المغني لابن قدامةصفحات 403-442
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 403-442
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِمُثْلَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ إلَى الْبِئْرِ حَاجَةٌ، طُمَّتْ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ قَبْرَهُ.
وَإِنْ كَانَ طَمُّهَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ، أُخْرِجَ بِالْكَلَالِيبِ، سَوَاءٌ أَفْضَى إلَى الْمُثْلَةِ أَوْ لَمْ يُفْضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ؛ نَفْعِ الْمَارَّةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ الْمُثْلَةُ فِي بَقَائِهِ أَعْظَمَ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَطَّعُ وَيُنْتِنُ.
فَإِنْ نَزَلَ عَلَى الْبِئْرِ قَوْمٌ، فَاحْتَاجُوا إلَى الْمَاءِ، وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَلَهُمْ إخْرَاجُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ حَصَلَتْ مُثْلَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ مِنْ تَلَفِ نُفُوسِ الْأَحْيَاءِ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ السُّتْرَةِ إلَّا كَفَنَ الْمَيِّتِ، وَاضْطُرَّ الْحَيُّ إلَيْهِ، قُدِّمَ الْحَيُّ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ، وَحِفْظَ نَفْسِهِ، أَوْلَى مِنْ حِفْظِ الْمَيِّت عَنْ الْمُثْلَةِ.
لِأَنَّ زَوَالَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ شُقَّ بَطْنُهُ لِحِفْظِ مَالِ الْحَيِّ، وَحِفْظُ النَّفْسِ أَوْلَى مِنْ حِفْظِ الْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ إنْ كَانَ شَارِبُ الْمَيِّت طَوِيلًا أُخِذَ وَجُعِلَ مَعَهُ]

(1645) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ شَارِبُهُ طَوِيلًا أُخِذَ، وَجُعِلَ مَعَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ شَارِبَ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ طَوِيلًا اُسْتُحِبَّ قَصُّهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَمْ يُسْتَحَبَّ، كَالْخِتَانِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ كَالْقَوْلَيْنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ» . وَالْعَرُوسُ يُحَسَّنُ، وَيُزَالُ عَنْهُ مَا يُسْتَقْبَحُ مِنْ الشَّارِبِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ، فَشُرِعَتْ إزَالَتُهُ، كَفَتْحِ عَيْنَيْهِ وَفَمِهِ شُرِعَ مَا يُزِيلُهُ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَسْنُونٌ فِي الْحَيَاةِ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، فَشُرِعَ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَالِاغْتِسَالِ.
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِتَانُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَضَرَّةِ.
فَإِذَا أُخِذَ الشَّعْرُ جُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَيِّتِ، فَيُسْتَحَبُّ جَعْلُهُ فِي أَكْفَانِهِ كَأَعْضَائِهِ؛ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ الْمَيِّتِ مِنْ شَعْرٍ أَوْ ظُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُجْعَلُ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ كَذَلِكَ.
(1646) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَظْفَارُ إذَا طَالَتْ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا تُقَلَّمُ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ، وَيُنَقَّى وَسَخُهَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: وَالْخِلَالُ يُسْتَعْمَلُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ.
وَالْخِلَالُ يُزَالُ بِهِ مَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ؛ لِأَنَّ الظُّفْرَ لَا يَظْهَرُ كَظُهُورِ الشَّارِبِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى قَصِّهِ.
وَالثَّانِيَةُ، يُقَصُّ إذَا كَانَ فَاحِشًا.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَا مَضَرَّةَ فِيهِ، فَيُشْرَعُ أَخْذُهُ كَالشَّارِبِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ فَاحِشَةً.
وَأَمَّا الْعَانَةُ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ؛ لِتَرْكِهِ ذِكْرَهَا.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَمَالِكٍ،

وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهَا إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَمْسِهَا، وَهَتْكِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يُفْعَلُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ مَسْتُورَةٌ يُسْتَغْنَى بِسَتْرِهَا عَنْ إزَالَتِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَخْذَهَا مَسْنُونٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ جَزَّ عَانَةَ مَيِّتٍ.
وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ إزَالَتُهُ مِنْ السُّنَّةِ، فَأَشْبَهَ الشَّارِبَ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَيُفَارِقُ الشَّارِبُ الْعَانَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُتَفَاحَشُ لِرُؤْيَتِهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَلَا مَسِّهَا.
فَإِذَا قُلْنَا بِأَخْذِهَا، فَإِنَّ حَنْبَلًا رَوَى أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ: تَرَى أَنْ تُسْتَعْمَلَ النُّورَةُ؟ قَالَ: الْمُوسَى، أَوْ مِقْرَاضٌ يُؤْخَذُ بِهِ الشَّعْرُ مِنْ عَانَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تُزَالُ بِالنُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ، وَلَا يَمَسُّهَا.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ فِعْلُ سَعْدٍ، وَالنُّورَةُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُتْلِفَ جِلْدَ الْمَيِّتِ.
(1647) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْخِتَانُ فَلَا يُشْرَعُ؛ لِأَنَّهُ إبَانَةُ جُزْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ يُخْتَنُ.
حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَا يُحْلَقُ رَأْسُ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ فِي الْحَيَاةِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِزِينَةِ أَوْ نُسُكٍ، وَلَا يُطْلَبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا.

[فَصْلٌ جُبِرَ عَظْمُهُ بِعَظْمِ فَجَبَرَ ثُمَّ مَاتَ]

(1648) فَصْلٌ: وَإِنْ جُبِرَ عَظْمُهُ بِعَظْمٍ فَجَبَرَ، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يُنْزَعْ إنْ كَانَ طَاهِرًا.
وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَأَمْكَنَ إزَالَتُهُ مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ أُزِيلَ؛ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ مَقْدُورٌ عَلَى إزَالَتِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ.
وَإِنْ أَفْضَى إلَى الْمُثْلَةِ لَمْ يُقْلَعْ، وَصَارَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا.
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ جَبِيرَةٌ يُفْضِي نَزْعُهَا إلَى مُثْلَةٍ، مُسِحَتْ كَمَسْحِ جَبِيرَةِ الْحَيِّ.
وَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَى مُثْلَةٍ، نُزِعَتْ فَغُسِلَ مَا تَحْتَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الْمَيِّتِ تَكُونُ أَسْنَانُهُ مَرْبُوطَةً بِذَهَبٍ: إنْ قَدَرَ عَلَى نَزْعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْقُطَ بَعْضُ أَسْنَانِهِ نَزَعَهُ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَسْقُطَ بَعْضُهَا تَرَكَهُ.
(1649) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ مُشَنَّجًا، أَوْ بِهِ حُدْبٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَأَمْكَنَ تَمْدِيدُهُ بِالتَّلْيِينِ وَالْمَاءِ الْحَارِّ، فُعِلَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِعُنْفٍ، تَرَكَهُ بِحَالِهِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى صِفَةٍ لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ عَلَى النَّعْشِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَشْتَهِرُ بِالْمُثْلَةِ، تُرِكَ فِي تَابُوتٍ، أَوْ تَحْتَ مُكِبَّةٍ، مِثْلُ مَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُ، وَأَسْتَرُ لِحَالِهِ.
(1650) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتْرَكَ فَوْقَ سَرِيرِ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ مِنْ الْخَشَبِ أَوْ الْجَرِيدِ، مِثْلُ الْقُبَّةِ، يُتْرَكُ فَوْقَهُ ثَوْبٌ؛

لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَوَّلُ مَنْ صُنِعَ لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهَا.

[مَسْأَلَةٌ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ]

(1651) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا، إلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَالَ: لَا تُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ بَعْدَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّهُ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْن عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.» وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَزَّى ثَكْلَى، كُسِيَ بُرْدًا فِي الْجَنَّةِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.
وَالْمَقْصُودُ بِالتَّعْزِيَةِ تَسْلِيَةُ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ، وَقَضَاءُ حُقُوقِهِمْ، وَالتَّقَرُّبُ إلَيْهِمْ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهَا بَعْدَ الدَّفْنِ كَالْحَاجَةِ إلَيْهَا قَبْلَهُ.

[فَصْل تَعْزِيَةُ جَمِيعِ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ كِبَارِهِمْ وَصِغَارِهِمْ]

(1652) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ جَمِيعِ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ، كِبَارِهِمْ وَصِغَارِهِمْ، وَيَخُصُّ خِيَارَهُمْ، وَالْمَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ؛ لِيَسْتَنَّ بِهِ غَيْرُهُ، وَذَا الضَّعْفِ مِنْهُمْ عَنْ تَحَمُّلِ الْمُصِيبَةِ، لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا، وَلَا يُعَزِّي الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ شَوَابَّ النِّسَاءِ؛ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ.

[فَصْلٌ لَا نَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا]

(1653) فَصْلٌ: وَلَا نَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا، إلَّا أَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَزَّى رَجُلًا، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَآجَرَكَ.» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَعَزَّى أَحْمَدُ أَبَا طَالِبٍ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا عَزَّى مُسْلِمًا بِمُسْلِمٍ قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاك، وَرَحِمَ اللَّهُ مَيِّتَك.
وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَتْ التَّعْزِيَةُ، سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ، فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ.» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ " وَإِنْ عَزَّى مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك.

[فَصْلٌ تَعْزِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]

(1654) فَصْلٌ: وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَنْ تَعْزِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهِيَ تُخَرَّجُ عَلَى عِيَادَتِهِمْ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا نَعُودُهُمْ، فَكَذَلِكَ لَا نُعَزِّيهِمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ» . وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
وَالثَّانِيَةُ، نَعُودُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَى غُلَامًا مِنْ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ.
فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ.
فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّارِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَعَلَى هَذَا نُعَزِّيهِمْ فَنَقُولُ فِي تَعْزِيَتِهِمْ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك.
وَعَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا نَقَصَ عَدَدَك.
وَيَقْصِدُ زِيَادَةَ عَدَدِهِمْ لِتَكْثُرَ جِزْيَتُهُمْ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، يَقُولُ: أَعْطَاك اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِك أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِك.
فَأَمَّا الرَّدُّ مِنْ الْمُعَزَّى، فَبَلَغَنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يُعَزِّي فِي عَبْثَرٍ ابْنِ عَمِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ.

[فَصْلٌ الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ]

(1655) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَهْيِيجًا لِلْحُزْنِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ، إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ، فَيُعَزِّي إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ.
وَقَالَ: إنْ شِئْت أَخَذْت بِيَدِ الرَّجُلِ فِي التَّعْزِيَةِ، وَإِنْ شِئْت لَمْ تَأْخُذْ.
وَإِذَا رَأَى الرَّجُلَ قَدْ شَقَّ ثَوْبَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ عَزَّاهُ، وَلَمْ يَتْرُكْ حَقًّا لِبَاطِلٍ، وَإِنْ نَهَاهُ فَحَسَنٌ.

[مَسْأَلَةٌ الْبُكَاءُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَدْبٌ وَلَا نِيَاحَةٌ]

(1656) مَسْأَلَةٌ؛ (قَالَ: وَالْبُكَاءُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَدْبٌ وَلَا نِيَاحَةٌ) أَمَّا الْبُكَاءُ بِمُجَرَّدِهِ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَالٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُبَاحُ إلَى أَنْ تَخْرُجَ الرُّوحُ، وَيُكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ يَعُودُهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: غُلِبْنَا عَلَيْك أَبَا الرَّبِيعِ.
فَصَاحَ النِّسْوَةُ، وَبَكَيْنَ، فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِينَ بَاكِيَةٌ.» يَعْنِي إذَا مَاتَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ» . «وَقَبَّلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَعَيْنَاهُ تُهْرَاقَانِ» . وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتَذْرِفَانِ»

وَقَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى.
وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ.
وَرَوَى الْأُمَوِيُّ، فِي " الْمَغَازِي "، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا مَاتَ، جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَنْتَحِبَانِ، حَتَّى اخْتَلَطَتْ عَلَيَّ أَصْوَاتُهُمَا.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَهُوَ فِي غَاشِيَتِهِ، فَبَكَى، وَبَكَى أَصْحَابُهُ، وَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ.
أَوْ يَرْحَمُ.» وَعَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ.
ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ وَالنَّدْبِ وَشِبْهِهِمَا، بِدَلِيلِ مَا رَوَى جَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ ابْنَهُ، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَتَبْكِي؟ أَوْ لَمْ تَكُنْ نَهَيْت عَنْ الْبُكَاءِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ نَهَيْت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ؛ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ مُطْلَقِ الْبُكَاءِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا عَلَى نِسَاءِ بَنِي الْمُغِيرَة أَنْ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: اللَّقْلَقَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ.

[فَصْل النَّدْبُ هُوَ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ]

(1657) فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّدْبُ فَهُوَ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ، وَمَا يَلْقَوْنَ بِفَقْدِهِ بِلَفْظِ النِّدَاءِ؛ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ بِالْوَاوِ مَكَانَ الْيَاءِ، وَرُبَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْأَلْفُ وَالْهَاءُ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: وَارَجُلَاه وَاجَبَلَاه، وَانْقِطَاعُ ظَهْرَاهُ.
وَأَشْبَاهُ هَذَا.
وَالنِّيَاحَةُ، وَخَمْشُ الْوُجُوهِ، وَشَقُّ الْجُيُوبِ، وَضَرْبُ الْخُدُودِ، وَالدُّعَاءُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ مَكْرُوهٌ.
وَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا فِيهِ احْتِمَالُ إبَاحَةِ النَّوْحِ وَالنَّدْبِ.
وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، وَأَبَا وَائِلٍ، كَانَا يَسْتَمِعَانِ النَّوْحَ وَيَبْكِيَانِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا ذَكَرَتْ الْمَرْأَةُ مِثْلَ مَا حُكِيَ عَنْ فَاطِمَةَ، فِي مِثْلِ الدُّعَاءِ، لَا يَكُونُ مِثْلَ النَّوْحِ.
يَعْنِي لَا بَأْسَ بِهِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ، يَا أَبَتَاهُ، إلَى جِبْرِيلَ أَنْعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَخَذَتْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَضَعَتْهَا عَلَى عَيْنِهَا، ثُمَّ قَالَتْ:

مَاذَا عَلَى مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أَحْمَدَ ... أَنْ لَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا صُبَّتْ عَلَيَّ مُصِيبَةٌ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ النَّوْحِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَة؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12] . قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ النَّوْحُ.
«وَلَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ» . وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ.
وَالصَّالِقَةُ: الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا.
وَعَنْ ابْن مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ وَالِاسْتِغَاثَةَ وَالسَّخَطَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: إنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ إذَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَقَفَ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي عَتَبَةِ الْبَابِ، وَقَالَ: إنْ كَانَتْ صَيْحَتُكُمْ عَلَيَّ فَإِنِّي مَأْمُورٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَيِّتِكُمْ فَإِنَّهُ مَقْبُورٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَبِّكُمْ فَالْوَيْلُ لَكُمْ وَالثُّبُورُ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَاتٍ ثُمَّ عَوْدَاتٍ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا حَضَرْتُمْ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» .

[فَصْل الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ]

(1658) فَصْلٌ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ» . وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . وَرَوَى ذَلِكَ عُمَرُ وَابْنُهُ، وَالْمُغِيرَةُ، وَهِيَ أَحَادِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهَا، فَحَمَلَهَا قَوْمٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا؛ وَقَالُوا: يَتَصَرَّفُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهْ، وَاسَنَدَاهْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْت؟» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا.
تُعَدِّدُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْت لِي شَيْئًا إلَّا قِيلَ لِي: أَنْتَ كَذَلِكَ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -

حَمْلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَوَافَقَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَكَرْت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، وَاَللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاَللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى.
وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ رَوَى حَدِيثَهُ، فَمَا قَالَ شَيْئًا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى مَنْ كَانَ النَّوْحُ سُنَّتَهُ، وَلَمْ يَنْهَ أَهْلَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ: إذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشِقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ وَقَالَ آخَرُ: مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِي بَاكِيًا أَبَدًا ... فَالْيَوْمَ إنِّي أَرَانِي الْيَوْمَ مَقْبُوضًا يُسْمِعْنَنِيهِ فَإِنِّي غَيْرُ سَامِعِهِ ... إذَا جُعِلْت عَلَى الْأَعْنَاقِ مَعْرُوضًا وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْبُكَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْبُكَاءِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ الَّذِي مَعَهُ نَدْبٌ وَنِيَاحَةٌ وَنَحْوُ هَذَا، بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ.

[فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْمُصَابِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَزَّى بِعَزَائِهِ]

(1659) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِلْمُصَابِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَعَزَّى بِعَزَائِهِ، وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَيَتَنَجَّزَ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الصَّابِرِينَ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 157] . وَرَوَى مُسْلِمٌ، فِي " صَحِيحِهِ "، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ اُؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا.
إلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْت كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْلَفَ لِي خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُحْبِطُ أَجْرَهُ، وَيُسْخِطُ رَبَّهُ، مِمَّا يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ وَالِاسْتِغَاثَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يَجُورُ، وَلَهُ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، فَلَا يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ، لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» . وَيَحْتَسِبُ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَك، وَاسْتَرْجَعَ.
فَيَقُولُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

[مَسْأَلَةٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا]

(1660) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا يُطْعِمُونَ النَّاسَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إصْلَاحُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ، إعَانَةً لَهُمْ، وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا اشْتَغَلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ وَبِمَنْ يَأْتِي إلَيْهِمْ عَنْ إصْلَاحِ طَعَامٍ لَأَنْفُسِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ» . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: فَمَازَالَتْ السُّنَّةُ فِينَا، حَتَّى تَرَكَهَا مَنْ تَرَكَهَا.
فَأَمَّا صُنْعُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلنَّاسِ، فَمَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مُصِيبَتِهِمْ، وَشُغْلًا لَهُمْ إلَى شُغْلِهِمْ، وَتَشَبُّهًا بِصُنْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ جَرِيرًا وَفَدَ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: هَلْ يُنَاحُ عَلَى مَيِّتِكُمْ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَهَلْ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَيَجْعَلُونَ الطَّعَامَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: ذَاكَ النَّوْحُ.
وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ جَازَ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَاءَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مَيِّتَهُمْ مِنْ الْقُرَى وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا أَنْ يُضَيِّفُوهُ.

[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ إذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ يَتَحَرَّك]

(1661) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ إذَا مَاتَتْ، وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ يَتَحَرَّكُ، فَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، وَيَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ، فَيُخْرِجْنَهُ) مَعْنَى " يَسْطُو الْقَوَابِلُ " أَنْ يُدْخِلْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي فَرْجِهَا، فَيُخْرِجْنَ الْوَلَدَ مِنْ مَخْرَجِهِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُ الْمَيِّتَةِ لِإِخْرَاجِ وَلَدِهَا، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، وَتُخْرِجُهُ الْقَوَابِلُ إنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِحَرَكَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نِسَاءٌ لَمْ يَسْطُ الرِّجَالُ عَلَيْهِ، وَتُتْرَكُ أُمُّهُ حَتَّى يُتَيَقَّنُ مَوْتُهُ، ثُمَّ تُدْفَنُ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُ الْأُمِّ، إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَنِينَ يَحْيَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ لِإِبْقَاءِ حَيٍّ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا، وَلَمْ يُمْكِنْ خُرُوجُ بَقِيَّتِهِ إلَّا بِشَقٍّ، وَلِأَنَّهُ يُشَقُّ لِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْهُ، فَلِإِبْقَاءِ الْحَيِّ أَوْلَى.

وَلَنَا، أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ عَادَةً، وَلَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَحْيَا، فَلَا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لَأَمْرٍ مَوْهُومٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِيهِ مُثْلَةٌ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُثْلَةِ» . وَفَارَقَ الْأَصْلَ؛ فَإِنَّ حَيَاتَهُ مُتَيَقَّنَةٌ، وَبَقَاءَهُ مَظْنُونٌ، فَعَلَى هَذَا إنْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ حَيًّا، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِشَقٍّ، شُقَّ الْمَحَلُّ، وَأُخْرِجَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَأَمْكَنَ إخْرَاجُهُ، أُخْرِجَ وَغُسِّلَ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ تُرِكَ، وَغُسِّلَتْ الْأُمُّ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ الْوَلَدِ، وَمَا بَقِيَ فَفِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّيَمُّمِ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَظَهَرَ الْبَعْضُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
ذَكَرَ هَذَا ابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَالَ: هِيَ حَادِثَةٌ سُئِلْت عَنْهَا، فَأَفْتَيْت فِيهَا.

[فَصْلٌ بَلَعَ الْمَيِّتُ مَالًا]

(1662) فَصْلٌ: وَإِنْ بَلَعَ الْمَيِّتُ مَالًا، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا تُرِكَ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، شُقَّ بَطْنُهُ وَأُخْرِجَ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِفْظَ الْمَالِ عَنْ الضَّيَاعِ، وَنَفْعَ الْوَرَثَةِ الَّذِينَ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِمَالِهِ بِمَرَضِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَالُ لِغَيْرِهِ، وَابْتَلَعَهُ بِإِذْنِهِ، فَهُوَ كَمَالِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَذِنَ فِي إتْلَافِهِ.
وَإِنْ بَلَعَهُ غَصْبًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يُشَقُّ بَطْنُهُ، وَيُغَرَّمُ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشَقَّ مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ الْمَرْجُوِّ حَيَاتُهُ، فَمِنْ أَجْلِ الْمَالِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي، يُشَقُّ إنْ كَانَ كَثِيرًا؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ بِرَدِّ مَالِهِ إلَيْهِ، وَعَنْ الْمَيِّتِ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، وَعَنْ الْوَرَثَةِ بِحِفْظِ التَّرِكَةِ لَهُمْ.
وَيُفَارِقُ الْجَنِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ حَيَاتَهُ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ مَا حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إذَا بَلِيَ جَسَدُهُ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ظُهُورُ الْمَالِ،

وَتَخَلُّصُهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَيِّتِ، جَازَ نَبْشُهُ وَإِخْرَاجُهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ، إنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ» . فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ.
وَلَوْ كَانَ فِي أُذُنِ الْمَيِّتِ حَلَقٌ، أَوْ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ أُخِذَ.
فَإِنْ صَعُبَ أَخْذُهُ، بُرِدَ، وَأُخِذَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ.

[فَصْلٌ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ]

(1663) فَصْلٌ: وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ، جَازَ أَنْ يَنْبُشَ عَنْهَا.
وَقَالَ فِي الشَّيْءِ يَسْقُطُ فِي الْقَبْرِ، مِثْلُ الْفَأْسِ وَالدَّرَاهِمِ: يُنْبَشُ.
قَالَ: إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ.
يَعْنِي يُنْبَشُ.
قِيلَ: فَإِنْ أَعْطَاهُ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ؟ قَالَ: إنْ أَعْطَوْهُ حَقَّهُ أَيَّ شَيْءٍ يُرِيدُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ طُرِحَ خَاتَمُهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: خَاتَمِي.
فَفُتِحَ مَوْضِعٌ مِنْهُ، فَأَخَذَ الْمُغِيرَةُ خَاتَمَهُ، فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[فَصْلٌ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ]

(1664) فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، نُبِشَ، وَغُسِّلَ، وَوُجِّهَ، إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكَ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُنْبَشُ؛ لِأَنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ وَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ، كَإِخْرَاجِ مَا لَهُ قِيمَةٌ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ.
قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُقْبَرُ وَلَا يُنْبَشُ.

[فَصْلٌ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ]

(1665) فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ صُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ جَازَ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلَا يُنْبَشُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ وَلَمْ يَنْبُشْهَا» . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ دُفِنَ قَبْلَ وَاجِبٍ، فَنُبِشَ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا الْمِسْكِينَةُ فَقَدْ كَانَتْ صُلِّيَ عَلَيْهَا، وَلَمْ

تَبْقَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً، فَلَمْ تُنْبَشْ لِذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ.

[فَصْلٌ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ]

(1666) فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُتْرَكُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْكَفَنِ سَتْرُهُ، وَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُ بِالتُّرَابِ.
وَالثَّانِي، يُنْبَشُ وَيُكَفَّنُ؛ لِأَنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ، فَأَشْبَهَ الْغُسْلَ.
وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَا يُنْبَشُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْبَشَ، إذَا كَانَ الْكَفَنُ بَاقِيًا بِحَالِهِ؛ لِيُرَدَّ إلَى مَالِكِهِ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بَالِيًا فَقِيمَتُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
فَإِنْ دُفِنَ فِي أَرْضِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ فِي الْأَرْضِ يَدُومُ ضَرَرُهُ، وَيَكْثُرُ، بِخِلَافِ الْكَفَنِ.
وَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الدَّفْنِ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا.
وَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَعَادَ تُرَابًا، فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ لِحُرْمَةِ مِلْكِ الْآدَمِيِّ، فَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ أُخْرَى]

(1667) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، بُدِئَ بِالْجِنَازَةِ، وَإِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بُدِئَ بِالْمَغْرِبِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ، بُدِئَ بِالْمَكْتُوبَةِ، إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُمَا وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ.
وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَتَادَةَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَأَيْسَرُ، وَالْجِنَازَةُ يَتَطَاوَلُ أَمْرُهَا، وَالِاشْتِغَالُ بِهَا، فَإِنْ قَدَّمَ جَمِيعَ أَمْرِهَا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَى إلَى تَفْوِيتِهَا، وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ انْتَظَرَ فَرَاغَ الْمَكْتُوبَةِ لَمْ يَعُدْ تَقْدِيمُهَا شَيْئًا، إلَّا فِي الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، فَإِنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا بَعِيدٌ أَنْ يَقَعُ فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ أَوَّلًا.

[فَصْلٌ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ]

(1668) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ - يَعْنِي عَلَى الْمَيِّتِ - فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَنِصْفِ النَّهَارِ، وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى يَمِيلَ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمَعْنَى تَتَضَيَّفُ: أَيْ تَجْنَحُ وَتَمِيلُ لِلْغُرُوبِ، مِنْ قَوْلِك: تَضَيَّفْتُ فُلَانًا: إذَا مِلْت إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَعْنَى أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا، يَعْنِي الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: الشَّمْسُ عَلَى الْحِيطَانِ مُصْفَرَّةٌ؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهَا

مَا لَمْ تُدْلِ لِلْغُرُوبِ.
فَلَا.
وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، قِيَاسًا عَلَى مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ، فَيُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ فِيهِمَا، وَيَشُقُّ انْتِظَارُ خُرُوجِهِمَا، بِخِلَافِ هَذِهِ.
وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَيْضًا دَفْنَ الْمَيِّتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ.
فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ وَالْغَائِبِ، فَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ تَجْوِيزِهَا عَلَى الْمَيِّتِ مُعَلَّلَةٌ بِالْخَوْفِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ هَاهُنَا، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ، وَالْعَمَلِ بِعُمُومِ النَّهْيِ

[فَصْلٌ حُكْم الدَّفْنُ لَيْلًا]

(1669) فَصْلٌ: فَأَمَّا الدَّفْنُ لَيْلًا، فَقَالَ أَحْمَدُ: وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ.
وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: كُنَّا سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَّاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فِي دَفْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِمَّنْ دُفِنَ لَيْلًا: عُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ.
وَرَخَّصَ فِيهِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، فِي " صَحِيحِهِ "، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَدُفِنَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ الْإِنْسَانُ إلَى ذَلِكَ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إلَيْهِ أَذْهَبُ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: «وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ فِي قَبْرِ ذِي النِّجَادَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَهُوَ يَقُول: أَدْنِيَا مِنِّي أَخَاكُمَا حَتَّى أُسْنِدَهُ فِي لَحْدِهِ.
ثُمَّ قَالَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَمْسَيْت عَنْهُ رَاضِيًا، فَارْضَ عَنْهُ.
وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، قَالَ: فَوَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوَدِدْت أَنِّي مَكَانَهُ، وَلَقَدْ أَسْلَمْت قَبْلَهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ.» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، فِي " جَامِعِهِ ". وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، فَأَخَذَ مَنْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ: رَحِمَك اللَّهُ، إنْ كُنْت لَأَوَّاهًا، تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: فُلَانٌ، دُفِنَ الْبَارِحَةَ.
فَصَلَّى عَلَيْهِ» .

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْآيَتَيْنِ، فَجَازَ الدَّفْنُ فِيهِ كَالنَّهَارِ، وَحَدِيثُ الزَّجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالتَّأْدِيبِ؛ فَإِنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى مُتَّبِعِهَا، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا، وَأَمْكَنُ لِإِتْبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ وَإِلْحَادِهِ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ]

(1670) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) الْغَالُّ: هُوَ الَّذِي يَكْتُمُ غَنِيمَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا، لِيَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ، وَيَخْتَصَّ بِهِ.
فَهَذَا لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ مُتَعَمِّدًا.
وَيُصَلِّي عَلَيْهِمَا سَائِرُ النَّاسِ.
نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ، كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءُوهُ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا انْطَلَقَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: وَمَا يُدْرِيك؟ قَالَ: رَأَيْته يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْته؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إذًا لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ» . وَرَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ.
فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ قَالَ: إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ» . احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَاخْتَصَّ هَذَا الِامْتِنَاعُ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» . وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْإِمَامَ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ سَاوَاهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ صَلَاةِ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ سَكَنٌ.
قُلْنَا: مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ دَلِيلٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
قُلْنَا: ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدُ، فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَقُولُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ وَفَاءٍ؟ . فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ الْفُتُوحَ قَامَ فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَرَكَ دَيْنًا، عَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَرَثَةِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَلَوْلَا النَّسْخُ كَانَ كَمَسْأَلَتِنَا، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ خَاصَّةٌ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . عَلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَيْنِ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يَكُنْ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا مُنَافِيًا لِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا، كَذَلِكَ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.

[فَصْلٌ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَهْمِيَّةَ وَلَا الرَّافِضَةَ]

(1671) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشْهَدُ الْجَهْمِيَّةَ وَلَا الرَّافِضَةَ، وَيَشْهَدُهُ مَنْ شَاءَ، قَدْ تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ هَذَا؛ الدَّيْنُ، وَالْغُلُولُ، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ.
وَقَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الرَّافِضِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: لَا أُصَلِّي عَلَى رَافِضِيٌّ، وَلَا حَرُورِيٍّ.
وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ: مَنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ فَهُوَ كَافِرٌ، لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: لَا تَمَسُّوهُ بِأَيْدِيكُمْ، ارْفَعُوهُ بِالْخَشَبِ حَتَّى تُوَارُوهُ فِي حُفْرَتِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْبِدَعِ لَا يُعَادُونَ إنْ مَرِضُوا، وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ إنْ مَاتُوا.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يُصَلُّونَ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَرَكَ الصَّلَاةَ بِأَدْوَنَ مِنْ هَذَا، فَأَوْلَى أَنْ نَتْرُكَ الصَّلَاةَ بِهِ» ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وَإِنَّ مَجُوسَ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

[فَصْلٌ لَا يُصَلَّى عَلَى أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ]

(1672) فَصْلٌ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حُكْمَ آبَائِهِمْ، إلَّا مَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، مِثْل أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ

أَبَوَيْهِ، أَوْ يَمُوتَ، أَوْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا مِنْ أَبَوَيْهِ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو ثَوْرٍ مَنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، حَتَّى يَخْتَارَ الْإِسْلَامَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا مِنْهُمَا.

[فَصْلٌ يُصَلَّى عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَالْمَرْجُومِ فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِمْ]

(1673) فَصْلٌ: وَيُصَلَّى عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَالْمَرْجُومِ فِي الزِّنَا، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى بِصَلَاتِنَا، نُصَلِّي عَلَيْهِ وَنَدْفِنُهُ.
وَيُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا، وَالزَّانِيَةِ، وَاَلَّذِي يُقَادُ مِنْهُ بِالْقِصَاصِ، أَوْ يُقْتَلُ فِي حَدٍّ.
وَسُئِلَ عَمَّنْ لَا يُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ، فَقَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ، مَا يُعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ، إلَّا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَالْغَالِّ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْبُغَاةِ، وَلَا الْمُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ بَايَنُوا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَشْبَهُوا أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ؛ لِأَنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ قَالَ: «لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي شُمَيْلَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى قُبَاءَ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً عَلَى بَابٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مَمْلُوكٌ لِآلِ فُلَانٍ.
قَالَ: أَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ وَكَانَ.
فَقَالَ: أَكَانَ يُصَلِّي؟ قَالُوا: قَدْ كَانَ يُصَلِّي وَيَدَعُ.
فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَادَتْ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» . وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِمْ شَفَاعَةٌ، وَلَا يُسْتَجَابُ فِيهِمْ دُعَاءٌ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] وَقَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] . وَأَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى مَاعِزٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ لِعُذْرٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَرْجُمُهَا، وَتُصَلِّي عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» . كَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَهِشَامٌ، عَنْ أَبَانَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ]

(1674) مَسْأَلَةٌ؛ (قَالَ: وَإِذَا حَضَرَتْ جِنَازَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ، جُعِلَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ، وَالصَّبِيُّ خَلْفَهُمَا) لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الرِّجَالِ غَيْرُهُمْ، أَنَّهُ يُجْعَلُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، فَنَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، أَنَّ الْمَرْأَةَ تُقَدَّمُ مِمَّا يَلِي الرَّجُل، ثُمَّ يُجْعَلُ الصَّبِيُّ خَلْفَهُمَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ شَخْصٌ مُكَلَّفٌ، فَهِيَ أَحْوَجُ إلَى الشَّفَاعَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، أَنَّهُ شَهِدَ جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا، فَجُعِلَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، فَأَنْكَرْت ذَلِكَ، وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالُوا: هَذِهِ السُّنَّةُ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنَّ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالصِّبْيَانَ أَمَامَهُمْ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِنَّ فِي الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَكَذَلِكَ يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِنَّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْجَنَائِزِ، كَالرِّجَالِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ، فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَهَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ ابْنَهَا مِمَّا يَلِيهِ.
كَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَمَّارٌ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ.
وَأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَفْظُهُ قَالَ: شَهِدْت جِنَازَةَ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ، فَقُدِّمَ الصَّبِيُّ مِمَّا يَلِي الْقَوْمَ، وَوُضِعَتْ الْمَرْأَةُ وَرَاءَهُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقُلْنَا لَهُمْ، فَقَالُوا: السُّنَّةُ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ عُمَرَ هُوَ ابْنُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ، الَّذِي صُلِّيَ عَلَيْهِ مَعَهَا، وَكَانَ رَجُلًا لَهُ أَوْلَادٌ.
كَذَلِكَ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ.
وَلَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ زَيْدًا ضُرِبَ فِي حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ عَدِيٍّ فِي خِلَافَةِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ فَصُرِعَ وَحُمِلَ، وَمَاتَ، وَالْتَفَّتْ صَارِخَتَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمِّهِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا رَجُلًا.
(1675) فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِ الْخُنْثَى عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَأَدْنَى أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهَا، وَلَا فِي تَقْدِيمِ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِشَرَفِهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ فِي الْإِمَامَةِ، وَلَا فِي تَقْدِيمِ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ كَذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، يُجْعَلُ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالْمَرْأَةُ أَمَامَ ذَلِكَ، وَالْكَبِيرُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالصَّغِيرُ أَمَامَ ذَلِكَ،

وَالْحُرُّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالْمَمْلُوكُ أَمَامَ ذَلِكَ.
فَإِنْ اجْتَمَعَ حُرٌّ صَغِيرٌ وَعَبْدٌ كَبِيرٌ، قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فِي غُلَامٍ حُرٍّ وَشَيْخٍ عَبْدٍ: يُقَدَّمُ الْحُرُّ إلَى الْإِمَامِ.
هَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ، وَغَلِطَ مَنْ رَوَى خِلَافَ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ: الْحُرُّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالْمَمْلُوكُ وَرَاءَ ذَلِكَ.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: يُقَدَّمُ أَكْبَرُهُمَا إلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُ عَلِيٍّ أَرَادَ بِهِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: وَالْكَبِيرُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالصَّغِيرُ أَمَامَ ذَلِكَ.
(1676) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانُوا نَوْعًا وَاحِدًا، قُدِّمَ إلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ يَدْفِنُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، وَيُقَدِّمُ أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ.» وَلِأَنَّ الْأَفْضَلَ يُقَدَّمُ فِي صَفِّ الْمَكْتُوبَةِ، فَيُقَدَّمُ هَاهُنَا، كَالرِّجَالِ مَعَ الْمَرْأَةِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْأَصْلِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى.» وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ، قُدِّمَ الْأَكْبَرُ فَالْأَكْبَرُ.
فَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ السَّابِقُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا، وَلَا تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ سَابِقَةً؛ لِمَوْضِعِ الذُّكُورِيَّةِ، فَإِنْ تَسَاوَوْا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، فَإِنْ تَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ فِي ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.

[فَصْلٌ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِز دَفْعَةً وَاحِدَةً]

فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِز، دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ أَفْرَدَ كُلَّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ جَازَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ مَعَ غَيْرِهِ» . وَقَالَ حَنْبَلٌ: صَلَّيْت مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى جِنَازَةِ امْرَأَةٍ مَنْفُوسَةٍ، فَصَلَّى أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى الْأُمِّ، وَاسْتَأْمَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: صَلِّ عَلَى ابْنَتِهَا الْمَوْلُودَةِ أَيْضًا؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَوْ أَنَّهُمَا وُضِعَا جَمِيعًا كَانَتْ صَلَاتُهُمَا وَاحِدَةً، تَصِيرُ إذَا كَانَتْ أُنْثَى عَنْ يَمِينِ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا كَانَ ذَكَرًا عَنْ يَسَارِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إفْرَادُ كُلِّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ أَفْضَلُ، مَا لَمْ يُرِيدُوا الْمُبَادَرَةَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، أَنَّهُ أَفْضَلُ فِي الْإِفْرَادِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَالِ السَّلَفِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ دَفْنُ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَبْرِ]

(1678) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ دُفِنُوا فِي قَبْرٍ يَكُونُ الرَّجُلُ مَا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ، وَالصَّبِيُّ خَلْفَهُمَا، وَيَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ تُرَابٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا دُفِنَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَبْرِ، قُدِّمَ الْأَفْضَلُ مِنْهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ، عَلَى حَسَبِ تَقْدِيمِهِمْ إلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءً، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ؛ لِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ،

قَالَ: «شُكِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِرَاحَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ، فَيَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مِثْلِ الْقَبْرِ الْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّ الْكَفَنَ حَائِلٌ غَيْرُ حَصِينٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ جُعِلَ لَهُمْ شِبْهُ النَّهْرِ، وَجُعِلَ رَأْسُ أَحَدِهِمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ، وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ التُّرَابِ، لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.
أَوْ كَمَا قَالَ.
(1679) فَصْلٌ: وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: أَمَّا فِي مِصْرٍ فَلَا، وَأَمَّا فِي بِلَادِ الرُّومِ فَتَكْثُرُ الْقَتْلَى، فَيَحْفِرُ شِبْهَ النَّهْرِ، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَيَجْعَلُ بَيْنهمَا حَاجِزًا، لَا يَلْتَزِقُ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَبْرٍ فِي الْمِصْرِ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي مَوْضِعِ الْمُعْتَرَكِ.
وَإِنْ وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ جَازَ دَفْنُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، حَيْثُمَا كَانَ مِنْ مِصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ مَاتَ لَهُ أَقَارِبُ بَدَأَ بِمَنْ يَخَافُ تَغَيُّرَهُ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ بَدَأَ بِأَقْرَبِهِمْ إلَيْهِ، عَلَى تَرْتِيبِ النَّفَقَاتِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ قَدَّمَ أَنْسَبَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ.

[مَسْأَلَةٌ مَاتَتْ نَصْرَانِيَّةٌ وَهِيَ حَامِلَة مِنْ مُسْلِمٍ فَأَيْنَ تُدْفَن]

(1680) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ مَاتَتْ نَصْرَانِيَّةٌ، وَهِيَ حَامِلَةٌ مِنْ مُسْلِمٍ، دُفِنَتْ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَةِ النَّصَارَى) اخْتَارَ هَذَا أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ، لَا تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَأَذَّوْا بِعَذَابِهَا، وَلَا فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا مُسْلِمٌ فَيَتَأَذَّى بِعَذَابِهِمْ، وَتُدْفَنُ مُنْفَرِدَةً.
مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ، لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إلَى ظَهْرِهَا.

[مَسْأَلَةٌ خَلْعُ النِّعَالِ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ]

(1681) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَخْلَعُ النِّعَالَ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ) . هَذَا مُسْتَحَبٌّ؛ لِمَا رَوَى بَشِيرُ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ، قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ، عَلَيْهِ نَعْلَانِ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْك.
فَنَظَرَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَعَهُمَا، فَرَمَى بِهِمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُ حَدِيثِ بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ جَيِّدٌ، أَذْهَبُ إلَيْهِ، إلَّا مِنْ عِلَّةٍ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: رَأَيْت الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، يَمْشِيَانِ بَيْنَ الْقُبُورِ فِي نِعَالِهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَرِهَ لِلرَّجُلِ الْمَشْيَ فِي نَعْلَيْهِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْخُيَلَاءِ، فَإِنَّ نِعَالَ السِّبْتِ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ النَّعِيمِ، قَالَ عَنْتَرَةُ: يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ وَلَنَا، أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ النَّدْبُ، وَلِأَنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ، وَزِيُّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ، وَاحْتِرَامُ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِخْبَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ لَا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ هَذَا مِنْهُمْ، وَلَا نِزَاعَ فِي وُقُوعِهِ وَفِعْلِهِمْ إيَّاهُ مَعَ كَرَاهِيَتِهِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ لِلْمَاشِيَّ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ خَلْعِ نَعْلَيْهِ، مِثْلُ الشَّوْكِ يَخَافُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ، أَوْ نَجَاسَةٍ تَمَسُّهُمَا، لَمْ يُكْرَه الْمَشْيُ فِي النَّعْلَيْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْمَقَابِرَ وَفِيهَا شَوْكٌ يَخْلَعُ نَعْلَيْهِ: هَذَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي الشَّوْكِ، وَإِنْ فَعَلَهُ فَحَسَنٌ، هُوَ أَحْوَطُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ رَجُلٌ.
يَعْنِي لَا بَأْسَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُذْرَ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَالِاسْتِحْبَابُ أَوْلَى، وَلَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِحْبَابِ نَزْعُ الْخِفَافِ؛ لِأَنَّ نَزْعَهَا يَشُقُّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ، مَعَ أَمْرِهِ بِخَلْعِ النِّعَالِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَتَعَدَّى النِّعَالَ إلَى الشِّمْشِكَاتِ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، فَلَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ.

[فَصْلُ الْمَشْيِ عَلَى الْقُبُورِ]

(1682) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقُبُورِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْقُبُورُ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ أَمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ أَخْصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَمَا أُبَالِي أَوَسْطَ الْقُبُورِ - كَذَا قَالَ - قَضَيْتُ حَاجَتِي، أَوْ وَسْطَ السُّوقِ» . وَلِأَنَّهُ كَرِهَ الْمَشْيَ بَيْنهَا بِالنَّعْلَيْنِ، فَالْمَشْيُ عَلَيْهَا أَوْلَى.

[فَصْلُ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ وَالِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا]

(1683) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَيْهَا، وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، تَحْرِقُ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَدْ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ.»

[مَسْأَلَةٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَزُورَ الرَّجُلُ الْمَقَابِرَ]

(1684) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزُورَ الرَّجُلُ الْمَقَابِرَ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ زِيَارَةِ الرِّجَالِ الْقُبُورَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، تَرْكُهَا أَفْضَلُ عِنْدَك أَوْ زِيَارَتُهَا؟ قَالَ: زِيَارَتُهَا.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: " فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ ". (1685) فَصْلٌ: وَإِذَا مَرَّ بِالْقُبُورِ، أَوْ زَارَهَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ.» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ» . وَإِنْ أَرَادَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
كَانَ حَسَنًا.

[فَصْلُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ]

(1686) فَصْلٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ اقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ رَجَعَ رُجُوعًا أَبَانَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَرَوَى جَمَاعَةٌ أَنَّ أَحْمَدَ نَهَى ضَرِيرًا أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَالَ لَهُ: إنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ.
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرٍ الْحَلَبِيِّ؟ قَالَ: ثِقَةٌ.
قَالَ: فَأَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ يُقْرَأُ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأُ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَزَّارُ، شَيْخُنَا الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ، قَالَ: رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُصَلِّي خَلْفَ ضَرِيرٍ يَقْرَأُ عَلَى الْقُبُورِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» . وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَقَرَأَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَهُمَا يس غُفِرَ لَهُ» .

