باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَكْرَهُ التَّصَاوِيرَ، مَا نُصِبَ مِنْهَا وَمَا بُسِطَ.
وَكَذَلِكَ مَالِكٌ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا تَنَزُّهًا، وَلَا يَرَاهَا مُحَرَّمَةً.
وَلَعَلَّهُمْ يَذْهَبُونَ إلَى عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّ فِي الْبَيْتِ صُورَةً أَبَى أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى كُسِرَتْ.
وَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ «قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْت لِي سَهْوَةً بِنَمَطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: أَتَسْتُرِينَ الْخِدْرَ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ؟ فَهَتَكَهُ.
قَالَتْ: فَجَعَلْت مِنْهُ مُنْتَبَذَتَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّكِئًا عَلَى إحْدَاهُمَا» . رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُدَاسُ وَتُبْتَذَلُ، لَمْ تَكُنْ مُعَزَّزَةً وَلَا مُعَظَّمَةً، فَلَا تُشْبِهُ الْأَصْنَامَ الَّتِي تُعْبَدُ وَتُتَّخَذُ آلِهَةً، فَلَا تُكْرَمُ.
وَمَا رَوَيْنَاهُ أَخُصُّ مِمَّا رَوَوْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «أَبِي طَلْحَةَ.
أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ؟ قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ: إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ؟»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُبَاحَ مَا كَانَ مَبْسُوطًا، وَالْمَكْرُوهَ مِنْهُ مَا كَانَ مُعَلَّقًا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
[فَصْلٌ قَطَعَ رَأْس الصُّورَة الَّتِي رَآهَا عِنْد صَاحِب الْوَلِيمَة]
(5673) فَصْلٌ: فَإِنْ قَطَعَ رَأْسَ الصُّورَةِ، ذَهَبَتْ الْكَرَاهَةُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلِيس بِصُورَةٍ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: أَتَيْتُك الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْت إلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى الْبَابِ فَيُقْطَعُ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْتُقْطَعْ مِنْهُ وِسَادَتَانِ مَنْبُوذَتَانِ يُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ.
فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا لَا يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَ ذَهَابِهِ، كَصَدْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ بَدَنِهِ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ لَا تَبْقَيْ بَعْدَ ذَهَابِهِ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرَّأْسِ.
وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَهُ، كَالْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَهُوَ صُورَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ النَّهْيِ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ التَّصْوِيرِ صُورَةُ بَدَنٍ بِلَا رَأْسٍ، أَوْ رَأْسٍ بِلَا بَدَنٍ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ وَسَائِرُ بَدَنِهِ صُورَةُ غَيْرِ حَيَوَانٍ، لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصُورَةِ حَيَوَانٍ.
[فَصْلٌ صَنْعَة التَّصَاوِير]
(5674) فَصْلٌ: وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» . وَعَنْ «مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَقَالَ لَتِمْثَالٍ مِنْهَا: تِمْثَالُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: تِمْثَالُ مَرْيَمَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهِ مُحَرَّمٌ.
كَعَمَلِهِ.
[فَصْلٌ دُخُول مَنْزِل فِيهِ صُورَة]
(5675) فَصْلٌ: فَأَمَّا دُخُولُ مَنْزِلٍ فِيهِ صُورَةٌ، فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجَلِهِ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي، بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ؛ لِإِيجَادِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ.
وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، إذَا رَأَى صُوَرًا عَلَى السِّتْرِ، لَمْ يَكُنْ رَآهَا حِينَ دَخَلَ؟ قَالَ: هُوَ أَسْهَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجِدَارِ.
قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَرَهُ إلَّا عِنْدَ وَضْعِ الْخِوَانُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، أَيَخْرُجُ؟ فَقَالَ: لَا تُضَيِّقْ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ إذَا رَأَى هَذَا وَبَّخَهُمْ وَنَهَاهُمْ.
يَعْنِي لَا يَخْرُجُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا تَنَزُّهًا، وَلَا يَرَاهَا مُحَرَّمَةً.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إذَا كَانَتْ الصُّوَرُ عَلَى السُّتُورِ، أَوْ مَا لَيْسَ بِمَوْطُوءٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، لَمَا جَازَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ الْوَاجِبَةِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ، فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَفِي شُرُوطِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ: أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ، لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ لِلْمَبِيتِ بِهَا، وَالْمَارَّةُ بِدَوَابِّهِمْ، وَرَوَى ابْنُ عَائِذٍ فِي " فُتُوحِ الشَّامِ "، أَنَّ النَّصَارَى صَنَعُوا لَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، حِينَ قَدِمَ الشَّامَ، طَعَامًا، فَدَعَوْهُ، فَقَالَ: أَيْنَ هُوَ؟ قَالُوا: فِي الْكَنِيسَةِ، فَأَبَى أَنْ يَذْهَبَ، وَقَالَ لَعَلِيٍّ: امْضِ بِالنَّاسِ، فَلِيَتَغَدَّوْا.
فَذَهَبَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالنَّاسِ، فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ، وَتَغَدَّى هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَنْظُرُ إلَى الصُّوَرِ، وَقَالَ: مَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ دَخَلَ فَأَكَلَ،
وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى إبَاحَةِ دُخُولِهَا وَفِيهَا الصُّورُ، وَلِأَنَّ دُخُولَ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَكَذَلِكَ الْمَنَازِلُ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ، وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُهُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ عَلَيْنَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسٌ، مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِفَاعِلِهِ، وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ سِتْر الْحِيطَان بِسُتُورِ غَيْر مُصَوِّرَة]
(5676) فَصْلٌ: فَأَمَّا سَتْرُ الْحِيطَانِ بِسُتُورٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ لَحَاجَةٍ مِنْ وِقَايَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِي حَاجَتِهِ، فَأَشْبَهَ السِّتْرَ عَلَى الْبَاب، وَمَا يَلْبَسُهُ عَلَى بَدَنِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَعُذْرٌ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الدَّعْوَةِ وَتَرْكِ الْإِجَابَةِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَعْرَسْت فِي عَهْدِ أَبِي فَآذَنَ أَبِي النَّاسَ، فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِيمَنْ آذَنَ، وَقَدْ سَتَرُوا بَيْتِي بِخِبَاءٍ أَخْضَرَ، فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ مُسْرِعًا، فَاطَّلَعَ، فَرَأَى الْبَيْتَ
مُسْتَتِرًا بِخِبَاءٍ أَخْضَرَ، فَقَالَ: يَا عَبْد اللَّهِ أَتَسْتُرُونَ الْجُدُرَ؟ فَقَالَ أَبِي، وَاسْتَحْيَا: غَلَبَتْنَا النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ.
فَقَالَ: مَنْ خَشِيت أَنْ يَغْلِبَهُ النِّسَاءُ، فَلَمْ أَخْشَ أَنْ يَغْلِبَنَّكَ ثُمَّ قَالَ: لَا أَطْعَمُ لَكُمْ طَعَامًا، وَلَا أَدْخُلُ لَكُمْ بَيْتًا، ثُمَّ خَرَجَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ، أَنَّهُ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ، فَرَأَى الْبَيْتَ مُنَجَّدًا، فَقَعَدَ خَارِجًا وَبَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيك؟ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا قَدْ رَقَّعَ بُرْدَةً لَهُ بِقِطْعَةِ أَدَمٍ، فَقَالَ: «تَطَالَعَتْ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا.
ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ أَمْ إذَا غَدَتْ عَلَيْكُمْ قَصْعَةٌ وَرَاحَتْ أُخْرَى، وَيَغْدُوا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى، وَتَسْتُرُونَ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَا أَبْكِي، وَقَدْ بَقِيت حَتَّى رَأَيْتُكُمْ تَسْتُرُونَ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ .»
وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُسْتَرَ الْجُدُرُ.» وَرَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ فِيمَا رُزِقْنَا أَنْ نَسْتُرَ الْجُدُرَ.»
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ سِتْرَ الْحِيطَانِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِي تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَفُعِلَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِنَّمَا كَرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ، كَالزِّيَادَةِ فِي الْمَلْبُوسِ، وَالْمَأْكُولِ.
وَقَدْ قِيلَ: هُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِلنَّهْيِ عَنْهُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ فَإِنَّ النَّهْيَ لَمْ يَثْبُتْ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَمْلُ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ السُّتُور فِيهَا الْقُرْآن]
(5677) فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ السُّتُورِ فِيهَا الْقُرْآنُ؟ فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مُعَلَّقًا فِيهِ الْقُرْآنُ، يُسْتَهَانُ بِهِ، وَيُمْسَحُ بِهِ.
قِيلَ لَهُ: فَيُقْلَعُ؟ فَكَرِهَ أَنْ يُقْلِعَ الْقُرْآنُ، وَقَالَ: إذَا كَانَ سِتْرٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَكَرِهَ أَنْ يُشْتَرَى الثَّوْبُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، مِمَّا يُجْلَسُ عَلَيْهِ أَوْ يُدَاسُ.
[فَصْلٌ يَكْتَرِي الْبَيْت فِيهِ تَصَاوِير]
(5678) فَصْلٌ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكْتَرِي الْبَيْتَ فِيهِ تَصَاوِيرُ، تَرَى أَنْ يَحُكَّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: دَخَلْت حَمَّامًا، فَرَأَيْت صُورَةً، أَتَرَى أَنْ أَحُكَّ الرَّأْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الصُّورَةِ مُنْكَرٌ، فَجَازَ تَغْيِيرُهَا، كَآلَةِ اللَّهْوِ وَالصَّلِيبِ، وَالصَّنَمِ، وَيُتْلَفُ مِنْهَا مَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَدِّ الصُّورَةِ، كَالرَّأْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا بَأْسَ بِاللُّعَبِ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَةً؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ . فَقُلْت: هَذِهِ خَيْلُ سُلَيْمَانَ.
فَجَعَلَ يَضْحَكُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ.
[فَصْلٌ الدُّفّ لَيْسَ بِمُنْكَرِ]
(5679) فَصْلٌ: وَالدُّفُّ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ فِي النِّكَاحِ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ؛ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تَدُفَّانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ اتِّخَاذ آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة مُحْرِم]
(5680) فَصْلٌ: وَاِتِّخَاذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُحَرَّمٌ، فَإِذَا رَآهُ الْمَدْعُوُّ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي، فَهُوَ مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِنْ أَجْلِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كَالْمُكْحُلَةِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَحْمَدُ: إذَا رَأَى حَلْقَةَ مِرْآةٍ فِضَّةً، وَرَأْسَ مُكْحُلَةِ، يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: هَذَا تَأْوِيلٌ تَأَوَّلْته، وَأَمَّا الْآنِيَةُ نَفْسُهَا فَلَيْسَ فِيهَا شَكٌّ.
وَقَالَ: مَا لَا يُسْتَعْمَلُ فَهُوَ أَسْهَلُ، مِثْلُ الضَّبَّةِ فِي السِّكِّينِ وَالْقَدَحِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمُنْكَرِ كَسَمَاعِهِ، فَكَمَا لَا يَجْلِسُ فِي مَوْضِعٍ يَسْمَعُ فِيهِ صَوْتَ الزَّمْرِ، لَا يَجْلِسُ فِي مَوْضِعٍ يَرَى فِيهِ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ.
[فَصْلٌ عِلْم أَنَّ عِنْد أَهْل الْوَلِيمَةِ مُنْكَرًا]
(5681) فَصْلٌ: وَإِنْ عِلْمَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْوَلِيمَةِ مُنْكَرًا، لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ، لِكَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَوْضِعِ الطَّعَامِ، أَوْ يُخْفُونَهُ وَقْتَ حُضُورِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْضُرَ وَيَأْكُلَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْحُضُورِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُدْعَى إلَى الْخِتَانِ أَوْ الْعُرْسِ، وَعِنْدَهُ الْمُخَنَّثُونَ، فَيَدْعُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ أُولَئِكَ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَأْثَمَ إنْ لَمْ يُجِبْ، وَإِنْ أَجَابَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ آثِمًا.
فَأَسْقُطَ الْوُجُوبَ؛ لِإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِاِتِّخَاذِ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يَمْنَعْ الْإِجَابَةَ؛ لِكَوْنِ الْمُجِيبِ لَا يَرَى مُنْكَرًا وَلَا يَسْمَعُهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إذَا كَانَ الْمَكْسَبُ طَيِّبًا، وَلَمْ يَرَ مُنْكَرًا.
فَعَلَى قَوْلِهِ هَذَا، لَا تَجِبُ
إجَابَةُ مَنْ طَعَامُهُ مِنْ مَكْسَبٍ خَبِيثٍ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ مُنْكَرٌ، وَالْأَكْلَ مِنْهُ مُنْكَرٌ، فَهُوَ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ، وَإِنْ حَضَرَ لَمْ يَسُغْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ.
[مَسْأَلَة دَعْوَة الْخِتَان]
(5682) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَدَعْوَةُ الْخِتَانِ لَا يَعْرِفُهَا الْمُتَقَدِّمُونَ، وَلَا عَلَى مَنْ دُعِيَ إلَيْهَا أَنْ يُجِيبَ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ السُّنَّةُ فِي إجَابَةِ مَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةِ تَزْوِيجٍ) يَعْنِي بِالْمُتَقَدِّمِينَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّذَيْنِ يُقْتَدَى بِهِمْ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، دُعِيَ إلَى خِتَانٍ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَقِيلَ لَهُ؟ فَقَالَ: إنَّا كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نُدْعَى إلَيْهِ.» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَحُكْمُ الدَّعْوَةِ لِلْخِتَانِ وَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ غَيْرِ الْوَلِيمَةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ إطْعَامِ الطَّعَامِ، وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ: تَجِبُ إجَابَةُ كُلِّ دَعْوَةٍ؛ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ.
فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْهُ، عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عُرْسٍ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ السُّنَّةِ إنَّمَا وَرَدَ فِي إجَابَةِ الدَّاعِي إلَى الْوَلِيمَةِ، وَهِيَ الطَّعَامُ فِي الْعُرْسِ خَاصَّةً، كَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيلُ، وَثَعْلَبٌ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: «كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نُدْعَى إلَيْهِ.» وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ يُسْتَحَبُّ إعْلَانُهُ، وَكَثْرَةُ الْجَمْعِ فِيهِ، وَالتَّصْوِيتُ، وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْإِجَابَةِ إلَى غَيْرِهِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَاب؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ بِهِ دَعْوَةً ذَاتَ سَبَبٍ دُونَ غَيْرِهَا، وَإِجَابَةُ كُلِّ دَاعٍ مُسْتَحَبَّةٌ لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ فِيهِ جَبْرَ قَلْبِ الدَّاعِي، وَتَطْيِيبَ قَلْبِهِ، وَقَدْ دُعِيَ أَحْمَدُ إلَى خِتَانٍ، فَأَجَابَ وَأَكَلَ.
فَأَمَّا الدَّعْوَةُ فِي حَقِّ فَاعِلِهَا، فَلَيْسَتْ لَهَا فَضِيلَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا؛ لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهَا، وَلَكِنْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَةِ لِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، فَإِذَا قَصْدَ فَاعِلُهَا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِطْعَامَ إخْوَانِهِ، وَبَذْلَ طَعَامِهِ، فَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَة النِّثَارُ مَكْرُوه]
(5683) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالنِّثَارُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ النُّهْبَةِ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَى صَاحِبِ النِّثَارِ مِنْهُ) . اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي النِّثَارِ وَالْتِقَاطِهِ؛ فَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ، وَطَلْحَةَ، وَزُبَيْدٍ الْيَامِيِّ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ، قَالَ: «قُرِّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَنَحَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَسَأَلْت مَنْ قَرُبَ مِنْهُ، فَقَالَ: قَالَ: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا جَارٍ مَجْرَى النِّثَارِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إلَى وَلِيمَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ أَتَوْا بِنَهْبٍ فَأَنْهَبَ عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّاوِي: وَنَظَرْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُزَاحِمُ النَّاسَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَمَا نَهَيْتَنَا عَنْ النُّهْبَةِ؟ قَالَ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ» . وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إبَاحَةٍ فَأَشْبَهَ إبَاحَةَ الطَّعَامِ لَلضَّيْفَانِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَحِلُّ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ.» وَلِأَنَّ فِيهِ نَهْبًا، وَتَزَاحُمًا، وَقِتَالًا، وَرُبَّمَا أَخَذَهُ مَنْ يَكْرَهُ صَاحِبَ النِّثَارِ، لِحِرْصِهِ وَشَرَهِهِ وَدَنَاءَةِ نَفْسِهِ، وَيُحْرَمُهُ مَنْ يُحِبُّ صَاحِبَهُ؛ لِمُرُوءَتِهِ وَصِيَانَةِ نَفْسِهِ وَعِرْضِهِ، وَالْغَالِبُ هَذَا، فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوآتِ يَصُونُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ مُزَاحَمَةِ سَفَلَةِ النَّاسِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا دَنَاءَةً، وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِي الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا.
فَأَمَّا خَبَرُ الْبَدَنَاتِ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُ لَا نُهْبَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ اللَّحْمِ، وَقِلَّةِ الْآخِذِينَ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَنَاسِكِ عَنْ تَفْرِيقِهَا.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ، وَأَمَّا إبَاحَتُهُ فَلَا خِلَافَ فِيهَا، وَلَا فِي الِالْتِقَاطِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ إبَاحَةٍ لِمَالِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْإِبَاحَاتِ.
[مَسْأَلَة قَسَمَ الْمُولِم عَلَى الْحَاضِرِينَ مَا يُنْثَرُ مِثْلُ اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ وَغَيْرِهِ]
(5684) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ قَسَمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ) . كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ بَعْضَ أَوْلَادِهِ حَذَقَ، فَقَسَمَ عَلَى الصِّبْيَانِ الْجَوْزَ.
أَمَّا إذَا قَسَمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ مَا يُنْثَرُ مِثْلُ اللَّوْزِ، وَالسُّكَّرِ، وَغَيْرِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:: «قَسَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا، فَأَعْطَى كُلَّ إنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ، لَمْ تَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْهَا، شَدَّتْ إلَى مَضَاغِي.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَخْذِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ تَنَاهُبٌ، فَلَا يُكْرَهُ أَيْضًا.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْجَوْزِ يُنْثَرُ؟ فَكَرِهَهُ، وَقَالَ: يُعْطُونَ يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ: سَمِعْت حُسْنَ أُمَّ وَلَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلِ تَقُولُ: لَمَّا حَذَقَ ابْنِي حَسَنٌ، قَالَ لِي مَوْلَايَ: حُسْنُ، لَا تَنْثُرِي عَلَيْهِ.
فَاشْتَرَى تَمْرًا وَجَوْزًا، فَأَرْسَلَهُ إلَى الْمُعَلِّمِ، قَالَتْ: وَعَمِلْت أَنَا عَصِيدَةً، وَأَطْعَمْت الْفُقَرَاءَ، فَقَالَ: أَحْسَنْت أَحْسَنْت.
وَفَرَّقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الصِّبْيَان الْجَوْزَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ خَمْسَةٌ.
[فَصْلٌ مِنْ حُصِلَ فِي حَجَره شَيْء مِنْ النِّثَار فِي الْوَلِيمَة]
(5685) فَصْلٌ: وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ شَيْءٌ مِنْ النِّثَارِ فَهُوَ لَهُ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَمَلَكَهُ، كَمَا لَوْ وَثَبَتْ سَمَكَةٌ مِنْ الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حِجْرِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُخْلَط الْمُسَافِرُونَ أَزْوَادهمْ وَيَأْكُلُوا جَمِيعًا]
(5686) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْلِطَ الْمُسَافِرُونَ أَزْوَادَهُمْ وَيَأْكُلُوا جَمِيعًا.
وَإِنْ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ، فَلَا بَأْسَ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَعَاهَدُونَ فِي الْغَزْوِ وَالْحَجِّ.
وَيُفَارِقُ النِّثَارَ؛ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِنَهْبٍ وَتَسَالُبٍ وَتَجَاذُبٍ، بِخِلَافِ هَذَا.
[فَصْلٌ آدَاب الطَّعَام]
(5687) فَصْلٌ: فِي آدَابِ الطَّعَامِ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْثِرَ خَيْرَ بَيْتِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ إذَا حَضَرَ غَدَاؤُهُ وَإِذَا رُفِعَ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْن عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ.» يَعْنِي بِهِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمْرٍ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ فَأُتِيَ بِطَعَامِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آتِيكَ بِوُضُوءٍ؟ قَالَ: لَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شِعْبِ الْجَبَلِ، وَقَدْ قَضَى حَاجَتَهُ، وَبَيْن أَيْدِينَا تَمْرٌ عَلَى تُرْسٍ أَوْ جُحْفَةٍ، فَدَعَوْنَاهُ فَأَكَلَ مَعَنَا، وَمَا مَسَّ مَاءً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْهُ، «أَنَّهُ كَانَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،.
وَلَا بَأْسَ بِتَقْطِيعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ، فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ، وَانْهَشُوهُ نَهْشًا؛ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» . قَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحِ.
وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْل التَّسْمِيَة عِنْد الْأَكْلِ]
(5688) فَصْلٌ: وَتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَأَنْ يَأْكُلَ بِيَمِينِهِ مِمَّا يَلِيهِ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «كُنْت يَتِيمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِك، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ، فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إلَّا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إلَى فِيهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ.
فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ قَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ» . رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ، فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ، فَخَبَطَتْ يَدِي فِي نَوَاحِيهَا، فَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ.
ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ الرُّطَبِ، فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّبَقِ، وَقَالَ: يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ذِرْوَةِ الثَّرِيدِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ لِيَأْكُلَ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا، يُبَارَكْ فِيهَا» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْلٌ الْأَكْل بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاث]
(5689) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا.
قَالَ مُثَنَّى: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ كُلِّهَا؟ فَذَهَبَ إلَى ثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَذَكَرْت لَهُ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِكَفِّهِ كُلِّهَا.
فَلَمْ يُصَحِّحْهُ، وَلَمْ يَرَ إلَّا ثَلَاثَ أَصَابِعَ.
وَقَدْ رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا؛ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يُلْعِقَهَا أَوْ يَلْعَقهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ نُبَيْشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ فَلَحِسَهَا، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وَقَعَتْ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَمْسَحْ مَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَرْضِ، وَلْيَأْكُلْهَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْلٌ حَمْد اللَّه تَعَالَى إذَا فَرَغَ مِنْ الطَّعَام]
(5690) فَصْلٌ: وَيَحْمَدُ اللَّه تَعَالَى إذَا فَرَغَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَكَلَ طَعَامًا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا رُفِعَ طَعَامُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنَى عَنْهُ، رَبِّنَا» . وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ، مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ طَعَامًا، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبَرَكَةِ اللَّهِ.
وَفِي آخِرِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَأَرْوَى وَأَنْعَمَ وَأَفْضَلَ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَهُ» .
وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: " أَثِيبُوا صَاحِبَكُمْ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إثَابَتُهُ؟ قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ، وَأُكِلَ طَعَامُهُ، وَشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إثَابَتُهُ» . وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
[فَصْلٌ الْجَمْع بَيْن طَعَامَيْنِ]
(5691) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْن طَعَامَيْنِ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن جَعْفَرٍ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ.
وَيُكْرَهُ عَيْبُ الطَّعَامِ؛ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا قَطُّ، إذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ تَرَكَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَإِذَا حَضَرَ فَصَادَفَ قَوْمًا يَأْكُلُونَ، فَدَعَوْهُ، لَمْ يُكْرَهُ لَهُ الْأَكْلُ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، «حِين دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلَ مَعَهُمْ» .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَيَّنَ وَقْتَ
أَكْلِهِمْ، فَيَهْجُمَ عَلَيْهِمْ لِيُطْعَمَ مَعَهُمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: 53] أَيْ غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ بُلُوغَ نُضْجِهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ» . قَالَ: فَعَلَامَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السَّفَرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْفُخُ فِي طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ» . وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «وَلَا يَتَنَفَّسْ أَحَدُكُمْ فِي الْإِنَاءِ» .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وُضِعَتْ الْمَائِدَةُ، فَلَا يَقُومُ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ وَالْقَوْمُ، وَلْيُعْذِرْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ» . رَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْلٌ الْإِنَاءُ يُؤْكَلُ فِيهِ ثُمَّ تُغْسَلُ فِيهِ الْيَدُ]
(5692) فَصْلٌ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْإِنَاءُ يُؤْكَلُ فِيهِ، ثُمَّ تُغْسَلُ فِيهِ الْيَدُ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ.
وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي غَسْلِ الْيَدِ بِالنُّخَالَةِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، نَحْنُ نَفْعَلُهُ.
وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ أَمَرَ امْرَأَةً أَنْ تَجْعَلَ مَعَ الْمَاءِ مِلْحًا، ثُمَّ تَغْسِلَ بِهِ الدَّمَ مِنْ حَيْضَةٍ.» وَالْمِلْحُ طَعَامٌ، فَفِي مَعْنَاهُ مَا أَشْبَهَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالْخُلْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] . وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ، كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنِّي لِأُحِبّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ، كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِهَا: إذَا أَطَعْنَ اللَّهُ، وَأَطَعْنَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَتَهَا، وَيَكُفُّ عَنْهَا أَذَاهُ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ سَعَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: التَّمَاثُلُ هَاهُنَا فِي تَأْدِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُمْطِلُهُ بِهِ، وَلَا يُظْهِرُ الْكَرَاهَةَ، بَلْ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةٍ، وَلَا يُتْبِعُهُ أَذًى وَلَا مِنَّةً؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] . وَهَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْسِينُ الْخُلُقِ مَعَ صَاحِبِهِ، وَالرِّفْقُ بِهِ، وَاحْتِمَالُ أَذَاهُ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: 36] قِيلَ: هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ، لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا، وَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ «خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَحَقُّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرْت النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ؛ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ: «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
، «وَقَالَ لَامْرَأَةٍ أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ جَنَّتُك وَنَارُك.
وَقَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ شَطْرُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَة مِثْلُهَا يُوطَأُ فَطَلَبَ تَسْلِيمَهَا إلَيْهِ]
(5693) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، مِثْلُهَا يُوطَأُ، فَطَلَبَ تَسْلِيمَهَا، إلَيْهِ وَجَبَ ذَلِكَ وَإِنْ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، لَزِمَهُ تَسَلُّمُهَا،
وَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا.
وَإِنْ طَلَبَهَا، فَسَأَلْت الْإِنْظَارَ، أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تُصْلِحَ أَمَرَهَا فِيهَا، كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» . فَمَنَعَ مِنْ الطُّرُوقِ، وَأَمَرَ بِإِمْهَالِهَا لِتُصْلِحَ أَمْرَهَا؛ مَعَ تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ لَهَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَافِرُ بِنِسَائِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا، فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ؛ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا إلَّا بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ عُقِدَ عَلَى إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا، فَلَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا لِخِدْمَةِ النَّهَارِ، لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا بِاللَّيْلِ.
وَيَجُوزُ لِلْمَوْلَى بَيْعُهَا؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِعَائِشَةَ فِي شِرَاءِ بَرِيرَةَ، وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ.
وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّ بَيْعَ بَرِيرَةَ لَمْ يُبْطِلْ نِكَاحَهَا» .
[فَصْلٌ إجْبَار زَوْجَته عَلَى الْغُسْل مِنْ الْحَيْض وَالنِّفَاس]
(5694) فَصْل: وَلِلزَّوْجِ إجْبَارُ زَوْجَتِهِ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ مَمْلُوكَةً؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهُ، فَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَى إزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ.
وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى شِرَاءِ الْمَاءِ فَثَمَنُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّهِ.
وَلَهُ إجْبَارُ الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا، وَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا بِالْغُسْلِ.
فَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛: إحْدَاهُمَا، لَهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ يَقِفُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ النَّفْسَ تَعَافُ مَنْ لَا يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ بِدُونِهِ؛ وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِي إزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَتَسْتَوِي فِي هَذَا الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُصُولِ النَّفْرَةِ مِمَّنْ ذَلِكَ حَالُهَا.
وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ، إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ.
وَإِنْ طَالَا قَلِيلًا، بِحَيْثُ تَعَافُهُ النَّفْسُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، كَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاتِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْقُبْلَةَ، وَكَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ.
وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ السُّكْرِ وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، فَإِنَّهُ يُزِيلُ عَقْلَهَا، وَيَجْعَلُهَا كَالزِّقِّ الْمَنْفُوخِ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ تَجْنِيَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَرَادَتْ شُرْبَ مَا لَا يُسْكِرُهَا، فَلَهُ مَنْعُ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ تَحْرِيمَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ فِي دِينِهَا.
وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ فَمِهَا مِنْهُ وَمِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِفِيهَا.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَمْلِكَ مَنْعَهَا مِنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَهُوَ كَالثُّومِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمَةً تَعْتَقِدُ إبَاحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ، هَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ.
[فَصْلٌ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوج مِنْ مَنْزِله]
(5695) فَصْلٌ: وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا، أَوْ عِيَادَتَهُمَا، أَوْ حُضُورَ جِنَازَة أَحَدِهِمَا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ: طَاعَةُ زَوْجِهَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ بَطَّةَ، فِي " أَحْكَامِ النِّسَاءِ "، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ وَمَنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ، فَمَرِضَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عِيَادَةِ أَبِيهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّقِي اللَّهَ، وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَك.
فَمَاتَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُضُورِ جِنَازَتِهِ، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ، وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَك.
فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي قَدْ غَفَرْت لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا» .
وَلِأَنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ، وَالْعِيَادَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ عِيَادَةِ وَالِدَيْهَا، وَزِيَارَتِهِمَا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَطِيعَةً لَهُمَا، وَحَمْلًا لِزَوْجَتِهِ عَلَى مُخَالِفَتِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ ذِمِّيَّةً، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْكَنِيسَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَاعَةٍ، وَلَا نَفْعٍ.
وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَمْنَعُهُ مِنْ مَنْعِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» . وَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ تَزَوَّجَ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرو بْنِ نُفَيْلٍ، فَكَانَتْ تَخْرُجُ إلَى الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ غَيُورًا، فَيَقُولُ لَهَا: لَوْ صَلَّيْت فِي بَيْتِك.
فَتَقُولُ: لَا أَزَالَ أَخْرُجُ أَوْ تَمْنَعُنِي.
فَكَرِهَ مَنْعَهَا لِهَذَا الْخَبَرِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ أَوْ الْأَمَةُ النَّصْرَانِيَّةُ يَشْتَرِي لَهَا زُنَّارًا؟ قَالَ: لَا بَلْ تَخْرُجُ هِيَ تَشْتَرِي لِنَفْسِهَا.
فَقِيلَ لَهُ: جَارِيَتُهُ تَعْمَلُ الزَّنَانِيرَ؟ قَالَ: لَا.
[فَصْلٌ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَة خِدْمَة زَوْجهَا]
(5696) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا، مِنْ الْعَجْنِ، وَالْخَبْزِ، وَالطَّبْخِ وَأَشْبَاهِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ: عَلَيْهَا ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّا «بِقِصَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْبَيْتِ مِنْ عَمَلٍ» . رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ.
قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ: وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ، أَوْ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ، كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَفْعَلَ» . وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ.
قَالَ: فَهَذِهِ طَاعَتُهُ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، فَكَيْفَ بِمُؤْنَةِ مَعَاشِهِ؟ «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ نِسَاءَهُ بِخِدْمَتِهِ.
فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ اسْقِينَا، يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا، يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الشَّفْرَةَ، وَاشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» .
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشْكُو إلَيْهِ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى، وَسَأَلَتْهُ خَادِمًا يَكْفِيهَا ذَلِكَ.» وَلَنَا - أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهَا الِاسْتِمْتَاعُ، فَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُهُ، كَسَقْيِ دَوَابِّهِ، وَحَصَادِ زَرْعِهِ.
فَأَمَّا قَسْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، فَعَلَى مَا تَلِيقُ بِهِ الْأَخْلَاقُ الْمَرْضِيَّةُ، وَمَجْرَى الْعَادَةِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ، كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ بِفَرَسِ الزُّبَيْرِ، وَتَلْتَقِطُ لَهُ النَّوَى، وَتَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهَا.
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهَا، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحٍ خَارِجَ الْبَيْتِ، وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى لَهَا فِعْلُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِقِيَامِهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ، وَلَا تَصْلُحُ الْحَالُ إلَّا بِهِ، وَلَا تَنْتَظِمُ الْمَعِيشَةُ بِدُونِهِ.
[فَصْلٌ وَطْء الزَّوْجَة فِي الدُّبُرِ]
(5697) فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي الدُّبُرِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو هُرَيْرَةَ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَتْ إبَاحَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَنَافِعٍ، وَمَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي فِي أَنَّهُ حَلَالٌ.
وَأَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ مَنْ أَحَلَّهُ، بُقُولِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] . وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ مِنْ أَعْجَازِهِنَّ.» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» . رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَحَاشُّ النِّسَاءِ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . رَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ الْأَثْرَمُ.
فَأَمَّا الْآيَةُ، فَرَوَى جَابِرٌ قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ: إذَا جَامِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا، جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] . مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا، وَمِنْ خَلْفِهَا، غَيْرَ أَنْ لَا يَأْتِيَهَا إلَّا فِي الْمَأْتَى.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «ائْتِهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْفَرْجِ» . وَالْآيَةُ الْأُخْرَى الْمُرَادُ بِهَا ذَلِكَ.
[فَصْلٌ وَطِئَ زَوْجَته فِي دُبُرهَا]
(5698) فَصْلٌ: فَإِنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ شُبْهَةً، وَيُعَزَّرُ لَفِعْلِهِ الْمُحَرَّمَ، وَعَلَيْهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ إيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ فِي إفْسَادِ الْعِبَادَاتِ، وَتَقْرِيرِ الْمَهْرِ، وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ لَأَجْنَبِيَّةٍ، وَجَبَ حَدُّ اللُّوطِيِّ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ مَنْفَعَةً لَهَا عِوَضٌ فِي الشَّرْعِ.
وَلَا يَحْصُلُ بِوَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي الدُّبُرِ إحْصَانٌ، إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ الْكَامِلِ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَطْءٍ كَامِلٍ، وَالْإِحْلَالُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَذُوقُ بِهِ عُسَيْلَةَ الرَّجُلِ.
وَلَا تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْنَةُ، وَلَا الْخُرُوجُ مِنْ الْعُنَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِيهِمَا لِحَقِّ الْمَرْأَةِ، وَحَقُّهَا الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ.
وَلَا يَزُولُ بِهِ الِاكْتِفَاءُ بِصَمْتِهَا فِي الْإِذْنِ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ بَكَارَةَ الْأَصْلِ بَاقِيَةٌ.
(5699) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالتَّلَذُّذِ بِهَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِتَحْرِيمِ الدُّبُرِ، فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ حُرِّمَ لِأَجَلِ الْأَذَى، وَذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالدُّبُرِ، فَاخْتَصَّ التَّحْرِيمُ بِهِ.
[فَصْلٌ الْعَزْل مَكْرُوه]
(5700) فَصْلٌ: وَالْعَزْلُ مَكْرُوهٌ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْزِعَ إذَا قَرُبَ الْإِنْزَالُ، فَيُنْزِلُ خَارِجًا مِنْ الْفَرْجِ، رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ النَّسْلِ، وَقَطْعَ اللَّذَّةِ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ، وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَعَاطِي أَسْبَابِ الْوَلَدِ، فَقَالَ: «تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا، تَكْثُرُوا» .
وَقَالَ: «سَوْدَاءُ وَلُودٌ، خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمٍ» إلَّا أَنْ يَكُونَ لَحَاجَةٍ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَتَدْعُوهُ حَاجَتُهُ إلَى الْوَطْءِ، فَيَطَأُ وَيَعْزِلُ، ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَذِهِ الصُّورَةَ، أَوْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ أَمَةً، فَيَخْشَى الرِّقَّ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ تَكُونَ لَهُ أَمَةٌ، فَيَحْتَاجُ إلَى وَطْئِهَا وَإِلَى بَيْعِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ إمَائِهِ فَإِنْ عَزَلَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ، وَرُوِيَتْ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَطَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: «ذُكِرَ - يَعْنِي - الْعَزْلَ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ . وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ، إلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى.
قَالَ: كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
[فَصْلٌ الْعَزْل عَنْ أُمَّته بِغَيْرِ إذْنهَا]
(5701) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَلَا فِي الْوَلَدِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَسَمِ وَلَا الْفَيْئَةِ، فَلَأَنْ لَا تَمْلِكَ الْمَنْعَ مِنْ الْعَزْلِ أَوْلَى.
وَلَا يَعْزِلُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وُجُوبُ اسْتِئْذَانِ الزَّوْجَةِ فِي الْعَزْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ دُونَ الْإِنْزَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْرُج بِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالْعُنَّةِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا.» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ حَقًّا، وَعَلَيْهَا فِي الْعَزْلِ ضَرَرٌ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهَا.
فَأَمَّا زَوْجَتُهُ الْأَمَهُ، فَيَحْتَمِلُ جَوَازُ الْعَزْلِ عَنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ اسْتِدْلَالًا بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُسْتَأْذَنُ الْحُرَّةُ، وَلَا تُسْتَأْذَنُ الْأَمَةُ.
وَلِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ فِي الْفَيْئَةِ، وَالْفَسْخَ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْعُنَّةِ، وَتَرْكُ الْعَزْلِ مِنْ تَمَامِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِهَا، كَالْحُرَّةِ.
[فَصْلٌ عَزْل عَنْ زَوْجَته أَوْ أُمَّته ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدِ]
(5702) فَصْلٌ: فَإِنْ عَزَلَ عَنْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كُنْت أَعْزِلُ عَنْ جَارِيَةٍ لِي، فَوَلَدَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ.
وَلِأَنَّ لُحُوقَ النَّسَبِ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْزَالُ، وَلَا يُحِسُّ بِهِ.
[فَصْلٌ آدَاب الْجِمَاع]
ِ. تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ قَبْلَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 223] . قَالَ عَطَاءٌ: هِيَ التَّسْمِيَةُ عِنْد الْجِمَاعِ.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُكْرَهُ التَّجَرُّدُ عِنْدُ الْمُجَامَعَةِ؛ لِمَا رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، فَلْيَسْتَتِرْ وَلَا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعِيرَيْنِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ» . وَلَا يُجَامِعُ بِحَيْثُ يَرَاهُمَا أَحَدٌ، أَوْ يَسْمَعُ حِسَّهُمَا.
وَلَا يُقَبِّلُهَا وَيُبَاشِرُهَا عِنْدَ النَّاسِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي إلَّا أَنْ يَكْتُمَ هَذَا كُلَّهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، فِي الَّذِي يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ، وَالْأُخْرَى تَسْمَعُ، قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْوَجْسَ وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ.
وَلَا يَتَحَدَّثُ بِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الرِّجَالِ، فَقَالَ: لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يُحَدِّثُ بِمَا يَصْنَعُ بِأَهْلِهِ إذَا خَلَا؟ . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ تُحَدِّثُ النِّسَاءَ بِمَا يَصْنَعُ بِهَا زَوْجُهَا؟ . قَالَ: فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ، وَإِنَّا لِنَفْعَلَ.
فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكُمْ كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً، فَجَامَعَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ.»
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ.
وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ حَالَ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، وَعَطَاءً، كَرِهَا ذَلِكَ.
وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ الْكَلَامِ حَالَ الْجِمَاعِ؛ لِمَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَاءُ» . وَلِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْكَلَامُ حَالَةَ الْبَوْلِ، وَحَالُ الْجِمَاعِ فِي مَعْنَاهُ، وَأَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَاعِبَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْجِمَاعِ؛ لِتَنْهَضَ شَهْوَتُهَا، فَتَنَالَ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ مِثْلَ مَا نَالَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُوَاقِعْهَا إلَّا وَقَدْ أَتَاهَا مِنْ الشَّهْوَةِ مِثْلُ مَا أَتَاك، لِكَيْ لَا تَسْبِقَهَا بِالْفَرَاغِ.
قُلْت: وَذَلِكَ إلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّك تُقَبِّلُهَا، وَتَغْمِزُهَا، وَتَلْمِزُهَا، فَإِذَا رَأَيْت أَنَّهُ قَدْ جَاءَهَا مِثْلُ مَا جَاءَك، وَاقَعْتَهَا» . فَإِنْ فَرَغَ قَبْلَهَا، كُرِهَ لَهُ النَّزْعُ حَتَّى تَفْرُغَ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا، ثُمَّ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ، فَلَا يُعَجِّلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» . وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهَا، وَمَنْعًا لَهَا مِنْ قَضَاءِ شَهْوَتِهَا.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَّخِذَ خِرْقَةً، تُنَاوِلُهَا الزَّوْجَ بَعْدَ فَرَاغِهِ، فَيَتَمَسَّحُ بِهَا؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ عَاقِلَةً، أَنْ تَتَّخِذَ خِرْقَةً، فَإِذَا جَامَعَهَا زَوْجُهَا، نَاوَلَتْهُ، فَمَسَحَ عَنْهُ، ثُمَّ تَمْسَحُ عَنْهَا، فَيُصَلِّيَانِ فِي ثَوْبِهِمَا ذَلِكَ، مَا لَمْ تُصِبْهُ جَنَابَةٌ.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْن نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلِ وَاحِدٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «سَكَبْت لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسَائِهِ غُسْلًا وَاحِدًا، فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ» . فَإِنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ؛ بِدَلِيلِ إتْمَامِ الْجِمَاعِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَأَعْجَبُ إلَيَّ الْوُضُوءُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يَزِيدُهُ نَشَاطًا وَنَظَافَةً، فَاسْتُحِبَّ.
وَإِنْ اغْتَسَلَ بَيْنَ كُلِّ وَطْأَيْنِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، فَإِنَّ أَبَا رَافِعٍ رَوَى، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى نِسَائِهِ جَمِيعًا، فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَعَلْتَهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَرَوَى أَحَادِيثَ هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهَا أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.»
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَع بَيْن امْرَأَتَيْهِ فِي مَسَّكُنَّ وَاحِد بِغَيْرِ رِضَاهُمَا]
(5704) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْن امْرَأَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا ضَرَرًا؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْرَةِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا يُثِيرُ الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ، وَتَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِسَّهُ إذَا
أَتَى إلَى الْأُخْرَى، أَوْ تَرَى ذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَتَا بِذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَلَهُمَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَتَا بِنَوْمِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ رَضِيَتَا بِأَنْ يُجَامِعَ وَاحِدَةً بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً وَسُخْفًا وَسُقُوطَ مُرُوءَةٍ، فَلَمْ يُبَحْ بِرِضَاهُمَا.
وَإِنْ أَسْكَنَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتٍ، جَازَ، إذَا كَانَ ذَلِكَ مَسْكَنَ مِثْلِهَا.
[فَصْلٌ لَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يَغَارُ]
(5705) فَصْلٌ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ لَيُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ فِي الْأَسْوَاقِ، أَمَا تَغَارُونَ؟ إنَّهُ لَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يَغَارُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: كَانَ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَيُورًا، وَمَا مِنْ امْرِئِ لَا يَغَارُ إلَّا مَنْكُوسُ الْقَلْبِ.
[مَسْأَلَة التَّسْوِيَة بَيْن الزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ]
(5706) مَسْأَلَة: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي الْقَسْمِ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ خِلَافًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] . وَلَيْسَ مَعَ الْمَيْلِ مَعْرُوفٌ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» . وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ بَيْنَنَا فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ نِسْوَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ إلَّا بِقُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِهَا، تَفْضِيلٌ لَهَا، وَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ، وَلِأَنَّهُنَّ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْحَقِّ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُنَّ.
فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، كَفَاهُ قُرْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى
الثَّانِيَةِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا مُتَعَيِّنٌ.
وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا، أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ لِلْبِدَايَةِ بِإِحْدَى الْبَاقِيَتَيْنِ.
وَإِنْ كُنَّ أَرْبَعًا أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ إلَى الرَّابِعَةِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
وَلَوْ أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى، فَجَعَلَ سَهْمًا لِلْأُولَى، وَسَهْمًا لِلثَّانِيَةِ، وَسَهْمًا لِلثَّالِثَةِ، وَسَهْمًا لِلرَّابِعَةِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا عَلَيْهِنَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، جَازَ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَا خَرَجَ لَهَا.
[فَصْلٌ يَقْسِم الْمَرِيض وَالْمَجْبُوب وَالْعِنِّينَ وَالْخُنْثَى وَالْخُصَّيْ لِزَوْجَتِهِ]
(5707) فَصْلٌ: وَيَقْسِمُ الْمَرِيضُ وَالْمَجْبُوبُ وَالْعِنِّينُ وَالْخُنْثَى وَالْخَصِيُّ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لَا يَطَأُ.
وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ، جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ، وَيَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ عَائِشَةُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ إلَى النِّسَاءِ فَاجْتَمَعْنَ، قَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي، فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَعَلْتُنَّ.
فَأَذِنَّ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَإِنْ لَمْ يَأْذَنَّ لَهُ، أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ أَوْ اعْتَزَلَهُنَّ جَمِيعًا إنْ أَحَبَّ.
فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا لَا يُخَافُ مِنْهُ، طَافَ بِهِ الْوَلِيُّ عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ مِنْهُ، فَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أُنْسٌ وَلَا فَائِدَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ الْوَلِيُّ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ، ثُمَّ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَزِمَهُ إيفَاؤُهُ حَالَ الْإِفَاقَةِ كَالْمَالِ.
[فَصْلٌ يَقْسِم لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاء وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء وَالْمُحْرِمَة وَالصَّغِيرَة الْمُمَكَّن وَطْؤُهَا]
(5708) فَصْلٌ: وَيُقْسَمُ لِلْمَرِيضَةِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَالصَّغِيرَةِ الْمُمْكِنِ وَطْؤُهَا، وَكُلُّهُنَّ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَكَذَلِكَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِيوَاءُ وَالسَّكَنُ وَالْأُنْسُ، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُنَّ، وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ، فَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ مِنْهَا، فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ، وَإِنْ خَافَ مِنْهَا، فَلَا قَسْمَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا أُنْسٌ وَلَا بِهَا.
[فَصْلٌ قَسَمَ الِابْتِدَاء بَيْن الزَّوْجَات]
(5709) فَصْلٌ: وَيَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ، مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ " لَا يَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْوَطْءَ مُصِرًّا، فَإِنْ تَرَكَهُ غَيْرَ مُصِرٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ قَسْمٌ، وَلَا وَطْءٌ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا وَصَلَ الرَّجُلُ إلَى امْرَأَتِهِ مَرَّةً، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا.
أَيْ لَا يُؤَجَّلُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لِحَقِّهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ.
وَلَنَا قَوْلُ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ، وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِك عَلَيْك حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ حَقًّا.
وَقَدْ اشْتَهَرَتْ قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ، وَرَوَاهَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ " قُضَاةُ الْبَصْرَةِ " مِنْ وُجُوهٍ؛ إحْدَاهُنَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ كَعْبَ بْن سَوْرٍ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْت رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي، وَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَبِيت لَيْلَهُ قَائِمًا، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا.
فَاسْتَغْفَرَ لَهَا، وَأَثْنَى عَلَيْهَا.
وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ، وَقَامَتْ رَاجِعَةً، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَّا أَعْدَيْت الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ إنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ، إذَا كَانَتْ حَالُهُ هَذِهِ فِي الْعِبَادَةِ، مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا؟ فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى زَوْجِهَا، فَجَاءَ، فَقَالَ لَكَعْبٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّك فَهِمْت مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْ.
قَالَ: فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، هِيَ رَابِعَتُهُنَّ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا رَأْيُك الْأَوَّلُ بِأَعْجَبَ إلَيَّ مِنْ الْآخِرِ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَفِي رِوَايَةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْقَاضِي أَنْتَ.
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا، لَمْ تَسْتَحِقَّ فَسْخَ النِّكَاحِ لِتَعَذُّرِهِ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَامْتِنَاعِهِ بِالْإِيلَاءِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ، لَمَلَكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ بِهِ، كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: حَقُّ الْمَرْأَةِ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ سَبْعٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ، وَلَهَا السَّابِعَةُ، وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي، أَنَّ لَهَا لَيْلَةً مِنْ ثَمَانٍ، لِتَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا لِلْحُرَّةِ، فَإِنَّ حَقَّ الْحُرَّةِ مِنْ كُلِّ ثَمَانٍ لَيْلَتَانِ، لَيْسَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ سَبْعٍ لَزَادَ عَلَى النِّصْفِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَلَاثُ حَرَائِرَ وَأَمَهٌ، فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَزِيدَهُنَّ عَلَى الْوَاجِبِ لَهُنَّ، فَقَسَمَ بَيْنَهُنَّ سَبْعًا، فَمَاذَا يَصْنَعُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّامِنَةِ؟ إنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَبِيتَهَا عِنْدَ
حُرَّةٍ، فَقَدْ زَادَهَا عَلَى مَا يَجِبُ لَهَا، وَإِنْ بَاتَهَا عِنْدَ الْأَمَةِ جَعَلَهَا كَالْحُرَّةِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَعَلَى مَا اخْتَرْنَ تَكُونُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ الثَّامِنَةُ لَهُ، إنْ أَحَبَّ انْفَرَدَ فِيهَا، وَإِنْ أَحَبَّ بَاتَ عِنْدَ الْأُولَى مُسْتَأْنِفًا لِلْقَسْمِ.
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، قَسَمَ لَهُنَّ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ.
وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ، فَلَهُنَّ خَمْسٌ وَلَهُ ثَلَاثٌ.
وَإِنْ كَانَ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ، فَلَهُنَّ سِتٌّ وَلَهُ اثْنَتَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَاحِدَةً، فَلَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سَبْعٌ، وَعَلَى قَوْلِهِمْ لَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سِتٌّ.
[فَصَلِّ الْوَطْءُ وَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ]
(5710) فَصَلِّ وَالْوَطْءُ وَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ لِلْإِضْرَارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ كَعْبٍ أَنَّهُ حِينَ قَضَى بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، قَالَ:
إنَّ لَهَا عَلَيْك حَقًّا يَا بَعْلُ ... تُصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَدَلَ
فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْك الْعِلَلَ
، فَاسْتَحْسَنَ عُمَرُ قَضَاءَهُ، وَرَضِيَهُ.
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، فَيَجِبُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، لَمْ يَصِرْ بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِهِ وَاجِبًا، كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُفْضٍ إلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْ الْمَرْأَةِ كَإِفْضَائِهِ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ الرَّجُلِ، فَيَجِبُ تَعْلِيلُهُ بِذَلِكَ، وَيَكُون النِّكَاحُ حَقًّا لَهُمَا جَمِيعًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقٌّ، لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْلِ، كَالْأَمَةِ.
إذَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ، فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَوَجْهُهُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي حَقِّ الْمُولِي، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُوجِبُ مَا حُلِفَ عَلَى تَرْكِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِدُونِهَا.
فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، وَطَالَبَتْ الْمَرْأَةُ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، يَقُولُ: غَدًا أَدْخُلُ بِهَا، إلَى شَهْرٍ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الدُّخُولِ؟ فَقَالَ: أَذْهَبُ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إنْ دَخَلَ بِهَا، وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
فَجَعَلَهُ أَحْمَدُ كَالْمُولِي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ: لَمْ يَرْوِ مَسْأَلَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ غَيْرُهُ، وَفِيهَا نَظَرٌ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ لَهُ الْمُدَّةُ لِذَلِكَ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِ.
[فَصْل كَمْ يَغِيبُ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ]
(5711) فَصْلٌ: وَإِنْ سَافَرَ عَنْ امْرَأَتِهِ لَعُذْرٍ وَحَاجَةٍ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ، وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ
نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَةً.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى تَوْقِيتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَمْ يَغِيبُ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ؟ قَالَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يُكْتَبُ إلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا.
وَإِنَّمَا صَارَ إلَى تَقْدِيرِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ
وَوَاللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ ... لَحُرِّك مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
فَسَأَلَ عَنْهَا عُمَرُ فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ فُلَانَةُ، زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَأَرْسَلَ إلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مِثْلُك يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُك.
قَالَتْ: خَمْسَةَ أَشْهُرٍ.
سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؛ يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةً، وَيَسِيرُونَ شَهْرًا رَاجِعِينَ
وَسُئِلَ أَحْمَدُ كَمْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغِيبَ عَنْ أَهْلِهِ؟ قَالَ: يُرْوَى سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
وَقَدْ يَغِيبُ الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَأَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ، فَإِنْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُرَاسِلُهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْدَمَ، فَسَخَ نِكَاحَهُ.
وَمَنْ قَالَ: لَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ إذَا تَرَكَ الْوَطْءَ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
[فَصْلٌ يُؤْجَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَلَيْسَ لَهُ شَهْوَةٌ]
(5712) فَصْلٌ وَسُئِلَ أَحْمَدُ يُؤْجَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَلَيْسَ لَهُ شَهْوَةٌ؟ فَقَالَ: إي وَاَللَّهِ، يَحْتَسِبُ الْوَلَدَ، وَإِنْ لَمْ يُرْدِ الْوَلَدَ؟ يَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، لِمَ لَا يُؤْجَرُ؟ وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَوَى، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مُبَاضَعَتُك أَهْلَك صَدَقَةٌ.
قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُصِيبُ شَهْوَتَنَا وَنُؤْجَرُ؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ قَالَ: قُلْت: بَلَى.
قَالَ: أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ.» وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَلَدِ، وَإِعْفَافِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ، وَغَضِّ بَصَرِهِ، وَسُكُونِ نَفْسِهِ، أَوْ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ]
(5713) فَصْلٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ إذَا قَامَ بِالْوَاجِبِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ لَهُ امْرَأَتَانِ: لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي النَّفَقَةِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْكُسَى، إذَا كَانَتْ الْأُخْرَى
فِي كِفَايَةٍ، وَيَشْتَرِي لِهَذِهِ أَرْفَعَ مِنْ ثَوْبِ هَذِهِ، وَتَكُونُ تِلْكَ فِي كِفَايَةٍ.
وَهَذَا لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي هَذَا كُلِّهِ تَشُقُّ، فَلَوْ وَجَبَ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِهِ إلَّا بِحَرَجٍ، فَسَقَطَ وُجُوبُهُ، كَالتَّسْوِيَةِ فِي الْوَطْءِ.
.
[مَسْأَلَةٌ وَعِمَادُ الْقَسْم بَيْن الزَّوْجَاتِ اللَّيْلُ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ) لَا خِلَافَ فِي هَذَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلسَّكَنِ وَالْإِيوَاءِ، يَأْوِي فِيهِ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْكُنُ إلَى أَهْلِهِ، وَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً، وَالنَّهَارَ لِلْمَعَاشِ، وَالْخُرُوجِ، وَالتَّكَسُّبِ، وَالِاشْتِغَالِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: 96] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11] وَقَالَ ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: 73] فَعَلَى هَذَا يَقْسِمُ الرَّجُلُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، وَيَكُونُ فِي النَّهَارِ فِي مَعَاشِهِ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَمَا شَاءَ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ مَعَاشُهُ بِاللَّيْلِ، كَالْحُرَّاسِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ بِالنَّهَارِ، وَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي حَقِّهِ كَالنَّهَارِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
[فَصْلٌ النَّهَارُ يَدْخُلُ فِي الْقَسْم بَيْنَ الزَّوْجَاتِ تَبَعًا لِلَّيْلِ]
(5715) فَصْلٌ: وَالنَّهَارُ يَدْخُلُ فِي الْقَسْمِ تَبَعًا لِلَّيْلِ؛ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي.
وَإِنَّمَا قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَارًا.» وَيَتْبَعُ الْيَوْمُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ لِلَّيْلِ، وَلِهَذَا يَكُونُ أَوَّلُ الشَّهْرِ اللَّيْلَ وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ، فَيَبْدَأُ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ النَّهَارَ مُضَافًا إلَى اللَّيْلِ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَفَاوَتُ.
(5716) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ نِسَائِهِ فِي زَمَانِهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوْ آخِرِهِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِانْتِشَارِ فِيهِ، وَالْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ، جَازَ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَلِصَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِهِ، وَأَمَّا النَّهَارُ، فَهُوَ لِلْمَعَاشِ وَالِانْتِشَارِ.
وَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَادَ، لَمْ يَقْضِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَقَامَ، قَضَاهُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ إقَامَتُهُ لَعُذْرٍ؛ مِنْ شُغْلٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا قَدْ فَاتَ بِغَيْبَتِهِ عَنْهَا.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ قَضَاءَهُ لِذَلِكَ غَيْبَتَهُ عَنْ الْأُخْرَى، مِثْلُ مَا غَابَ عَنْ هَذِهِ،
جَازَ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ تَرْكُ اللَّيْلَةِ بِكَمَالِهَا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَبَعْضُهَا أَوْلَى.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمُمَاثَلَةِ، وَالْقَضَاءُ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ، كَقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَالْحُقُوقِ.
وَإِنْ قَضَاهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ اللَّيْلِ، مِثْلُ إنْ فَاتَهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَقَضَاهُ فِي آخِرِهِ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ، فَقَضَاهُ فِي أَوَّلِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى قَدْرَ مَا فَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ.
وَالْآخَرُ، لَا يَجُوزُ؛ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ كُلَّهُ مِنْ لَيْلَةِ الْأُخْرَى، لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّ الْأُخْرَى، فَتَحْتَاجَ إلَى قَضَاءٍ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي لَيْلَةٍ، فَيَقْضِيَ مِنْهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَةً، بَيْنَهُنَّ، وَيُفَضِّلُ هَذِهِ بِقَدْرِ مَا فَاتَ مِنْ حَقِّهَا، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ مِنْ لَيْلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ مَا فَاتَ مِنْ لَيْلَةِ هَذِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْسِمَ الْمَتْرُوكَ بَيْنَهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ لَيْلَةِ إحْدَاهُمَا سَاعَتَيْنِ، فَيَقْضِيَ لَهَا مِنْ لَيْلَةِ الْأُخْرَى سَاعَةً وَاحِدَةً، فَيَصِيرَ الْفَائِتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَاعَةً.
[فَصْلٌ الدُّخُولُ عَلَى ضَرَّتِهَا فِي زَمَنِهَا]
فَصْلٌ: وَأَمَّا الدُّخُولُ عَلَى ضَرَّتِهَا فِي زَمَنِهَا، فَإِنْ كَانَ لَيْلًا لَمْ يَجُزْ إلَّا الضَّرُورَةُ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مَنْزُولًا بِهَا، فَيُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَهَا، أَوْ تُوصِي إلَيْهِ، أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنَّ خَرَجَ، لَمْ يَقْضِ.
وَإِنْ أَقَامَ وَبَرِئَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرِيضَةُ، قَضَى لِلْأُخْرَى مِنْ لَيْلَتِهَا بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا.
وَإِنْ خَرَجَ لَحَاجَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ، أُتِمَّ.
وَالْحُكْمُ فِي الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ لَضَرُورَةٍ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ الْيَسِيرِ.
وَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَجَامَعَهَا فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَحَقُّ فِي الْقَسْمِ، وَالزَّمَنُ الْيَسِيرُ لَا يُقْضَى.
وَالثَّانِي، يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْمُجَامَعَةِ، فَيُجَامِعُهَا، لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعَ الْجِمَاعِ يَحْصُلُ بِهِ السَّكَنُ، فَأَشْبَهَ الْكَثِيرَ.
وَأَمَّا الدُّخُولُ فِي النَّهَارِ إلَى الْمَرْأَةِ فِي يَوْمِ غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، مِنْ دَفْعِ النَّفَقَةِ، أَوْ عِيَادَةٍ، أَوْ سُؤَالٍ عَنْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، أَوْ زِيَارَتِهَا لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ عَلَيَّ فِي يَوْمِ غَيْرِي، فَيَنَالُ مِنِّي كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ.» وَإِذَا دَخَلَ إلَيْهَا لَمْ يُجَامِعْهَا، وَلَمْ يُطِلْ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ السَّكَنَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّهُ، وَفِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا بِهِ السَّكَنُ، فَأَشْبَهَ الْجِمَاعَ.
فَإِنْ أَطَالَ الْمُقَامَ عِنْدَهَا، قَضَاهُ.
وَإِنْ جَامَعَهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَقْضِي إذَا جَامَعَ فِي النَّهَارِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ زَمَنٌ يَقْضِيهِ إذَا طَالَ الْمُقَامُ، فَيَقْضِيهِ إذَا جَامَعَ فِيهِ، كَاللَّيْلِ.
(5718) فَصْلٌ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَسْكَنٌ يَأْتِيهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ هَكَذَا، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُنَّ وَأَسْتَرُ، حَتَّى لَا يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ.
وَإِنَّ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا يَسْتَدْعِي إلَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا، كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلرَّجُلِ نَقْلَ زَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ مِنْهُنَّ مِنْ إجَابَتِهِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ؛ لِنُشُوزِهَا.
وَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَهُنَّ فِي مَنَازِلِهِنَّ، وَيَسْتَدْعِيَ الْبَعْضَ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَيْثُ شَاءَ.
وَإِنْ حُبِسَ الزَّوْجُ، فَأَحَبَّ الْقَسْمَ بَيْنَ نِسَائِهِ، بِأَنْ يَسْتَدْعِيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي لَيْلَتِهَا، فَعَلَيْهِنَّ طَاعَتُهُ، إنْ كَانَ ذَلِكَ سُكْنَى مِثْلِهِنَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، لَمْ تَلْزَمْهُنَّ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا.
وَإِنْ أَطَعْنَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ، وَلَا اسْتِدْعَاءُ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ، كَمَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ.
[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَلَمْ يَطَأْ الْأُخْرَى]
(5719) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ، وَلَمْ يَطَأْ الْأُخْرَى، فَلَيْسَ بِعَاصٍ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129] قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ.
وَإِنْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِمَاعِ، كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْعَدْلِ، «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ.» وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ حَتَّى فِي الْقُبَلِ.
وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؛ مِنْ الْقُبَلِ، وَاللَّمْسِ، وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجِبْ التَّسْوِيَةُ فِي الْجِمَاعِ، فَفِي دَوَاعِيهِ أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ يَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ]
(5720) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً)
وَبِهَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمَسْرُوقٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: يُسَوِّي بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي الْقَسْمِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ؛ مِنْ النَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَى، وَقَسْمُ الِابْتِدَاءِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولَ: إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ، قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْحُرَّةَ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَكَانَ حَظُّهَا أَكْثَرَ فِي الْإِيوَاءِ، وَيُخَالِفُ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، فَإِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْحَاجَةِ، وَحَاجَتُهَا إلَى ذَلِكَ كَحَاجَةِ الْحُرَّةِ.
وَأَمَّا قَسْمُ الِابْتِدَاءِ فَإِنَّمَا شُرِعَ لِيَزُولَ الِاحْتِشَامُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي ذَلِكَ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَقْسِمُ لَهُمَا لِتَسَاوِي حَظِّهِمَا.
(5721) فَصْلٌ: وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ، فَلَوْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، أَمَهٌ مُسْلِمَةٌ، وَحُرَّةٌ كِتَابِيَّةٌ، قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا حُرَّتَيْنِ، فَلَيْلَةٌ وَلَيْلَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ.
كَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادُ، وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ، كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى.
وَيُفَارِقُ الْأَمَةَ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا يَتِمُّ تَسْلِيمُهَا، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا الْإِيوَاءُ التَّامُّ، بِخِلَافِ الْكِتَابِيَّةِ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَتْ الْأَمَةُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّتِهَا]
(5722) فَصْلٌ: فَإِنْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّتِهَا، أَضَافَ إلَى لَيْلَتِهَا لَيْلَةً أُخْرَى، لِتُسَاوِي الْحُرَّةَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، اُسْتُؤْنِفَ الْقَسْمُ مُتَسَاوِيًا، وَلَمْ يَقْضِ لَهَا مَا مَضَى؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا.
وَإِنْ عَتَقَتْ، وَقَدْ قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَةً، لَمْ يَزِدْهَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا، فَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا.
[فَصْلٌ الْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا]
(5723) فَصْلٌ: وَالْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِزَوْجِهَا، وَلِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا، كَالْحُرَّةِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا، وَلَا أَنْ يَهَبَهُ دُونَهَا؛ لِأَنَّ الْإِيوَاءَ وَالسَّكَنَ حَقٌّ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا، فَمَلَكَتْ إسْقَاطَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ أَحْمَدَ إنَّهُ يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَ الْأَمَةِ فِي الْعَزْلِ عَنْهَا.
أَنْ لَا تَجُوزَ هِبَتُهَا لِحَقِّهَا مِنْ الْقَسْمِ إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْقَسْمُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ فِيهِ حَقٌّ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْفَيْئَةِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا، وَفَسْخُ النِّكَاحِ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا، فَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ لَهُ هَاهُنَا.
[فَصْلٌ لَا قَسَمَ عَلَى الرَّجُلِ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ]
(5724) فَصْلٌ: وَلَا قَسْمَ عَلَى الرَّجُلِ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ وَإِمَاءٌ، فَلَهُ الدُّخُولُ عَلَى الْإِمَاءِ كَيْفَ شَاءَ، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ إنْ شَاءَ كَالنِّسَاءِ، وَإِنْ شَاءَ أَقَلَّ، وَإِنْ شَاءَ أَكْثَرَ، وَإِنْ شَاءَ سَاوَى بَيْن الْإِمَاءِ، وَإِنْ شَاءَ فَضَّلَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ مِنْ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وَقَدْ «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ، وَرَيْحَانَةُ، فَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهُمَا.» وَلِأَنَّ الْأَمَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ، لَهَا الْخِيَارُ بِكَوْنِ السَّيِّدِ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، لَكِنْ إنْ احْتَاجَتْ إلَى النِّكَاحِ، فَعَلَيْهِ إعْفَافُهَا، إمَّا بِوَطْئِهَا، أَوْ تَزْوِيجِهَا، أَوْ بَيْعِهَا.
[فَصْلٌ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً لَيْلَةً]
(5725) فَصْلٌ وَيَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً لَيْلَةً فَإِنْ أَحَبَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَاهُنَّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا.
وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُنَّ.
وَالْأَوْلَى مَعَ هَذَا لَيْلَةٌ وَلَيْلَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لَعَهْدِهِنَّ بِهِ، وَتَجُوزُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهَا فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، فَهِيَ كَاللَّيْلَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَسَمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، وَلِأَنَّ التَّسْوِيَةَ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا جَوَّزَ بِالْبِدَايَةِ بِوَاحِدَةٍ، لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، فَإِذَا بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لَيْلَةً، تَعَيَّنَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ حَقًّا لِلْأُخْرَى، فَلَمْ يَجُزْ جَعْلُهَا لِلْأُولَى بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَلِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِحُقُوقِ بَعْضِهِنَّ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا، حَصَلَ تَأْخِيرُ الْأَخِيرَةِ فِي تِسْعِ لَيَالٍ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ تِسْعًا، وَلِأَنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفَاتٌ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ إمْكَانِ التَّعْجِيلِ بِغَيْرِ رِضَى الْمُسْتَحِقِّ،
كَتَأْخِيرِ الدَّيْنِ الْحَالِّ، وَالتَّحْدِيدُ بِالثَّلَاثِ تَحَكُّمٌ لَا يُسْمَعُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَكَوْنُهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ لَا يُوجِبُ جَوَازَ تَأْخِيرِ الْحَقِّ، كَالدُّيُونِ الْحَالَّةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
[فَصْل قَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُخْرَى قَبْلَ قَسَمَهَا]
(5726) فَصْلٌ: فَإِنْ قَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُخْرَى قَبْلَ قَسْمِهَا، أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ لَهَا، فَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ، بِرَجْعَةٍ أَوْ نِكَاحٍ؛ قَضَى لَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إيفَاءِ حَقِّهَا، فَلَزِمَهُ، كَالْمُعْسِرِ إذَا أَيْسَرَ بِالدَّيْنِ.
فَإِنْ قَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا، ثُمَّ جَاءَ لِيَقْسِمَ لِلثَّانِيَةِ، فَأَغْلَقَتْ الْبَابَ دُونَهُ، أَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، أَوْ قَالَتْ: لَا تَدْخُلْ عَلَيَّ، أَوْ لَا تَبِتْ عِنْدِي.
أَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ.
فَإِنْ عَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْمُطَاوَعَةِ، اسْتَأْنَفَ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَقْضِ النَّاشِزَ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّ نَفْسِهَا.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَأَقَامَ عِنْدَ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الرَّابِعَةِ عَشْرًا؛ لِتَسَاوِيهِنَّ، فَإِنْ نَشَزَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَظَلَمَ وَاحِدَةً فَلَمْ يَقْسِمْ لَهَا، وَأَقَامَ عِنْدَ الِاثْنَتَيْنِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَطَاعَتْهُ النَّاشِزُ، وَأَرَادَ الْقَضَاءَ لِلْمَظْلُومَةِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ لَهَا ثَلَاثًا، وَلِلنَّاشِزِ لَيْلَةً خَمْسَةَ أَدْوَارٍ، فَيُكْمِلُ لِلْمَظْلُومَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَيَحْصُلُ لِلنَّاشِزِ خَمْسٌ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فَقَسَمَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، وَظَلَمَ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ جَدِيدَةً، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ، فَإِنَّهُ يَخُصُّ الْجَدِيدَةَ بِسَبْعٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَثَلَاثٍ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لِحَقِّ الْعَقْدِ، ثُمَّ يَقْسِمُ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَظْلُومَةِ خَمْسَةَ أَدْوَارٍ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا لِلْمَظْلُومَةِ مِنْ كُلِّ دُورٍ ثَلَاثًا، وَوَاحِدَةً لِلْجَدِيدَةِ.
[فَصْلٌ كَانَتْ امْرَأَتَاهُ فِي بَلَدَيْنِ الْقَسْم بَيْن الزَّوْجَات]
(5727) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتَاهُ فِي بَلَدَيْنِ، فَعَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْمُبَاعَدَةَ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْغَائِبَةِ فِي أَيَّامِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُقْدِمَهَا إلَيْهِ، وَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْقُدُومِ مَعَ الْإِمْكَانِ، سَقَطَ حَقُّهَا لِنُشُوزِهَا.
وَإِنْ أَحَبَّ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدَيْهِمَا، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَيَجْعَلَ الْمُدَّةَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ، كَشَهْرِ وَشَهْرٍ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ، عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ، وَعَلَى حَسَبِ تَقَارُبِ الْبَلَدَيْنِ وَتَبَاعُدِهِمَا.
[فَصْلٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْم لِزَوْجِهَا]
(5728) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ لِزَوْجِهَا، أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا، أَوْ لَهُنًّ جَمِيعًا، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِرِضَاهُ، فَإِذَا رَضِيَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَإِنْ أَبَتْ الْمَوْهُوبَةُ قَبُولَ الْهِبَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ثَابِتٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، إنَّمَا مَنَعَتْهُ الْمُزَاحَمَةُ بِحَقِّ صَاحِبَتِهَا، فَإِذَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بِهِبَتِهَا، ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ، كَمَا
لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ «سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ وَفِي بَعْضِهِ، فَإِنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا فِي جَمِيعِ زَمَانِهَا.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فِي شَيْءٍ، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ لِعَائِشَةَ: هَلْ لَك أَنْ تُرْضِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَك يَوْمِي؟ فَأَخَذَتْ خِمَارًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانَ، فرشته لِيَفُوحَ رِيحُهُ، ثُمَّ اخْتَمَرَتْ بِهِ، وَقَعَدَتْ إلَى جَنْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إلَيْك يَا عَائِشَةُ، إنَّهُ لَيْسَ يَوْمَك.
قَالَتْ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
فَأَخْبَرَتْهُ بِالْأَمْرِ، فَرَضِيَ عَنْهَا.» فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا لِجَمِيعِ ضَرَائِرِهَا، صَارَ الْقَسْمُ بَيْنَهُنَّ كَمَا لَوْ طَلَّقَ الْوَاهِبَةَ.
وَإِنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ، فَلَهُ جَعْلُهُ لِمَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ فِي ذَلِكَ، إنْ شَاءَ جَعَلَهُ لِلْجَمِيعِ، وَإِنْ شَاءَ خَصَّ بِهَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ لَبَعْضِهِنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ.
وَإِنْ وَهَبَتْهَا لَوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفِعْلِ سَوْدَةَ، جَازَ.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ، وَإِلَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، إلَّا بِرِضَى الْبَاقِيَاتِ، وَيَجْعَلُهَا لَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ لِلْوَاهِبَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ فِي لَيْلَتِهَا، فَلَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً لِلْوَاهِبَةِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرَ حَقِّ غَيْرِهَا، وَتَغْيِيرًا لِلَيْلَتِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَلَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ، فَآثَرَ بِهَا امْرَأَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخِرُ، إنَّهُ يَجُوزُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّفْرِيقِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ فَائِدَةً، فَلَا يَجُوزُ اطِّرَاحُهَا.
وَمَتَى رَجَعَتْ الْوَاهِبَةُ فِي لَيْلَتِهَا، فَلَهَا ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ، وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ.
وَلَوْ رَجَعَتْ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، كَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَتَمَّ اللَّيْلَةَ، لَمْ يَقْضِ لَهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهَا.
(5729) فَصْلٌ: فَإِنْ بَذَلَتْ لَيْلَتَهَا بِمَالٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي كَوْنِ الزَّوْجِ عِنْدَهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَالٍ، فَلَا يَجُوزُ مُقَابَلَتُهُ بِمَالٍ، فَإِذَا أَخَذَتْ عَلَيْهِ مَالًا، لَزِمَهَا رَدُّهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا، لِأَنَّهَا تَرَكَتْهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، وَلَمْ يَسْلَمْ لَهَا، وَإِنْ كَانَ عِوَضُهَا غَيْرَ الْمَالِ، مِثْلُ إرْضَاءِ زَوْجِهَا، أَوْ غَيْرِهِ عَنْهَا، جَازَ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ أَرْضَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَفِيَّةَ، وَأَخَذَتْ يَوْمَهَا، وَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِإِذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا قَسْمَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَشْخَصَهَا، فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ ذَلِكَ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا إذَا سَافَرَتْ فِي حَاجَتِهَا، بِإِذْنِ زَوْجِهَا، لَتِجَارَةٍ لَهَا، أَوْ زِيَارَةٍ، أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ، أَوْ عُمْرَةٍ، لَمْ يَبْقَ لَهَا حَقٌّ فِي نَفَقَةٍ وَلَا قَسْمٍ.
هَكَذَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ؛: أَحَدُهُمَا، لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَتْ مَعَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ، وَالنَّفَقَةَ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، فَسَقَطَ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولٍ بِهَا.
وَفَارَقَ مَا إذَا سَافَرَتْ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ الْقَسْمُ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَافَرَ عَنْهَا لَسَقَطَ قَسَمَهَا، وَالتَّعَذُّرُ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهَا بِسَفَرِهَا، كَانَ أَوْلَى، وَيَكُونُ فِي النَّفَقَةِ الْوَجْهَانِ.
وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى سُقُوطِهِمَا إذَا سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنَّهُ إذَا سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ بِأَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ نُشُوزٌ وَلَا مَعْصِيَةٌ، فَلَأَنْ يَسْقُطَ بِالنُّشُوزِ وَالْمَعْصِيَةِ أَوْلَى.
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ.
فَأَمَّا إنْ أَشْخَصَهَا، وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَهَا لِحَاجَتِهِ، أَوْ يَأْمُرَهَا بِالنَّقْلَةِ مِنْ بَلَدِهَا، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا قَسْمٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَوِّتْ عَلَيْهِ التَّمْكِينَ، وَلَا فَاتَ مِنْ جِهَتِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِتَفْوِيتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ تَسْلِيمِ ثَمَنِهِ إلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا، يَقْضِي لَهَا بِحَسَبِ مَا أَقَامَ عِنْدَ ضَرَّتِهَا.
وَإِنْ سَافَرَتْ مَعَهُ، فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْهُمَا جَمِيعًا.
[مَسْأَلَةٌ الزَّوْجَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا فَلَا يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْهُنَّ إلَّا بِقُرْعَةِ]
(5731) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا، فَلَا يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْهُنَّ إلَّا بِقُرْعَةٍ، فَإِذَا قَدِمَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا، فَأَحَبَّ حَمْلَ نِسَائِهِ مَعَهُ كُلِّهِنَّ، أَوْ تَرْكَهُنَّ كُلِّهِنَّ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لِتَعْيِينِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْهُنَّ بِالسَّفَرِ، وَهَاهُنَا قَدْ سَوَّى، وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِبَعْضِهِنَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا إلَّا بِقُرْعَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ، وَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِبَعْضِهِنَّ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ تَفْضِيلًا لَهَا، وَمَيْلًا إلَيْهَا، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ كَالْبِدَايَةِ بِهَا فِي الْقَسْمِ.
وَإِنْ أَحَبَّ الْمُسَافَرَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، أَقْرَعِ أَيْضًا، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَصَارَتْ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَمَتَى سَافَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ،
سَوَّى بَيْنَهُنَّ كَمَا يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْحَضَرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِلْحَاضِرَاتِ بَعْدَ قُدُومِهِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ " فَإِذَا قَدِمَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ ". وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يَقْضِي؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129] وَلَنَا، أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَذْكُرْ قَضَاءً فِي حَدِيثِهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الَّتِي سَافَرَ بِهَا يَلْحَقُهَا مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ السَّكَنِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ السَّكَنِ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ، فَلَوْ قُضِيَ لِلْحَاضِرَاتِ، لَكَانَ قَدْ مَالَ عَلَى الْمُسَافِرَةِ كُلَّ الْمَيْلِ، لَكِنْ إنْ سَافَرَ بِإِحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، أَثِمَ، وَقَضَى لِلْبَوَاقِي بَعْدَ سَفَرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَقْضِي؛ لِأَنَّ قَسْمَ الْحَضَرِ لَيْسَ بِمِثْلٍ لَقَسْمِ السَّفَرِ، فَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ خَصَّ بَعْضَهُنَّ بِمُدَّةٍ، عَلَى وَجْهٍ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا يَقْضِي مِنْهَا مَا أَقَامَ مِنْهَا مَعَهَا بِمَبِيتٍ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا زَمَانُ السَّيْرِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا مِنْهُ إلَّا التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ فَلَوْ جَعَلَ لِلْحَاضِرَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ مَبِيتًا عِنْدَهَا، وَاسْتِمْتَاعًا بِهَا، لَمَالَ كُلَّ الْمَيْلِ.
[فَصْلٌ إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُنَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا]
(5732) فَصْلٌ: إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُنَّ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا، وَلَهُ تَرْكُهَا وَالسَّفَرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُوجِبُ، وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ تَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ.
وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِغَيْرِهَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالْقُرْعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا.
وَإِنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا، جَازَ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَصَحَّتْ هِبَتُهَا لَهُ، كَمَا لَوْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا فِي الْحَضَرِ.
وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَى الزَّوْجِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي هِبَةِ اللَّيْلَةِ فِي الْحَضَرِ.
وَإِنْ وَهَبَتْهُ لِلزَّوْجِ، أَوْ لِلْجَمِيعِ، جَازَ.
وَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ، سَقَطَ حَقُّهَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ، وَإِنْ أَبَى، فَلَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ، أَسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي.
وَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجَاتُ كُلُّهُنَّ بِسَفَرِ وَاحِدَةٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ، إلَّا أَنْ لَا يَرْضَى الزَّوْجُ، وَيُرِيدَ غَيْرَ مَنْ اتَّفَقْنَ عَلَيْهَا، فَيُصَارُ إلَى الْقُرْعَةِ.
وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.
وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا ثَانِيًا، أَنَّهُ يَقْضِي لِلْبَوَاقِي فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ، فَلَمْ يَقْضِ كَالطَّوِيلِ، وَلَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ لَمْ يَجُزْ الْمُسَافَرَةُ بِإِحْدَاهُنَّ
دُونَ الْأُخْرَى، كَمَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُ إحْدَاهُنَّ بِالْقَسْمِ دُونَ الْأُخْرَى.
وَمَتَى سَافَرَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بُعْدُ السَّفَرِ، نَحْوُ أَنْ يُسَافِرَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَمْضِي إلَى مِصْرَ، فَلَهُ اسْتِصْحَابُهَا مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ وَاحِدٌ قَدْ أَقْرَعَ لَهُ.
وَإِنْ أَقَامَ فِي بَلْدَةٍ مُدَّةَ إحْدَى وَعُشْرِينَ صَلَاةً فَمَا دُونَ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السَّفَرِ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ.
وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ، قَضَى الْجَمِيعَ مِمَّا أَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ.
وَإِنْ أَزْمَعَ عَلَى الْمُقَامِ قَضَى مَا أَقَامَهُ، وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ.
ثُمَّ إذَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى بَلَدِهِ، أَوْ بَلَدٍ أُخْرَى، لَمْ يَقْضِ مَا سَافَرَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السَّفَرِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ أَقْرَعَ لَهُ.
[فَصْلٌ أَرَادَ الِانْتِقَالَ بِنِسَائِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ]
(5733) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ الِانْتِقَالَ بِنِسَائِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَأَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُهُنَّ كُلَّهُنَّ فِي سَفَرِهِ فَعَلَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إفْرَادُ إحْدَاهُنَّ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدَةٍ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلِ جَمِيعِهِنَّ، فَإِنْ خَصَّ إحْدَاهُنَّ، قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ كَالْحَاضِرِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ صُحْبَةُ جَمِيعِهِنَّ، أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَبَعَثَ بِهِنَّ جَمِيعًا مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَحْرَمٌ لَهُنَّ، جَازَ، وَلَا يَقْضِي لَأَحَدٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُنَّ.
وَإِنْ أَرَادَ إفْرَادَ بَعْضِهِنَّ بِالسَّفَرِ مَعَهُ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِقُرْعَةٍ.
فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِيهِ، قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ مُدَّةَ كَوْنِهَا مَعَهُ فِي الْبَلَدِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّفَرِ عَنْهُ.
[فَصْلٌ لَهُ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَ أُخْرَى وَأَرَادَ السَّفَرَ بِهِمَا جَمِيعًا]
فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَ أُخْرَى، وَأَرَادَ السَّفَرَ بِهِمَا جَمِيعًا، قَسَمَ لِلْجَدِيدَةِ سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَثَلَاثًا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، ثُمَّ يَقْسِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَدِيمَةِ.
وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُمَا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْجَدِيدَةِ، سَافَرَ بِهَا مَعَهُ، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ.
وَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِلْأُخْرَى، سَافَرَ بِهَا، فَإِذَا حَضَرَ، قَضَى لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَسَافَرَ بِاَلَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، وَيَدْخُلُ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ، فَإِذَا قَدِمَ، قَضَى لِلثَّانِيَةِ حَقَّ الْعَقْدِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا قَبْلَ سَفَرِهِ، لَمْ يُؤَدِّهِ إلَيْهَا، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالْأُخْرَى مَعَهُ.
وَالثَّانِي، لَا يَقْضِيهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الَّتِي سَافَرَ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسَافِرَةِ مِنْ الْإِيوَاءِ وَالسَّكَنِ وَالْمَبِيتِ عِنْدَهَا، مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ، فَيَكُونُ مَيْلًا فَيَتَعَذَّرُ قَضَاؤُهُ.
فَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ عَقْدِ الْأُولَى، أَتَمَّهُ فِي الْحَضَرِ، وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ مِثْلَهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِيمَا زَادَ الْوَجْهَانِ.
وَيَحْتَمِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَضَاءَ حَقِّ الْعَقْدِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَحْتَسِبُ
عَلَى الْمُسَافِرَةِ بِمُدَّةِ سَفَرِهَا، كَمَا لَا يَحْتَسِبُ بِهِ عَلَيْهَا فِيمَا عَدَا حَقِّ الْعَقْدِ.
وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْعَقْدِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ بِغَيْرِ مُسْقِطٍ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا أَعْرَسَ عِنْدَ بَكْرٍ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا]
(5735) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَعْرَسَ عِنْدَ بَكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ دَارَ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا أَيْضًا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا) مَتَى تَزَوَّجَ صَاحِبُ النِّسْوَةِ امْرَأَةً جَدِيدَةً، قَطَعَ الدُّورَ، وَأَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَلَا يَقْضِيهَا لِلْبَاقِيَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَقْضِيهَا، إلَّا أَنْ تَشَاءَ هِيَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَإِنَّهُ يُقِيمُهَا عِنْدَهَا، وَيَقْضِي الْجَمِيعَ لِلْبَاقِيَاتِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ.
وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا فَضْلَ لِلْجَدِيدَةِ فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ أَقَامَ عِنْدَهَا شَيْئًا قَضَاهُ لِلْبَاقِيَاتِ؛ لِأَنَّهُ فَضَّلَهَا بِمُدَّةٍ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا، كَمَا لَوْ أَقَامَ عِنْدَ الثَّيِّبِ سَبْعًا.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ.
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَوْ شِئْت لَقُلْت: أَنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك، وَإِنْ سَبَّعْت لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْت ثُمَّ دُرْت» . وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنْ شِئْت زِدْتُك، ثُمَّ حَاسَبْتُك بِهِ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ» ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: «إنْ شِئْت أَقَمْت عِنْدَك ثَلَاثًا خَالِصَةً لَك، وَإِنْ شِئْت سَبَّعْت لَك، ثُمَّ سَبَّعْت لِنِسَائِي.»
وَهَذَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُمْ.
وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ خَالَفَنَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مِنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ
(5736) فَصْلٌ: وَالْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهُمَا: كَقَوْلِنَا.
وَالثَّانِي: الْأَمَةُ عَلَى النَّصْبِ مِنْ الْحُرَّةِ، كَسَائِرِ الْقَسْمِ.
وَالثَّالِثُ: لِلْبِكْرِ مِنْ الْإِمَاءِ أَرْبَعٌ، وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ، تَكْمِيلًا لِبَعْضِ اللَّيْلَةِ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ.» وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْأُنْسِ وَإِزَالَةِ الِاحْتِشَامِ، وَالْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ سَوَاءٌ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ، كَالنَّفَقَةِ.
[فَصْلٌ يُكْرَهُ أَنْ يُزَفّ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ]
(5737) فَصْلٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُزَفَّ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ فِي مُدَّةِ حَقِّ عَقْدِ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يُوَفِّيَهُمَا حَقَّهُمَا، وَتَسْتَضِرُّ الَّتِي لَا يُوَفِّيهَا حَقَّهَا وَتَسْتَوْحِشُ.
فَإِنْ فَعَلَ، فَأُدْخِلَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى، بَدَأَ بِهَا، فَوَفَّاهَا حَقَّهَا، ثُمَّ عَادَ فَوَفَّى الثَّانِيَةَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ.
وَإِنْ زُفَّتْ الثَّانِيَةُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ حَقِّ الْعَقْدِ، أَتَمَّهُ لِلْأُولَى، ثُمَّ قَضَى حَقَّ الثَّانِيَةَ.
وَإِنْ أُدْخِلَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا فِي مَكَان وَاحِدٍ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ مِنْهُمَا، ثُمَّ وَفَّى الْأُخْرَى بَعْدَهَا.
[فَصْلٌ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ فَبَاتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَيْلَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَالِثَةً قَبْلَ لَيْلَةِ الثَّانِيَةِ]
(5738) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ، فَبَاتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَيْلَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَالِثَةً قَبْلَ لَيْلَةِ الثَّانِيَةِ، قَدَّمَ الْمَزْفُوفَةَ بِلَيَالِيِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا آكَدُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ، وَحَقُّ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ بِفِعْلِهِ، فَإِذَا قَضَى حَقَّ الْجَدِيدَةِ، بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ، فَوَفَّاهَا لَيْلَتَهَا، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا وَفَّى الثَّانِيَةَ لَيْلَتَهَا، بَاتَ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُوَفِّيهَا لِلثَّانِيَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا وَنِصْفُهَا مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى، فَيَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَّتَيْهَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَفِيهِ حَرَجٌ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ، أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْبِدَايَةِ بِهَا بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَفَاءٌ بِحَقِّهَا بِدُونِ هَذَا الْحَرَجِ، فَيَكُونُ أَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
[فَصْلٌ حُكْمُ السَّبْعَةِ وَالثَّلَاثَةِ الَّتِي يُقِيمُهَا عِنْدَ الْمَزْفُوفَةِ]
(5739) فَصْلٌ: وَحُكْمُ السَّبْعَةِ وَالثَّلَاثَةِ الَّتِي يُقِيمُهَا عِنْدَ الْمَزْفُوفَةِ حُكْمُ سَائِرِ الْقَسْمِ، فِي أَنَّ عِمَادَهُ اللَّيْلُ، وَلَهُ الْخُرُوجُ نَهَارًا لِمَعَاشِهِ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ عِنْدَهَا لَيْلًا؛ لِشُغْلٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، قَضَاهُ لَهَا، وَلَهُ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ الْجَمَاعَةَ لِذَلِكَ، وَيَخْرُجُ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ؛ فَإِنْ أَطَالَ قَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَخَافُ مَعَهُ نُشُوزهَا]
(5740) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَخَافُ مَعَهُ نُشُوزَهَا وَعَظَهَا، فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوزًا هَجَرَهَا، فَإِنْ أَرْدَعَهَا، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا لَا يَكُونُ مُبَرِّحًا) مَعْنَى النُّشُوزِ مَعْصِيَةُ الزَّوْجِ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ طَاعَتِهِ، مَأْخُوذٌ مِنْ النَّشْزِ، وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، فَكَأَنَّهَا ارْتَفَعَتْ وَتَعَالَتْ عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ طَاعَتِهِ، فَمَتَى ظَهَرَتْ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، مِثْلُ أَنْ تَتَثَاقَلَ وَتُدَافِعَ إذَا دَعَاهَا، وَلَا تَصِيرَ إلَيْهِ إلَّا بِتَكَرُّهٍ وَدَمْدَمَةٍ، فَإِنَّهُ يَعِظُهَا، فَيُخَوِّفُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَيَذْكُرُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَقِّ وَالطَّاعَةِ، وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْإِثْمِ بِالْمُخَالَفَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَمَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهَا، مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ، وَمَا يُبَاحُ لَهُ مِنْ ضَرْبِهَا وَهَجْرِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] فَإِنْ أَظْهَرَتْ النُّشُوزَ، وَهُوَ أَنْ تَعْصِيَهُ، وَتَمْتَنِعَ مِنْ فِرَاشِهِ، أَوْ تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَهُ أَنْ يَهْجُرَهَا فِي الْمَضْجَعِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِك.
فَأَمَّا الْهِجْرَانُ فِي الْكَلَامِ، فَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا فِي النُّشُوزِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ إذَا عَصَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، فَلَهُ ضَرْبُهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
فَظَاهِرُ هَذَا إبَاحَةُ ضَرْبِهَا بِأَوَّلِ مَرَّةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] . وَلِأَنَّهَا صَرَّحَتْ بِالْمَنْعِ فَكَانَ لَهُ ضَرْبُهَا، كَمَا لَوْ أَصَرَّتْ وَلِأَنَّ عُقُوبَاتِ الْمَعَاصِي لَا تَخْتَلِفُ بِالتَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ، كَالْحُدُودِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ الْمَقْصُودُ زَجْرُهَا عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، كَمَنْ هُجِمَ مَنْزِلُهُ فَأَرَادَ إخْرَاجَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] الْآيَةَ، فَفِيهَا إضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، فَإِنْ نَشَزْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، فَإِنْ أَصْرَرْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رَتَّبَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى خَوْفِ النُّشُوزِ؛ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَضْرِبُهَا لِخَوْفِ النُّشُوزِ قَبْلَ إظْهَارِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَرْتَدِعْ بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ، فَلَهُ ضَرْبُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمَعْنَى " غَيْرَ مُبَرِّحٍ " أَيْ لَيْسَ بِالشَّدِيدِ.
قَالَ الْخَلَّالُ: سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى عَنْ قَوْلِهِ: " ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ " قَالَ: غَيْرَ شَدِيدٍ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْوَجْهَ وَالْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ
التَّأْدِيبُ لَا الْإِتْلَافُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ «حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْت، وَلَا يُقَبِّحْ، وَلَا يَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ.» وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ وَلَا يَزِيدُ فِي ضَرْبِهَا عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَجْلِدْ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ لَهُ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِ فَرَائِضِ اللَّهِ]
(5741) فَصْلٌ: وَلَهُ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِ فَرَائِضِ اللَّهِ.
وَسَأَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ أَحْمَدَ عَمَّا يَجُوزُ ضَرْبُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ، قَالَ: عَلَى تَرْكِ فَرَائِضِ اللَّهِ.
وَقَالَ فِي الرَّجُلِ لَهُ امْرَأَةٌ لَا تُصَلِّي: يَضْرِبُهَا ضَرْبًا رَفِيقًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] قَالَ: عَلِّمُوهُمْ أَدِّبُوهُمْ.
وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَلَّقَ فِي بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤَدِّبُ أَهْلَهُ» .
فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ أَخْشَى أَنْ لَا يَحِلَّ لِرَجُلِ أَنْ يُقِيمَ مَعَ امْرَأَةٍ لَا تُصَلِّي، وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَا تَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ: لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَهُ وَلَا أَبُوهَا، لِمَ ضَرَبَهَا؟ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى «الْأَشْعَثُ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ يَا أَشْعَثُ، احْفَظْ عَنِّي شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَسْأَلْنَ رَجُلًا فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَضْرِبُهَا لِأَجْلِ الْفِرَاشِ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ اسْتَحْيَا، وَإِنْ أَخْبَرَ بِغَيْرِهِ كَذَبَ.
[فَصْلٌ خَافِتِ الْمَرْأَةُ نُشُوزَ زَوْجِهَا وَإِعْرَاضَهُ عَنْهَا]
(5742) فَصْلٌ: وَإِذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ نُشُوزَ زَوْجِهَا وَإِعْرَاضَهُ عَنْهَا، لِرَغْبَةٍ عَنْهَا، إمَّا لِمَرَضٍ بِهَا، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ دَمَامَةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ حُقُوقِهَا تَسْتَرْضِيهِ بِذَلِكَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: 128] رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] قَالَتْ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، وَيَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ لَهُ أَمْسِكْنِي، وَلَا تُطَلِّقْنِي، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي، فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيَّ، وَالْقِسْمَةِ لِي.
وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، حِينَ أَسَنَّتْ، وَفَرَّقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي لِعَائِشَةَ.
فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا.» قَالَتْ: وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ
ثَنَاؤُهُ وَفِي أَشْبَاهِهَا أَرَاهُ قَالَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: 128] رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَمَتَى صَالَحَتْهُ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ قَسْمِهَا أَوْ نَفَقَتِهَا، أَوْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، جَازَ.
فَإِنْ رَجَعَتْ، فَلَهَا ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَغِيبُ عَنْ امْرَأَتِهِ، فَيَقُولُ لَهَا: إنْ رَضِيت عَلَى هَذَا، وَإِلَّا فَأَنْتِ أَعْلَمُ.
فَتَقُولُ: قَدْ رَضِيت.
فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ.
(5743) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالزَّوْجَانِ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ، وَخُشِيَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُخْرِجَهُمَا ذَلِكَ إلَى الْعِصْيَانِ بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، مَأْمُونَيْنِ، بِرِضَى الزَّوْجَيْنِ، وَتَوْكِيلِهِمَا، بِأَنْ يَجْمَعَا إذَا رَأَيَا أَوْ يُفَرِّقَا، فَمَا فَعَلَا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُمَا)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ، نَظَرَ الْحَاكِمُ، فَإِنْ بَانَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، فَهُوَ نُشُوزٌ، قَدْ مَضَى حُكْمُهُ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ مِنْ الرَّجُلِ، أَسْكَنَهُمَا إلَى جَانِبِ ثِقَةٍ، يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ بَانَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَدٍّ، أَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْآخَرَ ظَلَمَهُ، أَسْكَنَهُمَا إلَى جَانِبِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا وَيُلْزِمُهُمَا الْإِنْصَافَ، فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ ذَلِكَ، وَتَمَادَى الشَّرُّ بَيْنَهُمَا، وَخِيفَ الشِّقَاقُ عَلَيْهِمَا وَالْعِصْيَانُ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَظَرَا بَيْنَهُمَا، وَفَعَلَا مَا يَرَيَانِ
الْمَصْلَحَةَ
فِيهِ، مِنْ جَمْعٍ أَوْ تَفْرِيقٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35] .
وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي الْحَكَمَيْنِ، فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ لَهُمَا، لَا يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْبُضْعَ حَقُّهُ، وَالْمَالَ حَقُّهَا، وَهُمَا رَشِيدَانِ، فَلَا يَجُوزُ لَغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِوَكَالَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ وِلَايَةٍ عَلَيْهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُمَا حَاكِمَانِ، وَلَهُمَا أَنْ يَفْعَلَا مَا يَرَيَانِ مِنْ جَمْعٍ وَتَفْرِيقٍ، بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى تَوْكِيلِ الزَّوْجَيْنِ وَلَا رِضَاهُمَا.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] . فَسَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَى الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا﴾ [النساء: 35] فَخَاطَبَ الْحَكَمَيْنِ بِذَلِكَ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ، أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً أَتَيَا عَلِيًّا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، فَبَعَثُوا حَكَمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ لِلْحَكَمَيْنِ: هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا مِنْ الْحَقِّ؟ إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا