المغني لابن قدامةصفحات 401-440
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 401-440
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لَا امْرَأَةَ لَهُ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ تَطْلُقْ؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْكِنَايَةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ طَلَاقَهَا، طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ صَحِبَتْهَا النِّيَّةُ.
وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا تَطْلُقُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِكِنَايَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ هُوَ كَاذِبٌ فِيهِ، وَلَيْسَ بِإِيقَاعٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُحْتَمِلُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فَلَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَنْتِ بَائِنٌ.
وَغَيْرَهَا مِنْ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: طَلَّقْتهَا.
وَأَرَادَ الْكَذِبَ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ صَرِيحٌ، يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
وَإِنْ قَالَ: خَلَّيْتهَا، أَوْ أَبَنْتهَا.
افْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
(5875) فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ لَهُ: أَطَلَّقْت امْرَأَتك؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
أَوْ قِيلَ لَهُ: امْرَأَتُك طَالِقٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارِ الْمُزَنِيّ؛ لِأَنَّ نَعَمْ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ، وَالْجَوَابُ الصَّرِيحُ لِلَّفْظِ الصَّرِيحِ صَرِيحٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: أَلِفُلَانٍ عَلَيْك أَلْفٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْت امْرَأَتَك؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ.
وَقَالَ: أَرَدْت الْإِيقَاعَ.
وَقَعَ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنِّي عَلَّقْت طَلَاقَهَا بِشَرْطٍ.
قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْإِخْبَارَ عَنْ شَيْءٍ مَاضٍ.
أَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَك امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ: قَدْ طَلَّقْتهَا.
ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنِّي طَلَّقْتهَا فِي نِكَاحٍ آخَرَ.
دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا فِي الْحُكْمِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وُجِدَ مِنْهُ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ، وَإِنْ كَانَ وُجِدَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ قَالَ عَلَيَّ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ]

فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: حَلَفْت بِالطَّلَاقِ.
أَوْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ.
وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي الْحُكْمِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: حَلَفْت بِالطَّلَاقِ.
وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ: هِيَ كِذْبَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَهُ حَلَفْت.
لَيْسَ بِحَلِفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ الْحَلِفِ، فَإِذَا كَانَ كَاذِبًا فِيهِ، لَمْ يَصِرْ حَالِفًا، كَمَا لَوْ قَالَ: حَلَفْت بِاَللَّهِ.
وَكَانَ كَاذِبًا.
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي الْحُكْمِ.
وَحَكَى فِي زَادِ الْمُسَافِرِ عَنْ الْمَيْمُونِي، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: حَلَفْت بِالطَّلَاقِ.
وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ، يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَوْ الْوَاحِدِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ.
أَيْ فِي الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَجَعَلَهُ كِنَايَةً عَنْهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: يُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ.
أَمَّا الَّذِي قَصَدَ الْكَذِبَ،

فَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي الطَّلَاقِ، فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ كَسَائِرِ الْكِنَايَات.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ، فِي مَنْ قَالَ: حَلَفْت بِالطَّلَاقِ.
وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ، فَهَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ وَهَبَ زَوْجَتَهُ لِأَهْلِهَا]

(5877) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا وَهَبَ زَوْجَتَهُ لِأَهْلِهَا، فَإِنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا فَلَا شَيْءَ) هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٌ، وَمَسْرُوقٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالنَّخَعِيّ: إنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْحَسَنِ: إنْ قَبِلُوهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ: هِيَ ثَلَاثٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَبِلُوهَا أَوْ رَدُّوهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهَا كَقَوْلِهِ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ، قَبِلُوهَا أَوْ رَدُّوهَا.
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَاخْتَلَفَا هَاهُنَا بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إذَا لَمْ يَقْبَلُوهَا، أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْبُضْعِ، فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبُولِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي، وَأَمْرُك بِيَدِك.
وَكَالنِّكَاحِ.
وَعَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي.
وَعَلَى أَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ، أَنَّهَا طَلْقَةٌ لِمَنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ، فَكَانَتْ رَجْعِيَّةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهَا وَاحِدَةٌ.
مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ، أَوْ نَوَى وَاحِدَةً، فَأَمَّا إنْ نَوَى ثَلَاثًا، أَوْ اثْنَتَيْنِ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ فِي عَدَدِهَا كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ، أَوْ تَكُونَ ثَمَّ دَلَالَةُ حَالٍ، لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ، وَالْكِنَايَاتُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ كَذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ مِنْ الَّذِي يَقْبَلُ أَيْضًا، كَمَا تُعْتَبَرُ فِي اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ إذَا قَالَ لَهَا: اخْتَارِي، أَوْ أَمْرُك بِيَدِك.
إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ صِيغَةَ الْقَبُولِ أَنْ يَقُولَ أَهْلُهَا: قَبِلْنَاهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَالْحُكْمُ فِي هِبَتِهَا لِنَفْسِهَا، أَوْ لِأَجْنَبِيِّ، كَالْحُكْمِ فِي هِبَتِهَا لِأَهْلِهَا.

[فَصْلٌ بَاعَ امْرَأَتَهُ لِغَيْرِهِ]

(5878) فَصْلٌ: فَإِنْ بَاعَ امْرَأَتَهُ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ نَوَى.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَطْلُقُ، وَاحِدَةً، وَهِيَ أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهَا.

وَلَنَا، أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ بِعِوَضٍ، وَالطَّلَاقُ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ لَا يَقْتَضِي الْعِوَضَ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ كَقَوْلِهِ: أَطْعِمِينِي، وَاسْقِينِي.

[مَسْأَلَةٌ جَعَلَ أَمَرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا]

(5879) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك.
فَهُوَ بِيَدِهَا، وَإِنْ تَطَاوَلَ، مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَ بِنَفْسِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُفَوِّضَهُ إلَى الْمَرْأَةِ، وَيَجْعَلَهُ إلَى اخْتِيَارِهَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَاخْتَرْنَهُ.
وَمَتَى جَعَلَ أَمَرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، فَهُوَ بِيَدِهَا أَبَدًا، لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي: هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَلَا طَلَاقَ لَهَا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ لَهَا، فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى الْمَجْلِسِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي.
وَلَنَا، قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، قَالَ: هُوَ لَهَا حَتَّى تُنَكِّلَ.
وَلَا نَعْرِفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَوْكِيلٍ فِي الطَّلَاقِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَفَارَقَ قَوْلَهُ: اخْتَارِي.
فَإِنَّهُ تَخْيِيرٌ.
فَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجُ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهَا، أَوْ قَالَ: فَسَخْت مَا جَعَلْت إلَيْك.
بَطَلَ.
وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا ذَلِكَ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ طَلُقَتْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ، وَكَمَا لَوْ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَجْنَبِيًّا.
وَقَوْلُهُمْ: تَمْلِيكٌ.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَنُوبُ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْهُ، فَإِذَا اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِيهِ كَانَ تَوْكِيلًا لَا غَيْرَ، ثُمَّ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ، فَالتَّمْلِيكُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِهِ، كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَوْكِيلٍ، وَالتَّصَرُّفُ فِيمَا وَكَّلَ فِيهِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ.
وَإِنْ رَدَّتْ الْمَرْأَةُ مَا جُعِلَ إلَيْهَا بَطَلَ، كَمَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِفَسْخِ الْوَكِيلِ.
(5880) فَصْلٌ: وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ، مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ إيقَاعَ طَلَاقِهَا فِي الْحَالِ، أَوْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا.
وَمَتَى رَدَّتْ الْأَمْرَ الَّذِي جُعِلَ إلَيْهَا، بَطَلَ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَسْرُوقٌ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إنْ رَدَّتْ، فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُمَلَّكُ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، كَسَائِرِ التَّوْكِيلِ وَالتَّمْلِيكِ،

فَأَمَّا إنْ نَوَى بِهَذَا تَطْلِيقَهَا فِي الْحَالِ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَبُولِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك.

[مَسْأَلَةٌ الْمُمَلَّكَةَ وَالْمُخَيَّرَةَ إذَا قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي]

(5881) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي.
فَوَاحِدَةٌ، تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) . وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُمَلَّكَةَ وَالْمُخَيَّرَةَ إذَا قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي.
فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا أَمَرَهَا يَقْتَضِي زَوَالَ سُلْطَانِهِ عَنْهَا، وَإِذَا قَبِلَتْ ذَلِكَ بِالِاخْتِيَارِ، وَجَبَ أَنْ يَزُولَ عَنْهَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الرَّجْعَةِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا قُبِلَ مِنْهُ، إذَا أَرَادَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي زَوَالَ سُلْطَانِهِ عَنْهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِثَلَاثٍ.
وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا يَزُولُ سُلْطَانُهُ عَنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَاكْتُفِيَ بِهَا.
وَلَنَا أَنَّهَا لَمْ تَطْلُقْ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ، وَلَا نَوَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تَطْلُقْ ثَلَاثًا، كَمَا لَوْ أَتَى الزَّوْجَ بِالْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ.
(5882) فَصْلٌ: وَهَذَا إذَا لَمْ تَنْوِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ نَوَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقَعَ مَا نَوَتْ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الثَّلَاثَ بِالتَّصْرِيحِ، فَتَمْلِكُهَا بِالْكِنَايَةِ، كَالزَّوْجِ.
وَهَكَذَا إنْ أَتَتْ بِشَيْءٍ مِنْ الْكِنَايَاتِ، فَحُكْمُهَا فِيهَا حُكْمُ الزَّوْجِ، إنْ كَانَتْ مِمَّا يَقَعُ بِهَا الثَّلَاثُ مِنْ الزَّوْجِ، وَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ إذَا أَتَتْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، نَحْوُ قَوْلِهَا: لَا يَدْخُلْ عَلَيَّ.
وَنَحْوِهَا، وَقَعَ مَا نَوَتْ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك.
فَقَالَتْ: لَا يَدْخُلْ عَلَيَّ إلَّا بِإِذْنٍ.
تَنْوِي فِي ذَلِكَ، إنْ قَالَتْ: وَاحِدَةً، فَوَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْت أَنْ أَغِيظَهُ.
قُبِلَ مِنْهَا.
يَعْنِي لَا يَقَعُ شَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ فَأَتَى بِهَذِهِ الْكِنَايَاتِ، لَا يَقَعُ شَيْءٌ حَتَّى يَنْوِيَ الْوَكِيلُ الطَّلَاقَ.
ثُمَّ إنْ طَلَّقَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ ثَلَاثًا، أَوْ بِكِنَايَةٍ ظَاهِرَةٍ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ بِكِنَايَةٍ خَفِيَّةٍ، وَقَعَ مَا نَوَاهُ.

[فَصْلٌ قَالَ إنَّ تَكَلَّمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَكَلَّمَتْ]

(5883) فَصْلٌ: وَقَوْلُهُ: أَمْرُك بِيَدِك.
وَقَوْلُهُ: اخْتَارِي نَفْسَك كِنَايَةٌ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ، كَمَا فِي سَائِرِ الْكِنَايَاتِ، فَإِنْ عَدَمَ لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ،

فَيَفْتَقِرُ إلَى مَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهَا.
وَهُوَ أَيْضًا كِنَايَةٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، إنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَفْتَقِرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إلَى نِيَّتِهَا، إذَا نَوَى الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّتِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ تَكَلَّمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَكَلَّمَتْ، وَقَالَ: لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ بَائِنٌ.
وَإِنْ نَوَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ، وَالتَّخْيِيرُ لَا يَدْخُلُهُ عَدَدٌ، كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مُوقِعَةٌ لِلطَّلَاقِ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ، فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّتِهَا، كَالزَّوْجِ.
وَعَلَى أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ إذَا نَوَتْ، أَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَارُ نَفْسَهَا بِالْوَاحِدَةِ، وَبِالثَّلَاثِ، فَإِذَا نَوَيَاهُ وَقَعَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ.

[مَسْأَلَة طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَالَ لَمْ أَجْعَلْ إلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةً]

(5884) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: لَمْ أَجْعَلْ إلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةً.
لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، وَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ) وَمِمَّنْ قَالَ: الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ عُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَعَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ نَوَى ثَلَاثًا، فَلَهَا أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ ثَلَاثَةً، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَوَى وَاحِدَةً، فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَخْيِيرِ، فَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ، فَيَتَنَاوَلُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك مَا شِئْت.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْت وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيه اللَّفْظُ، وَلَا يَدِنْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَالْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ تَقْتَضِي ثَلَاثًا.

[مَسْأَلَةٌ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ غَيْرِهَا]

(5885) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا جَعَلَهُ فِي يَدِ غَيْرِهَا) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ غَيْرِهَا، صَحَّ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ جَعَلَهُ بِيَدِهَا، فِي أَنَّهُ بِيَدِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ.
وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ.
وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِك أَوْ قَالَ: جَعَلْت

لَك الْخِيَارَ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِي.
أَوْ قَالَ: طَلِّقْ امْرَأَتِي.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَخْيِيرٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: اخْتَارِي.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ مُطْلَقٌ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْهَا، وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا كَالْمَرْأَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ إلَّا بِيَدِ مَنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ، وَهُوَ الْعَاقِلُ، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ بِأَيْدِيهِمْ، فَإِنْ فَعَلَ، فَطَلَّقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ.
وَلَنَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُمْ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُمْ فِي الْعِتْقِ.
وَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ لِنَفْسِهِ، فَصَحَّ تَوْكِيلُهُمَا فِيهِ.
وَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ امْرَأَةٍ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا فِي الْعِتْقِ، فَصَحَّ فِي الطَّلَاقِ، كَالرَّجُلِ.
وَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ صَبِيٍّ يَعْقِلُ الطَّلَاقَ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِهِ لِزَوْجَتِهِ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ هَاهُنَا عَلَى اعْتِبَارِ وَكَالَتِهِ بِطَلَاقِهِ، فَقَالَ: إذَا قَالَ الصَّبِيُّ: طَلِّقْ امْرَأَتِي ثَلَاثًا.
فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْقِلَ الطَّلَاقَ، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لِهَذَا الصَّبِيِّ امْرَأَةٌ فَطَلَّقَهَا، أَكَانَ يَجُوزُ طَلَاقُهُ؟ فَاعْتَبَرَ طَلَاقَهُ بِالْوَكَالَةِ بِطَلَاقِهِ لِنَفْسِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ جَعَلَ أَمْرَ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ بِيَدِهَا، لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ صَغِيرَةٍ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك.
فَقَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي.
لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ مِثْلُهَا يَعْقِلُ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ التَّوْكِيلِ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا إذَا عَقَلَتْ الطَّلَاقَ، وَقَعَ طَلَاقُهَا.
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الصَّبِيِّ إذَا طَلَّقَ.
وَفِي الصَّبِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي هَذِهِ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(5886) فَصْلٌ: فَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ، أَوْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، صَحَّ، وَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا أَنْ يُطَلِّقَ عَلَى الِانْفِرَادِ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِمَا جَمِيعًا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَإِنْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً، وَالْآخَرُ ثَلَاثًا، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا طَلَّقَا جَمِيعًا وَاحِدَةً، مَأْذُونًا فِيهَا، فَصَحَّ لَوْ جَعَلَ إلَيْهِمَا وَاحِدَةً.

[فَصْلٌ فَوَّضَ أَمْرَ الطَّلَاقِ إلَى مَنْ يَمْلِكُهُ]

(5887) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ: أَمْرُك بِيَدِك، وَاخْتَارِي نَفْسَك.
بِالشُّرُوطِ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ ذَلِكَ إلَى أَجْنَبِيٍّ، صَحَّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا وَمُعَلَّقًا؛ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: اخْتَارِي نَفْسَك، أَوْ أَمْرُك بِيَدِك، شَهْرًا، أَوْ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَمْرُك بِيَدِك.
أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك يَوْمًا.
أَوْ يَقُولَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ: [إذَا] كَانَ سَنَةٌ، أَوْ أَجَلٌ مُسَمًّى.
فَأَمْرُك بِيَدِك.
فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ.
فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَلَيْسَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْرٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَقَالَ لِأَبِيهَا: إنْ جَاءَك خَبَرِي إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِلَّا فَأَمْرُ ابْنَتِك إلَيْك.
فَلَمَّا مَضَتْ السُّنُونَ لَمْ يَأْتِ خَبَرُهُ، فَطَلَّقَهَا الْأَبُ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَمْ يَرْجِعْ فِيمَا جَعَلَ إلَى الْأَبِ، فَطَلَاقُهُ جَائِزٌ، وَرُجُوعُهُ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهِ.
وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ فَوَّضَ أَمْرَ الطَّلَاقِ إلَى مَنْ يَمْلِكُهُ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، كَالتَّوْكِيلِ الصَّرِيحِ، فَإِذَا صَحَّ هَذَا، فَإِنَّ الطَّلَاقَ إلَى مَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ، عَلَى حَسَبِ مَا جَعَلَهُ إلَيْهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِلرُّجُوعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ طَلَّقَ الْوَكِيلُ وَالزَّوْجُ غَائِبٌ، كُرِهَ لِلْمَرْأَةِ التَّزَوُّجُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الزَّوْجَ رَجَعَ فِي الْوَكَالَةِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ التَّزَوُّجِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.
وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ.
فَإِنْ غَابَ الْوَكِيلُ، كُرِهَ لِلزَّوْجِ الْوَطْءُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ طَلَّقَ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.
وَحَمَلَهُ الْقَاضِي أَيْضًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَحُمِلَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْيَقِينِ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ: رُجُوعُهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهِ.
مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ قَدْ رَجَعَ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَلَوْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ، قُبِلَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ.

[مَسْأَلَةٌ التَّخْيِيرَ عَلَى الْفَوْرِ فِي الطَّلَاقِ]

(5888) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ خَيَّرَهَا، فَاخْتَارَتْ فُرْقَتَهُ مِنْ وَقْتِهَا، وَإِلَّا فَلَا خِيَارَ لَهَا) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ عَلَى الْفَوْرِ، إنْ اخْتَارَتْ فِي وَقْتِهَا، وَإِلَّا فَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَهَا الِاخْتِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ، مَا لَمْ يَفْسَخَ أَوْ يَطَأْ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ «بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ لَمَّا خَيَّرَهَا: إنِّي ذَاكِرٌ لَك أَمْرًا، فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تُعَجِّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك.» وَهَذَا يَمْنَعُ قَصْرَهُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَهَا إلَيْهَا، فَأَشْبَهَ أَمْرُك بِيَدِك.

وَلَنَا، أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ.
رَوَى النَّجَّادُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: قَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فِي الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَأَتَهُ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا.
وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ خِيَارُ تَمْلِيكٍ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَخِيَارِ الْقَبُولِ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ عَلَى التَّرَاخِي، وَخِلَافُنَا فِي الْمُطْلَقِ.
وَأَمَّا أَمْرُك بِيَدِك، فَهُوَ تَوْكِيلٌ، وَالتَّوْكِيلُ يَعُمُّ الزَّمَانَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
(5889) فَصْلٌ: وَقَوْلُهُ فِي وَقْتِهَا.
أَيْ عَقِيبَ كَلَامِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي كَانَا فِيهِ إلَى غَيْرِ ذِكْرِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا عَنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ إلَى كَلَامٍ غَيْرِهِ، بَطَلَ خِيَارُهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي.
فَلَهَا الْخِيَارُ مَا دَامُوا فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ، فَإِنْ طَالَ الْمَجْلِسُ، وَأَخَذُوا فِي كَلَامٍ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ تَخْتَرْ، فَلَا خِيَارَ لَهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَنَحْوِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ، فَقِيلَ عَنْهُ: إنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ.
وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْفَوْرِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: الْخِيَارُ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْكَلَامِ أَنْ تُجَاوِبَهُ وَيُجَاوِبَهَا، إنَّمَا هُوَ جَوَابُ كَلَامٍ، إنْ أَجَابَتْهُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ، تَأَخَّرَ قَبُولُهُ عَنْ أَوَّلِ حَالِ الْإِمْكَانِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا، فَإِنْ قَامَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَبْطُلُ بِقِيَامِهَا دُونَ قِيَامِهِ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ.
وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، فَبَطَلَ بِقِيَامِهِ، كَمَا يَبْطُلُ بِقِيَامِهَا.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِمًا، أَوْ مَشَى، بَطَلَ الْخِيَارُ، وَإِنْ قَعَدَ، لَمْ يَبْطُلْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، أَنَّ الْقِيَامَ يُبْطِلُ الْفِكْرَ وَالِارْتِيَاءَ فِي الْخِيَارِ، فَيَكُونُ إعْرَاضًا، وَالْقُعُودَ بِخِلَافِهِ.
وَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ، أَوْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ، لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْفِكْرَةَ.
وَإِنْ تَشَاغَلَ أَحَدُهُمَا بِالصَّلَاةِ، بَطَلَ الْخِيَارُ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةٍ فَأَتَمَّتْهَا، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا.
وَإِنْ أَضَافَتْ إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، بَطَلَ خِيَارُهَا.
وَإِنْ أَكَلَتْ شَيْئًا يَسِيرًا، أَوْ قَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ.
أَوْ سَبَّحَتْ شَيْئًا يَسِيرًا، لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِعْرَاضٍ.
وَإِنْ قَالَتْ: اُدْعُ لِي شُهُودًا أُشْهِدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ رَاكِبَةً فَسَارَتْ، بَطَلَ خِيَارُهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.

[فَصْلٌ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ مَتَى شَاءَتْ فِي الطَّلَاقِ]

(5890) فَصْلٌ: فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ مَتَى شَاءَتْ، أَوْ فِي مُدَّةٍ، فَلَهَا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَإِذَا قَالَ: اخْتَارِي إذَا شِئْت أَوْ مَتَى شِئْت.
فَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تُفِيدُ جَعْلَ الْخِيَارِ لَهَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ.
وَإِنْ قَالَ: اخْتَارِي الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ.
فَلَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّتْ الْخِيَارَ فِي الْأَوَّلِ، بَطَلَ كُلُّهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَا تُعَجِّلِي

حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك.
وَنَحْوُهُ، فَلَهَا الْخِيَارُ عَلَى التَّرَاخِي؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خِيَارَهَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ.
وَإِنْ قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَك الْيَوْمَ، وَاخْتَارِي نَفْسَك غَدًا.
فَرَدَّتْهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَبْطُلْ فِي الثَّانِي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبْطُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ فِي زَمَنَيْنِ، فَلَمْ يَبْطُلْ أَحَدُهُمَا بِرَدِّ الْآخِرِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ، فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا بَطَلَ أَوَّلُهُ بَطَلَ مَا بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَكَخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا خِيَارَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ خِيَارٌ وَاحِدٌ فِي يَوْمَيْنِ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَك الْيَوْمَ، وَاخْتَارِي نَفْسك غَدًا.
فَإِنَّهُمَا خِيَارَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ثَبَتَ بِسَبَبٍ مُفْرَدٍ.
وَلَوْ خَيَّرَهَا شَهْرًا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهَا الْخِيَارُ.
وَلَنَا أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ مَا جَعَلَ لَهَا فِي هَذَا الْعَقْدِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِي عَقْدٍ ثَانٍ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِي سِلْعَةٍ مُدَّةً، ثُمَّ فَسَخَ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِعَقْدٍ آخَرَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَلَوْ لَمْ تَخْتَرْ نَفْسَهَا، أَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ فِي عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ فِي عَقْدٍ سِوَاهُ، كَمَا فِي الْبَيْعِ.
وَالْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك.
فِي هَذَا كُلِّهِ، كَالْحُكْمِ فِي التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَخْيِيرٍ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي، أَوْ أَمْرُك بِيَدِك، الْيَوْمَ وَبَعْدَ الْغَدِ، فَرَدَّتْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَبْطُلْ بَعْدُ فِي غَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَبْطُلْ أَحَدُهُمَا بِبُطْلَانِ الْآخِرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الزَّمَانُ مُتَّصِلًا وَاللَّفْظُ وَاحِدًا، فَإِنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ، فَبَطَلَ كُلُّهُ بِبُطْلَانِ بَعْضِهِ.
وَإِنْ قَالَ: لَك الْخِيَارُ يَوْمًا.
أَوْ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمًا.
فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينَ نَطَقَ بِهِ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْغَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِكْمَالُ يَوْمٍ بِتَمَامِهِ إلَّا بِذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ شَهْرًا.
فَمِنْ سَاعَةِ نَطَقَ إلَى اسْتِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ.
وَإِنْ قَالَ: الشَّهْرَ.
أَوْ الْيَوْمَ.
أَوْ السَّنَةَ.
فَهُوَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ اخْتَارِي مِنْ الثَّلَاثِ مَا شِئْت فِي الطَّلَاقِ]

(5891) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ لَفْظَةَ التَّخْيِيرِ لَا تَقْتَضِي بِمُطْلَقِهَا أَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ رَجْعِيَّةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعُمَرَ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنٌ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا يَقْتَضِي زَوَالَ سُلْطَانِهِ عَنْهَا، وَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْبَيْنُونَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا تَبِينُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ بِعِوَضٍ.
وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِنَّ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْهُمْ قَالُوا: إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَهِيَ وَاحِدَةٌ،

وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدِهِ.
وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: اخْتَارِي تَفْوِيضٌ مُطْلَقٌ، فَيَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَذَلِكَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَائِنًا؛ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ يُكَمَّلْ بِهَا الْعَدَدُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً.
وَيُخَالِفُ قَوْلَهُ: أَمْرُك بِيَدِك، فَإِنَّهُ لِلْعُمُومِ، فَإِنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَمْرِهَا، لَكِنْ إنْ جَعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَهَا مَا جَعَلَ إلَيْهَا، سَوَاءٌ جَعَلَهُ بِلَفْظِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اخْتَارِي مَا شِئْت.
أَوْ اخْتَارِي الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ إنْ شِئْت.
فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ: اخْتَارِي مِنْ الثَّلَاثِ مَا شِئْت.
فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَلَيْسَ لَهَا اخْتِيَارُ الثَّلَاثِ بِكَمَالِهَا؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، فَقَدْ جَعَلَ لَهَا اخْتِيَارَ بَعْضِ الثَّلَاثِ، فَلَا يَكُونُ لَهَا اخْتِيَارُ الْجَمِيعِ، أَوْ جَعَلَهُ نِيَّتَهُ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ: اخْتَارِي.
عَدَدًا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: اخْتَارِي كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ، فَيَرْجِعُ فِي قَدْرِ مَا يَقَعُ بِهَا إلَى نِيَّتِهِ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا، أَوْ اثْنَتَيْنِ، أَوْ وَاحِدَةً، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، وَإِنْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا، فَطَلُقَتْ أَقَلَّ مِنْهَا، وَقَعَ مَا طَلَّقْته؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمَا جَمِيعًا، فَيَقَعُ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، كَالْوَكِيلَيْنِ إذَا طَلَّقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَاحِدَةً وَالْآخَرُ ثَلَاثًا.

[فَصْلٌ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ رَدَّتْ الْخِيَارَ]

(5892) فَصْلٌ: وَإِنْ خَيَّرَهَا، فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا، أَوْ رَدَّتْ الْخِيَارَ، أَوْ الْأَمْرَ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ: تَكُونُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ: فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: انْفَرَدَ بِهَذَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَنَّ التَّخْيِيرَ كِنَايَةٌ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ، فَوَقَعَ بِهَا بِمُجَرَّدِهَا، كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ.
وَكَقَوْلِهِ: انْكِحِي مَنْ شِئْت.
وَلَنَا، قَوْلُ عَائِشَةَ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفَكَانَ طَلَاقًا، وَقَالَتْ: «لَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: إنِّي لَمُخْبِرُك خَبَرًا، فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تُعَجِّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك.
ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: 28] . حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 29] . فَقُلْت: فِي أَيِّ هَذَا اسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.
قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَا فَعَلْت.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.» قَالَ مَسْرُوقٌ: مَا أُبَالِي خَيَّرْت امْرَأَتِي وَاحِدَةً، أَوْ مِائَةً، أَوْ أَلْفًا، بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي، وَلِأَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ اخْتَارَتْ النِّكَاحَ، فَلَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ، كَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ.
فَأَمَّا إنْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي

فَيَفْتَقِرُ إلَى نِيَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَفْظُ كِنَايَةٍ مِنْهَا.
فَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَنْوِ فَمَا فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوقِعَهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ تَنْوِ هِيَ، فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ، فَمَا أَوْقَعَتْهُ، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي الطَّلَاقِ، فَلَمْ يُطَلِّقْ.
وَإِنْ نَوَيَا جَمِيعًا، وَقَعَ مَا نَوَيَاهُ مِنْ الْعَدَدِ إنْ اتَّفَقَا فِيهِ، وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا أَقَلَّ مِنْ الْآخِرِ، وَقَعَ الْأَقَلُّ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَلَمْ يَقَعْ.

[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك فَقَالَتْ قَبِلْت]

(5893) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك، أَوْ اخْتَارِي.
فَقَالَتْ: قَبِلْت.
لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَك بِيَدِك.
تَوْكِيلٌ، فَقَوْلُهَا فِي جَوَابِهِ: قَبِلْت.
يَنْصَرِفُ إلَى قَبُولِ الْوَكَالَةِ، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِك.
فَقَالَ: قَبِلْت.
وَقَوْلُهُ: اخْتَارِي.
فِي مَعْنَاهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ: أَخَذْت أَمْرِي.
نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ، إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك.
فَقَالَتْ: قَبِلْت.
لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى تَبِينَ.
وَقَالَ: إذَا قَالَتْ: أَخَذْت أَمْرِي.
لَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَالَ: وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي.
فَقَالَتْ: قَبِلْت نَفْسِي.
أَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي.
كَانَ أَبْيَنَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت.
وَلَمْ تَقُلْ: نَفْسِي.
لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ نَوَتْ.
وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: اخْتَارِي.
وَلَمْ يَقُلْ: نَفْسَك.
وَلَمْ يَنْوِهِ، لَمْ تَطْلُقْ، مَا لَمْ تَذْكُرْ نَفْسَهَا، مَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِ الزَّوْجِ أَوْ جَوَابِهَا مَا يَصْرِفُ الْكَلَامَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّفْسِيرِ، فَإِذَا عَرِيَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت زَوْجِي.
أَوْ اخْتَرْت الْبَقَاءَ عَلَى النِّكَاحِ.
أَوْ رَدَدْت الْخِيَارَ، أَوْ رَدَدْت عَلَيْك سَفِهْتَك.
بَطَلَ الْخِيَارُ.
وَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت أَهْلِي.
أَوْ أَبَوَيَّ.
وَنَوَتْ، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَصْلُحُ كِنَايَةً مِنْ الزَّوْجِ، فِيمَا إذَا قَالَ: الْحَقِي بِأَهْلِك.
فَكَذَلِكَ مِنْهَا.
وَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت الْأَزْوَاجَ.
فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَحِلُّونَ إلَّا بِمُفَارِقَةِ هَذَا الزَّوْجِ، وَلِذَلِكَ كَانَ كِنَايَةً مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: انْكِحِي مَنْ شِئْت.
(5894) فَصْلٌ: فَإِنْ كَرَّرَ، لَفْظَةَ الْخِيَارِ، فَقَالَ: اخْتَارِي، اخْتَارِي، اخْتَارِي.
فَقَالَ: أَحْمَدُ إنْ كَانَ إنَّمَا يُرَدِّدُ عَلَيْهَا لِيُفْهِمَهَا، وَلَيْسَ نِيَّتُهُ ثَلَاثًا، فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَهِيَ ثَلَاثٌ، فَرَدَّ الْأَمْرَ إلَى نِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَبِلَتْ، وَقَعَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ كَرَّرَ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَتَكَرَّرَ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ الطَّلَاقَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ، فَإِذَا قَصَدَهُ قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛

لِأَنَّ تَكْرِيرَ التَّخْيِيرِ لَا يَزِيدُ بِهِ الْخِيَارُ، كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي.
فَقَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي.
هِيَ وَاحِدَةٌ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: اخْتَارِي، اخْتَارِي، اخْتَارِي.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا.
وَنَحْوُهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَمَالِكٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَةَ الْوَاحِدَةَ تَقْتَضِي طَلْقَةً، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ اقْتَضَتْ ثَلَاثًا، كَلَفْظَةِ الطَّلَاقِ.

[فَصْلٌ قَالَ لُزُوجَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك وَنَوَى عَدَدًا]

(5895) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك.
وَنَوَى عَدَدًا، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى.
وَإِنْ أَطْلَقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَمْ يَمْلِكْ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا، فَقَالَ: طَلِّقْ زَوْجَتِي.
فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك.
وَنَوَى ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، فَهِيَ ثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً، فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا، فَأَيُّهُمَا نَوَاهُ فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا احْتَمَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ تَنَاوَلَ الْيَقِينَ، وَهُوَ الْوَاحِدَةُ.
فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، أَوْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك، تَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ لِلطَّلَاقِ إلَيْهَا، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي الطَّلَاقِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَتَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَقَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك.
وَفَارَقَ: اخْتَارِي.
فَإِنَّهُ تَخْيِيرٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك.
وَلَهَا أَنْ تُوقِعَ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ، وَبِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تُوقِعَهُ بِالْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إلَيْهَا بِلَفْظِ الصَّرِيحِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُوقِعَ غَيْرَ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَقَدْ أَوْقَعَتْهُ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ أَوْقَعَتْهُ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ.
وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ فِي شَيْءٍ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إيقَاعُهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ مِنْ جِهَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْ دَارِي.
جَازَ لَهُ بَيْعُهَا بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي ثَلَاثًا فَطَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَقَعَ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْتَثِلْ أَمَرَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ ثَلَاثٍ، فَمَلَكَتْ إيقَاعَ وَاحِدَةٍ، كَالْمُوَكَّلِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ الثَّلَاثَةَ.
فَقَالَتْ: قَبِلْت وَاحِدًا مِنْهُمْ.
صَحَّ.
كَذَا هَاهُنَا.
وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِي وَاحِدَةً.
فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِمَا يَصْلُحُ قَبُولًا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك نِصْفَ هَذَا الْعَبْدِ.
فَقَالَ: قَبِلْت الْبِيعَةَ فِي جَمِيعِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهَا وَقَّعَتْ طَلَاقًا مَأْذُونًا فِيهِ، وَغَيْرَهُ، فَوَقَعَ الْمَأْذُونُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك.
فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَضَرَائِرَهَا.
فَإِنْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك.
فَقَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ انْصَرَفَ إلَى الْمُنْجَزِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ.
وَحُكْمُ تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الطَّلَاقِ، كَحُكْمِهَا فِيمَا مَا ذَكَرْنَاهُ كُلِّهِ.

[فَصْلٌ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقَ السُّنَّةِ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا]

(5896) فَصْلٌ: نَقَلَ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ إذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقَ السُّنَّةِ.
قَالَتْ: قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا.
هِيَ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا.
إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِلَفْظٍ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا سِيَّمَا وَطَلَاقُ السُّنَّةِ فِي الصَّحِيحِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ.

[فَصْلٌ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا بِعِوَضِ]

(5897) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا بِعِوَضٍ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَا عِوَضَ لَهُ، فِي أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيمَا جَعَلَ لَهَا، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْوَطْءِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَتْ امْرَأَتُهُ: اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي، وَأُعْطِيك عَبْدِي هَذَا.
قَبَضَ الْعَبْدَ، وَجَعَلَ أَمَرَهَا بِيَدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا لَمْ يَطَأْهَا أَوْ يَنْقُضْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، وَالتَّوْكِيلُ لَا يَلْزَمُ بِدُخُولِ الْعِوَضِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ التَّمْلِيكُ بَعُوضٍ لَا يَلْزَمُ، مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْقَبُولُ كَالْبَيْعِ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ وَأَمْرُك بِيَدِك]

(5898) فَصْلٌ: إذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ الزَّوْجُ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ وَأَمْرُك بِيَدِك.
وَقَالَتْ: بَلْ نَوَيْت.
كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ جَوَابَ سُؤَالٍ، أَوْ مَعَهَا دَلَالَةُ حَالٍ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ تَنْوِ الطَّلَاقَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِك.
وَقَالَتْ: بَلْ نَوَيْت.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي.
وَأَنْكَرَ وُجُودَ الِاخْتِيَارِ مِنْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَهُ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُهُ عِلْمُهُ، وَيُمْكِنُهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى دُخُولِ الدَّارِ، فَادَّعَتْهُ، فَأَنْكَرَهُ.

[فَصْلٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَى حَرَامٌ وَأَطْلَقَ]

(5899) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
وَأَطْلَقَ، فَهُوَ ظِهَارٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ يَمِينٌ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنْ الضَّحَّاكِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالُوا فِي الْحَرَامِ: يَمِينٌ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] .

ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] . وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْحَلَالِ، أَشْبَهَ تَحْرِيمَ الْأَمَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلزَّوْجَةِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، فَوَجَبَتْ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي.
فَأَمَّا إنْ نَوَى غَيْرَ الظِّهَارِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، أَنَّهُ ظِهَارٌ، نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا.
وَمِمَّنْ قَالَ: إنَّهُ ظِهَارٌ؛ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالْبَتِّيُّ.
رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الْحَرَامِ، أَنَّهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وَلِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِهَا، فَكَانَ ظِهَارًا، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَعَنْ أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ، كَانَ طَلَاقًا.
وَقَالَ: إذَا قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ يَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ، أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا، وَلَا أُفْتِي بِهِ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا نَوَاهُ.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْبَغَوِيّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك.
فَقَالَتْ: أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ.
فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ.
فَجَعَلَهُ مِنْهَا كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ طَلَاقُ ثَلَاثٍ؛ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ نَوْعُ تَحْرِيمٍ، فَصَحَّ أَنْ يُكَنَّى بِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ، فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، فَإِذَا لَمْ يَنْوِ مَعَهُ، لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ.
وَنَوَى بِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ إذَا قُلْنَا: إنَّ الرَّجْعَةَ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا تَحْرُمُ بِهِ الزَّوْجَةُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، فَحُمِلَ عَلَى الْيَقِينِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَعْنِي بِهِ طَلَاقًا.
فَهِيَ وَاحِدَةٌ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالزُّهْرِيِّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالشَّعْبِيِّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ هُوَ كَاذِبٌ فِيهِ.
وَهَذَا يَبْطُلُ بِالظِّهَارِ؛ فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ، وَقَدْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، وَلِأَنَّ هَذَا إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَنْتِ بَائِنٌ.
أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا.
فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
وَنَوَى يَمِينًا، ثُمَّ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، قَالَ: هُوَ يَمِينٌ، وَإِنَّمَا الْإِيلَاءُ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ.

فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا نَوَى الْيَمِينَ كَانَتْ يَمِينًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.
وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] . وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: 1] ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] . فَجَعَلَ الْحَرَامَ يَمِينًا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: نَوَى يَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
تَرْكَ وَطْئِهَا، وَاجْتِنَابَهَا، وَأَقَامَ ذَلِكَ مُقَامَ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك.

[فَصْل قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ]

(5900) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ.
فَهُوَ طَلَاقٌ.
رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ.
كُنْت أَقُولُ: إنَّهَا طَالِقٌ، يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ.
وَهَذَا كَأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّهُ طَلَاقٌ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، فَلَمْ يَصِرْ طَلَاقًا بِقَوْلِهِ: أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ.
كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَكِنْ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ.
وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، فَكَانَ طَلَاقًا، كَمَا لَوْ ضَرَبَهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك.
وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ، إنَّمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَالتَّحْرِيمُ يَتَنَوَّعُ إلَى تَحْرِيمٍ بِالظِّهَارِ، وَإِلَى تَحْرِيمٍ بِالطَّلَاقِ، فَإِذَا بَيَّنَ بِلَفْظِهِ إرَادَةَ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ، وَجَبَ صَرْفُهُ إلَيْهِ، وَفَارَقَ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، وَهُوَ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ ذَلِكَ طَلَاقًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
ثُمَّ إنْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ.
أَوْ نَوَى بِهِ ثَلَاثًا، فَهِيَ ثَلَاثٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي لِلِاسْتِغْرَاقِ، تَفْسِيرًا لِلتَّحْرِيمِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّلَاقُ كُلُّهُ، وَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ.
وَعَنْهُ: لَا يَكُونُ ثَلَاثًا حَتَّى يَنْوِيَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَكُونُ لِغَيْرِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي أَكْثَرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ.
وَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ طَلَاقًا.
فَهُوَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ مُنَكَّرًا، فَيَكُونُ طَلَاقًا وَاحِدًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ؛ إذَا قَالَ: أَعْنِي طَلَاقًا.
فَهِيَ وَاحِدَةٌ أَوْ اثْنَتَانِ، إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ]

(5901) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، فَلَمْ يَصْلُحْ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، كَمَا لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ كِنَايَةً فِي الظِّهَارِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهٌ بِمَنْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالطَّلَاقُ يُفِيدُ تَحْرِيمًا غَيْرَ مُؤَبَّدٍ، فَلَمْ تَصْلُحْ الْكِنَايَةُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ.
لَمْ يَصِرْ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْكِنَايَةُ بِهِ عَنْهُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّم وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ]

(5902) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.
وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، كَانَ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِيهِ، فَإِذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ النِّيَّةُ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَيَقَعُ بِهِ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ مَا نَوَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَهَذَا حُكْمُهَا.
وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ نِكَاحِهَا، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا، كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ ظِهَارًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ، أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَرْكَ وَطْئِهَا، لَا تَحْرِيمَهَا، وَلَا طَلَاقَهَا، فَهُوَ يَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا نَوَاهُ بِهِ.
وَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا، يَكُونُ ظِهَارًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَإِنَّ تَشْبِيهَهَا بِهِمَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِهِمَا فِي الْأَمْرِ الَّذِي اشْتَهَرَا بِهِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] . وَالثَّانِي، يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَإِذَا أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ، ثَبَتَ بِهِ أَقَلُّ الْحُكْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نُثْبِتُهُ بِالشَّكِّ، وَلَا نَزُولُ عَنْ الْأَصْلِ إلَّا بِيَقِينٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، هُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ سَوَاءً.

[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَهَا بِلِسَانِهِ وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ]

(5903) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَهَا بِلِسَانِهِ، وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْنَاءُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِاللَّفْظِ مِنْ قَرِينَةٍ، أَوْ اسْتِثْنَاءٍ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مَا لَا يَصِحُّ نُطْقًا وَلَا نِيَّةً، وَذَلِكَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا.
أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَلْزَمُك.
أَوْ: لَا تَقَعُ عَلَيْك.
فَهَذَا لَا يَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ لَغْوًا، فَلَا يَصِحُّ هَذَا فِي اللُّغَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ.

الضَّرْبُ الثَّانِي، مَا يُقْبَلُ لَفْظًا، وَلَا يُقْبَلُ نِيَّةً، لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ، فَهَذَا يَصِحُّ لَفْظًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَا يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
وَيَسْتَثْنِيَ بِقَلْبِهِ: إلَّا وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ.
فَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ نَصٌّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالنِّيَّةِ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ اللَّفْظِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ أَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ، وَلَوْ نَوَى بِالثَّلَاثِ اثْنَتَيْنِ، كَانَ مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَوَقَعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَغَتْ نِيَّتُهُ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ.
وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ: إلَّا فُلَانَةَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نِسَائِي اسْمٌ عَامٌّ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الْعُمُومُ بِإِزَاءِ الْخُصُوصِ كَثِيرًا، فَإِذَا أَرَادَ بِهِ الْبَعْضَ صَحَّ، وَقَوْلُهُ: ثَلَاثًا.
اسْمُ عَدَدٍ لِلثَّلَاثِ، لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ عَدَدِ غَيْرِهَا، وَلَا يَحْتَمِلُ سِوَاهَا بِوَجْهٍ، فَإِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ أَرَادَ بِاللَّفْظِ مَالًا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ فَلَا، فَإِنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِهِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ، كَانَ عَمَلًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَعْمَلُ فِي نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا بَيْعٍ.
وَلَوْ قَالَ: نِسَائِي الْأَرْبَعُ طَوَالِقُ.
أَوْ قَالَ لَهُنًّ: أَرْبَعَتُكُنَّ طَوَالِقُ.
وَاسْتَثْنَى بَعْضَهُنَّ بِالنِّيَّةِ، لَمْ يُقْبَلْ، عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَدِينِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ مَا لَا يَحْتَمِلُ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ، مَا يَصِحُّ نُطْقًا، وَإِذَا نَوَاهُ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِ اللَّفْظِ الْعَامِ، أَوْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَجَازِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: نِسَائِي طَوَالِقُ.
يُرِيدُ بَعْضَهُنَّ، أَوْ يَنْوِي بِقَوْلِهِ: طَوَالِقُ.
أَيْ مِنْ وَثَاقٍ، فَهَذَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ لَفْظًا.
وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا بَيَّنَ مُرَادَهُ، وَإِنْ كَانَ بِنِيَّتِهِ، قُبِلَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ الْعَامِ، وَاسْتِعْمَالَهُ فِي الْخُصُوصِ، وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ، شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ وَالتَّكَلُّمِ بِهِ، وَيَكُونُ اللَّفْظُ بِنِيَّتِهِ مُنْصَرِفًا إلَى مَا أَرَادَهُ، دُونَ مَا لَمْ يُرِدْهُ.
وَهَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛: إحْدَاهُمَا، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
وَأَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَمِنْ شَرْطِ هَذَا أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولُ: نِسَائِي طَوَالِقُ.
يَقْصِدُ بِهَذَا اللَّفْظِ بَعْضَهُنَّ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ النِّيَّةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ اللَّفْظِ، فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ.
ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ نَوَى بِقَلْبِهِ بَعْضَهُنَّ، لَمْ تَنْفَعْهُ النِّيَّةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِهِنَّ.

وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَنَوَى بَعْدَ طَلَاقِهِنَّ، أَيْ مِنْ وَثَاقٍ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَالنِّيَّةُ الْأَخِيرَةُ نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، لَا لَفْظَ مَعَهَا، فَلَا تَعْمَلُ.
وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ تَخْصِيصُ حَالٍ دُونَ حَالٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ يَصِلُهُ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ شَهْرٍ.
فَهَذَا يَصِحُّ إذَا كَانَ نُطْقًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَإِنْ نَوَاهُ، وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، فِي مَنْ حَلَفَ لَا تَدْخُلُ الدَّارَ، وَقَالَ: نَوَيْت شَهْرًا.
يُقْبَلُ مِنْهُ.
أَوْ قَالَ: إذَا دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَنَوَى تِلْكَ السَّاعَةَ، وَذَلِكَ الْيَوْمَ.
قُبِلَتْ نِيَّتُهُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، لَا تُقْبَلُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَنَوَى فِي نَفْسِهِ إلَى سَنَةٍ، تَطْلُقْ.
لَيْسَ يُنْظَرُ إلَى نِيَّتِهِ.
وَقَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ: نَوَيْت إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
لَا يُصَدَّقُ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ، بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الْقَبُولِ، عَلَى أَنَّهُ يَدِينِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ، عَلَى الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا، أَنَّ إرَادَةَ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ شَائِعٌ كَثِيرٌ، وَإِرَادَةَ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ غَيْرُ سَائِغٍ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا كُلُّهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّخْصِيصِ.

[فَصْلٌ قَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ طَلَّقَنِي فَقَالَ نِسَائِيّ طَوَالِقُ]

(5904) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ: طَلِّقْنِي.
فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ.
وَلَا نِيَّةَ لَهُ، طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌ.
إنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْ نِسَاءَك.
فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ.
فَكَذَلِكَ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ السَّائِلَةَ لَا تَطْلُقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الْعَامَ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ الْخَاصِّ، وَسَبَبُهُ سُؤَالُ طَلَاقِ مَنْ سِوَاهَا.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌ فِيهَا، وَلَمْ يُرَدْ بِهِ غَيْرُ مُقْتَضَاهُ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ، كَالصُّورَةِ الْأُولَى، وَالْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْحُكْمِ هُوَ اللَّفْظُ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ أَخَصَّ مِنْ السَّبَبِ، لَوَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى خُصُوصِهِ، وَاتِّبَاعُ صِفَةِ اللَّفْظِ دُونَ صِفَةِ السَّبَبِ، فَإِنْ أَخْرَجَ السَّائِلَةَ بِنِيَّتِهِ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقُبِلَ فِي الْحُكْمِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ دَلِيلٌ عَلَى نِيَّتِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ جَوَابٌ لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ لِنَفْسِهَا، فَلَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِهِ عَنْهَا لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ مِنْ وَجْهَيْنِ.
وَلِأَنَّهَا سَبَبُ

الطَّلَاقِ، وَسَبَبُ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعُمُومِ بِالتَّخْصِيصِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ، وَالْعَامُّ يَحْتَمِل التَّخْصِيصَ.

[فَصْل قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنَّ دَخَلْت الدَّارَ]

(5905) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ، لَكِنْ سَبَقَ لِسَانِي إلَى الشَّرْطِ.
طَلَقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُهَا.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: كَذَبْتُ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ طَلَاقَهَا عِنْدَ الشَّرْطِ.
دُيِّنَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً]

(5906) فَصْلٌ: وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ.
يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى بِلِسَانِهِ صَحَّ، وَلَمْ يَقَعْ مَا اسْتَثْنَاهُ.
وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً.
أَنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ.
مِنْهُمْ؛ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَدِ الطَّلْقَاتِ، وَيَجُوزُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً.
وَقَعَ الثَّلَاثُ.
وَلَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ.
لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ إيقَاعِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُهُ لَوْ صَحَّ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بَاطِلٌ بِمَا سَلَّمَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُطَلَّقَات، وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ رَفْعًا لِمَا وَقَعَ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَا صَحَّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ، وَلَا الْإِعْتَاقِ، وَلَا فِي الْإِقْرَارِ، وَلَا الْإِخْبَارِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِالْكَلَامِ، فَهُوَ يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] . عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26] ﴿إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 27] . تَبَرُّؤٌ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً.
عِبَارَةٌ عَنْ اثْنَتَيْنِ لَا غَيْرُ، وَحَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ إلَّا، وَيُشَبَّهُ بِهِ أَسْمَاءٌ وَأَفْعَالٌ وَحُرُوفٌ؛ فَالْأَسْمَاءُ غَيْرُ وَسِوَى، وَالْأَفْعَالُ لَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَعَدَا، وَالْحُرُوفُ حَاشَا وَخَلَا، فَبِأَيِّ كَلِمَةٍ اسْتَثْنَى بِهَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ]

(5907) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.
وَقَعَ ثَلَاثٌ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ.
وَذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا أَجَازُوهُ فِي الْقَلِيلِ

مِنْ الْكَثِيرِ، وَحَكَيْنَا ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ.
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً.
وَقَعَ اثْنَتَانِ.
وَإِنْ قَالَ: إلَّا اثْنَتَيْنِ.
وَقَعَ ثَلَاثٌ.
وَإِنْ قَالَ: طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقَعُ طَلْقَةٌ.
وَالثَّانِي، طَلْقَتَانِ؛ بِنَاءً عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ، هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ ثَلَاثٌ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِرَفْعِ بَعْضِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرْفَعَ جَمِيعُهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا.
وَقَعَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنْ عَادَ إلَى الْخَمْسِ، فَقَدْ اسْتَثْنَى الْأَكْثَرَ، وَإِنْ عَادَ إلَى الثَّلَاثِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، فَقَدْ رَفَعَ جَمِيعَهَا.
وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ.
وَإِنْ قَالَ: خَمْسًا إلَّا طَلْقَةً.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا.
وَالثَّانِي، يَقَعُ اثْنَتَانِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى مَا مَلَكَهُ مِنْ الطَّلْقَاتِ، وَهِيَ الثَّلَاثُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَلْغُو، وَقَدْ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ، فَيَصِحُّ، وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ اثْنَتَانِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الثَّلَاثِ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً]

(5908) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ الْجُمْلَة الْأَخِيرَةَ بِكَمَالِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، فَيَصِيرُ ذِكْرُهَا وَاسْتِثْنَاؤُهَا لَغْوًا، وَكُلُّ اسْتِثْنَاءٍ أَفْضَى تَصْحِيحُهُ إلَى الْغَايَةِ وَإِلْغَاءِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَطَلَ، كَاسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ، وَلِأَنَّ إلْغَاءَهُ وَحْدَهُ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ مَعَ إلْغَاءِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً لِلْجَمِيعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لَوَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا إلَّا خَمْسِينَ.
صَحَّ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً.
فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يُخَرَّجُ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، إلَّا

طَلْقَةً.
أَوْ قَالَ: طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَّا طَلْقَةً.
فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى سَوَاءً.
وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِغَيْرِ وَاوٍ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إلَّا طَلْقَةً، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَرْفٌ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَكَوْنَ الطَّلْقَةِ الْأَخِيرَةِ مُفْرَدَةً عَمَّا قَبْلَهَا، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهَا وَحْدَهَا فَلَا يَصِحُّ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ.
لَمْ يَصِحّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ، فَهُوَ رَفْعٌ لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ عَادَ إلَى الثَّلَاثِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، فَهُوَ رَفْعٌ لِأَكْثَرِهَا، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ يَصِحُّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً.
احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ إلَى الرَّابِعَةِ، فَقَدْ بَقِيَ بَعْدَهَا ثَلَاثٌ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْجَمِيعِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً]

(5909) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَقَعُ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ اشْتَرَاكَ الْمَعْطُوفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لَثَلَاثٍ مِنْ ثَلَاثٍ.
وَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي طَلْقَةٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَقَلَّ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، فَيَلْغُو وَحْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ اثْنَتَيْنِ، وَيَلْغُو فِي الثَّالِثَةِ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ جَائِزٌ.
وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً.
فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا.
احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ أَيْضًا؛ أَحَدُهُمَا، يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَكْثَرِ، فَيَلْغُو.
وَالثَّانِي، يَصِحُّ فِي طَلْقَةٍ، فَتَقَعُ طَلْقَتَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَإِلَّا وَاحِدَةً.
كَانَ عَاطِفًا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى اسْتِثْنَاءٍ، فَيَصِحُّ الْأَوَّلُ، وَيَلْغُو الثَّانِي؛ لِأَنَّنَا لَوْ صَحَّحْنَاهُ لَكَانَ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَكْثَرِ، فَيَقَعُ بِهِ طَلْقَتَانِ، وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ أَنْ يَصِحَّ فِيهِمَا، فَتَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، إلَّا وَاحِدَةً.
كَانَ مُسْتَثْنِيًا مِنْ الْوَاحِدَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَاحِدَةً، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْغُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، وَيَصِحَّ الْأَوَّلُ، فَيَقَعَ بِهِ طَلْقَتَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ طَلْقَةٍ فِي حَقِّهَا؛ لِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا، فَيُقْبَلَ ذَلِكَ

فِي إيقَاعِ طَلَاقِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي نَفْيِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا.
وَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ.
وَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ، فَكُمِّلَ النِّصْفُ فِي الْإِثْبَاتِ، وَلَمْ يُكَمَّلْ فِي النَّفْيِ.

[فَصْلٌ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً]

(5910) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي الطَّلَاقِ إلَّا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً.
فَإِنَّهُ يَصِحُّ إذَا أَجَزْنَا اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ، فَيَقَعُ بِهِ طَلْقَتَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ اسْتِثْنَاءَ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ، وَهِيَ أَكْثَرُهَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَسْكُتْ عَلَيْهِمَا، بَلْ وَصَلَهُمَا بِأَنْ اسْتَثْنَى مِنْهَا طَلْقَةً، فَصَارَ عِبَارَةً عَنْ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُهَا، وَاسْتِثْنَاءُ الثَّلَاثِ مِنْ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا جَمِيعُهَا.
وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً.
لَمْ يَصِحَّ، وَوَقَعَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ، بَقِيَ اثْنَتَانِ، لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُمَا مِنْ الثَّلَاثِ الْأُولَى، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ يَلْغُو؛ لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الْجَمِيعِ، فَيَرْجِعُ قَوْلُهُ: إلَّا وَاحِدَةً إلَى الثَّلَاثِ الْمُثْبَتَةِ، فَيَقَعُ مِنْهَا طَلْقَتَانِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْ الثَّلَاثِ الْمَنْفِيَّةِ طَلْقَةً، كَانَ مُثْبِتًا لَهَا، فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهَا مِنْ الثَّلَاثِ الْمُثْبَتَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إثْبَاتًا مِنْ إثْبَاتٍ.
وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْإِقْرَارِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا]

(5911) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَغِيبَ شَمْسُ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي الشَّهْرَ الْمُشْتَرَطَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
فِي شَهْرٍ عَيَّنَهُ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْهُ، وَذَلِكَ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ شَهْرُ شَعْبَانَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُقُوعَهُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَلَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الِاحْتِمَالِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَكُونُ ظَرْفًا لَهُ طَلَقَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِذَا دَخَلَتْ أَوَّلَ جُزْءٍ مِنْهَا طَلَقَتْ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: إنْ لَمْ أَقْضِكَ حَقَّكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَخْرُجَ رَمَضَانُ قَبْلَ قَضَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَضَاهُ فِي آخِرِهِ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ الْحِنْثِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُمْنَعُ.
وَكَذَلِكَ

كُلُّ يَمِينٍ عَلَى فِعْلٍ يَفْعَلُهُ، يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ قَبْلَ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ عَلَى حِنْثٍ، لِأَنَّ الْحِنْثَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ.
وَلَنَا، أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ لِأَجْلِ الْيَمِينِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا فَعَلْتُ كَذَا.
وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ لَوَجَبَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ.
(5912) فَصْلٌ: وَمَتَى جَعَلَ زَمَنًا ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، أَوْ غَدًا، أَوْ فِي سَنَةِ كَذَا، أَوْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت فِي آخِرِهِ، أَوْ أَوْسَطِهِ، أَوْ يَوْمِ كَذَا مِنْهُ، أَوْ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ.
قُبِلَ مِنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، أَوْ غُرَّةِ رَمَضَانَ، أَوْ فِي رَأْسِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ، أَوْ مَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
طَلَقَتْ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: أَرَدْتُ أَوْسَطَهُ، أَوْ آخِرَهُ.
لَا ظَاهِرًا، وَلَا بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ.
وَإِنْ قَالَ: بِانْقِضَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ انْسِلَاخِهِ، أَوْ نَفَادِهِ، أَوْ مُضِيِّهِ.
طَلَقَتْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَوَّلِ نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ.
طَلَقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ النَّهَارِ وَالْيَوْمِ.
وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ، أَوْ صِيَامَ يَوْمٍ، لَزِمَهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا كَانَ رَمَضَانُ، أَوْ إلَى رَمَضَانَ، أَوْ إلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، أَوْ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، طَلَقَتْ سَاعَةَ يَسْتَهِلُّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مِنْ السَّاعَةِ إلَى الْهِلَالِ، فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَجِيءِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، طَلَقَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ.

[فَصْلٌ أُوقِعْ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ أَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةِ]

(5913) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ، أَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ، تَعَلَّقَ بِهَا، وَلَمْ يَقَعْ حَتَّى تَأْتِيَ الصِّفَةُ وَالزَّمَنُ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ: إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ، تَأْتِي لَا مَحَالَةَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَوْ دَخَلَ رَمَضَانُ.
طَلَقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مُؤَقَّتًا بِزَمَانٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا شَهْرًا.
وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى رَأْسِ السَّنَةِ.
قَالَ: يَطَأُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَأْسِ السَّنَةِ.
وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَاتِ، فَمَتَى عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ لَمْ يَقَعْ قَبْلَهَا، كَالْعِتْقِ،

فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهُ.
وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بُقُولِ أَبِي ذَرٍّ: إنَّ لِي إبِلًا يَرْعَاهَا عَبْدٌ لِي، وَهُوَ عَتِيقٌ إلَى الْحَوْلِ.
وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِصِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ.
وَلَيْسَ هَذَا تَوْقِيتًا لِلنِّكَاحِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيتٌ لِلطَّلَاقِ.
وَهَذَا لَا يَمْنَعُ، كَمَا أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، وَالطَّلَاقُ يَجُوزُ فِيهِ التَّعْلِيقُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةِ]

فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرِ كَذَا، أَوْ سَنَةِ كَذَا.
فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةِ كَذَا.
وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا فِي أَوَّلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ.
إيقَاعٌ فِي الْحَالِ، وَقَوْلُهُ: إلَى شَهْرِ كَذَا.
تَأْقِيت لَهُ غَايَةٌ، وَهُوَ لَا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ، فَبَطَلَ التَّأْقِيتُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ.
وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيتًا لِإِيقَاعِهِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أَنَا خَارِجٌ إلَى سَنَةٍ.
أَيْ بَعْدَ سَنَةٍ.
وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ.
وَقَدْ تَرَجَّحَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ جَعَلَ لِلطَّلَاقِ غَايَةً، وَلَا غَايَةَ لِآخِرِهِ، وَإِنَّمَا الْغَايَةُ لِأَوَّلِهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَمَلٌ بِالْيَقِينِ، وَمَا ذَكَرُوهُ أَخْذٌ بِالشَّكِّ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهَا طَالِقٌ فِي الْحَالِ إلَى سَنَةِ كَذَا.
وَقَعَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ، وَلَفْظُهُ يَحْتَمِلُهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ الْيَوْمِ إلَى سَنَةٍ.
طَلَقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، فَيَقْتَضِي أَنَّ طَلَاقَهَا مِنْ الْيَوْمِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّ عَقْدَ الصِّفَةِ مِنْ الْيَوْمِ، وَوُقُوعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ.
لَمْ يَقَعْ إلَّا بَعْدَهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت تَكْرِيرَ وُقُوعِ طَلَاقِهَا مِنْ حِينِ لَفَظْتُ بِهِ إلَى سَنَةٍ، طَلَقَتْ مِنْ سَاعَتِهَا ثَلَاثًا، إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ الْيَوْمِ إلَى سَنَةٍ.
يُرِيدُ التَّوْكِيدَ، وَكَثْرَةَ الطَّلَاقِ، فَتِلْكَ طَالِقٌ مِنْ سَاعَتِهَا.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ أَوَّلِ الشَّهْرِ]

(5915) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ أَوَّلِ الشَّهْرِ.
طَلَقَتْ فِي آخِرِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَوَّلُهُ، وَإِنْ قَالَ: فِي أَوَّلِ آخِرِهِ، طَلَقَتْ فِي أَوَّلِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ آخِرُهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْأُولَى: تَطْلُقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ.
وَفِي الثَّانِيَةِ: تَطْلُقُ بِدُخُولِ أَوَّلِ لَيْلَةِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ نِصْفَانِ، أَوَّلٌ، وَآخِرٌ، فَآخِرُ أَوَّلِهِ يَلِي أُولَ آخِرِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ كَقَوْلِنَا، وَهُوَ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ

مَا عَدَا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لَا يُسَمَّى أُولَ الشَّهْرِ، وَيَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يُسَمَّى أَوْسَطُ الشَّهْرِ آخِرَهُ وَلَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُصْرَفَ كَلَامُ الْحَالِفِ إلَيْهِ، وَلَا يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ قَالَ إذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ]

(5916) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: إذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى سَنَةٍ.
فَإِنَّ ابْتِدَاءَ السَّنَةِ مِنْ حِينِ حَلَفَ إلَى تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] . فَإِنْ حَلَفَ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ، فَإِذَا مَضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا وَقَعَ طَلَاقُهُ.
وَإِنْ حَلَفَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ، عَدَدْتَ مَا بَقِيَ مِنْهُ، ثُمَّ حَسَبْتَ بَعْدُ بِالْأَهِلَّةِ، فَإِذَا مَضَتْ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا نَظَرْتَ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، فَكَمَّلَتْهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ.
فَإِنْ تَفَرَّقَ كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخِرُ، أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الشُّهُورُ كُلُّهَا بِالْعَدَدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَاعْتَرَضَ الْأَيَّامُ.
قَالَ: يَصُومُ سِتِّينَ يَوْمًا.
وَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ شَهْرٍ، فَصَامَ شَهْرَيْنِ، فَكَانَا ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، أَجْزَأَهُ؛ وَذَلِكَ إنَّهُ لَمَّا صَامَ نِصْفَ شَهْرٍ، وَجَبَ تَكْمِيلُهُ مِنْ الَّذِي يَلِيهِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ الثَّانِي مِنْ نِصْفِهِ أَيْضًا، فَوَجَبَ أَنْ يُكَمِّلَهُ بِالْعَدَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي السَّنَةِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ أَحَدَ عَشَرَ بِالْأَهِلَّةِ، فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُتِمَّ الْأَوَّلَ مِنْ الثَّانِي، بَلْ يُتِمُّهُ مِنْ آخِرِ الشُّهُورِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: سَنَةً.
إذَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ.
قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ.
وَإِنْ قَالَ: إذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ بِانْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَرَّفَهَا فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ، انْصَرَفَتْ إلَى السَّنَةِ الْمَعْرُوفَةِ، الَّتِي آخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
قُبِلَ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ اسْمٌ لَهَا حَقِيقَةً.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً]

(5917) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً.
فَهَذِهِ صِفَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِذَا جَعَلَ ذَلِكَ صِفَةً، جَازَ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ عَقِيبَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَجَلٍ ثَبَتَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، ثَبَتَ عَقِيبَهُ، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُكِ سَنَةً.
فَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السَّنَةَ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ، فَتَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَتَقَعُ الثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةُ فِي أَوَّلِ الثَّالِثَةِ، إنْ دَخَلَتَا عَلَيْهَا وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، لِكَوْنِهَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، أَوْ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّةِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى وَعِدَّةِ الثَّانِيَةِ، أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا بَعْدَ أَنْ بَانَتْ، فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَبَانَتْ مِنْهُ، وَدَخَلَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ بَائِنٌ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِكَوْنِهَا غَيْرَ زَوْجَةٍ لَهُ.
فَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي أَثْنَائِهَا، اقْتَضَى قَوْلُ

أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَقِيبَ تَزْوِيجِهِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي جَعَلَهَا ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ، وَمَحَلًّا لَهُ، وَكَانَ سَبِيلُهُ أَنْ تَقَعَ فِي أَوَّلِهَا، فَمَنَعَ مِنْهُ كَوْنُهَا غَيْرَ مَحَلٍّ لِطَلَاقِهِ؛ لِعَدَمِ نِكَاحِهِ حِينَئِذٍ، فَإِذَا عَادَتْ الزَّوْجِيَّةُ، وَقَعَ فِي أَوَّلِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ بِدُخُولِ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ.
وَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، تَنْحَلُّ الصِّفَةُ بِوُجُودِهَا فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ، فَلَا تَعُودُ بِحَالٍ.
وَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا حَتَّى دَخَلْت السَّنَةُ الثَّالِثَةُ، ثُمَّ نَكَحَهَا، طَلَقَتْ عَقِيبَ تَزْوِيجِهَا، ثُمَّ طَلَقَتْ الثَّالِثَةَ بِدُخُولِ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، لَا تَطْلُقُ إلَّا بِدُخُولِ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ تَطْلُقُ الثَّالِثَةَ بِدُخُولِ الْخَامِسَةِ.
وَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ، قَدْ انْحَلَّتْ الصِّفَةُ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَبْدَإِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ؛ فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، أَنَّ أَوَّلَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ حِينِ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ حِينَ يَمِينِهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ابْتِدَاءُ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوَّلُ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهَا السَّنَةُ الْمَعْرُوفَةُ، فَإِذَا عَلَّقَ مَا يَتَكَرَّرُ عَلَى تَكَرُّرِ السِّنِينَ، انْصَرَفَ إلَى السِّنِينَ الْمَعْرُوفَةِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ [التوبة: 126] . وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا؛ قُبِلَ؛ لِأَنَّهَا سَنَةٌ حَقِيقَةً.
وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت أَنَّ ابْتِدَاءَ السِّنِينَ أَوَّلُ السَّنَةِ الْجَدِيدَةِ مِنْ الْمُحَرَّمِ.
دُيِّنَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا رَأَيْت هِلَالَ رَمَضَان]

(5918) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا رَأَيْتُ هِلَالَ رَمَضَانَ طَلَقَتْ بِرُؤْيَةِ النَّاسِ لَهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَطْلُقُ إلَّا أَنْ يَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى رُؤْيَةِ زَيْدٍ.
وَلَنَا، أَنَّ الرُّؤْيَةَ لِلْهِلَالِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْعِلْمُ بِهِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالِ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» . وَالْمُرَادُ بِهِ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ، فَانْصَرَفَ لَفْظُ الْحَالِفِ إلَى عُرْفِ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا صَلَّيْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا إلَى الدُّعَاءِ.
وَفَارَقَ رُؤْيَةَ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، لَكِنْ ثَبَتَ الشَّهْرُ بِتَمَامِ الْعَدَدِ طَلَقَتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ طُلُوعَهُ بِتَمَامِ الْعَدَدِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ إذَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي.
قُبِلَ؛ لِأَنَّهَا رُؤْيَةٌ حَقِيقَةً.
وَتَتَعَلَّقُ الرُّؤْيَةُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ هِلَالَ الشَّهْرِ مَا كَانَ فِي أَوَّلِهِ، وَلِأَنَّنَا جَعَلْنَا رُؤْيَةَ الْهِلَالِ عِبَارَةً عَنْ دُخُولِ أَوَّلِ الشَّهْرِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقْ بِرُؤْيَتِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى رُؤْيَةً، وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ إذَا رَأَيْتُهُ أَنَا بِعَيْنِي.
فَلَمْ يَرَهُ

حَتَّى أَقْمَرَ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَيس بِهِلَالٍ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَصِيرُ بِهِ قَمَرًا، فَقِيلَ: بَعْدَ ثَالِثَةٍ.
وَقِيلَ: إذَا اسْتَدَارَ.
وَقِيلَ: إذَا بَهَرَ ضَوْءُهُ.

[فَصْل قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ]

(5919) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
يَعْتَزِلُهَا إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَقَبْلَ الْعَشْرِ، أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَهَا فِي السَّبْعَ عَشْرَةَ، إلَّا أَنَّ الْمُثْبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
إنَّمَا أَمَرَهُ بِاجْتِنَابِهَا فِي الْعَشْرِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنَّ هَذَا مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ إلَى آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ هِيَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.

[فَصْلٌ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ]

(5920) فَصْلٌ: وَإِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، ثُمَّ قَالَ: عَجَّلْتُ لَك تِلْكَ الطَّلْقَةَ.
لَمْ تَتَعَجَّلْ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَى تَغْيِيرِهَا سَبِيلٌ.
وَإِنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ طَلَاقٍ سِوَى تِلْكَ الطَّلْقَةِ، وَقَعَتْ بِهَا طَلْقَةٌ، فَإِذَا جَاءَ الزَّمَنُ الَّذِي عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِهِ، وَهِيَ فِي حِبَالِهِ، وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا إذَا قَدِمَ زَيْدٌ]

(5921) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا إذَا قَدِمَ زَيْدٌ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَقْدَمَ؛ لِأَنَّ إذَا اسْمُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَمَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَقْتَ قُدُومِ زَيْدٍ.
وَإِنْ لَمْ يَقْدَمْ زَيْدٌ فِي غَد لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ طَلَاقَهَا بِقُدُومِ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ، فَلَا تَطْلُقُ حَتَّى تُوجَدَ.
وَإِنْ مَاتَتْ غَدْوَةً.
وَقَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهَا، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَوْقَعَ طَلَاقَهَا فِيهِ لَمْ يَأْتِ، وَهِيَ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ، فَلَمْ تَطْلُقْ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ.
فَقَدِمَ لَيْلًا، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتَ، فَتَطْلُقْ وَقْتَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ يُسَمَّى يَوْمًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] . وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ غَدْوَةً، وَقَدِمَ زَيْدٌ ظُهْرًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، نَتَبَيَّنُ أَنَّ طَلَاقَهَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
طَلَقَتْ مِنْ أَوَّلِهِ فَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ.
فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ بِطُلُوعِ فَجْرِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ قُدُومُ زَيْدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَقَعْ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ مَجِيءُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَهَا هُنَا شَرْطَانِ، فَلَا يُؤْخَذُ بِأَحَدِهِمَا.

وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا، إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ مُعَرَّفًا بِفِعْلٍ يَقَعُ فِيهِ، فَيَقَعُ فِي أَوَّلِهِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ الَّذِي نُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ زَيْدٌ.
فَكَذَلِكَ.
وَلَوْ مَاتَ الرَّجُلُ غَدْوَةً، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ، أَوْ مَاتَ الزَّوْجَانِ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ.
فَقَدِمَ فِيهِ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ؛ لِأَنَّ قُدُومَهُ شَرْطٌ، فَلَا يَتَقَدَّمُهُ الْمَشْرُوطُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ.
فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ قَبْلَ قُدُومِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَكَمَا لَوْ قَالَ: إذَا قَدِمَ زَيْدٌ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.

[فَصْل قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَطَالِقٌ غَدًا]

(5922) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَطَالِقٌ غَدًا.
طَلَقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ مَنْ طَلَقَتْ الْيَوْمَ فَهِيَ طَالِقٌ غَدًا.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ تَطْلُقَ الْيَوْمَ، وَتَطْلُقَ غَدًا.
طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ فِي الْيَوْمَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا تَطْلُقُ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ.
طَلَقَتْ الْيَوْمَ، وَلَمْ تَطْلُقْ غَدًا، لِأَنَّهُ جَعَلَ الزَّمَانَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفَ طَلْقَةٍ غَدًا، طَلَقَتْ الْيَوْمَ وَاحِدَةً، وَأُخْرَى غَدًا؛ لِأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ فَيَصِيرُ طَلْقَةً تَامَّةً.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَبَاقِيَهَا غَدًا.
احْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَطْلُقَ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: نِصْفَهَا، كُمِّلَتْ الْيَوْمَ كُلُّهَا، فَلَمْ يَبْقَ لَهَا بَقِيَّةٌ تَقَعُ غَدًا، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْقَعَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي هَذَا الِاحْتِمَالَ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، ذَكَرَ أَصْحَابُهُ فِيهَا الْوَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدٌ]

(5923) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدٌ.
فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ مُحَالٍ، فَلَغَا الشَّرْطُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ.
كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّة لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَة: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
وَقَالَ فِي " الْمُجَرَّدِ ": لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إذَا جَاءَ غَدٌ فِي الْيَوْمِ، وَلَا يَأْتِي غَدٌ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْيَوْمِ وَذَهَابِ مَحَلِّ الطَّلَاقِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أُمْسِ وَلَا نِيَّة لَهُ]

(5924) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
وَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: يَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ، وَوَقَعَ

الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَة: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَلْزَمُكِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الطَّلَاقَ رَفْعُ الِاسْتِبَاحَةِ، وَلَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِيَوْمَيْنِ.
فَقَدِمَ الْيَوْمَ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا طَلَاقٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمُسْتَحِيلٍ فَلَغَا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَلَبْت الْحَجَرَ ذَهَبًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ.
فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَرَأَيْتُ بِخَطِّ أَبِي بَكْرٍ، فِي " جُزْءٍ مُفْرَدٍ "، أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ.
طَلَقَتْ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ أَمْسِ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ، وَقَبْلَ تَزْوِيجِهَا مُتَصَوِّرُ الْوُجُودِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا، وَهَذَا الْوَقْتُ قَبْلَهُ، فَوَقَعَ فِي الْحَالِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ.
وَإِنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أُمْسِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ.
إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ، مُسْتَنِدًا إلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا هُوَ، أَوْ زَوْجٌ قَبْلَهُ، فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَكَانَ قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ، وَقَعَ طَلَاقُهُ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْوُجُودَ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنِّي كُنْتُ طَلَّقْتُك أَمْسِ.
فَكَذَّبَتْهُ، لَزِمَتْهُ الطَّلْقَةُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِهَا؛ لِأَنَّهَا اعْتَرَفَتْ أَنَّ أَمْسِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِدَّتِهَا.
وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُرَادَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُطَلِّقِ، إنْ قُلْنَا: لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ.
لَمْ يَلْزَمْهُ هَاهُنَا شَيْءٌ.
وَإِنْ قُلْنَا بِوُقُوعِهِ ثَمَّ، وَقَعَ هَاهُنَا.

[فَصْلٌ قَالَ لَزّ وَجَتْهُ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرِ]

(5925) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ.
فَقَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ قَبْلَ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ بَعْدَ عَقْدِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزُفَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ قُدُومِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَلَا يَسْبِقُ الطَّلَاقُ شَرْطَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ عَلَى صِفَةٍ، فَإِذَا حَصَلَتْ الصِّفَةُ وَقَعَ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِكَ بِشَهْرٍ.
فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَاصَّةً يُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَلَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا، وَلَيْسَ فِيهِ حَرْفُ شَرْطٍ.
وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ، لَمْ يَقَعْ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى صِفَةٍ كَانَ وُجُودُهَا مُمْكِنًا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا.
وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ مَعَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ.
فَإِنْ خَالَعَهَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِيَوْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ

بَعْدَ الْخُلْعِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْخُلْعَ وَقَعَ صَحِيحًا، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا.
وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَبَطَلَ الْخُلْعُ، وَلَهَا الرُّجُوعُ بِالْعِوَضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصِحُّ خُلْعُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بِيَوْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ قَدْ وَقَعَ قَبْلَ مَوْتِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَرِثْهُ صَاحِبُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّوَارُثَ، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
فَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ.
فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ.
فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي الْمَاضِي.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَيَمُوتَ فِي عِدَّتِهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي.
وَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا، طَلَقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ، فَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ.
وَإِنْ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِكَ أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ.
فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ قَبْلَ دُخُولِكِ الدَّارَ.
فَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] وَلَمْ يُوجَدْ الطَّمْسُ فِي الْمَأْمُورِينَ.
وَلَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: اسْقِنِي قَبْلَ أَنْ أَضْرِبَكَ.
فَسَقَاهُ فِي الْحَالِ، عُدَّ مُمْتَثِلًا وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قُبَيْلَ مَوْتِي، أَوْ قُبَيْلَ قُدُومِ زَيْدٍ.
لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي الْجُزْءِ الَّذِي يَلِي الْمَوْتَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَصْغِيرٌ يَقْتَضِي الْجُزْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي يَبْقَى.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِشَهْرٍ.
فَقَالَ الْقَاضِي: تَتَعَلَّقُ الصِّفَةُ بِأَوَّلِهِمَا مَوْتًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بِالثَّانِي يُفْضِي إلَى وُقُوعِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ، وَاعْتِبَارُهُ بِالْأَوَّلِ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ فَكَانَ أَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ لَهَا إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ]

(5926) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: إذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِذَا طَلَّقَهَا لَزِمَهُ اثْنَتَانِ، إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، لَزِمَتْهُ وَاحِدَةٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: إذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَأُخْرَى بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَطْلِيقَهَا شَرْطًا لِوُقُوعِ طَلَاقِهَا، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَقَعَ الطَّلَاقُ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَا تُمْكِنُ رَجْعَتُهَا، فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهَا إلَّا بَائِنًا، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِبَائِنٍ.

(5927) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ بِقَوْلِي هَذَا، أَنَّكِ تَكُونِينَ طَالِقًا بِمَا أَوْقَعْتُهُ عَلَيْكِ.
وَلَمْ أُرِدْ إيقَاعَ طَلَاقٍ سِوَى مَا بَاشَرْتُكِ بِهِ.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُقْبَلُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِشَرْطِ الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ إخْبَارَهُ إيَّاهَا بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ بِهَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ أَرَدْتُ بِالثَّانِي التَّأْكِيدَ أَوْ إفْهَامَهَا.

[فَصْلٌ قَالَ إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ]

(5928) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِشَرْطٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ، طَلَقَتْ بِخُرُوجِهَا، ثُمَّ طَلَقَتْ بِالصِّفَةِ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ.
وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا: إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ، طَلَقَتْ بِالْخُرُوجِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِطَلَاقِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْدِثْ عَلَيْهَا طَلَاقًا؛ لِأَنَّ إيقَاعَهُ الطَّلَاقَ بِالْخُرُوجِ كَانَ قَبْلَ تَعْلِيقِهِ الطَّلَاقَ بِتَطْلِيقِهَا، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ، فَلَمْ يَقَعْ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ، طَلَقَتْ بِالْخُرُوجِ، ثُمَّ تَطْلُقُ الثَّانِيَةَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.

[فَصْل قَالَ لَهَا كَلَّمَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ]

(5929) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَهَذَا حَرْفٌ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَإِذَا قَالَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ، إحْدَاهُمَا بِالْمُبَاشَرَةِ، وَالْأُخْرَى بِالصِّفَةِ.
وَلَا تَقَعُ ثَالِثَةٌ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ تَقَعْ بِإِيقَاعِهِ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُلَّمَا طَلَّقْتُك.
يَقْتَضِي كُلَّمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْكِ الطَّلَاقَ.
وَهَذَا يَقْتَضِي تَجْدِيدَ إيقَاعِ طَلَاقٍ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ: إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ، طَلَقَتْ بِالْخُرُوجِ طَلْقَةً، وَبِالصِّفَةِ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا، وَلَمْ تَقَعْ الثَّالِثَةُ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا أَوْقَعْت عَلَيْكِ طَلَاقًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ، أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ بِصِفَةٍ عَقَدَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ: إذَا أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ مِنْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا بِشَرْطٍ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَهُوَ الْمُوقِعُ لِلطَّلَاقِ عَلَيْهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ وَقَعَتْ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ بِالْمُبَاشَرَةِ، أَوْ بِصِفَةٍ عَقَدَهَا قَبْلَ

ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا.
فَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ خَرَجَتْ، وَقَعَتْ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ بِالْخُرُوجِ، ثُمَّ وَقَعْت الثَّانِيَةُ بِوُقُوعِ الْأُولَى، ثُمَّ وَقَعْت الثَّالِثَةُ بِوُقُوعِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَقَدْ عَقَدَ الصِّفَةَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَكَيْفَمَا وَقَعَ يَقْتَضِي وُقُوعَ أُخْرَى.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ ثَلَاثًا؛ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ، وَاثْنَتَيْنِ بِالصِّفَتَيْنِ؛ لِأَنَّ تَطْلِيقَهُ لَهَا يَشْتَمِلُ عَلَى الصِّفَتَيْنِ؛ هُوَ تَطْلِيقٌ مِنْهُ، وَهُوَ وُقُوعُ طَلَاقِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ بِالْمُبَاشَرَةِ وَاحِدَةً، فَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ بِكَوْنِهِ طَلَّقَهَا، وَذَلِكَ طَلَاقٌ مِنْهُ وَاقِعٌ عَلَيْهَا، فَتَطْلُقُ بِهِ الثَّالِثَةَ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ هَذَا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.

[فَصْلٌ قَالَ كَلَّمَا طَلَّقْتُك طَلَاقًا أَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَتك فَأَنْتِ طَالِقٌ]

(5930) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُك طَلَاقًا أَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَتَكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ اثْنَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا بِالْمُبَاشَرَةِ.
وَالْأُخْرَى بِالصِّفَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّلْقَةُ بِعِوَضٍ، أَوْ فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، فَلَا تَقَعُ بِهَا ثَانِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالطَّلْقَةِ الَّتِي بَاشَرَهَا بِهَا، فَلَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ، طَلَقَتْ الثَّالِثَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيلَ: تَطْلُقُ، وَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ.
وَاخْتِيَارِي أَنَّهَا تَطْلُقُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا تَطْلُقُ الثَّالِثَةَ؛ لِأَنَّا لَوْ أَوْقَعْنَاهَا، لَمْ يَمْلِكْ الرَّجْعَةَ، وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ طَلَاقِهَا، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى الدَّوْرِ، فَيَقْطَعُهُ بِمَنْعِ وُقُوعِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ لَمْ يُكَمَّلْ بِهِ الْعَدَدُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي مَدْخُولٍ بِهَا، فَيَقَعُ بِهَا الَّتِي بَعْدَهَا كَالْأُولَى، وَامْتِنَاعُ الرَّجْعَةِ هَاهُنَا لِعَجْزِهِ عَنْهَا، لَا لِعَدَمِ الْمِلْكِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ عَقِيبَهَا، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تَقَعُ، وَإِنْ امْتَنَعْت الرَّجْعَةُ؛ لِعَجْزِهِ عَنْهَا.
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ، أَوْ فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، لَمْ يَقَعْ بِهَا إلَّا الطَّلْقَةُ الَّتِي بَاشَرَهَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقٌ أَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَتَك، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ صِفَةٍ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا.
وَعِنْدَهُمْ لَا تَطْلُقُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا طَلَّقْتُك طَلَاقًا أَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
ثُمَّ طَلَّقَهَا، طَلَقَتْ ثَلَاثًا.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَا تَطْلُقُ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ قَالَ لُزُوجَتِهِ إذَا طَلَّقْتُك أَوْ إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا]

فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ: إذَا طَلَّقْتُك، أَوْ إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا.
فَلَا نَصَّ فِيهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ، وَاثْنَتَانِ مِنْ الْمُعَلَّقِ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ بَعْضِ

أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَطْلُقُ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ، وَيَلْغُو الْمُعَلَّقُ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ.
وَهُوَ قِيَاسُ نَصِّ أَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ، فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا تَطْلُقُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ يَقْتَضِي وُقُوعَ ثَلَاثٍ قَبْلَهَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُقُوعَهَا، فَإِثْبَاتُهَا يُؤَدِّي إلَى نَفْيِهَا، فَلَا تَثْبُتُ، وَلِأَنَّ إيقَاعَهَا يُفْضِي إلَى الدَّوْرِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ وَقَعَ قَبْلَهَا ثَلَاثٌ، فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهَا، وَمَا أَفْضَى إلَى الدَّوْرِ وَجَبَ قَطْعُهُ مِنْ أَصْلِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ، فِي مَحَلٍّ لِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدْ هَذِهِ الصِّفَةَ، وَلِأَنَّ عُمُومَاتِ النُّصُوصِ تَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ، مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] . وَكَذَلِكَ سَائِرُ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الطَّلَاقَ لِمَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَمْنَعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُبْطِلُ شَرْعِيَّتَهُ، فَتَفُوتُ مَصْلَحَتُهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإِنَّا إنْ قُلْنَا: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ، فَلَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي الْمَاضِي، فَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِيَوْمٍ.
فَقَدِمَ فِي الْيَوْمِ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الطَّلْقَةَ الْوَاقِعَةَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الثَّلَاثِ، وَلَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ قَبْلَ شَرْطِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الطَّلْقَةِ الْمُبَاشَرَةِ، وَلَا يُفْضِي إلَى دَوْرٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ، فَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِمَا يَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِهِ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تُنْقِصُ عَدَدَ طَلَاقِك، أَوْ لَا تَلْزَمُك.
أَوْ قَالَ لِلْآيِسَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
أَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ.
وَبَيَانُ اسْتِحَالَتِهِ، أَنَّ تَعْلِيقَهُ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَتَقَدَّمُ مَشْرُوطَهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَطْلَقَ لَوَقَعَ بَعْدَهُ، وَتَعْقِيبُهُ بِالْفَاءِ فِي قَوْله: فَأَنْتِ طَالِقٌ.
يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ، وَكَوْنُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بَعْدَهُ قَبْلَهُ مُحَالٌ، لَا يَصِحُّ الْوَصْفُ بِهِ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا تَلْزَمُك.
ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِقَوْلِهِ: إذَا انْفَسَخَ نِكَاحُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا.
ثُمَّ وُجِدَ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا؛ مِنْ رَضَاعٍ، أَوْ رِدَّةٍ، أَوْ وَطْءِ أُمِّهَا أَوْ ابْنَتِهَا بِشُبْهَةٍ، فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرُوهُ، وَلَا خِلَافَ فِي انْفِسَاخِ النِّكَاحِ.
قَالَ الْقَاضِي: مَا ذَكَرُوهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ جُمْلَةً.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قُبَيْلَ وُقُوعِ طَلَاقِي بِك وَاحِدَةً.
أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ثَلَاثًا إنَّ طَلَّقْتُك غَدًا وَاحِدَةً.
فَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلْقَةَ الْمُوَقَّعَةَ يَقْتَضِي وُقُوعُهَا

وُقُوعَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا مَعَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْضَى بِوُقُوعِ الطَّلْقَةِ الْمُوَقَّعَةِ دُونَ مَا تَعَلَّقَ بِهَا؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهَا تَابِعٌ، وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْمَتْبُوعِ لِامْتِنَاعِ حُصُولِ التَّبَعِ، فَيَبْطُلُ التَّابِعُ وَحْدَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ: إذَا أَعْتَقْت سَالِمًا فَغَانِمٌ حُرٌّ.
وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ سَالِمًا يَعْتِقُ وَحْدَهُ، وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا أَدَّى إلَى عِتْقِ الْمَشْرُوطِ دُونَ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: فَغَانِمٌ حُرٌّ قَبْلَهُ، أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ.
أَوْ تَطْلُقُ.
كَذَا هَاهُنَا.

[فَصْلٌ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ]

(5932) فَصْلٌ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، أَيِّ شَرْطٍ كَانَ، إلَّا قَوْلَهُ: إذَا شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَنَحْوَهُ، فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ.
وَإِذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّهُ طَلَاقُ بِدْعَةٍ.
وَإِذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّهُ طَلَاقُ سُنَّةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى حَلِفًا عُرْفًا، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلِأَنَّ فِي الشَّرْطِ مَعْنَى الْقَسَمِ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ جُمْلَةً غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ دُونَ الْجَوَابِ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: وَاَللَّهِ، وَبِاَللَّهِ، وَتَاللَّهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " هُوَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ يَقْصِدُ بِهِ الْحَثَّ عَلَى الْفِعْلِ، أَوْ الْمَنْعَ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلِي فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ عَلَى تَصْدِيقِ خَبَرِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَقَدْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ.
فَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ، أَوْ إنْ لَمْ يَقْدَمْ السُّلْطَانُ.
فَهُوَ شَرْطٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِحَلِفٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَلِفِ الْقَسَمُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ حَلِفًا تَجَوُّزًا، لِمُشَارَكَتِهِ الْحَلِفَ فِي الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ الْحَثُّ، أَوْ الْمَنْعُ، أَوْ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، أَوْ لَا أَفْعَلُ، أَوْ لَقَدْ فَعَلْت، أَوْ لَمْ أَفْعَلْ.
وَمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، لَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ حَلِفًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ، عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَلِفٍ، وَتَطْلُقُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَلِفٌ.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا كَلَّمْت أَبَاك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، فَكَانَ حَلِفًا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ، طَلَقَتْ وَاحِدَةً، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ مَرَّةً طَلَقَتْ، حَتَّى تَكْمُلَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ يُوجَدُ بِهَا شَرْطُ الطَّلَاقِ، وَيَنْعَقِدُ شَرْطُ طَلْقَةٍ أُخْرَى.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِحَلِفٍ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِتَكْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ تَكْرَارٌ لِلْكَلَامِ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لَاحِقًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، فَكَانَ حَلِفًا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ تَكْرَارٌ لِلْكَلَامِ.
حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ تَكْرَارَ الشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِهِ مَرَّةً أُخْرَى،

فَإِذَا كَانَ فِي الْأَوَّلِ حَلِفًا، فَوُجِدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَدْ وُجِدَ الْحَلِفُ مَرَّةً أُخْرَى، وَأَمَّا التَّأْكِيدُ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمُكَرَّرُ إذَا قَصْدَهُ، وَهَا هُنَا إنْ قَصَدَ إفْهَامَهَا، لَمْ يَقَعْ بِالثَّانِي شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ.
يَعْنِي بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا، فَأَمَّا إنْ كَرَّرَ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِطَلْقَةٍ، وَلَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَإِذَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ ثَلَاثًا، بَانَتْ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِالثَّالِثَةِ، فَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لَهَا، أَوْ قَالَ لَهَا: إنْ تَكَلَّمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ طَلَاقِهَا إنَّمَا كَانَ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا.

[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ]

(5933) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا أَعَادَهُ مَرَّةً ثَالِثَةً، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا بَائِنٌ، فَلَمْ تَكُنْ إعَادَةُ هَذَا الْقَوْلِ حَلِفًا بِطَلَاقِهَا.
وَهِيَ غَيْرُ زَوْجِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، فَإِنَّ شَرْطَ طَلَاقِهِمَا الْحَلِفُ بِطَلَاقِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَ الْبَائِنِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: إنْ تَكَلَّمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَقَدْ قِيلَ: يَطْلُقَانِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِهَذَا حَالِفًا بِطَلَاقِهَا، وَقَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِإِعَادَةِ قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَطَلَقَتَا حِينَئِذٍ، يَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَذِهِ الَّتِي جَدَّدَ نِكَاحَهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَ إعَادَتِهِ الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ بَائِنٌ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الصِّفَةُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لَأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَحَلَفَ بِطَلَاقِهَا.
وَلَكِنْ تَطْلُقُ الْمَدْخُولُ بِهَا حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَحَلَفَ بِطَلَاقِ هَذِهِ حِينَئِذٍ، فَكَمَّلَ شَرْطَ طَلَاقِهَا.
فَطَلَقَتْ وَحْدَهَا.

[فَصْلٌ لَهُ امْرَأَتَانِ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ فَقَالَ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا فَعُمْرَة طَالِقٌ]

(5934) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ، فَقَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا فَعَمْرَةُ طَالِقٌ.
ثُمَّ أَعَادَهُ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا حَلِفٌ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ وَحْدَهَا فَلَمْ يُوجَدْ الْحَلِفُ بِطَلَاقِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا فَحَفْصَةُ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ عَمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِهِمَا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَى الْحَلِفِ بِطَلَاقِهِمَا، وَلَمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ لِأَنَّهُ مَا حَلَفَ بِطَلَاقِهِمَا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا، فَعَمْرَةُ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِطَلَاقِهِمَا، إنَّمَا حَلَفَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ وَحْدَهَا.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا، فَحَفْصَةُ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ حَفْصَةُ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.

[فَصْلٌ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَضَرَّتُك طَالِقٌ]

(5935) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك، فَضَرَّتُك طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ طَلَقَتْ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّ إعَادَتَهُ لِلثَّانِيَةِ هُوَ حَلِفٌ بِطَلَاقِ الْأُولَى، وَذَلِكَ شَرْطُ وُقُوعِ طَلَاقِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ إنْ أَعَادَ لِلْأُولَى، طَلَقَتْ، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَامْرَأَةٍ طَلَقَتْ، حَتَّى يَكْمُلَ لِلثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ، ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ لِلْأُولَى لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ

الثَّانِيَةَ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَلِفًا بِطَلَاقِهَا.
وَلَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَامْرَأَةٍ، ثُمَّ أَعَادَهُ لَهَا، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَلِفٍ بِطَلَاقِهَا، إنَّمَا هُوَ حَلِفٌ بِطَلَاقِ ضَرَّتِهَا، وَلَمْ يُعَلَّقْ عَلَى ذَلِكَ طَلَاقًا.
وَإِنْ قَالَ لِلْأُولَى؛ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.
طَلَقَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِلثَّانِيَةِ حَلِفٌ بِطَلَاقِهَا، وَشَرْطٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْأُولَى.
ثُمَّ إنْ أَعَادَهُ لِلْأُولَى.
طَلَقَتْ الثَّانِيَةُ، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ لَامْرَأَةٍ مِنْهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، طَلَقَتْ الْأُخْرَى.
فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فَطَلَقَتْ مَرَّةً، بَانَتْ، وَلَمْ تَطْلُقْ صَاحِبَتُهَا بِإِعَادَةِ ذَلِكَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَلِفٍ بِطَلَاقِهَا، لِكَوْنِهَا بَائِنًا، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ.
إنْ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا: إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك، فَهِيَ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.
ثُمَّ إنَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِإِحْدَاهُمَا، طَلَقَتْ الْأُخْرَى، ثُمَّ إنْ أَعَادَهُ لِلْأُخْرَى، طَلَقَتْ صَاحِبَتُهَا، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ لَامْرَأَةٍ، طَلَقَتْ الْأُخْرَى، إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا دُونَ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهَا إذَا بَانَتْ صَارَتْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَامْرَأَةٍ ابْتِدَاءً، ثُمَّ أَعَادَهُ لَهَا، طَلَقَتْ ضَرَّتُهَا بِكُلِّ إعَادَةٍ مَرَّةً، حَتَّى تَكْمُلَ الثَّلَاثُ.
وَإِنْ قَالَ لَامْرَأَةٍ: إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك، فَهِيَ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ فِي الْحَالِ.
ثُمَّ إنْ قَالَ لِلْأُولَى مِثْلَ مَا قَالَ لَهَا، أَوْ قَالَ لِلثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا قَالَ لَهَا طَلَقَتْ الثَّانِيَةُ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ، وَلَا يَقَعُ بِالْأُولَى بِهَذَا طَلَاقٌ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ.
وَلَوْ قَالَ لِلْأُولَى: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلثَّانِيَةِ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك فَهِيَ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ الْأُولَى، ثُمَّ مَتَى أَعَادَ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ مَرَّةً أُخْرَى، طَلَقَتْ الْأُولَى مَرَّةً ثَانِيَةً، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ، وَلَا يَقَعُ بِالثَّانِيَةِ بِهَذَا طَلَاقٌ.
وَلَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا: إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِك، فَضَرَّتُك طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَّقَ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْحَلِفِ بِطَلَاقِ الْأُولَى، وَلَمْ يَحْلِفْ بِطَلَاقِهَا.
وَلَوْ أَعَادَ ذَلِكَ لَهُمَا، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ لِلثَّانِيَةِ عَلَى الْقَوْلِ لِلْأُولَى، أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ.

[فَصْلٌ قَالَ كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ فَأُنْتِن طَوَالِقُ]

(5936) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَقَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ زَيْنَبَ فَعَمْرَةُ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ حَفْصَةَ فَزَيْنَبُ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ عَمْرَةُ.
وَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ زَيْنَبَ عَمْرَةَ، طَلَقَتْ حَفْصَةُ.
ثُمَّ مَتَى أَعَادَهُ

بَعْدَ ذَلِكَ طَلَقَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ زَيْنَبَ، فَنِسَائِي طَوَالِقُ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ عَمْرَةَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ حَفْصَةَ، فَنِسَائِي طَوَالِقُ.
طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ عَمْرَةَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ.
فَقَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَيْنَبَ بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَ نِسَائِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِطَلَاقِهَا، فَطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً، وَلَمَّا قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ حَفْصَةَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ.
فَقَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ وَزَيْنَبَ، فَطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً بِحَلِفِهِ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ، وَلَمْ يَقَعْ بِحَلِفِهِ بِطَلَاقِ زَيْنَبَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَنِثَ بِهِ مَرَّةً فَلَا يَحْنَثُ ثَانِيَةً.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ قَوْلِهِ: إنْ - كُلَّمَا، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ " كُلَّمَا " تَقْتَضِي التَّكْرَارَ.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ، فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ.
ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً، طَلَقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ بِإِعَادَتِهِ حَالِفٌ بِطَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَحَلِفُهُ بِطَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَرْطٌ لَطَلَاقِهِنَّ جَمِيعًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ، فَأَنْتُن طَوَالِقُ.
ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً؛ لِأَنَّ " إنْ " لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ.
وَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِحْدَاهُنَّ: إنْ قُمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً أُخْرَى.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِكُنَّ، فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ.
ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً.
وَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِحْدَاهُنَّ: إنْ قُمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ.
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِلِاثْنَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، طَلَقَ الْجَمِيعُ طَلْقَةً طَلْقَةً.

[فَصْلٌ قَالَ لُزُوجَتِهِ إنْ حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَعَبْدِي حُرٌّ]

(5937) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ: إنْ حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك، فَعَبْدِي حُرٌّ.
طَلَقَتْ.
ثُمَّ إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ حَلَفْت بِعِتْقِك، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
عَتَقَ الْعَبْدُ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ امْرَأَتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ.
ثُمَّ قَالَ لَهَا: إنْ حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
عَتَقَ الْعَبْدُ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ حَلَفْت بِعِتْقِك، فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ، عَتَقَ الْعَبْدُ.

[فَصْلٌ اُسْتُعْمِلَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ اسْتِعْمَالَ الْقَسَم]

(5938) فَصْلٌ: وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ اسْتِعْمَالَ الْقَسَمِ، جَوَابًا لَهُ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَأَقُومَنَّ.
وَقَامَ، لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ حَنِثَ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: يَقَعُ طَلَاقُهُ وَإِنْ قَامَ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَ طَلَاقًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَلِفٌ بَرَّ فِيهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنَّ أَخَاك لَعَاقِلٌ.

وَكَانَ أَخُوهَا عَاقِلًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، حَنِثَ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ أَخَاك لَعَاقِلٌ، وَإِنْ شُكَّ فِي عَقْلِهِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرَّغِيفَ.
فَأَكَلَهُ، حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا أَكَلْته.
وَكَانَ صَادِقًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، حَنِثَ كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْته.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا أَبُوك لَطَلَّقْتُك.
وَكَانَ صَادِقًا، لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا طَلَقَتْ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَأُكْرِمَنَّك.
طَلَقَتْ فِي الْحَالِ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ لَأَقُومَنَّ.
طَلَقَتْ الْمَرْأَةُ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ امْرَأَتِي، فَعَبْدِي حُرٌّ.
ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَقَدْ صُمْت أَمْسِ.
عَتَقَ الْعَبْدِ.

[فَصْلٌ قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ كُلَّمَا طَلَّقْت ضَرَّتِك فَأَنْتِ طَالِقٌ]

(5939) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: إنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَعَمْرَةُ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ طَلَّقْت عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ.
ثُمَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ.
طَلَقَتَا مَعًا؛ حَفْصَةُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَعَمْرَةُ بِالصِّفَةِ، وَلَمْ تَزِدْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى طَلْقَةٍ.
وَإِنْ بَدَأَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَطَلَقَتْ حَفْصَةُ طَلْقَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ حَفْصَةَ طَلَقَتْ عَمْرَةُ بِالصِّفَةِ؛ لِكَوْنِهِ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى طَلَاقِ حَفْصَةَ، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى حَفْصَةَ طَلَاقٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَحْدَثَ فِي عَمْرَةَ طَلَاقًا، إنَّمَا طَلَقَتْ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ عَلَى تَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا.
وَإِنْ بَدَأَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ، طَلَقَتْ حَفْصَةُ؛ لِكَوْنِ طَلَاقِهَا مُعَلَّقًا عَلَى طَلَاقِ عَمْرَةَ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا تَطْلِيقٌ مِنْهُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهَا طَلَاقًا، بِتَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَى تَطْلِيقِ عَمْرَةَ، بَعْدَ قَوْلِهِ: إنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَعَمْرَةُ طَالِقٌ.
وَمَتَى وُجِدَ التَّعْلِيقُ وَالْوُقُوعُ مَعًا، فَهُوَ تَطْلِيقٌ.
فَإِنْ وُجِدَا مَعًا بَعْدَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِطَلَاقِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِطَلَاقِهَا.
وَطَلَاقُ عَمْرَةَ هَاهُنَا مُعَلَّقٌ بِطَلَاقِهَا، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِوُقُوعِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِعَمْرَةَ: كُلَّمَا طَلَّقْت حَفْصَةَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ: كُلَّمَا طَلَّقْت عَمْرَةَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِعَمْرَةَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَطَلَقَتْ حَفْصَةُ طَلْقَةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ابْتِدَاءً، لَمْ يَقَعْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَالَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءً، فَإِنَّهُ بَدَأَ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ عَمْرَةَ عَلَى تَطْلِيقِ حَفْصَةَ، ثُمَّ ثَنَّى بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ حَفْصَةَ عَلَى تَطْلِيقِ عَمْرَةَ.
وَلَوْ قَالَ لِعَمْرَةَ: إنْ طَلَّقْتُك، فَحَفْصَةُ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ: إنْ طَلَّقْتُك، فَعَمْرَةُ طَالِقٌ.
ثُمَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَطَلَقَتْ عَمْرَةُ طَلْقَةً.
وَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً؛ لِأَنَّهَا عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا.
ذَكَر هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ ". وَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: كُلَّمَا طَلَّقْت ضَرَّتَكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ

ذَلِكَ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُولَى، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَطَلَقَتْ الثَّانِيَةُ طَلْقَةً.
وَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَةَ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَضَرَّتُك طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُولَى، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً طَلْقَةً.
وَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَةَ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَطَلَقَتْ الْأُولَى طَلْقَةً، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.

[فَصْل قَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَلَّمَا طَلَقَتْ إحْدَى ضَرَّتَيْك، فَأَنْتِ طَالِقٌ]

(5940) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ: إنْ طَلَّقْت زَيْنَبَ فَعَمْرَة طَالِقٌ، وَإِنْ طَلَّقْت عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَزَيْنَبُ طَالِقٌ.
ثُمَّ طَلَّقَ زَيْنَبَ، طَلَقَتْ عَمْرَةُ، وَلَمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَحْدَثَ فِي عَمْرَةَ طَلَاقًا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِ حَفْصَةَ بِتَطْلِيقِهَا، وَإِنَّمَا طَلَقَتْ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَكُونُ وُقُوعًا لِلطَّلَاقِ، وَلَيْسَ بِتَطْلِيقِ.
وَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلَقَتْ حَفْصَةُ، وَلَمْ تَطْلُقْ زَيْنَبُ لِذَلِكَ.
وَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ، طَلَقَتْ زَيْنَبُ، ثُمَّ طَلَقَتْ عَمْرَةُ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِي زَيْنَبَ طَلَاقًا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَ عَمْرَةَ بِطَلَاقِهَا، فَإِنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَطْلِيقِ حَفْصَةَ، ثُمَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ، وَالتَّعْلِيقُ مَعَ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ تَطْلِيقٌ، وَقَدْ وُجِدَ التَّعْلِيقُ وَشَرْطُهُ مَعًا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَ عَمْرَةَ بِتَطْلِيقِهَا، فَكَانَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِزَيْنَبِ تَطْلِيقًا، فَطَلَقَتْ بِهِ عَمْرَةُ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَإِنْ قَالَ لِزَيْنَبِ: إنْ طَلَّقْت عَمْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِعَمْرَةَ: إنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ: إنْ طَلَّقْت زَيْنَبَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ طَلَّقَ زَيْنَبَ، طَلَقَ الثَّلَاثُ؛ زَيْنَبُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَحَفْصَةُ بِالصِّفَةِ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِحَفْصَةَ تَطْلِيقٌ لَهَا، وَتَطْلِيقُهَا شَرْطُ طَلَاقِ عَمْرَةَ، فَتَطْلُقُ بِهِ أَيْضًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَطْلِيقٌ لِحَفْصَةَ، أَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهَا طَلَاقًا، بِتَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَى تَطْلِيقِ زَيْنَبَ، بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِ عَمْرَةَ بِتَطْلِيقِهَا، وَتَحَقُّقِ شَرْطِهِ، وَالتَّعْلِيقُ مَعَ شَرْطِهِ تَطْلِيقٌ، وَقَدْ وُجِدَا مَعًا بَعْدَ جَعْلِ تَطْلِيقِهَا صِفَةً لِطَلَاقِ عَمْرَةَ.
وَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلَقَتْ هِيَ وَزَيْنَبُ، وَلَمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ.
وَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ، طَلَقَتْ هِيَ وَعَمْرَةُ، وَلَمْ تَطْلُقْ زَيْنَبُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ قَالَ لِزَيْنَبِ: إنَّ طَلَّقْتُك فَضَرَّتَاكِ طَالِقَتَانِ، ثُمَّ قَالَ لِعَمْرَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ طَلَّقَ زَيْنَبَ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي غَيْرِ زَيْنَبَ طَلَاقًا، إنَّمَا طَلَقَتَا بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِطَلَاقِهَا.
وَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ، طَلَقَتْ زَيْنَبُ طَلْقَةً، وَطَلَقَتْ عَمْرَةُ وَحَفْصَةُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عَمْرَةَ طَلَقَتْ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ، وَطَلَقَتْ زَيْنَبُ وَحَفْصَةُ بِطَلَاقِهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَطَلَاقُ زَيْنَبَ تَطْلِيقٌ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِهَا بِصِفَةٍ أَحْدَثَهَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهِمَا بِتَطْلِيقِهَا، فَعَادَ عَلَى عَمْرَةَ وَحَفْصَةَ بِذَلِكَ طَلْقَتَانِ، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى زَيْنَبَ بِطَلَاقِهِمَا طَلَاقٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهَا طَلَقَتْ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ، فَطَلَقَتْ بِهَا ضَرَّتَاهَا، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَطْلِيقٌ، لِأَنَّهُ بِصِفَةٍ أَحْدَثَهَا فِيهِمَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِطَلَاقِهِمَا، فَعَادَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةٌ، فَكَمُلَ لَهَا ثَلَاثٌ، وَطَلَقَتْ عَمْرَةُ طَلْقَتَيْنِ، وَاحِدَةً بِتَطْلِيقِ حَفْصَةَ، وَأُخْرَى بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى زَيْنَبَ؛ لِأَنَّهُ تَطْلِيقٌ لِزَيْنَبِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ،

وَطَلَقَتْ زَيْنَبُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ طَلَاقَ ضَرَّتِهَا بِالصِّفَةِ، لَيْسَ بِتَطْلِيقٍ فِي حَقِّهَا.
وَإِنْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: كُلَّمَا طَلَقَتْ إحْدَى ضَرَّتَيْك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ طَلَّقَ الْأُولَى، طَلَقَتْ ثَلَاثًا، وَطَلَقَتْ الثَّانِيَةُ طَلْقَتَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ طَلْقَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ تَطْلِيقَهُ لِلْأُولَى شَرْطٌ لِطَلَاقِ ضَرَّتَيْهَا، وَوُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهِمَا تَطْلِيقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا، لِكَوْنِهِ وَاقِعًا بِصِفَةٍ أَحْدَثَهَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِطَلَاقِهِمَا، فَعَادَ عَلَيْهَا مِنْ تَطْلِيقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً، فَكَمُلَ لَهَا الثَّلَاثُ، وَعَادَ عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ طَلَاقِ الثَّالِثَةِ طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى الثَّالِثَةِ مِنْ طَلَاقِهِمَا الْوَاقِعِ بِالصِّفَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَطْلِيقٍ فِي حَقِّهَا.
وَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَةَ طَلَقَتْ أَيْضًا طَلْقَتَيْنِ، وَطَلَقَتْ الْأُولَى ثَلَاثًا، وَالثَّالِثَةُ طَلْقَةً.
وَإِنْ طَلَّقَ الثَّالِثَةَ، طَلَقَتْ الْأُولَى طَلْقَتَيْنِ، وَطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَاقِيَتَيْنِ طَلْقَةً طَلْقَةً.

[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنَّ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ قَالَ لِعَبَدَةِ إنْ قُمْت فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَقَامَ]

(5941) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ.
ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ قُمْت فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
فَقَامَ، طَلَقَتْ الْمَرْأَةُ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ قُمْتَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ.
فَقَامَ الْعَبْدُ، طَلَقَتْ الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالصِّفَةِ إنَّمَا يَكُونُ تَطْلِيقًا مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ، فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى وُجِدَتْ الصِّفَةُ وَالْوُقُوعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ.
وَفِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْوُقُوعُ وَحْدَهُ، فَكَانَتْ الصِّفَةُ سَابِقَةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْتَقْتُك فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَعَبْدِي حُرٌّ.
ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ لَمْ أَضْرِبْك فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
عَتَقَ الْعَبْدُ، وَطَلَقَتْ الْمَرْأَةُ.

[فَصْلٌ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى صِفَات فَاجْتَمَعْنَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ]

(5942) فَصْلٌ: وَمَتَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى صِفَاتٍ، فَاجْتَمَعْنَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَقَعَ بِكُلِّ صِفَةٍ مَا عُلِّقَ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ مُفْتَرِقَةً، وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ، فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ كَلَّمْت طَوِيلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ كَلَّمْت أَسْوَدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَكَلَّمَتْ رَجُلًا أُسُودَ طَوِيلًا، طَلَقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ وَلَدْتِ بِنْتًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ وَلَدْتِ سَوْدَاءَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَوَلَدَتْ بِنْتًا سَوْدَاء، طَلَقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً، طَلَقَتْ اثْنَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً، طَلَقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَفِي الرُّمَّانَةِ نِصْفَانِ، فَتَطْلُقُ بِأَكْلِهِمَا طَلْقَتَيْنِ، وَبِأَكْلِ الرُّمَّانَةِ طَلْقَةً.
فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: نِصْفَ رُمَّانَةٍ.
نِصْفًا مُفْرَدًا عَنْ الرُّمَّانَةِ الْمَشْرُوطَةِ، أَوْ كَانَتْ مَعَ الْكَلَامِ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل