باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مَسْأَلَة اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَطَافَ وَسَعَى ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ]
[الْفَصْل الْأَوَّل وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فِي الْجُمْلَةِ]
(2598) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَطَافَ وَسَعَى، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمٌ) (2599) فَصْلٌ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ: أَحَدُهَا، وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَفَرَغَ مِنْهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إنْ وَجَدَ، وَإِلَّا فَالصِّيَامُ.
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَيُهْدِي، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: «كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فِيهَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ.
فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْته عَنْ الْهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ مِنْ دَمٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالدَّمُ الْوَاجِبُ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ، فَإِنْ نَحَرَ بَدَنَةً، أَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ إلَّا بَدَنَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَمَتَّعَ، سَاقَ بَدَنَةً.
وَهَذَا تَرْكٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وَاطِّرَاحٌ لِلْآثَارِ الثَّابِتَةِ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ إهْدَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبَدَنَةِ لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَ مَا دُونَهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبَدَنَةُ الَّتِي يَذْبَحُهَا عَلَى صِفَةِ بُدْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُفْرِدًا فِي حَجَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ ذَهَبُوا إلَى تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَوْقُهُ لِلْبُدْنِ دَلِيلًا لَهُمْ فِي التَّمَتُّعِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الدَّمُ عَلَى الْمُتَمَتِّع]
(2600) الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي الشُّرُوطِ الَّتِي يَجِبُ الدَّمُ عَلَى مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ؛ الْأَوَّلُ، أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَفْعَالُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، سُئِلَ عَمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ قَدِمَ فِي شَوَّالٍ، أَيَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي شَوَّالٍ، أَوْ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؟ فَقَالَ: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَذَكَرَ إسْنَادَهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدَ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ امْرَأَةٍ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا عُمْرَةً فِي شَهْرٍ مُسَمًّى، ثُمَّ تَحِلُّ إلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَحِيضُ؟ قَالَ:
لِتَخْرُجْ، ثُمَّ لِتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَجَعَلَ عُمْرَتَهَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّتْ فِيهِ، لَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عُمْرَةً، وَحَلَّ مِنْهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَيْنِ شَاذِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا اعْتَمَرْت فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَمْت حَتَّى الْحَجِّ، فَأَنْتَ مُتَمَتِّعٌ.
وَالثَّانِي عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَ النَّحْرِ، فَهِيَ مُتْعَةٌ.
قَالَ: ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَذَهَبَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
وَنُقِلَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي عِيَاضٍ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْحَرَمَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَطُوفُ فِيهِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَإِنْ طَافَ الْأَرْبَعَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ صَحَّتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ أَفْسَدَهَا، أَشْبَهَ إذَا أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَا عَنْ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ لَا تَتِمُّ الْعُمْرَةُ إلَّا بِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، كَمَا لَوْ طَافَ.
وَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ.
الثَّانِي، أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، فَإِنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَحُجَّ ذَلِكَ الْعَامَ، بَلْ حَجَّ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا قَوْلًا شَاذًّا عَنْ الْحَسَنِ، فِي مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]
وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّبَاعُدِ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ.
الثَّالِثُ، أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْمُغِيرَةِ الْمَدِينِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ، بَطَلَتْ مُتْعَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ، أَوْ إلَى غَيْرِهِ أَبْعَدَ مِنْ مِصْرِهِ، بَطَلَتْ مُتْعَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] . وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ.
فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ مَا دُونَهُ، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ، فَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، كَمَوْضِعِ الْوِفَاقِ.
وَالْآيَةُ تَنَاوَلَتْ الْمُتَمَتِّعَ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ.
الرَّابِعُ، أَنْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَإِنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْهَا، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِينَ كَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَهَذَا يَصِيرُ قَارِنًا، وَلَا يَلْزَمُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اُنْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ.
قَالَتْ: فَفَعَلْت، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْت مَعَهُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِك.
قَالَ عُرْوَةُ: فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِلْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَارِنًا، وَتَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ.
وَقَوْلُ عُرْوَةَ: لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ.
يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَدْيٌ لِلْمُتْعَةِ، إذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ.
الْخَامِسُ، أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ لَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إذْ قَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] . وَلِأَنَّ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّرَفُّهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُفْرِدَ.
[فَصْل حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَهْلُ الْحَرَمِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ]
(2601) فَصْلٌ: (وَحَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَهْلُ مَكَّةَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَهْلُ الْحَرَمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ شُرِعَ فِيهِ النُّسُكُ، فَأَشْبَهَ الْحَرَمَ.
وَلَنَا، أَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ دَنَا مِنْهُ، وَمَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَرِيبٌ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا قَصَدَهُ لَا يَتَرَخَّصُ رُخَصَ السَّفَرِ، فَيَكُونُ مِنْ حَاضِرِيهِ.
وَتَحْدِيدُهُ بِالْمِيقَاتِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَعِيدًا، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ الْبَعِيدِ إذَا قَصَدَهُ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى جَعْلِ الْبَعِيدِ مِنْ حَاضِرِيهِ، وَالْقَرِيبِ
مِنْ غَيْرِ حَاضِرِيهِ، فِي الْمَوَاقِيتِ قَرِيبًا وَبَعِيدًا.
وَاعْتِبَارُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَدَّ الْحَاضِرَ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، بِنَفْيِ أَحْكَامِ الْمُسَافِرِينَ عَنْهُ، فَالِاعْتِبَارُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِبَارِ بِالنُّسُكِ؛ لِوُجُودِ لَفْظِ الْحُضُورِ فِي الْآيَةِ.
[فَصْل إذَا كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ قَرْيَتَانِ قَرِيبَةٌ وَبَعِيدَةٌ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ]
(2602) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ قَرْيَتَانِ؛ قَرِيبَةٌ، وَبَعِيدَةٌ، فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ قَرِيبًا فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الشَّرْطُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْقَرِيبَةِ، فَلَمْ يَكُنْ بِالتَّمَتُّعِ مُتَرَفِّهًا بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ حُكْمُ الْقَرْيَةِ الَّتِي يُقِيمُ بِهَا أَكْثَرِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمِنْ الَّتِي مَالُهُ بِهَا أَكْثَرُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمِنْ الَّتِي يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِهَا أَكْثَرَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا حُكِمَ لِلْقَرْيَةِ الَّتِي أَحْرَمَ مِنْهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ لِمَا قُلْنَاهُ.
[فَصْل دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا بَعْد تَمَتُّعِهِ]
(2603) فَصْلٌ: فَإِذَا دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ، مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا بَعْدَ تَمَتُّعِهِ، فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَنْشَؤُهُ وَمَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ عَنْهَا مُتَنَقِّلًا مُقِيمًا بِغَيْرِهَا، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا، أَوْ غَيْرَ نَاوٍ لِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا.
وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَفِعْلِهَا، وَهَذَا إنَّمَا نَوَى الْإِقَامَةَ إذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ، فَهُوَ نَاوٍ لِلْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الدَّمُ.
فَأَمَّا إنْ خَرَجَ الْمَكِّيُّ مُسَافِرًا غَيْرَ مُتَنَقِّلٍ، ثُمَّ عَادَ فَاعْتَمَرَ مِنْ الْمِيقَاتِ، أَوْ قَصَّرَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا السَّفَرِ عَنْ كَوْنِ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
(2604) فَصْلٌ: وَهَذَا الشَّرْطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا؛ فَإِنَّ مُتْعَةَ الْمَكِّيِّ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، فَصَحَّ مِنْ الْمَكِّيِّ، كَالنُّسُكَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ هُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجَّ، ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ.
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَكِّيِّ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ.
وَمَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَمُ مُتْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَهُ لَا عَلَيْهِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْل تَرَكَ الْآفَاقِيُّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ]
(2605) فَصْلٌ: إذَا تَرَكَ الْآفَاقِيُّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، أَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ عَامِهِ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَدَمٌ لِإِحْرَامِهِ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ
عَبْدِ الْبَرَّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، وَحَلَّ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَلَالًا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ، حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَامِ.
وَلَيْسَ هَذَا بِجَيِّدٍ؛ فَإِنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِقَامَةِ بِهِ، وَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْإِقَامَةُ، وَلَا نِيَّتُهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ مِنْ الدَّمِ السُّكْنَى بِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَاكِنٍ؛ وَإِنْ أَحْرَمَ الْآفَاقِيُّ بِعُمْرَةٍ، فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ، فَاعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَفِي تَنْصِيصِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِ الدَّمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ، أَنْ يَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ.
وَظَاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُشْتَرَطٍ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّرَفُّهُ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَمَنْ لَمْ يَنْوِ.
[الْفَصْل الثَّالِث فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْهَدْيِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَوَقْتِ ذَبْحِهِ]
(2606) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْهَدْيِ، وَوَقْتِ ذَبْحِهِ.
أَمَّا وَقْتُ وُجُوبِهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] .
وَهَذَا قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ مَا جُعِلَ غَايَةً، فَوُجُودُ أَوَّلِهِ كَافٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] . وَلِأَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ أَوْ تَحَلَّلَ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِ الْحَجِّ مِنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْوُقُوفِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» . وَلِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَعْرِضُ الْفَوَاتُ، فَلَا يَحْصُلُ التَّمَتُّعُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أُحْصِرَ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَلَا كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَلَوْ وَجَبَ الدَّمُ لَمَا سَقَطَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجِبُ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، قَالَ: يَجِبُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ ذَبْحِهِ، فَكَانَ وَقْتَ وُجُوبِهِ.
فَأَمَّا وَقْتُ إخْرَاجِهِ فَيَوْمُ النَّحْرِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةَ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ، كَقَبْلِ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَمِعْت أَحْمَدْ، قَالَ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ وَمَعَهُ هَدْيٌ.
قَالَ: يَنْحَرُ بِمَكَّةَ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحَرَهُ، لَا يَضِيعُ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسْرَقُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ.
وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ، لَمْ يَنْحَرْهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ بِمِنًى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ قَدِمُوا فِي الْعَشْرِ، فَلَمْ يَنْحَرُوا حَتَّى نَحَرُوا بِمِنًى.
وَمَنْ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ نَحَرَهُ عَنْ عُمْرَتِهِ، وَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ، وَكَانَ قَارِنًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ نَحْرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ
بِالْحَجِّ.
قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ، بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ الْعُمْرَةِ، احْتِمَالَانِ؛ وَوَجْهُ جَوَازِهِ أَنَّهُ دَمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِحْرَامِ، وَيَنُوبُ عَنْهُ الصِّيَامُ، فَجَازَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، كَدَمِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَجَازَ أَدَاؤُهُ قَبْلَهُ، كَسَائِرِ الْفِدْيَاتِ.
[مَسْأَلَة الْمُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِد الْهَدْيَ يَنْتَقِلُ إلَى الصِّيَام]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَكُونُ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، فِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ، يَنْتَقِلُ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ.
وَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ فِي مَوْضِعِهِ، فَمَتَى عَدِمَهُ فِي مَوْضِعِهِ جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُوَقَّتٌ، وَمَا كَانَ وُجُوبُهُ مُوَقَّتًا اُعْتُبِرَتْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ، كَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، إذَا عَدِمَهُ فِي مَكَانِهِ انْتَقَلَ إلَى التُّرَابِ.
[فَصْل لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ وَقْتَانِ وَقْتُ جَوَازٍ وَوَقْتُ اسْتِحْبَابٍ]
(2608) فَصْلٌ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ وَقْتَانِ؛ وَقْتُ جَوَازٍ، وَوَقْتُ اسْتِحْبَابٍ.
فَأَمَّا وَقْتُ الثَّلَاثَةِ، فَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ لَهَا أَنْ يَصُومَهَا مَا بَيْنَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَيَكُونُ آخِرُ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ.
قَالَ طَاوُسٌ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرَوَى ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، أَنْ يَصُومُهُنَّ مَا بَيْنَ إهْلَالِهِ بِالْحَجِّ وَيَوْمِ عَرَفَةَ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي، فِي " الْمُحَرَّرِ ". وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ الَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ يَكُونُ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا أَحْبَبْنَا لَهُ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ هَاهُنَا، لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ لِيَصُومَهَا فِي الْحَجِّ، وَإِنْ صَامَ مِنْهَا شَيْئًا قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ جَازَ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا وَقْتُ جَوَازِ صَوْمِهَا فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ الْحَجِّ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] . وَلِأَنَّهُ صِيَامٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ، كَسَائِرِ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ.
وَلِأَنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْمُبْدَلُ، فَلَمْ يَجُزْ الْبَدَلُ، كَقَبْلِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَصُومُهُنَّ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ.
وَلَنَا، أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ أَحَدُ إحْرَامَيْ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ الصَّوْمُ بَعْدَهُ، كَإِحْرَامِ الْحَجِّ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] . فَقِيلَ: مَعْنَاهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ، إذْ كَانَ الْحَجُّ
أَفْعَالًا لَا يُصَامُ فِيهَا، إنَّمَا يُصَامُ فِي وَقْتِهَا، أَوْ فِي أَشْهُرِهَا.
فَهُوَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] .
وَأَمَّا تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَيَجُوزُ إذَا وُجِدَ السَّبَبُ، كَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ، وَزُهُوقِ النَّفْسِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ بَدَلًا، فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْمُبْدَلِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةً فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْهَدْيِ عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ، فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ.
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الصَّوْمِ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ.
وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِجَوَازِهِ، إلَّا رِوَايَةً حَكَاهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ الصَّوْمُ عَلَى سَبَبِهِ وَوُجُوبِهِ، وَيُخَالِفُ قَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَأَحْمَدُ يُنَزَّهُ عَنْ هَذَا.
وَأَمَّا السَّبْعَةُ، فَلَهَا أَيْضًا وَقْتَانِ؛ وَقْتُ اخْتِيَارٍ، وَوَقْتُ جَوَازٍ.
أَمَّا وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، فَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ، فَمُنْذُ تَمْضِي أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَحْمَدُ، هَلْ يَصُومُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: كَيْفَ شَاءَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ: يَصُومُهَا فِي الطَّرِيقِ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَصُومُهَا إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ؛ لِلْخَبَرِ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ عَنْهُ كَقَوْلِنَا، وَكَقَوْلِ إِسْحَاقَ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ لَزِمَهُ، وَجَازَ فِي وَطَنِهِ، جَازَ قَبْلَ ذَلِكَ، كَسَائِرِ الْفُرُوضِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ قَبْلَهُ، كَتَأْخِيرِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ.
(2609) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا وَلَا تَفْرِيقًا.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمَا.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
[مَسْأَلَة إنْ لَمْ يَصُمْ الْمُتَمَتِّع قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ]
(2610) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ، إذَا لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَصُومُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ: إذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ فِي الْعَشْرِ وَبَعْدَهُ، وَاسْتَقَرَّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] . وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مُوَقَّتٌ، فَيَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، كَالْجُمُعَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ، لَا عَلَى
سُقُوطِهِ، وَالْقِيَاسُ مُنْتَقَضٌ بِصَوْمِ الظِّهَارِ إذَا قُدِّمَ الْمَسِيسُ عَلَيْهِ، وَالْجُمُعَةُ لَيْسَتْ بَدَلًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِأَنَّ الْوَقْتَ جُعِلَ شَرْطًا لَهَا كَالْجَمَاعَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، قَالَا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى تَرْخِيصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِصِيَامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ إلَّا هَذِهِ الْأَيَّامُ، فَيَتَعَيَّنُ الصَّوْمُ فِيهَا.
فَإِذَا صَامَ هَذِهِ الْأَيَّامَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ صَامَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ، ذَكَرَ مِنْهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» . وَلِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ فِيهَا صَوْمُ النَّفْلِ، فَلَا يَصُومُهَا عَنْ الْهَدْيِ، كَيَوْمِ النَّحْرِ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا: يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى فَلَمْ يَصُمْهَا.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ، فَعَنْهُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْوَاجِبَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ عَنْ وَقْتِهِ، فَلَزِمَهُ دَمٌ، كَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَخِّرِ لِعُذْرٍ، أَوْ لِغَيْرِهِ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي هُوَ الْمُبْدَلَ، لَوْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، لَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِهِ، فَالْبَدَلُ أَوْلَى.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، يَجِبُ الْقَضَاءُ بِفَوَاتِهِ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ.
فَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِب، إذَا أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، مِثْلُ أَنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاؤُهُ، كَسَائِرِ الْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ.
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاؤُهُ، كَسَائِرِ الْهَدَايَا.
وَالْأُخْرَى، عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ مُؤَقَّتٌ، فَلَزِمَ الدَّمُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، كَرَمْيِ الْجِمَارِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ تَمَتَّعَ، فَلَمْ يُهْدِ إلَى قَابِلٍ، يُهْدِي هُدَيَيْنِ.
كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
[فَصْل إذَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الثَّلَاثَة وَالسَّبْعَةِ]
(2611) فَصْلٌ: وَإِذَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ.
وَقَالَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ، وَمَا وَجَبَ التَّفْرِيقُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ، لَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، كَأَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فِي زَمَنٍ يَصِحُّ الصَّوْمُ فِيهِ، فَلَمْ يَجِبْ تَفْرِيقُهُ، كَسَائِرِ الصَّوْمِ.
وَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي الْأَدَاءِ، فَإِنَّهُ إذَا صَامَ أَيَّامَ مِنًى، وَأَتْبَعَهَا السَّبْعَةَ، فَمَا حَصَلَ التَّفْرِيقُ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي الْأَدَاءِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ سَقَطَ، كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.
[فَصْل وَقْتَ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُتَمَتِّع]
(2612) فَصْلٌ: وَوَقْتُ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَقْتُ وُجُوبِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَكَانَ وَقْتُ وُجُوبِهِ وَقْتَ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ الِانْتِقَالَ إلَى الصَّوْمِ قَبْلَ زَمَانِ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْعَجْزُ عَنْ الْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْمُجَوَّزُ لِلِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ زَمَنَ الْوُجُوبِ، وَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ الصَّوْمَ قَبْلَ وُجُوبِهِ؟ قُلْنَا: إنَّا جَوَّزْنَا لَهُ الِانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ، بِنَاءً عَلَى الْعَجْزِ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُعَسِّر اسْتِمْرَارُ إعْسَارِهِ وَعَجْزِهِ، كَمَا جَوَّزْنَا التَّكْفِيرَ بِالْبَدَلِ قَبْلَ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ.
وَأَمَّا تَجْوِيزُ الصَّوْمِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَة دَخَلَ فِي الصِّيَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ]
(2613) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ دَخَلَ فِي الصِّيَامِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْهَدْيِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ) وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ: إنْ أَيْسَرَ قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ الثَّلَاثَةُ، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ أَكْمَلَ الثَّلَاثَةَ صَامَ السَّبْعَةَ.
وَقِيلَ: مَتَى قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، انْتَقَلَ إلَيْهِ، صَامَ أَوْ لَمْ يَصُمْ.
وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ، قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ فِي زَمَنِ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ الْبَدَلُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصُمْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ صَوْمٌ دَخَلَ فِيهِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، كَصَوْمِ السَّبْعَةِ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ مَا شُرِعَ فِي الصِّيَامِ.
[فَصْل وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَمْ يَشْرَعْ حَتَّى قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ]
(2614) فَصْلٌ: وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَلَمْ يَشْرَعْ حَتَّى قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: إذَا لَمْ يَصُمْ فِي الْحَجِّ فَلْيَصُمْ إذَا رَجَعَ.
وَلَا يَرْجِعُ إلَى الدَّمِ، وَقَدْ انْتَقَلَ فَرْضُهُ إلَى الصِّيَامِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصِّيَامَ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ، لِوُجُوبِهِ حَالَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُتَّصِلِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ عَدَمُ الْهَدْيِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ.
قَالَ يَعْقُوبُ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ إذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ هَدْيَانِ، يَبْعَثُ بِهِمَا إلَى مَكَّةَ.
أُوجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيَ الْأَصْلِيَّ، وَهَدْيًا لِتَأْخِيرِهِ الصَّوْمَ عَنْ وَقْتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْبَدَلِ، فَلَزِمَهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ.
[فَصْل لَزِمَهُ صَوْمُ الْمُتْعَةِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ لِعُذْرِ مَنَعَهُ عَنْ الصَّوْمَ]
(2615) فَصْلٌ: وَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ الْمُتْعَةِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ لِعُذْرٍ مَنَعَهُ عَنْ الصَّوْمَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَطْعَمَ عَنْهُ، كَمَا يُطْعِمُ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ رَمَضَانَ.
وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، أَشْبَهَ صَوْمَ رَمَضَانَ.
[مَسْأَلَة الْمَرْأَةُ إذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجَّ]
(2616) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ إذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَحَاضَتْ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجَّ، أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، وَكَانَتْ قَارِنَةً، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ الْقُدُومِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَةَ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ لِلْعُمْرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهَا مَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ.
فَإِنْ خَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهَا، وَتَصِيرُ قَارِنَةً.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَرْفُضُ الْعُمْرَةَ، وَتُهِلُّ بِالْحَجِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ رَفَضَتْ الْعُمْرَةَ فَصَارَ حَجًّا، وَمَا قَالَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اُنْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ.
قَالَتْ: فَفَعَلْت.
فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْت مَعَهُ.
فَقَالَ: هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا رَفَضَتْ عُمْرَتهَا، وَأَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهَا، قَوْلُهُ: " دَعِي عُمْرَتَك ". وَالثَّانِي، قَوْلُهُ: " وَامْتَشِطِي ". وَالثَّالِثُ، قَوْله: " هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِك ". وَلَنَا، مَا رَوَى «جَابِرٌ، قَالَ: أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إذَا كَانَتْ بِسَرِفٍ عَرَكَتْ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: مَا شَأْنُك؟ قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْت، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحِلَّ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ الْآنَ.
فَقَالَ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إذَا طَهُرَتْ، طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
ثُمَّ قَالَ: قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك.
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه، إنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْت.
قَالَ: فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ» .
وَرَوَى طَاوُسٌ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّهَا قَالَتْ: أَهْلَلْت بِعُمْرَةِ، فَقَدِمْت وَلَمْ أَطُفْ حَتَّى حِضْت، وَنَسَكْت الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهْلَلْت بِالْحَجِّ.
فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّفْرِ: يَسَعُك طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك.
فَأَبَتْ، فَبَعَثَ مَعَهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
وَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا جَمِيعَهُ وَلِأَنَّ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ، فَمَعَ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ لِمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا
الْحَجَّ، مَا لَمْ يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، وَمَعَ إمْكَانِ الْحَجِّ مَعَ بَقَاءِ الْعُمْرَةِ لَا يَجُوزُ رَفْضُهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] . وَلِأَنَّهَا مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ إتْمَامِ عُمْرَتِهَا بِلَا ضَرَرٍ، فَلَمْ يَجُزْ رَفْضُهَا، كَغَيْرِ الْحَائِضِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " اُنْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَدَعِي الْعُمْرَةَ ". انْفَرَدَ بِهِ عُرْوَةُ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَالْقَاسِمِ، وَالْأَسْوَدِ، وَعَمْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ، وَطَاوُسٍ مُخَالِفَانِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ.
وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، حَدِيثَ حَيْضِهَا، فَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: " دَعِي الْعُمْرَة، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُخَالَفَتِهِ بَقِيَّةَ الرُّوَاةِ، يَدُلُّ عَلَى الْوَهْمِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا الْكِتَابَ وَالْأُصُولَ، إذْ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فِيهِ رَفْضُ الْعُمْرَةِ مَعَ إمْكَانِ إتْمَامِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: " دَعِي الْعُمْرَةَ ". أَيْ دَعِيهَا بِحَالِهَا، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ مَعَهَا، أَوْ دَعِي أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ.
وَأَمَّا إعْمَارُهَا مِنْ التَّنْعِيمِ، فَلَمْ يَأْمُرْهَا بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْت.
قَالَ: " فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ ". وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قُلْت: اعْتَمَرْت بَعْدَ الْحَجِّ؟ قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا كَانَتْ عُمْرَةً، مَا كَانَتْ إلَّا زِيَارَةً زُرْت الْبَيْتَ، إنَّمَا هِيَ مِثْلُ نَفَقَتِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا أَعْمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ حِينَ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وَأَرْجِعُ بِنُسُكٍ، فَقَالَ: " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَعْمِرْهَا ". فَنَظَرَ إلَى أَدْنَى الْحَرَمِ، فَأَعْمَرَهَا مِنْهُ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ الْقُدُومِ ". وَذَلِكَ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ سُنَّةٌ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ بِقَضَائِهِ، وَلَا فَعَلَتْهُ هِيَ.
[فَصْل كُلُّ مُتَمَتِّعٍ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَيَصِيرُ قَارِنًا]
(2617) فَصْلٌ: وَكُلُّ مُتَمَتِّعٍ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَيَصِيرُ قَارِنًا، وَكَذَلِكَ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ، بَلْ يُهِلُّ بِالْحَجِّ مَعَهَا، فَيَصِيرُ قَارِنًا.
وَلَوْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْفَوَاتِ، جَازَ، وَكَانَ قَارِنًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَمَّا بَعْدَ الطَّوَافِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَصِيرُ قَارِنًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَصِيرُ قَارِنًا.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ، فَصَحَّ، كَمَا قَبْلَ الطَّوَافِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَارِعٌ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
[فَصْل إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ]
(2618) فَصْلٌ: فَأَمَّا إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَغَيْرُ جَائِزٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَصِرْ قَارِنًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ، وَيَصِيرُ قَارِنًا؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَجَازَ إدْخَالُهُ عَلَى الْآخَرِ، قِيَاسًا عَلَى إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْت أُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَلِيٌّ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا، فَأَهْلَلْت بِالْحَجِّ، ثُمَّ خَرَجْت، فَأَدْرَكْت عَلِيًّا فِي الطَّرِيقِ، وَهُوَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقُلْت: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إنَّمَا خَرَجْت مِنْ الْكُوفَةِ لِأَقْتَدِيَ بِك، وَقَدْ سَبَقْتنِي، فَأَهْلَلْت بِالْحَجِّ، أَفَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَك فِيمَا أَنْتَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا ذَلِكَ لَوْ كُنْت أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ.
وَلِأَنَّ إدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لَا يُفِيدُهُ إلَّا مَا أَفَادَهُ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ ثَانِيًا فِي الْمُدَّةِ، وَعَكْسُهُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ.
[مَسْأَلَة الْوَطْء قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ]
(2619) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُمَا، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا، وَلَا دَمَ عَلَيْهَا) (2620) وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . وَلِأَنَّهُ أَمِنَ الْفَوَاتَ، فَأَمِنَ الْفَسَادَ، كَمَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ.
وَلَنَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، فَقَالَ: وَقَعْت بِأَهْلِي وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ.
فَقَالَا لَهُ: أَفْسَدْت حَجَّك.
وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا السَّائِلَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فَأَفْسَدَهُ، كَقَبْلِ الْوُقُوفِ، وَيُخَالِفُ مَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ غَيْرُ تَامٍّ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْخَبَرِ الْأَمْنُ مِنْ الْفَوَاتِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْنِ الْفَوَاتِ أَمْنُ الْفَسَادِ، وَبِدَلِيلِ الْعُمْرَةِ يَأْمَنُ فَوَاتَهَا وَلَا يَأْمَنُ فَسَادَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: إنَّ حَجَّهُ تَامٌّ.
غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، يَقُولُ: الْحَجُّ عَرَفَاتٌ، فَمَنْ وَقَفَ بِهَا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ.
وَإِنَّمَا هَذَا مِثْلُ قَوْل النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . أَيْ أَدْرَكَ فَضْلَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ تَفُتْهُ، كَذَلِكَ الْحَجُّ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ وُجِدَ مِنْهُمَا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّاسِي وَالْعَامِدُ، وَالْمُسْتَكْرَهَةُ وَالْمُطَاوِعَةُ، وَالْمُسْتَيْقِظَةُ، عَالِمًا كَانَ الرَّجُلُ أَوْ جَاهِلًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَفْسُدُ حَجُّ النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْقَضَاءَ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْأَحْوَالُ كُلُّهَا كَالْفَوَاتِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَفَسَدَ حَجُّهُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ.
(2621) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ الْوُقُوفِ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، فَلَمْ يُوجِبْ بَدَنَةً، كَالْفَوَاتِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِنَا، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا، فَأَوْجَبَ الْبَدَنَةَ، كَمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَلِأَنَّ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ الْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ، فَكَفَّارَتُهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَغْلَظَ.
وَأَمَّا الْفَوَاتُ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ بِهِ بَدَنَةً، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؟ الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهَا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَيْهَا دَمٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ حَجُّهَا، فَوَجَبَتْ الْبَدَنَةُ، كَمَا لَوْ طَاوَعَتْ.
وَلَنَا، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالْجِمَاعِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي الصَّوْمِ.
[فَصْل الْوَطْء قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ]
(2623) فَصْلٌ: وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ، فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ مَعَ الْقَضَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَبَدَنَةٌ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى طَوَافٍ وَسَعْيٍ، فَأَشْبَهَتْ الْحَجَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ كَقَوْلِنَا، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ.
وَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا وُقُوفَ فِيهَا، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا بَدَنَةٌ، كَمَا لَوْ قَرَنَهَا بِالْحَجِّ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ دُونَ الْحَجِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا دُونَ حُكْمِهِ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْحَجُّ.
وَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، فَاسْتَوَى فِيهِ مَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَبَعْدَهُ، كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فَأَفْسَدَهُ، كَمَا قَبْلَ الطَّوَافِ.
[فَصْل أَفْسَدَ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ نُسُكَهُمَا]
(2624) فَصْلٌ: إذَا أَفْسَدَ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ نُسُكَهُمَا، لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ عَنْهُمَا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّرَفُّهُ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا وَجَبَ فِي النُّسُكِ الصَّحِيحِ وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ، كَالْأَفْعَالِ، وَلِأَنَّهُ دَمٌ وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِفْسَادِ، كَالدَّمِ الْوَاجِبِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ.
[فَصْل أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ ثُمَّ قَضَى مُفْرِدًا]
(2625) فَصْلٌ: وَإِذَا أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ، ثُمَّ قَضَى مُفْرِدًا، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ دَمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْقَضَاءِ مَا يَجِبُ فِي الْأَدَاءِ، وَهَذَا كَانَ وَاجِبًا فِي الْأَدَاءِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ مَعَ الدَّمِ، فَإِذَا أَتَى بِهِمَا فَقَدْ أَتَى بِمَا هُوَ أَوْلَى، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، كَمَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ بِتَيَمُّمِ، فَقَضَى بِالْوُضُوءِ.
[مَسْأَلَة الْوَطْء بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ]
(2626) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَيَمْضِي إلَى التَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ؛ لِيَطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ (2627) : أَحَدُهَا، أَنَّ الْوَطْءَ بَعْدَ الْجَمْرَةِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ: عَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ صَادَفَ إحْرَامًا مِنْ الْحَجِّ، فَأَفْسَدَهُ، كَالْوَطْءِ قَبْلَ الرَّمْيِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَكَانَ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» . وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ: يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ.
وَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ.
وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ، فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا الْأَوَّلِ لَا يُفْسِدُهَا، كَبَعْدِ التَّسْلِيمَةِ الْأَوْلَى فِي الصَّلَاةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ شَاةٌ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَلَيْهِ بَدَنَةً.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي الْحَجِّ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، كَمَا قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُفْسِدْ، فَلَمْ يُوجِبْ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ.
وَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ خَفَّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ دُونَ مُوجِبِ الْإِحْرَامِ التَّامِّ.
(2629) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْحِلَّ.
وَبِذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: حَجُّهُ صَحِيحٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ؛ لِأَنَّهُ إحْرَامٌ لَا يَفْسُدُ جَمِيعُهُ، فَلَمْ يَفْسُدْ بَعْضُهُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا، فَأَفْسَدَهُ، كَالْإِحْرَامِ التَّامِّ، وَإِذَا فَسَدَ إحْرَامُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ، كَالْوُقُوفِ، وَيَلْزَمُهُ
الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلَّ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَلَوْ أَبَحْنَا لِهَذَا الْإِحْرَامَ مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا تَقَعُ فِي الْحَرَمِ، فَأَشْبَهَ الْمُعْتَمِرَ.
وَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ، طَافَ لِلزِّيَارَةِ، وَسَعَى إنْ كَانَ لَمْ يَسْعَ فِي حَجِّهِ.
وَإِنْ كَانَ سَعَى، طَافَ لِلزِّيَارَةِ، وَتَحَلَّلَ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ لِيَأْتِيَ بِهَا فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، أَنَّهُ يَعْتَمِرُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا أَيْضًا، وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقِيَّة، فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " يُحْرِمُ مِنْ التَّنْعِيمِ ". لَمْ يَذْكُرْهُ لِتَعْيِينِ الْإِحْرَامِ مِنْهُ، بَلْ لِأَنَّهُ حَلَّ، فَمَنْ أَحَلَّ وَأَحْرَمَ جَازَ كَالْمُعْتَمِرِ.
(2630) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَلَقَ وَمَنْ لَمْ يَحْلِقْ، فِي أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الرَّمْيِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ وَمَنْ سَمَّيْنَاهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، لِتَرْتِيبِهِمْ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْوَطْءِ بَعْدَ مُجَرَّدِ الرَّمْيِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ زَائِدٍ.
[فَصْلٌ طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَلَمْ يَرْمِ ثُمَّ وَطِئَ]
(2631) فَصْلٌ: فَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ، وَلَمْ يَرْمِ، ثُمَّ وَطِئَ، لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ تَمَّ أَرْكَانُهُ كُلُّهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ، فَإِنَّ الرَّمْيَ لَيْسَ بِرُكْنٍ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ قَبْلَ وُجُودِ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الطَّوَافِ.
[فَصْلٌ فَصْلٌ الْقَارِنُ إذَا وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَلَا عُمْرَتُهُ]
(2632) فَصْلٌ: وَالْقَارِنُ كَالْمُفْرِدِ؛ فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ، وَلَا عُمْرَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْحَجِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ قَارِنًا، وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ دُونَهَا، وَالْحَجُّ لَا يَفْسُدُ قَبْلَ الطَّوَافِ، كَذَلِكَ الْعُمْرَةُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الطَّوَافِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ: مَا عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُقَبِّلُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، قَدْ قَضَى الْمَنَاسِكَ.
فَعَلَى هَذَا، لَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ شَيْءٌ.
[مَسْأَلَة نَسِيَ الرَّمْيَ إلَى اللَّيْلِ]
(2633) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمُبَاحٌ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرُّعَاةِ، أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ) تُرْوَى هَذِهِ اللَّفْظَةُ: " الرُّعَاةُ " بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِثْبَاتِ الْهَاءِ، مِثْلُ الدُّعَاةِ وَالْقُضَاةِ.
وَالرِّعَاءُ، بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ مِنْ غَيْرِ هَاءٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: 23] . وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «أَرْخَصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا» . وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِهَؤُلَاءِ الرَّمْيُ بِاللَّيْلِ؛
لِأَنَّهُمْ يَشْتَغِلُونَ بِالنَّهَارِ بِرَعْيِ الْمَوَاشِي وَحِفْظِهَا، وَأَهْلُ السِّقَايَةِ هُمْ الَّذِينَ يَسْقُونَ مِنْ بِئْرِ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ، فَيَشْتَغِلُونَ بِسِقَايَتِهِمْ نَهَارًا، فَأُبِيحَ لَهُمْ الرَّمْيُ فِي وَقْتِ فَرَاغِهِمْ، تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ، فَيَجُوزُ لَهُمْ رَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ فِي اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، فَيَرْمُونَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي لَيْلَةِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَرَمْيُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي لَيْلَةِ الثَّانِي، وَرَمْيُ الثَّانِي فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ، وَالثَّالِثِ إذَا أَخَّرُوهُ إلَى الْغُرُوبِ سَقَطَ عَنْهُمْ، كَسُقُوطِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ.
قَالَ عَطَاءٌ: لَا يَرْمِي اللَّيْلَ إلَّا رِعَاءُ الْإِبِلِ، فَأَمَّا التُّجَّارُ فَلَا.
وَكَانَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، يَقُولُونَ: مَنْ نَسِيَ الرَّمْيَ إلَى اللَّيْلِ، رَمَى، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، مِنْ الرُّعَاةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ.
[مَسْأَلَة لِلرُّعَاةِ أَنْ يُؤَخِّرُوا الرَّمْيَ]
(2634) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمُبَاحٌ لِلرُّعَاةِ أَنْ يُؤَخِّرُوا الرَّمْيَ، فَيَقْضُوهُ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرُّعَاةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى، وَيُؤَخِّرُونَ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ عَنْ الرَّمِيَّيْنِ جَمِيعًا؛ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي الْمَبِيتِ وَالْإِقَامَةِ لِلرَّمْيِ.
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا.» قَالَ مَالِكٌ: ظَنَنْت أَنَّهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: رُخِّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرِّعَاءِ، وَأَهْلِ السِّقَايَةِ، أَنَّ الرِّعَاءَ إذَا قَامُوا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ لَزِمَهُمْ الْبَيْتُوتَةُ، وَأَهْلُ السِّقَايَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّعَاةَ إنَّمَا رَعْيُهُمْ بِالنَّهَارِ، فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْيِ، وَأَهْلُ السِّقَايَةِ يَشْتَغِلُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَافْتَرَقَا، وَصَارَ الرِّعَاءُ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ لِمَرَضِهِ، فَإِذَا حَضَرَهَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَالرِّعَاءُ أُبِيحَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لِأَجْلِ الرَّعْيِ، فَإِذَا فَاتَ وَقْتُهُ وَجَبَ الْمَبِيتُ.
[فَصْلٌ الْمَبِيت بِمِنِّي لِأَهْلِ الْأَعْذَار]
(2635) فَصْلٌ: وَأَهْلُ الْأَعْذَارِ مِنْ غَيْرِ الرِّعَاءِ، كَالْمَرْضَى، وَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ، وَنَحْوِهِمْ، كَالرِّعَاءِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِهَؤُلَاءِ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِمْ، أَوْ نَقُولُ: نَصَّ عَلَيْهِ لِمَعْنًى وُجِدَ فِي غَيْرِهِمْ، فَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِهِمْ.
[فَصْلٌ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ]
(2636) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ مَرِيضًا، أَوْ مَحْبُوسًا، أَوْ لَهُ عُذْرٌ، جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إذَا رُمِيَ عَنْهُ الْجِمَارُ، يَشْهَدُ هُوَ ذَاكَ أَوْ يَكُونُ فِي رَحْلِهِ؟ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَشْهَدَ ذَاكَ إنْ قَدَرَ حِينَ يُرْمَى عَنْهُ.
قُلْت: فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ، أَيَكُونُ فِي رَحْلِهِ وَيَرْمِي عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الْقَاضِي: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ الْحَصَى فِي يَدِ النَّائِبِ، لِيَكُونَ لَهُ عَمَلٌ فِي الرَّمْيِ.
وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ، لَمْ تَنْقَطِعْ النِّيَابَةُ، وَلِلنَّائِبِ الرَّمْيُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ اسْتَنَابَهُ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَتَحَرَّى الْمَرِيضُ حِينَ رَمْيِهِمْ، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ.
[فَصْلٌ تَرَكَ الرَّمْيَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ]
(2637) فَصْلٌ: وَمِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَعْجَبُ إلَيَّ إذَا تَرَكَ الْأَيَّامَ كُلَّهَا كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ.
وَفِي تَرْكِ جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ دَمٌ أَيْضًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ فِي جَمْرَةٍ أَوْ الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا بَدَنَةً.
قَالَ الْحَسَنُ: مَنْ نَسِيَ جَمْرَةً وَاحِدَةً يَتَصَدَّقُ عَلَى مِسْكِينٍ.
وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ مَنَاسِكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَلِأَنَّهُ تَرَكَ مِنْ مَنَاسِكِهِ مَا لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ شَاةً كَالْمَبِيتِ.
وَإِنْ تَرَكَ أَقَلِّ مِنْ جَمْرَةٍ، فَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فِي حَصَاةٍ، وَلَا فِي حَصَاتَيْنِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَجِبُ الرَّمْيُ بِسَبْعٍ.
فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، أَيِّ شَيْءٍ كَانَ.
وَعَنْهُ، أَنَّ فِي كُلِّ حَصَاةٍ دَمًا.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ مَنَاسِكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَعَنْهُ: فِي الثَّلَاثَةِ دَمٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فِي كُلِّ حَصَاةٍ مُدٌّ.
وَعَنْهُ: دِرْهَمٌ.
وَعَنْهُ، نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَرَكَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَوْ الْجِمَارَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ، إلَى أَنْ يَبْلُغَ دَمًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ.
وَآخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَمَتَى خَرَجَتْ قَبْلَ رَمْيِهِ فَاتَ وَقْتُهُ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ الْوَاجِبُ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، فِي مَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى إبِلِهِ فِي لَيْلَةِ أَرْبَعَ عَشَرَةَ، ثُمَّ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ أَهْرَقَ دَمًا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الرَّمْيِ النَّهَارُ، فَيَخْرُجُ وَقْتُ الرَّمْي بِخُرُوجِ النَّهَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْفِدْيَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ]
[مَسْأَلَة الْمُحْرِمُ حَلَقَ أَرْبَعَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا]
[فَصْلُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِدْيَةً إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ]
ِ (2638) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ حَلَقَ أَرْبَعَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا، عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سِتَّةِ فُصُولٍ: (2639) الْفَصْلُ الْأَوَّل، أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ فِدْيَةً إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ.
وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] . «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: لَعَلَّك آذَاك هَوَامُّك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: احْلِقْ رَأْسَك، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: " أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ ". وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ إزَالَةِ الشَّعْرِ بِالْحَلْقِ، أَوْ النُّورَةِ، أَوْ قَصِّهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
(2640) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ، وَمَنْ لَهُ عُذْرٌ وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّ وَنَحْوُهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . وَلَنَا، أَنَّهُ إتْلَافٌ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ، مِثْلُ الْمُحْتَجِمِ الَّذِي يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ، أَوْ شَعْرًا عَنْ شَجَّتِهِ، وَفِي مَعْنَى النَّاسِي النَّائِمُ الَّذِي يَقْلَعُ شَعْرَهُ، أَوْ يُصَوِّبُ شَعْرَهُ إلَى تَنُّورٍ فَيَحْرِقُ لَهَبُ النَّارِ شَعْرَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(2641) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّ الْفِدْيَةَ هِيَ إحْدَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، أَيَّهَا شَاءَ فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهَا بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، وَالْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا حَلَقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بِشَرْطِ الْعُذْرِ، فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ وَجَبَ زَوَالُ التَّخْيِيرِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا لَهُ، وَالتَّبَعُ لَا يُخَالِفُ أَصْلَهُ، وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ
ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا إذَا كَانَ سَبَبُهَا مُبَاحًا ثَبَتَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَحْظُورًا، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْن قَتْلِهِ لِلضَّرُورَةِ إلَى أَكْلِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ لَا لِلتَّخْيِيرِ.
[فَصْل الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الدَّمُ فِي حَلَقَ شَعْر الْحَاجّ]
(2642) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الدَّمُ أَرْبَعُ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، يَجِبُ فِي الثَّلَاثِ مَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ شَعْرُ آدَمِيٍّ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّق بِهِ الدَّمُ كَالرُّبْعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الدَّمُ بِدُونِ رُبْعِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ الرُّبْعَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ وَلِهَذَا إذَا رَأَى رَجُلًا يَقُولُ: رَأَيْت فُلَانًا.
وَإِنَّمَا رَأَى إحْدَى جِهَاتِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ مَا أَمَاطَ بِهِ الْأَذَى وَجَبَ الدَّمُ.
وَوَجْهُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْأَرْبَعَ كَثِيرُ، فَوَجَبَ بِهِ الدَّمُ كَالرُّبْعِ فَصَاعِدًا أَمَّا الثَّلَاثَةُ فَهِيَ آخِرُ الْقِلَّةِ وَآخِرُ الشَّيْءِ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ الرُّبْعَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُلِّ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالرُّبْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ.
[فَصْل شَعْرَ الرَّأْسِ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ فِدْيَةِ الْحَجّ]
(2643) الْفَصْلُ الْخَامِسُ أَنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّ شَعْرَ غَيْرِ الرَّأْسِ يَحْصُلُ بِحَلْقِهِ التَّرَفُّهُ وَالتَّنَظُّفُ، فَأَشْبَهَ الرَّأْسَ.
فَإِنْ حَلَقَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، فَفِي الْجَمِيعِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَثُرَ.
وَإِنْ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَتَيْنِ، وَمِنْ بَدَنِهِ شَعْرَتَيْنِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ إذَا قَلَعَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ مَا يَجِبُ الدَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا فَفِيهِمَا دَمَانِ.
وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ يُخَالِفُ الْبَدَنَ؛ بِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهِ دُونَ الْبَدَنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الشَّعْرَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الْبَدَنِ، فَلَمْ تَتَعَدَّد الْفِدْيَةُ فِيهِ، بِاخْتِلَافِ، مَوَاضِعِهِ، كَسَائِرِ الْبَدَنِ وَكَاللِّبَاسِ، وَدَعْوَى الِاخْتِلَافِ تَبْطُلُ بِاللِّبَاسِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْفُ الرَّأْسِ، دُونَ غَيْرِهِ، وَالْجَزَاءُ فِي اللُّبْسِ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
[فَصْل مِقْدَار الْفِدْيَة الْوَاجِبَة بِحَلْقِ الشَّعْر فِي الْحَجّ]
(2644) الْفَصْلُ السَّادِسُ، أَنَّ الْفِدْيَةَ الْوَاجِبَةَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، بِقَوْلِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احْلِقْ رَأْسَك، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ، نِصْفُ صَاعٍ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً» . وَفِي لَفْظٍ: «أَوْ أَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ» . وَفِي لَفْظٍ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ شِئْت فَتَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ.
بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» . رَوَاهُ كُلَّهُ أَبُو دَاوُد.
وَبِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَنَافِعٌ: الصِّيَامُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى عَشْرَةِ مَسَاكِينَ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ،
قَالُوا: يُجْزِئُ مِنْ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَمِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ صَاعٌ صَاعٌ.
وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى.
[فَصْل يُجْزِئُ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالزَّبِيب فِي فِدْيَةِ الْحَجّ]
(2645) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ فِي الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ أَجْزَأَ فِيهِ التَّمْرُ أَجْزَأَ فِيهِ ذَلِكَ، كَالْفِطْرَةِ، وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: «فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي: احْلِقْ رَأْسَك، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ.
أَوْ اُنْسُكْ شَاةً.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَا يُجْزِئُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ، إلَّا الْبُرَّ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، مَكَانَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُجْزِئُ إلَّا نِصْفُ صَاعٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أَوْ الْقِيَاسِ، وَالْفَرْعُ يُمَاثِلُ أَصْلَهُ وَلَا يُخَالِفُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
[فَصْل حَلَقَ الْمُحْرِم مَرَّة ثُمَّ كَرَّرَ الْحَلْقَ]
(2646) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ، فَالْوَاجِبُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي، فَإِنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ حَلَقَ ثَانِيًا، فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ تَطَيَّبَ، أَوْ كَرَّرَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ اللَّاتِي لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ فِيهَا بِزِيَادَتِهَا، وَلَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، فَأَمَّا مَا يَتَقَدَّرُ الْوَاجِبُ بِقَدْرِهِ، وَهُوَ إتْلَافُ الصَّيْدِ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا جَزَاؤُهُ، وَسَوَاءٌ فَعَلَهُ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، وَلَا تَدَاخُلَ فِيهِ، فَفِعْلُ الْمَحْظُورَاتِ مُتَفَرِّقًا كَفِعْلِهَا مُجْتَمِعَةً فِي الْفِدْيَةِ، مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ كَرَّرَهُ لَأَسْبَابٍ، مِثْلُ أَنْ لَبِسَ لِلْبَرْدِ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْحَرِّ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْمَرَضِ، فَكَفَّارَاتٌ، وَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، فِي مَنْ لَبِسَ قَمِيصًا وَجُبَّةً وَعِمَامَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، قُلْت لَهُ: فَإِنْ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً، ثُمَّ بَرِئَ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً؟ فَقَالَ: هَذَا الْآنَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيّ كَقَوْلِنَا.
وَعَنْهُ: لَا يَتَدَاخَلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَتَدَاخَلُ كَفَّارَةُ الْوَطْءِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَرَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ حُكْمُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا يَتَدَاخَلُ إذَا كَانَ بَعْضُهُ عَقِيبَ بَعْضٍ يَجِبُ أَنْ يَتَدَاخَلَ، وَإِنْ تَفَرَّقَ كَالْحُدُودِ وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دَفْعَةٍ أَوْ فِي دَفَعَاتٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَتَدَاخَلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
[فَصْل جَزَاء صَيْد الْحَرَم]
(2647) فَصْلٌ: فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَلَا يَتَدَاخَلُ، وَيَجِبُ فِي كُلِّ صَيْدٍ جَزَاؤُهُ، سَوَاءٌ وَقَعَ مُتَفَرِّقًا أَوْ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَتَدَاخَلُ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَمِثْلُ الصَّيْدَيْنِ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَجَبَ جَزَاؤُهُمَا، فَإِذَا تَفَرَّقَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ؛ لِأَنَّ حَالَةَ التَّفْرِيقِ لَا تَنْقُصُ عَنْ حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ.
[فَصْل حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ]
(2648) فَصْلٌ: إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِي مُحْرِمٍ قَصَّ شَارِبَ حَلَالٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ شَعْرَ آدَمِي، فَأَشْبَهَ شَعْرَ الْمُحْرِمِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَعْرٌ مُبَاحُ الْإِتْلَافِ، فَلَمْ يَجِبْ بِإِتْلَافِهِ شَيْءٌ، كَشَعْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
[فَصْل حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِإِذْنِهِ]
(2649) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِإِذْنِهِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ حُلِقَ رَأْسُهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ حَلَقَهُ حَلَالٌ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] . وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ هُوَ الَّذِي يَحْلِقُهُ، فَأَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ، وَجَعَلَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ حَلَقَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا، فَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ الْفِدْيَةُ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَلَمْ يُحْلَقْ بِإِذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْقَطَعَ الشَّعْرُ بِنَفْسِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْفِدْيَةَ عَلَى الْحَالِقِ، حَرَامًا كَانَ أَوْ حَلَالًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَى الْحَلَالِ صَدَقَةٌ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ مِنْ إزَالَتِهِ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ فِدْيَتُهُ، كَالْمُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِهِ.
[فَصْل قَلَعَ الْمُحْرِم جِلْدَةً عَلَيْهَا شَعْرٌ]
(2650) فَصْلٌ: إذَا قَلَعَ جِلْدَةً عَلَيْهَا شَعْرٌ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، وَالتَّابِعُ لَا يُضْمَنُ، كَمَا لَوْ قَلَعَ أَشْفَارَ عَيْنَيْ إنْسَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ أَهْدَابَهُمَا.
[فَصْل خَلَّلَ الْمُحْرِم شَعْرَهُ فَسَقَطَتْ شَعْرَةٌ]
(2651) فَصْلٌ: وَإِذَا خَلَّلَ شَعْرَهُ فَسَقَطَتْ شَعْرَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً فَلَا فِدْيَةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ شَعْرِهِ النَّابِتِ فَفِيهَا الْفِدْيَةُ، وَإِنْ شَكَّ فِيهَا فَلَا فِدْيَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَفْيُ الضَّمَانِ إلَى أَنْ يَحْصُلَ يَقِينٌ.
[مَسْأَلَة إذَا حَلَقَ الْمُحْرِم دُونَ الْأَرْبَعِ]
(2652) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ) يَعْنِي إذَا حَلَقَ دُونَ الْأَرْبَعِ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، فِي الشَّعْرَةِ دِرْهَمٌ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ.
وَعَنْهُ، فِي كُلّ شَعْرَةٍ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ فِيمَا قَلَّ مِنْ الشَّعْرِ إطْعَامُ طَعَامٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ، فَيَجِبُ فِيهِ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ.
وَعَنْ مَالِكٍ، فِي مَنْ أَزَالَ شَعْرًا يَسِيرًا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ كُلِّهِ، فَأَلْحَقْنَا بِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ ضُمِنَتْ أَبْعَاضُهُ، كَالصَّيْدِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَجِبَ الْإِطْعَامُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْحَيَوَانِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَهَا هُنَا أَوْجَبَ الْإِطْعَامَ مَعَ الْحَيَوَانِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ، وَيَجِبُ مُدٌّ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ فِدْيَةً، فَكَانَ وَاجِبًا فِي أَقَلِّ الشَّعْرِ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يُجْزِئُ فِيهِ إخْرَاجُهُ، وَهُوَ مَا يُجْزِئُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ ابْتِدَاءً مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، كَاَلَّذِي يَجِبُ فِي الْأَرْبَعِ.
[فَصْل مِنْ أُبِيحَ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ لِأَذًى بِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِدْيَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ وَبَعْدَهُ]
(2653) فَصْلٌ: وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ لِأَذًى بِهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِدْيَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ وَبَعْدَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ اشْتَكَى رَأْسَهُ، فَأَتَى عَلِيٌّ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا الْحُسَيْنُ يُشِيرُ إلَى رَأْسِهِ.
فَدَعَا بِجَزُورٍ فَنَحَرَهَا، ثُمَّ حَلَقَهُ وَهُوَ بالسَّعْيَاءِ.
رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى وُجُوبِهَا، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ.
[مَسْأَلَة الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ أَظْفَارِهِ]
(2654) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ أَظْفَارِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِأَخْذِهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِفِدْيَةٍ
وَلَنَا، أَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ إزَالَتُهُ لِأَجْلِ التَّرَفُّهِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، كَحَلْقِ الشَّعْرِ.
وَعَدَمُ النَّصِّ فِيهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَيْهِ، كَشَعْرِ الْبَدَنِ مَعَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالْحُكْمُ فِي فِدْيَةِ الْأَظْفَارِ كَالْحُكْمِ فِي فِدْيَةِ الشَّعْرِ سَوَاءٌ، فِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا دَمٌ وَعَنْهُ فِي ثَلَاثَةٍ دَمٌ.
وَفِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي الظُّفْرَيْنِ مُدَّانِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ كَذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِتَقْلِيمِ أَظْفَارِ يَدٍ كَامِلَةٍ، حَتَّى لَوْ قَلَّمَ مِنْ كُلِّ يَدٍ أَرْبَعَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ مَنْفَعَةَ الْيَد، أَشْبَهَ الظُّفْرَ وَالظُّفْرَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّهُ قَلَّمَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَّمَ خَمْسًا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ الْعُضْوِ، وَيَجِبُ بِهِ الدَّمُ، وَقَوْلُهُمْ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ بِهِ الدَّمُ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ مَنْ قَلَّمَ مَا يَجِبُ بِهِ الدَّمُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ، كَمَا قُلْنَا فِي الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْأَظْفَارِ بِالْإِلْحَاقِ بِالشَّعْرِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمَ أَصْلِهِ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ أَوْ الثَّلَاثَةِ بِقِسْطِهِ مِنْ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا وَجَبَ فِيهَا الْحَيَوَانُ لَمْ يَجِبُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْهُ، كَالزَّكَاةِ (2655) فَصْلٌ: وَفِي قَصِّ بَعْضِ الظُّفْرِ مَا فِي جَمِيعِهِ، وَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ بَعْضِ الشَّعْرَةِ مِثْلُ مَا فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِي الشَّعْرَةِ وَالظُّفْرِ، سَوَاءٌ، طَالَ أَوْ قَصُرَ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّرٍ بِمِسَاحَةٍ، فَيَتَقَدَّرُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَالْمُوضِحَةِ يَجِبُ فِي الصَّغِيرَةِ مِنْهَا مِثْلُ مَا يَجِبُ فِي الْكَبِيرَةِ.
وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، أَنَّهُ يَجِبُ بِحِسَابِ الْمُتْلَفِ كَالْإِصْبَعِ يَجِبُ فِي أُنْمُلَتِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَم.
[مَسْأَلَة تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ عَامِدًا]
(2656) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ عَامِدًا، غَسَلَ الطِّيبَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ الْخُفَّ عَامِدًا وَهُوَ يَجِدُ النَّعْلَ، خَلَعَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ) لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ، إذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ عَامِدًا؛ لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِمَحْظُورٍ فِي إحْرَامِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، كَمَا لَوْ تَرَفَّهَ بِحَلْقِ شَعْرِهِ، أَوْ قَلْمِ ظُفْرِهِ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِدَمٍ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ قَلِيلُ الطِّيبِ وَكَثِيرُهُ، وَقَلِيلُ اللُّبْسِ وَكَثِيرُهُ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِتَطْيِيبِ عُضْوٍ كَامِلٍ، وَفِي اللِّبَاسِ بِلَبَّاسِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا شَيْءَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْ لِبْسًا مُعْتَادًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ بِهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمَحْظُورَاتِ، فَاعْتُبِرَ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ كَالْوَطْءِ، مَحْظُورًا، فَلَا تَتَقَدَّرُ فِدْيَتُهُ بِالزَّمَنِ، كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي اللُّبْسِ فِي الْعَادَةِ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ تَقْدِيرٌ، وَالتَّقْدِيرَاتُ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، وَتَقْدِيرُهُمْ بِعُضْوٍ وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ.
وَأَمَّا إذَا ائْتَزَرَ بِقَمِيصٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلُبْسِ مَخِيطٍ، وَلِهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مُحَرَّمٌ.
[فَصْل يَلْزَم الْمُحْرِم غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ اللِّبَاسِ]
(2657) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُهُ غَسْلُ الطِّيبِ، وَخَلْعُ اللِّبَاسِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَحْظُورًا، فَيَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ وَقَطْعُ اسْتَدَامَتْهُ، كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي غَسْلِ الطِّيبِ بِحَلَالٍ؛ لِئَلَّا يُبَاشِرَ الْمُحْرِمُ الطِّيبَ بِنَفْسِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَلِيَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلَّذِي رَأَى عَلَيْهِ طِيبًا أَوْ خَلُوقًا:
«اغْسِلْ عَنْك الطِّيبَ» . وَلِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُهُ بِهِ، مَسَحَهُ بِخِرْقَةِ، أَوْ حَكَّهُ بِتُرَابِ أَوْ وَرَقٍ أَوْ حَشِيش؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ إزَالَتُهُ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، وَهَذَا نِهَايَةُ قُدْرَتِهِ.
[فَصْل احْتَاجَ الْمُحْرِم إلَى الْوُضُوءِ وَغَسْلِ الطِّيبِ وَمَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا]
(2658) فَصْلٌ: إذَا احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ وَغَسْلِ الطِّيبِ، وَمَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا قَدَّمَ غَسْلَ الطِّيبِ، وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي إبْقَاءِ الطِّيبِ، وَفِي تَرْكِ الْوُضُوءِ إلَى التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى قَطْعُ رَائِحَةِ الطِّيبِ بِغَيْرِ الْمَاءِ، فَعَلَ وَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إزَالَةِ الطِّيبِ قَطْع رَائِحَتِهِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ، وَالْوُضُوءُ بِخِلَافِهِ.
[فَصْل إذَا لَبِسَ الْمُحْرِم قَمِيصًا وَعِمَامَةً وَسَرَاوِيل وَخُفَّيْنِ]
(2659) فَصْلٌ: إذَا لَبِسَ قَمِيصًا وَعِمَامَةً وَسَرَاوِيلَ وَخُفَّيْنِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالطِّيبِ فِي بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ.
[فَصْل فَعَلَ الْمُحْرِم مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ فَحَلَقَ وَلَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَوَطِئَ]
(2660) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَحَلَقَ، وَلَبِسَ، وَتَطَيَّبَ، وَوَطِئَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدْيَةٌ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ فِي الطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَالْحَلْقِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ دَمٌ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إذَا حَلَقَ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَى الطِّيبِ، أَوْ إلَى قَلَنْسُوَةٍ أَوْ إلَيْهِمَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إنْ لَبِسَ الْقَمِيصَ وَتَعَمَّمَ وَتَطَيَّبَ، فَعَلَ ذَلِكَ جَمِيعًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ أَجْزَاؤُهَا، كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ.
وَعَكْسُهُ مَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
[مَسْأَلَة لَبِسَ الْمُحْرِم أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا]
(2661) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَيَخْلَعُ اللِّبَاسَ، وَيَغْسِلُ الطِّيبَ، وَيَفْرَغُ إلَى التَّلْبِيَةِ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُتَطَيِّبَ أَوْ اللَّابِسَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ.
قَالَ سُفْيَانُ: ثَلَاثَةٌ فِي الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ سَوَاءٌ؛ إذَا أَتَى أَهْلَهُ، وَإِذَا أَصَابَ صَيْدًا، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا جَامَعَ أَهْلَهُ بَطَلَ حَجُّهُ.
لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ ذَهَبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدَّهُ، وَالشَّعْرُ إذَا حَلَقَهُ فَقَدْ ذَهَبَ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ النِّسْيَانِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، مِثْلُ إذَا غَطَّى الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ثُمَّ ذَكَرَ، أَلْقَاهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، أَوْ لَبِسَ خُفًّا، نَزَعَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ
أُخْرَى، أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، كَحَلْقِ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَرَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ، أَوْ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: اخْلَعْ عَنْك هَذِهِ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْك أَثَرَ هَذَا الْخَلُوقِ أَوْ قَالَ: أَثَرَ الصُّفْرَةِ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «أَحْرَمْت بِالْعُمْرَةِ، وَعَلَيَّ هَذِهِ الْجُبَّةُ» . فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ مَسْأَلَتِهِ عَمَّا يَصْنَعُ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ إجْمَاعًا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ، وَالْجَاهِلُ وَالنَّاسِي وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ يَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ، فَكَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ أَنَّهُ مَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ، كَالصَّوْمِ، فَأَمَّا الْحَلْقُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ، فَهُوَ إتْلَافٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّ تَلَافِيهِ، بِإِزَالَتِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ النَّاسِيَ مَتَى ذَكَرَ، فَعَلَيْهِ غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ اللِّبَاسِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ عَنْ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِدَامَةُ الطِّيبِ هَاهُنَا، كَاَلَّذِي يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ اسْتَدَامَتْهُ، وَهَا هُنَا هُوَ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَ حُكْمُهُ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حُكْمُهُ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ، لِإِكْرَاهٍ أَوْ عِلَّةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُزِيلُهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَجَرَى مَجْرَى الْمُكْرَهِ عَلَى الطِّيبِ ابْتِدَاءً.
وَحُكْمُ الْجَاهِلِ إذَا عَلِمَ، حُكْمُ النَّاسِي إذَا ذَكَرَ، وَحُكْمُ الْمُكْرَهِ حُكْمُ النَّاسِي، فَإِنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ، عُفِيَ عَنْهُ بِالْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهُمَا قَرِينَانِ فِي الْحَدِيثِ الدَّالِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُمَا.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: «يَفْرَغُ إلَى التَّلْبِيَةِ» . أَيْ يُلَبِّي حِينَ ذَكَرَ اسْتِذْكَارًا لِلْحَجِّ أَنَّهُ نَسِيَهُ، وَاسْتِشْعَارًا بِإِقَامَتِهِ عَلَيْهِ وَرُجُوعِهِ إلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
[مَسْأَلَة وَقَفَ بِعَرَفَة نَهَارًا أَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ]
(2662) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، أَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ نَهَارًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ.
فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ احْتِجَاجًا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرَّسٍ، وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ مَا أَجْزَأَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ مُنْفَرِدًا.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَقَدْ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . فَإِذَا تَرَكَهُ لَزِمَهُ؛ دَمٌ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، فَلَزِمَهُ دَمٌ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَحَدِيثُهُمْ دَلَّ عَلَى الْإِجْزَاءِ، وَالْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ.
فَأَمَّا إذَا وَقَفَ فِي اللَّيْلِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ وَحْدَهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ نَهَارًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ دَمٌ، بِخِلَافِ مَنْ أَدْرَكَ نَهَارًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «أَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ» . فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَوْجَبَ بِذَلِكَ دَمًا، وَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْته يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ قَبْل الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: مَا وَجَدْت أَحَدًا سَهَّلَ فِيهِ، كُلُّهُمْ يُشَدِّدُ فِيهِ.
قَالَ: وَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ، وَعَنْ عَطَاءٍ، عَلَيْهِ شَاةٌ إذَا دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ.
قِيلَ: فَيَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: الْمُزْدَلِفَةُ عِنْدِي غَيْرُ عَرَفَةَ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ دَفَعَ قَبْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يُوجِبْ بِذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا عَدَّ الدَّفْعَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ وَأَفْعَالَ النُّسُكِ مَعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فِي سَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ دَفْعُ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمِ الْعَادَةِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، كَالدَّفْعِ مَعَهُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَالْإِفَاضَةِ مِنْ مِنَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِعْلًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ.»
[مَسْأَلَة الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةِ وَاجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ]
(2663) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، مِنْ غَيْرِ الرُّعَاةِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا، وَلِلنِّسْيَانِ أَثَرُهُ فِي تَرَكَ الْمَوْجُودِ كَالْمَعْدُومِ، لَا فِي جَعْلِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ، إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَرُعَاةِ الْإِبِلِ، فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ، وَأَرْخَصَ لِلْعَبَّاسِ فِي الْمَبِيتِ لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً فِي الْمَبِيتِ، لِحَاجَتِهِمْ إلَى حِفْظِ مَوَاشِيهِمْ وَسَقْيِ الْحَاجِّ، فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ فِيهَا، كَلَيَالِي مِنًى، وَلِأَنَّهَا لَيْلَةٌ يُرْمَى فِي غَدِّهَا، فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ فِيهَا، كَلَيَالِي مِنًى.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
[مَسْأَلَة وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ]
(2664) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا، فَدَاهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ النَّعَمِ، إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ دَابَّةً) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ سِتَّةٌ (2665) ؛ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِهِ، وَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] .
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي الْجَزَاءِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، إلَّا الْحَسَنَ وَمُجَاهِدًا، قَالَا: إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَالذَّاكِرُ لِإِحْرَامِهِ مُتَعَمِّدٌ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: 95] . وَالْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمَا.
وَقَتْلُ الصَّيْدِ نَوْعَانِ، مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ، فَالْمُحَرَّمُ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْلَهُ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ.
وَالْمُبَاحُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُضْطَرَّ إلَى أَكْلِهِ، فَيُبَاحَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] . وَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَمَتَى قَتَلَهُ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ، أَشْبَهَ صَيْدَ الْبَحْرِ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ الصَّيْدِ يَقْتَضِي قَتْلَهُ، فَضَمِنَهُ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُ لَا لِمَعْنَى فِيهِ، أَشْبَهَ حَلْقَ الشَّعْرِ لِأَذَى بِرَأْسِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي، إذَا صَالَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ قَتْلَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى أَكْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَيَوَانٌ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْآدَمِيِّ الصَّائِلِ، وَلِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا، فَصَارَ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْشَى مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ يَخْشَى مِنْهُ مَضَرَّةً، كَجَرْحِهِ، أَوْ إتْلَافِ مَالِهِ، أَوْ بَعْضِ حَيَوَانَاتِهِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ، إذَا خَلَّصَ صَيْدًا مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةِ صَيَّادٍ، أَوْ أَخَذَهُ لِيُخَلِّصَ مِنْ رِجْلِهِ خَيْطًا، وَنَحْوَهُ فَتَلِفَ بِذَلِكَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ عَدِمَ الْقَصْدَ إلَى قَتْلِهِ، فَأَشْبَهَ قَتْلَ الْخَطَأِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فِعْلٌ أُبِيحَ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَوْ دَاوَى وَلِيُّ الصَّبِيِّ الصَّبِيَّ فَمَاتَ بِذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ.
[الْفَصْل الثَّانِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَم فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ]
(2666) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَلَى الْمُتَعَمِّدِ بِالْكِتَابِ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ بِالسُّنَّةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا كَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَدَاوُد؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: 95] . فَدَلِيلُ خِطَابِهِ، أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى الْخَاطِئِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، فَلَا يَشْغَلُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِأَنَّهُ مَحْظُورٌ لِلْإِحْرَامِ لَا يُفْسِدُهُ، فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ خَطَئِهِ وَعَمْدِهِ، كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى قَوْلُ جَابِرٍ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُعِ يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ كَبْشًا.» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ: ثَمَنُهُ» . وَلَمْ يُفَرِّقْ.
رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ إتْلَافٍ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ كَمَالِ الْآدَمِيِّ.
[الْفَصْل الثَّالِث الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُحْرِمِ]
(2667) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إحْرَامِ الْحَجِّ وَإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا.
وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكَيْنِ، وَهُوَ الْقَارِنُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا.
[الْفَصْل الرَّابِع الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا بِقَتْلِ الصَّيْدِ]
(2668) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا بِقَتْلِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: 95] . وَالصَّيْدُ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَكْلُهُ، لَا مَالِكَ لَهُ، مُمْتَنِعًا.
فَيَخْرُجُ بِالْوَصْفِ الْأَوَّلِ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ لَا جَزَاءِ فِيهِ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالْمُسْتَخْبَثِ مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَالطَّيْرِ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّيْدِ الْمُحَلَّلِ أَكْلُهُ.
وَقَالَ: كُلُّ مَا يُؤْذِي إذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْجَزَاءَ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ، كَالسَّبْعِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الضَّبُعِ وَالذِّئْبِ، تَغْلِيبًا لِتَحْرِيمِ، قَتْلِهِ، كَمَا عَلَّقُوا التَّحْرِيمَ فِي أَكْلِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِي أُمِّ حُبَيْنٍ جَدْيٌ.
وَأُمُّ حُبَيْنٍ: دَابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ الْبَطْنِ.
وَهَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ فَإِنَّ أُمَّ حُبَيْنٍ لَا تُؤْكَلُ، لِكَوْنِهَا مُسْتَخْبَثَةً عِنْدَ الْعَرَبِ.
حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ سُئِلَ مَا تَأْكُلُونَ؟ قَالَ: مَا دَبَّ وَدَرَجَ، إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ.
فَقَالَ السَّائِلُ: لِيُهِنْ أُمَّ حُبَيْنٍ الْعَافِيَةُ.
وَإِنَّمَا تَبِعُوا فِيهَا قَضِيَّةَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَضَى فِيهَا بِحُلَّانَ، وَهُوَ الْجَدْيُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا.
وَفِي الْقَمْلِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى وَالصَّحِيحُ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ، وَلَا مِثْلَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ.
قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: كُنْت عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخَذْت قَمْلَةً فَأَلْقَيْتهَا، ثُمَّ طَلَبْتهَا فَلَمْ أَجِدْهَا.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُبْتَغَيْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ، فَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، رِوَايَةً
وَاحِدَةً.
وَمِنْ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الثَّعْلَبِ، فَعَنْهُ: فِيهِ الْجَزَاءُ.
وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ يُؤْكَلُ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا شَيْءَ فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» . وَإِذَا أَوْجَبْنَا فِيهِ الْجَزَاءَ، فَفِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السِّنَّوْرِ، أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ، وَلَيْسَ بِمَأْكُولٍ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ: فِي الْوَحْشِيِّ حُكُومَةٌ، وَلَا شَيْءَ فِي الْأَهْلِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ؛ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَتِهِمَا، وَكُلُّ مَا اُخْتُلِفَ فِي إبَاحَتِهِ يُخْتَلَفُ فِي جَزَائِهِ، فَأَمَّا مَا يَحْرُمُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، وَلَا نَصَّ فِيهِ.
الْوَصْفُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ وَحْشِيًّا، وَمَا لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ذَبْحُهُ وَلَا أَكْلُهُ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كُلِّهَا، وَالْخَيْلِ، وَالدَّجَاجِ، وَنَحْوِهَا.
لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْأَصْلِ.
لَا بِالْحَالِ، فَلَوْ اسْتَأْنَسَ الْوَحْشِيَّ وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، وَكَذَلِكَ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي الْحَمَامِ أَهْلِيِّهِ وَوَحْشِيِّهِ، اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ.
وَلَوْ تَوَحَّشَ الْأَهْلِيُّ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً: لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِنْسِيُّ.
وَإِنْ تَوَلَّدَ مِنْ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ وَلَدٌ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، كَقَوْلِنَا فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الدَّجَاجِ السِّنْدِيِّ، هَلْ فِيهِ جَزَاءٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَرَوَى مُهَنَّا، عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْبَطِّ، يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ صَيْدًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْوَحْشِيُّ، فَهُوَ كَالْحَمَامِ.
[الْفَصْل الْخَامِس الْجَزَاءَ يَجِبُ فِي صَيْدِ الْبَرِّ دُونَ صَيْدِ الْبَحْرِ]
(2669) الْفَصْلُ الْخَامِسُ، أَنَّ الْجَزَاءَ إنَّمَا يَجِبُ فِي صَيْدِ الْبَرِّ دُونَ صَيْدِ الْبَحْرِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَيَوَانِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ وَبَيْنَ مَا فِي الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ، فَإِنَّ اسْمَ الْبَحْرِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12] .
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَابَلَهُ بِصَيْدِ الْبَرِّ، بِقَوْلِهِ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: 96] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَحَيَوَانُ الْبَحْرِ مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ، وَيُفْرِخُ وَيَبِيضُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ كَالسَّمَكِ وَنَحْوِهِ، فَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ، كَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ، فَهُوَ كَالسَّمَكِ، لَا جَزَاءَ فِيهِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيهِ الْجَزَاءُ، وَفِي الضُّفْدَعِ وَكُلِّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يُفْرِخُ فِي الْمَاءِ وَيَبِيضُ فِيهِ، فَكَانَ مِنْ حَيَوَانِهِ، كَالسَّمَكِ، فَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، غَيْرَ مَا حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قَالَ: حَيْثُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ فَهُوَ مِنْ صَيْدِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُفْرِخُ فِي الْبَرِّ وَيَبِيضُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْمَاءَ لِيَعِيشَ فِيهِ وَيَكْتَسِبَ مِنْهُ، فَهُوَ كَالصَّيَّادِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْجَرَادِ، فَعَنْهُ: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، لَا جَزَاءَ فِيهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي سَعِيدٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَعْبٌ: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: هُوَ نَثْرَةُ حُوتٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَصَابَنَا ضَرْبٌ مِنْ جَرَادٍ، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَّا يَضْرِبُ بِسَوْطِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقِيلَ: إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هَذَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» . وَعَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِكَعْبٍ فِي جَرَادَتَيْنِ: مَا جَعَلْت فِي نَفْسِك؟ قَالَ: دِرْهَمَانِ.
قَالَ: بَخٍ، دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ ". وَلِأَنَّهُ طَيْرٌ يُشَاهَدُ طَيَرَانُهُ فِي الْبَرِّ، وَيُهْلِكُهُ الْمَاءُ إذَا وَقَعَ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْعَصَافِيرَ.
فَأَمَّا الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى فَوَهُمْ.
قَالَهُ أَبُو دَاوُد.
فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ عَنْ الْجَرَادَةِ.
وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْقِيمَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ التَّقْدِيرَ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ فِيهِ أَقَلَّ شَيْءٍ.
وَإِنْ افْتَرَشَ الْجَرَادُ فِي طَرِيقِهِ، فَقَتَلَهُ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ، عَلَى وَجْهٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، وُجُوبُ جَزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَضَمِنَهُ، كَالْمُضْطَرِّ يَقْتُلُ صَيْدًا يَأْكُلُهُ.
وَالثَّانِي، لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ اضْطَرَّهُ إلَى إتْلَافِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ.
[الْفَصْل السَّادِس جَزَاءَ مَا كَانَ دَابَّةً مِنْ الصَّيْدِ نَظِيرُهُ مِنْ النَّعَمِ]
(2670) الْفَصْلُ السَّادِسُ، أَنَّ جَزَاءَ مَا كَانَ دَابَّةً مِنْ الصَّيْدِ نَظِيرُهُ مِنْ النَّعَمِ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَاجِبُ الْقِيمَةُ وَيَجُوزُ فِيهَا الْمِثْلُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُعِ كَبْشًا.
وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ الْمِثْلِ، فَقَالَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةُ: فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ.
وَحَكَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فِي حِمَارِ الْوَحْشِ بِبَدَنَةٍ.
وَحَكَمَ
عُمَرُ فِيهِ بِبَقَرَةِ.
وَحَكَمَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ فِي الظَّبْيِ بِشَاةٍ.
وَإِذَا حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْبَلَدَانِ الْمُتَفَرِّقَةِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ لَاعْتَبَرُوا صِفَةَ الْمُتْلَفِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْقِيمَةُ، إمَّا بِرُؤْيَةٍ أَوْ إخْبَارٍ، وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْهُمْ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ حَالَ الْحُكْمِ، وَلِأَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْحَمَامِ بِشَاةٍ، وَلَا يَبْلُغُ قِيمَةَ شَاةٍ فِي الْغَالِبِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْمُمَاثَلَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ بَيْنَ النَّعَمِ وَالصَّيْدِ، لَكِنْ أُرِيدَتْ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ.
وَالْمُتْلَفُ مِنْ الصَّيْدِ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا، قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَيَجِبُ فِيهِ مَا قَضَتْ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَأْنَفُ الْحُكْمُ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَقَالَ: «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ» . وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، وَأَبْصَرُ بِالْعِلْمِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ، وَاَلَّذِي بَلَغَنَا قَضَاؤُهُمْ فِي؛ الضَّبُعِ كَبْشٌ.
قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَعَلَ فِي الضَّبُعِ يَصِيدُهَا الْمُحْرِمُ كَبْشًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، قَالَ: فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ، إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ» . قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: الْجَفْرَةُ، الَّتِي قَدْ فُطِمَتْ وَرَعَتْ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
قَالَ أَحْمَدُ:: «حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُع بِكَبْشٍ.» وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ بِالشَّامِ يَعُدُّونَهَا مِنْ السِّبَاعِ وَيَكْرَهُونَ أَكْلَهَا.
وَهُوَ الْقِيَاسُ، إلَّا أَنَّ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ أَوْلَى.
وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: فِيهِ بَدَنَةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ.
وَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالْأَيْلُ فِيهِ بَقَرَةٌ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فِي الْوَعْلِ وَالثَّيْتَلِ بَقَرَةٌ، كَالْأَيِّلِ.
وَالْأَرْوَى فِيهَا بَقَرَةٌ.
قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا عَضْبٌ، وَهِيَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَقَرِ مَا بَلَغَ أَنْ يُقْبَضَ عَلَى قَرْنِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جِذْعًا.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ.
وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ.
ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ،
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعُرْوَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَفِي الْوَبَرِ شَاةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ جَفْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْبَرَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ.
وَالْجَفْرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ مَا أَتَى عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَفُصِلَتْ عَنْ أُمِّهَا، وَالذَّكَرُ جَفْرٌ.
وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ.
قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: فِيهِ ثَمَنُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قِيمَتُهُ طَعَامًا.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ الضَّبَّ وَالْيَرْبُوعَ يُودِيَانِ.
وَاتِّبَاعُ الْآثَارِ أَوْلَى.
وَفِي الضَّبِّ جَدْيٌ.
قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَأَرْبَدُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَطَاءً قَالَا فِيهِ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: صَاعٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قِيمَتُهُ مِنْ الطَّعَامِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ فَإِنَّ قَضَاءَ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ غَيْرِهِ، وَالْجَدْيُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الشَّاةِ.
وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ.
قَضَى بِهِ عُمَرُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِيهِ حَمَلٌ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيهِ شَاةٌ.
وَقَضَاءُ عُمَرَ أَوْلَى.
وَالْعَنَاقُ: الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ، وَالذَّكَرُ جَدْيٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] . فَيَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ النَّعَمِ، مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ، لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَضَاءَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ بِالْمِثْلِ فِي الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَكَمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الضَّبِّ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَفَقِيهٌ هُوَ أَمْ لَا؟ لَكِنْ تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ، وَتُعْتَبَرُ الْخِبْرَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ، وَلِأَنَّ الْخِبْرَةَ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ شَرْطٌ فِي سَائِرِ الْحُكَّامِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَ الْعَدْلَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] . وَالْقَاتِلُ مَعَ غَيْرِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ "، وَالشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ "، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَأُوطَأْ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ ضَبًّا، فَفَزَرَ ظَهْرَهُ، فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَأَلَهُ أَرْبَدُ، فَقَالَ لَهُ: اُحْكُمْ يَا أَرْبَدُ فِيهِ.
قَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَحْكُمَ، وَلَمْ آمُرْك أَنْ تُزَكِّيَنِي.
فَقَالَ أَرْبَدُ: أَرَى فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ.
قَالَ عُمَرُ: فَذَلِكَ فِيهِ.
فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ وَهُوَ الْقَاتِلُ، وَأَمَرَ أَيْضًا كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَخْرُجُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَمِينًا فِيهِ، كَالزَّكَاةِ.
(2671) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: فِي كَبِيرِ الصَّيْدِ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ، وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَفِي الذَّكَرِ ذَكَرٌ، وَفِي الْأُنْثَى أُنْثَى، وَفِي الصَّحِيحِ صَحِيحٌ، وَفِي الْمَعِيبِ مَعِيبٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الصَّغِيرِ كَبِيرٌ، وَفِي الْمَعِيبِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] . وَلَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ صَغِيرٌ وَلَا مَعِيبٌ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَتْلِ حَيَوَانٍ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِصَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ اخْتَلَفَ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، كَالْبَهِيمَةِ، وَالْهَدْيُ فِي الْآيَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْمِثْلِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الضَّمَانِ بِمَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا، كَالْجَفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ.
وَكَفَّارَةُ الْآدَمِيِّ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْهُ، وَلَا تَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ فِي أَبْعَاضِهِ، فَإِنْ فَدَى الْمَعِيبَ بِصَحِيحٍ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ فَدَاهُ بِمَعِيبٍ مِثْلِهِ جَازَ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَيْبُ، مِثْلُ أَنْ فَدَى الْأَعْرَجَ بِأَعْوَرَ، أَوْ الْأَعْوَرَ بِأَعْرَجَ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ.
وَإِنْ فَدَى أَعْوَرَ مِنْ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ بِأَعْوَرَ مِنْ أُخْرَى، أَوْ أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِأَعْرَجَ مِنْ أُخْرَى جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَحَلُّهُ.
وَإِنْ فَدَى الذَّكَرَ بِأُنْثَى، جَازَ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ وَأَرْطَبُ.
وَإِنْ فَدَاهَا بِذَكَرٍ، جَازَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ فَتَسَاوَيَا.
وَالْآخَرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ عَلَيْهَا لَيْسَ هِيَ مِنْ جِنْسِ زِيَادَتِهَا، فَأَشْبَهَ فِدَاءَ الْمَعِيبِ مِنْ نَوْعٍ بِمَعِيبٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ.
[فَصْل قَتَلَ مَاخِضًا فِي الْحَرَم]
(2672) فَصْلٌ: فَإِنْ قَتَلَ مَاخِضًا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُهَا بِقِيمَةِ مِثْلِهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ لَحْمِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَضْمَنُهَا بِمَاخِضٍ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَإِيجَابُ الْقِيمَةِ عُدُولٌ عَنْ الْمِثْلِ مَعَ إمْكَانِهِ، فَإِنْ فَدَاهَا بِغَيْرِ مَاخِضٍ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تَزِيدُ فِي لَحْمِهَا، بَلْ رُبَّمَا نَقَصَتْهَا، فَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا فِي الْمِثْلِ، كَاللَّوْنِ وَالْعَيْبِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَى مَاخِضٍ، فَأَتْلَفَ جَنِينَهَا، وَخَرَجَ مَيِّتًا، فَفِيهِ مَا نَقَصَتْ أُمُّهُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ، كَجَنِينِ الْآدَمِيَّةِ.
[فَصْل أَتْلَفَ الْمُحْرِم جُزْءًا مِنْ الصَّيْدِ]
(2673) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ الصَّيْدِ، وَجَبَ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ، فَكَانَ بَعْضُهُ مَضْمُونًا كَالْآدَمِيِّ، وَالْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» . فَالْجَرْحُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ.
وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ الصَّيْدِ وَجَبَ ضَمَانُهُ كَنَفْسِهِ، وَيُضْمَن بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ، كَالْمَكِيلَاتِ.
وَالْآخَرُ يَجِبُ قِيمَةُ مِقْدَارِهِ مِنْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ
الْجَزَاءَ يَشُقُّ إخْرَاجُهُ، فَيُمْنَعُ إيجَابُهُ، وَلِهَذَا عَدَلَ الشَّارِعُ عَنْ إيجَابِ جُزْءٍ مِنْ بَعِيرٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ إلَى إيجَابِ شَاةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِبِلِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هَاهُنَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ؛ لِوُجُودِ الْخِيَرَةِ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْمِثْلِ إلَى عَدْلِهِ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، فَيَنْتَفِي الْمَانِعُ فَيَثْبُتُ مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
وَهَذَا إذَا انْدَمَلَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا، فَإِنْ انْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، ضَمِنَهُ جَمِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ، فَصَارَ كَالتَّالِفِ، وَلِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى تَلَفِهِ، فَصَارَ كَالْجَارِحِ لَهُ جُرْحًا يَتَيَقَّنُ بِهِ مَوْتُهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمَا نَقَصَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يَتْلَفْ، وَلَمْ يَتْلَفْ جَمِيعُهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ.
وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ جَزَاءً وَاحِدًا، وَضَمَانُهُ بِجَزَاءٍ كَامِلٍ يُفْضِي إلَى إيجَابِ جَزَاءَيْنِ.
وَإِنْ غَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ، وَالْجِرَاحَةُ مُوجِبَةٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ، وَلَا يَضْمَنُ جَمِيعَهُ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ، فَلَمْ يَعْلَمْ أَوْقَع بِهِ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَمَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ إتْلَافِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ، فَوَجَبَ إحَالَتُهُ عَلَى السَّبَبِ الْمَعْلُومِ، كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا، فَإِنَّنَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى صَيْدًا، فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيْرُ سَهْمِهِ، حَلَّ أَكْلُهُ.
وَإِنْ صَيَّرَتْهُ الْجِنَايَةُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، فَلَمْ يَعْلَمْ أَصَارَ مُمْتَنِعًا أَمْ لَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِامْتِنَاعِ.
[فَصْل جَرَحَ الْمُحْرِم صَيْدًا فَتَحَامَلَ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ]
(2674) فَصْلٌ: وَإِنْ جَرَحَ صَيْدًا، فَتَحَامَلَ، فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ نَفَّرَهُ، فَتَلِفَ فِي حَالِ نُفُورِهِ، ضَمِنَهُ.
فَإِنْ سَكَنَ فِي مَكَان، وَأَمِنَ مِنْ نُفُورِهِ، ثُمَّ تَلِفَ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهًا آخَرَ، أَنْ يَضْمَنَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ "، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ دَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَلَى وَاقِفٍ فِي الْبَيْتِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ طَيْرٌ مِنْ هَذَا الْحَمَامِ، فَأَطَارَهُ، فَوَقَعَ عَلَى وَاقِفٍ، فَانْتَهَزَتْهُ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَنَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ: إنِّي وَجَدْت فِي نَفْسِي أَنِّي أَطَرْته مِنْ مَنْزِلٍ كَانَ فِيهِ آمِنًا إلَى مَوْقِعَةٍ كَانَ فِيهَا حَتْفُهُ.
فَقَالَ نَافِعٌ لِعُثْمَانَ: كَيْفَ تَرَى، فِي عَنْزٍ ثَنِيَّةٍ عَفْرَاءَ، يُحْكَمُ بِهَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: أَرَى ذَلِكَ.
فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
[فَصْل كُلُّ مَا يَضْمَنُ بِهِ الْآدَمِيَّ يَضْمَنُ بِهِ الصَّيْدَ مِنْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ بِسَبَبِ]
(2675) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا يَضْمَنُ بِهِ الْآدَمِيَّ، يَضْمَنُ بِهِ الصَّيْدَ، مِنْ مُبَاشَرَةٍ، أَوْ بِسَبَبٍ، وَمَا جَنَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا مِنْ الصَّيْدِ، فَالضَّمَانُ عَلَى رَاكِبِهَا، أَوْ قَائِدِهَا، أَوْ سَائِقِهَا، وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حِفْظُ رِجْلِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُ السَّائِقُ جَمِيعَ جِنَايَتِهَا؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَيُشَاهِدُ رِجْلَهَا.
وَقَالَ
ابْنُ عَقِيلٍ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» .
وَإِنْ انْقَلَبَتْ فَأَتْلَفَتْ صَيْدًا، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلّ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» . وَكَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَتْ آدَمِيًّا، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَلَوْ نَصَبَ الْمُحْرِمُ شَبَكَةً، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ، كَمَا يَضْمَنُ الْآدَمِيَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَفَرَ الْبِئْرَ بِحَقٍّ، كَحَفْرِهِ فِي دَارِهِ، أَوْ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَا يَضْمَنُ الْآدَمِيَّ.
وَإِنْ نَصَبَ شَبَكَةً قَبْلَ إحْرَامِهِ، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ إحْرَامِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ تَسَبُّبٌ إلَى إتْلَافِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَتَلِفَ بَعْدَ إحْرَامِهِ، أَوْ بَاعَهُ وَهُوَ حَلَالٌ، فَذَبَحَهُ الْمُشْتَرِي.
[مَسْأَلَة وُجُوبِ ضَمَانِ صَيْدِ الحرم مِنْ الطَّيْرِ]
(2676) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ) قَوْلُهُ: " بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ " يَعْنِي يَجِبُ قِيمَتُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ.
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ ضَمَانِ الصَّيْدِ مِنْ الطَّيْرِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْ الْحَمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَهَذَا لَا مِثْلَ لَهُ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] . وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: 94] : يَعْنِي الْفَرْخَ وَالْبَيْضَ وَمَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ، (وَرِمَاحُكُمْ) : يَعْنِي الْكِبَارَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي الْجَرَادِ بِجَزَاءٍ.
وَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ جَزَاءٍ غَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي هَذَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَضَمَانُ غَيْرِ الْحَمَامِ مِنْ الطَّيْرِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الضَّمَانِ أَنْ يُضْمَنَ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْأَصْلَ بِدَلِيلٍ، فَفِيمَا عَدَاهُ تَجِبُ الْقِيمَةُ بِقَضِيَّةِ الدَّلِيلِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي مَوْضِعِ إتْلَافِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ آدَمِيٍّ فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ فِي مَوْضِعِ الْإِتْلَافِ، كَذَا هَاهُنَا.
[فَصْل يَضْمَنُ بَيْضَ صَيْدِ الحرم بِقِيمَتِهِ]
(2677) فَصْلٌ: وَيُضْمَنُ بَيْضُ الصَّيْدِ بِقِيمَتِهِ، أَيَّ صَيْدٍ كَانَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ» ، مَعَ أَنَّ النَّعَامِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْبَيْضَ لَا مِثْلَ لَهُ، فَيَجِبُ قِيمَتُهُ، كَصِغَارِ الطَّيْرِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، لِكَوْنِهِ مَذَرًا، أَوْ لِأَنَّ فَرْخَهُ مَيِّتٌ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: إلَّا بَيْضَ النَّعَامِ، فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَوَانٌ، وَلَا مَآلُهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ مِنْهُ حَيَوَانٌ صَارَ كَالْأَحْجَارِ وَالْخَشَبِ، وَسَائِرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ غَيْرِ الصَّيْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَقَبَ بَيْضَةً، فَأَخْرَجَ مَا فِيهَا، لَزِمَهُ جَزَاءُ جَمِيعِهَا، ثُمَّ لَوْ كَسَرَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ لِذَلِكَ شَيْءٌ.
وَمِنْ كَسَرَ بَيْضَةً، فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ حَيٌّ،
فَعَاشَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ مَاتَ فَفِيهِ مَا فِي صِغَارِ أَوْلَادِ الْمُتْلَفِ بَيْضُهُ، فَفِي فَرْخِ الْحَمَامِ صَغِيرُ أَوْلَادِ الْغَنَمِ، وَفِي فَرْخِ النَّعَامَةِ حِوَارٌ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا قِيمَتُهُ.
وَلَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ أَكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذَا كَسَرَهُ هُوَ أَوْ مُحْرِمٌ سِوَاهُ، وَإِنْ كَسَرَهُ حَلَالٌ فَهُوَ كَلَحْمِ الصَّيْدِ، إنْ كَانَ أَخَذَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُهُ، وَإِلَّا أُبِيحَ.
وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ حِلَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى كَسْرِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ أَهْلِيَّةٌ، بَلْ لَوْ كَسَرَهُ مَجُوسِيٌّ أَوْ وَثَنِيٌّ، أَوْ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، لَمْ يَحْرُمْ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ اللَّحْمِ وَطَبْخَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ أَكْلُهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ الصَّيْدَ؛ لِأَنَّ كَسْرَهُ جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ، بِدَلِيلِ حِلِّهِ لِلْمُحْرِمِ بِكَسْرِ الْحَلَالِ لَهُ.
وَإِنْ نَقَلَ بَيْضَ صَيْدٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ آخَرَ، أَوْ تَرَكَ مَعَ بَيْضِ الصَّيْدِ بَيْضًا آخَرَ، أَوْ شَيْئًا نَفَّرَهُ عَنْ بَيْضِهِ حَتَّى فَسَدَ، فَعَلَيْهِ ضَمَانٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ، وَإِنْ صَحَّ وَفَرَّخَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ بَاضَ الصَّيْدُ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ فَفَسَدَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَرَادَ إذَا انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ، وَحُكْمُ بِيضِ الْجَرَادِ.
وَإِنْ احْتَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ، فَفِيهِ قِيمَةٌ، كَمَا لَوْ حَلَبَ لَبَنَ حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ.
[فَصْل إذَا نَتَفَ مُحْرِمٌ رِيشَ طَائِرٍ]
(2678) فَصْلٌ: إذَا نَتَفَ مُحْرِمٌ رِيشَ طَائِرٍ، فَفِيهِ مَا نَقَصَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَوْجَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ الْجَزَاءَ جَمِيعَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ نَقَصَهُ نَقْصًا يُمْكِنُ زَوَالُهُ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِكَمَالِهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ.
فَإِنْ حَفِظَهُ، فَأَطْعَمَهُ، وَسَقَاهُ، حَتَّى عَادَ رِيشُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ زَالَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ صَارَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ رِيشِهِ، وَانْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، كَالْجَرْحِ.
فَإِنْ غَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ، فَفِيهِ مَا نَقَصَ، كَالْجَرْحِ سَوَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ثَمَّ احْتِمَالًا.
فَهَاهُنَا مِثْلُهُ.
[مَسْأَلَة إنْ كَانَ صَّيْد الحرم طَائِرًا]
(2679) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ نَعَامَةً، فَيَكُونَ فِيهَا بَدَنَةٌ، أَوْ حَمَامَةً، وَمَا أَشْبَهَهَا، فَيَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَاةٌ) هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ ". وَاسْتَثْنَى النَّعَامَةَ مِنْ الطَّائِرِ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ جَنَاحَيْنِ وَتَبِيضُ، فَهِيَ كَالدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ.
أَوْجَبَ فِيهَا بَدَنَةً؛ لِأَنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَزِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، حَكَمُوا فِيهَا بِبَدَنَةِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّ فِيهَا قِيمَتَهَا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ.
وَاتِّبَاعُ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَالْآثَارِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّعَامَةَ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خِلْقَتِهِ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ.
وَفِي الْحَمَامِ شَاةٌ.
حَكَمَ بِهِ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ، فِي حَمَامِ الْحَرَمِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَعُرْوَةُ، وَقَتَادَةُ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: فِيهِ قِيمَتُهُ.
إلَّا أَنَّ مَالِكًا وَافَقَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ لِحُكْمِ الصَّحَابَةِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
قُلْنَا: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَمَامِ حَالَ الْإِحْرَامِ كَمَذْهَبِنَا، وَلِأَنَّهَا حَمَامَةٌ مَضْمُونَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَضُمِنَتْ بِشَاةٍ، كَحَمَامَةِ الْحَرَمِ، وَلِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ الشَّاةُ مِثْلًا لَهَا فِي الْحَرَمِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحِلِّ، فَيَجِبُ ضَمَانُهَا بِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَقِيَاسُ الْحَمَامِ عَلَى الْحَمَامِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " وَمَا أَشْبَهَهَا ". يَعْنِي مَا يُشْبِهُ الْحَمَامَةَ، فِي أَنَّهُ يَعُبُّ الْمَاءَ، أَيْ يَضَعُ مِنْقَارَهُ فِيهِ، فَيَكْرَعُ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ، وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً، كَالدَّجَاجِ، وَالْعَصَافِيرِ.
وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ شَاةً لِشَبَهِهِ بِهَا فِي كَرْعِ الْمَاءِ مِثْلَهَا، وَلَا يَشْرَبُ مِثْلَ شُرْبِ بَقِيَّةِ الطُّيُورِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ وشندي: كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ، يَشْرَبُ مِثْلَ الْحَمَامِ، فَفِيهِ شَاةٌ.
فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْفَوَاخِتُ، وَالْوَرَاشِينُ، والسقايين وَالْقَمَرِيّ، وَالدُّبْسِيّ، وَالْقَطَّا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ حَمَامًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْكِسَائِيّ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، الْحَجَلُ حَمَامٌ؛ لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ.
(2680) فَصْلٌ: وَمَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ، كَالْحُبَارَى، وَالْكُرْكِيِّ، وَالْكَرَوَانُ، وَالْحَجَلِ وَالْإِوَزِّ الْكَبِيرِ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَعَطَاءٍ، أَنَّهُمْ قَالُوا: فِي الْحَجَلَةِ وَالْقَطَاةِ وَالْحُبَارَى شَاةٌ شَاةٌ.
وَزَادَ عَطَاءٌ: فِي الْكُرْكِيِّ والكروان وَابْنِ الْمَاءِ وَدَجَاجِ الْحَبَشِ وَالْحَرْب، شَاةٌ شَاةٌ.
وَالْحَرْبُ: هُوَ فَرْخُ الْحُبَارَى.
لِأَنَّ إيجَابَ الشَّاةِ فِي الْحَمَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِهَا فِيمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، فِيهِ قِيمَتُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا فِي جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَفِي غَيْرِهِ يُرْجَعُ إلَى الْأَصْلِ.
[مَسْأَلَة قَاتِلَ صَيْدِ الحرم مُخَيَّرٌ فِي الْجَزَاءِ]
(2681) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالنَّظِيرِ، أَوْ قَوَّمَ النَّظِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَنَظَرَ كَمْ يَجِيءُ بِهِ طَعَامًا، فَأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ (2682) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، إنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِي الْجَزَاءِ بِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، بِأَيِّهَا شَاءَ كَفَّرَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ أَوَّلًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ.
وَهَذَا أَوْكَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ.
هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عِيَاضٍ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] . " وَأَوْ " فِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ أَوْ أَوْ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ.
وَأَمَّا مَا كَانَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَهُوَ الْأَوَّلُ الْأَوَّلُ.
وَلِأَنَّ عَطْفَ هَذِهِ الْخِصَالِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِأَوْ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَتِهَا كَفِدْيَةِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الطَّعَامَ كَفَّارَةً، وَلَا يَكُونُ كَفَّارَةً مَا لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُهُ، وَجَعْلُهُ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ، وَأَلَّا يَجُوزَ صَرْفُهُ إلَيْهِمْ لَا يَكُونُ طَعَامًا لَهُمْ، وَعَطَفَ الطَّعَامَ عَلَى الْهَدْيِ، ثُمَّ عَطَفَ الصِّيَامَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ.
وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ذُكِرَ فِيهَا الطَّعَامُ، فَكَانَ مِنْ خِصَالِهَا، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا وَجَبَتْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ.
يَبْطُلُ بِفِدْيَةِ الْأَذَى.
عَلَى أَنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ فِي التَّخْيِيرِ، فَلَيْسَ تَرْكُ مَدْلُولِهِ قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ الْمُتْعَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، فَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فِي التَّخْيِيرِ عَلَى هَذَا، لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَرْكِ النَّصِّ، كَذَا هَاهُنَا.
(2683)
الْفَصْلُ الثَّانِي إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ، ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] . وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ (2684) . الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لَا الْمِثْلَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إذَا وَجَبَ لِأَجْلِ الْإِتْلَافِ، قُوِّمَ الْمُتْلَفُ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ وَجَبَ فِيهِ الْمِثْلُ إذَا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِهِ، كَالْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَيَعْتَبِرُ قِيمَةَ الْمِثْلِ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ إحْرَامَهُ، وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ الْقِيمَةُ مِنْهَا، وَالطَّعَامُ الْمُخْرَجُ هُوَ الَّذِي يُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ كُلُّ مَا يُسَمَّى طَعَامًا؛ لِدُخُولِهِ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ الْبُرِّ، كَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَصْنَافِ فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ فِي إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْفِدْيَةِ، وَجَزَاءِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: إنْ أَطْعَمَ بُرًّا، فَمُدُّ طَعَامٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَأَطْلَقَ الْخِرَقِيِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ.
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ، إذْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِي مَوْضِعٍ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي طُعْمَةِ الْمَسَاكِينِ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ، فَيُرَدُّ إلَى نَظَائِرِهِ.
وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجٌ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ قِيمَة الْهَدْيِ الْوَاجِبِ لَهُمْ فَيَكُونُ أَيْضًا لَهُمْ، كَقِيمَةِ الْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ
(2685) الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الصِّيَامِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ
عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةِ دَخَلَهَا الصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ، فَكَانَ الْيَوْمُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيل، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
قَالَ الْقَاضِي: الْمَسْأَلَةُ رِوَايَةٌ، وَاحِدَةٌ، وَالْيَوْمُ عَنْ مُدِّ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ مُقَابَلٌ بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَإِطْعَامُ الْمِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْيَوْمَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي مُقَابَلَةِ إطْعَامِ الْمِسْكِينِ، فَكَذَا هَاهُنَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ مِنْ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْأَذَى.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مُتْلَفٍ فَاخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِهِ، كَبَدَلِ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَإِذَا بَقِيَ مَا لَا يَعْدِلُ كَدُونِ الْمُدِّ، صَامَ يَوْمًا كَامِلًا.
كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ.
وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الصِّيَامِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ مُطْلَقًا، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالتَّتَابُعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَجَوَّزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْإِطْعَامِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا يُؤَدِّي بَعْضَهَا بِالْإِطْعَامِ وَبَعْضَهَا بِالصِّيَامِ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.
[فَصْل مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ صَيْدِ الحرم يُخَيَّرُ قَاتِلُهُ]
(2686) فَصْلٌ: وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ قَاتِلُهُ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، فَيُطْعِمَهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ.
وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، وَلَمْ يُصِبْ لَهُ عَدْلًا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ؛ قَوَّمَ طَعَامًا إنْ قَدَرَ عَلَى طَعَامٍ، وَإِلَّا صَامَ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.
هَكَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلِأَنَّهُ جَزَاءُ صَيْدٍ، فَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِيهِ، كَاَلَّذِي لَهُ مِثْلٌ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَ بِهَا الْقِيمَةُ، وَإِذَا عَدِمَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ يَبْقَى التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، فَأَمَّا إيجَابُ شَيْءٍ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ فَلَا.
الثَّانِي، يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِكَعْبٍ: مَا جَعَلْت عَلَى نَفْسِك؟ قَالَ: دِرْهَمَيْنِ.
قَالَ: اجْعَلْ مَا جَعَلْت عَلَى نَفْسِك.
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي الْعُصْفُورِ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وَظَاهِرُهُ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ الْوَاجِبَةِ.
[مَسْأَلَة كُلَّمَا قَتَلَ الْمُحْرِم صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ]
(2687) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ)
مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْجَزَاء بِقَتْلِ الصَّيْدِ الثَّانِي، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ ابْتِدَاءً.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ صَيْدٍ جَزَاءٌ.
وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
وَبِهِ قَالَ، الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] . وَلَمْ يُوجِبْ جَزَاءً.
وَالثَّالِثَةُ، إنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ، فَيَدْخُلُ جَزَاؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ عَنْ قَتْلٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ، كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ يَجِبُ بِهِ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ، فَأَشْبَهَ بَدَلَ مَالِ الْآدَمِيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ، وَفِي مَنْ قَتَلَ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ: هَلْ كَانَ قَتَلَ قَبْلَ هَذَا أَوْ لَا؟ وَإِنَّمَا هَذَا يَعْنِي لِتَخْصِيصِ الْإِحْرَامِ وَمَكَانِهِ، وَالْآيَةُ اقْتَضَتْ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ بِعُمُومِهَا.
وَذِكْرُ الْعُقُوبَةِ فِي الثَّانِي لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275] .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَائِدَ لَوْ انْتَهَى كَانَ لَهُ مَا سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ جَزَاءَهُ مُقَدَّرٌ بِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَ صَيْدَيْنِ مَعًا وَجَبَ جَزَاؤُهُمَا، فَكَذَلِكَ إذَا تَفَرَّقَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ.
[فَصْل إخْرَاجُ جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جَرْحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ]
(2688) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ إخْرَاجُ جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جَرْحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْمَوْتِ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ، فَأَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ.
[مَسْأَلَة اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ مُحْرِمِينَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ]
(2689) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ) يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، أَنَّ الْوَاجِبَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَالثَّانِيَةُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ.
رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى.
وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ يَدْخُلُهَا الصَّوْمُ، أَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ قَتْلِ الْآدَمِيِّ.