باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْل تَأْجِير الرَّجُلُ نَفْسَهُ لِكَسْحِ الْكَنَفِ]
(4317) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤْجِرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ لِكَسْحِ الْكَنَفِ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَكْلُ أَجْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» . وَنَهَى الْحُرَّ عَنْ أَكْلِهِ، فَهَذَا أَوْلَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا حَجَّ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَجُلٌ أَكْنُسُ، فَمَا تَرَى فِي مَكْسَبِي؟ قَالَ: أَيَّ شَيْءٍ تَكْنُسُ؟ قَالَ: الْعَذِرَةَ، قَالَ: وَمِنْهُ حَجَجْت، وَمِنْهُ تَزَوَّجْت؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ خَبِيثٌ، وَحَجُّك خَبِيثٌ، وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ.
أَوْ نَحْوَ هَذَا، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فِي " سُنَنِهِ " بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً، فَكُرِهَ، كَالْحِجَامَةِ، فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فِي الْجُمْلَةِ، فَجَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا، فَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ إبَاحَةِ الْإِجَارَةِ، فَوَجَبَ إبَاحَتُهَا، كَالْحِجَامَةِ.
[فَصْلٌ إجَارَةُ دَارِهِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً]
(4318) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إجَارَةُ دَارِهِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً، أَوْ بِيعَةً أَوْ يَتَّخِذُهَا لِبَيْعِ الْخَمْرِ، أَوْ الْقِمَارِ.
وَبِهِ قَالَ الْجَمَاعَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ بَيْتُك فِي السَّوَادِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُؤْجِرَهُ لِذَلِكَ.
وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فَلَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ، كَإِجَارَةِ عَبْدِهِ لِلْفُجُورِ.
وَلَوْ اكْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ دَارِهِ، فَأَرَادَ بَيْعَ الْخَمْرِ فِيهَا، فَلِصَاحِبِ الدَّارِ مَنْعُهُ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: إنْ كَانَ بَيْتُهُ فِي السَّوَادِ وَالْجَبَلِ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ.
وَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، جَازَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ، فَجَازَ فِي السَّوَادِ، كَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ.
[فَصْلٌ مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ إجَارَتُهُ]
(4319) فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ، إلَّا الْحُرَّ وَالْوَقْفَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إجَارَتُهَا، وَإِنْ حَرُمَ بَيْعُهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْجَمَلِ النَّادِّ، وَالْبَهِيمَةِ الشَّارِدَةِ، وَالْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ غَاصِبِهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا تُجْهَلُ صِفَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا نَفْعَ فِيهِ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، أَوْ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ
وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْكَلْبِ، وَلَا الْخِنْزِيرِ، بِحَالٍ.
وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ إجَارَةِ الْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا تَجُوزُ لَهُ إعَارَتُهُ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ لَهُ كَغَيْرِهِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِهِ، سَوَاءٌ
جَازَ بَيْعُهُ أَوْ لَمْ يَجُزْ، مِثْلَ أَنْ يَغْصِبَ مَنْفَعَتَهُ، بِأَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ فِي إجَارَتِهِ عَامًا، وَيَغْلِبَ صَاحِبَهَا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا فِي هَذَا الْعَامِ إلَّا مِنْ غَاصِبِهَا، أَوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ، إلَّا أَنْ يُؤْجِرَ الشَّرِيكَانِ مَعًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ إجَارَتُهُ كَالْمَغْصُوبِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالِ شَرِيكِهِ.
وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ كَالْمُفْرَدِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ فِي مِلْكِهِ، يَجُوزُ مَعَ شَرِيكِهِ، فَجَازَ مَعَ غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إذَا فَعَلَهُ الشَّرِيكَانِ مَعًا، فَجَازَ لِأَحَدِهِمَا فِعْلُهُ فِي نَصِيبِهِ مُفْرَدًا، كَالْبَيْعِ
وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَبَيْنَ مَا إذَا آجَرَهُ الشَّرِيكَانِ، أَوْ آجَرَهُ لِشَرِيكِهِ، بِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لِوَاحِدٍ، فَآجَرَ نِصْفَهَا، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ، ثُمَّ إنْ آجَرَ نِصْفَهَا الْآخَرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ صَحَّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، وَإِنْ آجَرَهُ لِغَيْرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ مَا آجَرَهُ إلَيْهِ
وَإِنْ آجَرَ الدَّارَ لِاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَيْهِ.
[فَصْل إجَارَةِ الْمُصْحَفِ]
(4320) فَصْلٌ: وَفِي إجَارَةِ الْمُصْحَفِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ، مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ إجْلَالُ كَلَامِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ عَنْ الْمُعَاوَضَةِ بِهِ، وَابْتِذَالِهِ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي، تَجُوزُ إجَارَتُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ، تَجُوزُ الْإِعَارَةُ مِنْ أَجْلِهِ، فَجَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ، كَسَائِرِ الْكُتُبِ، فَأَمَّا سَائِرُ الْكُتُبِ الْجَائِزِ بَيْعُهَا، فَتَجُوزُ إجَارَتُهَا
وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ مَنْعَ إجَارَةِ الْمُصْحَفِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ، وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِمِثْلِ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ سَقْفًا لِيَنْظُرَ إلَى عَمَلِهِ وَتَصَاوِيرِهِ، أَوْ شَمْعًا لِيَتَجَمَّلَ بِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَتَجُوزُ الْإِعَارَةُ لَهُ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ.
وَفَارَقَ النَّظَرَ إلَى السَّقْفِ؛ فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَلَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْإِعَارَةِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُحْتَاجُ إلَى الْقِرَاءَةِ فِي الْكُتُبِ، وَالتَّحَفُّظِ مِنْهَا، وَالنَّسْخِ وَالسَّمَاعِ مِنْهَا وَالرِّوَايَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِانْتِفَاعِ الْمَقْصُودِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ.
[فَصْل إجَارَةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ لِخِدْمَتِهِ]
(4321) فَصْلٌ: وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ لِخِدْمَتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فَقَالَ: إنْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ الذِّمِّيِّ فِي خِدْمَتِهِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ شَيْءٍ، جَازَ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَجُوزُ لَهُ إجَارَةُ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ الْخِدْمَةِ، فَجَازَ فِيهَا، كَإِجَارَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكَافِرِ، وَإِذْلَالَهُ لَهُ، وَاسْتِخْدَامَهُ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لِلْخِدْمَةِ يَتَعَيَّنُ فِيهِ حَبْسُهُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ وَاسْتِخْدَامُهُ، وَالْبَيْعُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ذَلِكَ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْإِجَارَةِ أَوْلَى
فَأَمَّا إنْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْهُ فِي عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فِي الذِّمَّةِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَقِصَارَتِهِ، جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ، يَسْتَقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
وَكَذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَتَضَمَّنُ إذْلَالَ الْمُسْلِمِ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ، أَشْبَهَ مُبَايَعَتَهُ.
وَإِنْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْهُ لِعَمَلِ غَيْرِ الْخِدْمَةِ، مُدَّةً مَعْلُومَةً، جَازَ أَيْضًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِقَوْلِهِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ شَيْءٍ، جَازَ
وَنَقَلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْجِرَ نَفْسَهُ مِنْ الذِّمِّيِّ.
وَهَذَا مُطْلَقٌ فِي نَوْعَيْ الْإِجَارَةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ مَنْعُ ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا، وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ، فَإِنَّهُ خَصَّ الْمَنْعَ بِالْإِجَارَةِ لِلْخِدْمَةِ، وَأَجَازَ إجَارَتَهُ لِلْعَمَلِ.
وَهَذَا إجَارَةٌ لِلْعَمَلِ.
وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ، فَإِنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْمِلْكِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَيُفَارِقُ إجَارَتَهُ لِلْخِدْمَةِ، لِتَضَمُّنِهَا الْإِذْلَالَ.
[فَصْلٌ الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدِّيكَ يُوقِظُهُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ (4322) : نَقَلَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدِّيكَ يُوقِظُهُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ: لَا يَجُوزُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى فِعْلِ الدِّيكِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ ذَلِكَ مِنْهُ بِضَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ يَصِيحُ، وَقَدْ لَا يَصِيحُ، وَرُبَّمَا صَاحَ بَعْد الْوَقْتِ.
[فَصْل حُكْم الْإِجَارَة فِي الْقُرْب الَّتِي يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ]
(4323) فَصْلٌ: الْقِسْمُ الرَّابِعُ، الْقُرَبُ الَّتِي يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا، كَالْإِمَامَةِ، وَالْأَذَانِ، وَالْحَجِّ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَكَرِهَ الزُّهْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ بِأَجْرٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: هَذِهِ الرُّغُفُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمُعَلِّمُونَ مِنْ السُّحْتِ.
وَمِمَّنْ كَرِهَ أُجْرَةَ التَّعْلِيمِ مَعَ
الشَّرْطِ: الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، يَجُوزُ ذَلِكَ.
حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: التَّعْلِيمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِهَؤُلَاءِ السَّلَاطِينِ، وَمِنْ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ فِي ضَيْعَةٍ، وَمِنْ أَنْ يَسْتَدِينَ وَيَتَّجِرَ، لَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ، فَيَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِأَمَانَاتِ النَّاسِ، التَّعْلِيمُ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْعَهُ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ مَنْعِهِ لِلْكَرَاهَةِ، لَا لِلتَّحْرِيمِ.
وَمِمَّنْ أَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرَخَّصَ فِي أُجُورِ الْمُعَلِّمِينَ أَبُو قِلَابَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا بِمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا جَازَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ عِوَضًا فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَقَامَ مَقَامَ الْمَهْرِ، جَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» . حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَثَبَتَ «أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَقَى رَجُلًا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى جُعْلٍ فَبَرَأَ، وَأَخَذَ أَصْحَابُهُ الْجُعْلَ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ، وَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ»
وَلِذَا جَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَجَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بِذَلِكَ، فَيُحْتَاجُ إلَى بَذْلِ الْأَجْرِ فِيهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: «إنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ، فَأَهْدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، قَالَ: قُلْت: قَوْسٌ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ.
قَالَ: قُلْت أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، قَالَ: «إنْ سَرَّك أَنْ يُقَلِّدَك اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ، فَاقْبَلْهَا» . وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ «عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ، فَأَهْدَى إلَيْهِ خَمِيصَةً أَوْ ثَوْبًا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَوْ أَنَّك لَبِسْتهَا، أَوْ أَخَذَتْهَا، أَلْبَسَك اللَّهُ مَكَانَهَا ثَوْبًا مِنْ نَارٍ»
وَعَنْ أُبَيٍّ، قَالَ: «كُنْت أَخْتَلِفُ إلَى رَجُلٍ مُسِنٍّ، قَدْ أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ، قَدْ احْتَبَسَ فِي بَيْتِهِ أُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا أُقْرِئُهُ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: هَلُمِّي بِطَعَامِ أَخِي.
فَيُؤْتَى بِطَعَامٍ لَا آكُلُ مِثْلَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَحَاكَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ طَعَامَهُ وَطَعَامَ أَهْلِهِ، فَكُلْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يُتْحِفُك بِهِ، فَلَا تَأْكُلْهُ» . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن شِبْلٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ»
رَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا الْأَثْرَمُ، فِي " سُنَنِهِ ". وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، كَوْنَهَا قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ أَوْ التَّرَاوِيحَ.
فَأَمَّا الْأَخْذُ عَلَى الرُّقْيَةِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ اخْتَارَ جَوَازَهُ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، أَنَّ الرُّقْيَةَ نَوْعُ مُدَاوَاةٍ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهَا جُعْلٌ، وَالْمُدَاوَاةُ يُبَاحُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا، وَالْجَعَالَةُ أَوْسَعُ مِنْ الْإِجَارَةِ، وَلِهَذَا تَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» . يَعْنِي بِهِ الْجُعْلَ أَيْضًا فِي الرُّقْيَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ خَبَرِ الرُّقْيَةِ.
وَأَمَّا جَعْلُ التَّعْلِيمِ صَدَاقًا فَعَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ التَّعْلِيمَ صَدَاقٌ، إنَّمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» . فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ زَوَّجَهُ إيَّاهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، إكْرَامًا لَهُ، كَمَا زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إسْلَامِهِ، وَنُقِلَ عَنْهُ جَوَازُهُ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْأَجْرِ، أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ بِعِوَضٍ مَحْضٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ نِحْلَةً وَوَصْلَةً، وَلِهَذَا جَازَ خُلُوُّ الْعَقْدِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ، وَصَحَّ مَعَ فَسَادِهِ، بِخِلَافِ الْأَجْرِ فِي غَيْرِهِ، فَأَمَّا الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَيَجُوزُ عَلَى مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانَ بَذْلُهُ لِمَنْ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، كَانَ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَكَانَ لِلْآخِذِ لَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَجَرَى مَجْرَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمَصَالِحِ، بِخِلَافِ الْأَجْرِ.
[فَصْلٌ أُعْطِيَ الْمُعَلِّمُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ]
(4324) فَصْلٌ: فَإِنْ أُعْطِيَ الْمُعَلِّمُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ.
وَقَالَ، فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ أَيُّوبُ بْنُ سَافِرِي: لَا يَطْلُبُ، وَلَا يُشَارِطُ، فَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا أَخَذَهُ.
وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ: أَكْرَهُ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ إذَا شَرَطَ.
وَقَالَ: إذَا كَانَ الْمُعَلِّمُ لَا يُشَارِطُ، وَلَا يَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، إنْ أَتَاهُ شَيْءٌ قَبِلَهُ.
كَأَنَّهُ يَرَاهُ أَهْوَنَ.
وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ اللَّتَيْنِ أُعْطِيَهُمَا أُبَيٌّ وَعُبَادَةُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا، لَا بِشَرْطٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافِ نَفْسٍ، فَخُذْهُ، وَتَمَوَّلْهُ؛ فَإِنَّهُ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْك» . وَقَدْ أَرْخَصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَيٍّ فِي أَكْلِ طَعَامِ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُ، إذَا كَانَ طَعَامَهُ وَطَعَامَ أَهْلِهِ.
وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، كَانَ هِبَةً مُجَرَّدَةً، فَجَازَ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعَلِّمْهُ شَيْئًا.
فَأَمَّا حَدِيثُ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ، فَقَضِيَّتَانِ فِي عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِلَّهِ خَالِصًا، فَكَرِهَ أَخَذَ الْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ اللَّه تَعَالَى.
وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ
وَإِنْ أُعْطِيَ الْمُعَلِّمُ أَجْرًا عَلَى تَعْلِيمِ الصَّبِيِّ الْخَطَّ وَحِفْظِهِ، جَازَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمُعْطِي يَنْوِي أَنْ يُعْطِيَهُ لِحِفْظِ الصَّبِيِّ وَتَعْلِيمِهِ، فَأَرْجُو إذَا كَانَ كَذَا.
وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ مُفْرَدًا، فَجَازَ مَعَ غَيْرِهِ، كَسَائِرِ مَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ قَيِّمًا لَهُ، يُسْرِجُ قَنَادِيلَهُ، وَيَكْنُسُهُ، وَيُغْلِقُ بَابَهُ وَيَفْتَحُهُ، فَأَخَذَ أَجْرًا عَلَى خِدْمَتِهِ، أَوْ كَانَ النَّائِبُ فِي الْحَجِّ يَخْدِمُ الْمُسْتَنِيبَ لَهُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَيَشُدُّ لَهُ، وَيَرْفَعُ حِمْلَهُ، وَيَحُجُّ عَنْ أَبِيهِ، فَدَفَعَ لَهُ أَجْرًا لِخِدْمَتِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ حُكْم إجَارَة مَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ كَتَعْلِيمِ وَغَيْرِهِ]
(4325) فَصْلٌ: وَمَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، كَتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ وَالشِّعْرِ الْمُبَاحِ، وَأَشْبَاهِهِ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، جَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ تَارَةً قُرْبَةً، وَتَارَةً غَيْرَ قُرْبَةٍ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ لِفِعْلِهِ، كَغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ.
وَكَذَلِكَ فِي تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ مِنْ الْعِبَادَات الْمَحْضَةِ، كَالصِّيَامِ، وَصَلَاةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، وَحَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَدَاءِ زَكَاةِ نَفْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الِانْتِفَاعِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ هَاهُنَا انْتِفَاعٌ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَجْرِ]
(4326) فَصْلٌ: إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَجْرِ، فَقَالَ: آجَرْتَنِيهَا سَنَةً بِدِينَارٍ.
قَالَ: بَلْ بِدِينَارَيْنِ.
تَحَالَفَا، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْآجِرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، فَإِذَا تَحَالَفَا قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَسَخَا الْعَقْدَ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ.
وَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْآخَرُ، قَرَّ الْعَقْدُ.
وَإِنْ فَسَخَا الْعَقْدَ بَعْدَ الْمُدَّةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا، سَقَطَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ تَلَفِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ الْعَمَلَ، وَإِنْ كَانَ عَمِلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجْرِ مِثْلِهِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَجْرِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَلَنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، فَيَتَحَالَفَانِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي عِوَضِهَا، كَالْبَيْعِ، وَكَمَا قَبِلَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ» . وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِوَضِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ]
(4327) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ، فَقَالَ: أَجَرْتُكهَا سَنَةً بِدِينَارٍ.
قَالَ: بَلْ سَنَتَيْنِ بِدِينَارَيْنِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا أَنْكَرَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِمِائَةٍ.
قَالَ: بَلْ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَجَرْتُكهَا سَنَةً بِدِينَارٍ.
قَالَ: بَلْ سَنَتَيْنِ بِدِينَارٍ.
فَهَاهُنَا قَدْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعِوَضِ وَالْمُدَّةِ جَمِيعًا، فَيَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمَا عَلَى مُدَّةٍ بِعِوَضٍ، فَصَارَ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْعِوَضِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: أَجَرْتُكَهَا سَنَةً بِدِينَارٍ.
فَقَالَ السَّاكِنُ: بَلْ اسْتَأْجَرْتَنِي عَلَى حِفْظِهَا بِدِينَارٍ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلسَّاكِنِ بَيِّنَةٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ سُكْنَى الدَّارِ قَدْ وُجِدَ مِنْ السَّاكِنِ، وَاسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ مِلْكُ صَاحِبِهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي مِلْكِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ اسْتِئْجَارِ السَّاكِنِ فِي الْحِفْظِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ]
(4328) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعُدْوَانِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الضَّمَانِ.
وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ أَبَقَ مِنْ يَدِهِ، وَأَنَّ الدَّابَّةَ شَرَدَتْ أَوْ نَفَقَتْ، وَأَنْكَرَ الْمُؤْجِرُ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا انْتَفَعَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤْجِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ.
فَأَمَّا إنْ ادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ مَرِضَ فِي يَدِهِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ جَاءَ بِهِ صَحِيحًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، سَوَاءٌ وَافَقَهُ الْعَبْدُ أَوْ خَالَفَهُ
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَإِنْ جَاءَ بِهِ مَرِيضًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَاءَ بِهِ صَحِيحًا فَقَدْ ادَّعَى مَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ، وَلَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَاءَ بِهِ مَرِيضًا، فَقَدْ وُجِدَ مَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ يَقِينًا، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي مُدَّةِ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى إبَاقَهُ فِي حَالِ إبَاقِهِ، أَوْ جَاءَ بِهِ غَيْرَ آبِقٍ.
وَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إبَاقِ الْعَبْدِ، دُونَ مَرَضِهِ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهِ، فَكَانَا سَوَاءً فِي دَعْوَى ذَلِكَ.
وَإِنْ هَلَكَتْ الْعَيْنُ، فَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ هَلَاكِهَا، أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ، أَوْ مَرِضَ فَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَمَلِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ فِي يَدِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ.
[فَصْل دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ أَوْ قَصَّارٍ لِيَخِيطَهُ أَوْ يَقْصِرُهُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا تَعْوِيضٍ بِأَجْرِ]
(4329) فَصْلٌ: إذَا دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ أَوْ قَصَّارٍ، لِيَخِيطَهُ أَوْ يَقْصُرَهُ، مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شَرْطٍ، وَلَا تَعْوِيضٍ بِأَجْرٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: خُذْ هَذَا فَاعْمَلْهُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّك إنَّمَا تَعْمَلُ بِأَجْرٍ.
وَكَانَ الْخَيَّاطُ وَالْقَصَّارُ مُنْتَصِبَيْنِ لِذَلِكَ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، فَلَهُمَا الْأَجْرُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا أَجْرَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ جُعِلَ لَهُمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّعَا بِعَمَلِهِ.
وَلَنَا أَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ بِذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ، فَصَارَ كَنَقْدِ الْبَلَدِ، وَكَمَا لَوْ دَخَلَ حَمَّامًا، أَوْ جَلَسَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ مَلَّاحٍ، وَلِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَقْتَضِيه، فَصَارَ كَالتَّعْوِيضِ
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُونَا مُنْتَصِبَيْنِ لِذَلِكَ، لَمْ يَسْتَحِقَّا أَجْرًا إلَّا بِعَقْدٍ أَوْ شَرْطِ الْعِوَضِ، أَوْ تَعْوِيضٍ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَامَ الْعَقْدِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، أَوْ عَمِلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى رَجُلٍ لِيَبِيعَهُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ، إنْ كَانَ مُنْتَصِبًا يَبِيعُ لِلنَّاسِ بِأَجْرٍ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَمَتَى دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يُقَاطِعْهُ عَلَى أَجْرٍ، فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ تَخْتَلِفُ أُجْرَتُهَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا، فَجَرَى مَجْرَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ
فَإِنْ تَلِفَ الثَّوْبُ مِنْ حِرْزِهِ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، لَا يُضْمَنُ فِي فَاسِدِهِ.
وَإِنْ تَلِفَ مِنْ فِعْلِهِ، بِتَخْرِيقِهِ أَوْ دَقِّهِ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَهُ بِذَلِكَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، فَفِي الْفَاسِدِ أَوْلَى.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَيَّ قَصَّارٍ لِيَقْصُرَهُ، وَلَمْ يَقْطَعْ لَهُ أَجْرًا، بَلْ قَالَ: أَنَا أُعْطِيك كَمَا تُعْطَى.
وَهَلَكَ الثَّوْبُ، فَإِنْ كَانَ بِخَرَقٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَجْنِيه يَدُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، بَيَّنَ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْمِلَ لَهُ كِتَابًا إلَى مَكَّة أَوْ غَيْرهَا إلَى صَاحِبٍ لَهُ فَحَمَلَهُ فَوَجَدَ صَاحِبَهُ غَائِبًا فَرَدَّهُ]
(4330) فَصْلٌ: إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْمِلَ لَهُ كِتَابًا إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا، إلَى صَاحِبٍ لَهُ، فَحَمَلَهُ، فَوَجَدَ صَاحِبَهُ غَائِبًا، فَرَدَّهُ، اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِحَمْلِهِ فِي الذَّهَابِ وَالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ فِي الذَّهَابِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ صَرِيحًا، وَفِي الرَّدِّ تَضْمِينًا؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ: وَإِنْ لَمْ تَجِدْ صَاحِبَهُ فَرُدَّهُ.
إذْ لَيْسَ سِوَى رَدِّهِ إلَّا تَضْيِيعَهُ.
فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَرْضَى تَضْيِيعَهُ، فَتَعَيَّنَ رَدُّهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَاب إحْيَاء الْمَوَاتِ]
ِ الْمَوَاتُ: هُوَ الْأَرْضُ الْخَرَابُ الدَّارِسَةُ، تُسَمَّى مَيْتَةً وَمَوَاتًا وَمَوَتَانًا، بِفَتْحِ الْمِيم وَالْوَاوِ، وَالْمَوْتَانُ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ: الْمَوْتُ الذَّرِيعُ.
وَرَجُلٌ مَوْتَانُ الْقَلْبِ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، يَعْنِي: أَعْمَى الْقَلْبِ، لَا يَفْهَمُ.
وَالْأَصْلُ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ، مَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَى مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ "، وَأَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» . قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي خِلَافَتِهِ
وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ.
[مَسْأَلَة مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ]
(4331) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ، فَهِيَ لَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَوَاتَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ، فَهَذَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِحْيَاءِ.
وَالْأَخْبَارُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا مُتَنَاوِلَةٌ لَهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُ مَالِكٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا مَا لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا، مَا مُلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ، فَهَذَا لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُرِفَ بِمِلْكِ مَالِكٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ لِأَحَدٍ غَيْرِ أَرْبَابِهِ.
الثَّانِي مَا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى دَثَرَ وَعَادَ مَوَاتًا، فَهُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُمْلَكُ هَذَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» . وَلِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْأَرْضِ مُبَاحٌ، فَإِذَا تُرِكَتْ حَتَّى تَصِيرَ مَوَاتًا عَادَتْ إلَى الْإِبَاحَةِ، كَمَنْ أَخَذَ مَاءً مِنْ نَهْرٍ ثُمَّ رَدَّهُ فِيهِ.
وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ يُعْرَفُ مَالِكُهَا، فَلَمْ تُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ، كَاَلَّتِي مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ، وَالْخَبَرُ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ، بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ ". وَقَوْلِهِ: " فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ "
وَهَذَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِهِ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» : الْعِرْقُ الظَّالِمُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ لِغَيْرِهِ، فَيَغْرِسَ فِيهَا.
ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فِي " سُنَنِهِ ". ثُمَّ الْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِمَا مُلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
وَلِأَنَّ سَائِرَ الْأَمْوَالِ لَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهَا بِالتَّرْكِ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَمْلَاكِ إذَا تُرِكَتْ حَتَّى تَشَعَّثَتْ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْمَوَاتِ إذَا أَحْيَاهُ إنْسَانٌ ثُمَّ بَاعَهُ، فَتَرَكَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى عَادَ مَوَاتًا، وَبِاللُّقَطَةِ إذَا مَلَكَهَا ثُمَّ ضَاعَتْ مِنْهُ، وَيُخَالِفُ مَاءَ النَّهْرِ، فَإِنَّهُ اُسْتُهْلِكَ.
النَّوْعُ الثَّانِي مَا يُوجَدُ فِيهِ آثَارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جَاهِلِيٍّ، كَآثَارِ الرُّومِ، وَمَسَاكِنِ ثَمُودَ، وَنَحْوِهَا، فَهَذَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ
لِأَنَّ ذَلِكَ الْمِلْكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَكُمْ» . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فِي " سُنَنِهِ "، وَأَبُو عُبَيْدٍ، فِي " الْأَمْوَالِ ". وَقَالَ: عَادِيُّ الْأَرْضِ: الَّتِي كَانَ بِهَا سَاكِنٌ فِي آبَادِ الدَّهْرِ، فَانْقَرَضُوا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَنِيسٌ، وَإِنَّمَا نَسَبَهَا إلَى عَادٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ تَقَدُّمِهِمْ ذَوِي قُوَّةٍ وَبَطْشٍ وَآثَارٍ كَثِيرَةٍ، فَنُسِبَ كُلُّ أَثَرٍ قَدِيمٍ إلَيْهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ أَثَرُ الْمِلْكِ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَنَّهُ لَا يُمْلَكْ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوهُ عَامِرًا، فَاسْتَحَقُّوهُ، فَصَارَ مَوْقُوفًا بِوَقْفِ عُمَرَ لَهُ، فَلَمْ يُمْلَكْ، كَمَا لَوْ عُلِمَ مَالِكُهُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ، مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمِلْكُ فِي الْإِسْلَامِ لِمُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَهَا عَنْهُ أَبُو دَاوُد، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى؛ لِمَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا، فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ» . فَقَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَهَا مَالِكٌ، فَلَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا، فَإِنَّ مَالِكَهَا إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ فَهِيَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ، وَرِثَهَا الْمُسْلِمُونَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ.
نَقَلَهَا صَالِحٌ وَغَيْرُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهَا أَرْضٌ مَوَاتٌ، لَا حَقَّ فِيهَا لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، أَشْبَهَتْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكُ مَالِكٍ، وَلِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ كَلُقَطَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْكُفْرِ، فَهِيَ كَالرِّكَازِ.
(4332) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ عَامِرَ دَارِ الْحَرْبِ إنَّمَا
يُمْلَكُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، فَأَمَّا مَا عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا مِلْكُ كَافِرٍ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ، فَأَشْبَهَ دِيَارَ عَادٍ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»
وَلِأَنَّ الرِّكَازَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمْلِكُهُ وَاجِدُهُ، فَهَذَا أَوْلَى.
قُلْنَا: قَوْلُهُ: " عَادِيُّ الْأَرْضِ ". يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ مِلْكُهُ، وَمَضَتْ عَلَيْهِ الْأَزْمَانُ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا حُكْمَ لِمَالِكِهِ.
فَأَمَّا مَا قَرُبَ مِلْكُهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ مَالِكًا بَاقِيًا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يُمْلَكُ.
عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَمَّا الرِّكَازُ، فَإِنَّهُ يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لُقَطَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ تُمْلَكُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ.
[فَصْل لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْإِحْيَاءِ]
(4333) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْإِحْيَاءِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي» . فَجَمَعَ الْمَوَتَانَ، وَجَعَلَهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَنَّ مَوَتَانَ الدَّارِ مِنْ حُقُوقِهَا، وَالدَّارُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ مَوَاتُهَا لَهُمْ، كَمَرَافِقِ الْمَمْلُوكِ
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» . وَلِأَنَّ هَذِهِ جِهَةً مِنْ جِهَاتِ التَّمْلِيكِ، فَاشْتَرَكَ فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، كَسَائِرِ جِهَاتِهِ.
وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُهُ، إنَّمَا نَعْرِفُ قَوْلَهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هُوَ لَكُمْ بَعْدُ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنْ الْأَرْضِ، فَلَهُ دَفِينُهَا» . هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، رَوَاهُ طَاوُسٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: " هِيَ لَكُمْ ". أَيْ لِأَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا مِنْ حُقُوقِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
قُلْنَا: وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَيَمْلِكُهَا، كَمَا يَمْلِكُهَا بِالشِّرَاءِ، وَيَمْلِكُ مُبَاحَاتِهَا، مِنْ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصُّيُودِ وَالرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ وَاللُّقَطَةِ، وَهِيَ مِنْ مَرَافِقِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
[فَصْلٌ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ مِنْ طُرُقِهِ وَمَسِيلِ مَائِهِ وَمَطْرَح قُمَامَتِهِ وَمُلْقَى تُرَابِهِ وَآلَاته]
(4334) فَصْلٌ: وَمَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ، وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، مِنْ طُرُقِهِ، وَمَسِيلِ مَائِهِ، وَمَطْرَحِ قُمَامَتِهِ، وَمُلْقَى تُرَابِهِ وَآلَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِ الْقَرْيَةِ، كَفِنَائِهَا، وَمَرْعَى مَاشِيَتِهَا، وَمُحْتَطَبِهَا، وَطُرُقِهَا، وَمَسِيلِ مَائِهَا، لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ وَالنَّهْرِ وَالْعَيْنِ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ» . مَفْهُومُهُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُسْلِمٍ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمَمْلُوكِ، وَلَوْ جَوَّزْنَا إحْيَاءَهُ، لَبَطَلَ الْمِلْكُ فِي الْعَامِرِ عَلَى أَهْلِهِ
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرَافِقَ لَا يَمْلِكُهَا الْمُحْيِي بِالْإِحْيَاءِ، لَكِنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْلِكُ بِذَلِكَ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّهُ مَكَانٌ اسْتَحَقَّهُ بِالْإِحْيَاءِ، فَمَلَكَهُ، كَالْمُحْيِي، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْمِلْكِ مَوْجُودٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ الدَّارِ فِي الْبَيْعِ، وَيَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُهَا.
فَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ، فِي رَجُلَيْنِ أَحْيِيَا قِطْعَتَيْنِ مِنْ مَوَاتٍ، وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمَا رُقْعَةٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ لِيُحْيِيَهَا، فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ
وَقَالَ فِي جَبَّانَةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ: مَنْ أَحْيَاهَا، فَهِيَ لَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» «. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ الْعَقِيقَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَيْنَ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ» . وَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَامِرِ، فَجَازَ إحْيَاؤُهُ، كَالْبَعِيدِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ الْمَصْلَحَةِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى فَتْحِ بَابٍ فِي حَائِطِهِ إلَى فِنَائِهِ، وَيَجْعَلَهُ طَرِيقًا، أَوْ يَخْرُبَ حَائِطُهُ، فَيَضَعَ آلَاتِ الْبِنَاءِ فِي فِنَائِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبَعِيدِ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ يَفْصِلُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ سِوَى الْعُرْفِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدُّهُ غَلْوَةٌ، وَهِيَ خُمْسُ الْفَرْسَخِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَدُّ الْبَعِيدِ هُوَ الَّذِي إذَا وَقَفَ الرَّجُلُ فِي أَدْنَاهُ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، لَمْ يَسْمَعْ أَدْنَى أَهْلِ الْمِصْرِ إلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ التَّحْدِيدَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ، وَلَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ تَحْدِيدٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ، كَالْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ.
وَقَوْلُ مَنْ حَدَّدَ هَذَا تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَحْدِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، كَمِيلٍ وَنِصْفِ مِيلٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا التَّحْدِيدُ الَّذِي ذَكَرَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُخْتَصٌّ بِمَا قَرُبَ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِكُلِّ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فِي مَوَاتٍ، حَرُمَ إحْيَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاتِ عَلَى غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ.
(4335) فَصْلٌ: وَجَمِيعُ الْبِلَادِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءٌ، الْمَفْتُوحُ عَنْوَةً كَأَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ كَأَرْضِ خَيْبَرَ، إلَّا الَّذِي صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: لَوْ دَخَلَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَأَحْيَا فِيهَا مَوَاتًا، لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ،
فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَشَيْءٍ مِنْهَا، عَامِرًا كَانَ أَوْ مَوَاتًا، لِأَنَّ الْمَوَاتَ تَابِعٌ لِلْبَلَدِ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِمْ الْبَلَدَ لَمْ يَمْلِكْ مَوَاتَهُ.
وَيُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ، حَيْثُ يَمْلِكُ مَوَاتَهَا؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَهَذِهِ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لَهُمْ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْنَا
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهَا مَنْ أَحْيَاهَا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهَا مِنْ مُبَاحَاتِ دَارِهِمْ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَهَا مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا، كَالْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّوَادِ مَوَاتٌ.
يَعْنِي سَوَادَ الْعِرَاقِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَامِرِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِ السَّوَادِ كَانَ مَعْمُورًا كُلُّهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَحِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْكُفَّارِ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ سَأَلَ أَنْ يُعْطَى خَرِبَةً، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ خَرِبَةً.
فَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنْ أُعْلِمَكُمْ كَيْف أَخَذْتُمُوهَا مِنَّا.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَوَاتٌ حِينَ مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَصِرْ فِيهَا مَوَاتٌ بَعْدَهُ، لِأَنَّ مَا دَثَرَ مِنْ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَصِرْ مَوَاتًا، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
[فَصْلٌ إنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا]
(4336) فَصْلٌ: وَإِنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا، وَهُوَ أَنْ يَشْرَعَ فِي إحْيَائِهِ، مِثْلُ إنْ أَدَارَ حَوْلَ الْأَرْضِ تُرَابًا أَوْ أَحْجَارًا، أَوْ حَاطَهَا بِحَائِطٍ صَغِيرٍ، لَمْ يَمْلِكْهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِحْيَاءٍ، لَكِنْ يَصِيرُ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَإِنْ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ، صَارَ الثَّانِي بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ.
وَإِنْ مَاتَ فَوَارِثُهُ أَحَقُّ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» . فَإِنْ بَاعَهُ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ بِهِ، وَكَمَنْ سَبَقَ إلَى مَعْدِنٍ أَوْ مُبَاحٍ قَبْلَ أَخْذِهِ
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرَهُ فَأَحْيَاهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يُمْلَكُ بِهِ، وَالتَّحَجُّرَ لَا يُمْلَكُ بِهِ، فَثَبَتَ الْمِلْكُ بِمَا يُمْلَكُ بِهِ دُونَ مَا لَمْ يُمْلَكْ بِهِ، كَمَنْ سَبَقَ إلَى مَعْدِنٍ أَوْ مَشْرَعَةِ مَاءٍ، فَجَاءَ غَيْرُهُ، فَأَزَالَهُ وَأَخَذَهُ.
وَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ " وَقَوْلِهِ: " فِي حَقِّ غَيْرِ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ ". أَنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ إذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ فِيهَا حَقٌّ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»
وَرَوَى سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ " أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَعْنِي مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَمَرَهَا قَبْلَ ثَلَاثِ سِنِينَ لَا يَمْلِكُهَا؛ وَلِأَنَّ الثَّانِيَ أَحْيَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ، كَمَا لَوْ أَحْيَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْره، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ، فَكَانَ أَوْلَى، كَحَقِّ الشَّفِيعِ يُقَدَّمُ عَلَى شِرَاءِ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ السُّلْطَانُ: إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ، أَوْ تَتْرُكَهُ لِيُحْيِيَهُ غَيْرُك
لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ
فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مَشْرَعَةِ مَاءٍ، أَوْ مَعْدِنٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَا يَدَعُ غَيْرَهُ يَنْتَفِعُ فَإِنْ سَأَلَ الْإِمْهَالَ لِعُذْرِ لَهُ، أُمْهِلَ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ؛ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَإِنْ تَقَضَّتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَعْمُرْ، فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَعْمُرَهُ وَيَمْلِكَهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ ضُرِبَتْ لَهُ لِيَنْقَطِعَ حَقُّهُ بِمُضِيِّهَا، وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي عِمَارَتِهَا، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَحَجِّرِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْعِمَارَةِ، قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَعْمُرَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَك، فَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا، كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا، فَإِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُ شَيْءٌ، وَاسْتَمَرَّ تَعْطِيلُهَا
فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْل لِلْإِمَامِ إقْطَاعُ الْمَوَاتِ لِمَنْ يُحْيِيه]
(4337) فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ الْمَوَاتِ لِمَنْ يُحْيِيه، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ» ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ قَالَ لِبِلَالٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقْطِعْكَ لِتَحِيزَهُ عَنْ النَّاسِ، إنَّمَا أَقْطَعَكَ لِتَعْمُرَ، فَخُذْ مِنْهَا مَا قَدَرْتَ عَلَى عِمَارَتِهِ، وَرُدَّ الْبَاقِيَ.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " الْأَمْوَالِ ". وَذَكَرَ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ ": حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: سَمِعْت الْحَارِثَ بْنَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: مَا أَقْطَعَك لِتَحْتَجِنَهُ، فَأَقْطَعَهُ النَّاسَ»
وَرَوَى عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ نَاسًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ أَرْضًا، فَعَطَّلُوهَا، فَجَاءَ قَوْمٌ فَأَحْيَوْهَا، فَخَاصَمَهُمْ الَّذِينَ أَقْطَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ كَانَتْ قَطِيعَةً مِنِّي أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، لَمْ أَرُدَّهَا، وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنَا أَرُدُّهَا» ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَعْنِي مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا.
[مَسْأَلَةٌ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ فِي إقْطَاع الْمَوَات]
(4338) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضَ مِلْحٍ أَوْ مَاءٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا الْإِنْسَانُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْمَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ وَهِيَ الَّتِي يُوصَلُ إلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتَابُهَا النَّاسُ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا،
كَالْمِلْحِ، وَالْمَاءِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْقِيرِ، وَالْمُومْيَاءِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالْبِرَامِ، وَالْيَاقُوتِ، وَمَقَاطِعِ الطِّينِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهَا لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَا احْتِجَازُهَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ، وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ مَعْدِنَ الْمِلْحِ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْعِدِّ رَدَّهُ» . كَذَا قَالَ أَحْمَدُ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادِهِمْ، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ، «أَنَّهُ اسْتَقْطَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ، فَلَمَّا وَلَّى، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَدْرِي مَا أَقْطَعْت لَهُ؟ إنَّمَا أَقْطَعْت الْمَاءَ الْعِدَّ.
فَرَجَعَهُ مِنْهُ.
قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُحْمَى مِنْ الْأَرَاكِ؟ قَالَ: مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ» . وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَرُوِيَ فِي لَفْظٍ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ»
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ الْمَأْرِبِيِّ قَالَ: «اسْتَقْطَعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْدِنَ الْمِلْحِ بِمَأْرِبَ، فَأَقْطَعَنِيهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْعِدِّ.
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلَا إذَنْ» . وَلِأَنَّ هَذَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ، فَلَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ، وَلَا إقْطَاعُهُ، كَمَشَارِعِ الْمَاءِ، وَطُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مِنْ مَوَادِّ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَفَيْضِ جُودِهِ الَّذِي لَا غَنَاءَ عَنْهُ، فَلَوْ مَلَكَهُ أَحَدٌ بِالِاحْتِجَازِ، مَلَكَ مَنْعَهُ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ أَخَذَ الْعِوَضَ عَنْهُ أَغْلَاهُ، فَخَرَجَ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ مِنْ تَعْمِيمِ ذَوِي الْحَوَائِجِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
[فَصْلٌ الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ فِي إقْطَاع الْمَوَات]
(4339) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي لَا يُوصَلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَالْبِلَّوْرِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، فَإِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً، لَمْ تُمْلَكْ أَيْضًا بِالْإِحْيَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً، فَحَفَرَهَا إنْسَانٌ وَأَظْهَرَهَا، لَمْ يَمْلِكْهَا بِذَلِكَ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهَا بِذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ، فَمُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، كَالْأَرْضِ، وَلِأَنَّهُ بِإِظْهَارِهِ تَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ
ذَلِكَ الْعَمَلِ
فَأَشْبَهَ الْأَرْضَ إذَا جَاءَهَا بِمَاءٍ أَوْ حَاطَهَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ هُوَ الْعِمَارَةُ الَّتِي تَهَيَّأَ بِهَا الْمُحْيِي لِلِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ، وَهَذَا حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ، يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ عِنْدَ كُلّ انْتِفَاعٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ احْتَفَرَ بِئْرًا مَلَكَهَا، وَمَلَكَ حَرِيمَهَا.
قُلْنَا: الْبِئْرُ تَهَيَّأَتْ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ حَفْرٍ وَلَا عِمَارَةٍ، وَهَذِهِ الْمَعَادِنُ تَحْتَاجُ عِنْدَ كُلِّ انْتِفَاعٍ إلَى عَمَلٍ وَعِمَارَةٍ، فَافْتَرَقَا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ.
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْطَعَ لِبَلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ، جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ.
[فَصْلٌ أَحْيَا أَرْضًا فَمَلَكَهَا بِذَلِكَ فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ]
(4340) فَصْلٌ: وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا، فَمَلَكَهَا بِذَلِكَ، فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ، مَلَكَهُ ظَاهِرًا كَانَ أَوْ بَاطِنًا، إذَا كَانَ مِنْ الْمَعَادِنِ الْجَامِدَةِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا، وَهَذَا مِنْهَا.
وَيُفَارِقُ الْكَنْزَ؛ فَإِنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَلَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا.
وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ ظَاهِرًا قَبْلَ إحْيَائِهَا؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ نَفْعًا كَانَ وَاصِلًا إلَيْهِمْ، وَمَنَعَهُمْ انْتِفَاعًا كَانَ لَهُمْ، وَهَاهُنَا لَمْ يَقْطَعْ عَنْهُمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ لَهُ.
وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ، أَوْ أَقْطَعَهَا، فَظَهَرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إحْيَائِهَا، لَكَانَ لَهُ إحْيَاؤُهَا، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إتْمَامِ حَقِّهِ.
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ، كَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْمَاءِ، فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ ظَهَرَتْ فِي مِلْكِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا، لَا يَمْلِكُهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِمِلْكِ الْأَرْضِ، كَالْكَنْزِ.
وَالثَّانِيَةُ يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ أَرْضِهِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ، فَأَشْبَهَتْ الزَّرْعَ وَالْمَعَادِنَ الْجَامِدَةَ.
[فَصْلٌ شَرَعَ إنْسَانٌ فِي حَفْرِ مَعْدِنٍ وَلَمْ يَصِلْ إلَى النِّيلِ]
(4341) فَصْلٌ: وَلَوْ شَرَعَ إنْسَانٌ فِي حَفْرِ مَعْدِنٍ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى النِّيلِ، صَارَ أَحَقَّ بِهِ، كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى النَّيْلِ صَارَ أَحَقَّ بِالْأَخْذِ مِنْهُ، مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ، وَهَلْ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ؟ فِيهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَإِنْ حَفَرَ آخَرُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ.
وَإِذَا وَصَلَ إلَى ذَلِكَ الْعِرْقِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ
مَنْعُهُ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْمَعْدِنَ يُمْلَكُ بِحَفْرِهِ.
أَوْ لَمْ نَقُلْ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَلَكَهُ، فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمَكَانَ الَّذِي حَفَرَهُ، وَأَمَّا الْعِرْقُ الَّذِي فِي الْأَرْضِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ.
وَمَنْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَلَهُ أَخْذُهُ.
وَلَوْ ظَهَرَ فِي مِلْكِهِ مَعْدِنٌ، بِحَيْثُ يَخْرُجُ النِّيلُ عَنْ أَرْضِهِ، فَحَفَرَ إنْسَانٌ مِنْ خَارِجِ أَرْضِهِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا خَرَجَ عَنْ أَرْضِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، إنَّمَا مَلَكَ مَا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ أَرْضِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَا كَانَ دَاخِلًا فِي أَرْضِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ الْبَاطِنَةِ، كَمَا لَا يَمْلِكُ أَخْذَ أَجْزَائِهَا الظَّاهِرَةِ.
وَلَوْ حَفَرَ كَافِرٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَعْدِنًا، فَوَصَلَ إلَى النِّيلِ، ثُمَّ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، لَمْ تَصِرْ غَنِيمَةً، وَكَانَ وُجُودُ عَمَلِهِ وَعَدَمُهُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ عَامِرَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ مَلَكَهُ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلّهَا تَصِيرُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى مَصْلَحَةٍ مِنْ مَصَالِحِهِمْ، فَتُعَيَّنُ لَهَا، كَمَا لَوْ ظَهَرَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
[فَصْل كَانَ فِي الْمَوَاتِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِ مَعْدِنًا ظَاهِرًا]
(4342) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ فِي الْمَوَاتِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِ مَعْدِنٌ ظَاهِرٌ، كَمَوْضِعٍ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، إذَا صَارَ فِيهِ مَاءُ الْبَحْرِ صَارَ مِلْحَا، مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، وَجَازَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِإِحْدَاثِهِ، بَلْ يَحْدُثُ نَفْعُهُ بِفِعْلِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ، وَإِحْيَاءُ هَذَا بِتَهْيِئَتِهِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ، وَتَمْهِيدِهِ، وَفَتْحِ قَنَاةٍ إلَيْهِ تَصُبُّ الْمَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ بِهَذَا الِانْتِفَاعُ بِهِ.
[فَصْل مَلَكَ مَعْدِنًا فَعَمِلَ فِيهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
(4343) فَصْلٌ: وَمَنْ مَلَكَ مَعْدِنًا، فَعَمِلَ فِيهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَمَا حَصَلَ مِنْهُ فَهُوَ لِمَالِكِهِ، وَلَا أَجْرَ لِلْغَاصِبِ عَلَى عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَصَدَ زَرْعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَإِنْ قَالَ مَالِكُهُ: اعْمَلْ فِيهِ، وَلَك مَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْمَعْدِنِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ مِنْ مَالِكِهِ، فَمَلَكَ مَا أَخَذَهُ، كَمَا لَوْ أَبَاحَهُ الْأَخْذَ مِنْ دَارِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ.
وَإِنْ قَالَ: اعْمَلْ فِيهِ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ نَيْلٍ كَانَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ.
فَعَمِلَ، فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ، وَمَا يَأْخُذُهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا
كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اُحْصُدْ هَذَا الزَّرْعَ بِنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ.
وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا، فَصَحَّ الْعَمَلُ فِيهَا بِبَعْضِهِ، كَالْمُضَارَبَةِ فِي الْأَثْمَانِ.
وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إجَارَةً؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ، وَالْعَمَلَ مَجْهُولٌ، وَلَا جَعَالَةً؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ، وَلَا مُضَارَبَةً؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ إنَّمَا تَصِحُّ بِالْأَثْمَانِ، عَلَى أَنْ يَرُدّ رَأْسَ الْمَالِ، وَتَكُونَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هَاهُنَا.
وَفَارَقَ حَصَادَ الزَّرْعِ بِنِصْفِهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَمَا عُلِمَ جَمِيعُهُ عُلِمَ جُزْؤُهُ، بِخِلَافِ هَذَا.
وَإِنْ قَالَ: اعْمَلْ فِيهِ كَذَا، وَلَك مَا يَحْصُلُ مِنْهُ، بِشَرْطِ أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا.
أَوْ شَيْئًا مَعْلُومًا
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِمَجْهُولِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ
مُعَامَلَةً كَالْمُضَارَبَةِ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ النَّمَاءِ، لَا دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ مَعْدِنًا مِنْ قَوْمٍ، عَلَى أَنْ يَعْمُرَهُ، وَيَعْمَلَ فِيهِ، وَيُعْطِيَهُمْ أَلْفَيْ مَنٍّ أَوْ أَلْفَ مَنٍّ صُفْرًا.
فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَمْ يُرَخَّصْ فِيهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفِرَ لَهُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي دُورِ كَذَا بِدِينَارِ]
(4344) فَصْلٌ: إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفِر لَهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فِي دُورِ كَذَا، بِدِينَارٍ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَإِنْ ظَهَرَ عِرْقُ ذَهَبٍ، فَقَالَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتُخْرِجَهُ بِدِينَارٍ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَجْهُولٌ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ اسْتَخْرَجْته فَلَكَ دِينَارٌ.
صَحَّ، وَيَكُونُ جَعَالَةً؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ تَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا.
[فَصْلٌ سَبَقَ فِي الْمَوَاتِ إلَى مَعْدِنٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ]
(4345) فَصْلٌ: وَمَنْ سَبَقَ فِي الْمَوَاتِ إلَى مَعْدِنٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ لَهُ» . فَإِنْ أَخَذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَأَرَادَ الْإِقَامَةَ فِيهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ، مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ فِي مَشْرَعَةِ الْمَاءِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
وَإِنْ أَطَالَ الْمُقَامَ وَالْأَخْذَ، احْتَمَلَ أَنْ يُمْنَعَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ لَهُ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُمْنَعَ؛ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.
وَإِنْ اسْتَبَقَ إلَيْهِ اثْنَانِ، وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا بِهَا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا رَابِعًا، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ يَنْصِبُ مَنْ يَأْخُذُ لَهُمَا، وَيَقْسِمُ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ الْجَزَائِرِ لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ]
(4346) فَصْلٌ: وَمَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ الْجَزَائِرِ، لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى: إذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةٍ إلَى فِنَاءِ رَجُلٍ لَمْ يَبْنِ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ.
يَعْنِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا، رَجَعَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ.
وَلِأَنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبِتُ الْكَلَأِ وَالْحَطَبِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ» . وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أَبَاحَ الْجَزَائِرَ
يَعْنِي أَبَاحَ مَا يَنْبُتُ فِي الْجَزَائِرِ مِنْ النَّبَاتِ، وَقَالَ: إذَا نَضَبَ الْفُرَاتُ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ نَبَتَ فِيهِ نَبَاتٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَمَنَعَ النَّاسَ مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى مِلْكِ إنْسَانٍ، ثُمَّ عَادَ فَنَضَبَ عَنْهُ، فَلَهُ أَخْذُهُ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ
أَحَدٌ، فَعَمَرَهُ رَجُلٌ عِمَارَةً لَا تَرُدُّ الْمَاءَ، مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَزْرَعَةً، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَحَجِّرٌ لِمَا لَيْسَ لِمُسْلِمِ فِيهِ حَقٌّ، فَأَشْبَهَ التَّحَجُّرَ فِي الْمَوَاتِ.
[فَصْلٌ حُكْم إحْيَاء مَا كَانَ مِنْ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالرِّحَابِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ]
(4347) فَصْلٌ: وَمَا كَانَ مِنْ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالرِّحَابِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحْيَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاسِعًا أَوْ ضَيِّقًا، وَسَوَاءٌ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُضَيِّقْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَتُهُمْ، فَأَشْبَهَ مَسَاجِدَهُمْ.
وَيَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِالْقُعُودِ فِي الْوَاسِعِ مِنْ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَالِاجْتِيَازِ، قَالَ أَحْمَدُ، فِي السَّابِقِ إلَى دَكَاكِينِ السُّوقِ غَدْوَةً: فَهُوَ لَهُ إلَى اللَّيْلِ.
وَكَانَ هَذَا فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فِيمَا مَضَى.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنًى مَنَاخُ مَنْ سَبَقَ» . وَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، مِنْ بَارِيَّةٍ، وَتَابُوتٍ، وَكِسَاءٍ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ فِيهِ.
وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ لَا دَكَّةً وَلَا غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، وَيَعْثُرُ بِهِ الْمَارَّةُ بِاللَّيْلِ، وَالضَّرِيرُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَيَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، فَرُبَّمَا ادَّعَى مِلْكَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَالسَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِيهِ، فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فِيهِ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتُهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ، كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ زَالَتْ
وَإِنْ قَعَدَ وَأَطَالَ، مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ، وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيه غَيْرُهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُزَالَ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ اسْتَبَقَ اثْنَانِ إلَيْهِ، احْتَمَلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا.
وَإِنْ كَانَ الْجَالِسُ يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ، لَمْ يَحِلّ لَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ تَمْكِينُهُ بِعِوَضٍ، وَلَا غَيْرِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ عَلَى الطَّرِيقِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ ضَيِّقٌ، أَوْ يَكُونُ يُؤْذِي الْمَارَّةَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ
وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي الطَّحْنُ فِي الْعُرُوبِ إذَا كَانَتْ فِي طَرِيقِ النَّاسِ.
وَهُوَ السُّفُنُ الَّتِي يُطْحَنُ فِيهَا فِي الْمَاءِ الْجَارِي.
إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ، لِتَضْيِيقِهَا طَرِيقَ السُّفُنِ الْمَارَّةِ فِي الْمَاءِ.
قَالَ أَحْمَدُ: رُبَّمَا غَرِقَتْ السُّفُنُ، فَأَرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَقَّى الشِّرَاءَ مِمَّا يُطْحَنُ بِهَا.
[فَصْلٌ فِي الْقَطَائِعِ]
(4348) فَصْلٌ: فِي الْقَطَائِعِ، وَهِيَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا إقْطَاعُ إرْفَاقٍ، وَذَلِكَ إقْطَاعُ مَقَاعِدِ السُّوقِ، وَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ، وَرِحَابِ الْمَسَاجِدِ، الَّتِي
ذَكَرْنَا أَنَّ لِلسَّابِقِ إلَيْهَا الْجُلُوسَ فِيهَا، فَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا لِمَنْ يَجْلِسُ فِيهَا؛ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادًا، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ، فَكَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا مَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِجُلُوسِهِ.
وَلَا يَمْلِكُهَا الْمُقْطَعُ بِذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ
سَوَاءً، إلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ السَّابِقَ إذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ عَنْهَا، فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا بِسَبْقِهِ إلَيْهَا، وَمُقَامِهِ فِيهَا، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا، زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ، لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ، وَهَذَا اسْتَحَقَّ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ، فَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَحُكْمُهُ فِي التَّظْلِيلِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَيْسَ بِنَاءً، وَمَنْعِهِ مِنْ الْبِنَاءِ، وَمَنْعِهِ إذَا طَالَ مُقَامُهُ، حُكْمُ السَّابِقِ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
الثَّانِي إقْطَاعُ مَوَاتٍ مِنْ الْأَرْضِ لِمَنْ يُحْيِيهَا
، فَيَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَهُ أَرْضًا، فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ أَعْطِهِ إيَّاهُ، أَوْ أَعْلِمْهُ إيَّاهُ.» حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَأَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ، وَأَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ الْمَأْرِبِيَّ، وَأَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى فَرَسَهُ حَتَّى قَامَ وَرَمَى بِسَوْطِهِ، فَقَالَ: " أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ وَقَعَ السَّوْطُ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو دَاوُد.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَنْصَارَ لِيَقْطَعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنْ فَعَلْت، فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا» . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْطَعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْضًا، وَأَنَّ عُثْمَانَ أَقْطَعَ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ الزُّبَيْرَ، وَسَعْدًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَأُسَامَةَ بْن زَيْدٍ، وَخَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ.
وَيُرْوَى عَنْ نَافِعٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: إنَّ قِبَلَنَا أَرْضًا بِالْبَصْرَةِ، لَيْسَتْ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَلَا تَضُرُّ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تُقْطِعَنِيهَا أَتَّخِذُ فِيهَا قَصِيلًا لِخَيْلِي، فَافْعَلْ.
قَالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى: إنْ كَانَتْ كَمَا يَقُولُ، فَأَقْطِعْهَا إيَّاهُ رَوَى هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " الْأَمْوَالِ ".
وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ نَاسًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ أَرْضًا» . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ الْمَوَاتِ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ، لَكِنْ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ، كَالْمُتَحَجِّرِ لِلشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، حَيْثُ اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْهُ مَا عَجَزَ عَنْ إحْيَائِهِ مِنْ الْعَقِيقِ، الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَجُزْ اسْتِرْجَاعُهُ.
وَرَدَّ عُمَرُ
أَيْضًا قَطِيعَةَ أَبِي بَكْرٍ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، فَسَأَلَ عُيَيْنَةُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ كِتَابًا فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُجَدِّدُ شَيْئًا رَدَّهُ عُمَرُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
لَكِنَّ الْمُقْطَعَ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَوْلَى بِإِحْيَائِهِ، فَإِنْ أَحْيَاهُ، وَإِلَّا قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: إنْ أَحْيَيْته، وَإِلَّا فَارْفَعْ يَدَك عَنْهُ.
كَمَا قَالَ عُمَرُ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقْطِعْك لِتَحْجُبَهُ دُونَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا أَقْطَعَك لِتَعْمُرَ، فَخُذْ مِنْهَا مَا قَدَرْت عَلَى عِمَارَتِهِ، وَرُدَّ الْبَاقِيَ.
وَإِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ، أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَإِنْ طَلَبَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ يُمْهَلْ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُتَحَجِّرِ
وَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ فَأَحْيَاهُ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُ شَيْءٌ، أَوْ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ نَاسًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ أَرْضًا، فَعَطَّلُوهَا، فَجَاءَ قَوْمٌ فَأَحْيَوْهَا، فَخَاصَمَهُمْ الَّذِينَ أَقْطَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ كَانَتْ قَطِيعَةً مِنِّي، أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، لَمْ أَرُدَّهَا، وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنَا أَرُدُّهَا» ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَطِيعَةً مِنْ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا.
وَالثَّانِي، لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُقْطَعِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ»
أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ مُسْلِمٍ، لَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُتَحَجِّرِ، وَهَذَا مِثْلُهُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُ مَا لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ مِنْ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ]
(4349) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُ مَا لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ مِنْ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا اسْتَقْطَعَهُ أَبْيَضُ بْنُ حَمَّالٍ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّمَا أَقْطَعْتَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ.
رَجَعَهُ مِنْهُ» . وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي إقْطَاعِ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ وَجْهَانِ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى.
[فَصْلٌ لَا يَقْطَع الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمَوَاتِ إلَّا مَا يُمْكِنُهُ إحْيَاؤُهُ]
(4350) فَصْلٌ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَع الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمَوَاتِ، إلَّا مَا يُمْكِنُهُ إحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فِي إقْطَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
فَإِنْ فَعَلَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إحْيَائِهِ، اسْتَرْجَعَهُ مِنْهُ، كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ عِمَارَتِهِ مِنْ الْعَقِيقِ، الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[فَصْلٌ فِي الْحِمَى]
(4351) فَصْلٌ: فِي الْحِمَى، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَحْمِيَ أَرْضًا مِنْ الْمَوَاتِ، يَمْنَعُ النَّاسَ رَعْيَ مَا فِيهَا مِنْ الْكَلَأِ، لِيَخْتَصّ بِهَا دُونَهُمْ.
وَكَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْرِفُ ذَلِكَ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا انْتَجَعَ بَلَدًا أَوْفَى بِكَلْبٍ عَلَى نَشَزَ، ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ.
وَوَقَفَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ بِالْعُوَاءِ، فَحَيْثُمَا انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِنَفْسِهِ، وَيَرْعَى مَعَ الْعَامَّةِ فِيمَا سِوَاهُ.
فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ.
وَرَوَى الصَّعْبُ بْن جَثَّامَةَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَقَالَ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ، وَالنَّارِ، وَالْكَلَأِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ سِوَى الْأَئِمَّةِ أَنْ يَحْمِيَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.
فَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» . لَكِنَّهُ لَمْ يَحْمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «حَمَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَالنَّقِيعُ، بِالنُّونِ: مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ، فَيَكْثُرُ فِيهِ الْخِصْبُ، لِمَكَانِ مَا يَصِيرُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ
وَأَمَّا سَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا مَوَاضِعَ لِتَرْعَى فِيهَا خَيْلُ الْمُجَاهِدِينَ، وَنَعَمُ الْجِزْيَةِ، وَإِبِلُ الصَّدَقَةِ وَضَوَالُّ النَّاسِ الَّتِي يَقُومُ الْإِمَامُ بِحِفْظِهَا، وَمَاشِيَةُ الضَّعِيفِ مِنْ النَّاسِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي صَحِيحِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَيْسَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْمِيَ؛ لِقَوْلِهِ: «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» . وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ حَمَيَا، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمَا، فَكَانَ إجْمَاعًا
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ، عَلَامَ تَحْمِيهَا؟ فَأَطْرَقَ عُمَرُ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ، وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ، وَكَانَ إذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ، وَنَفَخَ فَلَمَّا رَأَى الْأَعْرَابِيُّ مَا بِهِ جَعَلَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ فِي شِبْرٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ الظَّهْرِ.
وَعَنْ أَسْلَمَ، قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ لِهُنَيٍّ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى حِمَى الرَّبَذَةِ: يَا هُنَيُّ، اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ،
وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ.
وَأَدْخِلْ رَبَّ الصَّرِيمَةِ وَالْغَنِيمَةِ، وَدَعْنِي مِنْ نَعَمِ ابْن عَوْفٍ وَنَعَمِ ابْن عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُمَا رَجَعَا إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ، جَاءَ يَصْرُخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ أَمْ غُرْمُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، إنَّهَا أَرْضُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنَّا نَظْلِمُهُمْ، وَلَوْلَا النَّعَمُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا حَمَيْت عَلَى النَّاسِ مِنْ بِلَادِهِمْ شَيْئًا أَبَدًا.
وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ.
وَلِأَنَّ مَا كَانَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، قَامَتْ الْأَئِمَّةُ فِيهِ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَطْعَمَ اللَّهُ لِنَبِيٍّ طُعْمَةً إلَّا جَعَلَهَا طُعْمَةً لِمَنْ بَعْدَهُ»
وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَخْصُوصٌ، وَأَمَّا حِمَاهُ لِنَفْسِهِ، فَيُفَارِقُ حِمَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ صَلَاحَهُ يَعُودُ إلَى صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا لَهُ كَانَ يَرُدُّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَفَارَقَ الْأَئِمَّةَ فِي ذَلِكَ، وَسَاوَوْهُ فِيمَا كَانَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا إلَّا قَدْرًا لَا يُضَيَّقُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضُرُّ بِهِمْ؛
لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ
لِمَا يَحْمَى، وَلَيْسَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ إدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ.
[فَصْلٌ حُكْم مَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ]
(4352) فَصْلٌ: وَمَا حَمَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ، وَلَا تَغْيِيرُهُ، مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَمَنْ أَحْيَا مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَمْلِكْهُ.
وَإِنْ زَالَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، فَغَيَّرَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، جَازَ.
وَإِنْ أَحْيَاهُ إنْسَانٌ، مَلَكَهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ حِمَى الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ، وَمِلْكُ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ نَصٌّ، وَالنَّصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الِاجْتِهَادِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمِيَاهِ]
(4353) فَصْلٌ: فِي أَحْكَامِ الْمِيَاهِ، قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ حُكْمَ مِلْكِهَا وَبَيْعِهَا، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا حُكْمَ السَّقْيِ بِهَا.
فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو الْمَاءُ مِنْ حَالَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا، أَوْ وَاقِفًا، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا فَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ نَهْرًا عَظِيمًا، كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ، الَّتِي لَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ بِسَقْيِهِ مِنْهَا، فَهَذَا لَا تَزَاحُمَ فِيهِ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا مَا شَاءَ، مَتَى شَاءَ، وَكَيْف شَاءَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهِ، وَيَتَشَاحُّونَ فِي مَائِهِ، أَوْ سَيْلًا يَتَشَاحُّ فِيهِ
أَهْلُ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ مَنْ فِي أَوَّلِ النَّهْرِ، فَيَسْقِي وَيَحْبِسُ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْكَعْبِ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلَى الَّذِي يَلِيهِ فَيَصْنَعُ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْأَرَاضِي كُلُّهَا
فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ، أَوْ عَنْ الثَّانِي، أَوْ عَمَّنْ يَلِيهِمْ فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِينَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا مَا فَضَلَ، فَهُمْ كَالْعُصْبَةِ فِي الْمِيرَاثِ.
وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّه بْن الزُّبَيْرِ، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحُرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا، إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِك.
فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: يَا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجَدْرِ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ " عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن الزُّبَيْرِ.
وَذَكَرَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: نَظَرْنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْجَدْرِ» . فَكَانَ ذَلِكَ إلَى الْكَعْبَيْنِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
الشِّرَاجُ: جَمْعُ شَرْجٍ، وَالشَّرْجُ: نَهْرٌ صَغِيرٌ، وَالْحَرَّةُ: أَرْضٌ مُلْتَبِسَةٌ بِحِجَارَةٍ سُودٍ، وَالْجَدْرُ: الْجِدَارُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزُّبَيْرَ أَنْ يَسْقِيَ ثُمَّ يُرْسِلَ الْمَاءَ، تَسْهِيلًا عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمَّا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ مَا قَالَ، اسْتَوْعَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزُّبَيْرَ حَقَّهُ.
وَرَوَى مَالِكٌ، فِي " الْمُوَطَّأِ " أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن أَبِي بَكْرِ بْن حَزْمٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِيبٍ: يُمْسِكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ، مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: مَهْزُورٌ وَمُذَيْنِيبٌ: وَادِيَانِ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ، يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ، وَتَتَنَافَسُ أَهْلُ الْحَوَائِطِ فِي سَيْلِهِمَا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، أَنَّهُ «سَمِعَ كُبَرَاءَهُمْ يَذْكُرُونَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ لَهُ سَهْمٌ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَاصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَالسَّيْلِ الَّذِي يَقْتَسِمُونَ مَاءَهُ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ، لَا يَحْبِسُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ»
وَلِأَنَّ مَنْ أَرْضُهُ قَرِيبَةٌ مِنْ فُوَّهَةِ النَّهْرِ أَسْبَقُ إلَى الْمَاءِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ، كَمَنْ سَبَقَ إلَى الْمُشَرَّعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ صَاحِبِ الْأَعْلَى مُخْتَلِفَةً، مِنْهَا مُسْتَعْلِيَةٌ وَمِنْهَا مُسْتَفِلَةٌ، سَقَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهَا، وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ، اقْتَسَمَا الْمَاءَ بَيْنَهُمَا، إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَفْضُلُ عَنْ أَحَدِهِمَا، سَقَى مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ الْمَاءِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِلْآخَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِجَمِيعِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يُسَاوِيه فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ، بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْأَسْفَلِ حَقٌّ إلَّا فِيمَا فَضَلَ عَنْ الْأَعْلَى
فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْضِ الْآخَرِ، قُسِمَ الْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ مِنْ أَرْضِ أَحَدِهِمَا مُسَاوٍ فِي الْقُرْبِ، فَاسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ، كَمَا لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ ثَالِثٍ.
وَإِنْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ رَسْمُ شُرْبٍ، مِنْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، أَوْ سَيْلٍ، وَجَاءَ إنْسَانٌ لِيُحْيِيَ مَوَاتًا أَقْرَبَ إلَى رَأْسِ النَّهْرِ مِنْ أَرْضِهِمْ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْبَقُ إلَى النَّهْرِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا، وَلَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ إبْطَالَ حُقُوقِهَا، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهَا.
وَهَلْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ إحْيَاءِ ذَلِكَ الْمَوَاتِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي النَّهْرِ لَا فِي الْمَوَاتِ.
وَالثَّانِي لَهُمْ مَنْعُهُ، لِئَلَّا يَصِيرَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِهِمْ حَقَّهُمْ مِنْ السَّقْيِ، لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْبِ إذَا طَالَ الزَّمَانُ وَجُهِلَ الْحَالُ
فَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ.
فَسَبَقَ إنْسَانٌ إلَى مَسِيلِ مَاءٍ أَوْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، فَأَحْيَا فِي أَسْفَلِهِ مَوَاتًا، ثُمَّ أَحْيَا آخَرُ فَوْقَهُ، ثُمَّ أَحْيَا ثَالِثٌ فَوْقَ الثَّانِي، كَانَ لِلْأَسْفَلِ السَّقْيُ أَوَّلًا، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثِ، وَيُقَدَّمُ السَّبْقُ إلَى الْإِحْيَاءِ عَلَى السَّبْقِ إلَى أَوَّلِ النَّهْرِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ الْمَاءُ الْجَارِي فِي نَهْرٍ مَمْلُوكٍ]
(4354) فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِي الْمَاءُ الْجَارِي فِي نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُبَاحَ الْأَصْلِ، مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَ إنْسَانٌ نَهْرًا صَغِيرًا، يَتَّصِلُ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ مُبَاحٍ، فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ الْحَفْرُ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحَجُّرٌ وَشُرُوعٌ فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِذَا اتَّصَلَ الْحَفْرُ، كَمُلَ الْإِحْيَاءُ وَمَلَكَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِحْيَاءِ أَنْ تَنْتَهِيَ الْعِمَارَةُ إلَى قَصْدِهَا، بِحَيْثُ يَتَكَرَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى صُورَتِهَا، وَهَذَا كَذَلِكَ.
وَسَوَاءٌ أَجْرَى فِيهِ الْمَاءَ أَوْ لَمْ يُجْرِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُهَيِّئَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ دُونَ حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ، فَيَصِيرُ مَالِكًا لِقَرَارِ النَّهْرِ وَحَافَّتَيْهِ، وَهَوَاؤُهُ حَقٌّ لَهُ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُهُ، وَهُوَ مُلْقَى الطِّينِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
وَعِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ النَّهْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ، فَهِيَ لَهُ» . وَإِحْيَاؤُهَا أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا، فَيَكُونَ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا حَوَالَيْهَا، وَحَرِيمُ النَّهْرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكَانَ النَّهْرُ لِجَمَاعَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مُلِكَ بِالْعِمَارَةِ، وَالْعِمَارَةُ بِالنَّفَقَةِ، فَإِنْ كَفَى جَمِيعَهُمْ، فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ، وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ أَوْ غَيْرِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ.
وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي قِسْمَتِهِ، قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمْلِكُ مِنْ النَّهْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ صُلْبَةٌ، أَوْ حَجَرٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ، فِي مُقَدَّمِ الْمَاءِ، فِيهِ حُزُوزٌ، أَوْ ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي السَّعَةِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ أَوْ ثُقْبٍ إلَى سَاقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَاءُ فِي سَاقِيَتِهِ انْفَرَدَ بِهِ
فَإِنْ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ مُخْتَلِفَةً قُسِّمَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ، جُعِلَ فِيهِ سِتَّةُ ثُقُوبٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ نُصُبٍ فِي سَاقِيَتِهِ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ.
وَإِنْ كَانَ لَوَاحِدٍ الْخُمْسَانِ، وَالْبَاقِي لِاثْنَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، جُعِلَ عَشَرَةُ ثُقُوبٍ لِصَاحِبِ الْخُمْسَيْنِ أَرْبَعَةُ نُصُبٍ فِي سَاقِيَتِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةُ نُصُبٍ فِي سَاقِيَةٍ لَهُ
فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ لِعَشَرَةٍ، لِخَمْسَةٍ مِنْهُمْ أَرَاضٍ قَرِيبَةٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ، وَلِخَمْسَةٍ أَرَاضٍ بَعِيدَةٌ، جُعِلَ لِأَصْحَابِ الْقَرِيبَةِ خَمْسَةُ ثُقُوبٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُقْبٌ، وَجُعِلَ لِلْبَاقِينَ خَمْسَةٌ، تَجْرِي فِي النَّهْرِ حَتَّى تَصِلَ إلَى أَرْضِهِمْ، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ قِسْمَةً أُخْرَى.
وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي سَاقِيَةِ غَيْرِهِ، لِيُقَاسِمَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي سَاقِيَتِهِ، وَيُخَرِّبُ حَافَّتَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيَخْلِطُ حَقَّهُ بِحَقِّ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا " إنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ " أَنَّ حُكْمَ الْمَاءِ فِي هَذَا النَّهْرِ حُكْمُهُ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَأَنَّ الْأَسْبَقَ أَحَقُّ بِالسَّقْيِ مِنْهُ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، فَكَانَ الْأَسْبَقُ إلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ حَصَلَ نَصِيبُ إنْسَانٍ فِي سَاقِيَهُ]
(4355) فَصْلٌ: وَإِذَا حَصَلَ نَصِيبُ إنْسَانٍ فِي سَاقِيَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَنْ يَسْقِي بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لَهُ سَقْيُ أَرْضٍ لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ فِي هَذَا الْمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَالٌ عَلَى أَنَّ لَهَا قِسْمًا مِنْ هَذَا الْمَاءِ، فَرُبَّمَا جُعِلَ سَقْيُهَا مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا لِذَلِكَ، فَيَسْتَضِرُّ الشُّرَكَاءُ، وَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ بَابُهَا فِي دَرْبٍ لَا يَنْفُذُ، وَدَارٌ بَابُهَا فِي دَرْبٍ آخَرَ، ظَهْرُهَا مُلَاصِقٌ لِظَهْرِ دَارِهِ الْأُولَى، فَأَرَادَ تَنْفِيذَ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى
لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ اسْتِطْرَاقًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الدَّارَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا مَاءٌ انْفَرَدَ بِاسْتِحْقَاقِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الدَّارَيْنِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ دَارٍ يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى دَرْبٍ آخَرَ مُشْتَرَكٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لِكُلِّ دَارٍ سُكَّانًا، فَيَجْعَلُ لِسُكَّانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا اسْتِطْرَاقًا إلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ فِي اسْتِطْرَاقِهِ، وَهَاهُنَا إنَّمَا يَسْقِي مِنْ سَاقِيَتِهِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا، فَلَوْ صَارَ لِتِلْكَ الْأَرْضِ رَسْمٌ مِنْ الشُّرْبِ مِنْ سَاقِيَتِهِ، لَمْ يَتَضَرَّرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ
وَلَوْ كَانَ يَسْقِي مِنْ هَذَا النَّهْرِ بِدُولَابِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَسْقِيَ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَرْضًا لَا رَسْمَ لَهَا فِي الشُّرْبِ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ كَانَ الدُّولَابُ يَغْرِفُ مِنْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، جَازَ أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمَاءِ أَرْضًا لَا رَسْمَ لَهَا فِي الشُّرْبِ مِنْهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ
فَإِنْ ضَاقَ الْمَاءُ، قُدِّمَ الْأَسْبَقُ فَالْأَسْبَقُ، عَلَى مَا مَضَى.
(4356) فَصْلٌ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي سَاقِيَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِمَا أَحَبَّ، مِنْ إجْرَاءِ غَيْرِ هَذَا الْمَاءِ فِيهَا، أَوْ عَمَلِ رَحًى عَلَيْهَا، أَوْ دُولَابٍ، أَوْ عَبَّارَةٍ، وَهِيَ خَشَبَةٌ تُمَدُّ عَلَى طَرَفَيْ النَّهْرِ، أَوْ قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الْمَاءُ فِيهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا.
فَأَمَّا النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ، فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ وَفِي حَرِيمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شُرَكَائِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْعَبَّارَةِ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِي مَنْ أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَاهُنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يَنْفَعُ صَاحِبَهَا، لِأَنَّهُ يَسْقِي عُرُوقَ شَجَرِهِ، وَيَشْرَبُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا.
وَهَذَا لَا يَنْفَعُ النَّهْرَ، بَلْ رُبَّمَا أَفْسَدَ حَافَّتَيْهِ، وَلَمْ يَسْقِ لَهُ شَيْئًا.
وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ قَبْلَ قَسْمِهِ شَيْئًا يَسْقِي بِهِ أَرْضًا فِي أَوَّلِ النَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَرَادَ إنْسَانٌ غَيْرُهُمْ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا أَحَقَّ بِالْمَاءِ الْجَارِي فِي نَهْرِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْمَاءِ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى تَصَرُّفٍ
فِي حَافَّةِ النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ، أَوْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ
وَلَوْ فَاضَ مَاءُ هَذَا النَّهْرِ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ، فَهُوَ مُبَاحٌ، كَالطَّائِرِ يُعَشِّشُ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ قَسَّمُوا مَاءَ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بِالْمُهَايَأَةِ]
(4357) فَصْلٌ: وَإِنْ قَسَّمُوا مَاءَ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بِالْمُهَايَأَةِ، جَازَ، إذَا تَرَاضَوْا بِهِ، وَكَانَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعْلُومًا، مِثْلُ أَنْ يَجْعَلُوا لِكُلِّ حِصَّةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ.
وَإِنْ قَسَّمُوا النَّهَارَ، فَجَعَلُوا لِوَاحِدٍ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَلِلْآخَرِ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، جَازَ.
وَإِنْ قَسَّمُوهُ سَاعَاتٍ، وَأَمْكَنَ ضَبْطُ ذَلِكَ بِشَيْءِ مَعْلُومٍ، كَطَاسَةِ مَثْقُوبَةٍ تُتْرَكُ فِي الْمَاءِ، وَفِيهَا عَلَامَاتٌ إذَا انْتَهَى الْمَاءُ إلَى عَلَامَةٍ كَانَتْ سَاعَةً، وَإِذَا انْتَهَى إلَى الْأُخْرَى كَانَتْ سَاعَتَيْنِ، أَوْ زُجَاجَةٍ فِيهَا رَمْلٌ، يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا إلَى أَسْفَلِهَا فِي سَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ
، ثُمَّ يَقْلِبُهَا فَيَعُودُ الرَّمْلُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ، أَوْ بِمِيزَانِ الشَّمْسِ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ سَاعَاتُ النَّهَارِ، أَوْ بِمَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، جَازَ.
فَإِذَا حَصَلَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ فِي نَوْبَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا، أَوْ يُؤْثِرَ بِهِ إنْسَانًا، أَوْ يُقْرِضَهُ إيَّاهُ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَصَرَّفُ فِي حَافَّةِ النَّهْرِ، جَازَ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ النَّوْبَةِ أَنْ يُجْرِيَ مَعَ مَائِهِ مَاءً لَهُ آخَرَ، يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ الَّتِي لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، أَوْ أَرْضًا لَهُ أُخْرَى.
أَوْ سَأَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ يُجْرِيَ مَاءً لَهُ مَعَ مَائِهِ فِي هَذَا النَّهْرِ، لِيُقَاسِمهُ إيَّاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالنَّهْرِ، وَلَا بِأَحَدٍ، جَازَ ذَلِكَ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا: جَازَ أَنْ يُجْرِيَ فِيهَا مَاءً فِي نَهْرٍ مَحْفُورٍ، إذَا كَانَ فِيهَا.
وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِنَفْعِ النَّهْرِ فِي نَوْبَتِهِ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِذَلِكَ.
[فَصْلٌ كَوْن مَنْبَعُ الْمَاءِ مَمْلُوكًا]
(4358) فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مَنْبَعُ الْمَاءِ مَمْلُوكًا، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي اسْتِنْبَاطِ عَيْنٍ وَإِجْرَائِهَا، فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْيَاءٌ لَهَا، وَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَفِي سَاقِيَتِهَا، عَلَى حَسَبِ مَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا، وَعَمِلُوا فِيهَا، كَمَا ذَكَرْنَا، فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، إلَّا أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ دَخَلَ مِلْكَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ بُسْتَانَه، وَهَاهُنَا يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَيْضًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي لِشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مُحَوَّطٍ عَلَيْهِ.
وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ بُهَيْسَة، عَنْ أَبِيهَا، أَنَّهُ قَالَ: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: الْمَاءُ.
قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: الْمِلْحُ.
قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَك.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، وَهُوَ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِ النَّهْرِ.
فَأَمَّا مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَسَقْيِ الْمَاشِيَةِ الْكَثِيرَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ، لَمْ يَلْزَمْهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[فَصْلٌ كَانَ النَّهْرُ أَوْ السَّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ]
(4359) فَصْلٌ: إذَا كَانَ النَّهْرُ أَوْ السَّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ، فَإِنْ أَرَادُوا إكْرَاءَهُ أَوْ سَدَّ بَثْقٍ فِيهِ، أَوْ إصْلَاحَ حَائِطِهِ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى إلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ، اشْتَرَكَ الْكُلُّ فِي إكْرَائِهِ وَإِصْلَاحِهِ، إلَى أَنْ يَصِلُوا إلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَشْتَرِكُ الْبَاقُونَ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَهُ كَذَلِكَ، كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ إلَى مَوْضِعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ شَيْءٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَشْتَرِكُ جَمِيعُهُمْ فِي إكْرَائِهِ كُلِّهِ، لِأَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِجَمِيعِهِ، فَإِنَّ مَا جَاوَزَ الْأَوَّلَ مَصَبٌّ لِمَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْقِ أَرْضَهُ.
وَلَنَا أَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ شُرْبِهِ، وَمَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مَنْ دُونَهُ، فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِي مُؤْنَتِهِ، كَمَا لَا يُشَارِكُهُمْ فِي نَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَ يَفْضُلُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَصْرِفٍ، فَمُؤْنَةُ ذَلِكَ الْمَصْرِفِ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، كَأَوَّلِهِ.
[مَسْأَلَة إحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا]
(4360) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ تَحْوِيطَ الْأَرْضِ إحْيَاءٌ لَهَا، سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِلْبِنَاءِ، أَوْ لِلزَّرْعِ، أَوْ حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ، أَوْ الْخَشَبِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ: الْإِحْيَاءُ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ نَهْرًا.
وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ تَسْقِيفٌ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ، فَهِيَ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ ".
وَيُرْوَى عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ.
وَلِأَنَّ الْحَائِطَ حَاجِزٌ مَنِيعٌ، فَكَانَ
إحْيَاءً، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَهَا حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ.
وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْقَصْدَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَرَادَهَا حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ، فَبَنَاهَا بِجِصٍّ وَآجُرٍّ، وَقَسَمَهَا بُيُوتًا، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا، وَهَذَا لَا يُصْنَعُ لِلْغَنَمِ مِثْلُهُ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ، وَيَكُونَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ
وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، فَلَوْ كَانَ مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ وَحْدَهَا، كَأَهْلِ حَوْرَانَ وَفِلَسْطِينَ، أَوْ بِالطِّينِ، كَالْفَطَائِرِ لِأَهْلِ غُوطَةِ دِمَشْقَ، أَوْ بِالْخَشَبِ أَوْ بِالْقَصَبِ، كَأَهْلِ الْغَوْرِ، كَانَ ذَلِكَ إحْيَاءً.
وَإِنْ بَنَاهُ بِأَرْفَعَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ، كَانَ أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِي صِفَةِ الْإِحْيَاءِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِيَةُ الْإِحْيَاءُ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ إحْيَاءً؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَعْلِيقِ الْمِلْكِ عَلَى الْإِحْيَاءِ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، وَلَا ذَكَرَ كَيْفِيَّتَهُ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى مَا كَانَ إحْيَاءً فِي الْعُرْفِ.
كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ، كَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ لَوْ عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى مُسَمًّى بِاسْمِ، لَتَعَلَّقَ بِمُسَمَّاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ، فَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى إحْيَاءً عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعَلِّقُ حُكْمًا عَلَى مَا لَيْسَ إلَى مَعْرِفَتِهِ طَرِيقٌ، فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ، تَعَيَّنَ الْعُرْفُ طَرِيقًا لِمَعْرِفَتِهِ، إذْ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُحْيِي دَارًا لِلسُّكْنَى، وَحَظِيرَةً، وَمَزْرَعَةً، فَإِحْيَاءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ بِتَهْيِئَتِهَا لِلِانْتِفَاعِ الَّذِي أُرِيدَتْ لَهُ، فَأَمَّا الدَّارُ، فَبِأَنْ يَبْنِيَ حِيطَانَهَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَيَسْقُفَهَا، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلسُّكْنَى إلَّا بِذَلِكَ
وَأَمَّا الْحَظِيرَةُ فَإِحْيَاؤُهَا بِحَائِطٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا التَّسْقِيفُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَسْقِيفٍ؛ وَسَوَاءٌ أَرَادَهَا حَظِيرَةً لِلْمَاشِيَةِ، أَوْ لِلْخَشَبِ، أَوْ لِلْحَطَبِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَوْ خَنْدَقَ عَلَيْهَا خَنْدَقًا، لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَائِطٍ وَلَا عِمَارَةٍ، إنَّمَا هُوَ حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ.
وَإِنْ خَاطَهَا بِشَوْكٍ وَشِبْهِهِ، لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً، وَكَانَ تَحَجُّرًا؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا، وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ
وَلَوْ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَنَصَبَ بِهِ بَيْتَ شَعْرٍ أَوْ خَيْمَةً، لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً.
وَإِنْ أَرَادَهَا لِلزِّرَاعَةِ، فَبِأَنْ يُهَيِّئَهَا لِإِمْكَانِ الزَّرْعِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَا تُزْرَعُ إلَّا بِالْمَاءِ، فَبِأَنْ يَسُوقَ إلَيْهَا مَاءً مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا، كَأَرْضِ الْحِجَازِ، فَبِأَنْ يَقْلَعَ أَحْجَارَهَا وَيُنَقِّيَهَا حَتَّى تَصْلُحَ لِلزَّرْعِ، وَإِنْ كَانَتْ غِيَاضًا وَأَشْجَارًا، كَأَرْضِ الشِّعْرَى، فَبِأَنْ يَقْلَعَ أَشْجَارَهَا، وَيُزِيلَ عُرُوقَهَا الَّتِي تَمْنَعُ
الزَّرْعَ
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ إلَّا بِحَبْسِ الْمَاءِ عَنْهَا، كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ الَّتِي يُفْسِدُهَا غَرَقُهَا بِالْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ، فَإِحْيَاؤُهَا بِسَدِّ الْمَاءِ عَنْهَا، وَجَعْلِهَا بِحَالٍ يُمْكِنُ زَرْعُهَا؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِيمَا أَرَادَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ، فَكَانَ إحْيَاءً، كَسَوْقِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ حَرْثُهَا وَلَا زَرْعُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كُلَّمَا أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِحْيَاءِ، كَسَقْيِهَا، وَكَالسُّكْنَى فِي الْبُيُوتِ، وَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِهِ، لِمَا ذَكَرْنَا
وَلَا يُعْتَبَرُ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ لِلسُّكْنَى نَصْبُ الْأَبْوَابِ عَلَى الْبُيُوتِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، إلَّا أَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي أَنَّ حَرْثَهَا وَزَرْعَهَا إحْيَاءٌ لَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ فِي إحْيَائِهَا، وَلَا يَتِمُّ بِدُونِهِ، وَكَذَلِكَ نَصْبُ الْأَبْوَابِ عَلَى الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، فَأَشْبَهَ التَّسْقِيفَ.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ السُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بِدُونِ نَصْبِ الْأَبْوَابِ، فَأَشْبَهَ تَطْيِينَ سُطُوحِهَا وَتَبْيِيضَهَا.
[مَسْأَلَة حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ لِلتَّمْلِيكِ]
(4361) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا، فَيَكُونَ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا حَوَالَيْهَا، وَإِنْ سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ، فَحَرِيمُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا) الْبِئْرُ الْعَادِيَّةُ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ: الْقَدِيمَةُ، مَنْسُوبَةٌ إلَى عَادٍ، وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ، نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ، فَكُلُّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ لِلتَّمْلِيكِ، فَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
وَمَنْ سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ، كَانَ أَحَقَّ بِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ لَهُ.
وَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ» .
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ.
وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَيْسَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّحْدِيدِ، بَلْ حَرِيمُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ بِدُولَابٍ فَقَدْرُ مَدَارِ الثَّوْرِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ بِسَاقِيَةٍ فَبِقَدْرِ طُولِ الْبِئْرِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «حَرِيمُ الْبِئْرِ مَدُّ رِشَائِهَا» . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ
وَلِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي تَمْشِي إلَيْهِ الْبَهِيمَةُ.
وَإِنْ كَانَ يَسْتَقِي مِنْهَا بِيَدِهِ، فَبِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَاقِفُ عِنْدَهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ عَيْنًا، فَحَرِيمُهَا الْقَدْرُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ صَاحِبُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، وَلَا يَسْتَضِرُّ بِأَخْذِهِ مِنْهَا وَلَوْ عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ.
وَحَرِيمُ النَّهْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا ثَبَتَ لِلْحَاجَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَيْ فِيهِ الْحَاجَةُ دُونَ غَيْرِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ؛
لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا لِأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ» وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا» وَهَذَا نَصٌّ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَالْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، وَحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُمْلَكُ بِهِ الْمَوَاتُ، فَلَا يَقِفُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، كَالْحَائِطِ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْبِئْرِ لَا تَنْحَصِرُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَا حَوْلَهَا عَطَنًا لَإِبِلِهِ، وَمَوْقِفًا لِدَوَابِّهِ وَغَنَمِهِ، وَمَوْضِعًا يَجْعَلُ فِيهِ أَحْوَاضًا يَسْقِي مِنْهَا مَاشِيَتَهُ، وَمَوْقِفًا لِدَابَّتِهِ الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا
وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَلَا يَخْتَصُّ الْحَرِيمُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَرْقِيَةِ الْمَاءِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَحَدِيثُنَا أَصَحُّ مِنْهُ، وَرَوَاهُمَا أَبُو هُرَيْرَة، فَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَرِيمَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَاضِي، لَيْسَ بِمَمْلُوكِ.
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذَا.
(4362) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ فِيهَا مَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَاءِ، فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ
وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي انطمت وَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَجَدَّدَ حَفْرَهَا وَعِمَارَتَهَا، أَوْ انْقَطَعَ مَاؤُهَا، فَاسْتَخْرَجَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ إحْيَاءً لَهَا.
وَأَمَّا الْبِئْرُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَارُهُ وَمَنْعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، الَّتِي يَرْتَفِقُ بِهَا النَّاسُ، وَهَكَذَا الْعُيُونُ النَّابِعَةُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا.
وَلَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا لِلْمُسْلِمِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهَا، أَوْ لِيَنْتَفِعَ هُوَ بِهَا مُدَّةَ إقَامَتِهِ عِنْدَهَا ثُمَّ يَتْرُكَهَا، لَمْ يَمْلِكْهَا، وَكَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا.
فَإِذَا تَرَكَهَا صَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، وَمَا دَامَ مُقِيمًا عِنْدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ إلَيْهَا، فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ.
[فَصْلٌ كَانَ لَإِنْسَانٍ شَجَرَةٌ فِي مَوَاتٍ]
(4363) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لَإِنْسَانٍ شَجَرَةٌ فِي مَوَاتٍ، فَلَهُ حَرِيمُهَا قَدْرَ مَا تَمُدُّ إلَيْهِ أَغْصَانُهَا حَوَالَيْهَا، وَفِي النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِيدِهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ، فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ، فَقَضَى بِذَلِكَ» . وَإِنْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي مَوَاتٍ، فَهِيَ لَهُ وَحَرِيمُهَا.
وَإِنْ سَبَقَ إلَى شَجَرٍ مُبَاحٍ، كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرُّوبِ، فَسَقَاهُ وَأَصْلَحَهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِنْ طَعِمَهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ وَحَرِيمَهُ؛ لِأَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ، فَهُوَ كَسَوْقِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ.
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
[فَصْلٌ لَهُ بِئْرٌ فِيهَا مَاءٌ فَحَفَرَ آخَرُ قَرِيبًا مِنْهَا بِئْرًا يَنْسَرِقُ إلَيْهَا مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى]
(4364) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بِئْرٌ فِيهَا مَاءٌ، فَحَفَرَ آخَرُ قَرِيبًا مِنْهَا بِئْرًا يَنْسَرِقُ إلَيْهَا مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَفِرُ الثَّانِيَةِ فِي مِلْكِهِ، مِثْلُ رَجُلَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ فِي دَارَيْنِ، حَفَرَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِهِ بِئْرًا، ثُمَّ حَفَرَ الْآخَرُ بِئْرًا أَعْمَقَ مِنْهَا، فَسَرَى إلَيْهَا مَاءُ الْأُولَى، أَوْ كَانَتَا فِي مَوَاتٍ، فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَحَفَرَ بِئْرًا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَحَفَرَ قَرِيبًا مِنْهَا بِئْرًا تَجْتَذِبُ مَاءَ الْأُولَى.
وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ مِلْكَهُ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِالْمَالِكِ قَبْلَهُ.
وَقَالَ فِي الْأُولَى: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ فِي مِلْكِهِ، فَجَازَ لَهُ فِعْلُهُ، كَتَعْلِيَةِ دَارِهِ
وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ مَا يُحْدِثُهُ الْجَارُ مِمَّا يَضُرُّ بِجَارِهِ، مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ مَدْبَغَةً، أَوْ حَمَّامًا يَضُرُّ بِعَقَارِ جَارِهِ بِحَمْيِ نَارِهِ وَرَمَادِهِ وَدُخَانِهِ، أَوْ يَحْفِرَ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ حَشًّا يَتَأَذَّى جَارُهُ بِرَائِحَتِهِ وَغَيْرِهَا، أَوْ يَجْعَلَ دَارِهِ مَخْبِزًا فِي وَسَطِ الْعَطَّارِينَ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يُؤْذِي جِيرَانَهُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ فِي مِلْكِهِ، أَشْبَهَ بِنَاءَهُ وَنَقْضَهُ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَلِأَنَّهُ إحْدَاثُ ضَرَرٍ بِجَارِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالدَّقِّ الَّذِي يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيُخَرِّبُهَا، وَكَإِلْقَاءِ السَّمَادِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مَصْنَعُ مَاءٍ، فَأَرَادَ جَارُهُ غَرْسَ شَجَرَةِ تِينٍ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا تَسْرِي عُرُوقُهُ فَتَشُقُّ حَائِطَ مَصْنَعِ جَارِهِ، وَيُتْلِفُهُ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، وَكَانَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ وَقَلْعُهَا إنْ غَرَسَهَا.
وَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ
مِنْهُ الضَّرَرُ سَابِقًا، مِثْلُ مَنْ لَهُ فِي مِلْكِهِ مَدْبَغَةٌ أَوْ مُقَصِّرَة، فَأَحْيَا إنْسَانٌ إلَى جَانِبِهِ مَوَاتًا، وَبَنَاهُ دَارًا، يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْ إزَالَةُ الضَّرَرِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ ضَرَرًا.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة إحْيَاءَ الْمَوَاتِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ]
(4365) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا أَحْيَاهُ، أَوْ سَبَقَ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهِ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ مَدْخَلًا فِي النَّظَرِ فِي ذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَلَمْ يُحْيِهِ، فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالْإِحْيَاءِ أَوْ التَّرْكِ، فَافْتَقَرَ إلَى إذْنِهِ، كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ» . وَلِأَنَّ هَذَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ، فَلَا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، كَأَخْذِ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ، وَنَظَرُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ إذْنِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ فِي مُشَرَّعَةٍ، طَالَبَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْخُذَ حَاجَتَهُ وَيَنْصَرِفَ، وَلَا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَيَّ إذْنِهِ.
وَأَمَّا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِلْإِمَامِ تَرْتِيبُ مَصَارِفِهِ فَافْتَقَرَ إلَى إذْنِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ هَذَا مُبَاحٌ، فَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ كَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ، كَالْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصُّيُودِ وَالثِّمَارِ الْمُبَاحَةِ فِي الْجِبَالِ.
[فَصْلٌ أَمَّا مَا سَبَقَ إلَيْهِ فَهُوَ الْمَوَاتُ]
(4366) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا سَبَقَ إلَيْهِ، فَهُوَ الْمَوَاتُ إذَا سَبَقَ إلَيْهِ فَتَحَجَّرَهُ كَانَ أَحَقَّ، وَإِنْ سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ، فَشَرَعَ فِيهَا يُعَمِّرُهَا، كَانَ أَحَقَّ بِهَا.
وَمَنْ سَبَقَ إلَى مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ، أَوْ مَشَارِعِ الْمِيَاهِ وَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَكُلِّ مُبَاحٍ مِثْلِ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالثِّمَارِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْجِبَالِ، وَمَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ، أَوْ يَضِيعُ مِنْهُمْ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ النَّفْسُ، وَاللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ، وَمَا يَسْقُطُ مِنْ الثَّلْجِ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، مَنْ سَبَقَ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، وَلَا إذْنِ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
[كِتَابُ الْوُقُوفِ وَالْعَطَايَا]
الْوُقُوفُ: جَمْعُ وَقْفٍ، يُقَالُ مِنْهُ: وَقَفْت وَقْفًا.
وَلَا يُقَالُ: أَوْقَفْت.
إلَّا فِي شَاذِّ اللُّغَةِ، وَيُقَالُ: حَبَسْت وَأَحْبَسْت.
وَبِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ: «إنْ شِئْت حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا» . وَالْعَطَايَا: جَمْعُ عَطِيَّةٍ، مِثْلُ خَلِيَّةٍ وَخَلَايَا، وَبَلِيَّةٍ وَبَلَايَا.
وَالْوَقْفُ مُسْتَحَبٌّ.
وَمَعْنَاهُ: تَحْبِيسُ الْأَصْلِ، وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ فَقَالَ: إنْ شِئْت حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْت بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ.
قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَذَوِي الْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا بِالْمَعْرُوفِ، غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ فِيهِ، أَوْ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ
قَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ.
وَلَمْ يَرَ شُرَيْحٌ الْوَقْفَ، وَقَالَ: لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ، وَلِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فِيهِ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَلْزَمُ، أَوْ يَحْكُمَ بِلُزُومِهِ حَاكِمٌ
وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَخَالَفَهُ صَاحِبَاه، فَقَالَا كَقَوْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، صَاحِبَ الْأَذَانِ، جَعَلَ حَائِطَهُ صَدَقَةً، وَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ أَبَوَاهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ لَنَا عَيْشٌ إلَّا هَذَا الْحَائِطَ.
فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ مَاتَا، فَوَرِثَهُمَا» . رَوَاهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي " أَمَالِيهِ "، وَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ مِنْ مِلْكِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، كَالصَّدَقَةِ
وَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ فِي وَقْفِهِ: لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا.
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: تَصَدَّقَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِدَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ، وَعُمَرُ بِرَبْعِهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى وَلَدِهِ وَعُثْمَانُ بِرُومَةَ، وَتَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِأَرْضِهِ بِيَنْبُعَ، وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدَارِهِ بِمَكَّةَ وَدَارِهِ بِمِصْرَ وَأَمْوَالِهِ بِالْمَدِينَةِ عَلَى وَلَدِهِ، وَتَصَدَّقَ سَعْدٌ بِدَارِهِ بِالْمَدِينَةِ وَدَارِهِ بِمِصْرَ عَلَى وَلَدِهِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالْوَهْطِ وَدَارِهِ بِمَكَّةَ عَلَى وَلَدِهِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ بِدَارِهِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى وَلَدِهِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ إلَى الْيَوْمِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ.
وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الَّذِي قَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى الْوَقْفِ وَقَفَ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بِالْوَصِيَّةِ، فَإِذَا نَجَزَهُ حَالَ الْحَيَاةِ لَزِمَ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، كَالْعِتْقِ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ إنْ ثَبَتَ، فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَهُ صَدَقَةً غَيْرَ مَوْقُوفٍ، اسْتَنَابَ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى وَالِدَيْهِ أَحَقَّ النَّاسِ بِصَرْفِهَا إلَيْهِمَا، وَلِهَذَا لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، إنَّمَا دَفَعَهَا إلَيْهِمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَائِطَ كَانَ لَهُمَا، وَكَانَ هُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْهُمَا، فَتَصَرَّفَ بِهَذَا التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، فَلَمْ يُنَفِّذَاهُ، وَأَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّهُ إلَيْهِمَا.
وَالْقِيَاسُ عَلَى الصَّدَقَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَإِنَّمَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ، وَالْوَقْفُ لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ، فَافْتَرَقَا.
[مَسْأَلَة مَنْ وَقَفَ فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلَادِهِمْ وَعَقِبِهِمْ ثُمَّ آخِرُهُ لِلْمَسَاكِينِ]
[الْفَصْل الْأَوَّل الْوَقْفَ إذَا صَحَّ زَالَ بِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ]
(4367) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (وَمَنْ وَقَفَ فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ، عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلَادِهِمْ وَعَقِبِهِمْ ثُمَّ آخِرُهُ لِلْمَسَاكِينِ، فَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ) .
(4368) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَقْفَ إذَا صَحَّ، زَالَ بِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَحُكِيَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «احْبِسْ الْأَصْلَ، وَسَبِّلْ الثَّمَرَةَ» . وَلَنَا أَنَّهُ سَبَبٌ يُزِيلُ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، فَأَزَالَ الْمِلْكَ، كَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكَهُ لَرَجَعَتْ إلَيْهِ قِيمَتُهُ، كَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّا إذَا حَكَمْنَا بِبَقَاءِ مِلْكِهِ، لَزِمَتْهُ مُرَاعَاتُهُ، وَالْخُصُومَةُ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، كَمَا يَفْدِي أُمَّ الْوَلَدِ سَيِّدُهَا لَمَّا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَالِكِ.
[الْفَصْل الثَّانِي يَزُولُ الْمِلْكُ وَيَلْزَمُ الْوَقْفُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ]
(4369) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ، أَنَّهُ يَزُولُ الْمِلْكُ، وَيَلْزَمُ الْوَقْفُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَحْصُلُ بِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِخْرَاجِ الْوَاقِفِ لَهُ عَنْ يَدِهِ.
وَقَالَ: الْوَقْفُ الْمَعْرُوفُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَيُوَكِّلَ فِيهِ مَنْ يَقُومُ بِهِ.
اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِهِ، كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ
وَلَنَا مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْمِيرَاثَ، فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِهِ، كَالْعِتْقِ، وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ؛ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ، وَالْوَقْفُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، فَهُوَ بِالْعِتْقِ أَشْبَهُ، فَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ الْوَقْف لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ]
(4370) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْمَسَاكِينِ، أَوْ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَبُولُ كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَبُولٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَفِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا اشْتِرَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لِآدَمِي مُعَيَّنٍ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبُولُ، كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنْ كَانَتْ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وُقِفَتْ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِذَا كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِمَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ، لَمْ تَفْتَقِرْ إلَى قَبُولٍ، كَذَا هَاهُنَا
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْوَقْفِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الْقَبُولُ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْمِيرَاثَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُولُ، كَالْعِتْقِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْتَصُّ الْمُعَيَّنَ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مِنْ يَأْتِي مِنْ الْبُطُونِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، إلَّا أَنَّهُ مُرَتَّبٌ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ الَّذِي لَا يَبْطُلُ بِرَدِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَا يَقِفُ عَلَى قَبُولِهِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْمُعَيَّنِ بِخِلَافِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ.
لَمْ يَبْطُلْ بِرَدِّهِ، وَكَانَ رَدُّهُ وَقَبُولُهُ وَعَدَمُهُمَا وَاحِدًا، كَالْعِتْقِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ.
فَرَدَّهُ مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، بَطَلَ فِي حَقِّهِ، وَصَارَ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ.
يُخَرَّجُ فِي صِحَّتِهِ فِي حَقِّ مَنْ سِوَاهُ وَبُطْلَانِهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ، فَهَلْ يَنْتَقِلُ فِي الْحَالِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَى مَصْرِفٍ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إلَى أَنْ يَمُوتَ الَّذِي رَدَّهُ،
ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْقُوفِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ]
(4371) فَصْلٌ: وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْقُوفِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا وَقَفَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِ أَخِيهِ، صَارَتْ لَهُمْ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَلَكُوهُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ، فَإِنَّ جَمَاعَةً نَقَلُوا عَنْهُ، فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي مَرَضِهِ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ، وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُونَ بِغَلَّتِهَا.
وَهَذَا يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ لَا يَمْلِكُونَ، أَنْ لَا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْمِلْكِ وَآثَارَهُ ثَابِتَةٌ فِي الْوَقْفِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ الِاخْتِلَافِ نَحْوُ مَا حَكَيْنَاهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْوَقْفِ اللَّازِمِ، بَلْ يَكُونُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، بِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ، فَانْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَالْعِتْقِ.
وَلَنَا أَنَّهُ سَبَبٌ يُزِيلُ مِلْكَ الْوَاقِفِ، وُجِدَ إلَى مَنْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يُخْرِجْ الْمَالَ عَنْ مَالِيَّتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ، كَالْهِبَةِ، وَالْبَيْعِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَمْ يَلْزَمْ كَالْعَارِيَّةِ وَالسُّكْنَى، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ كَالْعَارِيَّةِ، وَيُفَارِقُ الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ، وَامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ فِي الرَّقَبَةِ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ، كَأُمِّ الْوَلَدِ.
[فَصْلٌ أَلْفَاظُ الْوَقْفِ سِتَّةٌ]
(4372) فَصْلٌ: وَأَلْفَاظُ الْوَقْفِ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ صَرِيحَةٌ، وَثَلَاثَةٌ كِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحَةُ: وَقَفْت، وَحَبَسْت، وَسَبَّلْت.
مَتَى أَتَى بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، صَارَ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ أَمْرٍ زَائِدٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ثَبَتَ لَهَا عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ النَّاسِ، وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ عُرْفُ الشَّرْعِ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ: «إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا، وَسَبَّلْت ثَمَرَتَهَا» . فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهِيَ: تَصَدَّقْت، وَحَرَّمْت، وَأَبَّدْت.
فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الصَّدَقَةِ وَالتَّحْرِيمِ مُشْتَرَكَةٌ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّكَاةِ وَالْهِبَاتِ، وَالتَّحْرِيمَ يُسْتَعْمَلُ فِي الظِّهَارِ وَالْأَيْمَانِ، وَيَكُونُ تَحْرِيمًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَالتَّأْبِيدُ يَحْتَمِلُ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ، وَتَأْبِيدَ الْوَقْفِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَحْصُلُ الْوَقْفُ بِمُجَرَّدِهَا، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فِيهِ.
فَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، حَصَلَ الْوَقْفُ بِهَا أَحَدُهَا أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا لَفْظَةٌ أُخْرَى تُخَلِّصُهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ، فَيَقُولُ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ، أَوْ مُسَبَّلَةٌ، أَوْ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ
أَوْ يَقُولُ: هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ، أَوْ مُسَبَّلَةٌ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ.
الثَّانِي أَنْ يَصِفَهَا بِصِفَاتِ الْوَقْفِ، فَيَقُولَ: صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرِينَةَ تُزِيلُ الِاشْتِرَاكَ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَنْوِيَ الْوَقْفَ، فَيَكُونَ عَلَى مَا نَوَى، إلَّا أَنَّ النِّيَّةَ تَجْعَلُهُ وَقْفًا فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِمَا نَوَاهُ، لَزِمَ فِي الْحُكْمِ؛ لِظُهُورِهِ، وَإِنْ قَالَ: مَا أَرَدْت الْوَقْفَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا نَوَى.
[فَصْلٌ الْوَقْفَ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ]
(4373) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَقْفَ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا، وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ مَقْبَرَةً، وَيَأْذَنَ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أَوْ سِقَايَةً، وَيَأْذَنَ فِي دُخُولِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَأَبِي طَالِبٍ، فِي مَنْ أَدْخَلَ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَذِنَ فِيهِ، لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا اتَّخَذَ الْمَقَابِرَ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ، وَالسِّقَايَةَ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِالْقَوْلِ
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَخَذَهُ الْقَاضِي مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ، إذْ سَأَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ رَجُلٍ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ، لِيَجْعَلَهَا مَقْبَرَةً، وَنَوَى بِقَلْبِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْعَوْدُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ، فَلَا يَرْجِعْ.
وَهَذَا لَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُولَى، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ أَيْ نَوَى بِتَحْوِيطِهَا جَعْلَهَا لِلَّهِ.
فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا، إذْ مَنَعَهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: جَعَلَهَا لِلَّهِ
أَيْ: اقْتَرَنَتْ بِفِعْلِهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ، مِنْ إذْنِهِ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، فَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى بِعَيْنِهَا، وَإِنْ أَرَادَ وَقْفًا بِلِسَانِهِ، فَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ وَالنِّيَّةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى انْضَمَّ إلَى فِعْلِهِ إذْنُهُ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، فَانْتَفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَصَارَ الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا تَحْبِيسُ أَصْلٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ
وَلَنَا أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ، كَالْقَوْلِ، وَجَرَى مَجْرَى مَنْ قَدَّمَ إلَى ضَيْفِهِ طَعَامًا، كَانَ إذْنًا فِي أَكْلِهِ، وَمَنْ مَلَأَ خَابِيَةَ مَاءٍ عَلَى الطَّرِيقِ، كَانَ تَسْبِيلًا لَهُ، وَمَنْ نَثَرَ عَلَى النَّاسِ نِثَارًا، كَانَ إذْنًا فِي الْتِقَاطِهِ، وَأُبِيحَ أَخْذُهُ.
وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ، وَاسْتِعْمَالُ مَائِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ مُبَاحٌ بِدَلَالَةِ الْحَالِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَالْهَدِيَّةُ، لِدَلَالَةِ الْحَالِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَلَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، أَوْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَيْهِ، كَانَ كَمَسْأَلَتِنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَقْفًا صَحِيحًا صَارَتْ مَنَافِعُهُ جَمِيعُهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ]
(4374) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَقْفًا صَحِيحًا، فَقَدْ صَارَتْ مَنَافِعُهُ جَمِيعُهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَزَالَ عَنْ الْوَاقِفِ مِلْكُهُ، وَمِلْكُ مَنَافِعِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَفَ شَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَتِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، أَوْ مَقْبَرَةً فَلَهُ الدَّفْنُ فِيهَا، أَوْ بِئْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا، أَوْ سِقَايَةً، أَوْ شَيْئًا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ، وَكَانَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
[مَسْأَلَة الْوَاقِفَ إذَا اشْتَرَطَ فِي الْوَقْفِ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ]
(4375) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَيَكُونَ لَهُ مِقْدَارُ مَا يَشْتَرِطُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا اشْتَرَطَ فِي الْوَقْفِ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، صَحَّ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَشْتَرِطُ فِي الْوَقْفِ أَنِّي أُنْفِقُ عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِي مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَاحْتَجَّ، قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُجْرٌ الْمَدَرِيِّ، أَنَّ «فِي صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا أَهْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ»
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ الْوَقْفُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.
وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالزُّبَيْرُ، وَابْنُ سُرَيْجٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ، فَلَمْ يَجُزْ اشْتِرَاطُ نَفْعِهِ لِنَفْسِهِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يَخْدِمَهُ، وَلِأَنَّ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ
وَلَنَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا وَقَفَ قَالَ: وَلَا بَأْسَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.
وَكَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ.
وَلِأَنَّهُ إذَا وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا، كَالْمَسَاجِدِ، وَالسِّقَايَاتِ، وَالرِّبَاطَاتِ، وَالْمَقَابِرِ، كَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ الِانْتِفَاعَ بِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً مُعَيَّنَةً، وَسَوَاءٌ قَدَّرَ مَا يَأْكُلُ مِنْهُ، أَوْ أَطْلَقَهُ؛ فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُقَدِّرْ مَا يَأْكُلُ الْوَالِي وَيُطْعِمُ إلَّا بِقَوْلِهِ: بِالْمَعْرُوفِ.
وَفِي حَدِيثِ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ أَهْلُهُ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ
إلَّا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ أَنَّ يَنْتَفِعَ بِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً.
فَمَاتَ فِيهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَسْكُنَهَا سَنَةً، فَمَاتَ فِي أَثْنَائِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.