[فَصْلُ أَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ نَفَعَهُ ذَلِكَ]

فَصْلٌ: وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَمَّا الدُّعَاءُ، وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالصَّدَقَةُ، وَأَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إذَا كَانَتْ الْوَاجِبَاتُ مِمَّا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19] . «وَدَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي سَلَمَةَ حِينَ مَاتَ» ، وَلِلْمَيِّتِ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَلِكُلِّ مَيِّتٍ صَلَّى عَلَيْهِ.
وَلِذِي النِّجَادَيْنِ حَتَّى دَفَنَهُ.
وَشَرَعَ اللَّهُ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ «وَسَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، فَيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.
«وَجَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى.» «وَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِسَائِرِ الْقُرَبِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ، وَقَدْ أَوْصَلَ اللَّه نَفْعَهَا إلَى الْمَيِّتِ، فَكَذَلِكَ مَا سِوَاهَا، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ فِي ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ يس، وَتَخْفِيفِ اللَّه تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْمَقَابِرِ بِقِرَاءَتِهِ.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: لَوْ كَانَ أَبُوك مُسْلِمًا، فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ، بَلَغَهُ ذَلِكَ» . وَهَذَا عَامٌ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ وَطَاعَةٍ، فَوَصَلَ نَفْعُهُ وَثَوَابُهُ، كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا عَدَا الْوَاجِبَ وَالصَّدَقَةَ وَالدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ، لَا يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلَا يَصِلُ ثَوَابُهُ إلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . وَلِأَنَّ نَفْعَهُ لَا يَتَعَدَّى فَاعِلَهُ،

فَلَا يَتَعَدَّى ثَوَابُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ عِنْدَ الْمَيِّتِ، أَوْ أُهْدِيَ إلَيْهِ ثَوَابُهُ، كَانَ الثَّوَابُ لِقَارِئِهِ، وَيَكُونُ الْمَيِّتُ كَأَنَّهُ حَاضِرُهَا، فَتُرْجَى لَهُ الرَّحْمَةُ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ يَجْتَمِعُونَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيُهْدُونَ ثَوَابَهُ إلَى مَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . وَاَللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُوصِلَ عُقُوبَةَ الْمَعْصِيَةِ إلَيْهِ، وَيَحْجُبَ عَنْهُ الْمَثُوبَةَ.
وَلِأَنَّ الْمُوصِلَ لِثَوَابِ مَا سَلَّمُوهُ، قَادِرٌ عَلَى إيصَالِ ثَوَابِ مَا مَنَعُوهُ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا سَلَّمُوهُ، وَمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ فِي مَعْنَاهُ، فَنَقِيسُهُ عَلَيْهِ.
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْخَبَرِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ عَمَلِهِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ كَانَ مَخْصُوصًا بِمَا سَلَّمُوهُ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَنَعُوهُ، فَيَتَخَصَّصُ بِهِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنْ تَعَدِّيَ الثَّوَابِ لَيْسَ بِفَرْعِ لِتَعَدِّي النَّفْعِ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالصَّوْمِ اوَالْحَجِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَبَرُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةُ زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ]

(1688) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ، فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ:

«نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ، وَالنَّهْيُ الْمَنْسُوخُ كَانَ عَامًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا لِلرِّجَالِ.
وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا كَوْنَ الْخَبَرِ فِي لَعْنِ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، بَعْدَ أَمْرِ الرِّجَالِ بِزِيَارَتِهَا، فَقَدْ دَارَ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ.
وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، كَثِيرَةُ الْجَزَعِ، وَفِي زِيَارَتِهَا لِلْقَبْرِ تَهْيِيجٌ لِحُزْنِهَا، وَتَجْدِيدٌ لِذِكْرِ مُصَابِهَا، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُفْضِيَ بِهَا ذَلِكَ إلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَلِهَذَا اخْتَصَصْنَ بِالنُّوحِ وَالتَّعْدِيدِ، وَخُصِصْنَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْحَلْقِ وَالصَّلْقِ وَنَحْوِهِمَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُكْرَهُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ النَّهْيِ وَنَسْخِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
فَقُلْت لَهَا: قَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَدْ نَهَى، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا» ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ شَهِدْته مَا زُرْته.

[فَصْلُ يُكْرَهُ النَّعْيُ]

(1689) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ النَّعْيُ، وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: إنَّ فُلَانًا قَدْ مَاتَ.
لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُعْلَمَ النَّاسُ بِجَنَائِزِهِمْ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَصْحَابُهُ عَلْقَمَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ.
قَالَ عَلْقَمَةُ: لَا تُؤْذِنُوا بِي أَحَدًا.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إذَا أَنَا مِتَّ فَلَا أُنْعَى إلَى أَحَدٍ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْلَمَ بِالرَّجُلِ إخْوَانُهُ وَمَعَارِفُهُ وَذَوُو الْفَضْلِ، مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا بَأْسَ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤْذِنَ صَدِيقَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجَالِسِ: أَنْعِي فُلَانًا.
كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي هَذَا؛ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نُعِيَ إلَيْهِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: كَيْفَ تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوا بِهِ؟ قَالَ: نَحْبِسُهُ حَتَّى نُرْسِلَ إلَى قُبَاءَ، وَإِلَى مِنْ قَدْ بَاتَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ.
قَالَ: نَعَمْ مَا رَأَيْتُمْ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الَّذِي دُفِنَ لَيْلًا: أَلَا آذَنْتُمُونِي» . وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ» . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ: لَا يَمُوتُ فِيكُمْ أَحَدٌ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ» . أَوْ كَمَا قَالَ.
وَلِأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْمُصَلَّيْنَ عَلَيْهِ أَجْرًا لَهُمْ، وَنَفْعًا لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ.
وَجَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَوْجَبَ» ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَالْتَفَتَ فَقَالَ: اسْتَوُوا.
وَلْتَحْسُنْ شَفَاعَتُكُمْ، أَلَا وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلِيطٍ، عَنْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ مَيْمُونَةُ، وَكَانَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» . فَسَأَلْت أَبَا الْمَلِيحِ عَنْ الْأُمَّةِ؟ فَقَالَ: أَرْبَعُونَ.
.

[كِتَابُ الزَّكَاةِ]

[فَصْلٌ أَنْكَرَ وُجُوبَ الزَّكَاة جَهْلًا بِهِ]

قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: الزَّكَاةُ مِنْ الزَّكَاءِ وَالنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثْمِرُ الْمَالَ وَتُنَمِّيه.
يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ، إذَا كَثُرَ رَيْعُهُ.
وَزَكَّتْ النَّفَقَةُ، إذَا بُورِكَ فِيهَا.
وَهِيَ فِي الشَّرِيعَةِ حَقٌّ يَجِبُ فِي الْمَالِ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهَا فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ يَنْصَرِفُ إلَى ذَلِكَ.
وَالزَّكَاةُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] . وَأَمَّا السُّنَّةُ، «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرَةٍ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى وُجُوبهَا، وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى قِتَالِ مَانِعِيهَا، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مِنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ؟» فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا.
قَالَ عُمَرُ: فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْت أَنَّهُ الْحَقُّ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: " لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعِقَالُ، صَدَقَةُ الْعَامِ.
قَالَ الشَّاعِرُ: سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا ... فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرو عِقَالَيْنِ وَقِيلَ: كَانُوا إذَا أَخَذُوا الْفَرِيضَةَ أَخَذُوا مَعَهَا عِقَالَهَا.
وَمِنْ رَوَاهُ " عَنَاقًا " فَفِي رِوَايَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِ الصَّغِيرَةِ مِنْ الصِّغَارِ.
(1690) فَصْلٌ: فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ إمَّا لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِأَنَّهُ نَشَأَ

بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ عَنْ الْأَمْصَارِ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَلَا يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ وَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَلَا تَكَادُ تَخْفَى عَلَى أَحَدِ مِمَّنْ هَذِهِ حَالُهُ، فَإِذَا جَحَدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا لِتَكْذِيبِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَكُفْرِهِ بِهِمَا.

[فَصْلُ مَنْعِ الزَّكَاةِ مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا]

(1691) فَصْلٌ: وَإِنْ مَنَعَهَا مُعْتَقِدًا وُجُوبَهَا، وَقَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ، أَخَذَهَا وَعَزَّرَهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ زِيَادَةً عَلَيْهَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمْ.
وَكَذَلِكَ إنَّ غَلَّ مَالَهُ فَكَتَمَهُ حَتَّى لَا يَأْخُذَ الْإِمَامُ زَكَاتَهُ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ؛ لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ الْإِبِلِ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَاهَا فَإِنِّي آخُذْهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ» وَذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِأَحْمَدَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ؟ وَسُئِلَ عَنْ إسْنَادِهِ، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَالِحُ الْإِسْنَادِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، فِي " سُنَنِهِمَا ". وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» . وَلِأَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ كَانَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُمْ زِيَادَةً، وَلَا قَوْلًا بِذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْعُذْرِ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ.
فَقِيلَ: كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ فِي الْمَالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ السِّنُّ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ مِنْ خِيَارِ مَالِهِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي سِنٍّ وَلَا عَدَدٍ، لَكِنَّ يَنْتَقِي مِنْ خَيْرِ مَالِهِ مَا تَزِيدُ بِهِ صَدَقَتُهُ فِي الْقِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِ قِيمَةِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
فَيَكُونُ الْمُرَادُ ب " مَا لَهُ " هَاهُنَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، فَيُزَادُ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ مَانِعُ الزَّكَاةِ خَارِجًا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ قَاتَلَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَاتَلُوا مَانِعِيهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ.
فَإِنْ ظَفِرَ بِهِ وَبِمَالِهِ، أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَيْضًا، وَلَمْ تُسْبَ ذُرِّيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْمَانِعَ لَا يُسْبَى، فَذُرِّيَّتُهُ أَوْلَى.
وَإِنْ ظَفِرَ بِهِ دُونَ مَالِهِ، دَعَاهُ إلَى أَدَائِهَا، وَاسْتَتَابَهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَأَدَّى، وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِقِتَالِهِ عَلَيْهَا، فَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ

عَنْهُ: إذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ كَمَا مَنَعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَاتَلُوا عَلَيْهَا، لَمْ يُوَرَّثُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ، مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا قَاتَلَهُمْ، وَعَضَّتْهُمْ الْحَرْبُ، قَالُوا: نُؤَدِّيهَا.
قَالَ: لَا أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ.
وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ امْتَنَعُوا مِنْ الْقِتَالِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ، وَلَوْ اعْتَقَدُوا كُفْرَهُمْ لَمَا تَوَقَّفُوا عَنْهُ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ، وَبَقِيَ الْكُفْرُ عَلَى أَصْلِ النَّفْيِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، فَلَمْ يَكْفُرْ تَارِكُهُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ؛ كَالْحَجِّ، وَإِذَا لَمْ يَكْفُرْ بِتَرْكِهِ، لَمْ يَكْفُرْ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ كَأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الْقَوْلَ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَهَا، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا كُنَّا نُؤَدِّي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ سَكَنٌ لَنَا، وَلَيْسَ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ سَكَنًا لَنَا، فَلَا نُؤَدِّي إلَيْهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَ الْأَدَاءِ إلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الْقَوْلَ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا كَبَائِرَ، وَمَاتُوا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، فَحُكِمَ لَهُمْ بِالنَّارِ ظَاهِرًا، كَمَا حُكِمَ لِقَتْلَى الْمُجَاهِدِينَ بِالْجَنَّةِ ظَاهِرًا، وَالْأَمْرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِالتَّخْلِيدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّارِ الْحُكْمُ بِالتَّخْلِيدِ، بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِهِ يَدْخُلُونَ النَّارَ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ.

[مَسْأَلَةُ نِصَابُ الْإِبِلِ]

(1692) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ سَائِمَةٍ صَدَقَةٌ) . بَدَأَ الْخِرَقِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، بِذِكْرِ صَدَقَةِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ النَّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، فَالِاهْتِمَامُ بِهَا أَوْلَى، وَوُجُوبُ زَكَاتِهَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ، وَصَحَّتْ فِيهِ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ "، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٌ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ، لَمَّا وَجَّهَ إلَى الْبَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ سُئِلَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيُعْطِهَا، وَمِنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: " فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ

إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ، فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ ". وَذِكْرُ تَمَامِ الْحَدِيثِ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبْوَابِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ "، وَزَادَ: " وَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ". وَهَذَا كُلّه مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ عِشْرِينَ وَمِائَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
قَالَ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ.
يَعْنِي مَا حُكِيَ عَنْهُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسُ شِيَاهٍ.
وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَعْنِي قَدَّرَ، وَالتَّقْدِيرُ يُسَمَّى فَرْضًا، وَمِنْهُ فَرَضَ الْحَاكِمُ لِلْمَرْأَةِ فَرْضًا.
وَقَوْلُهُ: وَمِنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ.
يَعْنِي لَا يُعْطِي فَوْقَ الْفَرْضِ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ لَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» . وَقَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالسَّائِمَةُ: الرَّاعِيَةُ، وَقَدْ سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا: إذَا رَعَتْ، وَأَسْمَتْهَا إذَا رَعَيْتهَا، وَسَوَّمْتهَا: إذَا جَعَلْتهَا سَائِمَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10] أَيْ تَرْعَوْنَ.
وَفِي ذِكْرِ السَّائِمَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمَعْلُوفَةِ وَالْعَوَامِلِ؛ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ فِي الْإِبِلِ النَّوَاضِحِ وَالْمَعْلُوفَةِ الزَّكَاةَ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي كُلِّ خَمْسِ شِيَاهٍ» . قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ زَكَاةٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ فِيهَا الزَّكَاةَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا أَصْلٌ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» . فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، فَقَيَّدَهُ بِالسَّائِمَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِهَا، وَحَدِيثُهُمْ مُطْلَقٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلِأَنَّ وَصْفَ النَّمَاءِ مُعْتَبَرٌ فِي الزَّكَاةِ، وَالْمَعْلُوفَةُ يَسْتَغْرِقُ عَلْفُهَا نَمَاءَهَا، إلَّا أَنْ يُعِدَّهَا لِلتِّجَارَةِ، فَيَكُونَ

فِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ.
(1693) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا مَلَكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ، فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ) وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا رَوَيْنَاهُ وَغَيْرِهِ، إلَّا قَوْلَهُ: " فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ ". فَإِنَّ مَذْهَبَ إمَامِنَا وَمَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ سَائِمَةً أَكْثَرَ السَّنَةِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ لَمْ تَكُنْ سَائِمَةً فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ فِي الزَّكَاةِ، فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، كَالْمِلْكِ وَكَمَالِ النِّصَابِ، وَلِأَنَّ الْعَلْفَ يُسْقِطُ وَالسَّوْمَ يُوجِبُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا غَلَبَ الْإِسْقَاطُ، كَمَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا بَعْضُهُ سَائِمَةٌ وَبَعْضُهُ مَعْلُوفَةٌ.
وَلَنَا عُمُومُ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي نُصُبِ الْمَاشِيَةِ، وَاسْمُ السَّوْمِ لَا يَزُولُ بِالْعَلْفِ الْيَسِيرِ، فَلَا يَمْنَعُ دُخُولَهَا فِي الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ حَقَّهُ لَلْمُؤْنَةُ، فَأَشْبَهَتْ السَّائِمَةَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، وَلِأَنَّ الْعَلْفَ الْيَسِيرَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَاعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ بِالْكُلِّيَّةِ، سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَسُوغُ لَهُ الْفِرَارُ مِنْ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ إسْقَاطَ الزَّكَاةِ عَلَفَهَا يَوْمًا فَأَسْقَطَهَا، وَلِأَنَّ هَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ فِي رَفْعِ الْكُلْفَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْأَكْثَرُ، كَالسَّقْيِ بِمَا لَا كُلْفَةَ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ.
وَقَوْلُهُمْ " السَّوْمُ شَرْطٌ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ.
وَنَقُولُ: بَلْ الْعَلْفُ إذَا وُجِدَ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ فَمَا زَادَ مَانِعٌ، كَمَا أَنَّ السَّقْيَ بِكُلْفَةِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْعُشْرِ، وَلَا يَكُونُ مَانِعًا حَتَّى يُوجَدَ فِي النِّصْفِ فَصَاعِدًا، كَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ شَرْطًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرْطُ وُجُودِهِ فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ، كَالسَّقْيِ بِمَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ، وَيُكْتَفَى بِوُجُودِهِ فِي الْأَكْثَرِ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ فِي بَعْضِ النِّصَابِ مَعْلُوفٌ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي جَمِيعِهِ، وَأَمَّا الْحَوْلُ فَإِنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ، فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ الشَّرْطُ فِي أَكْثَرِهِ.

(1694) فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُ فِي الْغَنَمِ الْمُخْرَجَةِ فِي الزَّكَاةِ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ، وَكَذَلِكَ شَاةُ الْجُبْرَانِ، وَأَيَّهُمَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ.
وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ، وَلَا جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ مُطْلَقَةٌ فِي الْخَبَرِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ وُجُوبُهَا، وَلَيْسَ غَنَمُهُ وَلَا غَنَمُ الْبَلَدِ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا، فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِذَلِكَ، كَالشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْفِدْيَةِ، وَتَكُونُ أُنْثَى، فَإِنْ أَخْرَجَ ذَكَرًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ الْوَاجِبَةَ فِي نُصُبِهَا إنَاثٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْلَقَ لَفْظَ الشَّاةِ، فَدَخْلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَلِأَنَّ الشَّاةَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ

دُونَ الْعَيْنِ أَجْزَأَ فِيهَا الذَّكَرُ كَالْأُضْحِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ لَزِمَهُ شِرَاءُ شَاةٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُخْرِجُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، قِيَاسًا عَلَى شَاةِ الْجُبْرَانِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى الشَّاةِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِنَصِّهِ، وَلِأَنَّ هَذَا إخْرَاجُ قِيمَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الشَّاةُ وَاجِبَةً فِي نِصَابِهَا، وَشَاةُ الْجُبْرَانِ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَدَلِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بَدَلًا عَنْ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ.

[فَصْلُ أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ بَعِيرًا]

(1695) فَصْل: فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَدَاوُد.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ الْبَعِيرُ عَنْ الْعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُخْرَجُ مِمَّا يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَالْعِشْرُونَ دَاخِلَةٌ فِيهَا، وَلِأَنَّ مَا أَجْزَأَ عَنْ الْكَثِيرِ أَجْزَأَ عَمَّا دُونَهُ، كَابْنَتَيْ لَبُونٍ عَمَّا دُونَ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَخْرَجَ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَمْ يُجْزِهِ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً، وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالشَّاةِ، فَلَمْ يُجْزِئ الْبَعِيرُ كَالْأَصْلِ، أَوْ كَشَاةِ الْجُبْرَانِ، وَلِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَجَبَتْ فِيهَا شَاةٌ فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْهَا الْبَعِيرُ، كَنِصَابِ الْغَنَمِ، وَيُفَارِقُ ابْنَتَيْ لَبُونٍ عَنْ الْجَذَعَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْجِنْسِ.

[فَصْلُ تَكُونُ الشَّاةُ الْمُخْرَجَةُ كَحَالِ الْإِبِلِ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ]

(1696) فَصْلٌ: وَتَكُونُ الشَّاةُ الْمُخْرَجَةُ كَحَالِ الْإِبِلِ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، فَيُخْرِجُ عَنْ الْإِبِلِ السِّمَانِ سَمِينَةً، وَعَنْ الْهُزَالِ هَزِيلَةً، وَعَنْ الْكَرَائِمِ كَرِيمَةً، وَعَنْ اللِّئَامِ لَئِيمَةً، فَإِنْ كَانَتْ مِرَاضًا أَخْرَجَ شَاةً صَحِيحَةً عَلَى قَدْرِ الْمَالِ، فَيُقَالُ لَهُ: لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ صِحَاحًا كَمْ كَانَتْ قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ الشَّاةِ؟ فَيُقَالُ: قِيمَةُ الْإِبِلِ مِائَةٌ وَقِيمَةُ الشَّاةِ خَمْسَةٌ، فَيَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهَا قَدْرُ مَا نَقَصَتْ الْإِبِلُ، فَإِذَا نَقَصَتْ الْإِبِلُ خُمْسَ قِيمَتِهَا وَجَبَ شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةٌ.
وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ شَاةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْقِيمَةِ.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا تُجْزِئُهُ مَرِيضَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَلَيْسَ كُلُّهُ مِرَاضًا، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ اجْتِمَاعِ الصِّحَاحِ، وَالْمِرَاضُ لَا تُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الصَّحِيحَةُ.

[مَسْأَلَةُ فَإِذَا صَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ]

(1697) مَسْأَلَةٌ: (قَالَ: فَإِذَا صَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ) ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ وَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، إلَى سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى

وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مُتَنَاوِلٌ لَهُ.
وَابْنَةُ الْمَخَاضِ: الَّتِي لَهَا سَنَةٌ وَقَدْ دَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَيْرَهَا، وَالْمَاخِضُ الْحَامِلُ، وَلَيْسَ كَوْنُ أُمِّهَا مَاخِضًا شَرْطًا فِيهَا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ حَالِهَا، كَتَعْرِيفِهِ الرَّبِيبَةَ بِالْحِجْرِ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ لَبُونٍ وَبِنْتُ الْمَخَاضِ أَدْنَى سِنٍّ يُوجَدُ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ خَاصَّةً.
وَبِنْتُ اللَّبُونِ: الَّتِي تَمَّتْ لَهَا سَنَتَانِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا وَلَهَا لَبَنٌ.
وَالْحِقَّةُ: الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَقَّتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَلِهَذَا قَالَ: طَرُوقَةُ الْفَحْلِ.
وَاسْتَحَقَّتْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا وَتُرْكَبَ.
وَالْجَذَعَةُ: الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ، وَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَجْذَعُ إذَا سَقَطَتْ سِنُّهَا، وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي إحْدَى وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.
وَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ مَكَانَهَا ثَنِيَّةً جَازَ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ، وَسُمِّيَتْ ثَنِيَّةً، لِأَنَّهَا قَدْ أَلْقَتْ ثَنِيَّتَيْهَا.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَسْنَانِ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي زِيَادٍ الْكِلَابِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنَةُ مَخَاضٍ " أَرَادَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَلَا يُجْزِئُهُ مَعَ وُجُودِ ابْنَةِ مَخَاضٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» . فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ شَرَطَ فِي إخْرَاجِهِ عَدَمَهَا.
فَإِنْ اشْتَرَاهَا وَأَخْرَجَهَا جَازَ، وَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ ابْنِ لَبُونٍ بَعْدَ شِرَائِهَا لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ ابْنُ لَبُونٍ، وَأَرَادَ الشِّرَاءَ، لَزِمَهُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئْهُ شِرَاءُ ابْنِ لَبُونٍ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَعُمُومِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ، فَلَزِمَتْهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ، كَمَا لَوْ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُودِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلرِّفْقِ بِهِ، إغْنَاءً لَهُ عَنْ الشِّرَاءِ، وَمَعَ عَدَمِهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الشِّرَاءِ، فَكَانَ شِرَاءُ الْأَصْلِ أَوْلَى.
عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ: " فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ ". فَشَرَطَ فِي قَبُولِهِ وُجُودَهُ وَعَدَمَهَا، وَهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: " وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا ابْنُ لَبُونٍ ". وَهَذَا يَفْسُدُ بِتَعَيُّنِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ مُعَيَّنَةً، فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَى ابْنِ لَبُونٍ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، عَلَى وَجْهِهَا " وَلِأَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا، لِكَوْنِهَا لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا، فَأَشْبَهَ الَّذِي لَا يَجِدُ إلَّا مَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فِي انْتِقَالِهِ إلَى التَّيَمُّمِ.
وَإِنْ وَجَدَ ابْنَةَ مَخَاضٍ أَعْلَى مِنْ صِفَةِ الْوَاجِبِ، لَمْ يُجْزِهِ ابْنُ لَبُونٍ؛ لِوُجُودِ بِنْتِ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَيُخَيَّرُ بَيْن إخْرَاجِهَا وَبَيْنَ شِرَاءِ بِنْتِ مَخَاضٍ عَلَى صِفَةِ الْوَاجِبِ، وَلَا يُخَيَّرُ بَعْضُ الذُّكُورِيَّةِ بِزِيَادَةِ سِنٍّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ ابْنِ لَبُونٍ حِقًّا، وَلَا عَنْ الْحِقَّةِ جَذَعًا، لِعَدَمِهِمَا وَلَا وُجُودِهِمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَعْلَى وَأَفْضَلُ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِمَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمَا عَلَى ابْنِ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنِّ ابْنِ لَبُونٍ عَلَى بِنْتِ مَخَاضٍ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَيَرْعَى الشَّجَرَ بِنَفْسِهِ، وَيَرِدُ الْمَاءَ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ لَبُونٍ، لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي هَذَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ السِّنِّ فَلَمْ يُقَابَلْ إلَّا بِتَوْجِيهٍ.
وَقَوْلُهُمَا: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِمَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ.
قُلْنَا: بَلْ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيهِمَا بِدَلِيلِ خِطَابِهِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ دُونَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ دُونَهُمَا.

[فَصْلُ أَخْرَجَ عَنْ الْوَاجِبِ سِنًّا أَعْلَى مِنْ جِنْسِهِ]

(1698) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْوَاجِبِ سِنًّا أَعْلَى مِنْ جِنْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ بِنْتَ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَحِقَّةً عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ أَوْ بِنْتِ مَخَاضٍ، أَوْ أَخْرَجَ عَنْ الْجَذَعَةِ ابْنَتَيْ لَبُونٍ أَوْ حِقَّتَيْنِ، جَازَ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُجْزِئُ عَنْهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَكَانَ مُجْزِيًا عَنْهُ عَلَى انْفِرَادِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ "، وَأَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ "، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصَدِّقًا، فَمَرَرْت بِرَجُلٍ، فَلَمَّا جَمَعَ لِي مَالَهُ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا بِنْتَ مَخَاضٍ.
فَقُلْت لَهُ: أَدِّ بِنْتَ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَتُك.
فَقَالَ: ذَاكَ مَا لَا لَبَنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ، وَلَكِنْ هَذِهِ نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ، فَخُذْهَا.
فَقُلْت: مَا أَنَا بِآخِذِ مَا لَمْ أُؤْمَرْ بِهِ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْك قَرِيبٌ، فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا عَرَضْت عَلَيَّ فَافْعَلْ، فَإِنْ قَبِلَهُ مِنْك قَبِلْته، وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْك رَدَدْته.
قَالَ: فَإِنِّي فَاعِلٌ.
فَخَرَجَ مَعِي وَخَرَجَ بِالنَّاقَةِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيَّ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتَانِي رَسُولُك لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي، وَأَيْمُ اللَّهِ، مَا قَامَ فِي مَالِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَا رَسُولُهُ قَطُّ قَبْلَهُ، فَجَمَعْت لَهُ مَالِي، فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ فِيهِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَذَاكَ مَا لَا لَبَنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ، وَقَدْ عَرَضْت عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً عَظِيمَةً لِيَأْخُذَهَا فَأَبَى، وَهَا هِيَ ذِهِ، قَدْ جِئْتُك بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُذْهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْك، فَإِنْ تَطَوَّعْت بِخَيْرٍ أَجْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْك.
فَقَالَ: فَهَا هِيَ ذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جِئْتُك بِهَا.
قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْضِهَا، وَدَعَا لَهُ فِي مَالِهِ بِالْبَرَكَةِ.» وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ فِي الصِّفَةِ مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ السَّمِينَةَ مَكَانَ الْهَزِيلَةِ، وَالصَّحِيحَةَ مَكَانَ الْمَرِيضَةِ، وَالْكَرِيمَةَ مَكَانِ اللَّئِيمَةِ، وَالْحَامِلَ عَنْ الْحَوَائِلِ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَتُجْزِئُهُ، وَلَهُ أَجْرُ الزِّيَادَةِ.

[فَصْلُ يُخْرِجُ عَنْ مَاشِيَتِهِ مِنْ جِنْسِهَا عَلَى صِفَتِهَا]

(1699) فَصْلٌ: وَيُخْرِجُ عَنْ مَاشِيَتِهِ مِنْ جِنْسِهَا عَلَى صِفَتِهَا، فَيُخْرِجُ عَنْ الْبَخَاتِيِّ بُخْتِيَّةً، وَعَنْ الْعِرَابِ عَرَبِيَّةً، وَعَنْ الْكِرَامِ كَرِيمَةً، وَعَنْ السِّمَانِ سَمِينَةً، وَعَنْ اللِّئَامِ وَالْهُزَالِ لَئِيمَةً هَزِيلَةً.
فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْبَخَاتِيِّ عَرَبِيَّةً بِقِيمَةِ الْبُخْتِيَّةِ، أَوْ أَخْرَجَ عَنْ السِّمَانِ هَزِيلَةً بِقِيمَةِ السَّمِينَةِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ هِيَ الْمَقْصُودُ.
أَجَازَ هَذَا أَبُو بَكْرٍ وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَفَارَقَ خِلَافَ الْجِنْسِ.
فَإِنَّ الْجِنْسَ مَرْعِيٌّ فِي الزَّكَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ أَخْرَجَ الْبَعِيرَ عَنْ الشَّاةِ لَمْ يَجُزْ، وَمَعَ الْجِنْسِ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.

[مَسْأَلَةُ إذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.]

(1700) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا إذَا زَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَتَعَدَّى الْفَرْضُ إلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.

وَلِمَالِكٍ رِوَايَتَانِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدَةِ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْفُرُوضِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» . وَالْوَاحِدَةُ زِيَادَةٌ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عِنْدَ الْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي أَحَادِيثِ الصَّدَقَاتِ.
وَفِيهِ: «فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَأَخْرَجَ حَدِيثَ أَنَسٍ، مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ إسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخَذْنَا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ أَنَسٍ.
وَفِيهِ: «فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» . وَلِأَنَّ سَائِرَ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَايَةً لِلْفَرْضِ، إذَا زَادَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ تَغَيَّرَ الْفَرْضُ، كَذَا هَذَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدَةِ.
قُلْنَا: وَهَذَا مَا تَغَيَّرَ بِالْوَاحِدَةِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ بِهَا مَعَ مَا قَبْلَهَا، فَأَشْبَهَتْ الْوَاحِدَةَ الزَّائِدَةَ عَنْ التِّسْعِينَ وَالسِّتِّينَ وَغَيْرَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: إذَا زَادَتْ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْفَرِيضَةُ، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، إلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ.
وَتُسْتَأْنَفُ الْفَرِيضَةُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا، ذَكَرَ فِيهِ الصَّدَقَاتِ وَالدِّيَاتِ، وَذَكَرَ فِيهِ مِثْلَ هَذَا.
وَلَنَا، أَنَّ فِي حَدِيثَيْ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَسِ، وَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ مَذْهَبِنَا، وَهُمَا صَحِيحَانِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ» . وَأَمَّا كِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِفَتِهِ، فَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي " سُنَنِهِ " مِثْلَ مَذْهَبِنَا.
وَالْأَخْذُ بِذَلِكَ أَوْلَى، لِمُوَافَقَتِهِ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ، وَمُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ، فَإِنَّ الْمَالَ إذَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يَجِبْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَسَائِرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ احْتَمَلَ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَمْ يَجِبْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي الِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لِأَنَّهُ مَا احْتَمَلَ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَمْ يَجِبْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَعَدَلْنَا إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ ضَرُورَةً، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ، وَلِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ يَنْقُلُ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ إلَى حِقَّةٍ، بِزِيَادَةِ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ لَا تَقْتَضِي الِانْتِقَالَ إلَى حِقَّةٍ، فَإِنَّا لَمْ نَنْقُلْ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ إلَى حِقَّةٍ، إلَّا بِزِيَادَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَإِنَّ زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ بَعِيرٍ، لَمْ يَتَغَيَّرْ الْفَرْضُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّ

فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً ". وَهَذَا يُقَيِّدُ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْفُرُوضِ لَا تَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ جُزْءٍ.
وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ مَتَى بَلَغْت الْإِبِلُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ.
ثُمَّ كُلَّمَا زَادَتْ عَشْرًا أُبْدِلَتْ مَكَانَ بِنْتِ لَبُونٍ حِقَّةٌ، فَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ.
فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اجْتَمَعَ الْفَرْضَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا خَمْسِينَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَأَرْبَعِينَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَيَّ الْفَرْضَيْنِ شَاءَ أَخْرَجَ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَفْضَلِ مِنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَ حِقَاقٍ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَ حِقَاقٍ بِصِيغَةِ التَّخْيِيرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخْرِجُ وَلِيًّا لِيَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَدْنَى الْفَرْضَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْخِيَرَةُ إلَى السَّاعِي.
وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إذَا أَخْرَجَ لَزِمَهُ إخْرَاجُ أَعْلَى الْفَرْضَيْنِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] . وَلِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ الْفَرْضَيْنِ، فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ أَوْ نَائِبِهِ، كَقَتْلِ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ، الَّذِي كَتَبَهُ، وَكَانَ عِنْدَ الْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ، فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَيُّ الْبِنْتَيْنِ وُجِدَتْ أُخِذَتْ» . وَهَذَا نَصٌّ لَا يَعْرُجُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُهُ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لِمُعَاذٍ: إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» . وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ ثَبَتَ فِيهَا الْخِيَارُ، فَكَانَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ، كَالْخِيَرَةِ فِي الْجُبْرَانِ بَيْنَ مِائَتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَبَيْنَ النُّزُولِ وَالصُّعُودِ، وَتَعْيِينِ الْمُخْرَجِ، وَلَا تَتَنَاوَلُ الْآيَةُ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْفَرْضَ بِصِفَةِ الْمَالِ، فَيَأْخُذُ مِنْ الْكِرَامِ كَرَائِمَ، وَمِنْ غَيْرِهَا مِنْ وَسَطِهَا، فَلَا يَكُونُ خَبِيثًا، لِأَنَّ الْأَدْنَى لَيْسَ بِخَبِيثٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا سَبَبُ وُجُوبِهِ وَجَبَ إخْرَاجُهُ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِشَاةِ الْجُبْرَانِ، وَقِيَاسُنَا أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّكَاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الدِّيَاتِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَكَانَ أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ فِي مَالِهِ دُونَ الْآخَرِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِهِ أَوْ شِرَاءِ الْآخَرِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ سِوَى إخْرَاجِ الْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي عَيْنِ الْمَالِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الْمَوْجُودِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبْ فِي عَيْنِ الْمَالِ.
وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شِرَاءِ الْآخَرِ.

[فَصْلُ أَرَادَ إخْرَاجَ الْفَرْضِ مِنْ النَّوْعَيْنِ فِي زَكَاة الأبل]

(1701) فَصْلٌ: فَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْفَرْضِ مِنْ النَّوْعَيْنِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَشْقِيصٍ، كَرَجُلٍ عِنْدَهُ أَرْبَعُمِائَةٍ

يُخْرِجُ مِنْهَا أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، جَازَ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى تَشْقِيصٍ، كَزَكَاةِ الْمِائَتَيْنِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّشْقِيصِ.
وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِالتَّشْقِيصِ فِي زَكَاةِ السَّائِمَةِ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ لَهَا أَوْقَاصًا، دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا، وَعَدَلَ فِيهَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ عَنْ إيجَابِ الْإِبِلِ إلَى إيجَابِ الْغَنَمِ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِتَجْوِيزِهِ مَعَ إمْكَانِ الْعُدُولِ عَنْهُ إلَى إيجَابِ فَرِيضَةٍ كَامِلَةٍ.
وَإِنْ وَجَدَ أَحَدَ الْفَرْضَيْنِ كَامِلًا وَالْآخَرَ نَاقِصًا، لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِجُبْرَانٍ مَعَهُ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَ فِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثَ حِقَاقٍ، تَعَيَّنَ أَخْذُ الْفَرِيضَةِ الْكَامِلَةِ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ يُشْتَرَطُ لَهُ عَدَمُ الْمُبْدَلِ.
وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْتَاجُ إلَى جُبْرَانٍ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَ أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثَ حِقَاقٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ أَيَّهُمَا شَاءَ أَخْرَجَ مَعَ الْجُبْرَانِ، إنْ شَاءَ أَخْرَجَ بَنَاتِ اللَّبُونِ وَحِقَّةً وَأَخَذَ بِالْجُبْرَانِ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ الْحِقَاقَ وَبِنْتَ اللَّبُونِ مَعَ جُبْرَانِهَا.
فَإِنْ قَالَ: خُذُوا مِنِّي حِقَّةً وَثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ مَعَ الْجُبْرَانِ.
لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَعْدِلُ عَنْ الْفَرْضِ مَعَ وُجُودِهِ إلَى الْجُبْرَانِ.
وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْجُبْرَانِ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا حِقَّةٌ وَأَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَدَّاهَا وَأَخَذَ الْجُبْرَانَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ مَعَ الْجُبْرَانِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْفَرْضَانِ مَعْدُومَيْنِ، أَوْ مَعِيبَيْنِ، فَلَهُ الْعُدُولُ عَنْهُمَا مَعَ الْجُبْرَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ وَأَخَذَ ثَمَانِيَ شِيَاهٍ أَوْ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ وَمَعَهَا عَشْرُ شِيَاهٍ أَوْ مِائَةُ دِرْهَمٍ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ الْحِقَاقِ إلَى بَنَاتِ الْمَخَاضِ، أَوْ عَنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ إلَى الْجِذَاعِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْحِقَاقَ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِنَّ فِي هَذَا الْمَالِ، فَلَا يَصْعَدُ إلَى الْحِقَاقِ بِجُبْرَانٍ، وَلَا يَنْزِلُ إلَى بَنَاتِ اللَّبُونِ بِجُبْرَانٍ.

[مَسْأَلَةُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ]

(1702) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ ابْنَةُ لَبُونٍ، أُخِذَتْ مِنْهُ وَمَعَهَا شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْنَةُ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، أُخِذَتْ مِنْهُ وَأُعْطِيَ الْجُبْرَانَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا) الْمَذْهَبُ فِي هَذَا أَنَّهُ مَتَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ سِنًّا أَعْلَى مِنْهَا، وَيَأْخُذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ سِنًّا أَنْزَلَ مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، إلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ أَنْزَلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى سِنٍّ تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ، أَوْ جَذَعَةً.
فَلَا يُخْرِجُ أَعْلَى مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَرْضَى رَبُّ الْمَالِ بِإِخْرَاجِهَا لَا جُبْرَانَ مَعَهَا، فَتُقْبَلَ مِنْهُ.
وَالِاخْتِيَارُ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، وَالشِّيَاهِ وَالدَّرَاهِمِ، إلَى رَبِّ الْمَالِ.
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُخْرِجُ شَاتَيْنِ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ فِي الشَّرْعِ مُتَقَوِّمَةٌ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، بِدَلِيلِ أَنَّ نِصَابَهَا أَرْبَعُونَ،

وَنِصَابَ الدَّرَاهِمِ مِائَتَانِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَدْفَعُ قِيمَةَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، أَوْ دُونَ السِّنِّ الْوَاجِبَةِ وَفَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا دَرَاهِمَ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ.
وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِي شَاتَيْنِ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَيْنِ» وَهَذَا نَصٌّ ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَمْ يُلْتَفَتُ إلَى مَا سِوَاهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى هَذَا الْجُبْرَانِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ فِي الْخَبَرِ بِعَدَمِ الْأَصْلِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ فِي الْجُبْرَانِ شَاةً، وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُمْنَعُ هَذَا، كَمَا قُلْنَا فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ مَقَامُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشَرَةً جَازَ.
وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَيْنَ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ، فَتَجْوِيزُهُ يُخَالِفُ الْخَبَرَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

[فَصْلُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ فَعَدِمَهَا وَعَدِمَ الْحِقَّةَ]

(1703) فَصْلٌ: فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الْوَاجِبَةَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ فَعَدِمَهَا وَعَدِمَ الْحِقَّةَ، أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ فَعَدِمَهَا وَعَدِمَ الْجَذَعَةَ وَابْنَةَ اللَّبُونِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى السِّنِّ الثَّالِثِ مَعَ الْجُبْرَانِ، فَيُخْرِجَ ابْنَةَ اللَّبُونِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَيُخْرِجَ مَعَهَا أَرْبَعَ شِيَاهٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَيُخْرِجَ ابْنَةَ مَخَاضٍ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُخْرِجَ مَعَهَا مِثْلَ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ، فَأَمَّا إنَّ انْتَقَلَ مِنْ حِقَّةٍ إلَى بِنْتِ مَخَاضٍ، أَوْ مِنْ جَذَعَةٍ إلَى بِنْتِ لَبُونٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالْعُدُولِ إلَى سِنٍّ وَاحِدَةٍ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، كَمَا اقْتَصَرْنَا فِي أَخْذِ الشِّيَاهِ عَنْ الْإِبِلِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ.
هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ جَوَّزَ الِانْتِقَالَ إلَى السِّنِّ الَّذِي تَلِيه مَعَ الْجُبْرَانِ، وَجَوَّزَ الْعُدُولَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا عَدِمَ مَعَ الْجُبْرَانِ إذَا كَانَ هُوَ الْفَرْضَ، وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَجْزَأَ، فَإِنْ عَدِمَ جَازَ الْعُدُولُ إلَى مَا يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ، وَالنَّصُّ إذَا عَقَلَهُ عَدَّى وَعَمِلَ بِمَعْنَاهُ، وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ الْجَذَعَةِ إلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ مَعَ سِتِّ شِيَاهٍ، أَوْ سِتِّينَ دِرْهَمًا، وَيَعْدِلُ عَنْ ابْنَةِ الْمَخَاضِ إلَى الْجَذَعَةِ،

وَيَأْخُذُ سِتَّ شِيَاهٍ، أَوْ سِتِّينَ دِرْهَمًا.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْأَرْبَعِ شِيَاهٍ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، جَازَ.
لِأَنَّهُمَا جُبْرَانَانِ، فَهُمَا كَالْكَفَّارَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ فِي الْجُبْرَانِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ فَرْضِ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ، إذَا أَخْرَجَ عَنْ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، أَوْ مَكَانَ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ، جَازَ أَنْ يُخْرِجَ بَعْضَ الْجُبْرَانِ دَرَاهِمَ، وَبَعْضَهُ شِيَاهًا.
وَمَتَى وَجَدَ سِنًّا تَلِي الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى سِنٍّ لَا تَلِيه؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ عَنْ السِّنِّ الَّتِي تَلِيه إلَى السِّنِّ الْأُخْرَى بَدَلٌ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ إمْكَانِ الْأَصْلِ.
فَإِنْ عَدِمَ الْحِقَّةَ وَابْنَةَ اللَّبُونِ، وَوَجَدَ الْجَذَعَةَ وَابْنَةَ الْمَخَاضِ، وَكَانَ الْوَاجِبُ الْحِقَّةَ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ إلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ابْنَةَ لَبُونٍ، لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ الْجَذَعَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلُ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ مِرَاضًا وَفَرِيضَتُهُ مَعْدُومَةً]

فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ مِرَاضًا، وَفَرِيضَتُهُ مَعْدُومَةً، فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى السِّنِّ السُّفْلَى مَعَ دَفْعِ الْجُبْرَانِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْعَدَ مَعَ أَخْذِ الْجُبْرَانِ، لِأَنَّ الْجُبْرَانَ أَكْثَرُ مِنْ الْفَضْلِ الَّذِي بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ الْجُبْرَانُ جَبْرًا مِنْ الْأَصْلِ، فَإِنَّ قِيمَةَ الصَّحِيحَتَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْمَرِيضَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ قِيمَةُ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي الصُّعُودِ، وَجَازَ فِي النُّزُولِ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ يُقْبَلُ مِنْهُ الْفَضْلُ، وَلَا يَجُوزُ لِلسَّاعِي أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ مِنْ الْمَسَاكِينِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ وَلِيَّ الْيَتِيمِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَيْضًا النُّزُولُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، فَيَتَعَيَّنُ شِرَاءُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ.

[فَصْلُ لَا يَدْخُلُ الْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ]

(1705) فَصْلٌ: وَلَا يَدْخُلُ الْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ فِيهَا وَرَدَ، وَلَيْسَ غَيْرُهَا فِي مَعْنَاهَا، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ قِيمَةً، وَلِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا، وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ.
فَمِنْ عَدِمَ فَرِيضَةَ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ، وَوَجَدَ دُونَهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ إخْرَاجُهَا، فَإِنْ وَجَدَ أَعْلَى مِنْهَا، فَأَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَهَا مُتَطَوِّعًا بِغَيْرِ جُبْرَانٍ، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كُلِّفَ شِرَاءَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ.

[فَصْلُ تَفْسِيرُ الْأَوْقَاصِ]

(1706) فَصْلٌ: قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَفْسِيرُ الْأَوْقَاصِ.
قَالَ: الْأَوْقَاصُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ.
قُلْت لَهُ: كَأَنَّهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْبَقَرِ وَمَا أَشْبَهِ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالسَّبَقُ مَا دُونَ الْفَرِيضَةِ.
قُلْت لَهُ:

كَأَنَّهُ مَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ، وَمَا دُونَ الْفَرِيضَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: السَّبَقُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ أَيْضًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ دُونَ الْوَقْصِ.
وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْفَرِيضَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْده ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ، فَالزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، دُونَ الْخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا.
فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَتَلِفَتْ الْخَمْسُ الزَّائِدَةُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَقُلْنَا: إنَّ تَلَفَ النِّصَابِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، لَمْ يَسْقُطْ هَاهُنَا مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِهِ، وَإِنْ تَلِفَ مِنْهَا عَشْرٌ سَقَطَ مِنْ الزَّكَاةِ خُمْسُهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِتَلَفِ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مِنْهَا مِنْ النِّصَابِ خَمْسَةٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا تَأْثِيرَ لِتَلَفِ النِّصَابِ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْخِلَافِ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أَعْلَمُ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[بَابُ صَدَقَةِ الْبَقَرِ]

ِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، وَمِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُصَدِّقُ أَهْلَ الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً.
قَالَ: فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْن الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ، فَأَبَيْت ذَلِكَ.
وَقُلْت لَهُمْ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَدِمْت، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنْ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمِنْ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ، وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا آخُذَ فِيهَا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا إنْ بَلَغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا.
يَعْنِي تَبِيعًا.
وَزَعَمَ أَنَّ الْأَوْقَاصَ لَا فَرِيضَةَ فِيهَا» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَا أَعْلَمْ اخْتِلَافًا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا أَعْلَمُ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ الْيَوْمَ.
وَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَصْنَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي سَائِمَتِهَا، كَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ.

[مَسْأَلَةُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ سَائِمَةٍ صَدَقَةٌ]

(1707) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ سَائِمَةٍ صَدَقَةٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل