيّ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّنِي اشْتَرَيْت مَا لَمْ أَرَهُ.
فَتَحَاكَمَا إلَى جُبَيْرٍ، فَجَعَلَ الْخِيَارَ لِطَلْحَةَ.
وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّتُهُ إلَى رُؤْيَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَالنِّكَاحِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفُ لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبَيْعِ النَّوَى فِي التَّمْرِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ، كَالسَّلَمِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا تَبَايَعَا بِالصِّفَةِ، عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً خِلَافٌ، وَلَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنِّكَاحُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمُعَاوَضَةُ، وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ، وَلَا يُتْرَكُ ذِكْرُهُ، وَلَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنْ الْخِيَارَات.
وَفِي اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُخَدَّرَات وَإِضْرَارٌ بِهِنَّ.
عَلَى أَنَّ الصِّفَات الَّتِي تُعْلَمُ بِالرُّؤْيَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ بِالنِّكَاحِ، فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» . وَالْخِيَارُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ.
قُلْنَا: هَذَا يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ إبْرَاهِيم الْكُرْدِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْبَيْعِ، كَدَاخِلِ الثَّوْبِ، وَشَعْرِ الْجَارِيَةِ، وَنَحْوِهِمَا.
فَلَوْ بَاعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا، أَوْ عَيْنًا حَاضِرَةً، لَا يُشَاهَدُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لِأَجْلِهِ، كَانَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ.
وَإِنْ حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ، وَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ لَزِمَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا.
وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ الَّذِي وُجِدَتْ الرُّؤْيَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَبَتَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ انْفَسَخَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ، كَحَالَةِ الرُّؤْيَةِ.
وَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ، لَمْ يَلْزَمْ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إلْزَامِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَجْهُولِ، فَيُفْضِي إلَى الضَّرَرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِذَلِكَ.
وَهَلْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ]
(2773) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ الرُّؤْيَةُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ مَعَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ،
فَبَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا لَهُ الْخِيَارَ لَثَبَتَ لِتَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ لَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ، فَبَانَ غَيْرَ مَعِيبٍ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ جَاهِلٌ بِصِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ، فَأَمَّا الْخَبَرُ، فَإِنَّهُ قَوْلُ جُبَيْرٍ وَطَلْحَةَ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا عُثْمَانُ، وَقَوْلُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَى مِنْهُمَا، فَتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الرِّضَى مِنْهُمَا.
[فَصْلٌ إذَا وَصَفَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي فَذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَاته مَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ السَّلَم]
(2774) فَصْلٌ: وَإِذَا وَصَفَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي، فَذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ السَّلَمِ، صَحَّ بَيْعُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهَا كَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَيْعٌ بِالصِّفَةِ، فَصَحَّ كَالسَّلَمِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِالصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ ظَاهِرًا، وَهَذَا يَكْفِي؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي السَّلَمِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ الِاطِّلَاعُ عَلَى الصِّفَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ السَّلَمْ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى وَجَدَهُ عَلَى الصِّفَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ.
وَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَأَيُّوبُ، وَمَالِكٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَهُ الْخِيَارُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بَيْعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَلِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ سَلَّمَ لَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَوْصُوفٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَاقِدِ فِيهِ الْخِيَارُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَالسَّلَمِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُسَمَّى بَيْعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، فَإِنْ ثَبَتَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمِّيَهُ مَنْ يَرَى ثُبُوتَ الْخِيَارِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، فَأَمَّا إنْ وَجَدَهُ بِخِلَافِ الصِّفَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ، وَيُسَمَّى خِيَارَ الْخَلْفِ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْمَوْصُوفَ بِخِلَافِ الصِّفَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالسَّلَمِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ تَخْتَلِفْ الصِّفَةُ.
وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اخْتَلَفَتْ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَلَا يَلْزَمُهُ، مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ، أَوْ يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
[فَصْلٌ الْبَيْعُ بِالصِّفَةِ نَوْعَانِ]
(2775) فَصْلٌ: وَالْبَيْعُ بِالصِّفَةِ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك عَبْدِي التُّرْكِيَّ.
وَيَذْكُرُ سَائِرَ صِفَاتِهِ، فَهَذَا يَنْفَسِخُ
الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِرَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِكَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، فَيَزُولُ الْعَقْدُ بِزَوَالِ مَحِلِّهِ، وَيَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ، وَقَبْضِهِ، كَبَيْعِ الْحَاضِرِ.
الثَّانِي، بَيْعُ مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك عَبْدًا تُرْكِيًّا، ثُمَّ يَسْتَقْصِي صِفَاتِ السَّلَمِ، فَهَذَا فِي مَعْنَى السَّلَمِ، فَمَتَى سَلَّمَ إلَيْهِ عَبْدًا، عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفَ، فَرَدَّهُ، أَوْ عَلَى مَا وَصَفَ، فَأَبْدَلَهُ، لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَى غَيْرِ هَذَا، فَلَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ إلَيْهِ فِي السَّلَمِ غَيْرَ مَا وَصَفَ لَهُ، فَرَدَّهُ.
وَلَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، أَوْ قَبْضِ ثَمَنِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، كَالسَّلَمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَالٌّ، فَجَازَ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَبَيْعِ الْعَيْنِ.
[فَصْلٌ إذَا رَأَيَا الْمَبِيعَ ثُمَّ عَقَدَا الْبَيْعَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنِ لَا تَتَغَيَّرُ الْعَيْنُ فِيهِ]
(2776) فَصْلٌ: إذَا رَأَيَا الْمَبِيعَ، ثُمَّ عَقَدَا الْبَيْعَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا تَتَغَيَّرُ الْعَيْنُ فِيهِ، جَازَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يَجُوزُ حَتَّى يَرَيَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ، كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَاهِدَاهُ حَالَ الْعَقْدِ، وَالشَّرْطُ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا الرُّؤْيَةُ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ، وَلِهَذَا اُكْتُفِيَ بِالصِّفَةِ الْمُحَصِّلَةِ لِلْعِلْمِ، وَالشَّهَادَةُ فِي النِّكَاحِ تُرَادُ لِحِلِّ الْعَقْدِ وَالِاسْتِيثَاقِ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا اُشْتُرِطَتْ حَالَ الْعَقْدِ.
وَيُقَرِّرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَا لَوْ رَأَيَا دَارًا، وَوَقَفَا فِي بَيْتٍ مِنْهَا، أَوْ أَرْضًا، وَوَقَفَا فِي طَرِيقِهَا، وَتَبَايَعَاهَا، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ مَعَ عَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ لِلْكُلِّ فِي الْحَالِ.
وَلَوْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ الْمَشْرُوطَةُ لِلْبَيْعِ مَشْرُوطَةً حَالَ الْعَقْدِ لَاشْتُرِطَ رُؤْيَةُ جَمِيعِهِ، وَمَتَى وَجَدَ الْمَبِيعَ بِحَالِهِ، لَمْ يَتَغَيَّرْ، لَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَحُدُوثِ الْعَيْبِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّغَيُّرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ.
فَأَمَّا إنْ عُقِدَ الْبَيْعُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ بِمُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا فَسَادُ الْمَبِيعِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهَا، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الظَّاهِرُ تَغَيُّرَهُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ وَعَدَمَهُ، وَلَيْسَ الظَّاهِرُ تَغَيُّرَهُ، صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهِرٌ، فَصَحَّ بَيْعُهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ يَسِيرَةً، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ لِلْغَبْنِ]
(2777) فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ لِلْغَبْنِ فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا، تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، إذَا تَلَقَّاهُمْ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَهُمْ وَغَبَنَهُمْ.
الثَّانِي: بَيْعُ النَّجْشِ.
وَيُذْكَرَانِ فِي مَوَاضِعِهِمَا.
الثَّالِثُ: الْمُسْتَرْسِلُ إذَا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ قِيلَ: قَدْ لَزِمَهُ
الْبَيْعُ وَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مَعَ سَلَامَتِهَا لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ، كَبَيْعِ غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ، وَكَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ غَبْنٌ حَصَلَ لِجَهْلِهِ بِالْمَبِيعِ، فَأَثْبَتِ الْخِيَارَ، كَالْغَبْنِ فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَرْسِلِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالْغَبْنِ، فَهُوَ كَالْعَالِمِ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَعْجَلَ، فَجَهِلَ مَا لَوْ تَثَبَّتَ لَعَلِمَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ.
وَالْمُسْتَرْسِلُ هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْمُسْتَرْسِلُ، الَّذِي لَا يُحْسِنُ أَنْ يُمَاكِسَ.
وَفِي لَفْظٍ، الَّذِي لَا يُمَاكِسُ.
فَكَأَنَّهُ اسْتَرْسَلَ إلَى الْبَائِعِ، فَأَخَذَ مَا أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ مُمَاكَسَةٍ، وَلَا مَعْرِفَةٍ بِغَبْنِهِ.
فَأَمَّا الْعَالِمُ بِذَلِكَ، وَاَلَّذِي لَوْ تَوَقَّفَ لَعَرَفَ، إذَا اسْتَعْجَلَ فِي الْحَالِ فَغُبِنَ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا.
وَلَا تَحْدِيدَ لِلْغَبْنِ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ، وَحَدَّهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّنْبِيهِ "، وَابْنُ أَبِي مُوسَى فِي " الْإِرْشَادِ " بِالثُّلُثِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . وَقِيلَ: بِالسُّدُسِ، وَقِيلَ: مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِتَحْدِيدِهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ.
[فَصْلٌ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ]
(2778) فَصْلٌ: وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَرِطْلِ زَيْتٍ مِنْ دَنٍّ، فَمُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، إذَا تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا رَدُّهُ، إلَّا بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ هَاهُنَا يَلْزَمُ بِالتَّفَرُّقِ، سَوَاءٌ تَقَابَضَا أَوْ لَمْ يَتَقَابَضَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْبَيْعُ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، مَنْ اشْتَرَى قَفِيزَيْنِ مِنْ صُبْرَتَيْنِ، فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِي التَّالِفِ دُونَ الْبَاقِي، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ إحْدَاهُمَا أَوْ لَمْ تَتْلَفْ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ، أَنَّهُ مَبِيعٌ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ، وَلَا التَّصَرُّفَ فِيهِ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِيهِ جَائِزًا كَمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ لَكَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» .
وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ يَنْتَقِضُ بِبَيْعِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ، وَبَيْعِ الْمَوْصُوفِ، وَالسَّلَمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَبِيعِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ الْخِيَارُ يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ يَعْنِي ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا]
(2779) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْخِيَارُ يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) يَعْنِي ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّيَالِي؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ يَغْلِبُ فِيهِ التَّأْنِيثُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] .
وَفِي حَدِيثِ حِبَّانَ: «وَلَك الْخِيَارُ ثَلَاثًا» . وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ، قَلَّتْ مُدَّتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ،
وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالْعَنْبَرِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، مِثْلُ قَرْيَةٍ لَا يَصِلُ إلَيْهَا فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِحَاجَتِهِ، فَيُقَدَّرُ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ أَوْسَعَ مِمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِبَّانَ، جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ سَخِطَ تَرَكَ.
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَاللُّزُومَ وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، وَإِنَّمَا جَازَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَجَازَ الْقَلِيلُ مِنْهُ، وَآخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ ثَلَاثٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64] .
وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ، فَرُجِعَ فِي تَقْدِيرِهِ إلَى مُشْتَرِطِهِ، كَالْأَجَلِ، أَوْ نَقُولُ: مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَكَانَتْ إلَى تَقْدِيرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالْأَجَلِ.
وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ خِلَافُهُ.
وَتَقْدِيرُ مَالِكٍ بِالْحَاجَةِ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الْحَاجَةَ لَا يُمْكِنُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا، لِخَفَائِهَا وَاخْتِلَافِهَا، وَإِنَّمَا يُرْبَطُ بِمَظِنَّتِهَا، وَهُوَ الْإِقْدَامُ، فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا، وَرَبْطُ الْحُكْمِ بِهِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ وَفِي السَّلَمِ وَالْأَجَلِ.
وَقَوْلُ الْآخَرِينَ: إنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْلُ الْمِلْكِ، وَالْخِيَارُ لَا يُنَافِيهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ مَتَى خُولِفَ الْأَصْلُ لِمَعْنًى فِي مَحِلٍّ وَجَبَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ؛ لِتَعَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى.
[فَصْلٌ يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ]
(2780) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَا لِأَحَدِهِمَا مُدَّةً وَلِلْآخَرِ دُونَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُمَا، وَإِنَّمَا جُوِّزَ رِفْقًا بِهِمَا، فَكَيْفَمَا تَرَاضَيَا بِهِ جَازَ.
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مَبِيعٍ فِيهِ الْخِيَارُ، وَمَبِيعٍ لَا خِيَارَ فِيهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، بِالْقِيَاسِ عَلَى شِرَاءِ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ، وَمَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَيَحْصُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
فَإِنْ فَسَخَ الْبَيْعَ مِمَّا فِيهِ الْخِيَارُ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ أَحَدَهُمَا مَعِيبًا فَرَدَّهُ، وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى وَاحِدًا مِنْ عَبْدَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ.
وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ، وَرُبَّمَا طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ضِدَّ مَا يَطْلُبُهُ الْآخَرُ، وَيَدَّعِي أَنَّنِي الْمُسْتَحِقُّ لِلْخِيَارِ، أَوْ يَطْلُبُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ رَدَّ أَحَدِ الْمَبِيعَيْنِ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: لَيْسَ هَذَا الَّذِي شَرَطْت لَك الْخِيَارَ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَحَدِ الْمَبِيعَيْنِ بِعَيْنِهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَذَا الْفَصْلُ كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ]
(2781) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ، صَحَّ، وَكَانَ اشْتِرَاطًا لِنَفْسِهِ، وَتَوْكِيلًا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَلِلشَّافِعِي فِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: إذَا أَطْلَقَ الْخِيَارَ لِفُلَانِ، أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ دُونِي.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ شَرْطُ لِتَحْصِيلِ الْحَظِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِنَظَرِهِ، فَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِيهِ.
وَإِنْ جَعَلَ الْأَجْنَبِيَّ وَكِيلًا، صَحَّ.
وَلَنَا، أَنَّ الْخِيَارَ يَعْتَمِدُ شَرْطَهُمَا، وَيُفَوِّضُ إلَيْهِمَا، وَقَدْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ شَرْطِهِمَا، وَتَنْفِيذُ تَصَرُّفِهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ مَعَ إمْكَانِ تَصْحِيحِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . فَعَلَى هَذَا، يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِطِ وَوَكِيلِهِ الَّذِي شَرَطَ الْخِيَارَ لَهُ الْفَسْخُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا، فَشَرَطَ الْخِيَارَ لَهُ، صَحَّ، سَوَاءٌ شَرَطَهُ لَهُ الْبَائِعُ، أَوْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ.
وَإِنْ كَانَ الْعَاقِدُ وَكِيلًا، فَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، صَحَّ، فَإِنَّ النَّظَرَ فِي تَحْصِيلِ الْحَظِّ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ.
وَإِنْ شَرَطَهُ لِلْمَالِكِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ، وَالْحَظُّ لَهُ.
وَإِنْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ.
[فَصْلٌ قَالَ بِعْتُك عَلَى أَنْ أَسْتَأْمِرَ فُلَانًا]
(2782) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك عَلَى أَنْ أَسْتَأْمِرَ فُلَانًا.
وَحَدَّدَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَهُوَ خِيَارٌ، صَحِيحٌ، وَلَهُ الْفَسْخُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِرَهُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا ذَلِكَ كِنَايَةً عَلَى الْخِيَارِ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ لَمْ يَضْبِطْهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَهُوَ خِيَارٌ مَجْهُولٌ، حُكْمُهُ حُكْمُهُ.
[فَصْلٌ شَرَطَ الْخِيَارَ يَوْمًا أَوْ سَاعَاتٍ مَعْلُومَةً]
(2783) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ يَوْمًا أَوْ سَاعَاتٍ مَعْلُومَةً، اُعْتُبِرَ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْخِيَارِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْآخَرُ، مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا، فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِهِ بِالشَّرْطِ.
وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ لَهُمَا فِيهِ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَكَانَ كَحَالَةِ الْعَقْدِ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْهُ، كَالْأَجَلِ.
وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ حُكْمُهُ، كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ.
وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا ابْتِدَاءَهُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ، أَدَّى إلَى جَهَالَتِهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ مَتَى يَتَفَرَّقَانِ، فَلَا نَعْلَمُ مَتَى ابْتِدَاؤُهُ، وَلَا مَتَى انْتِهَاؤُهُ.
وَلَا يُمْنَعُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِسَبَبَيْنِ، كَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ بِالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ وَالظِّهَارِ، وَعَلَى هَذَا، لَوْ شَرَطَا ابْتِدَاءَهُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ، لَمْ يَصِحَّ لِذَلِكَ، إلَّا
عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِصِحَّةِ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ.
وَإِنْ قُلْنَا: ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ.
فَشَرَطَا ثُبُوتَهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ فِي الْمَجْلِسِ يُغْنِي عَنْ خِيَارٍ آخَرَ، فَيَمْنَعُ ثُبُوتَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ شَرَطَا الْخِيَارَ إلَى اللَّيْلِ أَوْ الْغَدِ]
(2784) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ إلَى اللَّيْلِ أَوْ الْغَدِ، لَمْ يَدْخُلْ اللَّيْلُ وَالْغَدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَدْخُلَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ " إلَى " تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى " مَعَ "، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] ، ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2] ، وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ بِيَقِينِ، فَلَا نُزِيلُهُ بِالشَّكِّ.
وَلَنَا، أَنَّ مَوْضُوعَ " إلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، فَلَا يَدْخُلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] . وَكَالْأَجَلِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ.
أَوْ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ.
لَمْ يَدْخُلْ الدِّرْهَمُ الْعَاشِرُ، وَالطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَكٌّ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَوْضُوعِهِ، فَكَأَنَّ الْوَاضِعَ قَالَ: مَتَى سَمِعْتُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، فَافْهَمُوا مِنْهَا انْتِهَاءَ الْغَايَةِ.
وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي اسْتَشْهَدُوا بِهَا، حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى " مَعَ " بِدَلِيلِ، أَوْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا، كَمَا تُصْرَفُ سَائِرُ حُرُوفِ الصِّلَاتِ عَنْ مَوْضُوعِهَا لِدَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ حَمْلُهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ لُزُومُ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِيمَا اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ، فَيَثْبُتُ مَا يُتَيَقَّنُ مِنْهُ، وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ رَدَدْنَاهُ إلَى الْأَصْلِ.
[فَصْلٌ شَرَطَ الْخِيَارَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ إلَى غُرُوبِهَا]
(2785) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ إلَى غُرُوبِهَا، صَحَّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ بِطُلُوعِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَغَيَّمُ، فَلَا يُعْلَمُ وَقْتُ طُلُوعِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْخِيَارِ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ مَعْلُومٍ، فَصَحَّ، كَتَعْلِيقِهِ بِغُرُوبِهَا.
وَطُلُوعُ الشَّمْسِ، بُرُوزُهَا مِنْ الْأُفُقِ، كَمَا أَنَّ غُرُوبَهَا سُقُوطُ الْقُرْصِ.
وَلِذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ، أَوْ عِتْقَ عَبْدِهِ، بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَعَ بِبُرُوزِهَا مِنْ الْأُفُقِ.
وَإِنْ عَرَضَ غَيْمٌ يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِطُلُوعِهَا، فَالْخِيَارُ ثَابِتٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ طُلُوعُهَا، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِغُرُوبِهَا، فَمَنَعَ الْغَيْمُ الْمَعْرِفَةَ بِوَقْتِهِ.
وَلَوْ جَعَلَ الْخِيَارَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ تَحْتِ السَّحَابِ، أَوْ إلَى غَيْبَتِهَا تَحْتَهُ، كَانَ خِيَارًا مَجْهُولًا، لَا يَصِحُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
[فَصْل شَرَطَا الْخِيَارَ أَبَدًا أَوْ مَتَى شِئْنَا]
(2786) فَصْلٌ: وَإِذَا شَرَطَا الْخِيَارَ أَبَدًا، أَوْ مَتَى شِئْنَا، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: وَلِي الْخِيَارُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّتَهُ، أَوْ شَرَطَاهُ إلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، كَقُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ هُبُوبِ رِيحٍ، أَوْ نُزُولِ مَطَرٍ، أَوْ مُشَاوَرَةِ إنْسَانٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ
يَصِحَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَصِحُّ، وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا أَبَدًا، أَوْ يَقْطَعَاهُ، أَوْ تَنْتَهِي مُدَّتُهُ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا إلَى مُدَّةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . وَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ، وَتُضْرَبُ لَهُمَا مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ الْمَبِيعُ فِي مِثْلِهَا فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ فِي الْعَادَةِ، فَإِذَا أَطْلَقَا، حُمِلَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَسْقَطَا الشَّرْطَ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ، أَوْ حَذَفَا الزَّائِدَ عَلَيْهَا وَبَيَّنَا مُدَّتَهُ، صَحَّ لِأَنَّهُمَا حَذَفَا الْمُفْسِدَ قَبْلَ اتِّصَالِهِ بِالْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْرُطَاهُ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَلَا تَجُوزُ مَعَ الْجَهَالَةِ، كَالْأَجَلِ.
وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ أَبَدًا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى الْأَبَدِ، وَذَلِكَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك بِشَرْطِ أَنْ لَا تَتَصَرَّفَ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهُ يُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ.
لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ لَا عَادَةَ فِي الْخِيَارِ يُرْجَعُ إلَيْهَا.
وَاشْتِرَاطُهُ مَعَ الْجَهَالَةِ نَادِرٌ.
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْمُفْسِدَ هُوَ الشَّرْطُ، وَهُوَ مُقْتَرِنٌ بِالْعَقْدِ.
وَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مَعَ الشَّرْطِ، لَمْ يَفْسُدْ بِوُجُودِ مَا شَرَطَاهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، لَمْ يَنْقَلِبْ صَحِيحًا، كَمَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ حَذَفَ أَحَدَهُمَا.
وَعَلَى قَوْلِنَا: الشَّرْطُ فَاسِدٌ.
هَلْ يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، يَفْسُدُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَارَنَهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَأَفْسَدَهُ، كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَالْمُحَلِّلِ.
وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِهِ بِهَذَا الثَّمَنِ، مَعَ الْخِيَارِ فِي اسْتِرْجَاعِهِ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِ هَذَا الثَّمَنِ فِيهِ، مَعَ الْخِيَارِ فِي فَسْخِهِ، فَلَوْ صَحَّحْنَاهُ لَأَزَلْنَا مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَأَلْزَمْنَاهُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ.
وَلِأَنَّ الشَّرْطَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا حَذَفْنَاهُ وَجَبَ رَدُّ مَا سَقَطَ مِنْ الثَّمَنِ مِنْ أَجْلِهِ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ.
وَلِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ، وَالشَّرْطُ زَائِدٌ، فَإِذَا فَسَدَ وَزَالَ، سَقَطَ الْفَاسِدُ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ بِرُكْنَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ.
[فَصْلٌ شَرَطَ الْخِيَار إلَى الْحَصَادِ أَوْ الْجِذَاذِ]
(2787) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَهُ إلَى الْحَصَادِ، أَوْ الْجِذَاذِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى قُدُومِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَيَتَقَدَّمُ، وَيَتَأَخَّرُ، فَكَانَ مَجْهُولًا.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَارَبُ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يَكْثُرُ تَفَاوُتُهُ.
وَإِنْ شَرَطَهُ إلَى الْعَطَاءِ، وَأَرَادَ وَقْتَ الْعَطَاءِ، وَكَانَ مَعْلُومًا، صَحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ إلَى يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
وَإِنْ أَرَادَ نَفْسَ الْعَطَاءِ، فَهُوَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ.
[فَصْل شَرَطَ الْخِيَارَ شَهْرًا]
(2788) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ شَهْرًا، يَوْمٌ يَثْبُتُ، وَيَوْمٌ لَا يَثْبُتُ.
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِإِمْكَانِهِ،
وَيَبْطُلُ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يَعُدْ إلَى الْجَوَازِ.
وَيَحْتَمِلُ بُطْلَانَ الشَّرْطِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ، تَنَاوَلَ الْخِيَارَ فِي أَيَّامٍ، فَإِذَا فَسَدَ فِي بَعْضِهِ، فَسَدَ جَمِيعُهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ إلَى الْحَصَادِ.
[فَصْلٌ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ]
(2789) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا فَسْخَهُ بِغَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، كَالْوَدِيعَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِهِ، كَالطَّلَاقِ.
وَمَا قَالُوهُ يَنْتَقِضُ بِالطَّلَاقِ، الْوَدِيعَةُ لَا حَقَّ لِلْمُودِعِ فِيهَا، وَيَصِحُّ فَسْخُهَا مَعَ غَيْبَتِهِ.
[فَصْلٌ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ وَلَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا]
(2790) فَصْلٌ: وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا، بَطَلَ الْخِيَارُ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ ضُرِبَتْ لِحَقٍّ لَهُ، لَا لِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْحُكْمُ بِنَفْسِ مُرُورِ الزَّمَانِ، كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمُولِي.
وَلَنَا، أَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَبَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا كَالْأَجَلِ.
وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِبَقَائِهَا يُفْضِي إلَى بَقَاءِ الْخِيَارِ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي شَرَطَاهُ فِيهَا.
وَالشَّرْطُ سَبَبُ الْخِيَارِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ مَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُؤَقَّتٌ، فَفَاتَ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، كَسَائِرِ الْمُؤَقَّتَات، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَ مُوجِبُهُ بِالشَّرْطِ، فَفِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الشَّرْطُ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ مُوجِبُهُ؛ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ، كَمَا لَوْ أَمْضُوهُ.
وَأَمَّا الْمُولِي، فَإِنَّ الْمُدَّةَ إنَّمَا ضُرِبَتْ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ، وَهِيَ تُسْتَحَقُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ.
وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ.
[فَصْل قَالَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدِينَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا خِلَابَةَ]
(2791) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ: لَا خِلَابَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ: أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا، وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ كَانَ خَلَبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلَبَهُ فَلَيْسَ لَهُ خِيَارٌ.
وَذَلِكَ «لِأَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: إذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: «مَنْ بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ» . «فَكَانَ إذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِلَابَةَ» . وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ.
وَيَكُونُ هَذَا الْخَبَرُ خَاصًّا لِحِبَّانَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ عَاشَ إلَى زَمَنِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ، ثُمَّ يُخَاصِمُهُمْ، فَيَمُرُّ بِهِمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فَيَقُولُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: وَيْحَكَ، إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثًا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ عَامَّةً لَقَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
جَعَلَ الْخِيَارَ لِمَنْ قَالَ: لَا خِلَابَةَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ خِيَارِ الثَّلَاثِ، ثَبَتَ، وَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو، كَانَ لَا يُزَالُ يُغْبَنَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: «إذَا أَنْتَ بَايَعْت فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيت أَمْسَكْت، وَإِنْ سَخِطْت فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا» .
وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى تَخْصِيصِهِ دَلِيلٌ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِي الْخِيَارَ مُطْلَقًا، وَلَا يَقْتَضِي تَقْيِيدَهُ بِثَلَاثٍ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ فِيمَا يَقْتَضِيهِ، وَالْخَبَرُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ إنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُرْسَلًا، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ الْمُرْسَلَ حُجَّةً، ثُمَّ لَمْ يَقُولُوا بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، إنَّمَا قَالُوا بِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ ثَلَاثًا، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ، فَكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ مَا لَيْسَ بِمُقْتَضَاهُ، وَعَلَى أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ خَاصًّا لِحِبَّانَ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُثْبِتُ لَهُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مُقْتَضَاهُ.
[فَصْلٌ شَرَطَ الْخِيَارَ حِيلَةً عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالْقَرْضِ]
(2792) فَصْلٌ: إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ حِيلَةً عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالْقَرْضِ، لِيَأْخُذَ غَلَّةَ الْمَبِيعِ وَنَفْعَهُ فِي مُدَّةِ انْتِفَاعِ الْمُقْتَرِضِ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ يَرُدُّ الْمَبِيعَ بِالْخِيَارِ عِنْدَ رَدِّ الثَّمَنِ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِيَلِ.
وَلَا يَحِلُّ لِآخِذِ الثَّمَنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ الشَّيْءَ، وَيَقُولُ: لَك الْخِيَارُ إلَى كَذَا وَكَذَا مِثْلُ الْعَقَارِ؟ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً؛ أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَهُ، فَيَأْخُذَ مِنْهُ الْعَقَارَ، فَيَسْتَغِلُّهُ، وَيَجْعَلُ لَهُ فِيهِ الْخِيَارَ، لِيَرْبَحَ فِيمَا أَقْرَضَهُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ هَذَا، فَلَا بَأْسَ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ أَرَادَ إرْفَاقَهُ، أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَهُ مَالًا يَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ، وَلَمْ يُرِدْ الْحِيلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا جَائِزٌ، إلَّا أَنَّهُ إذَا مَاتَ انْقَطَعَ الْخِيَارُ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ بِالْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَبِيعِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِإِتْلَافِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى أَنَّ الْقَرْضَ جَرَّ مَنْفَعَةً.
[فَصْلٌ قَالَ بِعْتُك عَلَى أَنَّ تَنْقُدنِي الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْننَا]
(2793) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: بِعْتُك عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثٍ، أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا.
فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، إذَا كَانَ الشَّرْطُ إلَى ثَلَاثٍ.
وَحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ كَانَ عِشْرِينَ لَيْلَةً فُسِخَ الْبَيْعُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزُفَرُ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ فَسْخَ الْبَيْعِ عَلَى غَرَرٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِقُدُومِ زَيْدٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ رَفْعَ الْعَقْدِ بِأَمْرِ يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَسِخَ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ، كَالصَّرْفِ، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَعْنَى شَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرَوِّي فِي الْبَيْعِ، هَلْ يُوَافِقُهُ أَوْ لَا؟ يَحْتَاجُ إلَى التَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ، هَلْ يَصِيرُ مَنْقُودًا أَوْ لَا؟ فَهُمَا سِيَّانِ فِي الْمَعْنَى، مُتَغَايِرَانِ فِي الصُّورَةِ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْخِيَارِ يَحْتَاجُ إلَى الْفَسْخِ، وَهَا هُنَا يَنْفَسِخُ إذَا لَمْ يَنْقُدْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَذَلِكَ.
[فَصْل أَنْوَاع الْعُقُود الَّتِي يَدْخُل فِيهَا الْخِيَار]
(2794) فَصْلٌ: وَالْعُقُودُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، عَقْدٌ لَازِمٌ، يُقْصَدُ مِنْهُ الْعِوَضُ، وَهُوَ الْبَيْعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ: خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْبَيْعُ فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَالصُّلْحُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَالْهِبَةُ بِعِوَضٍ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ أَسْتَأْجَرْتُك لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ، فَهَذَا يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ، لِأَنَّ الْخِيَارَ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
فَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْمُعَيَّنَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّتُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، دَخَلَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ يُفْضِي إلَى فَوْتِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، أَوْ إلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَرَّةً مِثْلَ هَذَا، وَمَرَّةً قَالَ: يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارَانِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا الشُّفْعَةُ، فَلَا خِيَارَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْمَبِيعُ قَهْرًا، وَالشَّفِيعُ يَسْتَقِلُّ بِانْتِزَاعِ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، فَأَشْبَهَ فَسْخَ الْبَيْعِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَنَحْوِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ لِلشَّفِيعِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ الْمَبِيعَ بِثَمَنِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ.
النَّوْعُ الثَّانِي، مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، كَالصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ، وَبَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ، فَلَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى أَنْ لَا يَبْقَى بَيْنَهَا عَلَقَةٌ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ يُبْقِي بَيْنَهُمَا عَلَقَةً، وَيُثْبِتُ فِيهَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَوْضُوعَهُ لِلنَّظَرِ فِي الْحَظِّ فِي الْمُعَاوَضَةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا.
وَعَنْهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ إلْحَاقًا بِخِيَارِ الشَّرْطِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، لَازِمٌ، لَا يُقْصَدُ بِهِ الْعِوَضُ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ.
فَلَا يَثْبُتُ فِيهِمَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَعْرِفَةِ الْحَظِّ فِي كَوْنِ الْعِوَضِ جَائِزًا، لِمَا يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ.
وَالْعِوَضُ هَاهُنَا لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَالْهِبَةُ، وَلِأَنَّ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ ضَرَرًا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ، لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ دُونَ الْآخَرِ، كَالرَّهْنِ، لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَسْتَغْنِي بِالْجَوَازِ فِي حَقِّهِ عَنْ ثُبُوتِ خِيَارٍ آخَرَ، وَالرَّاهِنُ يَسْتَغْنِي
بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ إلَى أَنْ يَقْبِضَ، وَكَذَلِكَ الضَّامِنُ وَالْكَفِيلُ، لَا خِيَارَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا مُتَطَوِّعَيْنِ رَاضِيَيْنِ بِالْغَبْنِ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ، عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، كَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالْوَكَالَةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، فَهَذِهِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارٌ، اسْتِغْنَاءً بِجَوَازِهَا، وَالتَّمَكُّنِ مِنْ فَسْخِهَا بِأَصْلِ وَضْعِهَا.
الضَّرْبُ الْخَامِسُ، وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ، كَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا جَائِزَانِ، فَلَا يَدْخُلُهُمَا خِيَارٌ.
وَقَدْ قِيلَ: هُمَا لَازِمَانِ، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهِمَا وَجْهَانِ، وَالسَّبْقِ وَالرَّمْيِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا جَعَالَةٌ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِمَا خِيَارٌ.
وَقِيلَ: هُمَا إجَارَةٌ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا.
الضَّرْبُ السَّادِسُ، لَازِمٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَالْحَوَالَةِ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَلَا خِيَارَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لَا خِيَارَ لَهُ.
وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْآخَرِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْمُحِيلِ وَالشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يُقْصَدُ فِيهَا الْعِوَضُ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْبَيْعِ.
[بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ]
ِ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: هُوَ الزِّيَادَةُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] . وَقَالَ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92] . أَيْ أَكْثَرُ عَدَدًا، يُقَالُ: أَرْبَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ، إذَا زَادَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: الزِّيَادَةُ فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] . وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هِيَ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرَةٍ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ.
[فَصْلٌ الرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ]
(2795) فَصْلٌ: وَالرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِهِمَا.
وَقَدْ كَانَ فِي رِبَا الْفَضْلِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالْمَشْهُورُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، رَوَى ذَلِكَ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: صَحِبْت ابْنَ عَبَّاسٍ حَتَّى مَاتَ، فَوَاَللَّهِ مَا رَجَعَ عَنْ الصَّرْفِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِشْرِينَ لَيْلَةً عَنْ الصَّرْفِ؟ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَكَانَ يَأْمُرُ بِهِ.
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، قَالَ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تَشْفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تَشْفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» .
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَيْضًا، قَالَ: «جَاءَ بِلَالٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِنْ أَيْنَ هَذَا يَا بِلَالُ؟ . قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْت صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِيُطْعِمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إنْ أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ مَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ]
(2796) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَكُلُّ مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ إذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا) قَوْلُهُ: " مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ ". يَعْنِي مِنْ جَمِيعِهَا.
وَضَعَ سَائِرَ مَوْضِعَ جَمِيعٍ تَجَوُّزًا، وَمَوْضُوعُهَا الْأَصْلِيُّ لِبَاقِي الشَّيْءِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرِّبَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ أَتَمَّهَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَهَذِهِ الْأَعْيَانُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا يَثْبُتُ الرِّبَا فِيهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، فَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَصَرَا الرِّبَا عَلَيْهَا، وَقَالَا: لَا يَجْرِي فِي غَيْرِهَا.
وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَنُفَاة الْقِيَاسِ، وَقَالُوا: مَا عَدَاهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةٍ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ عِلَّتُهَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، فَيَجِبُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِثْبَاتُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وُجِدَتْ عِلَّتُهُ فِيهِ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] . يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ زِيَادَةٍ، إذْ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ، إلَّا مَا أَجْمَعْنَا عَلَى تَخْصِيصِهِ.
وَهَذَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرُوهُ.
ثُمَّ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، إلَّا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْئَيْنِ يَتَقَارَبُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا، كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالزَّبِيبِ،
وَالذُّرَةِ بِالدُّخْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبُ نَفْعُهُمَا، فَجَرَيَا مَجْرَى نَوْعَيْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ» . فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ يَبْطُلُ بِالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا مَعَ تَقَارُبِهِمَا.
وَاتَّفَقَ الْمُعَلِّلُونَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاحِدَةٌ، وَعِلَّةَ الْأَعْيَانِ الْأَرْبَعَةِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، أَشْهَرُهُنَّ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَوْنُهُ مَوْزُونَ جِنْسٍ، وَعِلَّةُ الْأَعْيَانِ الْأَرْبَعَةِ مَكِيلُ جِنْسٍ.
نَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ، وَذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَجْرِي الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ، مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، كَالْحُبُوبِ، وَالْأُشْنَانِ، وَالنُّورَةِ، وَالْقُطْنِ، وَالصُّوفِ، وَالْكَتَّانِ، وَالْوَرْسِ، وَالْحِنَّاءِ، وَالْعُصْفُرِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَا يَجْرِي فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ.
وَهُوَ الرِّبَا، فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَبِيعُ الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ، وَالنَّجِيبَةَ بِالْإِبِلِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، عَنْ ابْنِ حِبَّانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا وُزِنَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَمَا كِيلَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا.» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ صَاعِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشِ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عُبَادَةَ، وَأَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ هَكَذَا غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَرَوَاهُ بِلَفْظٍ آخَرَ.
وَعَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: «الْعَبْدُ خَيْرٌ مِنْ الْعَبْدَيْنِ، وَالثَّوْبُ خَيْرٌ مِنْ الثَّوْبَيْنِ.
فَمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسَاءِ، إلَّا مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ.» وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ الْبَيْعِ الْمُسَاوَاةُ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي تَحْقِيقِهَا الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ، وَالْجِنْسُ، فَإِنَّ الْوَزْنَ أَوْ الْكَيْلَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا صُورَةً، وَالْجِنْسُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا مَعْنًى، فَكَانَا عِلَّةً، وَوَجَدْنَا الزِّيَادَةَ فِي الْكَيْلِ مُحَرَّمَةً دُونَ الزِّيَادَةِ فِي الطَّعْمِ؛ بِدَلِيلِ بَيْعِ الثَّقِيلَةِ بِالْخَفِيفَةِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا تُسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَثْمَانِ الثَّمَنِيَّةُ، وَفِيمَا عَدَاهَا كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ، فَيَخْتَصُّ بِالْمَطْعُومَاتِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا عَدَاهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ، وَنَحْوَ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْعِلَّةُ الطَّعْمُ، وَالْجِنْسُ شَرْطٌ.
وَالْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غَالِبًا، فَيَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِمَا رَوَى مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ الطَّعْمَ وَصْفُ شَرَفٍ، إذْ بِهِ قِوَامُ الْأَبْدَانِ، وَالثَّمَنِيَّةُ وَصْفُ شَرَفٍ، إذْ بِهَا قِوَامُ الْأَمْوَالِ، فَيَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي الْأَثْمَانِ الْوَزْنَ لَمْ يَجُزْ إسْلَامُهُمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ يَكْفِي فِي تَحْرِيمِ النَّسَاءِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ؛ الْعِلَّةُ فِيمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، فَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، كَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ، وَالْخَوْخِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْأُتْرُجِّ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالْإِجَّاصِ، وَالْخِيَارِ، وَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ، وَلَا فِيمَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ، كَالزَّعْفَرَانِ، وَالْأُشْنَانِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَنَحْوِهِ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا رِبَا إلَّا فِيمَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ، مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ سَعِيدٍ، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهِمَ.
وَلِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَثَرًا، وَالْحُكْمُ مَقْرُونٌ بِجَمِيعِهَا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ.
وَلِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ وَالْجِنْسَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنَّمَا أَثَرُهُ فِي تَحْقِيقِهَا فِي الْعِلَّةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لَا مَا تَحَقَّقَ شَرْطُهُ، وَالطَّعْمُ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ بِهِ؛ لِعَدَمِ الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ.
وَإِنَّمَا تَجِبُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ، وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّعْمُ مُعْتَبَرًا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، دُونَ غَيْرِهِمَا.
وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، وَتَقْيِيدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْآخَرِ، فَنَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَتَقَيَّدُ بِمَا فِيهِ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ، وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ يَتَقَيَّدُ بِالْمَطْعُومِ الْمَنْهِيِّ عَنْ التَّفَاضُلِ فِيهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْعِلَّةُ الْقُوتُ، أَوْ: مَا يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّخَرَاتِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: يَجْرِي الرِّبَا فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: الْجِنْسُ الْوَاحِدُ عِلَّةٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْعِ الْفَرَسِ بِالْأَفْرَاسِ، وَالنَّجِيبَةِ بِالْإِبِلِ: «لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَاعَ عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ يَنْتَقِضُ بِالْحَطَبِ وَالْإِدَامِ يُسْتَصْلَحُ بِهِ الْقُوتُ وَلَا رِبَا فِيهِ عِنْدَهُ، وَتَعْلِيلُ رَبِيعَةَ يَنْعَكِسُ بِالْمِلْحِ، وَالْعَكْسُ لَازِمٌ عِنْدَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَالطَّعْمُ، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَفِيهِ الرِّبَا رِوَايَةً وَاحِدَةً،
كَالْأُرْزِ، وَالدُّخْنِ، وَالذُّرَةِ، وَالْقُطْنِيَّاتِ، وَالدُّهْنِ، وَالْخَلِّ، وَاللَّبَنِ، وَاللَّحْمِ، وَنَحْوِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، سِوَى قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ، فَقَصَرَ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ عَلَى السِّتَّةِ الْأَشْيَاءِ.
وَمَا انْعَدَمَ فِيهِ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ، وَالطَّعْمُ، وَاخْتَلَفَ جِنْسُهُ، فَلَا رِبَا فِيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَالتِّينِ، وَالنَّوَى، وَالْقَتِّ، وَالْمَاءِ، وَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ دَوَاءً، فَيَكُونُ مَوْزُونًا مَأْكُولًا، فَهُوَ إذًا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمَا عَدَاهُ إنَّمَا يُؤْكَلُ سَفَهًا، فَجَرَى مَجْرَى الرَّمْلِ وَالْحَصَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: «لَا تَأْكُلِي الطِّينَ، فَإِنَّهُ يُصَفِّرُ اللَّوْنَ» . وَمَا وُجِدَ فِيهِ الطَّعْمُ وَحْدَهُ، أَوْ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حِلُّهُ؛ إذْ لَيْسَ فِي تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ، وَلَا مَعْنًى يُقَوِّي التَّمَسُّكَ بِهِ، وَهِيَ مَعَ ضَعْفِهَا يُعَارِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَوَجَبَ اطِّرَاحُهَا، أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، وَالرُّجُوعُ إلَى أَصْلِ الْحِلِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالِاعْتِبَارُ.
وَلَا فَرْقَ فِي الْمَطْعُومَاتِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ قُوتًا، كَالْأُرْزِ، وَالذُّرَةِ، وَالدُّخْنِ، أَوْ أُدْمًا كَالْقُطْنِيَّاتِ، وَاللَّبَنِ، وَاللَّحْمِ، أَوْ تَفَكُّهًا كَالثِّمَارِ، أَوْ تَدَاوِيًا كَالْإِهْلِيلَجِ، وَالسَّقَمُونْيَا، فَإِنَّ الْكُلَّ فِي بَابِ الرِّبَا وَاحِدٌ.
[فَصْلٌ مَا جَرَى الرِّبَا فِي كَثِيرِهِ جَرَى فِي قَلِيلِهِ]
(2797) فَصْلٌ، وَقَوْلُهُ: مَا كِيلَ، أَوْ وُزِنَ.
أَيْ: مَا كَانَ جِنْسُهُ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ كَيْلٌ، وَلَا وَزْنٌ، إمَّا لِقِلَّتِهِ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَالْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ، وَمَا دُونَ الْأُرْزَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَوْ لِكَثْرَتِهِ كَالزُّبْرَةِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ، وَالْحَبَّةِ بِالْحَبَّتَيْنِ، وَسَائِرِ الْمَكِيلِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى كَيْلُهُ، وَوَافَقَ فِي الْمَوْزُونِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْكَيْلُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْيَسِيرِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» . وَلِأَنَّ مَا جَرَى الرِّبَا فِي كَثِيرِهِ جَرَى فِي قَلِيلِهِ، كَالْمَوْزُونِ.
(2798) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرَةٍ بِتَمْرَةٍ، وَلَا حَفْنَةٍ بِحَفْنَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَلَا أَعْلَمُهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ لَا تَجْرِي الْمُمَاثَلَةُ فِي غَيْرِهِ (2799) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا لَا وَزْنَ لِلصِّنَاعَةِ فِيهِ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ،
وَالصُّوفِ، وَالْإِبْرَيْسَمِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الثِّيَابِ وَالْأَكْسِيَةِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالثَّوْبِ بِالثَّوْبَيْنِ، وَالْكِسَاءِ بِالْكِسَاءَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ: لَا يُبَاعُ الْفَلْسُ بِالْفَلْسَيْنِ، وَلَا السِّكِّينُ بِالسِّكِّينَيْنِ، وَلَا إبْرَةٌ بِإِبْرَتَيْنِ، أَصْلُهُ الْوَزْنُ.
وَنَقَلَ الْقَاضِي حُكْمَ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَ فِيهِمَا جَمِيعًا رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجْرِي فِي الْجَمِيعِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونِ وَلَا مَكِيلٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
إذْ لَا مَعْنَى لِثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وَعَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَجْرِي الرِّبَا فِي الْجَمِيعِ.
اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْوَزْنُ، فَلَا يَخْرُجُ بِالصِّنَاعَةِ عَنْهُ كَالْخُبْزِ، وَذَكَرَ أَنَّ اخْتِيَارَ الْقَاضِي؛ أَنَّ مَا كَانَ يُقْصَدُ وَزْنُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ كَالْأَسْطَالِ فَفِيهِ الرِّبَا، وَمَالًا فَلَا.
(2800) فَصْلٌ: وَيَجْرِي الرِّبَا فِي لَحْمِ الطَّيْرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَجْرِي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ بِغَيْرِ وَزْنٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَحْمٌ فَجَرَى فِيهِ الرِّبَا، كَسَائِرِ اللُّحْمَانِ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُوزَنُ.
قُلْنَا: هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يُوزَنُ، وَيُقْصَدُ ثِقَلُهُ، وَتَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ بِثِقَلِهِ وَخِفَّتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا يُبَاعُ مِنْ الْخُبْزِ بِالْعَدَدِ.
[فَصْلٌ جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ التَّمَاثُلِ وَتَحْرِيمِهِ مَعَ التَّفَاضُلِ]
(2801) فَصْلٌ: وَالْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ، وَالتِّبْرُ وَالْمَضْرُوبُ، وَالصَّحِيحُ وَالْمَكْسُورُ، سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ التَّمَاثُلِ، وَتَحْرِيمِهِ مَعَ التَّفَاضُلِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ بَيْعِ الْمَضْرُوبِ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَنْكَرَ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ، وَنَفَوْهُ عَنْهُ.
وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً، لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ.
وَلِأَنَّ لِلصِّنَاعَةِ قِيمَةً؛ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْإِتْلَافِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ ضَمَّ قِيمَةَ الصِّنَاعَةِ إلَى الذَّهَبِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . وَعَنْ عُبَادَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَمَرَ بِبَيْعِ آنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ فَقَالَ: «إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» .
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ
بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» . ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إلَى مُعَاوِيَةَ، لَا تَبِعْ ذَلِكَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ.
وَلِأَنَّهُمَا تُسَاوَيَا فِي الْوَزْنِ، فَلَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقِيمَةِ، كَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ لِصَائِغٍ: صُغْ لِي خَاتَمًا وَزْنُهُ دِرْهَمٌ، وَأُعْطِيكَ مِثْلَ وَزْنِهِ، وَأُجْرَتَك دِرْهَمًا.
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لِلصَّائِغِ أَخْذُ الدِّرْهَمَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا فِي مُقَابَلَةِ الْخَاتَمِ، وَالثَّانِي أُجْرَةً لَهُ.
[كُلُّ مَا حَرَّمَ فِيهِ التَّفَاضُل حَرَّمَ فِيهِ النَّسَاءِ]
(2802) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ حَرُمَ فِيهِ النَّسَاءُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَيَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَيْنًا بِعَيْنٍ» . وَقَوْلِهِ: «يَدًا بِيَدٍ» . وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ، وَلِذَلِكَ جَرَى فِي الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَإِذَا حَرُمَ التَّفَاضُلُ، فَالنَّسَاءُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ.
[مَسْأَلَةٌ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ]
قَالَ (2803) مَسْأَلَةٌ: (وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً) لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ نَعْلَمُهُ، إلَّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا يَتَقَارَبُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا.
وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «إذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَجَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَتْ مَنَافِعُهُمَا.
وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، مَعَ تَقَارُبِ مَنَافِعِهِمَا.
فَأَمَّا النَّسَاءُ؛ فَكُلُّ جِنْسَيْنِ يَجْرِي فِيهِمَا الرِّبَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ، وَالْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ، عِنْدَ مَنْ يُعَلِّلُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْأُخَرِ نَسَاءً، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا النَّسِيئَةُ فَلَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ ثَمَنًا، وَالْآخَرُ مُثْمَنًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ النَّسَاءُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَرْخَصَ فِي السَّلَمِ، وَالْأَصْلُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، فَلَوْ حَرُمَ النَّسَاءُ هَاهُنَا لَانْسَدَّ بَابُ السَّلَمِ فِي الْمَوْزُونَاتِ فِي الْغَالِبِ.
فَأَمَّا إنَّ اخْتَلَفَتْ عِلَّتُهُمَا كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ، مِثْلُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْبُرِّ، فَفِيهِمَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِمَا، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، فَحَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا، كَالْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ، فَجَازَ النَّسَاءُ فِيهِمَا، كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوَانِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ شَيْئًا مِنْ مَالِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ]
(2804) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَعِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، لَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ فَعَلَا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِيهِمَا كَغَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا، وَكَبَيْعِ ذَلِكَ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ.
قَالَ: فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ.
وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ عُمَرُ بِهِ، وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا عِلَّتُهُمَا وَاحِدَةٌ، فَحَرُمَ التَّفَرُّقُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ.
فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ عِلَّتُهُمَا، كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ عِنْدَ مَنْ يُعَلِّلُ بِهِمَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَجَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَالثَّمَنِ بِالْمُثْمَنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ ذَلِكَ إلَّا فِي بَيْعِ الْأَثْمَانِ بِغَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ وُجُوبَ التَّقَابُضِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِقَوْلِهِ: «يَدًا بِيَدٍ» .
[مَسْأَلَة تَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ]
(2805) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَا كَانَ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي تَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، عَلَى أَرْبَعِ رِوَايَاتِ؛ إحْدَاهُنَّ، لَا يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ بِيعَ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاضِلًا، إلَّا عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ.
فَيَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي الْمَطْعُومِ، وَلَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قِلَاصِ الصَّدَقَةِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد " وَرَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عَلِيًّا بَاعَ بَعِيرًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: عُصَيْفِيرٌ، بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ إلَى أَجَلٍ.
وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ لَا يَجْرِي فِيهِمَا رِبَا الْفَضْلِ، فَجَازَ النَّسَاءُ فِيهِمَا كَالْعَرْضِ بِالدِّينَارِ، وَلِأَنَّ النَّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيْ الرِّبَا، فَلَمْ يَجُزْ فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي كُلِّ مَالٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ، كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ بِالثِّيَابِ، وَلَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِمَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نِسَاءً ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ، وَابْنِ عُمَرَ؛ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ الْجِنْسَ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ، فَحَرُمَ النَّسَاءُ، كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ.
وَالثَّالِثَةُ، لَا يَحْرُمُ النَّسَاءُ إلَّا فِيمَا بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَأَمَّا مَعَ التَّمَاثُلِ فَلَا؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسَاءً، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَبِيعُ الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ وَالنَّجِيبَةَ بِالْإِبِلِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . مِنْ الْمُسْنَدِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ النَّسَاءِ مَعَ التَّمَاثُلِ بِمَفْهُومِهِ.
وَالرَّابِعَةُ، يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي كُلِّ مَالٍ بِيعَ بِمَالٍ آخَرَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الرِّوَايَةَ الثَّالِثَةَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَرْضٍ بِعَرْضِ، فَحَرُمَ النَّسَاءُ بَيْنَهُمَا كَالْجِنْسَيْنِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، قَالَ الْقَاضِي: فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ، وَمَعَ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ، الْعُرُوض نَقْدًا وَالدَّرَاهِمُ نَسِيئَةً، جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ نَقْدًا وَالْعُرُوضُ نَسِيئَةً، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى النَّسِيئَةِ فِي الْعُرُوضِ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ يُخَالِفُ الْأَصْلَ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّ فِي الْمَحِلِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْصَافًا لَهَا أَثَرٌ فِي تَحْرِيمِ الْفَضْلِ، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ أَصْلًا، فَكَيْفَ يَثْبُتُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ فِي حِلِّ الْبَيْعِ،
وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ هِيَ الْأُولَى؛ لِمُوَافَقَتِهَا الْأَصْلَ.
وَالْأَحَادِيثُ الْمُخَالِفَةُ لَهَا، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَيُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَقَّاهُ.
وَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا، فَقَالَ: هُمَا مُرْسَلَانِ.
وَحَدِيثُ سَمُرَةَ يَرْوِيهِ الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ الْأَثْرَمُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا حَجَّاجٌ زَادَ فِيهِ: " نَسَاءً "، وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ: " نِسَاءً "، وَحَجَّاجٌ هَذَا هُوَ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: هُوَ وَاهِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ صَدُوقٌ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَبِيعَيْنِ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ، وَالْآخَرُ فِيهِ رِبَا كَالْمَكِيلِ بِالْمَعْدُودِ، فَفِيهِمَا رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَعْدُودًا بِمَعْدُودٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الرَّطْبِ بِيَابِسِ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا الْعَرَايَا]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الرَّطْبِ بِيَابِسِ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا الْعَرَايَا) أَرَادَ الرَّطْبَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَاللَّبَنِ بِالْجُبْنِ، وَالْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ أَوْ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ، أَوْ الْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ، فَيَجُوزُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَيَجُوزُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» . وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ» . وَفِي لَفْظٍ، «نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ سَعْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ قَالُوا: نَعَمْ.
فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: «فَلَا إذَنْ» .
نَهَى وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ.
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ» . وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا؛ وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ الْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَدِيثُ بِالْعَتِيقِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.
وَقَالَ: زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ رَاوِيهِ ضَعِيفٌ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ، وَأَبُو عَيَّاشٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ "، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ مَتْرُوكِ الْحَدِيثِ.
[فَصْلٌ بَيْع الرُّطَب بِالرُّطَبِ وَالْعِنَب بِالْعِنَبِ]
(2807) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، وَالْعِنَبِ بِالْعِنَبِ وَنَحْوِهِ مِنْ الرُّطَبِ بِمِثْلِهِ، فَيَجُوزُ مَعَ التَّمَاثُلِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا يَيْبَسُ.
أَمَّا مَا لَا يَيْبَسُ كَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَنَحْوِهِ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ تَسَاوِيهِمَا حَالَةَ الِادِّخَارِ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى هَذَا، وَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي اللَّحْمِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا، وَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا: إبَاحَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إبَاحَةُ بَيْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَجَازَ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] عَامٌ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ، فَبَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ التَّفَاوُتَ كَثِيرٌ، وَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْحَدِيثِ بِالْعَتِيقِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ.
[مَسْأَلَة الْمُمَاثَلَةِ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا]
(2808) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُبَاعُ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيْلًا) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الْمَرْعِيَّةَ هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا، وَمَتَى تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ، لَمْ يَضُرَّ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا سِوَاهَا.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ إلَّا مَالِكًا قَالَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَوْزُونَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي حَدِيثِ
عُبَادَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» . فَأَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَوْزُونَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوَزْنِ، كَمَا أَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَكِيلَاتِ فِي الْكَيْلِ، وَمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا وَمُشَبَّهٌ بِهِمَا؛ وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ جُزَافًا كَالْمَكِيلِ، وَلِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، فَأَشْبَهَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَضْلِ مُبْطِلَةٌ لِلْبَيْعِ، وَلَا نَعْلَمُ عَدَمَ ذَلِكَ إلَّا بِالْوَزْنِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمَكِيلِ وَالْأَثْمَانِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ وَزْنًا، وَلَا بَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ كَيْلًا؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ فِي الْكَيْلِ مُشْتَرَطٌ فِي الْمَكِيلِ، وَفِي الْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ، فَمَتَى بَاعَ رِطْلًا مِنْ الْمَكِيلِ بِرِطْلٍ حَصَلَ فِي الرِّطْلِ مِنْ الْخَفِيفِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ الثَّقِيلِ، فَيَخْتَلِفَانِ فِي الْكَيْلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَضْلَ، لَكِنْ يَجْهَلُ التَّسَاوِي، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِالْمَوْزُونِ بِالْكَيْلِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ فِي الْوَزْنِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَكِيلِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ جُزَافًا]
(2809) فَصْلٌ: وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا أَوْ كَانَ جُزَافًا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، لَمْ يَجُزْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ» .
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» إلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ التَّمَاثُلَ شَرْطٌ، وَالْجَهْلُ بِهِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ، كَحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ (2810) فَصْلٌ: وَمَا لَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ فِيهِ كَالْجِنْسَيْنِ، وَمَا لَا رِبَا فِيهِ، يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا وَوَزْنًا وَجُزَافًا، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِتَخْصِيصِهِ مَا يُكَالُ بِمَنْعِ بَيْعِهِ بِشَيْءِ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَمَا يُوزَنُ بِمَنْعِ بَيْعِهِ مِنْ جِنْسِهِ كَيْلًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ بِالصُّبْرَةِ، لَا يُدْرَى كَمْ كَيْلُ هَذِهِ، وَلَا كَيْلُ هَذِهِ، مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ مِنْ صِنْفَيْنِ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى مَنْعِ بَيْعِ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ جُزَافًا، وَبَيْعِ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ جُزَافًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: أَكْرَهُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا خَيْرَ فِيمَا يُكَالُ بِمَا يُكَالُ جُزَافًا، وَلَا فِيمَا يُوزَنُ بِمَا يُوزَنُ جُزَافًا، اتَّفَقَتْ الْأَجْنَاسُ أَوْ اخْتَلَفَتْ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ جُزَافًا، وَقَالَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُجَازَفَةً» . وَلِأَنَّهُ بَيْعُ مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ، أَشْبَهَ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . وَلِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . عَامٌ خَصَّصْنَاهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى الْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ، فَجَازَ جُزَافًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَقِيقَةُ الْفَضْلِ لَا يَمْنَعُ، فَاحْتِمَالُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: «نَهَى أَنْ تُبَاعَ الصُّبْرَةُ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا مِنْ التَّمْرِ، بِالصُّبْرَةِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا مِنْ التَّمْرِ» .
ثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحِلَّ النِّزَاعِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ، فَمُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ مُجَازَفَةً؛ لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمَشْرُوطَةِ، وَفِي الْجِنْسَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ، وَلَا يُمْنَعُ حَقِيقَةُ التَّفَاضُلِ، فَاحْتِمَالُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا.
(2811) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ.
وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهُمَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ عَلِمَا كَيْلَهُمَا وَتُسَاوِيهِمَا، صَحَّ الْبَيْعُ؛ لِوُجُودِ التَّمَاثُلِ الْمُشْتَرَطِ.
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ.
فَكِيلَتَا فَكَانَتَا سَوَاءٌ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ بَاعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، صَحَّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ جُزَافًا.
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ.
فَكِيلَتَا فَكَانَتَا سَوَاءً، صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ زَادَتْ إحْدَاهُمَا فَرَضِيَ صَاحِبُ النَّاقِصَةِ بِهَا مَعَ نَقْصِهَا، أَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الزَّائِدَةِ بِرَدِّ الْفَضْلِ عَلَى صَاحِبِهِ، جَازَ، وَإِنْ امْتَنَعَا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا.
ذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
(2812) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ قَسْمُ الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَقَسْمُ الْمَوْزُونِ كَيْلًا، وَقَسْمُ الثِّمَارِ خَرْصًا، وَقَسْمُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا.
وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ، فَيَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ، وَيُمْنَعُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا تَعَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ، فَقَدْ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِمَّا تَعَيَّنَ لَهُ بِنَصِيبِهِ فِيمَا تَعَيَّنَ لِشَرِيكِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ تَعْدِيلِ السِّهَامِ، وَدُخُولِ الْقُرْعَةِ فِيهَا، وَلُزُومِهَا بِهَا، وَالْإِجْبَارِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ بَيْعٍ وَلَا تَمْلِيكٍ، وَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَلَا تَجُوزُ إلَّا بِقَدْرِ
الْحَقَّيْنِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا شُفْعَةٌ، وَتَخْتَصُّ بِاسْمٍ.
وَتَغَايُرُ الْأَحْكَامِ وَالْأَسْمَاءِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْغَنَائِمَ بالحجف.
وَذَلِكَ كَيْلُ الْأَثْمَانِ بِمَحْضَرٍ مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ، وَانْتَشَرَ فِي بَقِيَّتِهِمْ فَلَمْ يُنْكَرْ، فَصَارَ إجْمَاعًا عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
[فَصْل الْمَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ]
(2813) فَصْلٌ: فِي مَعْرِفَةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ بِالْحِجَازِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِعَادَتِهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» . وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى بَيَانِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مَكِيلًا بِالْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ فِي تَفَاضُلِ الْكَيْلِ إلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الْمَوْزُونُ، وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِالْحِجَازِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالْحِجَازِ، كَمَا أَنَّ الْحَوَادِثَ تُرَدُّ إلَى أَشْبَهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَالثَّانِي، يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الشَّرْعِ حَدٌّ كَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْقَبْضِ، وَالْإِحْرَازِ، وَالتَّفَرُّقِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعَلَى هَذَا إنْ اخْتَلَفَتْ الْبِلَادُ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْغَالِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ بَطَلَ هَذَا الْوَجْهُ، وَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَالْبُرُّ، وَالشَّعِيرُ مَكِيلَانِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ» .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُبُوبِ، وَالْأَبَازِيرِ، وَالْأُشْنَانِ، وَالْجِصِّ، وَالنُّورَةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
وَالتَّمْرُ مَكِيلٌ، وَهُوَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ تَمْرِ النَّخْلِ مِنْ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَسَائِرُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الثِّمَارِ، مِثْلِ الزَّبِيبِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْبُنْدُقِ، وَالْعُنَّابِ، وَالْمِشْمِشِ، وَالْبُطْمِ، وَالزَّيْتُونِ، وَاللَّوْزِ.
وَالْمِلْحُ مَكِيلٌ، وَهُوَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ» . وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مَوْزُونَانِ.
ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالصُّفْرِ، وَالرَّصَاصِ، وَالزُّجَاجِ، وَالزِّئْبَقِ.
وَمِنْهُ الْإِبْرَيْسَمُ، وَالْقُطْنُ، وَالْكَتَّانُ، وَالصُّوفُ،
وَغَزْلُ ذَلِكَ، وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَمِنْهُ الْخُبْزُ، وَاللَّحْمُ، وَالشَّحْمُ، وَالْجُبْنُ، وَالزُّبْدُ، وَالشَّمْعُ، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَكَذَلِكَ الزَّعْفَرَانُ، وَالْعُصْفُرُ، وَالْوَرْسُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(2814) فَصْلٌ: وَالدَّقِيقُ وَالسَّوِيقُ مَكِيلَانِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا مَكِيلٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُلُهُمَا عَنْهُ، وَلِأَنَّهُمَا يُشْبِهَانِ مَا يُكَالُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الدَّقِيقِ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِالْوَزْنِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَكِيلًا وَهُوَ مَوْزُونٌ، كَالْخُبْزِ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِالصَّاعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنْ دَقِيقٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ.
وَالصَّاعُ إنَّمَا يُقَدَّرُ بِهِ الْمَكِيلَاتُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَقِطُ مَكِيلًا؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ: «صَاعٌ مِنْ أَقِطٍ» . (2815) فَصْلٌ: فَأَمَّا اللَّبَنُ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ، كَالْأَدْهَانِ مِنْ الزَّيْتِ، وَالشَّيْرَجِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَلِّ، وَالدِّبْسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَكِيلَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَدْهَانِ: هِيَ مَكِيلَةٌ.
وَفِي اللَّبَنِ: يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَيْلًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُبَاعُ اللَّبَنُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا كَيْلًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ السَّلَفِ فِي اللَّبَنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْلًا، أَوْ وَزْنًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ مُقَدَّرٌ بِالصَّاعِ، وَلِذَلِكَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَيَغْتَسِلُ هُوَ وَبَعْضُ نِسَائِهِ مِنْ الْفَرَقِ» . وَهَذِهِ مَكَايِيلُ قُدِّرَ بِهَا الْمَاءُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِ الْأَنْعَامِ إلَّا بِالْكَيْلِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ فِي كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، وَلَا يُشْبِهُ مَا جَرَى فِيهِ الْعُرْفُ بِذَلِكَ، كَالثِّيَابِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْمَعْدُودَاتِ مِنْ الْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَسَائِرِ الْخَضْرَاوَاتِ، وَالْبُقُولِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْخَوْخِ، وَنَحْوِهَا، فَهَذِهِ الْمَعْدُودَاتُ إذَا اعْتَبَرْنَا التَّمَاثُلَ فِيهَا، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّمَاثُلُ فِي الْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْآخَرُ، قَالُوا: يُعْتَبَرُ مَا أَمْكَنَ كَيْلُهُ بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْأَعْيَانُ الْأَرْبَعَةُ، وَهِيَ مَكِيلَةٌ، وَمِنْ شَأْنِ الْفَرْعِ أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْلِهِ.
بِحُكْمِهِ، وَالْأَصْلُ حُكْمُهُ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ بِالْكَيْلِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُ فُرُوعِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَزْنَ أَخْصَرُ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، كَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْكَيْلُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْعَادَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ.
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ شَيْئَيْنِ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ ثَبَتَ فِيهِمَا حُكْمُ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ]
(2816) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالتُّمُورُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا) الْجِنْسُ: هُوَ الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْوَاعِهَا.
وَالنَّوْعُ: الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْخَاصِهَا.
وَقَدْ يَكُونُ النَّوْعُ جِنْسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ، نَوْعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ، وَالْمُرَادُ هُنَا؛ الْجِنْسُ الْأَخَصُّ، وَالنَّوْعُ الْأَخَصُّ.
فَكُلُّ نَوْعَيْنِ اجْتَمَعَا فِي اسْمٍ خَاصٍّ، فَهُمَا جِنْسٌ، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ، وَأَنْوَاعِ الْحِنْطَةِ.
فَالتُّمُورُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهَا، وَهُوَ التَّمْرُ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَنْوَاعُهُ، كَالْبَرْنِيِّ، وَالْمَعْقِلِيِّ، وَالْإِبْرَاهِيمِيّ، والخاستوي، وَغَيْرِهَا.
وَكُلُّ شَيْئَيْنِ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ ثَبَتَ فِيهِمَا حُكْمُ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْوَاعُ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ.
فَاعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةَ فِي جِنْسِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، ثُمَّ قَالَ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» .
وَفِي لَفْظٍ: «فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» . وَفِي لَفْظٍ: «إلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ» . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ فِي وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ، مَعَ اتِّفَاقِ الْأَنْوَاعِ، وَاخْتِلَافِهَا.
[فَصْل إذَا كَانَ الْمُشْتَرِكَانِ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُمَا جِنْسَانِ فِي الرَّبَّا]
(2817) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِكَانِ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَهُمَا جِنْسَانِ؛ كَالْأَدِقَّةِ، وَالْأَخْبَازِ، وَالْخُلُولِ، وَالْأَدْهَانِ، وَعَصِيرِ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، كُلُّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهَا.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ خَلَّ التَّمْرِ، وَخَلَّ الْعِنَبِ، جِنْسٌ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهُمَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَكَانَا جِنْسَيْنِ، كَدَقِيقِ الْحِنْطَةِ، وَدَقِيقِ الشَّعِيرِ.
وَمَا ذُكِرَ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مُنْتَقِضٌ بِسَائِرِ فُرُوعِ الْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَكُلُّ نَوْعٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ، فَإِذَا كَانَ شَيْئَانِ مِنْ أَصْلَيْنِ فَهُمَا جِنْسَانِ، فَزَيْتُ الزَّيْتُونِ، وَزَيْتُ الْبُطْمِ، وَزَيْتُ الْفُجْلِ، أَجْنَاسٌ.
وَدُهْنُ السَّمَكِ وَالشَّيْرَجِ، وَدُهْنُ الْجَوْزِ، وَدُهْنُ اللَّوْزِ وَالْبِزْرِ أَجْنَاسٌ.
وَعَسَلُ النَّحْلِ، وَعَسَلُ الْقَصَبِ، جِنْسَانِ.
وَتَمْرُ النَّخْلِ، وَتَمْرُ الْهِنْدِ جِنْسَانِ.
وَكُلُّ شَيْئَيْنِ أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَقَاصِدُهُمَا؛ فَدُهْنُ الْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالزِّئْبَقِ، وَدُهْنُ الْيَاسَمِينِ، إذَا كَانَتْ مِنْ دُهْنٍ وَاحِدٍ، فَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: لَا يَجْرِي الرِّبَا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَدُ لِلْأَكْلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ أَجْنَاسٌ؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَهَا مُخْتَلِفَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّهَا كُلَّهَا شَيْرَجٌ، وَإِنَّمَا طُيِّبَتْ بِهَذِهِ الرَّيَاحِينِ، فَنُسِبَتْ إلَيْهَا، فَلَمْ تَصِرْ أَجْنَاسًا، كَمَا لَوْ طُيِّبَ
سَائِرُ أَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا تُقْصَدُ الرَّيَاحِينُ لِلْأَكْلِ.
قُلْنَا: هِيَ صَالِحَةٌ لِلْأَكْلِ، وَإِنَّمَا تُعَدُّ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، فَلَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا مَأْكُولَةً بِصَلَاحِهَا لِغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا أَجْنَاسٌ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَيَشْمَلُهَا اسْمٌ وَاحِدٌ، فَكَانَتْ جِنْسًا، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ.
(2818) فَصْلٌ: وَقَدْ يَكُونُ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ، كَالتَّمْرِ، يَشْتَمِلُ عَلَى النَّوَى وَغَيْرِهِ، وَهُمَا جِنْسَانِ، وَاللَّبَنُ، يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَخِيضِ وَالزُّبْدِ، وَهُمَا جِنْسَانِ، فَمَا دَامَا مُتَّصِلَيْنِ اتِّصَالَ الْخِلْقَةِ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا مُيِّزَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، صَارَا جِنْسَيْنِ، حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْجِنْسَيْنِ الْأَصْلِيَّيْنِ.
[فَصْلٌ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ]
(2819) فَصْلٌ: فِي بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَفُرُوعِهِ، يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَسَوَاءٌ تُسَاوَيَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَفِي كَوْنِهِمَا يَنْكَبِسَانِ فِي الْمِكْيَالِ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: صَاعُ تَمْرٍ بِصَاعِ تَمْرٍ، وَأَحَدُ التَّمْرَيْنِ يَدْخُلُ فِي الْمِكْيَالِ مِنْهُ أَكْثَرُ؟ فَقَالَ: إنَّمَا هُوَ صَاعٌ بِصَاعٍ.
وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ثُمَّ قَالَ: مَنْ زَادَ، أَوْ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى» . فَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ، جَازَ بَيْعُهُ مُتَسَاوِيًا بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ التَّمْرَ يَكُونُ فِيهِ النَّوَى.
وَإِنْ نُزِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ، جَازَ أَيْضًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي حَالِ الْكَمَالِ.
وَلِأَنَّهُ يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ» . وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى بِالنَّوَى كَيْلًا لِذَلِكَ.
وَإِذَا بَاعَ تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَوَاهُ فِيهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِاشْتِمَالِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ دُونَ الْآخَرِ.
وَإِنْ نَزَعَ النَّوَى، ثُمَّ بَاعَ النَّوَى وَالتَّمْرَ بِنَوًى وَتَمْرٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ زَالَتْ التَّبَعِيَّةُ بِنَزْعِهِ، فَصَارَ كَبَيْعِ تَمْرٍ وَحِنْطَةٍ بِتَمْرٍ وَحِنْطَةٍ.
وَإِنْ بَاعَ النَّوَى بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى، جَازَ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَسَاوِيًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ.
وَإِنْ بَاعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَوَاهُ فِيهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ مَنَعَ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَأَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ نَوًى، فَيَصِيرُ كَمُدِّ عَجْوَةٍ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ تَمْرًا فِيهِ نَوَاهُ، بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى.
وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّ النَّوَى فِي التَّمْرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ، وَصَارَ هَذَا كَبَيْعِ دَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بِالذَّهَبِ بِذَهَبٍ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاوِيًا؛ لِأَنَّ النَّوَى الَّذِي فِي التَّمْرِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، فَصَارَ كَبَيْعِ النَّوَى بِمَنْزُوعِ النَّوَى.
(2820) فَصْلٌ: وَيُصْنَعُ مِنْ التَّمْرِ الدِّبْسُ، وَالْخَلُّ، وَالنَّاطِفُ، وَالْقَطَّارَةُ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِشَيْءِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَعَ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَبَعْضُهَا مَائِعٌ، وَالتَّمْرُ جَامِدٌ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّاطِفِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَا
بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَصْنُوعِ مِنْ التَّمْرِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا شَيْئًا مَقْصُودًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْقَطَّارَةِ، وَالدِّبْسِ، وَالْخَلِّ، كُلِّ نَوْعٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي خَلِّ الدَّقَلِ: يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَهُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْبَيْعِ، كَالْخُبْزِ بِالْخُبْزِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ.
وَلَا يُبَاعُ نَوْعٌ بِنَوْعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، فَيُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ]
(2821) فَصْل: وَالْعِنَبُ كَالتَّمْرِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ خَلُّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ التَّمْرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ]
(2822) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأُسُودِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا.
فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةً بَعْضَ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا، أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ.
قِيلَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ.
قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُغَشُّ بِالْآخَرِ، فَكَانَا كَنَوْعَيْ الْجِنْسِ
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِيعُوا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا» ، وَفِي لَفْظٍ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» . وَهَذَا صَرِيحٌ صَحِيحٌ، لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِغَيْرِ مُعَارِضٍ مِثْلِهِ، وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَرِكَا فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ، فَلَمْ يَكُونَا جِنْسًا وَاحِدًا، كَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَلِأَنَّهُمَا مُسَمَّيَانِ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، فَكَانَا جِنْسَيْنِ، كَسَائِرِهَا.
وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارِ الْجِنْسِ، بِدَلِيلِ سَائِرِ أَجْنَاسِ الطَّعَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الطَّعَامَ الْمَعْهُودَ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الشَّعِيرُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ: وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمئِذٍ الشَّعِيرَ، ثُمَّ لَوْ كَانَ عَامًّا لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ الصَّرِيحِ عَلَيْهِ، وَفِعْلُ مَعْمَرٍ وَقَوْلُهُ لَا يُعَارَضُ بِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِشَيْءِ مِنْ فُرُوعِهَا]
(2823) فَصْلٌ: فِي الْحِنْطَةِ وَفُرُوعِهَا، وَفُرُوعُهَا نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا، مَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، كَالدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقِ.
وَالثَّانِي، مَا فِيهِ غَيْرُهُ، كَالْخُبْزِ، وَالْهَرِيسَةِ، وَالْفَالُوذَجِ، وَالنَّشَاءِ، وَأَشْبَاهِهَا.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِشَيْءِ مِنْ فُرُوعِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامِ: أَحَدُهَا السَّوِيقُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْحِنْطَةِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ، مُتَمَاثِلًا، وَمُتَفَاضِلًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِبَعْضٍ أَجْزَائِهَا مُتَفَاضِلًا، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ مَكُّوكِ حِنْطَةٍ بِمَكُّوكَيْ دَقِيقٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّمَاثُلِ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَقْلِيَّةَ.
الْقَسَمُ الثَّانِي، مَا مَعَهُ غَيْرُهُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ أَيْضًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وَسَنَذْكُرُ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْقَسَمُ الثَّالِثُ، الدَّقِيقُ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ فِي الصَّحِيحِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَكْحُولٍ.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ جَائِزٌ.
وَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ نَفْسُ الْحِنْطَةِ، وَإِنَّمَا تَكَسَّرَتْ أَجْزَاؤُهَا، فَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، كَالْحِنْطَةِ الْمُكَسَّرَةِ بِالصِّحَاحِ، فَعَلَى هَذَا إنَّمَا تُبَاعُ الْحِنْطَةُ بِالدَّقِيقِ وَزْنًا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا بِالطَّحْنِ وَانْتَشَرَتْ، فَتَأْخُذُ مِنْ الْمِكْيَالِ مَكَانًا كَبِيرًا، وَالْحِنْطَةُ تَأْخُذُ مَكَانًا صَغِيرًا، وَالْوَزْنُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ.
وَلَنَا، أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ بَيْعٌ لِلْحِنْطَةِ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا، فَحَرُمَ، كَبَيْعِ مَكِيلَةٍ بِمَكِيلَتَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّحْنَ قَدْ فَرَّقَ أَجْزَاءَهَا، فَيَحْصُلُ فِي مِكْيَالِهَا دُونَ مَا يَحْصُلُ فِي مِكْيَالِ الْحِنْطَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّفَاضُلُ، فَقَدْ جُهِلَ التَّمَاثُلُ، وَالْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا، وَتَسَاوِيهِمَا فِي الْوَزْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ، وَالْحِنْطَةُ وَالدَّقِيقُ مَكِيلَانِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْكَيْلُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُلُ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ يُشْبِهُ الْمَكِيلَاتِ، فَكَانَ مَكِيلًا، كَالْحِنْطَةِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ مَوْزُونًا، لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَ لَا يُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ، كَمَا لَا يُقَدَّرُ الْمَوْزُونُ بِالْكَيْلِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ كُلٍّ مِنْ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ بِنَوْعِهِ مُتَسَاوِيًا]
(2824) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ بَعْضِ فُرُوعِهَا بِبَعْضٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ بِنَوْعِهِ مُتَسَاوِيًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ تَسَاوِيهِمَا حَالَةَ الْكَمَالِ، وَهُوَ حَالُ كَوْنِهَا حِنْطَةً، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الدَّقِيقَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنْ حِنْطَةٍ رَزِينَةٍ، وَالْآخَرَ مِنْ حِنْطَةٍ خَفِيفَةٍ، فَيَسْتَوِيَانِ دَقِيقًا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ حِنْطَةً.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا حَالَ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَجَازَ، كَبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّمَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَيْلًا؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ مَكِيلَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مَا يَنْقُلُهُمَا عَنْ ذَلِكَ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي النُّعُومَةِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَفَاوَتَا فِي النُّعُومَةِ تَفَاوَتَا فِي ثَانِي الْحَالِ، فَيَصِيرُ كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الدَّقِيقَ يُبَاعُ بِالدَّقِيقِ وَزْنًا.
وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَقَدْ سَلَّمَ فِي السَّوِيقِ أَنَّهُ يُبَاعُ بِالْكَيْلِ، وَالدَّقِيقُ مِثْلُهُ.
فَأَمَّا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَأَشْبَهَ الدَّقِيقَ بِالدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقَ بِالسَّوِيقِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا أَجْزَاءُ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، كَالدَّقِيقِ مَعَ الدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقِ بِالسَّوِيقِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ مَا فِيهِ غَيْرُهُ كَالْخُبْزِ وَالنَّشَاءِ]
(2825) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا فِيهِ غَيْرُهُ، كَالْخُبْزِ، وَغَيْرِهِ، فَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، إنَّمَا جُعِلَ فِيهِ لِمَصْلَحَتِهِ، كَالْخُبْزِ وَالنَّشَاءِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَوْعِهِ، إذَا تَسَاوَيَا فِي النُّشَافَةِ وَالرُّطُوبَةِ.
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِهِ قُرْصًا بِقُرْصَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِحَالٍ، إلَّا أَنْ يَيْبَسَ، وَيُدَقُّ دَقًّا نَاعِمًا، وَيُبَاعَ بِالْكَيْلِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ يَجِبُ التَّسَاوِي فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، فَتَعَذَّرَتْ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ، وَلِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، كَالْمَغْشُوشِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَلَنَا، عَلَى وُجُوبِ التَّسَاوِي، أَنَّهُ مَطْعُومٌ مَوْزُونٌ، فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا، كَاللَّحْمِ، وَاللَّبَنِ، وَمَتَى وَجَبَ التَّسَاوِي، وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ، وَالدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ.
وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ، أَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِهِ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ بِهِ، كَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ.
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا، أَصْلُهُ غَيْرُ مَوْزُونٍ، كَاللَّحْمِ، وَالْأَدْهَانِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ؛ لِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ.
وَلَا يَمْنَعُ زِيَادَةَ أَخْذِ النَّارِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ حَالَ رُطُوبَتِهِمَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْحَدِيثَةِ بِالْعَتِيقَةِ.
وَلَا يَلْزَمُ مَا فِيهِ مِنْ الْمِلْحِ وَالْمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِيهِ، وَيُرَادُ لِمَصْلَحَتِهِ، فَهُوَ كَالْمِلْحِ فِي الشَّيْرَجِ.
وَإِنْ يَبِسَ
الْخُبْزُ، فَدُقَّ، وَجُعِلَ فَتِيتًا، بِيعَ بِمِثْلِهِ كَيْلًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ كَيْلُهُ، فَرُدَّ إلَى أَصْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُبَاعُ بِالْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي، مَا فِيهِ غَيْرُهُ مِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ، كَالْهَرِيسَةِ، وَالْخَزِيرَةِ، وَالْفَالُوذَجِ، وَخُبْزِ الْأَبَازِيرِ، وَالْخُشْكِنَانْجِ، والسنبوسك، وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ مَقْصُودٌ، كَاللَّحْمِ فِي الْهَرِيسَةِ، وَالْعَسَلِ فِي الْفَالُوذَجِ وَالْمَاءِ، وَالدُّهْنِ فِي الْخَزِيرَةِ.
وَيَكْثُرُ التَّفَاوُتُ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ فِيهِ.
وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّمَاثُلُ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ، فَفِي النَّوْعَيْنِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ الْحُكْمُ فِي الشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ كَالْحُكْمِ فِي الْحِنْطَةِ]
فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ كَالْحُكْمِ فِي الْحِنْطَةِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ وَالْمَصْنُوعِ مِنْهَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْحُبُوبِ وَالْمَصْنُوعِ مِنْهَا؛ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ اللَّحْمُ كُلُّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ]
(2827) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَسَائِرُ اللُّحْمَانِ جِنْسٌ وَاحِدٌ) أَرَادَ جَمِيعَ اللَّحْمِ، وَجَمَعَهُ - وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ - لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ.
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ: الْأَنْعَامُ، وَالْوُحُوشُ، وَالطَّيْرُ، وَدَوَابُّ الْمَاءِ، أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا فِي اللَّحْمِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَنْعَامَ، وَالْوَحْشَ جِنْسًا وَاحِدًا، فَيَكُونُ عِنْدَهُ ثَلَاثَهُ أَصْنَافٍ.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا فُرُوعُ أُصُولٍ هِيَ أَجْنَاسٌ، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا، كَالْأَدِقَّةِ، وَالْأَخْبَازِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ.
وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ.
وَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهَا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ لَحْمَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تَخْتَلِفُ الْمَنْفَعَةُ بِهَا، وَالْقَصْدُ إلَى أَكْلِهَا، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا.
وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا أَجْنَاسًا لَا يُوجِبُ حَصْرَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ احْتِمَالِ لَفْظِهِ لَهُ، وَتَصْرِيحِهِ فِي الْأَيْمَانِ بِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ، أَوْ الطَّائِرِ، أَوْ السَّمَكِ، حَنِثَ.
فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى عُمُومِهِ فِي أَنَّ جَمِيعَ اللَّحْمِ جِنْسٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَكَ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ حَالَ حُدُوثِ الرِّبَا فِيهِ، فَكَانَ جِنْسًا وَاحِدًا، كَالطَّلْعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ.
وَهَذَا الدَّلِيلُ يُنْتَقَضُ بِالتَّمْرِ الْهِنْدِيِّ وَالتَّمْرِ
الْبَرْنِيِّ، وَعَسَلِ الْقَصَبِ وَعَسَلِ النَّحْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَعَلَى هَذَا، لَحْمُ الْإِبِلِ كُلُّهُ صِنْفٌ، بَخَاتِيهَا وَعِرَابِهَا، وَالْبَقَرُ عِرَابُهَا وَجَوَامِيسُهَا صِنْفٌ، وَالْغَنَمُ ضَأْنُهَا وَمَعْزُهَا صِنْفٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا صِنْفَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا فِي الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ فَقَالَ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فَرَّقَ بَيْن الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، فَقَالَ ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 144] . وَالْوَحْشُ أَصْنَافٌ؛ بَقَرُهَا صِنْفٌ، وَغَنَمُهَا صِنْفٌ، وَظِبَاؤُهَا صِنْفٌ، وَكُلُّ مَالَهُ اسْمٌ يَخُصُّهُ فَهُوَ صِنْفٌ.
وَالطُّيُورُ أَصْنَافٌ، كُلُّ مَا انْفَرَدَ بِاسْمٍ وَصِفَةٍ فَهُوَ صِنْفٌ، فَيُبَاعُ لَحْمُ صِنْفٍ بِلَحْمِ صِنْفٍ آخَرَ، مُتَفَاضِلًا وَمُتَمَاثِلًا، وَيُبَاعُ بِصِفَةٍ مُتَمَاثِلًا، وَمَنْ جَعَلَهَا صِنْفًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ، إلَّا مُتَمَاثِلًا.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ]
(2828) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا.
وَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ) اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، إلَّا فِي حَالِ جَفَافِهِ وَذَهَابِ رُطُوبَتِهِ كُلِّهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ فِي " شَرْحِهِ " إلَى هَذَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَذْهَبُ: جَوَازُ بَيْعِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ، فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ يُنَبِّهُ عَلَى إبَاحَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ، مِنْ حَيْثُ كَانَ اللَّحْمُ، حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ، فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ دُونَ حَالِ يُبْسِهِ، فَجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ بِخِلَافِ الرُّطَبِ؛ فَإِنَّ حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ فِي حَالِ يُبْسِهِ، فَإِذَا جَازَ فِيهِ الْبَيْعُ، فَفِي اللَّحْمِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ التَّمَاثُلَ فِيهِمَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ، فَجَازَ كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ.
فَأَمَّا بَيْعُ رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ، أَوْ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ أَوْ مَشْوِيِّهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ؛ لِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي الثَّانِي، فَلَمْ يَجُزْ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.
(2829) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ الْعِظَامِ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَسَلِ بِالْعَسَلِ إلَّا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ مِنْ غَيْرِ نَزْعِ عِظَامِهِ وَلَا جَفَافِهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذَا صَارَ إلَى الْوَزْنِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، رِطْلًا بِرِطْلٍ.
فَأَطْلَقَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَظْمَ تَابِعٌ لِلَّحْمِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ نَزْعَهُ، كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ.
وَفَارَقَ الْعَسَلَ، مِنْ حَيْثُ إنَّ اخْتِلَاطَ الشَّمْعِ بِالْعَسَلِ مِنْ فِعْلِ النَّحْلِ، لَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفَاضِلًا]
(2830) فَصْلٌ: وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ جِنْسَانِ.
وَالْكَبِدُ صِنْفٌ.
وَالطِّحَالُ صِنْفٌ.
وَالْقَلْبُ صِنْفٌ، وَالْمُخُّ صِنْفٌ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفَاضِلًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّحْمِ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَتَمَاثَلَا.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، إبَاحَةُ الْبَيْعِ فِيهِمَا مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَجَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ لِكَوْنِ اللَّحْمِ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ لَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَلَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ، وَلَوْ مَنَعَ لِذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ؛ لِاشْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ.
ثُمَّ لَا يَصِحُّ هَذَا عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ السَّمِينَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ اللَّحْمِ لَحْمٌ عِنْدَهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ اللَّحْمِ عَلَى الشَّحْمِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ اللَّحْمَ الْأَبْيَضَ الَّذِي عَلَى ظَاهِرِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ، هُوَ وَالْأَحْمَرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْأَلْيَةَ وَالشَّحْمَ جِنْسَانِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ خِلَافُ هَذَا؛ لِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا شَحْمًا لَمْ يَخْتَلِطْ لَحْمٌ بِشَحْمِ، فَعَلَى قَوْلِهِ، كُلُّ أَبْيَضَ فِي الْحَيَوَانِ يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَيَصِيرُ دُهْنًا، فَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] . فَاسْتَثْنَى مَا حَمَلَتْ الظُّهُورُ مِنْ الشَّحْمِ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي ذَوْبِهِ وَلَوْنِهِ وَمَقْصِدِهِ، فَكَانَ شَحْمًا، كَاَلَّذِي فِي الْبَطْنِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ اللَّبَنِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا]
(2831) فَصْلٌ: وَفِي اللَّبَنِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي اللَّحْمِ.
وَالثَّانِيَةُ، هُوَ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ كَاللَّحْمِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ الْبَقَرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهُمَا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا جِنْسَانِ، فَكَانَ لَبَنُهُمَا جِنْسَيْنِ، كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مُتَفَاضِلًا، وَكَيْفَ شَاءَ، يَدًا بِيَدٍ، وَبِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَكِيلٌ لَا يُبَاعُ إلَّا بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِيهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا حَلِيبَيْنِ أَوْ حَامِضَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَلِيبٌ، وَالْآخَرُ حَامِضٌ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ، كَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ.
وَإِنْ شَيْب أَحَدُهُمَا بِمَاءِ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِخَالِصٍ وَلَا بِمَشُوبٍ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ]
فَصْلٌ: وَيَتَفَرَّعُ مِنْ اللَّبَنِ قِسْمَانِ؛ مَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ كَالزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ، وَالْمَخِيضِ، وَاللِّبَأِ.
وَمَا فِيهِ غَيْرُهُ.
وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ اللَّبَنِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، كَالْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ، وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهِ بِهِ مُتَفَاضِلًا، وَمَنْعَ جَوَازِهِ مُتَمَاثِلًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَخْرُجُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ إذَا دَخَلَهُمَا الرِّبَا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ
دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وَكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِرِوَايَاتٍ أُخَرَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا رِوَايَةً، كَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِغَيْرِهَا، لَكِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَالْحُكْمُ فِي السَّمْنِ كَالْحُكْمِ فِي الزُّبْدِ.
وَأَمَّا اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ، فَلَا يَجُوزُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا اللَّبَنُ بِاللِّبَأِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، جَازَ مُتَمَاثِلًا؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ بِلَبَنٍ.
وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ لَمْ يَجُزْ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النَّارَ عَقَدَتْ أَجْزَاءَ أَحَدِهِمَا، وَذَهَبَتْ بِبَعْضٍ رُطُوبَتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، كَالْخُبْزِ بِالْعَجِينِ، وَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا بَيْعُ النَّوْعِ مِنْ فُرُوعِ اللَّبَنِ بِنَوْعِهِ، فَمَا فِيهِ خَلْطٌ مِنْ غَيْرِ اللَّبَنِ، كَالْكُشْكِ وَالْكَامَخِ، وَنَحْوِهِمَا، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِغَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، أَوْ فِيهِ غَيْرُهُ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ لِمَصْلَحَتِهِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إذَا تَسَاوَيَا فِي النَّشَافَةِ وَالرُّطُوبَةِ، فَيَبِيعُ الْمَخِيضَ بِالْمَخِيضِ، وَاللِّبَأَ بِاللِّبَأِ، وَالْجُبْنَ بِالْجُبْنِ، وَالْمَصْلَ بِالْمَصْلِ، وَالْأَقِطَ بِالْأَقِطِ، وَالزُّبْدَ بِالزُّبْدِ، وَالسَّمْنَ بِالسَّمْنِ، مُتَسَاوِيًا.
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْأَقِطِ بِالْأَقِطِ بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ بِالصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْمَكِيلَاتِ، وَكَذَلِكَ الْمَصْلُ وَالْمَخِيضُ.
وَيُبَاعُ الْخُبْزُ بِالْخُبْزِ بِالْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْخُبْزَ.
وَكَذَلِكَ الزُّبْدُ وَالسَّمْنُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُبَاعَ السَّمْنُ بِالْكَيْلِ.
وَلَا يُبَاعُ نَاشِفٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبٍ، كَمَا لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يُبَاعَ رَطْبٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبِ كَاللَّحْمِ.
وَأَمَّا بَيْعُ مَا نُزِعَ مِنْ اللَّبَنِ بِنَوْعٍ آخَرَ، كَالزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ، وَالْمَخِيضِ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ بِالْمَخِيضِ، مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، أَشْبَهَا اللَّحْمَ بِالشَّحْمِ.
وَمِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الزُّبْدِ بِالْمَخِيضِ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَلِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَهُوَ يَسِيرٌ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ.
وَبَيْعُ السَّمْنِ بِالْمَخِيضِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ لِخُلُوِّ السَّمْنِ مِنْ الْمَخِيضِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ؛ لِأَنَّ فِي الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، وَلَا شَيْءَ فِي السَّمْنِ، فَيَخْتَلُّ التَّمَاثُلُ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ الزُّبْدِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، كَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي يَجُوزُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُهُ بِالْمَخِيضِ وَبِزُبْدٍ مِثْلِهِ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ وَاجِبٌ بَيْنَهُمَا، وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِوُجُودِ اللَّبَنِ فِيهِ، يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، كَتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ نَوَاهُ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِرُطُوبَةٍ لَا تُوجَدُ فِي الْآخَرِ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ، وَالْعِنَبَ بِالزَّبِيبِ، وَكُلَّ
رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْمَخِيضِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّبَنِ، كَالْجُبْنِ وَاللِّبَأِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ اللَّبَنِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِهَا.
وَأَمَّا بَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ رُطُوبَتِهِمَا، أَوْ رُطُوبَةِ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.
وَإِنْ كَانَا يَابِسَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجُبْنَ مَوْزُونٌ وَالْأَقِطَ مَكِيلٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَالْخُبْزِ بِالدَّقِيقِ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ، إذَا تَمَاثَلَا، كَبَيْعِ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ]
(2833) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانِ مُعَدِّ لِلَّحْمِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِمَا لَا رِبَا فِيهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالدَّرَاهِمِ، أَوْ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ» . ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ فَقَالَ: أَعْطُونِي جُزْءًا بِهَذَا الْعَنَاقِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصْلُحُ هَذَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْت يَنْهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ.
وَلِأَنَّ اللَّحْمَ نَوْعٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ، فَقَالَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ» . وَاخْتَارَ الْقَاضِي جَوَازَهُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ بِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَبِأَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَمِنْ أَجَازَهُ قَالَ: مَالُ الرِّبَا بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ وَلَا جِنْسِهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالْأَثْمَانِ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، جَازَ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ]
(2834) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، كَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ، وَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ، وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ بِأُصُولِهَا، وَالْعَصِيرِ بِأَصْلِهِ، كَعَصِيرِ الْعِنَبِ، وَالرُّمَّانِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَقَصَبِ السُّكَّرِ، لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِأَصْلِهِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخْتَلِفٌ، وَالْمَعْنَى