المغني لابن قدامةصفحات 388-7
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 388-7
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[فَصْلٌ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِجَارِهِ]

(3551) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِجَارِهِ، نَحْو أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ حَمَّامًا بَيْنَ الدُّورِ، أَوْ يَفْتَحَ خَبَّازًا بَيْنَ الْعَطَّارِينَ، أَوْ يَجْعَلَهُ دُكَّانَ قِصَارَةٍ يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيُخَرِّبُهَا، أَوْ يَحْفِرَ بِئْرًا إلَى جَانِبِ بِئْرِ جَارِهِ يَجْتَذِبُ مَاءَهَا.
وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَة أُخْرَى: لَا يُمْنَعُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ طَبَخَ فِي دَارِهِ أَوْ خَبَزَ فِيهَا، وَسَلَّمُوا أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الدَّقِّ الَّذِي يَهْدِمُ الْحِيطَانَ وَيَنْثِرُهَا.
وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَلِأَنَّ هَذَا إضْرَارٌ بِجِيرَانِهِ، فَمُنِعَ مِنْهُ، كَالدَّقِّ الَّذِي يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيَنْثِرُهَا، وَكَسَقْيِ الْأَرْضِ الَّذِي يَتَعَدَّى إلَى هَدْمِ حِيطَانِ جَارِهِ، أَوْ إشْعَالِ نَارٍ تَتَعَدَّى إلَى إحْرَاقِهَا.
قَالُوا: هَاهُنَا تَعَدَّتْ النَّارُ الَّتِي أَضْرَمَهَا، وَالْمَاءُ الَّذِي أَرْسَلَهُ، فَكَانَ مُرْسِلًا لِذَلِكَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْسَلَهُ إلَيْهَا قَصْدًا.
قُلْنَا: وَالدُّخَانُ هُوَ أَجْزَاءُ الْحَرِيقِ الَّذِي أَحْرَقَهُ، فَكَانَ مُرْسِلًا لَهُ فِي مِلْكِ جَارِهِ، فَهُوَ كَأَجْزَاءِ النَّارِ وَالْمَاءِ.
وَأَمَّا دُخَانُ الْخُبْزِ وَالطَّبِيخِ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَتَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ.

[فَصْلٌ كَانَ سَطْح أَحَدِهِمَا أَعْلَى مِنْ سَطْحِ الْآخَرَ]

(3552) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ سَطْحُ أَحَدِهِمَا أَعْلَى مِنْ سَطْحِ الْآخَرَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَعْلَى الصُّعُودُ عَلَى سَطْحِهِ عَلَى وَجْهٍ يُشْرِفُ عَلَى سَطْحِ جَارِهِ، إلَّا أَنْ يَبْنِيَ سُتْرَةً تَسْتُرُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ عَمَلُ سُتْرَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا، فَلَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ، كَالْأَسْفَلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إضْرَارٌ بِجَارِهِ، فَمُنِعَ مِنْهُ، كَدَقِّ يَهُزُّ الْحِيطَانَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ جَارَهُ، وَيَطَّلِعُ عَلَى حُرُمِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ صِيرِ بَابِهِ أَوْ خَصَاصِهِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ إلَيْك، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ» . وَيُفَارِقُ الْأَسْفَلَ؛ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لَا يَضُرُّ بِالْأَعْلَى، وَلَا يَكْشِفُ دَارِهِ.

[فَصْلٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَرْصَةُ حَائِطٍ فَاتَّفَقَا عَلَى قَسْمِهَا طُولًا]

(3553) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَرْصَةُ حَائِطٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى قَسْمَهَا طُولًا، جَازَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قَسْمِهَا طُولًا أَوْ عَرْضًا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُمَا، وَلَا تَخْرُجُ عَنْهُمَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا طُولًا وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ نِصْفُ الطُّولِ فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ، وَلِلْآخَرِ مِثْلُهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ.
فَإِذَا اقْتَسَمَا اقْتَرَعَا، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَخْرُجُ بِهِ الْقُرْعَةُ، فَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَبْنِيٍّ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبْنِيَ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُدْخِلَ بَعْضَ

عَرْصَتِهِ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَزِيدَ فِي حَائِطِهِ مِنْ عَرْصَتِهِ فَعَلَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ اخْتِصَاصَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضِ الْحَائِطِ الْمُقَابِلِ لِمِلْكِ شَرِيكِهِ، وَزَوَالَ مِلْكِ شَرِيكِهِ، فَيَتَضَرَّرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَائِطٍ يَسْتُرُ مِلْكَهُ، وَرُبَّمَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَبْنِيَ حَائِطَهُ، فَيَبْقَى مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكْشُوفًا، أَوْ يَبْنِيه وَيَمْنَعُ جَارَهُ مِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا ضَرَرٌ لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا تَمَكَّنَ أَيْضًا مِنْ مَنْعِ شَرِيكِهِ وَضْعَ خَشَبِهِ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ رَسْمُ وَضْعِ خَشَبِهِ، أَوْ انْتِفَاعٌ بِهِ، لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْ رَسْمِهِ، وَهَا هُنَا يَمْلِكُ مَنْعَهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَأَمَّا إنْ طَلَبَ قَسْمَهَا عَرْضًا، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْعَرْضِ فِي كَمَالِ الطُّولِ، نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَتْ الْعَرْصَةُ لَا تَتَّسِعُ لِحَائِطَيْنِ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهَا عَرْصَةٌ، فَأُجْبِرَ عَلَى قَسْمِهَا، كَعَرْصَةِ الدَّارِ.
وَلَنَا، أَنَّ فِي قَسْمِهَا ضَرَرًا، فَلَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا عَلَيْهِ، كَالدَّارِ الصَّغِيرَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ تَتَّسِعُ لِحَائِطَيْنِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَبْنِي فِيهِ حَائِطًا، فَفِي إجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي الْقِسْمَةِ؛ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، فَأَشْبَهَ عَرْصَةَ الدَّارِ الَّتِي يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَبْنِي فِيهِ دَارًا.
وَالثَّانِي، لَا يُجْبَرُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَا تَقَعُ فِيهَا قُرْعَةٌ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، لَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَخْرُجَ قُرْعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَلِي مِلْكَ جَارِهِ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَلَوْ أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الْقِسْمَةِ لَأَجْبَرْنَاهُ عَلَى أَخْذِ مَا يَلِي دَارِهِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
وَمَتَى اقْتَسَمَا الْعَرْصَةَ طُولًا، فَبَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ حَائِطًا، وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ، لَمْ يُجْبَرْ أَحَدُهُمَا عَلَى سَدِّهَا، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ سَدِّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى بِنَاءِ الْحَائِطِ فِي عَرْصَتِهِ.

[فَصْلٌ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ فَاتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهِ طُولًا]

(3554) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، فَاتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهِ طُولًا، جَازَ، وَيُعَلَّمُ بَيْنَ نَصِيبِهِمَا بِعَلَامَةٍ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهِ عَرْضًا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَأَشْبَهَ الْعَرْصَةَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِتَمْيِيزِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَهَا هُنَا لَا يَتَمَيَّزُ، وَلَا يُمْكِنُ انْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِهِ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ إنْ وَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْ الْحَائِطِ، كَانَ ثِقْلُهُ عَلَى الْحَائِطِ كُلِّهِ، وَإِنْ فَتَحَ فِيهِ طَاقًا يُضْعِفُهُ، ضَعُفَ كُلُّهُ، وَإِنْ وَقَعَ بَعْضُهُ، تَضَرَّرَ النَّصِيبُ الْآخَرُ.
وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسَمَهُ وَأَبَى الْآخَرُ، فَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَائِطِ

كَالْحُكْمِ فِي عَرْصَتِهِ، سَوَاءٌ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَسْمِ الْحَائِطِ، إلَّا أَنْ يَطْلُبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهُ طُولًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى قَسْمِهِ أَيْضًا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ قَطَعَاهُ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ أَتْلَفَا جُزْءًا مِنْ الْحَائِطِ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَطْعَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ وَعَلَّمَا عَلَامَةَ عَلَى نِصْفِهِ، كَانَ انْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِهِ انْتِفَاعًا بِنَصِيبِ الْآخَرِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَسْمِ الدَّارِ وَقَسْمِ حَائِطِهَا الْمُحِيطِ بِهَا، وَكَذَلِكَ قَسْمِ الْبُسْتَانِ وَحَائِطِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ الْمُضِرِّ، بَلْ يُعَلِّمُهُ بِخَطِّ بَيْنَ نَصِيبِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ انْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِ الْآخَرِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ، بِدَلِيلِ الْحَائِطِ الْمُتَّصِلِ فِي دَارَيْنِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَاب الْحَوَالَة]

ِ وَالضَّمَانِ الْحَوَالَةُ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الْحَوَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاشْتِقَاقِهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا بَيْعٌ، فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الرِّفْقِ، فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَقْدُ إرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ، لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا جَازَتْ، لِكَوْنِهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَّا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالِ الرَّبَّا بِجِنْسِهِ.
وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَلَجَازَتْ بَيْنَ جِنْسَيْنِ، كَالْبَيْعِ كُلِّهِ.
وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ لَا بِالْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ.
وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُحِيلٍ وَمُحْتَالٍ وَمُحَالٍ عَلَيْهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رِضَى الْمُحِيلِ، بِلَا خِلَافٍ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةُ قَضَائِهِ.
وَأَمَّا الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَسْأَلَةٌ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْحَقِّ]

(3555) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْحَقِّ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيلُ أَبَدًا) . مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا، تَمَاثُلُ الْحَقَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَحْوِيلٌ لِلْحَقِّ وَنَقْلٌ لَهُ، فَيُنْقَلُ عَلَى صِفَتِهِ، وَيُعْتَبَرُ تَمَاثُلُهُمَا فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا، الْجِنْسُ.
فَيُحِيلُ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، وَمَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ.
وَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِذَهَبٍ، لَمْ يَصِحَّ.
الثَّانِي، الصِّفَةُ.
فَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ صِحَاحٌ بِمُكَسَّرَةٍ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ مِصْرِيَّةٌ بِأَمِيرِيَّةٍ، لَمْ يَصِحَّ.

الثَّالِثُ، الْحُلُولُ وَالتَّأْجِيلُ.
وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ أَجَلِ الْمُؤَجَّلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا، أَوْ أُجِّلَ أَحَدُهُمَا إلَى شَهْرٍ وَالْآخَرُ إلَى شَهْرَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ.
وَلَوْ كَانَ الْحَقَّانِ حَالَّيْنِ، فَشَرَطَ عَلَى الْمُحْتَالِ أَنْ يَقْبِضَ حَقَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَتَأَجَّلُ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ مَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ؛ فَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَهُ.
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ، وَصَحَّتْ الْحَوَالَةُ، وَتَرَاضَيَا بِأَنْ يَدْفَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْ حَقِّهِ، أَوْ رَضِيَ الْمُحْتَالُ بِدُونِ الصِّفَةِ، أَوْ رَضِيَ مَنْ عَلَيْهِ الْمُؤَجَّلُ بِتَعْجِيلِهِ، أَوْ رَضِيَ مَنْ لَهُ الْحَالُ بِإِنْظَارِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، فَفِي الْحَوَالَةِ أَوْلَى.
وَإِنْ مَاتَ الْمُحِيلُ، أَوْ الْمُحَالُ، فَالْأَجَلُ بِحَالِهِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَفِي حُلُولِ الْحَقِّ رِوَايَتَانِ، مَضَى ذِكْرُهُمَا.
الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ.
وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يُحِيلَ بِدَيْنٍ [غَيْرِ] مُسْتَقِرٍّ، إلَّا أَنَّ السَّلَمَ لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ لَيْسَ بِمُسْتَقَرٍّ لِكَوْنِهِ بِعَرْضِ الْفَسْخِ، لِانْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ إلَّا فِيمَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَالسَّلَمُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» . وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ، وَيَسْقُطُ بِعَجْزِهِ.
وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ غَيْرِ دَيْنٍ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ فِي الْمُدَايِنَات.
وَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ بِنَجْمٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ، صَحَّ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُكَاتَبِ بِالْحَوَالَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ.
وَإِنْ أَحَالَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ.
وَإِنْ أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِهِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَهُ تَسْلِيمَهُ إلَيْهَا، وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ.
وَإِنْ أَحَالَتْ بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ.
وَإِنْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَمْ يَصِحَّ، فِي قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِهِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ، وَلَهُ الْوَفَاءُ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ.
وَإِنْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَتْ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ ثَابِتًا مُسْتَقِرًّا، وَالْبَيْعُ كَانَ لَازِمًا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْجَوَازُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُشْتَرِي.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْجَوَازِ عَيْبُ الْمَبِيعِ، وَقَدْ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْحَوَالَةِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بِهِ، ثُمَّ سَقَطَ الدَّيْنُ، كَالزَّوْجَةِ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ الْمُشْتَرِي يَفْسَخُ الْبَيْعَ وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَبْطُلُ الْحَوَالَةَ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي بَقَائِهَا، وَيَرْجِعُ الْمُحِيلُ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي، لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ عَنْ الْمُحِيلِ، فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ، وَثَبَتَ لِلْمُحْتَالِ فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، فَكَأَنَّ الْمُحِيلَ أَقْبَضَ الْمُحْتَالَ دَيْنَهُ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ، وَيَأْخُذُ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.

وَسَوَاءٌ تَعَذَّرَ الْقَبْضُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ يَبْطُلْ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَيَرْجِعُ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحْتَالِ بِهِ.
(3556) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ رَجُلًا عَلَى آخَرَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَوَالَةٍ، بَلْ هِيَ وَكَالَةٌ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُهَا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَحَوُّلِ الْحَقِّ وَانْتِقَالِهِ، وَلَا حَقَّ هَاهُنَا يَنْتَقِلُ وَيَتَحَوَّلُ، وَإِنَّمَا جَازَتْ الْوَكَالَةُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى؛ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْوَكِيلِ مُطَالَبَةَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، كَاسْتِحْقَاقِ الْمُحْتَالِ مُطَالَبَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَتَحُولُ ذَلِكَ إلَى الْوَكِيلِ كَتَحَوُّلِهِ إلَى الْمُحِيلِ.
وَإِنْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَتْ حَوَالَةً أَيْضًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
فَلَا يَلْزَمُهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، وَلَا الْمُحْتَالُ قَبُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُعَاوَضَةٌ، وَلَا مُعَاوَضَةَ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِرَاضٌ.
فَإِنْ قَبَضَ الْمُحْتَالُ مِنْهُ الدَّيْنَ، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا، لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّهَا بَرَاءَةُ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ الدَّيْنَ، ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ، رَجَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَرِمَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا عَادَ إلَيْهِ الْمَالُ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ مَا غَرِمَ عَنْهُ شَيْئًا.
وَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنٍ عَلَيْهِ فَهِيَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ وَلَيْسَتْ حَوَالَةً، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِدَيْنٍ عَلَى دَيْنٍ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(3557) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ تَكُونَ بِمَالٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بَيْعًا فَلَا تَصِحُّ فِي مَجْهُولٍ، وَإِنْ كَانَتْ تُحَوِّلُ الْحَقَّ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّسْلِيمُ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْهُ، فَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ فِي الذِّمَّةِ بِالْإِتْلَافِ مِنْ الْأَثْمَانِ وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، وَلَا تَصِحُّ فِيمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَمِنْ شَرْطِ الْحَوَالَةِ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ، فَأَمَّا مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَّمَا غَيْرَ الْمِثْلِيَّاتِ، كَالْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ، فَفِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ فِيهِ لَا يَتَحَرَّرُ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ فِي الْإِتْلَافِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: تَصِحُّ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، فَأَشْبَهَ مَالَهُ مِثْلٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يَقْتَضِي بِهِ قَرْضَ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ الدِّيَةِ وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا فِي السِّنِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ لَيْسَتْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي تُضْمَنُ بِمِثْلِهَا فِي الْإِتْلَافِ، وَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا.
فِي رِوَايَةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ دِيَةٍ، وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا قَرْضًا، فَأَحَالَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَرُدُّ فِي الْقَرْضِ قِيمَتَهَا.
لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةِ؛ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
وَإِنْ

قُلْنَا: يَرُدُّ مِثْلَهَا.
اقْتَضَى قَوْلُ الْقَاضِي صِحَّةَ الْحَوَالَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ عَلَى صِفَتِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْخِيرَةَ فِي التَّسْلِيمِ إلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَقَدْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ، فَاحْتَالَ الْمُقْرِضُ بِإِبِلِ الدِّيَةِ، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا: تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْقَرْضِ.
فَقَدْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْمِثْلُ.
فَلِلْمُقْرِضِ مِثْلُ مَا أَقْرَضَ فِي صِفَاتِهِ وَقِيمَتِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدِّيَةُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
(3558) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ، أَنْ يُحِيلَ بِرِضَائِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ الْحَوَالَةِ وَصَحَّتْ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْحَوَالَةَ بَرَاءَةً إلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ.
وَعَنْ زَفَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَنْقُلُ الْحَقَّ.
وَأَجْرَاهَا مَجْرَى الضَّمَانِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ، فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ ضَمِّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ.
فَعُلِّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُقْتَضَاهُ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ.
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ، فَمَتَى رَضِيَ بِهَا الْمُحْتَالُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْيَسَارَ، لَمْ يَعُدْ الْحَقُّ إلَى الْمُحِيلِ أَبَدًا، سَوَاءٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ، أَوْ تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أَوْ فَلَسٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُحْتَالُ بِذَلِكَ، فَلَهُ الرُّجُوعُ، إلَّا أَنْ يَرْضَى بَعْدَ الْعِلْمِ.
وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْفَلَسَ عَيْبٌ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً، وَلِأَنَّ الْمُحِيلَ غَرَّهُ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْمَبِيعَ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ: مَتِّي أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ، رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي حَالَيْنِ؛ إذَا مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَإِذَا جَحَدَهُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أُحِيلَ بِحَقِّهِ، فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَقَالَ: يَرْجِعُ بِحَقِّهِ، لَا تَوَى عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَمْ يَسْلَمْ الْعِوَضُ فِيهِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ اعْتَاضَ بِثَوْبٍ فَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، كَانَ لَهُ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَيْنٌ، فَأَحَالَهُ بِهِ، فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اخْتَرْت عَلَيْنَا، أَبْعَدَك اللَّهُ.
فَأَبْعَدَهُ بِمُجَرَّدِ احْتِيَالِهِ، وَلَمْ يُخْبِرُهُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ.
وَلِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا رُجُوعٌ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ لَمْ يَصِحَّ، يَرْوِيه خَالِدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ

مِنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: فِي حَوَالَةٍ أَوْ كَفَالَةٍ.
وَهَذَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، وَلَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ كَانَ قَوْلُ عَلِيٍّ مُخَالِفًا لَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مُعَاوَضَةٌ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى بَيْعِ الدَّيْنِ، بِالدَّيْنِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَيُفَارِقُ الْمُعَاوَضَةَ بِالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَبْضًا يَقِفُ اسْتِقْرَارُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا الْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، وَإِلَّا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.

[فَصْلٌ شَرَطَ مُلَاءَة الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَبَانَ مُعْسِرًا]

(3559) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ مُلَاءَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَبَانَ مُعْسِرًا، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ.
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تُرَدُّ بِالْإِعْسَارِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُلَاءَةَ، فَلَا تُرَدُّ بِهِ، وَإِنْ شَرَطَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ كَوْنَهُ مُسْلِمًا، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ بِالْإِعْسَارِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . وَلِأَنَّهُ شَرَطَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَيَثْبُتُ الْفَسْخُ بِفَوَاتِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ صِفَةً فِي الْمَبِيعِ، وَقَدْ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ مَا لَا يَثْبُتُ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ.

[فَصْلٌ لَمْ يَرْضَ الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ]

(3560) فَصْلٌ: وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ، ثُمَّ بَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ مَيِّتًا، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ، بِلَا خِلَافٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَالُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، وَإِنَّمَا «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ إذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ» وَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ فَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى أَعْسَرَ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا، عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِكَوْنِهِ اشْتَرَطَ فِي بَرَاءَةِ الْمُحِيل إبْدَاءَ رِضَى الْمُحْتَالِ.

[مَسْأَلَةٌ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ]

(3561) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَالَ) الْمَلِيءُ: هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الْوَفَاءِ.
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ الْمَلِيءَ غَيْرَ الْمُعْدِمِ.» وَقَالَ الشَّاعِرُ: تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيئَة ... وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا يَعْنِي قَادِرَةٌ عَلَى وَفَائِي.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ بِالْمَلِيءِ هَاهُنَا الْقَادِرَ عَلَى الْوَفَاءِ غَيْرَ الْجَاحِدِ وَلَا الْمُمَاطِلِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي تَفْسِيرِ الْمَلِيءِ، كَأَنَّ الْمَلِيءَ عِنْدَهُ، أَنْ يَكُونَ مَلِيًّا بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ وَنَحْو هَذَا.
فَإِذَا أُحِيلَ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَزِمَ الْمُحْتَالَ وَالْمُحَالَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَيُعْتَبَرُ الرِّضَا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِالدَّيْنِ عَرْضًا.

فَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَالُ عَدُوَّهُ.
وَلِلشَّافِعِي فِي اعْتِبَارِ رِضَائِهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ.
وَهُوَ يَحْكِي عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ تَتِمُّ بِهِ الْحَوَالَةُ، فَأَشْبَهَ الْمُحِيلَ.
وَالثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَالتَّوْكِيلِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وَلِأَنَّ لِلْمُحِيلِ أَنْ يُوَفِّيَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ، وَقَدْ أَقَامَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّقْبِيضِ فَلَزِمَ الْمُحَالَ الْقَبُولُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي إبْقَائِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ عَرْضًا؛ لِأَنَّهُ يُعْطِيه غَيْرَ مَا وَجَبَ لَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ.

[فَصْلٌ أُحَال رَجُلًا عَلَى زَيْدٍ بِأَلْفِ فَأُحَالَهُ زَيْدٌ بِهَا عَلَى عَمْرٍو]

(3562) فَصْلٌ: إذَا أَحَالَ رَجُلًا عَلَى زَيْدٍ بِأَلْفٍ، فَأَحَالَهُ زَيْدٌ بِهَا عَلَى عَمْرٍ فَالْحَوَالَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الثَّانِي ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ، فَصَحَّ أَنْ يُحِيلَ بِهِ، كَالْأَوَّلِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَحَالَ الرَّجُلُ عَمْرًا عَلَى زَيْدٍ بِمَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، صَحَّ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَتَكَرُّرُ الْمُحْتَالِ وَالْمُحِيلِ لَا يَضُرُّ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدًا فَأُحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ]

(3563) فَصْلٌ: إذَا اشْتَرَى عَبْدًا، فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ حُرِّيَّته بِبَيِّنَةٍ أَوْ اتِّفَاقِهِمْ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى حُرِّيَّته، وَكَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ، وَلَا بَيِّنَةَ بِذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ حَقَّهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ، ثُمَّ اعْتَرَفَ هُوَ وَبَائِعُهُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً، لَمْ تُسْمَعْ؛ لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِدُخُولِهِمَا فِي التَّبَايُعِ.
وَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهِ، قُبِلَتْ، وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ.
وَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمُحْتَالُ، وَادَّعَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ، وَهُمَا يَدَّعِيَانِ بُطْلَانَهَا، فَكَانَتْ جَنْبَتُهُ أَقْوَى.
فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَتْ بِالثَّمَنِ، قُبِلَتْ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُكَذِّبَاهَا.
وَإِنْ اتَّفَقَ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ، وَكَذَّبَهُمَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ؛ لِاتِّفَاقِ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ وَالرَّاجِعِ بِهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ يَعْتَرِفُ لِلْمُحْتَالِ بِدَيْنٍ لَا يُصَدِّقُهُ فِيهِ، فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ عَتَقَ؛ لِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ مَعَهُ فِي الْحَوَالَةِ اعْتِرَافٌ بِبَرَاءَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى آخَرَ]

(3564) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى آخَرَ، فَقَبَضَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ بِعَيْبٍ، أَوْ مُقَايَلَةٍ، أَوْ اخْتِلَافٍ فِي ثَمَنٍ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ بِإِذْنِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ.
وَإِنْ رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ، وَيَعُودُ الْمُشْتَرِي إلَى ذِمَّةِ

الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَيَبْرَأُ الْبَائِعُ، فَلَا يَبْقَى لَهُ دَيْنٌ وَلَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ سَقَطَ بِالْفَسْخِ، فَيَجِبُ أَنْ تَبْطُلَ الْحَوَالَةُ لِذَهَابِ حَقِّهِ مِنْ الْمَالِ الْمُحَالِ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَوَّضَ الْبَائِعَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مَالَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ حَقَّهُ إلَيْهِ نَقْلًا صَحِيحًا، وَبَرِئَ مِنْ الثَّمَنِ، وَبَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ بِالثَّمَنِ ثَوْبًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، فَسَخَ الْعَقْدَ، لَمْ يَرْجِعْ بِالثَّوْبِ، كَذَا هَاهُنَا.
فَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِ الْحَوَالَةِ، رَجَعَ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْبَائِعِ مُعَامَلَةٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ.
رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَيَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ عَادَ الْبَائِعُ فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ، صَحَّ وَبَرِئَ الْبَائِعُ، وَعَادَ الْمُشْتَرِي إلَى غَرِيمِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَكِنْ أَحَالَ الْبَائِعُ أَجْنَبِيًّا عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ رَدَّ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ، فَفِي الْحَوَالَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمُشْتَرِي بَرِئَتْ بِالْحَوَالَةِ مِنْ حِقَّ الْبَائِعَ، وَصَارَ الْحَقُّ عَلَيْهِ لِلْأَجْنَبِيِّ الْمُحْتَالِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْمُحِيلِ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَيُسَلِّمُ إلَى الْمُحْتَالِ مَا أَحَالَهُ بِهِ.
وَالثَّانِي، تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ إنْ كَانَ الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ، لِسُقُوطِ الثَّمَنِ الَّذِي كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي بَقَاءِ الْحَوَالَةِ هَاهُنَا، فَيَعُودُ الْبَائِعُ بِدَيْنِهِ، وَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا، كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ.
فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي الْمُحَالَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، صَحَّ، وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي مِنْهَا.

[فَصْلٌ رَجُل لَهُ عَلَى آخَر دَيْنٌ فَأَذِنَ لِآخَر فِي قَبْضِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا]

(3565) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ، فَأَذِنَ لِآخَرَ فِي قَبْضِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمَأْذُونُ لَهُ، فَقَالَ: وَكَّلْتُك فِي قَبْضِ دَيْنِي بِلَفْظِ التَّوْكِيلِ.
فَقَالَ: بَلْ أَحَلْتنِي بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ.
أَوْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ، فَقَالَ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك.
فَقَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَقَاءَ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ، وَيُنْكِرُ انْتِقَالَهُ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُك بِالْمَالِ الَّذِي لِي قِبَلَ زَيْدٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُحِيلُ: إنَّمَا وَكَّلْتُك فِي الْقَبْضِ لِي.
وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَحَلْتنِي بِدَيْنِي عَلَيْك.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ فَإِنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَوَالَةِ دُونَ الْوَكَالَةِ، فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي دَارٍ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا.

وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَقِّ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَالْمُحْتَالُ يَدَّعِي نَقْلَهُ، وَالْمُحِيلُ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَحْلِفُ الْمُحْتَالُ وَيَثْبُتُ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَيَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُحِيلِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، يَحْلِفُ الْمُحِيلُ، وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ الْمُحْتَالُ قَدْ قَبَضَ الْحَقَّ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَقَدْ بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ، وَكَانَ الْمُحْتَالُ مُحِقًّا، فَقَدْ أَتْلَفَ مَالَهُ، وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا، ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ مِثْلُ مَا فِي ذِمَّتِهِ لَهُ، فَيَتَقَاصَّانِ، وَيَسْقُطَانِ.
وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَالْمُحَالُ قَدْ قَبَضَ حَقَّهُ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، وَبَرِئَ مِنْهُ الْمُحِيلُ بِالْحَوَالَةِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بِتَسَلُّمِهِ، وَالْمُحِيلُ يَقُولُ: قَدْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ وَكِيلِي بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ.
فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُحِيلُ طَلَبَهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلَ مَا لَهُ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِقَبْضِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ ثُمَّ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَهُ مِنْهُ، وَيَمْلِكَ الْمُحْتَالُ مُطَالَبَتَهُ بِدَيْنِهِ.
وَقِيلَ: يَمْلِكُ الْمُحِيلُ أَخْذَهُ مِنْهُ، وَلَا يَمْلِكَ الْمُحْتَالُ الْمُطَالَبَةَ بِدَيْنِهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ مِنْهُ بِالْحَوَالَةِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ إنْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، فَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، فَعَلَى كِلَا الْحَالَيْنِ، هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْمُطَالَبَةِ بِمِثْلِ هَذَا الْمَالِ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ، فِي قَوْلِهِمَا جَمِيعًا، فَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِهِ، وَلَا مَوْضِعَ لِلْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي لَفْظٍ يُسْمَعُ، وَلَا فِعْلٍ يُرَى، وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْمُحِيلُ بَيِّنَةً، وَهَذَا لَا تَشْهَدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا.
(3566) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَكْسِ، فَقَالَ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك.
فَقَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي.
فَفِيهَا الْوَجْهَانِ أَيْضًا؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ.
فَحَلَفَ، بَرِئَ مِنْ حَقِّ الْمُحْتَالِ، وَلِلْمُحْتَالِ قَبَضَ الْمَالِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بُقُولِهِمَا مَعًا، فَإِذَا قَبَضَهُ كَانَ لَهُ بِحَقِّهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحْتَالِ، فَحَلَفَ كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ، وَمُطَالَبَةُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا وَكِيلٌ وَإِمَّا مُحْتَالٌ.
فَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ قَبْلَ أَخْذِهِ مِنْ الْمُحِيلِ، فَلَهُ أَخْذُ مَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ يَقُولُ: هُوَ لَك.
وَالْمُحْتَالُ يَقُولُ: هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِي، وَلِي مِثْلُهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِهِ ضِمْنًا.
فَإِذَا أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ حَصَلَ غَرَضُهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُحِيلِ شَيْئًا.
وَإِنْ اسْتَوْفَى مِنْ الْمُحِيلِ، رَجَعَ عَلَى الْمُحَالِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَثَبَّتَتْ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِ الْمُحْتَالِ، وَبَقِيَ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلْمُحِيلِ.
وَالثَّانِي، لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا الْمُحْتَالُ ظَلَمَهُ بِأَخْذِ مَا كَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْحَوَالَةَ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِتَفْرِيطٍ، أَوْ أَتْلَفَهَا، سَقَطَ حَقُّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحِقًّا فَقَدْ أَتْلَفَ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَقَدْ

أَتْلَفَ مِثْلَ دَيْنِهِ، فَيَثْبُت فِي ذِمَّتِهِ وَيَتَقَاصَّانِ.
وَإِنْ تَلْفِتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَسْقُطُ حَقُّهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ.
وَعَلَى الثَّانِي، لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ، وَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِبَرَاءَتِهِ.

(3567) فَصْلٌ: وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمُحِيلَ قَالَ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك.
ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ أَحَدِهِمَا: هِيَ حَوَالَةٌ بِلَفْظِهَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: هِيَ وَكَالَةٌ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مُدَّعِيهَا.
وَسَوَاءٌ اعْتَرَفَ الْمُحِيلُ بِدَيْنِ الْمُحْتَالِ، أَوْ قَالَ: لَا دَيْنَ لَك عَلَيَّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك.
اعْتِرَافٌ بِدَيْنِهِ، فَلَا يُقْبَلُ جَحْدُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَقُلْ بِدَيْنِك، بَلْ قَالَ: أَحَلْتُك.
ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيَّ دَيْنٌ، وَإِنَّمَا عَنَيْت التَّوْكِيلَ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ.
أَوْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَقُولَ، وَكَّلْتُك، فَسَبَقَ لِسَانِي فَقُلْت: أَحَلْتُك.
وَادَّعَى الْمُحْتَالُ أَنَّهَا حَوَالَةٌ بِدَيْنِهِ، وَأَنَّ دَيْنَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَى الْمُحِيلِ، فَهَلْ ذَلِكَ اعْتِرَافٌ بِالدَّيْنِ أَوْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، سَبَقَ تَوْجِيهُهُمَا.

[فَصْلٌ لِرَجُلِ دَيْنٌ عَلَى آخَر فَطَالَبَهُ بِهِ فَقَالَ قَدْ أَحَلْت بِهِ عَلَيَّ فُلَانًا الْغَائِبَ]

(3568) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلِ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ، فَطَالَبَهُ بِهِ، فَقَالَ: قَدْ أَحَلْت بِهِ عَلَيَّ فُلَانًا الْغَائِبَ.
وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ، لِإِسْقَاطِ حَقَّ الْمُحِيلِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ أَحَالَنِي عَلَيْك، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، ثَبَتَتْ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ يُقْضَى بِهَا عَلَى الْغَائِبِ، وَلَزِمَ الدَّفْعُ إلَى الْمُحْتَالِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ اعْتَرَفَ لَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ الدُّفَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُ دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَزِمَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيِّنَةً.
وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ إنْكَارِ الْمُحِيلِ وَرُجُوعِهِ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنِّي وَكَيْلُ فُلَانٍ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ مِنْك، فَصَدَّقَهُ، وَقَالَ: لَا أَدْفَعُهُ إلَيْك.
فَإِذَا قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الدُّفَعُ مَعَ الْإِقْرَارِ.
لَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ.
فَإِذَا حَلَفَ، بَرِئَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَتِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا: لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ.
فَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمُحِيلِ، فَإِنْ صَدَقَ الْمُدَّعِي فِي أَنَّهُ أَحَالَهُ، ثَبَتَتْ الْحَوَّالَةُ لَهُ؛ لِأَنَّ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الْحَوَالَةَ، حَلَفَ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْحَوَالَةِ.
وَإِنْ نَكَلَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَاسْتُوْفِيَ الْحَقُّ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُحِيلَ صَدَّقَ الْمُدَّعِيَ، فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الْحَوَالَة، فَالْقَوْلُ قَوْله، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرَفٌ لَهُ بِالْحَقِّ وَيَدَّعِي أَنَّ الْمُحْتَالَ ظَلَمَهُ، وَيَبْقَى دَيْنُ الْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ.
وَإِنْ كَانَ

الْمُحِيلُ يُنْكِرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ يُقِرُّ بِبَرَاءَتِهِ مِنْهُ، لِاسْتِيفَائِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُحِيلُ يَعْتَرِفُ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْهُ بِالْحَوَالَةِ، وَالْمُحِيلُ يُصَدِّقُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ فِي كَوْنِ الْمُحْتَالِ قَدْ ظَلَمَهُ، وَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْمُحْتَالُ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُحِيلَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ أَيْضًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُحْتَالُ، وَيُسَلِّمُهَا إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَوْ يَأْذَنَ لِلْمُحِيلِ فِي دَفْعِهَا إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ صَدَّقَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْمُحْتَالَ فِي الْحَوَالَة، وَدَفَعَ إلَيْهِ، فَأَنْكَرَ الْمُحِيلُ الْحَوَالَةَ، حَلَفَ، وَرَجَعَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ بِمَا عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفٌ ضَمِنَهُ رَجُلٌ فَأُحَالَ الضَّامِنُ صَاحِبَ الدِّين بِهِ]

(3569) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفٌ ضَمِنَهُ رَجُلٌ، فَأَحَالَ الضَّامِنُ صَاحِبَ الدَّيْنِ بِهِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذَمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالتَّسْلِيمِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ الدَّيْنَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَلْفُ عَلَى رَجُلَيْنِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ كَفِيلٌ عَنْ الْآخَرِ بِذَلِكَ، فَأَحَالَهُ أَحَدِهِمَا بِالْأَلْفِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا مَعًا، كَمَا لَوْ قَضَاهَا.
وَإِنْ أَحَالَ صَاحِبُ الْأَلْفِ رَجُلًا عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِالْأَلْفِ، صَحَّتْ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِرٌّ.
وَإِنْ أَحَالَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ أَيْضًا عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ هَاهُنَا فِي نَوْعٍ وَلَا أَجَلٍ وَلَا عَدَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَةُ اسْتِيثَاقٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ، كَحَوَالَةِ الْمُعْسِرِ عَلَى الْمَلِيءِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ قَدْ دَخَلَهَا، فَإِنَّ الْمُحْتَالَ ارْتَفَقَ بِالتَّخْيِيرِ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحَالَهُ عَلَى رَجُلَيْنِ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيْنَ مَا إذَا أَحَالَهُ بِأَلْفَيْنِ، أَنَّهُ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ هَاهُنَا، وَثَمَّ تَفَاضَلَا فِيهِ، وَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ هَاهُنَا بِأَلْفِ مُعَيَّنٍ، وَثَمَّ الْحَوَالَةُ بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَأَنَّهُ إذَا قَضَاهُ أَحَدُهُمَا الْأَلْفَ فَقَدْ قَضَى جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَثَمَّ إذَا قَضَى أَحَدَهُمَا بَقِيَ مَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ ضَامِنًا عَنْ صَاحِبَهُ، فَأَحَالَ عَلَيْهِمَا، صَحَّتْ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ إشْكَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْأَلْفَ مِنْ وَاحِدٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ اثْنَيْنِ، كَالْوَكِيلَيْنِ.

[بَاب الضَّمَان]

[مَسْأَلَةٌ ضَمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ]

بَاب الضَّمَان (3570) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أَوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْته فَهُوَ عَلَيَّ.
فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أَنَّهُ أَعْطَاهُ) . الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ.
فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الضَّمِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الْحَقَّ.

وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ.
قَالَ: هَلْ تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً؟ قَالُوا: لَا، فَتَأَخَّرَ، فَقِيلَ: لَمْ لَا تُصَلِّ عَلَيْهِ؟ : فَقَالَ: مَا تَنْفَعُهُ صَلَاتِي وَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ؟ أَلَا إنْ قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ.
فَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الضَّمَانِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ: ضَمِينٌ، وَكَفِيلٌ، وَقَبِيلٌ، وَحَمِيلٌ، وَزَعِيمٌ، وَصَبِيرٌ، بِمَعْنِيِّ وَاحِدٍ.
وَلَا بُدَّ فِي الضَّمَان مِنْ ضَامِن، ومضمون عَنْهُ، ومضمون لَهُ.
وَلَا بد مِنْ رِضَى الضَّامِن، فَإِن أُكْرِهَ عَلَى الضَّمَانِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ.
وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ لِآدَمِي، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِرِضَاهُ أَوْ رِضَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَعَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّهُمَا وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَبْضٌ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ، فَأَشْبَهَ ضَمَانَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ دَيْنٍ الْمَيِّتِ لِلْغَائِبِ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ.
(3571) فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَعْرِفَهُمَا الضَّامِنُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُمَا، لِيَعْلَمَ هَلْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَهْلٌ لِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إلَيْهِ أَوَّلًا؟ وَلِيَعْرِفَ الْمَضْمُونَ لَهُ، فَيُؤَدِّيَ إلَيْهِ.
وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ لِذَلِكَ.
وَلَا تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَامَلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ نَحْو هَذِهِ.
وَلَنَا، حَدِيثُ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ، فَإِنَّهُمَا ضَمِنَا لِمَنْ لَمْ يَعْرِفَاهُ عَمَّنْ لَمْ يَعْرِفَاهُ.
وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ مَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِهِ، كَالنَّذْرِ.

[فَصْلٌ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ]

فَصْلٌ: وَقَدْ دَلَّتْ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَحْكَامٍ؛ مِنْهَا، صِحَّةُ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ؛ لِقَوْلِهِ: مَا أَعْطَيْته فَهُوَ عَلَيَّ.
وَهَذَا مَجْهُولٌ فَمَتَى قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لَك مَالَك عَلَى فُلَانٍ، أَوْ مَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ مَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ يُقِرُّ بِهِ لَك، أَوْ مَا يَخْرُجُ فِي رَوْز مَانِحك.

صَحَّ الضَّمَانُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَالٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَجْهُولًا، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] ، وَحِمْلُ الْبَعِيرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ حِمْلَ الْبَعِيرِ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِهِ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» ، وَلِأَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ، كَالنَّذْرِ وَالْإِقْرَارِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِضَرَرٍ وَخَطَرٍ، وَهُوَ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ.
وَإِذَا قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ.
أَوْ قَالَ: ادْفَعْ ثِيَابَك إلَى هَذَا الرِّفَاء، وَعَلَيَّ ضَمَانُهَا.
فَصَحَّ الْمَجْهُولُ، كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.

وَمِنْهَا صِحَّةُ ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: " مَا أَعْطَيْته "، أَيْ مَا يُعْطِيه فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى مَنْ ضَمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَلَوْ كَانَ " مَا أَعْطَيْته " فِي الْمَاضِي، كَانَ مَعْنَى الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءً، أَوْ إحْدَاهُمَا دَاخِلَةً فِي الْأُخْرَى.
وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: الضَّمَانُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْتِزَامِ الدَّيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَا ضَمَّ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ ضَمَانًا.
قُلْنَا: قَدْ ضَمَّ ذِمَّته إلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ، وَأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي ذِمَّة مَضْمُونِهِ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَهَذَا كَافٍ.
وَقَدْ سَلَّمُوا ضَمَانَ مَا يُلْقِيه فِي الْبَحْرِ قَبْلَ وُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ.
وَسَلَّمَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ضَمَانَ الْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَمَا وَجَبَ شَيْءٌ بَعْدُ.

وَمِنْهَا، أَنَّ الضَّمَانَ إذَا صَحَّ لَزِمَ الضَّامِنَ مِنْ أَدَاءِ مَا ضَمِنَهُ، وَكَانَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ مُطَالَبَتُهُ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَهُوَ فَائِدَةُ الضَّمَانِ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» . وَاشْتِقَاقُ اللَّفْظِ.

وَمِنْهَا صِحَّةُ الضَّمَانِ عَنْ كُلِّ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، مَلِيئًا أَوْ مُفْلِسًا؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْمَيِّتِ، إلَّا أَنْ يَخْلُفَ وَفَاءً، فَإِنْ خَلَفَ بَعْضَ الْوَفَاءِ، صَحَّ ضَمَانُهُ بِقَدْرِ مَا خَلَفَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ سَاقِطٌ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ بِالْأَبْرَاءِ، وَلِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ خَرِبَتْ خَرَابًا لَا تَعْمُرُ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا دَيْنٌ، وَالضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْتِزَامِهِ.
وَلَنَا، حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَعَلِيٍّ، فَإِنَّهُمَا ضَمِنَا دَيْنَ مَيِّتٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَضَّهُمْ عَلَى ضَمَانِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، بِقَوْلِهِ: «أَلَا قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ؟» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ خَلَفَ وَفَاءً، وَدَلِيلُ ثُبُوتِهِ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، جَازَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ اقْتِضَاؤُهُ، وَلَوْ ضَمِنَهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ، وَلَوْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّة الضَّامِنِ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ.

وَمِنْهَا، صِحَّةُ الضَّمَانِ فِي كُلِّ حَقٍّ، أَعْنِي مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ الْوَاجِبَةِ، أَوْ الَّتِي تَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَبَعْدَهُ، وَالْأُجْرَةِ وَالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَازِمَةٌ، وَجَوَازُ سُقُوطِهَا لَا يَمْنَعُ ضَمَانَهَا، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ بِرَدِّ بِعَيْبِ أَوْ مُقَايَلَةٍ.
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

[فَصْلٌ مَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ]

(3573) فَصْلٌ: فِيمَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ: وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، وَفِي الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ، كَمَا فِي الْكِتَابَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] . وَلِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ إذَا عَمِلَ الْعَمَلَ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ، وَالْمَالُ يَلْزَمُ بِوُجُودِهِ، وَالضَّمَانُ لِلْمَالِ دُونَ الْعَمَلِ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نُقُودًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، أَوْ حَيَوَانًا كَالدِّيَاتِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَيَوَانِ الْوَاجِبِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَقَدْ مَضَى الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ الْوَاجِبَةَ فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَةُ الْأَسْنَانِ وَالْعَدَدِ، وَجَهَالَةُ اللَّوْنِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْبَاقِيَةِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ أَدْنَى لَوْنٍ أَوْ صِفَةٍ فَتَحْصُلُ مَعْلُومَةً، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّ جَهْلَ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهُ بِالْإِتْلَافِ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهُ بِالِالْتِزَامِ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَفَقَةَ يَوْمِهَا أَوْ مُسْتَقْبَلَةً؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْيَوْمِ وَاجِبَةٌ، وَالْمُسْتَقْبِلَةُ مَآلُهَا إلَى اللُّزُومِ، وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا ضَمِنَ نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ، لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَالَ فِيهِ: يَصِحُّ ضَمَانُهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَاحْتِمَالُ عَدَمِ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ ضَمَانِهَا، بِدَلِيلِ الْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
فَأَمَّا النَّفَقَةُ فِي الْمَاضِي، فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً، إمَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِهَا، أَوْ قُلْنَا: بِوُجُوبِهَا بِدُونِ حُكْمِهِ، صَحَّ ضَمَانُهَا، وَإِلَّا فَلَا.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ مَالِ السَّلَمِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِيفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْحَوَالَةِ بِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَالْأُجْرَةِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ.
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ مَالِ الْكِتَابَةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ عَلَيْهِ.
وَالْأُولَى أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وَلَا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَإِنَّ لِلْمُكَاتَبِ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ، وَالِامْتِنَاعَ عَنْ أَدَائِهِ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ الْأَصِيلَ، فَالضَّمِينُ أَوْلَى.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ فِي

الْآخَرِ: لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، وَوَصْفُنَا لَهَا بِالضَّمَانِ إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا إنَّ تَلِفَتْ، وَالْقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، فَصَحَّ ضَمَانُهَا، كَالْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
قُلْنَا: الضَّمَانُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ ضَمَانُ اسْتِنْقَاذِهَا وَرَدِّهَا، وَالْتِزَامُ تَحْصِيلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا عِنْدَ تَلَفِهَا.
وَهَذَا مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ، كَعُهْدَةِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّ ضَمَانَهَا يَصِحُّ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة الْتِزَامُ رَدِّ الثَّمَنِ أَوْ عِوَضِهِ، إنْ ظَهَرَ بِالْبَيْعِ عَيْبٌ، أَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا، فَأَمَّا الْأَمَانَاتُ، كَالْوَدِيعَةِ، وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَة، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْعَيْنِ الَّتِي يَدْفَعُهَا إلَى الْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ، فَهَذِهِ إنْ ضَمِنَهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فِيهَا، لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، فَكَذَلِكَ عَلَى ضَامِنِهِ.
وَإِنْ ضَمِنَهَا إنْ تَعَدَّى فِيهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الضَّمَانِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فِي رَجُلٍ يَتَقَبَّلُ مِنْ النَّاسِ الثِّيَابَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ادْفَعْ إلَيْهِ ثِيَابَك، وَأَنَا ضَامِنٌ.
فَقَالَ لَهُ: هُوَ ضَامِنٌ لِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ.
يَعْنِي إذَا تَعَدَّى أَوْ تَلِفَ بِفِعْلِهِ.
فَعَلَى هَذَا إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا فِعْلِهِ، لَمْ يَلْزَمْ الضَّامِنَ شَيْءٌ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَفْرِيطٍ لَزِمَ ضَمَانُهَا وَلَزِمَ ضَامِنُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَ ضَامِنَهُ، كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيّ.
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَهُ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي، وَعَنْ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ، فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي هُوَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ الْوَاجِبَ بِالْبَيْعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ، رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الضَّامِنِ، وَضَمَانُهُ عَنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي هُوَ أَنْ يَضْمَنَ عَنْ الْبَائِعِ الثَّمَنَ مَتَى خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ، أَوْ أَرْشِ الْعَيْبِ.
فَضَمَانُ الْعُهْدَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
وَحَقِيقَةُ الْعُهْدَةِ الْكِتَابُ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ وَثِيقَةَ الْبَيْعِ، وَيَذْكُرُ فِيهِ الثَّمَنَ، فَعُبِّرَ بِهِ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَضْمَنُهُ.
وَمِمَّنْ أَجَازَ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ فِي الْجُمْلَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِكَوْنِهِ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ، وَضَمَانَ مَجْهُولٍ، وَضَمَانَ عَيْنٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ الضَّمَانِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْوَثِيقَةِ عَلَى الْبَائِعِ، وَالْوَثَائِقُ ثَلَاثَةٌ؛ الشَّهَادَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالضَّمَانُ.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْحَقُّ، وَأَمَّا الرَّهْنُ فَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَبْقَى أَبَدًا مَرْهُونًا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الضَّمَانُ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا كَانَ وَاجِبًا حَالَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّمَانِ حُكْمٌ إذَا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا حَالَ الْعَقْدِ، وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ ضَمِنَ مَا وَجَبَ حِينَ الْعَقْدِ، وَالْجَهَالَةُ مُنْتَفِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ الْجُمْلَةَ، فَإِذَا خَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا، لَزِمَهُ بَعْضُ مَا ضَمِنَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ عَنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:

إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ.
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ إذَا كَانَ مُفْضِيًا إلَى الْوُجُوبِ، كَالْجَعَالَةِ.
وَأَلْفَاظُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ أَنْ يَقُولَ: ضَمِنْت عُهْدَتَهُ أَوْ ثَمَنَهُ أَوْ دَرَكَهُ.
أَوْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي: ضَمِنْت خَلَاصَك مِنْهُ.
أَوْ يَقُولَ: مَتَى خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَقَدْ ضَمِنْت لَك الثَّمَنَ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ قَالَ: ضَمِنْت عُهْدَته، أَوْ ضَمِنَتْ لَك الْعُهْدَةَ.
وَالْعُهْدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ: هِيَ الصَّكُّ الْمَكْتُوبُ فِيهِ الِابْتِيَاعُ.
هَكَذَا فَسَّرَهُ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ صَارَتْ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةً عَنْ الدَّرْكِ وَضَمَانِ الثَّمَنِ، وَالْكَلَامُ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ، كَالرَّاوِيَةِ، تُحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِهَا عَلَى الْمَزَادَةِ، لَا عَلَى الْجَمَلِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَوْضُوعَ.
فَأَمَّا إنْ ضَمِنَ لَهُ خَلَاصَ الْمَبِيعِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا، لَا يَسْتَطِيعُ تَخْلِيصَهُ، وَلَا يَحِلُّ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، وَضَمِنَ لَهُ الْخَلَاصَ، فَقَالَ: كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْخَلَاصَ إذَا خَرَجَ حُرًّا؟ فَإِنْ ضَمِنَ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ وَخَلَاصَهُ، بَطَلَ فِي الْخَلَاصِ.
وَهَلْ يَصِحُّ فِي الْعُهْدَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
إذَا ثَبَتَ صِحَّةُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ، فَالْكَلَامُ فِيمَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ، فَنَقُولُ: إنَّ اسْتِحْقَاقَ رُجُوعِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ حَادِثٍ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ مُقَارِنٍ لَهُ، فَأَمَّا الْحَادِثُ فَمِثْلُ تَلَفِ الْمَبِيعِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَصْبِ مِنْ يَدِهِ أَوْ يَتَقَايَلَانِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ الِاسْتِحْقَاقَ الْمَوْجُودَ حَالَ الْعَقْدِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ جَائِزٌ، وَهَذَا مِنْهُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ لَا تَفْرِيطَ مِنْ الْبَائِعِ فِيهِ، كَأَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الشَّفِيعِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا الضَّامِنِ.
وَمَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الضَّامِنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَأَمَّا إنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْمَبِيعِ بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْبَائِعِ، بِاسْتِحْقَاقٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ، فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى الضَّامِنِ، وَهَذَا ضَمَانُ الْعُهْدَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ، رَجَعَ عَلَى الضَّامِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَهُ كُلُّ الثَّمَنِ، لَزِمَهُ بَعْضُهُ إذَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ ظَهَرَ كُلُّ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا أَوْ بَعْضُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَدْ خَرَجَتْ الْعَيْنُ كُلُّهَا مِنْ يَدِهِ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ، وَلَكِنْ اسْتَحَقَّ رَدَّهَا، فَإِنْ رَدَّهَا كُلَّهَا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَمْسَكَ الْمَمْلُوكَ مِنْهَا، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا.
وَلَوْ بَاعَهُ عَيْنًا أَوْ أَقْرِضَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَ عِنْدَهُ عَيْنَهَا، فَتَكَفَّلَ رَجُلٌ بِتَسْلِيمِ الرَّهْنِ، لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الرَّاهِنَ إقْبَاضُهُ وَتَسْلِيمُهُ، فَلَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ مَا لَا يَلْزَمُ الْأَصْلَ.
وَإِنْ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا يَحْدُثُ

فِي الْمَبِيعِ، مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ، صَحَّ، سَوَاءٌ ضَمِنَهُ الْبَائِعُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَإِذَا بَنَى أَوْ غَرَسَ وَاسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الضَّامِنِ بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ أَوْ نَقَصَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَجْهُولٍ، وَضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ مِنْ يَصِحُّ ضَمَانُهُ وَمِنْ لَا يَصِحُّ]

(3574) فَصْلٌ: فِي مَنْ يَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَمَنْ لَا يَصِحُّ، يَصِحُّ ضَمَانُ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، فَصَحَّ مِنْ الْمَرْأَةِ كَالْبَيْعِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ، وَلَا مِنْ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيَّزٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ مَالٍ بِعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ، كَالنَّذْرِ.
وَلَا يَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.
ذَكَرِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ إقْرَارَهُ صَحِيحٌ يُتْبَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ، صَحَّ، فَكَذَلِكَ ضَمَانُهُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ مَالٍ بِعَقْدٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا يُشْبِهُ الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِحَقٍّ سَابِقٍ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَخَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْتِزَامُ مَالٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ، كَالتَّبَرُّعِ وَالنَّذْرِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الضَّمَانِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَقَالَ الصَّبِيُّ: قَبْلَ بُلُوغِي.
وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ: بَعْدَ الْبُلُوغِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعَهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ ثَمَّ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا يَتَصَرَّفَانِ إلَّا تَصَرُّفًا صَحِيحًا، فَكَانَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَهَاهُنَا اخْتَلَفَا فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ يَدَّعِي الْأَهْلِيَّةَ ظَاهِرٌ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ، وَلَا أَصْلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ، فَلَا تُرَجَّحُ دَعْوَاهُ.
وَالْحُكْمُ فِي مَنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ، كَالْحُكْمِ فِي الصَّبِيِّ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، لَا فِي ذِمَّتِهِ، فَأَشْبَهَ الرَّاهِنَ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيمَا عَدَّا الرَّهْنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اقْتَرَضَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ.
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُتْبَعَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِمَا لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ، كَالْإِقْرَارِ بِالْإِتْلَافِ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ عَقْدٌ تَضَمَّنَ إيجَابَ مَالٍ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنٍ، كَالنِّكَاحِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ التِّجَارَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ.
فَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ صَحَّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَعَلُّقُ الْمَالِ بِرَقَبَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّد.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، كَاسْتِدَانَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهَا.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الضَّمَانِ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ، صَحَّ، وَيَكُونُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ، كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي، كَمَا لَوْ قَالَ الْحُرُّ: ضَمِنْت لَك الدَّيْنَ، عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِي هَذَا.
صَحَّ.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ، فَأَشْبَهَ نَذْرَ الصَّدَقَةَ بِغَيْرِ مَالٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، كَقَوْلِنَا فِي الْعَبْدِ.
وَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَى تَفْوِيتِ الْحُرِّيَّةِ.
وَالثَّانِي، يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا.
فَأَمَّا الْمَرِيضُ، فَإِنْ كَانَ مَرَضُهُ غَيْرَ مَخُوفٍ، أَوْ غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ.
وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، فَحُكْمُ ضَمَانِهِ حُكْمُ تَبَرُّعِهِ، يَحْسِبُ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ عِوَضًا، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ.
وَإِذَا فُهِمَتْ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ، صَحَّ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ وَتَبَرُّعُهُ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَالنَّاطِقِ، وَلَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ بِكِتَابَةِ مُنْفَرِدَةً عَنْ إشَارَةٍ يُفْهَمُ بِهَا أَنَّهُ قَصَدَ الضَّمَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ عَبَثًا أَوْ تَجْرِبَةً، فَلَمْ يَثْبُتْ الضَّمَانُ بِهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ.
وَمَنْ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِضَمَانِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ، فَكَذَلِكَ ضَمَانُهُ.

[فَصْلٌ ضَمِنَ الدَّيْنَ الْحَالَ مُؤَجَّلًا]

(3575) فَصْلٌ: إذَا ضَمِنَ الدَّيْنَ الْحَالَ مُؤَجَّلًا، صَحَّ، وَيَكُونُ حَالًّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ مُؤَجَّلًا عَلَى الضَّامِنِ، يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ ضَمِنَ مَا عَلَى فُلَانٍ أَنْ يُؤَدِّيَهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ: فَهُوَ عَلَيْهِ، وَيُؤَدِّيَهُ كَمَا ضَمِنَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «، أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَهُ.
فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقَنَّكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فَجَرَّهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَمْ تَسْتَنْظِرْهُ؟ قَالَ: شَهْرًا.
قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَأَنَا أَحْمِلُ.
فَجَاءَ بِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِنْ أَيْنَ أَصَبْت هَذَا؟ قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ.
قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهَا.
وَقَضَاهَا عَنْهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، فِي " سُنَنِهِ ". وَلِأَنَّهُ ضَمِنَ مَالًا بِعَقْدٍ مُؤَجَّلٍ، فَكَانَ مُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَعِنْدَكُمْ الدَّيْنُ الْحَالُ لَا يَتَأَجَّلُ، فَكَيْفَ يَتَأَجَّلُ عَلَى الضَّامِنِ؟ أَمْ كَيْفَ يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ عَلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؟ قُلْنَا: الْحَقُّ يَتَأَجَّلُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ، إذَا كَانَ بِعَقْدٍ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا عَلَيْهِ حَالًّا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، وَكَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا إلَى شَهْرٍ، فَضَمِنَهُ إلَى شَهْرَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ إلَى شَهْرَيْنِ، فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ فِي الْحَالِ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّهُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ رَجَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ هَاهُنَا، أَنَّهُ قَضَى بِغَيْرِ إذْنٍ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَا يَرْجِعُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَضَمِنَهُ حَالًّا، لَمْ يَصِرْ حَالًّا، وَلَا يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعٌ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَوْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ تَعْجِيلَ هَذَا الدَّيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْجِيلُهُ، فَبِأَنْ لَا يَلْزَمَ الضَّامِنَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْتَزِمَ مَا لَا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ قَضَاهُ حَالًّا، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَنْ تَأْجِيلِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلهَا، أَنَّ الدَّيْنَ الْحَالَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، مُسْتَحَقُّ الْقَضَاءِ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ مُؤَجَّلًا فَقَدْ الْتَزَمَ بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشْرَةً، فَضَمِنَ خَمْسَةً، وَأَمَّا الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، فَلَا يُسْتَحَقُّ قَضَاؤُهُ إلَّا عِنْدَ أَجَلِهِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ حَالًّا الْتَزَمَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَضْمُونِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشْرَةً فَضَمِنَ عِشْرِينَ.
وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ضَمَانُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا، كَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِ مُؤَجَّلًا، قِيَاسًا لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
وَقَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا بِمَا يَمْنَعُ الْقِيَاسَ، إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.

[فَصْلٌ ضَمِنَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا عَنْ إنْسَانٍ]

(3576) فَصْلٌ: وَإِذَا ضَمِنَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا عَنْ إنْسَانٍ، فَمَاتَ أَحَدَاهُمَا، إمَّا الضَّامِنُ وَإِمَّا الْمَضْمُونُ عَنْهُ، فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا.
فَإِنْ قُلْنَا: يَحِلُّ عَلَى الْمَيِّتِ، لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَحِلُّ عَلَى شَخْصٍ بِمَوْتِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةَ الضَّامِنِ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَانَ مُتَبَرِّعًا بِتَعْجِيلِ الْقَضَاءِ، وَهَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ قَضَى بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الضَّامِنَ، فَاسْتَوْفَى الْغَرِيمُ الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَحُكِيَ عَنْ زَفَرَ أَنَّ لَهُمْ مُطَالَبَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِمَوْتِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَلَا تَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ.
وَقَوْلُهُ: أَدْخَلَهُ فِيهِ.
قُلْنَا: إنَّمَا أَدْخَلَهُ فِي الْمُؤَجَّلِ، وَحُلُولُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَضَى قَبْلَ الْأَجَلِ.

[مَسْأَلَة لَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَا يَبْرَأُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ، كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِنَفْسِ الْحَوَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ، مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ سَوَاءٌ، وَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ الْحَقَّ عَنْ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمُحِيلِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَدَاوُد، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا وُضِعَتْ، قَالَ: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، دِرْهَمَانِ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّه، وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ.
فَقَامَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ: فَقَالَ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَفَكَّ رِهَانَك كَمَا فَكَكْت رِهَانَ أَخِيك.
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه، هَذَا لِعَلِيٍّ خَاصَّةً، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ: لِلنَّاسِ عَامَّةً» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِئَ بِالضَّمَانِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ "، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «تُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَخَطَا خُطْوَةً، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ.
فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ.
فَقَالَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ.
فَقَالَ.
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَجَبَ حَقُّ الْغَرِيمِ، وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ قَالَ: إنَّمَا مَاتَ أَمْسِ.
قَالَ: فَعَادَ إلَيْهِ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْآنَ بَرَّدْت جِلْدَتَهُ» . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَرَاءَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ: " وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا ". وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا صَارَ فِي ذِمَّةٍ ثَانِيَةٍ بَرِئَتْ الْأُولَى مِنْهُ، كَالْمُحَالِ بِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْوَاحِدَ لَا يَحِلُّ فِي مَحَلَّيْنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . وَقَوْلُهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ: " الْآنَ بَرَّدْت جِلْدَهُ ". حِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ، فَلَا تَنْقُلُ الْحَقَّ، كَالشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا صَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَلِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ صَارَ لَهُ وَفَاءٌ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَدِينٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَلِّي: «فَكَّ اللَّهُ رِهَانَك، كَمَا فَكَكْت رِهَانَ أَخِيك» . فَإِنَّهُ كَانَ بِحَالٍ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا ضَمِنَهُ فَكَّهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ: " بَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا " أَيْ صِرْت أَنْتَ الْمُطَالَبَ بِهِمَا.
وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛

لِثُبُوتِ الْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِالْقَضَاءِ: " الْآنَ بَرَّدْت عَلَيْهِ جِلْدَهُ ". وَيُفَارِقُ الضَّمَانُ الْحَوَالَةَ؛ فَإِنَّ الضَّمَانَ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ، فَيَقْتَضِي الضَّمَّ بَيْنَ الذِّمَّتَيْنِ فِي تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِمَا وَثُبُوتِهِ فِيهِمَا.
وَالْحَوَالَةُ مِنْ التَّحَوُّلِ، فَتَقْتَضِي تَحَوُّلَ الْحَقِّ مِنْ مَحَلِّهِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلهمْ: إنَّ الدَّيْنَ الْوَاحِدَ لَا يَحِلُّ فِي مَحَلَّيْنِ.
قُلْنَا: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِمَحَلَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيثَاقِ، كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: أَمَّا الْحَيُّ فَلَا يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَفِي بَرَاءَتِهِ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرَيْنِ، وَلِأَنَّ فَائِدَةَ الضَّمَانِ فِي حَقِّهِ تَبْرِئَةُ ذِمَّتِهِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الْفَائِدَةُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، بِخِلَافِ الْحَيِّ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الضَّمَانِ فِي حَقِّهِ الِاسْتِيثَاقُ، وَثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّتَيْنِ آكَدُ فِي الِاسْتِيثَاقِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِهِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ كَالْحَيِّ.
(3578) فَصْلٌ: وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الضَّامِنَ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَلَا يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الْأَصْلِ، كَالرَّهْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ، فَمَلَكَ مُطَالَبَتَهُ، كَالْأَصِيلِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِمَا، فَمَلَكَ مُطَالَبَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، كَالضَّامِنَيْنِ إذَا تَعَذَّرَتْ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَلَا يُشْبِهُ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلَيْسَ بِذِي ذِمَّةٍ يُطَالِبُ، إنَّمَا يُطَالِبُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، لِيَقْضِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ]

(3579) فَصْلٌ: وَإِنْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ، كَالرَّهْنِ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ التَّبَعِ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ، كَالرَّهْنِ إذَا انْفَسَخَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ.
وَأَيُّهُمَا قَضَى الْحَقَّ بَرِئَا جَمِيعًا مِنْ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُهُ بِهِمَا، كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ الْحَقُّ الَّذِي بِهِ رَهْنٌ، وَإِنْ أَحَالَ الْغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُهُ بِهِمَا كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ دَيْنُ الرَّهْنِ.
وَإِنْ أَحَالَ أَحَدُهُمَا الْغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَضَاءِ.

[فَصْلٌ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ]

(3580) فَصْلٌ: وَإِنْ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَيَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَمِ ثَلَاثَةٍ، أَيُّهُمْ قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَمُهُمْ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، فَإِذَا قُضِيَ مَرَّةً لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَ الضَّامِنَانِ؛ لِأَنَّهُمَا فَرْعٌ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الْأَوَّلَ بَرِئَ الضَّامِنَانِ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الْأَوَّلَ، بَرِئَ الضَّامِنَانِ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الثَّانِي بَرِئَ

وَحْدَهُ.
وَمَتَى حَصَلَتْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِالْإِبْرَاءِ، فَلَا رُجُوعَ فِيهَا بِحَالٍ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ مَعَ الْغُرْمِ، وَلَيْسَ فِي الْإِبْرَاءِ غُرْمٌ.
وَالْكَفَالَةُ كَالضَّمَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى جَمِيعِهِ، وَتَزِيدُ بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بَرِئَ كَفِيلَاهُ، وَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ الْأَوَّلُ بَرِئَ الثَّانِي دُونَ الْمَكْفُولِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ، فَأَشْبَهَ الرَّهْنَ، وَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ الثَّانِي بَرِئَ وَحْدَهُ.

[فَصْلٌ ضَمِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ أَوْ تَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْكَفِيلَ]

(3581) فَصْلٌ: وَإِنْ ضَمِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ، أَوْ تَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْكَفِيلَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَقْتَضِي إلْزَامَهُ الْحَقَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْحَقُّ لَازِمٌ لَهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إلْزَامُهُ ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي هَذَا الدَّيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا فِيهِ.
وَإِنْ ضَمِنَ عَنْهُ دَيْنًا آخَرَ، أَوْ كَفَلَ بِهِ فِي حَقٍّ آخَرَ، جَازَ؛ لِعَدَمِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ.
"

[فَصْلٌ ضَمِنَ الْحَقَّ عَنْ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَأَكْثَرُ]

(3582) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ الْحَقَّ عَنْ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَأَكْثَرُ، سَوَاءٌ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، فَإِنْ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَهُ، بَرِئَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَدَاءِ أَحَدِهِمْ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، بَرِئَ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّهُمْ فُرُوعٌ لَهُ.
وَإِنْ أُبْرِئَ أَحَدُ الضُّمَّانِ، بَرِئَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ فُرُوعٍ لَهُ، فَلَمْ يَبْرَءُوا بِبَرَاءَتِهِ، كَالْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِهِ الْأَصْلِيِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِيهِ بِالضَّمَانِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فِيهِ فَرْعًا.
وَلَوْ تَكَفَّلَ بِالرَّجُلِ الْوَاحِدِ رَجُلَانِ، جَازَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِبَدَنِهِ، لَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ.
وَأَيُّ الْكَفِيلَيْنِ أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ بَرِئَ وَبَرِئَ صَاحِبُهُ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَفَلَ الْمَكْفُولُ الْكَفِيلَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُ فِي الْكَفَالَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا لَهُ فِيمَا كَفَلَ بِهِ.
وَإِنْ كَفَلَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَقِّ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْعٍ لَهُ فِي ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ أَدَّى الدَّيْن مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ]

(3583) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَمَتَى أَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اضْمَنْ عَنِّي، أَوْ لَمْ يَقُلْ) . يَعْنِي إذَا أَدَّى الدَّيْنَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَأَمَّا إنْ قَضَى الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا بِهِ، غَيْرَ نَاوٍ لِلرُّجُوعِ بِهِ، فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ.
وَسَوَاءٌ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَأَمَّا إذَا أَدَّاهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدِهَا، أَنْ يَضْمَنَ بِأَمْرِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَيُؤَدِّيَ بِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اضْمَنْ عَنِّي.
أَوْ: أَدِّ عَنِّي.
أَوْ أَطْلَقَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ قَالَ: اضْمَنْ عَنِّي، وَانْقُدْ عَنِّي.
رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: اُنْقُدْ هَذَا.
لَمْ يَرْجِعْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا لَهُ، يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ، وَيُودِعُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: اضْمَنْ عَنِّي، وَانْقُدْ عَنِّي.
إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْحَقِّ، وَإِذَا أَطْلَقَ ذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: هَبْ

لِهَذَا، أَوْ تَطَوَّعْ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ مُخَالِطًا لَهُ رَجَعَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ مُخَالِطَهُ بِالنَّقْدِ عَنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ضَمِنَ وَدَفَعَ بِأَمْرِهِ، فَأَشْبَهَ إذَا كَانَ مُخَالِطًا لَهُ، أَوْ قَالَ: اضْمَنْ عَنِّي.
وَمَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِالضَّمَانِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَأَمْرُهُ بِالنَّقْدِ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا ضَمِنَهُ، بِدَلِيلِ الْمُخَالِطِ لَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا أَدَّى عَنْهُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ.
الْحَالُ الثَّانِي، ضَمِنَ بِأَمْرِهِ، وَقَضَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ.
الثَّالِثُ، أَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَدَفَعَ مَا عَلَيْهِ، رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالدَّفْعِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِي الضَّمَانِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ إذْنَهُ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْأَدَاءِ صَرِيحًا.
الْحَالُ الثَّالِثُ، ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَضَى بِأَمْرِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْقَضَاءِ انْصَرَفَ إلَى مَا وَجَبَ بِضَمَانِهِ.
وَلَنَا: أَنَّهُ أَدَّى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، أَوْ كَمَا لَوْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إذْنَهُ فِي الْقَضَاءِ انْصَرَفَ إلَى مَا وَجَبَ بِضَمَانِهِ.
قُلْنَا: الْوَاجِبُ بِضَمَانِهِ إنَّمَا هُوَ أَدَاءُ دَيْنِهِ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا آخَرَ، فَمَتَى أَدَّاهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ لَزِمَهُ إعْطَاؤُهُ بَدَلَهُ.
الْحَالُ الرَّابِعُ، ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَضَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ، فَإِنَّهُمَا لَوْ كَانَا يَسْتَحِقَّانِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَيِّتِ، صَارَ الدَّيْنُ لَهُمَا، فَكَانَتْ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِمَا، كَاشْتِغَالِهَا بِدَيْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَفَ دَوَابَّهُ وَأَطْعَمَ عَبِيدَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى، أَنَّهُ قَضَاءٌ مُبْرِئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَالْحَاكِمِ إذَا قَضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ.
فَأَمَّا عَلِيٌّ وَأَبُو قَتَادَةَ، فَإِنَّهُمَا تَبَرَّعَا بِالْقَضَاءِ وَالضَّمَانِ، فَإِنَّهُمَا قَضَيَا دَيْنَهُ قَصْدًا لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ، لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عِلْمِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، وَالْمُتَبَرِّعُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُحْتَسِبِ بِالرُّجُوعِ.

[فَصْلٌ يَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ]

(3584) فَصْلٌ: وَيَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدَّيْنَ، فَالزَّائِدُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ أَقَلَّ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ،

وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ دَفَعَ عَنْ الدَّيْنِ عَرَضًا، رَجَعَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قَدْر الدَّيْنِ لِذَلِكَ، وَإِنْ قَضَى الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لِلْغَرِيمِ.
فَإِنْ أَحَالَهُ، كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ تَقْبِيضِهِ، وَيَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَحَالَ بِهِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْغَرِيمُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ أَبْرَأَهُ، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ، لِفَلَسٍ أَوْ مَطْلٍ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْحَوَالَةِ كَالْإِقْبَاضِ.

[فَصْلٌ كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِائَةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا]

(3585) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِائَةٌ، عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ مَا عَلَيْهِ، فَضَمِنَ آخَرُ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ وَقَضَاهَا، سَقَطَ الْحَقُّ عَنْ الْجَمِيعِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ عَنْهُ، وَلَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ، رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِهَا، إنْ كَانَ ضَمِنَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا عَنْهُ بِإِذْنِهِ، وَقَضَاهَا ضَامِنُهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَة، لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخَرِ بِالْمِائَةِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لَهُ عَلَى مَنْ أَدَّاهَا عَنْهُ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَيْهِ كَالْأَصْلِ.
"

[فَصْلٌ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ بِأُذُنِهِ فَطُولِبَ الضَّامِنُ]

(3586) فَصْلٌ: إذَا ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ، فَطُولِبَ الضَّامِنُ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِتَخْلِيصِهِ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْأَدَاءُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ الضَّامِنُ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ غَرَامَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ مِنْهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَة؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِإِذْنِهِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِتَفْرِيغِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَرَهَنَهُ، كَانَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِفِكَاكِهِ وَتَفْرِيغِهِ مِنْ الرَّهْنِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَيُفَارِقُ الضَّمَانُ الْعَارِيَّةَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَتَضَرَّرُ بِتَعْوِيقِ مَنَافِعِ عَبْدِهِ الْمُسْتَعَارِ، فَمَلَكَ الْمُطَالَبَةَ بِمَا يُزِيلُ الضَّرَرَ عَنْهُ، وَالضَّامِنُ لَا يَبْطُلُ بِالضَّمَانِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ.
فَأَمَّا إنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ يُطَالِبُ بِهِ، وَلَا شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِأَمْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
وَقِيلَ: إنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ.
فَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِحَالٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ.
فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، عَلَى مَا مَضَى تَفْصِيلِهِ.

[فَصْلٌ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ فَقَضَى أَحَدُهُمْ الدَّيْنَ]

(3587) فَصْلٌ: فَإِنْ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ، فَقَضَى أَحَدُهُمْ الدَّيْنَ، بَرِئُوا جَمِيعًا.
فَإِنْ قَضَاهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ قَضَاهُ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ عَنْهُ، وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَذِنَ لَصَاحِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ، فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ أَذِنَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِيَّ، وَلَمْ يَأْذَنْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوْ أَذِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لِضَامِنِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ الضَّامِنُ لِضَامِنِهِ، رَجَعَ الْمَأْذُونُ لَهُ عَلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْآخَرُ عَلَى إحْدَى

الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ أَذِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لِلضَّامِنِ الثَّانِي فِي الضَّمَانِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ، رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الضَّامِنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرْجَعُ عَلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ لَهُ أَلْف عَلَى رَجُلَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ]

(3588) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ أَلْفٌ عَلَى رَجُلَيْنِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ، فَأَبْرَأَ الْغَرِيمُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْأَلْفِ، بَرِئَ مِنْهُ، وَبَرِئَ صَاحِبُهُ مِنْ ضَمَانِهِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ.
وَإِنْ قَضَاهُ أَحَدُهُمَا خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ أَبْرَأْهُ الْغَرِيمُ مِنْهَا، وَعَيَّنَ الْقَضَاءَ بِلَفْظِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَنْ الْأَصْلِ وَالضَّمَانِ، انْصَرَفَ إلَيْهِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، كَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ نِصَابٍ وَلَهُ نِصَابَانِ غَائِبٌ وَحَاضِرٌ، كَانَ لَهُ صَرْفُهَا إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَنْ الْأَصْلِ، وَنِصْفُهَا عَنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى جُمْلَةِ مَا فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقَضَاءِ لَفْظُ الْقَاضِي وَنِيَّتُهُ، وَفِي الْإِبْرَاءِ لَفْظُ الْمُبْرِئِ وَنِيَّتُهُ، وَمَتَى اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الْمُعْتَبَرُ لَفْظُهُ وَنِيَّتُهُ.

[فَصْل ادَّعَى أَلْفًا عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ]

(3589) فَصْل: وَلَوْ ادَّعَى أَلْفًا عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ، فَاعْتَرَفَ الْحَاضِرُ بِذَلِكَ، فَلَهُ أَخْذُ الْأَلْفِ مِنْهُ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَاعْتَرَفَ، رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْحَاضِرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَاسْتَوْفَى الْأَلْفَ مِنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي ظَلَمَهُ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ الْغَائِبُ وَعَادَ الْحَاضِرُ عَنْ إنْكَارِهِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْحَاضِرِ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ وَبَرِئَ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ أَيْضًا وَحَلَفَ، بَرِئَ، وَإِنْ اعْتَرَفَ، لَزِمَهُ دَفْعُ الْأَلْفِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا خَمْسُ الْمِائَةِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْمَضْمُونَةِ؛ لِأَنَّهَا سَقَطَتْ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِيَمِينِهِ، فَتَسْقُطُ عَنْ ضَامِنِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِهَا وَغَرِيمُهُ يَدَّعِيهَا، وَالْيَمِينُ إنَّمَا أَسْقَطَتْ الْمُطَالَبَةَ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ، وَلَمْ تُسْقِطْ عَنْهُ الْحَقَّ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بَعْدَ يَمِينِهِ، لَزِمَهُ، وَلَزِمَ الضَّامِنَ.

[فَصْلٌ ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ]

(3590) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ، فَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَى مَنْ لَمْ يَأْمَنْهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ الضَّامِنُ بِمَا قَضَاهُ عَنْهُ؟ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِالْقَضَاءِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْقَضَاءِ، وَكَانَ قَدْ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ مُبَرِّئٍ وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ، ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ مَيْتَةً أَوْ غَائِبَةً فَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ مَا قَصَّرَ

وَلَا فَرَّطَ.
وَإِنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ مَرْدُودَةٍ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ، كَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ، لَمْ يَرْجِعْ الضَّامِنُ لِتَفْرِيطِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ كَعَدَمِهَا، وَإِنْ رُدَّتْ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ، كَالْفِسْقِ الْبَاطِنِ، أَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا، مِثْلُ أَنْ أَشْهَدَ عَبْدَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَاحِدًا، فَرُدَّتْ لِذَلِكَ، أَوْ كَانَ مَيْتًا أَوْ غَائِبًا، احْتَمَلَ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِبَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لَيْسَ إلَيْهِ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَدَ مَنْ لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِ.
وَإِنْ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ بِحَضْرَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَرْجِعُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا كَانَ الِاحْتِيَاطُ إلَيْهِ، فَإِذَا تَرَكَ التَّحَفُّظَ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَهُوَ الْمُفَرِّطُ دُونَ الضَّامِنِ.
وَالثَّانِي، لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى قَضَاءً لَا يُبْرِئُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى فِي غَيْبَتِهِ.
فَأَمَّا إنْ رَجَعَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الضَّامِنِ، فَاسْتَوْفِي مِنْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَ بِهِ ذِمَّتَهُ ظَاهِرًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِمَا قَضَاهُ أَوَّلًا دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ حَصَلَتْ بِهِ فِي الْبَاطِنِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا أَبْرَأَهُ ظَاهِرًا، وَالثَّانِيَ مَا أَبْرَأَهُ بَاطِنًا.
وَلَنَا، أَنَّ الضَّامِنَ أَدَّى عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِإِذْنِهِ إذَا أَبْرَأَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَرَجَعَ بِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْمُبْرِئَ فِي الْبَاطِنِ مَا أَوْجَبَ الرُّجُوعَ، فَيَجِبُ أَنْ يَجِبَ بِالْبَاقِي الْمُبْرِئِ فِي الظَّاهِرِ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمَضْمُونُ لَهُ بِالْقَضَاءِ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ لِلْمَضْمُونِ لَهُ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْقَبْضِ مِنْ الضَّامِنِ، فَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَهُ صَارَ لِلضَّامِنِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ، لِكَوْنِهِ إقْرَارًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ مُدَّعٍ لِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَقَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ، كَشَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ بِالرَّضَاعِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِخَبَرِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ.

[فَصْلٌ لَا يَدْخُلُ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ خِيَارٌ]

(3591) فَصْلٌ: وَلَا يَدْخُلُ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ جُعِلَ لِيُعْرَفَ مَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالضَّمِينُ وَالْكَفِيلُ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ خِيَارٌ، كَالنَّذْرِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ.
فَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّ الْكَفَالَةَ تَبْطُلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، فَفَسَدَتْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى الضَّمَانِ وَالْكَفَالَة لُزُومُ مَا ضَمِنَهُ أَوْ كَفَلَ بِهِ، وَالْخِيَارُ يُنَافِي ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَتَصِحَّ الْكَفَالَةُ، كَمَا قُلْنَا فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ

كَفَلَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُبْطِلُهُ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ.

[فَصْلٌ ضَمِنَ رَجُلَانِ عَنْ رَجُلٍ أَلْفًا]

(3592) فَصْلٌ: وَإِذَا ضَمِنَ رَجُلَانِ عَنْ رَجُلٍ أَلْفًا، ضَمَانَ اشْتِرَاطٍ فَقَالَا: ضَمِنَّا لَك الْأَلْفَ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِنِصْفِهِ.
وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ ثُلُثَهُ.
فَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَنَا وَهَذَانِ ضَامِنُونَ لَك الْأَلْفَ.
فَسَكَتَ الْآخَرَانِ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ.
فَهَذَا ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ وَانْفِرَادٍ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْأَلْفِ كُلِّهِ إنْ شَاءَ.
وَإِنْ أَدَّى أَحَدُهُمْ الْأَلْفَ كُلَّهُ، أَوْ حِصَّتَهُ.
لَمْ يَرْجِعْ إلَّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ أَصْلِيٌّ، وَلَيْسَ بِضَامِنٍ عَنْ الضَّامِنِ الْآخَرِ.

[مَسْأَلَةٌ مِنْ كِفْل بِنَفْسِ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا]

(3593) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ.
(وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ صَحِيحَةٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
هَذَا مَذْهَبُ شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ: الْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ ضَعِيفَةٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ صَحِيحَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ فِي الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ وَالْأَثَرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهَا قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِعَيْنٍ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَالْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ وَبَدَنِ الشَّاهِدِينَ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدٍ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدِ الْكَفَالَة، كَالْمَالِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ عَلَى الْكَفِيلِ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَعَ حَيَاتِهِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَغْرَمُ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . وَلِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَالَةِ، فَوَجَبَ بِهَا الْغُرْمُ، كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانِ أَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ]

(3594) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ، أَوْ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِبَدَنِهِ، أَوْ بِوَجْهِهِ، كَانَ كَفِيلًا بِهِ.
وَإِنْ كَفَلَ بِرَأْسِهِ أَوْ كَبِدِهِ، أَوْ جُزْءٍ لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ، أَوْ بِجُزْءِ شَائِعٍ مِنْهُ، كَثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ، صَحَّتْ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ ذَلِكَ إلَّا بِإِحْضَارِهِ كُلِّهِ.
وَإِنْ تَكَفَّلَ بِعُضْوٍ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ زَوَاله، كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَصِحُّ الْكَفَالَةُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ

إحْضَارُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى صِفَتِهَا إلَّا بِإِحْضَارِ الْبَدَنِ كُلِّهِ، فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمْلَةِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْبَعْضِ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ بِدُونِ الْجُمْلَةِ مَعَ بَقَائِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ، وَلَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَسْرِي لَا يَصِحُّ إذَا خُصَّ بِهِ عُضْوٌ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.

[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ كُلّ مَنْ يَلْزَمُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدِينِ لَازِمٍ]

(3595) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدَيْنٍ لَازِمٍ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَاب الشَّافِعِيَّةِ: لَا تَصِحُّ بِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ، وَلَا يُمْكِنُ طَلَبُهُ مِنْهُ لِجَهْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْبَدَنِ لَا بِالدَّيْنِ، وَالْبَدَنُ مَعْلُومٌ، فَلَا تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ لِاحْتِمَالِ عَارِضٍ، وَلِأَنَّا قَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ ضَمَانَ الْمَجْهُولِ يَصِحُّ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَالِ ابْتِدَاءً، فَالْكَفَالَةُ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ ابْتِدَاءً أَوْلَى.
وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَجِبُ إحْضَارُهُمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ، وَإِذْنُ وَلِيِّهِمَا يَقُومُ مَقَامَ إذْنِهِمَا.
وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ الْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَصِحُّ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَثِيقَةٍ صَحَّتْ مَعَ الْحُضُورِ صَحَّتْ مَعَ الْغَيْبَةِ وَالْحَبْسِ، كَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ، لِكَوْنِ الْمَحْبُوسِ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ، أَوْ أَمْرِ مَنْ حَبَسَهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى الْحَبْسِ بِالْحَقَّيْنِ جَمِيعًا، وَالْغَائِبُ يَمْضِي إلَيْهِ فَيُحَضِّرُهُ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ خَبَرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ: قَالَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يَلْزَمُهُ مَا عَلَيْهِ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ الرَّدُّ فِيهَا، فَلَا يَفْعَلُ.

[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ]

(3596) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، أَوْ لِآدَمِي كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي حُدُودِ الْآدَمِيِّ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَا كَفَالَةَ فِي حُدُودِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِعَانَ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ أَوْ حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِي، فَصَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ» . وَلِأَنَّهُ حَدٌّ، فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ فِيهِ كَحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ اسْتِيثَاقٌ، وَالْحُدُودُ مَبْنَاهَا عَلَى الْإِسْقَاطِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الِاسْتِيثَاقُ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ

لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَلَمْ تَصِحّ الْكَفَالَةُ بِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَحَدِّ الزِّنَى.

[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ بِالْمَكَاتِبِ مِنْ أَجْلِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ]

(3597) فَصْلٌ: وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالْمُكَاتِبِ مِنْ أَجْلِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ لَا يَلْزَمُهُ.
فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهِ، كَدَيْنِ الْكِتَابَةِ.

[فَصْلٌ الْكَفَالَةُ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً]

(3598) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً، كَمَا يَصِحُّ الضَّمَانُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، وَإِذَا أَطْلَقَ كَانَتْ حَالَّةً؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَدْخُلُهُ الْحُلُولُ اقْتَضَى إطْلَاقُهُ الْحُلُولَ، كَالثَّمَنِ وَالضَّمَانِ، فَإِذَا تَكَفَّلَ حَالًّا كَانَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِإِحْضَارِهِ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَهُنَاكَ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَكْفُولَ لَهُ تَسَلُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ غَرَضُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَدٌ حَائِلَةٌ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، فَإِنْ قَبِلَهُ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بَرِئْت إلَيْك مِنْهُ.
أَوْ قَدْ سَلَّمْته إلَيْك.
أَوْ قَدْ أَخْرَجْت نَفْسِي مِنْ كَفَالَتِهِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ، فَبَرِئَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهِ بَرِئَ، لِأَنَّهُ أَحْضَرَ مَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ غَرِيمِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ تَسَلُّمَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، فَبَرِئَ مِنْهُ كَالْمُسْلِمِ فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهِ، أَشْهَدَ عَلَى امْتِنَاعِهِ رَجُلَيْنِ، وَبَرِئَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى فَعَلَهُ، فَبَرِئَ مِنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ فَيُسَلِّمهُ إلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إحْضَارِهِ وَامْتِنَاعِ الْمَكْفُولِ لَهُ مِنْ قَبُوله.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ مَعَ وُجُودِ صَاحِبِ الْحَقِّ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَى نَائِبِهِ، كَحَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُؤَجَّلَةً، لَمْ يَلْزَمْ إحْضَارُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَأَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ بَرِئَ.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مُرْتَدًّا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يُؤْخَذْ بِالْحَقِّ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْمُضِيُّ إلَيْهِ وَإِعَادَتُهُ.
وَقَالَ ابْن شُبْرُمَةَ: يُحْبَسُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ أَدَائِهِ إمْكَانُ التَّسْلِيمِ.
وَإِنْ كَانَ حَالًّا كَالدَّيْنِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ فِيهَا وَلَمْ يُحْضِرْهُ، أَوْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ مَعَ إمْكَانِهِ، أُخِذَ بِمَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ مَكَانُهُ، لَمْ يُطَالَبْ الْكَفِيلُ بِإِحْضَارِهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ مَعَ إمْكَانِهِ حُبِسَ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وُجُوبِ الْغُرْمِ فِيمَا مَضَى.
وَإِنْ أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَسْلِيمِهِ، لَزِمَهُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ حُجَّةُ الْغَرِيمِ غَائِبَةً، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، أَوْ الدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ اقْتِضَاؤُهُ مِنْهُ، أَوْ قَدْ وَعَدَهُ بِالْإِنْظَارِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، كَمَا نَقُولُ فِي مَنْ دَفَعَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ حُلُولِهِ

[فَصْلٌ عَيَّنَ فِي الْكَفَالَةِ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان ثُمَّ أَحْضَرَهُ فِي غَيْرِهِ]

(3599) فَصْلٌ: وَإِذَا عَيَّنَ فِي الْكَفَالَةِ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان، فَأَحْضَرَهُ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْكَفَالَةِ.

وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ أَحْضَرَهُ بِمَكَانٍ آخَرَ مِنْ الْبَلَدِ وَسَلَّمَهُ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَتَى أَحْضَرَهُ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ، وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سُلْطَانٌ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَيُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُجَّةِ فِيهِ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي إحْضَارِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ، لَمْ يَبْرَأْ الْكَفِيلُ بِإِحْضَارِهِ فِيهِ، وَإِلَّا بَرِئَ، كَقَوْلِنَا فِيمَا إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ سَلَّمَ مَا شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان فِي غَيْرِهِ، فَلَمْ يَبْرَأْ، كَمَا لَوْ أَحْضَرَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي شَرَطَهُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِ الْحُجَّةِ فِيهِ، لِغَيْبَةِ شُهُودِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَهْرُبُ مِنْهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ، يُفَارِقُ مَا إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ عَجَّلَ الْحَقَّ قَبْلَ أَجَلِهِ، فَزَادَهُ خَيْرًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ وَجَبَ قَبُولُهُ.
وَإِنْ وَقَعَتْ الْكَفَالَةُ مُطْلَقَةً، وَجَبَ تَسْلِيمُهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ، كَالسَّلَمِ.
فَإِنْ سَلَّمَهُ فِي غَيْرِهِ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِهِ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَحْبُوسًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ مَحْبُوسًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَبْسَ يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ.
وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ مَحْبُوسًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْحَاكِمِ لَا يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ.
وَإِذَا طَالَبَ الْحَاكِمُ بِإِحْضَارِهِ، أَحْضَرَهُ مَجْلِسَهُ، وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ.
فَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ، حَبَسَهُ بِالْحَقِّ الْأَوَّلِ أَوْ حَقِّ الْمَكْفُولِ لَهُ.

[فَصْلٌ كِفْل إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ]

(3600) فَصْلٌ: وَإِنْ كَفَلَ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتُهُ فِيهِ، وَهَكَذَا الضَّمَانُ.
وَإِنْ جَعَلَهُ إلَى الْحَصَادِ وَالْجِزَازِ وَالْعَطَاءِ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، كَالْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ.
وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا هُنَا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، جَعَلَ لَهُ أَجَلًا لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَصَحَّ، كَالنَّذْرِ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَجْهُولٍ لَا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْكَفَالَةِ.
وَقَدْ رَوَى مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ كَفَلَ رَجُلًا آخَرَ، فَقَالَ: إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا،

وَإِلَّا فَمَا عَلَيْهِ عَلَى.
فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَلَكِنْ إنْ قَالَ: سَاعَةَ كَذَا.
لَزِمَهُ.
فَنَصَّ عَلَى تَعْيِينِ السَّاعَةِ وَتَوَقَّفَ عَنْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ وَقْتًا مُتَّسِعًا، أَوْ وَقْتَ شَيْءٍ يَحْدُثُ، مِثْلُ وَقْتِ الْحَصَادِ وَنَحْوه.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَنَحْو ذَلِكَ، صَحَّ.
وَإِنْ قَالَ: إلَى الْغَدِ أَوْ شَهْرِ كَذَا.
تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي السَّلَمِ.

[فَصْل تَكَفَّلَ بِرَجُلِ إلَى أَجَلٍ]

فَصْلٌ: وَإِذَا تَكَفَّلَ بِرَجُلٍ إلَى أَجَلٍ، إنْ جَاءَ بِهِ فِيهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ، صَحَّ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِخَطَرٍ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِقُدُومِ زَيْدٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُوجِبُ الْكَفَالَةِ وَمُقْتَضَاهَا، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنَّ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَلَكَ حَبْسِي.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى الْكَفَالَةِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إنْ قَالَ: إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَأَنَا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ، أَوْ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَالَك عَلَى فُلَانٍ.
أَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَا عَلَيْهِ.
أَوْ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ.
أَوْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ شَهْرًا.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَطَرٌ فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ بِهِ، كَمَجِيءِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ، وَلِأَنَّهُ إثْبَاتُ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُهُ، كَالْهِبَةِ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الضَّمَانَ إلَى سَبَبِ الْوُجُودِ، فَيَجِبُ أَنْ يَصِحَّ، كَضَمَانِ الدَّرَكِ.
وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ.
فَإِنْ قَالَ: كَفَلْت بِفُلَانٍ إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا.
وَإِلَّا فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ، أَوْ ضَامِنُ الْمَالِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ.
لَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ، وَالثَّانِيَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ فِيهِمَا.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: كَفَلْت بِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ.
لَمْ يَصِحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ.

[فَصْلٌ قَالَ كَفَلْت بِبَدَنِ فُلَانٍ عَلَى أَنْ يَبْرَأَ فُلَانٌ الْكَفِيلُ أَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ]

(3602) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: كَفَلْت بِبَدَنِ فُلَانٍ، عَلَى أَنْ يَبْرَأَ فُلَانٌ الْكَفِيلُ.
أَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَيَكُونُ فَاسِدًا وَتَفْسُدُ الْكَفَالَةُ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَحْوِيلَ الْوَثِيقَةِ الَّتِي عَلَى الْكَفِيلِ إلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ، إلَّا أَنْ يُبْرِئَ الْمَكْفُولُ لَهُ الْكَفِيلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَفَلَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَلَا تَثْبُتُ كَفَالَتُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ.
وَإِنْ قَالَ: كَفَلْت لَك بِهَذَا الْغَرِيمِ، عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانٍ.
أَوْ ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ، بِشَرْطِ أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ ضَمَانِ الدِّينِ الْآخَرِ، أَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانِ.
خُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فَسْخَ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ فَسْخِ بَيْعٍ آخَرَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ أَوْ الضَّمَانِ أَنْ يَتَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ لَهُ أَوْ الْمَكْفُولُ بِهِ بِآخَرَ، أَوْ يَضْمَنَ دَيْنًا عَلَيْهِ، أَوْ يَبِيعَهُ شَيْئًا عَيَّنَهُ، أَوْ يُؤْجِرَهُ دَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ تَكَفَّلَ اثْنَانِ بِوَاحِدِ]

(3603) فَصْلٌ: وَلَوْ تَكَفَّلَ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، صَحَّ.
وَأَيُّهُمْ قَضَى الدَّيْنَ بَرِئَ الْآخَرَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الضَّمَانِ.
وَإِنْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ، بَرِئَ كَفِيلَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَيْنِ، وَهُوَ إحْضَارُ نَفْسِهِ، فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا، كَمَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ.
وَإِنْ أَحْضَرَ أَحَدَ الْكَفِيلَيْنِ، لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْوَثِيقَتَيْنِ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ، فَلَمْ تَنْحَلَّ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا، أَوْ انْفَكَّ أَحَدُ الرَّهْنَيْنِ مِنْ قَضَاءِ الْحَقِّ.
وَفَارَقَ مَا إذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُمَا، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ مِمَّا تَكَفَّلَ بِهِ عَنْهُ، بَرِئَ فَرْعَاهُ،

وَكَّلَ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ لَيْسَ بِفَرْعٍ لِلْآخَرِ، فَلَمْ يَبْرَأْ بِبَرَاءَتِهِ.
وَلِذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَ الْمَكْفُولَ بِهِ بَرِئَ كَفِيلَاهُ.
وَلَوْ أُبْرِئَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ بَرِئَ وَحْدَهُ، دُونَ صَاحِبِهِ.

[فَصْل تَكَفَّلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا]

(3604) فَصْلٌ: وَلَوْ تَكَفَّلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ، فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَحْضَرَهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ، فَقَدْ الْتَزَمَ إحْضَارَهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا أَحْضَرَهُ عِنْدَ وَاحِدِ، بَرِئَ مِنْهُ، وَبَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ، وَكَمَا لَوْ ضَمِنَ دَيْنًا لِرَجُلَيْنِ، فَوَفَّى أَحَدَهُمَا حَقَّهُ.
"

[فَصْلٌ تَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ إلَى رِضَى الْكَفِيلِ]

(3605) فَصْلٌ: وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ إلَى رِضَى الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً إلَّا بِرِضَاهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَكْفُولِ لَهُ؛ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَهُ لَا قَبْضَ فِيهَا، فَصَحَّتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فِيهَا، كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهَا الْتِزَامُ حَقٍّ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُ فِيهَا، كَالنَّذْرِ، فَأَمَّا رِضَى الْمَكْفُولِ لَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُعْتَبَرُ، كَالضَّمَانِ.
وَالثَّانِي، يُعْتَبَرُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا إحْضَارُهُ، وَإِنْ تَكَفَّلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ مَعَهُ، وَلِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحُضُورُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَلْزَمَهُ الدَّيْنَ، وَفَارَقَ الضَّمَانَ، فَإِنَّ الضَّامِنَ يَقْضِي الْحَقَّ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ، مَتَى كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، فَأَرَادَ الْكَفِيلُ إحْضَارَهُ، لَزِمَهُ الْحُضُورُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ بِإِذْنِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهَا، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَهُ فَرَهَنَهُ بِإِذْنِهِ، كَانَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ إذَا طَلَبَهُ سَيِّدُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ طَلَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ مِنْهُ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ، وَقَدْ اسْتَنَابَ الْكَفِيلَ فِي طَلَبِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمَكْفُولُ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْغِلْ ذِمَّتَهُ، وَإِنَّمَا الْكَفِيلُ شَغَلَهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ بِذَلِكَ حَقٌّ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ: أَحْضِرْ كَفِيلَك.
كَانَ تَوْكِيلًا فِي إحْضَارِهِ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا.
وَإِنْ قَالَ: اُخْرُجْ مِنْ كَفَالَتِك.
احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيلًا فِي إحْضَارِهِ، كَاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُطَالَبَةً بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ تَوْكِيلًا، فَلَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ مَعَهُ.

[فَصْلٌ قَالَ رَجُلٌ لِآخَر اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ أَوْ اُكْفُلْ بِفُلَانِ]

(3606) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ، أَوْ اُكْفُلْ بِفُلَانٍ.
فَفَعَلَ، كَانَ الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ لَازِمَيْنِ لِلْمُبَاشِرِ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إرْشَادٌ وَحَثٌّ عَلَى فِعْلِ خَيْرٍ، فَلَمْ يُلْزِمْهُ بِهِ بِشَيْءٍ.

[مَسْأَلَةٌ مَوْتِ الْمَكْفُول بِهِ]

(3607) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ، بَرِئَ الْمُتَكَفِّلُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، سَقَطَتْ الْكَفَالَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ شَيْءٌ.
وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ

وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْحَكَمُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ: يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ غُرْمُ مَا عَلَيْهِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ اسْتَوْفَى مِنْ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ، وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ، فَلَزِمَ كَفِيلَهُ مَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ غَابَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحُضُورَ سَقَطَ عَنْ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَبَرِئَ الْكَفِيلُ، كَمَا لَوْ بَرِئَ مِنْ الدَّيْنِ.
وَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ أَجْلِهِ سَقَطَ عَنْ الْأَصْلِ، فَبَرِئَ الْفَرْعُ، كَالضَّامِنِ إذَا قَضَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ، وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَ، فَإِنَّ الْحُضُورَ لَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنَ؛ فَإِنَّهُ عُلِّقَ بِهِ الْمَالُ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ.

[فَصْلٌ قَالَ الْكَفِيلُ قَدْ بَرِئَ الْمَكْفُولُ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ]

(3608) فَصْلٌ: إذَا قَالَ الْكَفِيلُ: قَدْ بَرِئَ الْمَكْفُولُ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ.
أَوْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حِينَ كَفَلْته.
فَأَنْكَرَ الْمَكْفُولُ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَكَلَ، قُضِيَ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْكَفِيلُ أَنَّهُ تَكَفَّلَ بِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ، فَإِنَّ مَنْ كَفَلَ بِشَخْصٍ مُعْتَرِفٍ بِدَيْنِهِ فِي الظَّاهِرِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ.

[فَصْلٌ قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ لِلْكَفِيلِ أَبْرَأْتُك مِنْ الْكَفَالَةِ]

(3609) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ لِلْكَفِيلِ: أَبْرَأْتُك مِنْ الْكَفَالَةِ.
بَرِئَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ، كَالدَّيْنِ.
وَإِنَّ قَالَ: قَدْ بَرِئْت إلَى مِنْهُ.
أَوْ قَدْ رَدَدْته إلَى.
بَرِئَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوَفَاءِ الْحَقِّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ فِي الضَّمَانِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلْت بِهِ.
يَبْرَأُ الْكَفِيلُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ دُونَ الْمَكْفُولِ بِهِ.
وَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِقَبْضِ الْحَقِّ.
وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَقِيلَ: يَكُونُ إقْرَارًا بِقَبْضِ الْحَقِّ، فِيمَا إذَا قَالَ: بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلْت بِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَرَاءَتُهُ بِدُونِ قَبْضِ الْحَقِّ، بِإِبْرَاءِ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ مَوْتِ الْمَكْفُولِ بِهِ.
فَأَمَّا إنَّ قَالَ لِلْمَكْفُولِ بِهِ: أَبْرَأْتُك عَمَّا لِي قِبَلَك مِنْ الْحَقِّ.
أَوْ بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي قِبَلَك.
فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْحَقِّ، وَتَزُولُ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ مَا قَبْلَهُ.
وَإِنْ قَالَ: بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلَ بِهِ فُلَانٌ.
بَرِئَ، وَبَرِئَ كَفِيلُهُ.

[فَصْل كَانَ لِذِمِّيِّ عَلَى ذِمِّيٍّ خَمْرٌ]

(3610) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِذِمِّيِّ عَلَى ذِمِّيٍّ خَمْرٌ، فَكَفَلَ بِهِ ذِمِّيٌّ آخَرُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ لَهُ أَوْ الْمَكْفُولُ عَنْهُ، بَرِئَ الْكَفِيلُ وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ، لَمْ يَبْرَأْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَلْزَمُهُمَا قِيمَةُ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا، وَلَمْ يُوجَدْ إسْقَاطٌ وَلَا اسْتِيفَاءٌ، وَلَا وُجِدَ مِنْ الْمَكْفُولِ لَهُ مَا يُسْقِطُ حَقَّهُ، فَبَقِيَ بِحَالِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْخَمْرُ، كَمَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْكَفَالَةِ.
وَإِذَا بَرِئَ الْمَكْفُولُ بِهِ، بَرِئَ كَفِيلُهُ.
كَمَا لَوْ أَدَّى الدَّيْنَ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ لَهُ، بَرِئَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ

إذَا أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ بِهِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ الْكَفِيلُ وَحْدَهُ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُوبُ الْخَمْرِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ.

[فَصْلٌ قَالَ أَعْطِ فُلَانًا أَلْفًا فَفَعَلَ]

(3611) فَصْلٌ: فَإِذَا قَالَ: أَعْطِ فُلَانًا أَلْفًا.
فَفَعَلَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآمِرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَفَالَةً، وَلَا ضَمَانًا إلَّا أَنْ يَقُولَ: أُعْطِهِ عَنِّي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ خَلِيطًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ خَلِيطِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَعْطِهِ عَنِّي.
فَلَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا.
وَلَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ، فَقَالَ: أَعْطِهِ فُلَانًا.
حَيْثُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِأَجْلِ هَذَا الْقَوْلِ، بَلْ لِأَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا يَلْزَمهُ؛ أَدَاؤُهُ.

(3612) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ السَّفِينَةُ فِي الْبَحْرِ، وَفِيهَا مَتَاعٌ، فَخِيفَ غَرَقُهَا، فَأَلْقَى بَعْضُ مَنْ فِيهَا مَتَاعَهُ فِي الْبَحْرِ لِتَخِفَّ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، سَوَاءٌ أَلْقَاهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ أَوْ مُتَبَرِّعًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ.
فَإِنْ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: أَلْقِ مَتَاعَك.
فَأَلْقَاهُ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْرِهُهُ عَلَى إلْقَائِهِ، وَلَا ضَمِنَ لَهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ.
فَأَلْقَاهُ، فَعَلَى الْقَائِلِ ضَمَانُهُ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ صَحِيحٌ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ، وَأَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضُمَنَاءُ لَهُ.
فَفَعَلَ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَضْمَنُهُ الْقَائِلُ وَحْدَهُ، إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهُمْ.
قَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا ضَمَانُ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ الْجَمِيعَ، إنَّمَا يَضْمَنْ حِصَّتَهُ، وَأَخْبَرَ عَنْ سَائِرِ رُكْبَانِ السَّفِينَةِ بِضَمَانِ سَائِره، فَلَزِمَتْهُ حِصَّتُهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ وَانْفِرَادٍ، بِأَنْ يَقُولَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك مَتَاعَك أَوْ قِيمَتَهُ.
لَزِمَ الْقَائِلَ ضَمَانُ الْجَمِيعِ، وَسَوَاءٌ قَالَ هَذَا وَالْبَاقُونَ يَسْمَعُونَ فَسَكَتُوا، أَوْ قَالُوا: لَا نَفْعَلُ.
أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ بِهِ حَقٌّ.

[فَصْل لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَقَامَ بِهَا كَفِيلَيْنِ]

(3613) فَصْلٌ: قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَأَقَامَ بِهَا كَفِيلَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ، فَأَيُّهُمَا شَاءَ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، فَأَحَالَ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ رَجُلًا بِحَقِّهِ؟ فَقَالَ: يَبْرَأُ الْكَفِيلَانِ.
قُلْت: فَإِنْ مَاتَ الَّذِي أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ، وَيَذْهَبُ الْأَلْفُ.

[كِتَاب الشَّرِكَة]

[الشَّرِكَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ وَشَرِكَةُ عُقُودٍ]

ِ الشَّرِكَةُ: هِيَ الِاجْتِمَاعُ فِي اسْتِحْقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ.
وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: 24] . وَالْخُلَطَاءُ.
هُمْ الشُّرَكَاءُ.
وَمِنْ السُّنَّةِ، مَا رُوِيَ «أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ، فَاشْتَرَيَا فِضَّةً بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُمَا أَنَّ مَا كَانَ بِنَقْدٍ فَأَجِيزُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرُدُّوهُ.» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ قَالَ: يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا» . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنْهَا نُبَيِّنُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالشَّرِكَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ، وَشَرِكَةُ عُقُودٍ.
وَهَذَا الْبَابُ لِشَرِكَةِ الْعُقُودِ.
وَهِيَ أَنْوَاعٌ خَمْسَةٌ؛ شَرِكَةُ الْعِنَانِ، وَالْأَبْدَانِ، وَالْوُجُوهِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمُفَاوَضَةِ.
وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، كَالْبَيْعِ.
(3614) فَصْلٌ قَالَ أَحْمَدُ: يُشَارَكُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ، وَلَكِنْ لَا يَخْلُو الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالْمَالِ دُونَهُ وَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِالرِّبَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ مُشَارَكَتَهُمْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يُشَارِكْ الْمُسْلِمُ الْيَهُودِيَّ.
وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ مَالَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لَيْسَ بِطَيِّبٍ، فَإِنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْخَمْرَ، وَيَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا، فَكَرِهَتْ مُعَامَلَتُهُمْ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ بِيَدِ الْمُسْلِمِ» . وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي كَرَاهَةِ مَا خَلَوَا بِهِ، مُعَامَلَتُهُمْ بِالرِّبَا، وَبَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِيمَا حَضَرَهُ الْمُسْلِمُ أَوْ وَلِيَهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ

عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِمْ يُرْبُونَ.
كَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تُشَارِكَنَّ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا مَجُوسِيًّا؛ لِأَنَّهُمْ يُرْبُونَ، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحِلُّ.
وَهُوَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَثْبُتْ انْتِشَارُهُ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ أَمْوَالَهُمْ غَيْرُ طَيِّبَةٍ.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ «النَّبِيَّ، قَدْ عَامَلَهُمْ، وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ، وَأَرْسَلَ إلَى آخَرَ يَطْلُبُ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إلَى الْمَيْسَرَةِ، وَأَضَافَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ.
وَلَا يَأْكُلُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَيْسَ بِطَيِّبٍ» ، وَمَا بَاعُوهُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ قَبْلَ مُشَارَكَةِ الْمُسْلِمِ، فَثَمَنُهُ حَلَالٌ، لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا.
فَأَمَّا مَا يَشْتَرِيه أَوْ يَبِيعُهُ مِنْ الْخَمْرِ بِمَالِ الشَّرِكَةِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فَاسِدًا، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَكِيلِ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ مَيْتَةً، أَوْ عَامَلَ بِالرِّبَا، وَمَا خَفِيَ أَمْرُهُ فَلَمْ يُعْلَمْ، فَالْأَصْلُ إبَاحَتُهُ وَحِلُّهُ، فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ، فَإِنَّ أَحْمَدَ كَرِهَ مُشَارَكَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ، قَالَ: مَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِلُّ مَا لَا يَسْتَحِلُّ هَذَا.
قَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ عَمِّي: لَا تُشَارِكْهُ وَلَا تُضَارِبْهُ.
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، لِتَرْكِ مُعَامَلَتِهِ وَالْكَرَاهَةِ لِمُشَارَكَتِهِ، وَإِنْ فَعَلَ صَحَّ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ.

[مَسْأَلَةٌ شَرِكَة الْأَبْدَانِ]

(3615) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ جَائِزَةٌ) . مَعْنَى شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِيمَا يَكْتَسِبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، كَالصُّنَّاعِ يَشْتَرِكُونَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي صِنَاعَتِهِمْ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمْ.
وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِيمَا يَكْتَسِبُونَ مِنْ الْمُبَاحِ، كَالْحَطَبِ، وَالْحَشِيشِ، وَالثِّمَارِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْجِبَالِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَهَذَا جَائِزٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَ الْقَوْمُ بِأَبْدَانِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَالٌ، مِثْلُ الصَّيَّادِينَ وَالنَّقَّالِينَ وَالْحَمَّالِينَ.
قَدْ «أَشْرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ يَجِيئَا بِشَيْءٍ» . وَفَسَّرَ أَحْمَدُ صِفَةَ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ، فَقَالَ: يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يُصِيبَانِ مِنْ سَلَبَ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْغَانِمِينَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ فِي الصِّنَاعَةِ، وَلَا يَصِحُّ فِي اكْتِسَابِ الْمُبَاحِ، كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاغْتِنَامِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مُقْتَضَاهَا الْوَكَالَةُ وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ

فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَهَا مَلَكَهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ كُلُّهَا فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ عَلَى غَيْرِ مَالٍ.
فَلَمْ تَصِحَّ.
كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَاتُ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: اشْتَرَكْنَا أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَشْرَكَ بَيْنَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَغَانِمُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَيْفَ يَصِحُّ اخْتِصَاصُ هَؤُلَاءِ بِالشَّرِكَةِ فِيهَا؟ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: غَنَائِمُ بَدْرٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ شَاءَ.
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ لِهَذَا.
قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلَ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ لِمَنْ أَخَذَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُشْرِكَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» . فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ؛ مَنْ سَبَقَ إلَى أَخْذِ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرَكَ بَيْنَهُمْ فِيمَا يُصِيبُونَهُ مِنْ الْأَسْلَابِ وَالنَّفَلِ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ: جَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ الْغَنِيمَةَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنَائِمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] . وَالشَّرِكَةُ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْلُ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَبَاحَهُمْ أَخْذَهَا، فَصَارَتْ كَالْمُبَاحَاتِ، أَوْ لَمْ يُبِحْهَا لَهُمْ، فَكَيْفَ يَشْتَرِكُونَ فِي شَيْءٍ لِغَيْرِهِمْ؟ . وَفِي هَذَا الْخَبَرِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي مُبَاحٍ، وَفِيمَا لَيْسَ بِصِنَاعَةٍ، وَهُوَ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ جِهَتِي الْمُضَارَبَةِ، فَصَحَّتْ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ كَالْمَالِ، وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي الْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَصِحُّ فِي الْمُبَاحَاتِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي تَحْصِيلِهَا بِأُجْرَةِ، فَكَذَلِكَ يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ إذَا تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ، كَالتَّوْكِيلِ فِي بَيْعِ مَالِهِ.
(3616) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنَائِعِ.
فَأَمَّا مَعَ اخْتِلَافِهَا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ.

وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَمَلِ يَلْزَمُهُ، وَيَلْزَمُ صَاحِبَهُ، وَيُطَالَبُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا تَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمَا، لَمْ يُمْكِنْ الْآخَرَ أَنْ يَقُومَ بِهِ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ، أَمْ كَيْفَ يُطَالَبُ بِمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ الصَّنَائِعُ، وَلِأَنَّ الصَّنَائِعَ الْمُتَّفِقَةَ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَحْذَقُ فِيهَا مِنْ الْآخَرِ، فَرُبَّمَا يَتَقَبَّلُ أَحَدُهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ الْآخَرَ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّتَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَتَانِ.
وَقَوْلهمْ: يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَتَقَبَّلُهُ صَاحِبُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْوَكِيلَيْنِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِمَا فِي الْمُبَاحِ، وَلَا ضَمَانَ فِيهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ.
أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ بِمَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِعَمَلِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ.
صَحَّتْ الشَّرِكَةُ، وَعَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ عَمَلِ صَاحِبِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ وَالْأُجْرَةُ بَيْنِي وَبَيْنَك]

(3617) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَتَقَبَّلُ، وَأَنْت تَعْمَلُ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنِي وَبَيْنَك.
صَحَّتْ الشَّرِكَةُ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَصِحُّ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَلَنَا، أَنَّ الضَّمَانَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ، بِدَلِيلِ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، وَتَقَبُّلُ الْعَمَلِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ، فَصَارَ كَتَقَبُّلِهِ الْمَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالْعَمَلُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعَامِلُ الرِّبْحَ كَعَمَلِ الْمُضَارِبِ، فَيَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ.

[فَصْلٌ الرِّبْح فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ]

(3618) فَصْلٌ وَالرِّبْحُ، فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، مِنْ مُسَاوَاةٍ أَوْ تَفَاضُلٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ، وَيَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعَمَلِ، فَجَازَ تَفَاضُلُهُمَا فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمُطَالَبَةُ بِالْأُجْرَةِ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ دَفْعُهَا إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِلَى أَيِّهِمَا دَفَعَهَا بَرِئَ مِنْهَا.
وَإِنْ تَلْفِت فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا كَالْوَكِلَيْنِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَمَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْأَعْمَالِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا، يُطَالَبُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَلْزَمُهُ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا عَلَى الضَّمَانِ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الشَّرِكَةُ حَالَ الضَّمَانِ، فَكَأَنَّ الشَّرِكَةَ تَضَمَّنَتْ ضَمَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ مَا يَلْزَمُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ أَحَدَهُمَا مَا لَزِمَ الْآخَرَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَمَا يَتْلَفُ بِتَعَدِّي أَحَدِهِمَا أَوْ تَفْرِيطِهِ أَوْ تَحْت يَدِهِ، عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمَا فِي يَدِهِ، قُبِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمَا فِيهَا، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ، وَلَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ

(3619) فَصْلٌ: وَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا دُونِ صَاحِبِهِ، فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ.
وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي عَمَلِ الْأَبْدَانِ، فَيَأْتِي أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ، وَلَا يَأْتِي الْآخَرُ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَدِيثِ سَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
يَعْنِي حَيْثُ اشْتَرَكُوا فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَأَخْفَقَ الْآخَرَانِ.
وَلِأَنَّ الْعَمَلَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَبِضَمَانِهِمَا لَهُ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ، فَيَكُونُ لَهُمَا كَمَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَيَكُونُ الْعَامِلُ عَوْنًا لِصَاحِبِهِ فِي حِصَّتِهِ.
وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَقْصُرَ لَهُ ثَوْبًا، فَاسْتَعَانَ الْقَصَّارُ بِإِنْسَانِ.
فَقَصَرَ مَعَهُ، كَانَتْ الْأُجْرَةُ لِلْقِصَارِ الْمُسْتَأْجَرِ.
كَذَا هَاهُنَا.
وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْعَمَلَ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْره، فَإِنْ طَالَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ أَوْ يُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ، فَلَهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ امْتَنَعَ، فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَتَى تَرَكَ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، أَنْ لَا يُشَارِكْ صَاحِبَهُ فِي أُجْرَةِ مَا عَمِلَهُ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَارَكَهُ لِيَعْمَلَا جَمِيعًا، فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا الْعَمَلَ، فَمَا وَفَى بِمَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَا جُعِلَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ.
وَإِنَّمَا احْتَمَلَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا الْعَمَلَ لِعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.

[فَصْلٌ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَابَّةٌ عَلَى أَنْ يُؤْجَرَاهُمَا فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا]

(3620) فَصْلٌ: فَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَابَّةٌ، عَلَى أَنْ يُؤْجَرَاهُمَا، فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، صَحَّ.
فَإِذَا تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ مَعْلُومٍ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِمَا، ثُمَّ حَمَلَاهُ عَلَى الْبَهِيمَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا، صَحَّ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ؛ لِأَنَّ تَقَبُّلَهُمَا الْحَمْلَ أَثْبَتِ الضَّمَانَ، فِي ذِمَّتهمَا، وَلَهُمَا أَنْ يَحْمِلَاهُ بِأَيِّ ظَهْرٍ كَانَ، وَالشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ عَلَى الضَّمَانِ، كَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ.
وَإِنْ أَجَرَاهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْرُ دَابَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْ ضَمَانُ الْحَمْلِ فِي ذِمَمِهِمَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمُكْتَرِي مَنْفَعَةَ الْبَهِيمَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا، وَلِهَذَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ الَّتِي اكْتَرَاهَا، وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ إمَّا أَنْ تَنْعَقِدَ عَلَى الضَّمَانِ فِي ذِمَمِهِمَا، أَوْ عَلَى عَمَلِهِمَا.
وَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَمِهِمَا ضَمَانٌ، وَلَا عَمِلَا بِأَبْدَانِهِمَا مَا يَجِبُ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ، وَالْوَكَالَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: آجِرِهِ عَبْدَك، وَتَكُونُ أُجْرَتُهُ بَيْنِي وَبَيْنَك.
لَمْ تَصِحَّ.
كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ عَبْدَك وَثَمَنُهُ بَيْنَنَا.
لَمْ يَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ مِنْ الْمُبَاحِ بِأَبْدَانِهِمَا.
فَإِنْ أَعَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي التَّحْمِيلِ وَالنَّقْلِ، كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْله؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ وَفَّاهَا بِشُبْهَةِ عَقْدٍ.

[فَصْلٌ كَانَ لِقِصَارِ أَدَاة وَلِآخِرِ بَيْت فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِأَدَاةِ هَذَا فِي بَيْت هَذَا]

(3621) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لِقَصَّارٍ أَدَاةٌ، وَلِآخَرَ بَيْتٌ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِأَدَاةِ هَذَا فِي بَيْتِ هَذَا،

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل