باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْل وَقْتُ الْوُقُوفِ يَوْمَ عَرَفَةَ]
(2515) فَصْلٌ: وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
قَالَ جَابِرٌ: «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ» . قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْت لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَأَمَّا أَوَّلُهُ فَمِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ.
وَحُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ذَلِكَ إجْمَاعًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ مَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: (لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا وَدَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) .
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» ، وَلِأَنَّهُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَبَعْدِ الزَّوَالِ، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَبَعْدِ الْعِشَاءِ.
وَإِنَّمَا وَقَفُوا فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ وَقْتِ الْوُقُوفِ.
(2516) فَصْلٌ: وَكَيْفَمَا حَصَلَ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ عَاقِلٌ، أَجْزَأَهُ، قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ نَائِمًا.
وَإِنْ مَرَّ بِهَا مُجْتَازًا، فَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ، أَجْزَأَهُ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاقِفًا إلَّا بِإِرَادَةٍ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» . وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي زَمَنِ الْوُقُوفِ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَأَجْزَأْهُ كَمَا لَوْ عَلِمَ، وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ، وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ عَطَاءٌ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ: يُجْزِئُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: الْحَسَنُ يَقُولُ بَطَلَ حَجُّهُ، وَعَطَاءٌ يُرَخِّصُ فِيهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا طَهَارَةٌ.
وَيَصِحُّ مِنْ النَّائِمِ، فَصَحَّ مِنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ.
وَمِنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ: رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ.
فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، كَسَائِرِ أَرْكَانِهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَالسَّكْرَانُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ بِغَيْرِ نَوْمٍ، فَأَشْبَةَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّائِمُ فَيُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَيْقِظِ.
[فَصْل لَا يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ طَهَارَةٌ وَلَا سِتَارَةٌ وَلَا اسْتِقْبَالٌ وَلَا نِيَّةٌ]
(2517) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوفِ طَهَارَةٌ، وَلَا سِتَارَةٌ، وَلَا اسْتِقْبَالٌ، وَلَا نِيَّةٌ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
قَالَ
ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ غَيْرَ طَاهِرٍ، مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ.
وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَفِي «قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ.» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَائِزٌ، وَوَقَفَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، بِهَا حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا.
قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا عَلَى وُضُوءٍ، كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: لَا يَقْضِي شَيْئًا مِنْ الْمَنَاسِكِ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ.
.
[مَسْأَلَة إذَا دَفَعَ الْإِمَامُ إلَى مُزْدَلِفَةَ دَفَعَ مَعَهُ]
(2518) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ، دَفَعَ مَعَهُ إلَى مُزْدَلِفَةَ) الْإِمَامُ هَاهُنَا الْوَالِي الَّذِي إلَيْهِ أَمْرُ الْحَجِّ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ.
وَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَدْفَعُوا حَتَّى يَدْفَعَ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ.
وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا وَجَدْت عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ سَهَّلَ فِيهِ، كُلُّهُمْ يُشَدِّدُ فِيهِ.
فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يَدْفَعَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَسِيرُ نَحْوَ الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ دَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِنَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ بِالزِّمَامِ، حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيب مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» . هَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيضَاعِ الْإِبِلِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: «سُئِلَ أُسَامَةُ، وَأَنَا جَالِسٌ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» . قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَة الْإِكْثَار مِنْ الذَّكَر بَعْدَ الْإِفَاضَة مِنْ عَرَفَاتٍ]
(2519) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى) ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يُسْتَحَبُّ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، وَهُوَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَشَدُّ تَأْكِيدًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198] . وَلِأَنَّهُ زَمَنُ الِاسْتِشْعَارِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّلَبُّسِ بِعِبَادَتِهِ، وَالسَّعْيِ إلَى شَعَائِرِهِ.
وَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ.
وَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يُلَبِّي
وَلَنَا، مَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: شَهِدْت ابْنَ مَسْعُودٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ يُلَبِّي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ كَلِمَةً.
فَسَمِعْته زَادَ فِي تَلْبِيَتِهِ شَيْئًا لَمْ أَسْمَعْهُ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَهَا: لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَكَهَا.
وَإِنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى، جَازَ.
[مَسْأَلَة السُّنَّةَ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَصِلَ مُزْدَلِفَةَ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ، بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا بَأْسَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ، أَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَصِلَ مُزْدَلِفَةَ، فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
لَا خِلَافَ فِي هَذَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ يَجْمَعَ الْحَاجُّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
رَوَاهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأُسَامَةُ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَغَيْرُهُمْ.
وَأَحَادِيثُهُمْ صِحَاحٌ.
وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً؛ لِمَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَقُلْت لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَك.
فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَلَ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَبِهِ قَالَ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةِ الْأَوْلَى فَلَا بَأْسَ.
يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ أَذَّنَ لِلْأَوْلَى وَأَقَامَ، ثُمَّ أَقَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّهُ يُرْوَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِسَائِرِ الْفَوَائِتِ وَالْمَجْمُوعَاتِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ إقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ أُسَامَةُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ، وَقَدْ اتَّفَقَ هُوَ وَجَابِرٌ فِي حَدِيثِهِمَا عَلَى إقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَاتَّفَقَ أُسَامَةُ وَابْنُ عُمَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ قَالَ: بِإِقَامَةٍ.
قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ
حَدِيثًا مَرْفُوعًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بِالتَّأْذِينِ لِلثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا لِعَشَائِهِمْ، فَأَذَّنَ لِجَمْعِهِمْ، وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْعَشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.
[مَسْأَلَة إنْ فَاتَهُ الْجَمْع مَعَ الْإِمَامِ بمزدلفة صَلَّى ى وَحْدَهُ]
(2521) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ، صَلَّى وَحْدَهُ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ مُنْفَرِدًا، كَمَا يَجْمَعُ مَعَ الْإِمَامِ.
وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا، بِخِلَافِ الْعَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ كَذَلِكَ، وَلِمَا رَوَى أُسَامَةُ، قَالَ: ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ، فَصَلَّاهَا.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَتَيْنَا إلَى مُزْدَلِفَةَ حِينَ الْأَذَانِ بِالْعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ، ثُمَّ أَمَرَ - أَرَى - فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ.
وَلِأَنَّ الْجَمْعَ مَتَى كَانَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَضُرَّ التَّفْرِيقُ شَيْئًا.
(2522) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ بِالصَّلَاتَيْنِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ حَطِّ الرَّحَّال؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ لِلْمَغْرِبِ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَصَلَّى ثُمَّ حَلُّوا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا تَطَوُّعَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ تَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا، وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلَنَا، حَدِيثُ أُسَامَةَ وَابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» . وَحَدِيثُهُمَا أَصَحُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْكِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا.
(2523) فَصْلٌ: فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مُزْدَلِفَةَ وَلَمْ يَجْمَعْ، خَالَفَ السُّنَّةَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعُرْوَةُ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَكَانَ نُسُكًا، وَقَدْ قَالَ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) . وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ، وَلِئَلَّا يَنْقَطِعَ سَيْرُهُ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْجَمْعِ بِعَرَفَةَ.
[مَسْأَلَة إذَا صَلَّى الْفَجْرَ بِمُزْدَلِفَةَ وَقَفَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَدَعَا]
(2524) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا صَلَّى الْفَجْرَ، وَقَفَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَدَعَا)
يَعْنِي أَنَّهُ يَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَيُصَلِّي الصُّبْحَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُعَجِّلَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، لِيَتَّسِعَ وَقْتُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعْ.
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
نَحْوَ هَذَا.
ثُمَّ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ، وَقَفَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ قُزَحُ، فَيَرْقَى عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ، وَإِلَّا وَقَفَ عِنْدَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَاهُ وَاجْتَهَدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] .
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ.
«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَرَقَى عَلَيْهِ، فَدَعَا اللَّهَ وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ وَوَحَّدَهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتنَا فِيهِ، وَأَرَيْتنَا إيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِك، كَمَا هَدَيْتنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتنَا بِقَوْلِك، وَقَوْلُك الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198] ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] . وَيَقِفُ حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا» ؛ لِمَا فِي حَدِيث جَابِرٍ؛ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» .
(2525) فَصْلٌ: وَلِلْمُزْدَلِفَةِ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ: مُزْدَلِفَةُ، وَجَمْعٌ، وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ.
وَحَدُّهَا مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إلَى قَرْنِ مُحَسِّرٍ، وَمَا عَلَى يَمِينِ ذَلِكَ وَشِمَالِهِ مِنْ الشِّعَابِ، فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَفَ مِنْهَا أَجْزَأَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُزْدَلِفَةُ مَوْقِفٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «وَقَفْت هَاهُنَا بِجَمْعٍ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» . وَلَيْسَ وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مُزْدَلِفَةَ؛ لِقَوْلِهِ: «وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ.»
[فَصْل الْمَبِيتُ بمزدلفة وَاجِب وَمَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ]
(2526) فَصْل: وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ، مَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ: مَنْ فَاتَهُ جَمْعٌ فَاتَهُ الْحَجُّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» .
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . يَعْنِي مَنْ جَاءَ عَرَفَةَ.
وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، فَالْمَنْطُوقُ بِهِ فِيهِمَا لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الْحَجِّ إجْمَاعًا، فَإِنَّهُ لَوْ
بَاتَ بِجَمْعٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ فِيهَا، صَحَّ حَجُّهُ، فَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْمَبِيتَ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا، وَكَذَلِكَ شُهُودُ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ فِي آخِرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيجَابِ، أَوْ الْفَضِيلَةِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ.
(2527) فَصْلٌ: وَمَنْ بَاتَ بِمُزْدَلِفَةَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الدَّفْعُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَإِنْ دَفَعَ بَعْدَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ مَرَّ بِهَا وَلَمْ يَنْزِل، فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ نَزَلَ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ مَتَى مَا شَاءَ دَفَعَ.
وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاتَ بِهَا، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَإِنَّمَا أُبِيحَ الدَّفْعُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ بِمَا وَرَدَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِيهِ، فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْت فِي مَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى.
وَعَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْت: نَعَمْ.
قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا.
فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتْ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتْ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلهَا، قُلْت لَهَا: أَيْ هَنْتَاهْ، مَا أَرَانَا إلَّا غَلَّسْنَا.
قَالَتْ: كَلًّا يَا بُنَيَّ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِلظُّعُنِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَمَنْ دَفَعَ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَعُدْ فِي اللَّيْل، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ عَادَ فِيهِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، كَاَلَّذِي دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ نَهَارًا.
وَمِنْ لَمْ يُوَافِقْ مُزْدَلِفَةَ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُهُ، كَمَنْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ بِعَرَفَاتٍ دُونَ النَّهَارِ.
وَالْمُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَبِيتِ إلَى أَنْ يُصْبِحَ، ثُمَّ يَقِفُ حَتَّى يُسْفِرَ.
وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ، وَمِمَّنْ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَائِشَةُ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِهِمْ، وَدَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّحَامِ عَنْهُمْ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[مَسْأَلَة السُّنَّةَ الدَّفْع مِنْ مُزْدَلِفَة قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ]
(2528) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ.
قَالَ عُمَرُ: «إنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، كَيْمَا نُغِيرُ.
وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى الدَّفْعَ قَبْلَ الْإِسْفَارِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَخَّرَ فِي الْوَقْتِ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إنِّي أَرَاهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَدَفَعَ وَدَفَعَ النَّاسُ مَعَهُ.
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَدْفَعُ كَانْصِرَافِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ.
وَانْصَرَفَ ابْنُ عُمَرَ حِينَ أَسْفَرَ وَأَبْصَرَتْ الْإِبِلُ مَوْضِعَ أَخْفَافِهَا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسِيرَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَيْرِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، «وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ.
فَمَا رَأَيْتهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى.»
[مَسْأَلَة يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ]
(2529) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ، وَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُلَبٍّ) يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ جَمْعٍ وَمِنًى، فَإِنْ كَانَ مَاشِيًا أَسْرَعَ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا حَرَّكَ دَابَّتَهُ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُ لَمَّا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا» . وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَمَّا أَتَى مُحَسِّرَ أَسْرَعَ، وَقَالَ:
إلَيْك تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
وَذَلِكَ قَدْرُ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ، وَيَكُونُ مُلَبِّيًا فِي طَرِيقِهِ، فَإِنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ، وَرَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ، «قَالَ: شَهِدْت الْإِفَاضَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَهُوَ كَافٌّ بَعِيرَهُ، وَلَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» . وَعَنْ الْأَسْوَدِ، قَالَ: أَفَاضَ عُمَرُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَهُوَ يُلَبِّي بِثَلَاثِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك.
وَلِأَنَّ التَّلْبِيَةَ
مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ، فَلَا يَقْطَعُ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْإِحْلَالِ، وَأَوَّلُهُ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
[مَسْأَلَة يَأْخُذ حَصَى الْجِمَار مِنْ طَرِيقه أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ]
(2530) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ) إنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عِنْدَ قُدُومِهِ بِشَيْءٍ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَإِنَّ الرَّمْيَ تَحِيَّةٌ لَهُ، كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، فَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ الْحَصَى مِنْ جَمْعٍ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ: كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ الْحَصَى مِنْ جَمْعٍ.
وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: خُذْ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شِئْت.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَهُوَ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: اُلْقُطْ لِي حَصًى.
فَلَقَطْت لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا» . «ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَك مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَكَانَ ذَلِكَ بِمِنًى، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَخْذُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ، وَالْتِقَاطُ الْحَصَى أَوْلَى مِنْ تَكْسِيرِهِ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِي التَّكْسِيرِ أَنْ يَطِيرَ إلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْحَصَيَاتُ كَحَصَى الْخَذْفِ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِقَوْلِ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ: كُلُّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ.
وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إذَا رَأَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ الْأَثْرَمُ: يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْمِي بِمِثْلِ بَعْرِ الْغَنَمِ.
فَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْحَصَى عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَنَهَى عَنْ تَجَاوُزِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْكَبِيرِ رُبَّمَا آذَى مَنْ يُصِيبُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُجْزِئُهُ مَعَ تَرْكِهِ لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَمَى بِالْحَجَرِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الصَّغِيرِ.
[فَصْل يُجْزِئُ الرَّامِي بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصَى]
(2531) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ الرَّامِيَ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصًى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ، مِنْ الْمَرْمَرِ، أَوْ الْبِرَامِ، أَوْ الْمَرْوِ، وَهُوَ الصَّوَّانُ، أَوْ الرُّخَامِ، أَوْ الْكَذَّانِ، أَوْ حَجَرِ الْمِسَنِّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ الرُّخَامُ وَلَا الْبِرَامُ وَالْكَذَّانُ.
وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ، أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَرْوُ وَلَا حَجَرُ الْمِسَنِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ، وَمَا كَانَ
مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ.
وَنَحْوَهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، أَنَّهَا رَمَتْ الْجَمْرَةَ وَرَجُلٌ يُنَاوِلُهَا الْحَصَى، تُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَسَقَطَتْ حَصَاةٌ فَرَمَتْ بِخَاتَمِهَا.
وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى بِالْحَصَى، وَأَمَرَ بِالرَّمْيِ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْحَصَى، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَدْخُلُ الْقِيَاسُ فِيهِ.
(2532) فَصْلٌ: وَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أُخِذَ مِنْ الْمَرْمِيِّ لَمْ يُجْزِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ حَصًى، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمِيِّ.
وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الرَّمْيُ بِمَا رُمِيَ بِهِ، لَمَا احْتَاجَ أَحَدٌ إلَى أَخْذِ الْحَصَى مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ، وَلَا تَكْسِيرِهِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا يُقْبَلُ مِنْهَا يُرْفَعُ.
وَإِنْ رَمَى بِخَاتَمِ فِضَّةٍ حَجَرًا، لَمْ يُجْزِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَالرَّمْيُ بِالْمَتْبُوعِ لَا بِالتَّابِعِ.
[مَسْأَلَة الِاسْتِحْبَاب أَنْ يَغْسِل حَصَى الرَّمْي]
(2533) مَسْأَلَة: قَالَ: (وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَغْسِلَهُ) اخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَهُ، وَكَانَ طَاوُسٌ يَفْعَلُهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَحَرَّى سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ.
وَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِك، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا لُقِطَتْ لَهُ الْحَصَيَاتُ، وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرِهِ، يَقْبِضُهُنَّ فِي يَدِهِ، لَمْ يَغْسِلْهُنَّ، وَلَا أَمَرَ بِغَسْلِهِنَّ، وَلَا فِيهِ مَعْنَى يَقْتَضِيهِ.
فَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ نَجِسٍ أَجْزَأْهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَاةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِهِ الْعِبَادَةَ، فَاعْتُبِرَتْ طَهَارَتُهُ، كَحَجَرِ الِاسْتِجْمَار وَتُرَابِ التَّيَمُّمِ.
وَإِنْ غَسَلَهُ، وَرَمَى بِهِ، أَجْزَأَهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَعَدَدُ الْحَصَى سَبْعُونَ حَصَاةً، يَرْمِي مِنْهَا بِسَبْعٍ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَسَائِرهَا فِي أَيَّامِ مِنًى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ]
(2534) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا وَصَلَ إلَى مِنًى، رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ فِي إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) حَدُّ مِنًى مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَلَيْسَ مُحَسِّرٌ وَالْعَقَبَةُ مِنْ مِنًى.
وَيُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَكَهَا.
كَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ.
فَإِذَا وَصَلَ مِنًى بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَهِيَ آخِرُ الْجَمَرَات مِمَّا يَلِي مِنًى، وَأَوَّلُهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ، وَهِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ.
وَهَذَا بِجُمْلَتِهِ قَوْلُ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَإِنْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا جَازَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَاءَ وَالزِّحَامُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَصَعِدَ فَرَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا.
وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ مَشَى مَعَ «عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَطْنِ الْوَادِي أَعْرَضَهَا فَرَمَاهَا، فَقِيلَ، لَهُ: إنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا.
فَقَالَ: مِنْ هَاهُنَا، وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، رَأَيْت الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ رَمَاهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ، مِنْ هَاهُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَلَا يُسَنُّ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، رَوَيَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، انْصَرَفَ وَلَمْ يَقِفْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ: فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ.
وَإِنْ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَعَمَلًا مَشْكُورًا.
فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنَ عُمَرَ كَانَا يَقُولَانِ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَرَوَى حَنْبَلٌ، فِي (الْمَنَاسِكِ) ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَعَمَلًا مَشْكُورًا.
فَسَأَلْته عَمَّا صَنَعَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى الْجَمْرَةَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَيَقُولُ كُلَّمَا رَمَى حَصَاةً مِثْلَمَا قُلْت» . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يُحِبُّونَ ذَلِكَ.
(2535) فَصْلٌ: وَيَرْمِيهَا رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا كَيْفَمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ.
رَوَاهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأُمُّ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ جَابِرٌ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى دَابَّتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَكَانَ لَا يَأْتِي سَائِرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا مَاشِيًا، ذَاهِبًا وَرَاجِعًا.
وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْتِيهَا إلَّا مَاشِيًا، ذَاهِبًا وَرَاجِعًا.
رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي (الْمُسْنَدِ) .
وَفِي هَذَا بَيَانٌ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الْجَمْرَةِ وَغَيْرِهَا.
وَلِأَنَّ رَمْيَ هَذِهِ الْجَمْرَةِ مِمَّا يُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِنْدَ قُدُومِهِ، وَلَا يُسَنُّ عِنْدَهَا وُقُوفٌ، وَلَوْ سُنَّ لَهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا لَشَغَلَهُ النُّزُولُ عَنْ الْبِدَايَةِ بِهَا، وَالتَّعْجِيلِ إلَيْهَا، بِخِلَافِ سَائِرِهَا.
[فَصْل لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَة وَقْتَانِ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ إجْزَاءٍ]
(2536) فَصْلٌ: وَلِرَمْيِ هَذِهِ الْجَمْرَةِ وَقْتَانِ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتُ إجْزَاءٍ، فَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَبَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ وَحْدَهُ، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يُلَطِّخُ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: أَبَنِيَّ، عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَكَانَ رَمْيُهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُجْزِئُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَانَ أَوْلَى.
وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ، فَأَوَّلُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ: لَا يَرْمِيهَا إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّلَ الْإِفَاضَةَ، وَتُوَافِيَ مَكَّةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ» . وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا رَمَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَصَلَّتْ الصُّبْحَ، وَذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِلظُّعُنِ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ، كَبَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إلَى آخِرِ النَّهَارِ، جَازَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْمَغِيبِ، فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا لَهَا.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، قَالَ رَجُلٌ: رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت؟ فَقَالَ: لَا حَرَجَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِنْ أَخَّرَهَا إلَى اللَّيْلِ، لَمْ يَرْمِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَيَعْقُوبُ: يَرْمِي لَيْلًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» . وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: مَنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» . إنَّمَا كَانَ فِي النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَكُونُ الْيَوْمُ إلَّا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَرْمِي لَيْلًا وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَرَّةً قَالَ: لَا دَمَ عَلَيْهِ.
[فَصْل لَا يُجْزِئهُ الرَّمْيُ إلَّا أَنْ يَقَع الْحَصَى فِي الْمَرْمِيّ]
(2537) فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُهُ الرَّمْيُ إلَّا أَنْ يَقَعَ الْحَصَى فِي الْمَرْمَى، فَإِنْ وَقَعَ دُونَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ وَلَمْ يَرْمِ.
وَإِنْ طَرَحَهَا طَرْحًا؛ أَجْزَأْهُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى رَمْيًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ
الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِئُهُ.
وَإِنْ رَمَى حَصَاةً، فَوَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى، فَأَطَارَتْ حَصَاةً أُخْرَى، فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى، لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الَّتِي رَمَاهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْمَرْمَى.
وَإِنْ رَمَى حَصَاةً، فَالْتَقَمَهَا طَائِرٌ قَبْلَ وُصُولِهَا، لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْمَرْمَى.
وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى مَوْضِعٍ صُلْبٍ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى، ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ عَلَى الْمَرْمَى، أَوْ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ، ثُمَّ طَارَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى، أَجْزَأَتْهُ، لِأَنَّ حُصُولَهُ بِفِعْلِهِ.
وَإِنْ نَفَضَهَا ذَلِكَ الْإِنْسَانُ عَنْ ثَوْبِهِ، فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى، فَعَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِرَمْيِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ حُصُولَهَا فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِ الثَّانِي، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا بِيَدِهِ فَرَمَى بِهَا.
وَإِنْ رَمَى حَصَاةً، فَشَكَّ: هَلْ وَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى أَوْ لَا؟ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرَّمْيِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهِ، أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ دَلِيلٌ.
وَإِنْ رَمَى الْحَصَيَاتِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: يُجْزِئُهُ، وَيُكَبِّرُ لِكُلِّ حَصَاةٍ.
وَلَنَا، أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى سَبْعَ رَمَيَاتٍ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي الرَّمْيِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ.
[مَسْأَلَةٌ قطع التَّلْبِيَة عِنْد ابْتِدَاء الرَّمْي لِجَمْرَةِ الْعَقَبَة]
(2538) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ) وَمِمَّنْ قَالَ: يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ.
ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةُ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَائِشَةَ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهُمَا كَانَا يُلَبِّيَانِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ.
وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ سَعْدٍ، وَعَائِشَةَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: يُلَبِّي حَتَّى يُصَلِّيَ الْغَدَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ
رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
وَكَانَ رَدِيفَهُ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ» ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَهُ.
وَاسْتُحِبَّ قَطْعُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ؛ لِلْخَبَرِ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ.
رَوَاهُ حَنْبَلٌ، فِي (الْمَنَاسِكِ) وَهَذَا بَيَانٌ يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُلَبِّي، وَلِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالرَّمْيِ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ، كَالْمُعْتَمِرِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِالشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ]
(2539) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَنْحَرُ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، لَمْ يَقِفْ، وَانْصَرَفَ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ نَحْرُ الْهَدْيِ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَاجِبٌ، اشْتَرَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يُضَحِّيَ، اشْتَرَى مَا يُضَحِّي بِهِ، وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ، وَيَذْبَحُ مَا سِوَاهَا.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِيَدِهِ، وَإِنْ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ جَازَ.
هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ،
وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» . وَقَالَ أَنَسٌ: «نَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ سَبْعَ بَدَنَاتٍ قِيَامًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[فَصْل السُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى]
(2540) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى، فَيَضْرِبُهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ.
وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَاسْتَحَبَّ عَطَاءٌ نَحْرَهَا بَارِكَةً.
وَجَوَّزَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ كُلَّ ذَلِكَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى دِينَارُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: «رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ لِيَنْحَرَهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا» .
وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36] . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُنْحَرُ قَائِمَةً.
وَيُرْوَى فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] . أَيْ قِيَامًا.
وَتُجْزِئُهُ كَيْفَمَا نَحَرَ.
قَالَ أَحْمَدُ: يَنْحَرُ الْبُدْنَ مَعْقُولَةً عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ، وَإِنْ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَنْفِرَ أَنَاخَهَا.
[فَصْل يُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ]
(2541) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
وَإِنْ قَالَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسَنٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا ذَبَحَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.
بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَوَجَّهَ الذَّبِيحَةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، تَرَكَ الْأَفْضَلَ، وَأَجْزَأَهُ.
هَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهَانِ الْأَكْلَ مِنْ الذَّبِيحَةِ تُوَجَّهُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى وُجُوبِهِ دَلِيلٌ.
[فَصْل وَقْت نَحْر الْأُضْحِيَّة وَالْهَدْي]
(2542) فَصْلٌ: وَوَقْتُ نَحْرِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: هُوَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَيَّامُ النَّحْرِ يَوْمُ الضُّحَى، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: يَوْمٌ وَاحِدٌ.
وَعَنْ سَعِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: فِي الْأَمْصَارِ يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَبِمِنًى ثَلَاثَةٌ.
وَلَنَا «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْأَكْلِ مِنْ النُّسُكِ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ، ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ، وَبَقِيَ وَقْتُ الذَّبْحِ بِحَالِهِ.
وَلِأَنَّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ لَا يَجِبُ فِيهِ الرَّمْيُ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ الذَّبْحُ، كَاَلَّذِي بَعْدَهُ، فَأَمَّا اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةُ لِأَيَّامِ النَّحْرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا ذَبْحُ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] . فَذَكَرَ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ لَيْلَتَيْ يَوْمَيْ التَّشْرِيقِ الْأُولَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ اللَّيْلَتَيْنِ دَاخِلَتَانِ فِي مُدَّةِ الذَّبْحِ، فَجَازَ الذَّبْحُ فِيهِمَا كَالْأَيَّامِ.
[فَصْل إذَا نَحَرَ الْهَدْيَ فَرَّقَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ]
(2543) فَصْلٌ: وَإِذَا نَحَرَ الْهَدْيَ، فَرَّقَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ.
فَإِنْ أَطْلَقَهَا لَهُمْ جَازَ، كَمَا رَوَى أَنَسٌ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَإِنْ قَسَمَهَا فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، وَلَا يُعْطِي الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أُقَسِّمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» مُتَّفَقٌ عَلَى مَعْنَاهُ.
وَلِأَنَّهُ بِقَسْمِهَا يَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إيصَالِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَيَكْفِي الْمَسَاكِينَ مُؤْنَةَ النَّهْبِ وَالزِّحَامِ عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطِ الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ ذَبْحَهَا، فَعَوَّضَهُ عَلَيْهِ دُونَ الْمَسَاكِينِ، وَلِأَنَّ دَفْعَ جُزْءٍ مِنْهَا عِوَضًا عَنْ الْجِزَارَةِ كَبَيْعِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْجَازِرُ فَقِيرًا، فَأَعْطَاهُ لِفَقْرِهِ سِوَى مَا يُعْطِيهِ أَجْرَهُ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْأَخْذِ مِنْهَا لِفَقْرِهِ، لَا لِأَجْرِهِ، فَجَازَ كَغَيْرِهِ، وَيُقَسِّمُ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ سَاقَهَا لِلَّهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ؛ فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمَّا جَعَلَهُ، لِلَّهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَلْزَمُهُ إعْطَاءُ جِلَالِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَهْدَى الْحَيَوَانَ دُونَ مَا عَلَيْهِ (2544) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ النَّحْرُ بِمِنًى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ بِهَا، وَحَيْثُ نَحَرَ مِنْ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَطَرِيقٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(2545) فَصْلٌ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى الْهَدْيَ إلَّا مَا عَرَّفَ بِهِ، وَنَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ لِلْقَارِنِ أَنْ يَسُوقَ هَدْيَهُ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ، فَإِنْ ابْتَاعَهُ مِنْ دُون ذَلِكَ، مِمَّا يَلِي مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، جَازَ.
وَقَالَ فِي هَدْيِ الْمُجَامِعِ: إنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ، فَلْيَشْتَرِهِ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ لِيُخْرِجَهُ إلَى الْحِلِّ، وَلْيَسُقْهُ إلَى مَكَّةَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْهَدْيِ نَحْرُهُ، وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِلَحْمِهِ، بِهَذَا لَا يَقِفُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ، وَلَمْ يَرِدْ بِمَا قَالُوهُ دَلِيلٌ يُوجِبُهُ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا نَحَرَ هَدْيَهُ حلق رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ مِنْهُ]
(2546) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَحَرَ هَدْيَهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِقُ رَأْسَهُ، أَوْ يُقَصِّرُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ رَأْسَهُ.
فَرَوَى أَنَسٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ بِمِنًى فَدَعَا فَذَبَحَ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ، فَأَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ فَحَلَقَهُ، فَجَعَلَ يُقَسِّمُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ فَدَفَعَهُ إلَى أَبِي طَلْحَةَ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، أَجْزَأَهُ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ.
أَيَّهُمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ.
يَعْنِي فِي حَقِّ مِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَعْنًى يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَلْقِ عَلَيْهِ.
إلَّا أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الْحَلْقَ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ حَجَّهَا.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] . وَلَمْ يُفَرِّقْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ) . وَقَدْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَصَّرَ، فَلَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْزِيًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ.
قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَنْ لَبَّدَ، أَوْ عَقَصَ، أَوْ ضَفَّرَ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَحْلِقْ.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ لَبَّدَ، أَوْ ضَفَّرَ، أَوْ عَقَدَ،
أَوْ فَتَلَ، أَوْ عَقَصَ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى.
يَعْنِي إنْ نَوَى الْحَلْقَ فَلْيَحْلِقْ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: هُوَ مُخَيَّرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ دَلِيلٌ.
وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَبَّدَ فَلْيَحْلِقْ» . وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ أَنَّهُمَا أَمَرَا مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ أَنْ يَحْلِقَهُ.
وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّدَ رَأْسَهُ وَأَنَّهُ حَلَقَهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ قَدْ خَالَفَهُمَا فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ، بَعْدَمَا بَيَّنَ لَهُمْ جَوَازَ الْأَمْرَيْنِ.
[فَصْل الْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَة]
(2547) فَصْلٌ: وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ، فَأُطْلِقَ فِيهِ عِنْدَ الْحِلِّ، كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَسَائِرِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ، وَيَحْصُلُ الْحِلُّ بِدُونِهِ.
وَوَجْهُهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْحِلِّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَهُ، فَرَوَى «أَبُو مُوسَى، قَالَ: قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي: بِمَ أَهْلَلْت؟ . قُلْت: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: أَحْسَنْت.
فَأَمَرَنِي فَطُفْت بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَحِلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلِيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ سُرَاقَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ حَلَّ، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» . رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، فِي (الْمُتَرْجَمْ) . وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي الْإِحْرَامِ، إذَا أُبِيحَ، كَانَ إطْلَاقًا مِنْ مَحْظُورٍ، كَسَائِرِ مُحَرَّمَاتِهِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ، فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ» . وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا» . وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَنَاسِكِ لَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ، كَاللُّبْسِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَحَّمَ عَلَى الْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَعَلَى الْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَنَاسِكِ، لَمَا دَخَلَهُ التَّفْضِيلُ، كَالْمُبَاحَاتِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ فِي جَمِيعِ حَجِّهِمْ وَعُمَرِهِمْ، وَلَمْ يُخِلُّوا بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ، بَلْ لَمْ يَفْعَلُوهُ إلَّا نَادِرًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِمْ،
فَيَفْعَلُوهُ عَادَةً، وَلَا فِيهِ فَضْلٌ، فَيَفْعَلُوهُ لِفَضْلِهِ.
وَأَمَّا أَمْرُهُ بِالْحِلِّ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْحِلُّ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ، فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْحِلُّ مِنْ الْعِبَادَةِ بِمَا كَانَ مُحَرَّمًا فِيهَا، كَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ.
[فَصْل تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ]
(2548) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ، فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] . وَلَمْ يَتَبَيَّنْ آخِرَهُ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ.
وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ إلَى وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِهِ، فَأَشْبَهَ السَّعْيَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ، عَنْ مَحِلِّهِ، وَمَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَلَا فَرْقَ فِي التَّأْخِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ، كَسَائِرِ مَنَاسِكِهِ.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ.
[فَصْل الْأَصْلَع الَّذِي لَا شَعْر عَلَى لَهُ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ عِنْد التَّحَلُّل مِنْ إحْرَامه]
(2549) فَصْلٌ: وَالْأَصْلَعُ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَهَذَا لَوْ كَانَ ذَا شَعْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ، وَإِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ، وَجَبَ الْآخَرُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ، فَسَقَطَ بِعَدَمِهِ، كَمَا يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ الْعُضْوِ فِي الْوُضُوءِ بِفَقْدِهِ.
وَلِأَنَّهُ إمْرَارٌ لَوْ فَعَلَهُ فِي الْإِحْرَامِ لَمْ يَجِبْ بِهِ دَمٌ، فَلَمْ يَجِبْ عِنْدَ التَّحَلُّلِ، كَإِمْرَارِهِ عَلَى الشَّعْرِ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ.
[فَصْل يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ بَعْدَ التَّحَلُّل تَقْلِيمُ أَظَافِره وَالْأَخْذُ مِنْ شَارِبِهِ]
(2550) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ تَقْلِيمُ أَظَافِرِهِ، وَالْأَخْذُ مِنْ شَارِبِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ، قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ.
وَكَانَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّافِعِيُّ، يُحِبُّونَ لَوْ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا.
وَيُسْتَحَبُّ إذَا حَلَقَ، أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَ الَّذِي عِنْدَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِنْ الْوَجْهِ.
كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لِلْحَالِقِ: اُبْلُغْ
الْعَظْمَاتِ، افْصِلْ الرَّأْسَ مِنْ اللِّحْيَةِ.
وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: مِنْ السُّنَّةِ، إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ، أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَاتِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ حَلَقَ]
(2551) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ، إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ حَلَقَ، حَلَّ لَهُ كُلُّ مَا كَانَ مَحْظُورًا بِالْإِحْرَامِ، إلَّا النِّسَاءُ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فَيَبْقَى مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ، مِنْ الْوَطْءِ، وَالْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَيَحِلُّ لَهُ مَا سِوَاهُ.
هَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةَ، وَعَلْقَمَةَ، وَسَالِمٍ، وَطَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَظُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيُفْسِدُ النُّسُكَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ، وَالطِّيبَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ.
وَعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا يَتَطَيَّبُ.
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ وَلَنَا مَا، رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَمَيْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ، وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَفِي لَفْظٍ: «إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَم، وَأَبُو دَاوُد، إلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ: هُوَ ضَعِيفٌ، رَوَاهُ الْحَجَّاجُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَلْقَهُ.
وَاَلَّذِي أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ رَوَاهُ الْحَجَّاجُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ، وَذَبَحْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا الطِّيبَ، وَالنِّسَاءَ.
فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَوْمَ النَّحْرِ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ فِيهِ إذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ أَنْ تَحِلُّوا.
يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ.
إلَّا النِّسَاءَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ: قَالَ «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا، النِّسَاءَ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ ذَلِكَ أَمْ لَا؟» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ، وَلَا الطِّيبُ، وَلَا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] . وَهَذَا حَرَامٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَمْنَعُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ أَحْكَامِ الْإِحْرَامِ.
(2552) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، أَنَّ الْحِلَّ، إنَّمَا يَحْصُلُ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ مَعًا.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا رَمَيْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» . وَتَرْتِيبُ الْحِلِّ عَلَيْهِمَا دَلِيلٌ عَلَى حُصُولِهِ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُمَا نُسُكَانِ يَتَعَقَّبُهُمَا الْحِلُّ، فَكَانَ حَاصِلًا بِهِمَا، كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فِي الْعُمْرَةِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ، وَإِذَا وَطِئَ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَلْقَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ بِدُونِ الْحَلْقِ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ» . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَلْقِ، هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: نُسُكٌ.
حَصَلَ الْحِلُّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَة تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ]
(2553) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ) الْأُنْمُلَةُ: رَأْسُ الْإِصْبَعِ مِنْ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى.
وَالْمَشْرُوعُ لِلْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الْحَلْقِ.
لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَلْقَ فِي حَقِّهِنَّ مِثْلُهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ رَأْسِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ.
وَالرَّجُلُ الَّذِي يُقَصِّرُ فِي ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِيمَا مَضَى.
[مَسْأَلَة طَوَافَ الزِّيَارَة]
(2554) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَزُورُ الْبَيْتَ، فَيَطُوفُ بِهِ سَبْعًا، وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، إنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رَمَى وَنَحَرَ وَحَلَقَ، أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ، فَطَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مِنًى فَيَزُورُ الْبَيْتَ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، بَلْ يَرْجِعُ إلَى مِنًى، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عِنْدَ إفَاضَتِهِ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَلِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ، لَا خِلَافَ
فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] . وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ، قَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: اُخْرُجُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ.
وَلِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَكَانَ الطَّوَافُ رُكْنًا كَالْعُمْرَةِ.
[فَصْل لِطَوَافِ الزِّيَارَة وَقْتَانِ وَقْت فَضِيلَة وَوَقْت إجْزَاء]
(2555) فَصْلٌ: وَلِهَذَا الطَّوَافِ وَقْتَانِ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتُ إجْزَاءٍ؛ فَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَيَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ: فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ.
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، الَّذِي ذَكَرَتْ فِيهِ حَيْضَ صَفِيَّةَ، قَالَتْ: فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَفَاضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى اللَّيْلِ، فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، رَوَيَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إلَى اللَّيْلِ.
رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ، فَأَوَّلُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَوَّلُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَآخِرُهُ آخِرُ أَيَّامِ النَّحْرِ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِ الرَّمْيِ؛ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ.
وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهِ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ نُسُكٌ يُفْعَلُ فِي الْحَجِّ، فَكَانَ آخِرُهُ مَحْدُودًا، كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهِ غَيْرُ مَحْدُودٍ؛ فَإِنَّهُ مَتَى أَتَى بِهِ صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، فَيَقُولُ: إنَّهُ طَافَ فِيمَا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ طَوَافًا صَحِيحًا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، كَمَا لَوْ طَافَ أَيَّامَ النَّحْرِ، فَأَمَّا الْوُقُوفُ وَالرَّمْيُ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مُوَقَّتَيْنِ، كَانَ لَهُمَا وَقْتٌ يَفُوتَانِ بِفَوَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّوَافُ، فَإِنَّهُ مَتَى أَتَى بِهِ صَحَّ.
[فَصْل صِفَة طَوَاف الزِّيَارَة]
(2556) فَصْلٌ: وَصِفَةُ هَذَا الطَّوَافِ كَصِفَةِ طَوَافِ الْقُدُومِ، سِوَى أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ.
وَلَا رَمَلَ فِيهِ، وَلَا اضْطِبَاعَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ» . وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي هَذَا الطَّوَافِ.
وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهُ صَلَاةً، وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّاتِ اتِّفَاقًا.
[مَسْأَلَة إذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ]
(2557) مَسْأَلَة: قَالَ: (ثُمَّ قَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يَعْنِي إذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ، حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ سِوَى النِّسَاءِ، فَهَذَا الطَّوَافُ حَلَّلَ لَهُ النِّسَاءَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْر، فَأَفَاضَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي حُصُولِ الْحِلِّ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَسْعَى، إنْ قُلْنَا: إنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ سُنَّةٌ.
فَهَلْ يَحِلُّ قَبْلَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا، يَحِلُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَحِلُّ، لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ، كَالسَّعْيِ فِي الْعُمْرَةِ.
وَإِنَّمَا خَصَّ الْخِرَقِيِّ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ بِهَذَا، لِكَوْنِهِمَا سَعَيَا مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَالْمُتَمَتِّعُ لَمْ يَسْعَ.
[مَسْأَلَةٌ طَوَافُ الْقُدُومِ]
(2558) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، كَمَا فَعَلَ لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] .) أَمَّا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ، الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، فَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالطَّوَافُ الَّذِي طَافَهُ فِي الْعُمْرَةِ كَانَ طَوَافَهَا، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ لِلْمُتَمَتِّعِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِنًى أَعْنِي الْمُتَمَتِّع كَمْ يَطُوفُ وَيَسْعَى؟ قَالَ: يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ، وَيَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِلزِّيَارَةِ.
عَاوَدْنَاهُ فِي هَذَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَثَبَتَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ، إذَا لَمْ يَكُونَا أَتَيَا مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا طَافَا لِلْقُدُومِ، فَإِنَّهُمَا يَبْدَآنِ بِطَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، فَطَافُوا طَوَافًا، آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.
فَحَمَلَ أَحْمَدُ قَوْلَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ لِحَجِّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ يَكُنْ تَعَيُّنُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ مُسْقِطًا لَهُ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الطَّوَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ، كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهَا قَالَتْ: طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ.
وَهَذَا هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَلَمْ تَذْكُرْ طَوَافًا آخَرَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَتْهُ طَوَافَ الْقُدُومِ، لَكَانَتْ قَدْ أَخَلَّتْ بِذِكْرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ، لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ، وَذَكَرَتْ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَا ذَكَرَتْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، فَمِنْ أَيْنَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى طَوَافَيْنِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ، فَقَرَنَتْ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ، بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ لِلْقُدُومِ لَمْ تَطُفْ لِلْقُدُومِ، وَلَا أَمَرَهَا بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فِي الْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، وَكَانَتْ قَارِنَةً، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ الْقُدُومِ.
وَلِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ، لَشُرِعَ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ طَوَافٌ لِلْقُدُومِ مَعَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ قُدُومِهِ إلَى الْبَيْتِ، فَهُوَ بِهِ أَوْلَى مِنْ الْمُتَمَتِّعِ، الَّذِي يَعُودُ إلَى الْبَيْتِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وَطَوَافِهِ بِهِ، وَفِي الْجُمْلَةِ إنَّ هَذَا الطَّوَافَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّع كَهُوَ فِي حَقِّ الْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ، فِي أَنَّهُ رُكْنُ الْحَجِّ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ، فَلَوْ نَوَى بِهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ أَوْ غَيْرَهُ، لَمْ يُجْزِهِ.
[فَصْل الْأَطْوِفَةُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ]
(2559) فَصْلٌ: وَالْأَطْوِفَةُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ: طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ رُكْنُ الْحَجِّ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَطَوَافُ الْقُدُومِ، وَهُوَ سُنَّةٌ، لَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ.
وَطَوَافُ الْوَدَاعِ، وَاجِبٌ، يَنُوبُ عَنْهُ الدَّمُ إذَا تَرَكَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَى تَارِكِ طَوَافِ الْقُدُومِ دَمٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَكَقَوْلِهِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ.
وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَطْوِفَةِ فَهُوَ نَفْلٌ، وَلَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ مِنْ سَعْيٍ وَاحِدٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ.
قَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الْأَوَّلَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا يَكُونُ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ، فَإِنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، لَمْ يَسْعَ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ مَعَهُ، سَعَى مَعَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ.
[فَصْل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ فَيُكَبِّرَ فِي نَوَاحِيه وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ]
(2560) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ فَيُكَبِّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقُلْت لِبِلَالٍ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: نَعَمْ قُلْت: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: بَيْن الْعَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ: وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَقَدَّمَ أَهْلُ الْعِلْمِ رِوَايَةَ بِلَالٍ عَلَى رِوَايَةِ أُسَامَة؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ، وَأُسَامَةُ نَافٍ، وَلِأَنَّ أُسَامَةَ كَانَ حَدِيثَ السِّنِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا فِي الْكَعْبَةِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَإِنْ لَمْ يَدْخُل الْبَيْتَ، فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لَا.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَهُوَ مَسْرُورٌ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيبٌ فَقَالَ: إنِّي دَخَلْت الْكَعْبَةَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا دَخَلْتهَا، إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْت عَلَى أُمَّتِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
[فَصْل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا]
(2561) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَ، فَيَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ.
قَالَ جَابِرٌ، فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثُمَّ أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ» . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَالِسًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْت؟ قَالَ: مِنْ زَمْزَمَ قَالَ: فَشَرِبْت مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: فَكَيْفَ؟ قَالَ: إذَا شَرِبْت مِنْهَا فَاسْتَقْبِلْ الْكَعْبَةَ، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا مِنْ زَمْزَمَ، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْت، فَاحْمَدْ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ، أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ.» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَيَقُولُ عِنْدَ الشُّرْبِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَامْلَأْهُ مِنْ حِكْمَتِك.
[فَصْل يُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ]
(2562) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ خُطْبَةً، يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ مِنْ النَّحْرِ وَالْإِفَاضَةِ وَالرَّمْيِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرَ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا تُسَنُّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَلَمْ تُسَنَّ فِيهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ.
يَعْنِي بِمِنًى» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ «رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى.
حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: سَمِعْت خُطْبَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ.
وَقَالَ الْهِرْمَاسُ بْنُ زِيَادٍ الْبَاهِلِيُّ: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، يَوْمَ الْأَضْحَى بِمِنًى» . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ بِمِنًى، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا، حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ» . رَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا أَبُو دَاوُد، إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تَكْثُرُ فِيهِ أَفْعَالُ الْحَجِّ، وَيَحْتَاجُ إلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ أَحْكَامَ ذَلِكَ، فَاحْتِيجَ إلَى الْخُطْبَةِ مِنْ أَجْلِهِ، كَيَوْمِ عَرَفَةَ.
[فَصْل يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ]
(2563) فَصْلٌ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ؛ فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فِيهِ؛ مِنْ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ، وَالدَّفْعِ مِنْهُ إلَى مِنًى، وَالرَّمْيِ، وَالنَّحْرِ، وَالْحَلْقِ، وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَالرُّجُوعِ إلَى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِثْلُهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَوْمُ عِيدٍ، وَيَوْمٌ يَحِلُّ فِيهِ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ.
[فَصْل فِي يُومِ النَّحْرِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاء الرَّمْيُ ثُمَّ النَّحْرُ ثُمَّ الْحَلْقُ ثُمَّ الطَّوَافُ]
(2564) فَصْلٌ: وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الرَّمْيُ، ثُمَّ النَّحْرُ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ الطَّوَافُ.
وَالسُّنَّةُ تَرْتِيبهَا هَكَذَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَهَا، كَذَلِكَ وَصَفَهُ جَابِرٌ فِي حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى أَنَسٌ، أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى، ثُمَّ نَحَرَ، ثُمَّ حَلَقَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَإِنْ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِهَا، نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ فِيهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ، أَوْ عَلَى النَّحْرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ.
وَقَالَ زُفَرُ: عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَمَا لَوْ حَلَقَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ.
قَالَ: «اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ.
فَقَالَ آخَرُ: ذَبَحْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ: فَمَا سَمِعْته يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضِهَا، وَأَشْبَاهِهَا، إلَّا قَالَ: (افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ
يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ بِمِنًى، فِي النَّحْرِ، وَالْحَلْقِ، وَالرَّمْيِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: (لَا حَرَجَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِيهِ: فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ.
قَالَ: وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إنِّي أَفَضْت قَبْل أَنَّ أَرْمِيَ؟ قَالَ: أَرْمِ، وَلَا حَرَجَ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ، عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ كُلَّهُ.
وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ.
عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الدَّمِ بِفَقْدِ الشَّيْءِ فِي وَقْتِهِ، سُقُوطُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ حَلَقَ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ السَّعْيِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْحِلُّ مَا حَصَلَ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، إذَا قُلْنَا: إنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِالْحَلْقِ، فَقَدْ حَلَقَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا، عَالِمًا بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو، مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
وَالثَّانِيَةُ، عَلَيْهِ دَمٌ.
رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَتَادَةَ، وَالنَّخَعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَ، وَقَالَ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) .
وَالْحَدِيثُ الْمُطْلَقُ قَدْ جَاءَ مُقَيَّدًا، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ جَاهِلًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا التَّعَمُّدُ فَلَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّه: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَا يَقُولُ: لَمْ أَشْعُرْ.
فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّ مَالِكًا وَالنَّاسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: لَمْ أَشْعُرْ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ قَدَّمَهُ عَلَى النَّحْرِ أَوْ النَّحْرَ عَلَى الرَّمْي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ شَعْرِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِرَمْيِ الْجَمْرَةِ، فَأَمَّا النَّحْرُ قَبْلَ الرَّمْيِ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ.
وَلَنَا، الْحَدِيثُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ فِي الْحَلْقِ، وَالنَّحْرِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: (لَا حَرَجَ) .
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مُخَالَفَةَ التَّرْتِيبِ لَا تُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَنْ الْإِجْزَاءِ، وَلَا يَمْنَعُ وُقُوعُهَا مَوْقِعَهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْل تَقْدِيم الْإِفَاضَةَ عَلَى الرَّمْيِ]
(2565) فَصْلٌ: فَإِنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ عَلَى الرَّمْيِ، أَجْزَأَهُ طَوَافُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِئُهُ الْإِفَاضَةُ، فَلْيَرْمِ، ثُمَّ لِيَنْحَر، ثُمَّ لِيُفِضْ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَطَاءٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَفَضْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ.
وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلِ شَيْءٍ، فَلَا حَرَجَ» . رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
فِي (سُنَنِهِ) .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إنِّي أَفَضْت إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ.
فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِالرَّمْيِ فِي وَقْتِهِ.
فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ رَتَّبَ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِالْإِفَاضَةِ قَبْلَ الرَّمْيِ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، كَمَنْ رَمَى وَلَمْ يُفِضْ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ وَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ.
فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، وَلَمْ يَرْمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِتَرْكِ الرَّمْيِ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِيَ، أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ، فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا.
وَقَالَ عَطَاءٌ: مَنْ نَسِيَ مِنْ النُّسُكِ شَيْئًا، حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا.
[مَسْأَلَةٌ السُّنَّةُ لِمَنْ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى]
(2566) مَسْأَلَةٌ: (ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مِنًى، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى) السُّنَّةُ لِمَنْ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ مِنًى وَاجِبٌ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَة مِنْ مِنًى لَيْلًا.
وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا رَمَيْت الْجَمْرَةَ فَبِتْ حَيْثُ شِئْت.
وَلِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ مِنْ حَجِّهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، كَلَيْلَةِ الْحَصْبَةِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتَخْصِيصُ الْعَبَّاسِ بِالرُّخْصَةِ لِعُذْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لِغَيْرِهِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمْ يُرَخِّصْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَحَدٍ يَبِيتُ بِمَكَّةَ، إلَّا لِلْعَبَّاسِ، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ «ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ إلَّا بِمِنًى.
وَكَانَ يَبْعَثُ رِجَالًا يَدَعُونَ أَحَدًا يَبِيتُ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ.» وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ نُسُكًا، وَقَدْ قَالَ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) .
[فَصْل تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى]
(2567) فَصْلٌ: فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى، فَعَنْ أَحْمَدَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسَاءَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِشَيْءِ.
وَعَنْهُ يُطْعِمُ شَيْئًا.
وَخَفَّفَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: دَمٌ بِمَرَّةٍ، ثُمَّ شَدَّدَ بِمَرَّةٍ.
قُلْت: لَيْسَ إلَّا أَنْ يُطْعِمَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، يُطْعِمُ شَيْئًا تَمْرًا أَوْ نَحْوَهُ.
فَعَلَى هَذَا أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ، أَجْزَأَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَأَكْثَرِ؛ وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ.
وَعَنْهُ: فِي اللَّيَالِي الثَّلَاثِ دَمٌ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا.
وَفِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي كُلِّ حَصَاةٍ دِرْهَمٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ دِرْهَمًا، وَلَا نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَإِيجَابُهُ بِغَيْرِ نَصٍّ تَحَكُّمٌ لَا وَجْهَ لَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ]
(2568) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ، وَزَالَتْ الشَّمْسُ، رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَرْمِي، وَيَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ أَيْضًا، وَيَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ جُمْلَةَ مَا يَرْمِي بِهِ الْحَاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً، سَبْعَةٌ مِنْهَا يَرْمِيهَا يَوْمَ النَّحْرِ، بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَسَائِرُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ، بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، كُلَّ يَوْمٍ إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، لِثَلَاثِ جَمَرَاتٍ، يَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَهِيَ أَبْعَدُ الْجَمَرَاتِ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، كَمَا وَصَفْنَا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا إلَى مَوْضِعٍ لَا يُصِيبُهُ الْحَصْي، فَيَقِفُ طَوِيلًا يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى، رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إلَى الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيَفْعَلُ مِنْ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا خِلَافًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِرَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ، أَيَقُومُ الرَّجُلُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ إذَا رَمَى؟ قَالَ: إي لَعَمْرِي شَدِيدًا، وَيُطِيلُ الْقِيَامَ أَيْضًا.
قِيلَ: فَإِلَى أَيْنَ يَتَوَجَّهُ فِي قِيَامِهِ؟ قَالَ: إلَى الْقِبْلَةِ، وَيَرْمِيهَا فِي بَطْنِ الْوَادِي.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، وَيَسْتَهِلُّ، وَيَقُومُ قِيَامًا طَوِيلًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ، فَيَسْتَهِلُّ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَدْعُو بِدُعَائِهِ الَّذِي دَعَا بِهِ بِعَرَفَةَ، وَيَزِيدُ: وَأَصْلِحْ أَوْ أَتِمَّ لَنَا مَنَاسِكَنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِر: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ عِنْدَ الرَّمْيِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا إذَا رَمَيَا الْجَمْرَةَ، وَيُطِيلَانِ الْوُقُوفَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «أَفَضْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا.
ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ صَنَعَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُومُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ، مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
[فَصْل الرَّمْيِ يَوْمَ النَّفْر قَبْلَ الزَّوَال وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيق بَعْدَ الزَّوَالِ]
(2569) فَصْلٌ: وَلَا يَرْمِي فِي أَيَّامِ التَّشْرِيق إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنْ رَمَى قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، إلَّا أَنَّ إِسْحَاقَ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ، رَخَّصُوا فِي الرَّمْيِ يَوْمَ النَّفْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا يَنْفِرُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ.
وَرَخَّصَ عِكْرِمَةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
وَقَالَ طَاوُسٌ: يَرْمِي قَبْلَ الزَّوَالِ، وَيَنْفِرُ قَبْلَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا رَمَى بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ.
وَقَوْلِ جَابِرٍ، فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
وَأَيَّ وَقْتٍ رَمَى بَعْدَ الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا حِينَ الزَّوَالِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ.
«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْمِي الْجِمَارَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، قَدْرَ مَا إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ صَلَّى الظُّهْرَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْل التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ الْجَمَرَات]
(2570) فَصْلٌ: وَالتَّرْتِيبُ فِي هَذِهِ الْجَمَرَاتِ وَاجِبٌ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ نَكَّسَ فَبَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ الْأُولَى، أَوْ بَدَأَ بِالْوُسْطَى، وَرَمَى الثَّلَاثَ، لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْأُولَى، وَأَعَادَ الْوُسْطَى وَالْقُصْوَى.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَإِنْ رَمَى الْقُصْوَى، ثُمَّ الْأُولَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، أَعَادَ الْقُصْوَى وَحْدَهَا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا رَمَى مُنَكِّسًا يُعِيدُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا بَيْنَ يَدَيْ نُسُكٍ، فَلَا حَرَجَ» . وَلِأَنَّهَا مَنَاسِكُ مُتَكَرِّرَةٌ، فِي أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ بَعْضُهَا تَابِعًا لِبَعْضٍ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ التَّرْتِيبُ فِيهَا، كَالرَّمْيِ وَالذَّبْحِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَهَا فِي الرَّمْيِ، وَقَالَ: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ، فَاشْتُرِطَ التَّرْتِيبُ فِيهِ، كَالسَّعْيِ.
وَحَدِيثُهُمْ إنَّمَا جَاءَ فِي مَنْ يُقَدِّمُ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ، لَا فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ النُّسُكِ عَلَى بَعْضٍ.
وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ.
فَصْلٌ: وَإِنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءَ، تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا الثَّوْرِيَّ.
قَالَ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَإِنْ أَرَاقَ دَمًا أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ، فَيَكُونُ نُسُكًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ دُعَاءُ وُقُوفٍ مَشْرُوعٍ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ، كَحَالَةِ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ، وَكَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى الْجَمَرَاتِ، فَلَمْ يَجِبْ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءُ، كَالْأُولَى، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ هَذَا نَدْبٌ.
[فَصْل لَا يَنْقُصَ فِي الرَّمْيِ عَنْ سَبْعِ حَصَيَات]
(2572) فَصْلٌ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الرَّمْيِ عَنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
فَإِنْ نَقَصَ حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَنْقُصُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَإِسْحَاقَ.
وَعَنْهُ: إنْ رَمَى بِسِتٍّ نَاسِيًا: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، تَصَدَّقَ بِشَيْءِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي رَمَيْت بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَدْرِي رَمَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ عَدَدَ السَّبْعِ شَرْطٌ.
وَنَسَبَهُ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى بِسَبْعٍ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّةَ: لَا بَأْسَ بِمَا رَمَى بِهِ الرَّجُلُ مِنْ الْحَصَى.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: صَدَقَ أَبُو حَيَّةَ.
وَكَانَ أَبُو حَيَّةَ بَدْرِيًّا.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: سُئِلَ طَاوُسٌ عَنْ رَجُلٍ تَرَكَ حَصَاةً؟ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ أَوْ لُقْمَةٍ.
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ، فَقَالَ: إنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ سَعْدٍ، قَالَ سَعْدٌ: رَجَعْنَا مِنْ الْحَجَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْت بِسِتٍّ وَبَعْضُنَا يَقُولُ: بِسَبْعٍ فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُ وَمَتَى أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنْ الْأَوْلَى، لَمْ
يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ حَتَّى يُكْمِلَ الْأُولَى، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ الْجِمَارِ تَرَكَهَا، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، لَمْ يُؤَثِّرْ تَرْكُهَا.
[مَسْأَلَةٌ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَالرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي وَقْتِهِ وَصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ]
(2573) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيَفْعَلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهَا، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَرْمِيَ مِنْ غَدٍ بَعْدَ الزَّوَالِ، كَمَا رَمَى بِالْأَمْسِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَالرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فِي وَقْتِهِ وَصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
فَإِنْ أَحَبَّ التَّعَجُّلَ فِي يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مِنًى شَاخِصًا عَنْ الْحَرَمِ، غَيْرَ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ، أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ أَحَبَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي لِمَنْ يَنْفِرُ النَّفْرَ الْأَوَّلَ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ.
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ: مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، فَإِنْ أَرَادَ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَلَا.
وَيَحْتَجُّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَنْفِرَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ، إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ، فَلَا يَنْفِرُونَ إلَّا فِي النَّفْرِ الْآخِرِ.
جَعَلَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ: إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ.
أَيْ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرَمٍ.
مَكَّةَ وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ النَّفِيرِ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 203] . قَالَ عَطَاءٌ: هِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ» . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ.
وَقَالَ وَكِيعٌ: هَذَا الْحَدِيثُ أُمُّ الْمَنَاسِكِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ أَنَا اخْتَصَرْته.
وَلِأَنَّهُ دَفْعٌ مِنْ مَكَان، فَاسْتَوَى فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ، كَالدَّفْعِ، مِنْ عَرَفَةَ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا أَرَادَ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ، مُوَافَقَةً لِقَوْلِ عُمَرَ، لَا غَيْرُ.
فَمَنْ أَحَبَّ التَّعْجِيلَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ غَرَبَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مِنًى لَمْ يَنْفِرْ، سَوَاءٌ كَانَ ارْتَحَلَ أَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي مَنْزِلِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ، هَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَنْفِرَ مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُ رَمْيِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، فَجَازَ لَهُ النَّفْرُ كَمَا قَبْلَ الْغُرُوبِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] . وَالْيَوْمُ اسْمٌ لِلنَّهَارِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَمَا تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَلْيُقِمْ إلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ.
وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ لَا يُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ تَعَجَّلَ فِي الْيَوْمَيْنِ.
[فَصْل إذَا أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إلَى مَا بَعْدَهُ أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ]
(2574) فَصْلٌ: إذَا أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إلَى مَا بَعْدَهُ، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ بِالنِّيَّةِ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَرَكَ حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا إلَى الْغَدِ رَمَاهَا، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعًا رَمَاهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَلَنَا، أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقْتٌ لِلرَّمْيِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ إلَى آخِرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ يَجُوزُ الرَّمْيُ فِيهِ، فَجَازَ لِغَيْرِهِمْ كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَكُونُ رَمْيُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ وَاحِدٌ.
وَإِنْ كَانَ قَضَاءً فَالْمُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ، كَقَوْلِهِ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) . وَقَوْلِهِمْ: قَضَيْت الدَّيْنَ.
وَالْحُكْمُ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إذَا أَخَّرَهَا، كَالْحُكْمِ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فِي أَنَّهَا إذَا لَمْ تُرْمَ يَوْمَ النَّحْرِ رُمِيَتْ مِنْ الْغَدِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ بِنِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا، مَعَ فِعْلِهَا فِي أَيَّامِهَا، فَوَجَبَ تَرْتِيبُهَا مَجْمُوعَةً، كَالصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ وَالْفَوَائِتِ.
[مَسْأَلَة يُسْتَحَبّ الصَّلَاة فِي مَسْجِد مِنًى مَعَ الْإِمَام]
(2575) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدَعَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ مِنًى مَعَ الْإِمَامِ) يَعْنِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمِنًى «قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إمَارَتِهِ» .
وَهَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ مَرْضِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْضِيًّا صَلَّى الْمَرْءُ بِرُفْقَتِهِ فِي رَحْلِهِ.
فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ، فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَتَوْدِيعِهِمْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ، قِيَاسًا عَلَى الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ «رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، قَالَا: رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَاطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ، قَالَتْ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الرُّءُوسِ، فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ . قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟» . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
يَعْنِي يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ.
وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى أَنْ يُعَلِّمَهُمْ كَيْفَ يَتَعَجَّلُونَ، وَكَيْفَ يُوَدِّعُونَ، بِخِلَافِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ.»
[مَسْأَلَةٌ مُدَّة التَّكْبِيرِ يَوْم النَّحْر وَصِفَته]
(2577) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُكَبِّرُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، يَوْمَ النَّحْرِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيق) إنَّمَا خَصَّ الْمُحْرِمَ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَشْغُولٌ بِالتَّلْبِيَةِ، فَلَا يَقْطَعُهَا إلَّا عِنْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلُ، وَلَيْسَ بَعْدَهُمَا صَلَاةٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَيُكَبِّرُ حِينَئِذٍ بَعْدَهَا كَالْمُحِلِّ، وَيَسْتَوِي هُوَ وَالْحَلَالُ فِي آخِرِ مُدَّةِ التَّكْبِيرِ.
وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ".
[فَصْل يُسْتَحَبّ لِمَنْ نَفَر أَنْ يَأْتِي الْمُحَصَّب]
(2578) فَصْلٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَفَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَحَدُّهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ يَضْطَجِعَ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، قَالَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِالْمُحَصَّبِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَكَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَكَانَ طَاوُسٌ يُحَصِّبُ فِي شِعْبِ الْجَوْزِ.
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَفْعَلُهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، لَا يَرَيَانِ ذَلِكَ سُنَّةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءِ، إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نُزُولَ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَمَنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ فَلِاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ يَنْزِلُهُ، قَالَ نَافِعٌ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَهْجَعُ هَجْعَةً، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ.
[مَسْأَلَةٌ طَوَافَ الْوَدَاعِ]
(2579) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ يَطُوفُ بِهِ سَبْعًا، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَتَى مَكَّةَ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِقَامَةَ بِهَا، أَوْ الْخُرُوجَ مِنْهَا، فَإِنْ أَقَامَ بِهَا، فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَدَاعَ مِنْ الْمُفَارِقِ، لَا مِنْ الْمُلَازِمِ، سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ النَّفْرِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ لَهُ النَّفْرُ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الطَّوَافُ وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَارِقٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ وَدَاعٌ، كَمَنْ نَوَاهَا قَبْلَ حِلِّ النَّفْرِ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ".
وَهَذَا لَيْسَ بِنَافِرٍ.
فَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ
حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافِ سَبْعٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ، مَنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْحَائِضِ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، كَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَلِأَنَّهُ كَتَحِيَّةِ الْبَيْتِ، أَشْبَهَ طَوَافَ الْقُدُومِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْفِرُ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» . وَلَيْسَ فِي سُقُوطِهِ عَنْ الْمَعْذُورِ مَا يُجَوِّزُ سُقُوطَهُ لِغَيْرِهِ، كَالصَّلَاةِ تَسْقُطُ عَنْ الْحَائِضِ، وَتَجِبُ عَلَى غَيْرِهَا، بَلْ تَخْصِيصُ الْحَائِضِ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهَا، إذْ لَوْ كَانَ سَاقِطًا عَنْ الْكُلِّ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِذَلِكَ مَعْنًى.
وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْ الْحَائِضِ، وَلَمْ يَسْقُطْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ لِتَوْدِيعِ الْبَيْتِ، وَطَوَافَ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ صُدُورِ النَّاسِ مِنْ مَكَّةَ.
وَوَقْتُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَرْءِ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ؛ لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي تَوْدِيعِ الْمُسَافِرِ إخْوَانَهُ وَأَهْلَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ".
[فَصْل لَا وَدَاعَ عَلَى مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ كَالْمَكِّيِّ]
(2580) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ كَالْمَكِّيِّ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ، قَرِيبًا مِنْهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، فِي أَهْلِ بُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَهْلِ الْمَوَاقِيتِ: إنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُمْ مَعْدُودُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بِدَلِيلِ سُقُوطِ دَمِ الْمُتْعَةِ عَنْهُمْ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ". وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ، فَلَزِمَهُ التَّوْدِيعُ، كَالْبَعِيدِ.
[فَصْل أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ فَطَافَهُ عِنْد الْخُرُوجِ]
(2581) فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ فَعَلَ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَجْزَأَ عَنْهُ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ تُجْزِئُ عَنْهُمَا الْمَكْتُوبَةُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعَ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ وَاجِبَتَانِ، فَلَمْ تُجْزِ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى، كَالصَّلَاتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ طَافَ لِلْوَدَاعِ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِتِجَارَةِ أَوْ إقَامَةٍ]
(2582) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ وَدَّعَ وَاشْتَغَلَ فِي تِجَارَةٍ، عَادَ فَوَدَّعَ،)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، فَإِنْ طَافَ لِلْوَدَاعِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِتِجَارَةٍ أَوْ إقَامَةٍ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ، أَوْ طَافَ تَطَوُّعًا بَعْدَمَا حَلَّ لَهُ النَّفْرُ، أَجْزَأْهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ طَافَ بَعْدَمَا حَلَّ لَهُ النَّفْرُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ، كَمَا لَوْ نَفَرَ عَقِيبَهُ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» . وَلِأَنَّهُ إذَا قَامَ بَعْدَهُ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَدَاعًا فِي الْعَادَةِ، فَلَمْ يُجْزِهِ، كَمَا لَوْ طَافَهُ قَبْلَ حِلِّ النَّفْرِ.
فَأَمَّا إنْ قَضَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ، أَوْ اشْتَرَى زَادًا أَوْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فِي طَرِيقِهِ، لَمْ يُعِدْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ تُخْرِجُ طَوَافَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمَا.
[مَسْأَلَة خَرَجَ قَبْل طَوَاف الْوَدَاع]
(2583) مَسْأَلَة؛ قَالَ: (فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ، وَإِنْ بَعُدَ، بَعَثَ بِدَمٍ) هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَالْقَرِيبُ هُوَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَالْبَعِيدُ مَنْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَكَانَ عَطَاءٌ يَرَى الطَّائِفَ قَرِيبًا.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ حَدُّ ذَلِكَ الْحَرَمُ، فَمَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ بَعِيدٌ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ مَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، فِي أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ، وَلِذَلِكَ عَدَدْنَاهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَدَّ رَجُلًا مِنْ مُرٍّ إلَى مَكَّةَ، لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ لِعُذْرٍ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ.
وَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ الْقَرِيبُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دَمٍ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ، وَالْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ، كَسَائِرِ وَاجِبَاتِهِ.
فَإِنْ رَجَعَ الْبَعِيدُ، فَطَافَ لِلْوَدَاعِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ بِبُلُوغِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِرُجُوعِهِ، كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَأَحْرَمَ دُونَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ.
وَإِنْ رَجَعَ الْقَرِيبُ، فَطَافَ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ عَنْهُ الرُّجُوعَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَيَحْتَمِلُ سُقُوطَ الدَّمِ عَنْ الْبَعِيدِ بِرُجُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَتَى بِهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، كَالْقَرِيبِ.
(2584) فَصْلٌ: إذَا رَجَعَ الْبَعِيدُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ، إنْ كَانَ جَاوَزَهُ، إلَّا مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ
الْأَعْذَارِ، فَيَلْزَمُهُ طَوَافٌ لِإِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ وَالسَّعْيِ، وَطَوَافٌ لِوَدَاعِهِ، وَفِي سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ.
وَإِنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ، أَحْرَمَ مِنْ، مَوْضِعِهِ.
فَأَمَّا إنْ رَجَعَ الْقَرِيبُ، فَظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ لِإِتْمَامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ رَجَعَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ.
فَإِنْ وَدَّعَ وَخَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ لَحَاجَةٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ أَحَبُّ إلَيَّ أَلَّا يَدْخُلَ إلَّا مُحْرِمًا، وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا خَرَجَ أَنْ يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لِإِتْمَامِ النُّسُكِ، إنَّمَا دَخَلَ لَحَاجَةٍ غَيْرِ مُتَكَرِّرَةٍ، فَأَشْبَهَ مَنْ يَدْخُلُهَا لِلْإِقَامَةِ بِهَا.
[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ طَوَاف الْوَدَاعَ]
(2585) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تُوَدِّعَ، خَرَجَتْ، وَلَا وَدَاعَ عَلَيْهَا، وَلَا فِدْيَةَ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ أَنَّهُمَا أَمَرَا الْحَائِضَ بِالْمُقَامِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، فَرَوَى مُسْلِمٌ، أَنَّ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي هَذَا، قَالَ طَاوُسٌ: كُنْت مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ لَا تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إمَّا تَسْأَلُ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ، هَلْ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَاك إلَّا قَدْ صَدَقْت.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَيْضًا.
وَقَدْ ثَبَتَ التَّخْفِيفُ عَنْ الْحَائِضِ بِحَدِيثِ «صَفِيَّةَ، حِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ.
فَقَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ.
قَالَ: فَلْتَنْفِرْ إذًا.
وَلَا أَمَرَهَا بِفِدْيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ.
وَالْحُكْمُ فِي النُّفَسَاءِ كَالْحُكْمِ فِي الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ النِّفَاسِ أَحْكَامُ الْحَيْضِ، فِيمَا يُوجِبُ وَيُسْقِطُ.
[فَصْل إذَا نَفَرْت الْحَائِضُ بِغَيْرِ وَدَاعٍ فَطَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ]
(2586) فَصْلٌ: وَإِذَا نَفَرْت الْحَائِضُ بِغَيْرِ وَدَاعٍ، فَطَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ، رَجَعَتْ فَاغْتَسَلَتْ وَوَدَّعَتْ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَسْتَبِيحُ الرُّخَصَ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ، فَمَضَتْ، أَوْ مَضَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهَا دَمٌ.
وَإِنْ فَارَقَتْ الْبُنْيَانَ، لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، كَالْخَارِجِ مِنْ غَيْر عُذْرٍ.
قُلْنَا: هُنَاكَ تَرَكَ وَاجِبًا، فَلَمْ يَسْقُطْ بِخُرُوجِهِ، حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إنْشَاءَ سَفَرٍ طَوِيلٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَهَا هُنَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَلَا يَثْبُتُ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً إلَّا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا.
[فَصْل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْمُوَدِّعُ فِي الْمُلْتَزَمِ]
(2587) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْمُوَدِّعُ فِي الْمُلْتَزَمِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمَهُ، وَيُلْصِقَ بِهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ، وَيَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
طُفْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ، قُلْت: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ: نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ.
ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا - وَبَسَطَهَا بَسْطًا - وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ، انْطَلَقْت فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، قَدْ اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ مِنْ الْبَابِ إلَى الْحَطِيمِ، وَوَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَطَهُمْ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ مَنْصُورٌ: سَأَلْت مُجَاهِدًا: إذَا أَرَدْت الْوَدَاعَ، كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: تَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَتُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، ثُمَّ تَأْتِي زَمْزَمَ فَتَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تَأْتِي الْمُلْتَزَمَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْبَابِ، فَتَسْتَلِمُهُ، ثُمَّ تَدْعُو، ثُمَّ تَسْأَلُ حَاجَتَك، ثُمَّ تَسْتَلِمُ الْحَجَرَ، وَتَنْصَرِفُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُك، وَأَنَا عَبْدُك، وَابْنُ عَبْدِك، حَمَلْتنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك، وَسَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك حَتَّى بَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك إلَى بَيْتِك، وَأَعَنْتنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي، فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بِبَيْتِك، وَلَا رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَك أَبَدًا مَا أَبْقَيْتنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: رَأَيْت أَعْرَابِيًّا أَتَى الْمُلْتَزَمَ، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: بِك أَعُوذُ، وَبِك أَلُوذُ، اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ لِي فِي اللَّهَفِ إلَى جُودِك، وَالرِّضَا بِضَمَانِك، مَنْدُوحًا عَنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ، وَغِنًى عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ بِفَرَجِك الْقَرِيبِ، وَمَعْرُوفِك الْقَدِيمِ، وَعَادَتِك الْحَسَنَةِ.
ثُمَّ أَضَلَّنِي فِي النَّاسِ، فَلَقِيته بِعَرَفَاتٍ قَائِمًا، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت لَمْ تَقْبَلْ حَجَّتِي وَتَعَبِي وَنَصَبِي، فَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَ الْمُصَابِ عَلَى مُصِيبَتِهِ، فَلَا أَعْلَمُ أَعْظَمَ مُصِيبَةً مِمَّنْ وَرَدَ حَوْضَك، وَانْصَرَفَ مَحْرُومًا مِنْ وَجْهِ رَغْبَتِك.
وَقَالَ آخَرُ: يَا خَيْرَ مَوْفُودٍ إلَيْهِ، قَدْ ضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَذَهَبَتْ مِنَّتِي، وَأَتَيْت إلَيْك بِذُنُوبٍ لَا تَغْسِلُهَا الْبِحَارُ، أَسْتَجِيرُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك، رَبِّ ارْحَمْ مَنْ شَمِلَتْهُ الْخَطَايَا، وَغَمَرَتْهُ الذُّنُوبُ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ الْعُيُوبُ، ارْحَمْ أَسِيرَ ضُرٍّ، وَطَرِيدَ فَقْرٍ، أَسْأَلُك أَنْ تَهَبَ لِي عَظِيمَ جُرْمِي، يَا مُسْتَزَادًا مِنْ نِعَمِهِ، وَمُسْتَعَاذًا مِنْ نِقَمِهِ، ارْحَمْ صَوْتَ حَزِينٍ دَعَاك بِزَفِيرٍ وَشَهِيقٍ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْت بَسَطْت إلَيْك يَدَيَّ دَاعِيًا، فَطَالَمَا كَفَيْتنِي سَاهِيًا، فَبِنِعْمَتِك الَّتِي تَظَاهَرَتْ عَلَيَّ عِنْدَ الْغَفْلَةِ، لَا أَيْأَسُ مِنْهَا
عِنْدَ التَّوْبَةِ، فَلَا تَقْطَعْ رَجَائِي مِنْك لِمَا قَدَّمْت مِنْ اقْتِرَافٍ، وَهَبْ لِي الْإِصْلَاحَ فِي الْوَلَدِ، وَالْأَمْنَ فِي الْبَلَدِ، وَالْعَافِيَةَ فِي الْجَسَدِ، إنَّك سَمِيعٌ مُجِيبٌ، اللَّهُمَّ إنَّ لَك عَلَيَّ حُقُوقًا، فَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَيَّ، وَلِلنَّاسِ قِبَلِي تَبِعَاتٌ فَتَحَمَّلْهَا عَنِّي، وَقَدْ أَوْجَبْت لِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وَأَنَا ضَيْفُك اللَّيْلَةَ، فَاجْعَلْ قِرَايَ الْجَنَّةَ، اللَّهُمَّ إنِّي سَائِلُك عِنْدَ بَابِك، مَنْ ذَهَبَتْ أَيَّامُهُ، وَبَقِيَتْ آثَامُهُ، وَانْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ، وَبَقِيَتْ تَبِعَتُهُ، فَارْضَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ عَنْهُ فَاعْفُ عَنْهُ، فَقَدْ يَعْفُو السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ، وَهُوَ عَنْهُ غَيْرُ رَاضٍ.
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَدْخُلْ الْمَسْجِدَ، وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ، فَدَعَتْ بِذَلِكَ.
[فَصْل إذَا وَدَّعَ الْبَيْت يَقُومُ عِنْدَ الْبَيْتِ إذَا خَرَجَ وَيَدْعُو]
(2588) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا وَدَّعَ الْبَيْتَ، يَقُومُ عِنْدَ الْبَيْتِ إذَا خَرَجَ وَيَدْعُ وَإِذَا وَلَّى لَا يَقِفُ وَلَا يَلْتَفِتُ، فَإِنْ الْتَفَتَ رَجَعَ فَوَدَّعَ.
وَرَوَى حَنْبَلٌ، فِي " مَنَاسِكِهِ " عَنْ الْمُهَاجِرِ، قَالَ: قُلْت لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيُصَلِّي، فَإِذَا انْصَرَفَ خَرَجَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَامَ؟ فَقَالَ: مَا كُنْت أَحْسَبُ يَصْنَعُ هَذَا إلَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَكْرَهُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنْ الْتَفَتَ رَجَعَ فَوَدَّعَ.
عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، إذْ لَا نَعْلَمُ لِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: إذَا كِدْت تَخْرُجُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَالْتَفِتْ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ.
[مَسْأَلَة تَرَكَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ]
(2589) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، رَجَعَ مِنْ بَلَدِهِ حَرَامًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ رُكْنُ الْحَجِّ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ.
وَلَا يَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ قَبْلَهُ، لَمْ يَنْفَكّ إحْرَامُهُ، وَرَجَعَ مَتَى أَمْكَنَهُ مُحْرِمًا، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَحُجُّ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ قَوْلًا ثَانِيًا.
وَقَالَ: يَأْتِي عَامًا قَابِلًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ، قَالَ: " أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ " قِيلَ: إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ.
قَالَ: " فَلْتَنْفِرْ إذًا ". يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ.
فَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ، وَرَفَضَ إحْرَامَهُ، لَمْ يَحِلَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَخْرُج مِنْهُ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ، وَمَتَى رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، حَلَّ بِطَوَافِهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
(2590) فَصْلٌ: فَإِنْ تَرَكَ بَعْضَ الطَّوَافِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَرَكَ جَمِيعَهُ، فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَسَوَاءٌ تَرَكَ شَوْطًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَنْ طَافَ أَرْبَعَةَ
أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَة، أَوْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْكُوفَةِ، إنَّ سَعْيَهُ يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِمَا تَرَكَ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا أَتَى بِهِ لَا يُجْزِئُهُ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ، فَلَا يُجْزِئُهُ إذَا خَرَجَ مِنْهَا، كَمَا لَوْ طَافَ دُونَ الْأَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ.
(2591) فَصْلٌ: وَإِذَا تَرَكَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عَنْ النِّسَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عَنْ النِّسَاءِ خَاصَّةً.
وَإِنْ وَطِئَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ، وَيُجَدِّدُ إحْرَامَهُ لِيَطُوفَ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ، أَوْ اخْتَرَقَ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ، وَرَجَعَ إلَى بَغْدَادَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى بَقِيَّةِ إحْرَامِهِ، فَإِنْ وَطِئَ النِّسَاءَ، أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ، عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَهَذَا كَمَا قُلْنَا.
(2592) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ طَافَ لِلْوَدَاعِ، لَمْ يُجْزِئْهُ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ) وَإِنَّمَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ شَرْطٌ فِيهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَمَنْ طَافَ لِلْوَدَاعِ، فَلَمْ يُعَيِّنْ النِّيَّةَ لَهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ.
[مَسْأَلَة عَمَلُ الْقَارِنِ]
(2593) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَارِنَ بَيْنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ، لَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يَلْزَمُ الْمُفْرِدَ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ اخْتَارَ ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] . وَتَمَامُهُمَا، أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالِهِمَا عَلَى الْكَمَالِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَارِنِ وَغَيْرِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ» . وَلِأَنَّهُمَا نُسُكَانِ، فَكَانَ لَهُمَا طَوَافَانِ، كَمَا لَوْ كَانَا مُنْفَرِدَيْنِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا طَافُوا لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي مُسْلِمٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ، لَمَّا قَرَنَتْ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: يَسَعُك طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا جَمِيعًا» . وَعَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا» . رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى لَيْثٌ، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَتِهِمْ وَحَجِّهِمْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: حَلَفَ طَاوُسٌ مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.
وَلِأَنَّهُ نَاسِكٌ يَكْفِيهِ حَلْقٌ وَاحِدٌ، وَرَمْيٌ وَاحِدٌ، فَكَفَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، كَالْمُفْرِدِ، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا دَخَلَتْ أَفْعَالُ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى، كَالطَّهَارَتَيْنِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّ الْأَفْعَالَ إذَا وَقَعَتْ لَهُمَا فَقَدْ تَمَّا.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَلَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، فِي بَعْضِهَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، وَفِي بَعْضِهَا عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ، وَفِي بَعْضِهَا حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد، وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ، وَكَفَى بِهِ ضَعْفًا مُعَارَضَتُهُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
وَإِنْ صَحَّ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: عَلَيْهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ.
فَسَمَّاهُمَا طَوَافَيْنِ، فَإِنَّ السَّعْيَ يُسَمَّى طَوَافًا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: عَلَيْهِ طَوَافَانِ؛ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ.
[فَصْل قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا]
(2594) فَصْلٌ: وَإِنْ قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إذَا قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: فِي ذَلِكَ جَزَاءَانِ.
فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: فِي صَيْدِ الْحَرَمِ ثَلَاثَةٌ.
لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: فِي الْحِلِّ اثْنَانِ.
فَفِي الْحَرَمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةً.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَيْهِ جَزَاءَانِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا قُلْنَا عَلَيْهِ طَوَافَانِ، لَزِمَهُ جَزَاءَانِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . وَمَنْ أَوْجَبَ جَزَاءَيْنِ، فَقَدْ أَوْجَبَ مِثْلَيْنِ.
وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ وَاحِدٌ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزَاءَانِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا.
وَلِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى مُحْرِمَيْنِ قَتَلَا صَيْدًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا إلَّا فِدَاءٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ مُحْرِمٌ وَحَلَالٌ قَتَلَا صَيْدًا حَرَمِيًّا.
[فَصْل أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ بِالْوَطْءِ]
(2595) فَصْلٌ: وَإِنْ أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ بِالْوَطْءِ، فَعَلَيْهِ فِدَاءٌ وَاحِدٌ.
وَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْقِرَانِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ: عَلَيْهِ هَدَيَانِ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنْ يَلْزَمَهُ بَدَنَةٌ وَشَاةٌ إذَا قُلْنَا يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، فَسَدَ نُسُكُهُ، وَعَلَيْهِ شَاتَانِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، الَّذِينَ سُئِلُوا عَمَّنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ، لَمْ يَأْمُرُوهُ إلَّا بِفِدَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا.
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، فَلَمْ يَجِبْ فِي إفْسَادِهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْآخَرَيْنِ، وَسَائِرُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، مِنْ اللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِهِمَا، لَا يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ فِدَاءٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مُفْرِدًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ]
(2596) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنَّ وُجُوبَ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَنْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: " وَلَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ ". وَلَا نَعْلَمُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، أَنَّ ابْنَ دَاوُد لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ سُئِلَ عَنْ الْقَارِنِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؟ فَقَالَ: لَا.
فَجُرَّ بِرِجْلِهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] . وَالْقَارِنُ مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، بِدَلِيلِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا سَمِعَ عُثْمَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّمَا الْقِرَانُ لِأَهْلِ الْآفَاقِ.
وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا» . وَلِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَزِمَهُ دَمٌ كَالْمُتَمَتِّعِ.
وَإِذَا عَدِمَ الدَّمَ، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، كَالْمُتَمَتِّعِ سَوَاءٌ.
(2597) فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ وُجُوب الدَّم عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَسْقَطَ الدَّمَ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ، وَلَيْسَ هَذَا مُتَمَتِّعًا.
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فَهُوَ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ إنَّمَا كَانَ بِمَعْنَى النَّصِّ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ الْفَرْعُ أَصْلَهُ.