المغني لابن قدامةصفحات 28-67
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 28-67
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مُخْتَلِفٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ إذَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ الدُّهْنِ وَالْعَصِيرِ أَقَلُّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ، لَمْ يَجُزْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ بِالنَّصِّ.
(2835) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُعْتَصَرَاتِ بِجِنْسِهِ، فَيَجُوزُ مُتَمَاثِلًا.
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَكَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهِمَا بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ وَيُبَاعُ بِهِ عَادَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَسَوَاءٌ كَانَا مَطْبُوخَيْنِ أَوْ نِيئَيْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَطْبُوخِ بِجِنْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَهُمَا، فَيَخْتَلِفُ وَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحَالِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ.
فَأَشْبَهَ النِّيءَ بِالنِّيءِ.
فَأَمَّا بَيْعُ النِّيءِ بِالْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.
وَإِنْ بَاعَ عَصِيرَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثُفْلِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْرَجِ بِالْكُسْبِ، وَلَا الزَّيْتِ بِثُفْلِهِ الَّذِي فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الزَّيْتِ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ.
فَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عَصِيرِهِ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ.

[فَصْلٌ بَيْع شَيْء فِيهِ الرِّبَا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ]

(2836) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا فِيهِ الرِّبَا، بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَمَعَهُمَا، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، أَوْ بِمَدَّيْنِ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ.
أَوْ بَاعَ شَيْئًا مُحَلًّى بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَذَكَرَهُ قُدَمَاءُ الْأَصْحَابِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى وَالْمِنْطَقَةِ وَالْمَرَاكِبِ الْمُحَلَّاةِ بِجِنْسِ مَا عَلَيْهَا: لَا يَجُوزُ، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَشُرَيْحٍ، وَابْنِ سِيرِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِاللَّبَنِ، يَجُوزُ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ.
وَرَوَى حَرْبٌ، قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ: دَفَعْت دِينَارًا كُوفِيًّا وَدِرْهَمًا، وَأَخَذْت دِينَارًا شَامِيًّا، وَزْنُهُمَا سَوَاءٌ، لَكِنَّ الْكُوفِيَّ أَوْضَعُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الدِّينَارَ، فَيُعْطِيهِ بِحِسَابِهِ فِضَّةً.
وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْجَرْجَرَائِيُّ.
وَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ سَأَلَهُ: لَا يَشْتَرِي السَّيْفَ وَالْمِنْطَقَةَ حَتَّى يَفْصِلَهَا؟ فَقَالَ: لَا يَشْتَرِيهَا حَتَّى يَفْصِلَهَا.
إلَّا أَنَّ هَذَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ يَفْصِلُهُ وَفِيهِ غَيْرُ النَّوْعِ الَّذِي

يَشْتَرِي بِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ فَضْلِ الثَّمَنِ، إلَّا أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ الْقِلَادَةِ لَا يَشْتَرِيهِ حَتَّى يَفْصِلَهُ.
قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الدَّرَاهِمِ المسيبية، بَعْضُهَا صُفْرٌ وَبَعْضُهَا فِضَّةٌ، بِالدَّرَاهِمِ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ فِيهِ شَيْئًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا.
كُلُّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَفْصِلَ، إلَّا الْمَيْمُونِيَّ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا كَلَامًا آخَرَ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى لَحْمًا مِنْ قَصَّابٍ، جَازَ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مَيْتَةً.
وَلَكِنْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مُذَكًّى، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ.
وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا، جَازَ، مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ مِلْكِهِ، وَلَا إذْنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ أَيْضًا.
وَقَدْ أَمْكَنَ التَّصْحِيحُ هَاهُنَا، بِجَعْلِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِ الْجِنْسِ، أَوْ جَعْلِ غَيْرِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِثْلِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا» . قَالَ: فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَيْنَهُمَا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» . وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا جَمَعَ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ، وَجَبَ أَنْ يَنْقَسِمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْآخَرِ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ اخْتَلَفَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعِوَضِ.
بَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِثْلُ نِصْفِ قِيمَةِ الْآخَرِ بِعَشَرَةٍ، كَانَ ثَمَنُ أَحَدِهِمَا ثُلُثَيْ الْعَشَرَةِ، وَالْآخَرِ ثُلُثَهَا، فَلَوْ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبٍ، رَدَّهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلِذَلِكَ إذَا اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا بِثَمَنٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا فَعَلْنَا هَذَا فِي مَنْ بَاعَ دِرْهَمًا وَمُدًّا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، بِمُدَّيْنِ قِيمَتُهُمَا ثَلَاثَةٌ، حَصَلَ الدِّرْهَمُ فِي مُقَابِلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ.
وَالْمُدُّ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ وَثُلُثٍ، فَهَذَا إذَا تَفَاوَتَتْ الْقِيَمُ، وَمَعَ التَّسَاوِي يُجْهَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي بَابِ الرِّبَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ صُبْرَةٍ بِصُبْرَةٍ، بِالظَّنِّ وَالْخَرْصِ.
وَقَوْلُهُمْ: يَجِبُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ.
لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ.
وَلِذَلِكَ لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَأَطْلَقَ، وَفِي الْبِلَادِ نُقُودٌ بَطَلَ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى نَقْدِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ،

أَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ.
وَإِذَا بَاعَ لَحْمًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُذَكًّى؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ، فِي الظَّاهِرِ، لَا يَبِيعُ الْمَيْتَةَ.

[فَصْلٌ بَيْع نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفِي الْقِيمَةِ مِنْ جِنْسٍ وَبِنَوْعِ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ]

(2837) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ بَاعَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةٍ مِنْ جِنْسٍ، وَبِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، كَدِينَارٍ مَغْرِبِيٍّ وَدِينَارٍ سَابُورِيٍّ، بِدِينَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ، أَوْ دِينَارٍ صَحِيحٍ وَدِينَارٍ قُرَاضَةٍ، بِدِينَارَيْنِ صَحِيحَيْنِ، أَوْ قُرَاضَتَيْنِ، أَوْ حِنْطَةٍ حَمْرَاءَ وَسَمْرَاءَ بِبَيْضَاءَ، أَوْ تَمْرًا بَرْنِيًّا وَمَعْقِلِيًّا بِإِبْرَاهِيمِيٍّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الثَّمَنِ عَلَى عِوَضِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِ فِي قِيمَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَنْعُ ذَلِكَ فِي النَّقْدِ، وَتَجْوِيزُهُ فِي الثَّمَنِ.
نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُهَا، وَيَشُقُّ تَمْيِيزُهَا، فَعُفِيَ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . الْحَدِيثَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُرَاعَاةِ، وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا وَفِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَلِأَنَّ الْجَوْدَةَ سَاقِطَةٌ فِي بَابِ الرِّبَوِيَّاتِ، فِيمَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ، فِيمَا لَوْ اتَّحَدَ النَّوْعُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا، وَاخْتِلَافُ الْقِيمَةِ يَنْبَنِي عَلَى الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبِ مُتَسَاوِيًا فِي الْوَزْنِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ النَّوْعُ؛ وَإِنَّمَا يُقْسَمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُعَوَّضِ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَى جِنْسَيْنِ، أَوْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَ نَوْعًا بِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ.

[فَصْلٌ بَاعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَمَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَا بِيعَ بِهِ]

(2838) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَمَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَا بِيعَ بِهِ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، كَدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بِالذَّهَبِ، جَازَ.
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ دَارًا بِدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، جَازَ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ.
فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ، جَازَ إذَا كَانَ الْمَالُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدٍ، وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَ الْعَبْدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ، جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ، فَأَشْبَهَ التَّمْوِيهَ فِي السَّقْفِ، وَلِذَلِكَ لَا تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا لُزُومِهِ، وَإِنْ بَاعَ شَاةً ذَاتَ لَبَنٍ بِلَبَنٍ، أَوْ عَلَيْهَا صُوفٌ بِصُوفِ، أَوْ بَاعَ لَبُونًا بِلَبُونٍ، وَذَاتَ صُوفٍ بِمِثْلِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الشَّاةُ حَيَّةً أَوْ مُذَكَّاةً؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ، كَالدَّارِ الْمُمَوَّهِ سَقْفُهَا.

الثَّانِي، الْمَنْعُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْحَيَوَانَ بِاللَّحْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَوَانِ مَقْصُودٌ بِخِلَافِ اللَّبَنِ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ، جَازَ بَيْعُهَا بِمِثْلِهَا وَبِاللَّبَنِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ وَالْخُبْزِ وَالْجُبْنِ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اللَّبَنُ الْمُنْفَرِدُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ لَبَنِ الشَّاةِ، جَازَ بِكُلِّ حَالٍ.
وَلَوْ بَاعَ نَخْلَةً عَلَيْهَا تَمْرٌ بِتَمْرٍ، أَوْ بِنَخْلَةٍ عَلَيْهَا تَمْرٌ، فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ.
وَوَجْهُ الْوَجْهَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّاةِ ذَاتِ اللَّبَنِ، بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ، بِخِلَافِ اللَّبَنِ فِي الشَّاةِ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَإِنَّ مَا يَمْنَعُ إذَا جَازَ إفْرَادُهُ يَمْنَعُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ، كَالسَّيْفِ الْمُحَلَّى يُبَاعُ بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ، وَمَا لَا يَمْنَعُ لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ جَازَ إفْرَادُهُ، كَمَالِ الْعَبْدِ.

[فَصْلٌ بَيْع جِنْس فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ]

(2839) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ جِنْسًا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَذَلِكَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ يَسِيرًا، لَا يُؤَثِّرُ فِي كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، كَالْمِلْحِ فِيمَا يُعْمَلُ فِيهِ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ، فَلَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لَمْ يَمْنَعْ لِذَلِكَ، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ الَّذِي مَعَهُ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْخُبْزَ بِالْمِلْحِ، جَازَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا، إلَّا أَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودِ، كَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَدِبْسِ التَّمْرِ، فَهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْءِ مِنْهُ بِمِثْلِهِ، وَيَنْزِلُ خَلْطُهُ مَنْزِلَةَ رُطُوبَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا يُمَاثِلُهُ، كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ خَلْطٌ، كَبَيْعِ خَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ، فَجَرَى مَجْرَى بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَّا بَيْعَ الشَّيْرَجِ بِالشَّيْرَجِ؛ لِكَوْنِ الْمَاءِ لَا يَظْهَرُ فِي الشَّيْرَجِ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا، وَلَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ، وَالْأَثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِغَيْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ خَلْطَهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَهُوَ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ فِيهِ، وَإِنْ بَاعِهِ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ، كَبَيْعِ الدِّينَارِ الْمَغْشُوشِ بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ بِجِنْسٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ اللَّبَنِ بِشَاةٍ فِيهَا لَبَنٌ، وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فِي الْأَصْلِ.
وَإِنْ بَاعَ دِينَارًا

مَغْشُوشًا بِمِثْلِهِ وَالْغِشُّ فِيهِمَا مُتَفَاوِتٌ، أَوْ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ.
وَإِنْ عُلِمَ التَّسَاوِي فِي الذَّهَبِ وَالْغِشِّ الَّذِي فِيهِمَا، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، أَوْلَاهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُمَا تَمَاثَلَا فِي الْمَقْصُودِ وَفِي غَيْرِهِ، وَلَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ؛ لِكَوْنِ الْغِشِّ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَكَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ.

(2840) فَصْلٌ: وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا، فَقَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِ هَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ، وَبِنِصْفِهِ فُلُوسًا، أَوْ حَاجَةً أُخْرَى.
جَازَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفًا بِنِصْفِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمَيْنِ، وَقَالَ: بِعْنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا، وَأَعْطِنِي بِالْآخَرِ نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا وَفُلُوسًا.
جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ؛ فَإِنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الَّذِي فِي الدِّرْهَمِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي مَعَ الْفُلُوسِ يَقِينًا، وَقِيمَةُ الْفُلُوسِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الْآخَرِ، سَوَاءً.

[فَصْلٌ بَيْعُ مَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ]

(2841) فَصْلٌ وَمَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَالتَّمْرِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى النَّوَى وَمَا عَلَيْهِ، وَالْحَيَوَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى لَحْمٍ وَشَحْمٍ وَغَيْرِهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَهَذَا إذَا قُوبِلَ بِمِثْلِهِ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ، وَلَا نَظَرَ إلَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ» . وَقَدْ عَلِمَ اشْتِمَالَهُمَا عَلَى مَا فِيهِمَا، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ، كَبَيْعِ التَّمْرِ الَّذِي فِيهِ النَّوَى بِالنَّوَى، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى، فَأَمَّا الْعَسَلُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى عَسَلٍ وَشَمْعٍ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ النَّحْلِ فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى.

[فَصْلٌ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ]

(2842) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَعَنْهُ فِي مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَا رِبَا بَيْنَهُمَا.
لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ» . وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] . وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] . وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ.
وَقَوْلُهُ: «مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» . عَامٌّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ.
وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَبَرُهُمْ مُرْسَلٌ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا وَرَدَ

بِتَحْرِيمِهِ الْقُرْآنُ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، بِخَبَرِ مَجْهُولٍ، لَمْ يَرِدْ فِي صَحِيحٍ، وَلَا مُسْنَدٍ، وَلَا كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ مُحْتَمِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (لَا رِبَا.
النَّهْيُ عَنْ الرِّبَا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ مُنْتَقِضٌ بِالْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ مَالَهُ مُبَاحٌ، إلَّا فِيمَا حَظَرَهُ الْأَمَانُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَيْئَةِ التَّفَاضُلِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا هَاهُنَا.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى ذَهَبَا بِوَرِقٍ عَيْنًا بعين فوجد أَحَدهمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى ذَهَبًا بِوَرِقٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ، عَيْبًا، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَقْبَلَ، إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ، وَكَانَ الْعَيْبُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) مَعْنَى قَوْلِهِ: " عَيْنًا بِعَيْنٍ " هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ.
وَيُشِيرُ إلَيْهِمَا، وَهُمَا حَاضِرَانِ، وَبِغَيْرِ عَيْنِهِ، أَنْ يُوقِعَ الْعَقْدَ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُشَارٍ إلَيْهِ، فَيَقُولَ: بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَاصِرِيَّةٍ.
وَإِنْ وَقَعَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مُعَيَّنًا دُونَ الْآخَرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي أَعْيَانِهَا، فَعَلَى هَذَا إذَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ مَعَ التَّعْيِينِ فِيهِمَا، ثُمَّ تَقَابَضَا، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا، لَمْ يَخْلُ مِنْ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ غِشًّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ، مِثْلَ أَنْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَ رَصَاصًا، أَوْ نُحَاسًا، أَوْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ الدِّينَارَ مَسْحًا، فَالصَّرْفُ بَاطِلٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتِ؛ إحْدَاهُنَّ، الْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِيَةُ، الْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى عَيْنِهِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ، أَوْ الرَّدِّ، وَأَخْذِ الْبَدَلِ.
وَالثَّالِثَةُ، يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، وَلَا بَدَلُهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الْبَغْلَةَ.
فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ الْقَزَّ فَوَجَدَهُ كَتَّانًا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَبِيعُ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ.
فَإِنْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَرْشٍ، كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ.
ثُمَّ إنَّ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ فِيمَنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعَ وُجُودِ ذَاتِ الْمُسَمَّى فِي الْبَيْعِ.
فَهَاهُنَا مَعَ اخْتِلَافِ الذَّاتِ أَوْلَى.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ، مِثْلُ كَوْنِ الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ، أَوْ خَشِنَةً تَتَفَطَّرُ عِنْدَ الضَّرْبِ، أَوْ سَكَّتَهَا مُخَالِفَةً لِسِكَّةِ السُّلْطَانِ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَالرَّدِّ؛ وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَلُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِذَا أَخَذَ غَيْرَهُ، أَخَذَ مَا لَمْ يَشْتَرِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النَّقْدَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ.
فَلَهُ أَخْذُ الْبَدَلِ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبَضَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْقُودَ

عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ إذَا قَبَضَهُ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا.
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي بَعْضِهِ.
فَلَهُ رَدُّ الْكُلِّ أَوْ إمْسَاكُهُ.
وَهَلْ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ، وَإِمْسَاكُ الصَّحِيحِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَالْحُكْمِ فِي الْجِنْسَيْنِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
لَكِنَّ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مِنْ مَنَعَ بَيْعَ النَّوْعَيْنِ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، أَنَّهُ إذَا وَجَدَ بَعْضَ الْعِوَضِ مَعِيبًا، أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُقَابِلُ الْمَعِيبَ أَقَلُّ مِنْ الَّذِي يُقَابِلُ الصَّحِيحَ، فَيَصِيرُ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ، سَوَاءٌ.
(2844)

[فَصْلٌ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ وَالْعِوَضَانِ فِي الصَّرْفِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ]

فَصْلٌ: وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ، وَالْعِوَضَانِ فِي الصَّرْفِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِحُصُولِ الزِّيَادَةِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا بِجَوَازِ أَخْذِ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْوَجْهِ وَجْهٌ.
فَإِنَّ أَرْشَ الْعَيْبِ مِنْ الْعِوَضِ، يُجْبَرُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ، وَيَأْخُذُ بِهِ الشَّفِيعُ، وَيَرُدُّ بِهِ، إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِفَسْخٍ، أَوْ إقَالَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعِوَضِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُشْتَرِي؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِهِبَةٍ، عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ الْعِوَضِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَرْشًا، فَالْأَرْشُ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ عَنْ بَعْضٍ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لَا يَضُرُّ فَجَازَ، كَمَا فِي سَائِرِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى حُصُولِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَا الْأَرْشَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ، كَأَنَّهُ أَخَذَ أَرْشَ عَيْبِ الْفِضَّةِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَيَجُوزُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الرِّبَا فِيمَا بِيعَ بِجِنْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ، فَإِذَا كَانَ الْأَرْشُ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ، كَمَنْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَيْ شَعِيرٍ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ دِرْهَمًا جَازَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضِ مَا شُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ.

(2845) فَصْلٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ ". يَعْنِي الرَّدُّ جَائِزٌ، مَا لَمْ يَنْقُصْ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ مِنْ النَّقْدِ عَنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ اصْطَرَفَا، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ، كَأَنْ أَخَذَ عَشَرَةً بِدِينَارٍ، فَصَارَتْ أَحَدَ عَشَرَ بِدِينَارٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ؛ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْ زَادَتْ، مِثْلُ أَنْ صَارَتْ تِسْعَةً بِدِينَارِ، لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ السِّعْرِ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْقَرْضِ.
وَلَوْ كَانَ عَيْبًا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ، فَلَهُ رَدُّهُ، وَرَدُّ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ.

[فَصْلٌ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ]

(2846) فَصْلٌ: وَإِنْ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الْقَبْضِ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، فَسَخَ الْعَقْدَ، وَرَدَّ الْمَوْجُودَ،

وَتَبْقَى قِيمَةُ الْعَيْبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَيَرُدُّ مِثْلَهَا، أَوْ عِوَضَهَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ أَخْذِ الْأَرْشِ، وَالْأُوَلُ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَا فِي الْمَجْلِسِ، وَالْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ.

[فَصْلٌ إذَا عَلِمَ الْمُصْطَرِفَانِ قَدْرَ الْعِوَضَيْنِ]

(2847) فَصْلٌ: إذَا عَلِمَ الْمُصْطَرِفَانِ قَدْرَ الْعِوَضَيْنِ، جَازَ أَنْ يَتَبَايَعَا بِغَيْرِ وَزْنٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِوَزْنِ مَا مَعَهُ، فَصَدَّقَهُ، فَإِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كَذَلِكَ، وَافْتَرَقَا، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ نَاقِصًا، بَطَلَ الصَّرْفُ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا، فَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا قَبَضَهُ زِيَادَةً عَلَى الدِّينَارِ نَظَرْت فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذَا.
فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك دِينَارًا بِدِينَارٍ.
ثُمَّ تَقَابَضَا، كَانَ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ، وَلَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ دِينَارًا بِمِثْلِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَبْضُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ عِوَضِ الزَّائِدِ، جَازَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ آخِذَ الزَّائِدِ وَجَدَ الْمَبِيعَ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ، وَدَافِعُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ عِوَضِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجْلِسِ، فَيُرَدَّ الزَّائِدَ، وَيَدْفَعَ بَدَلَهُ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَوَفَّاهُ عَشَرَةً عَدَدًا، فَوَجَدَهَا أَحَدَ عَشَرَ، كَانَ هَذَا الدِّينَارُ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَالِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا بِهَذَا الْقَبْضِ، وَلِمَالِكِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ.

[فَصْلٌ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي النَّقْدِ]

(2848) فَصْلٌ: وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي النَّقْدِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْعَقْدِ فِيمَا عَيَّنَاهُ، وَيَتَعَيَّنُ عِوَضًا فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، فَيَجُوزُ إبْدَالُهَا، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخُرُوجِهَا مَغْصُوبَةً.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا فِي الْعَقْدِ، فَلَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِيهِ، كَالْمِكْيَالِ وَالصَّنْجَةِ وَلَنَا، أَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ، فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَسَائِرِ الْأَعْوَاضِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالْآخَرِ، وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِتَقْدِيرِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ، وَتَعْرِيفِ قَدْرِهِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا الْمِلْكُ بِحَالٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[مَسْأَلَةٌ إذَا تُبَايِعَا الْمُصْطَرِفَانِ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَيْنه فَوَجَدَ أَحَدهمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا]

(2849) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا تَبَايَعَا ذَلِكَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا، فَلَهُ الْبَدَلُ، إذَا كَانَ الْعَيْبُ لَيْسَ بِدَخِيلٍ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَالْوُضُوحِ فِي الذَّهَبِ وَالسَّوَادِ فِي الْفِضَّةِ) يَعْنِي اصْطَرَفَا فِي الذِّمَّةِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ.
فَيَقُولُ الْآخَرُ: قَبِلْت.
فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَهُمَا، أَوْ لَمْ يَكُونَا، إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، بِأَنْ يَسْتَقْرِضَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ

الْعَيْنَانِ حَاضِرَتَيْنِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ حَتَّى تَظْهَرَ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَتُعَيَّنَ.
وَعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ» . وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ، كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَنَا، أَنَّهُمَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ.
وَالْحَدِيثُ يُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُبَاعَ عَاجِلٌ بِآجِلٍ، أَوْ مَقْبُوضٌ بِغَيْرِ مَقْبُوضٍ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ غَائِبًا، وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ حَالَةَ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: «عَيْنًا بِعَيْنٍ» . «يَدًا بِيَدٍ» . وَالْقَبْضُ يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ، كَذَا التَّعَيُّنُ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِمَا بِالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَمَتَى تَقَابَضَا، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى مُطْلَقٍ، لَا عَيْبَ فِيهِ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَإِنْ رَضِيَهُ بِعَيْبِهِ، وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ، كَمَا لَوْ رَضِيَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مَعِيبًا، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْأَرْشِ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمَاثُلُ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ جَازَ.
فَأَمَّا إنْ تَقَابَضَا وَافْتَرَقَا، ثُمَّ وَجَدَ الْعَيْبَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَهُ إبْدَالُهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَالْخِرَقِيُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ إبْدَالُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، جَازَ بَعْدَهُ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ، وَمَنْ صَارَ إلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَالَ: قَبْضُ الْأَوَّلِ صَحَّ بِهِ الْعَقْدُ، وَقَبْضُ الثَّانِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، فَإِنْ تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ وَجَدَ الْبَعْضَ رَدِيئًا فَرَدَّهُ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى لَهُ الْبَدَلُ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ.
وَهَلْ يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يَرُدَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ وَجَدَ دِرْهَمًا زَيْفًا فَرَضِيَ بِهِ، جَازَ، وَإِنْ رَدَّهُ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ، وَإِنْ رَدَّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارَيْنِ، وَكُلَّمَا زَادَ عَلَى دِينَارٍ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ آخَرَ.
وَلَنَا أَنَّ مَا لَا عَيْبَ فِيهِ لَمْ يُرَدَّ، فَلَمْ يَنْتَقِضْ الصَّرْفُ فِيمَا يُقَابِلُهُ، كَسَائِرِ الْعِوَضِ.
وَإِنْ اخْتَارَ وَاجِدُ الْعَيْبِ الْفَسْخَ، فَعَلَى قَوْلِنَا لَهُ الْبَدَلُ، لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إذَا أَبْدَلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَخْذُ حَقِّهِ غَيْرَ مَعِيبٍ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَهُ الْفَسْخُ، أَوْ الْإِمْسَاكُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى مَا عَقَدَ عَلَيْهِ مَعَ

إبْقَاءِ الْعَقْدِ.
فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ يَقْبِضُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ عَنْ الصَّرْفِ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.

[فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ الْمُصَارَفَةِ فِي الذِّمَّةِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ]

(2850) فَصْلٌ: وَمَنْ شَرْطِ الْمُصَارَفَةِ فِي الذِّمَّةِ، أَنْ يَكُونَ الْعِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ، إمَّا بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزَانِ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ أَوْ غَالِبٌ، فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ نَقْدِ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْبَلَدِ نَقْدُ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ، إلَّا نَوْعٌ وَاحِدٌ، فَتَنْصَرِفُ تِلْكَ الصِّفَةُ إلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ.

[فَصْلٌ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِمَا]

(2851) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِمَا، لَمْ يَصِحَّ، وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدِينٍ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا هُوَ إجْمَاعٌ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ، ( «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» . وَفَسَّرَهُ بِالدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
إلَّا أَنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ: أَيَصِحُّ فِي هَذَا حَدِيثٌ؟ قَالَ: لَا.
وَإِنَّمَا صَحَّ الصَّرْفُ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ، فَجَرَى الْقَبْضُ وَالتَّعْيِينُ فِي الْمَجْلِسِ مَجْرَى وُجُودِهِ حَالَةَ الْعَقْدِ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ، فَقَضَاهُ دَرَاهِمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ يُعْطِيهِ كُلَّ دِرْهَمٍ بِحِسَابِهِ مِنْ الدِّينَارِ، صَحَّ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَحَاسَبَا بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَفَهُ بِهَا وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ، لَمْ يَجُزْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ دَيْنٌ، وَالدَّرَاهِمَ صَارَتْ دَيْنًا، فَيَصِيرُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
وَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ مَالَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَارَفَهُ بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ، صَحَّ.
وَإِذَا أَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَلَمْ يَقْضِهِ ذَلِكَ وَقْتَ دَفْعِهَا إلَيْهِ، ثُمَّ أَحْضَرَهَا، وَقَوَّمَاهَا، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَضَاءِ، لَا يَوْمَ دَفْعِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِرْ فِي مِلْكِهِ، إنَّمَا هِيَ وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ، أَوْ نَقَصَتْ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ ضَمَانِ الْقَابِضِ لَهَا إذَا قَبَضَهَا بِنِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ وَوَفَاءٌ، وَالْمَقْبُوضُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ كَالْمَقْبُوضِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ صَيْرَفِيٍّ دَنَانِيرُ، فَأَخَذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ إدْرَارًا؛ لِتَكُونَ هَذِهِ بِهَذِهِ، لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّةِ مَنْ قَبَضَهُ، فَإِذَا أَرَادَ التَّصَارُفَ أَحْضَرَا أَحَدَهُمَا، وَاصْطَرَفَا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ.
(2852) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الْأُخَرِ، وَيَكُونُ صَرْفًا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ، فِي قَوْلِ

أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ وَقَدْ تَخَلَّفَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، فِي " سُنَنِهِمَا "، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُوَيْدَك، أَسْأَلُك، إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ، وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» . قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ.
لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ، إلَّا مَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، إنَّهُ يَقْضِيهِ مَكَانَهَا ذَهَبًا عَلَى التَّرَاضِي؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَالِ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ عَرْضًا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا ". وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، وَمَسْرُوقًا الْعِجْلِيّ، سَأَلَاهُ عَنْ كُرَيٍّ لَهُمَا، لَهُ عَلَيْهِمَا دَرَاهِمُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا إلَّا دَنَانِيرُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْطُوهُ بِسِعْرِ السُّوقِ.
وَلِأَنَّ هَذَا جَرَى مَجْرَى الْقَضَاءِ، فَيُقَيَّدْ بِالْمِثْلِ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ الْجِنْسِ، وَالتَّمَاثُلُ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ؛ لِتَعَذُّرِ التَّمَاثُلِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنَّ أَهْلَ السُّوقِ يَتَغَابَنُونَ بَيْنَهُمْ بِالدَّانَقِ فِي الدِّينَارِ وَمَا أَشْبَهَهُ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ فَسَهْلٌ فِيهِ، مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً، وَيُزَادُ شَيْئًا كَثِيرًا.
(2853) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمَشْهُورُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ، فَكَانَ الْقَبْضُ نَاجِزًا فِي أَحَدِهِمَا، وَالنَّاجِزُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ وَالْآخِرُ الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ الْمُؤَجَّلِ.
وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ، إذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَقْضِيِّ فَضْلًا لِأَجْلِ تَأْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُصْهُ عَنْ سِعْرِهَا شَيْئًا، فَقَدْ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنَ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عُمَرَ حِينَ سَأَلَهُ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ.
(2854) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا، فَقَالَ:

اسْتَوْفِ حَقَّك مِنْهُ.
فَاسْتَوْفَاهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، جَازَ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ، فَوَكَّلَ غَرِيمَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ، وَاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهَا، فَبَاعَهَا بِدَرَاهِمَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا قَدْرَ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي مُصَارَفَةِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً بِدَنَانِيرَ، فَأَخَذَ بِهَا دَرَاهِمَ، فَرَدَّتْ الْجَارِيَةُ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الدَّنَانِيرُ؛ لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الدَّرَاهِمَ بِعَقْدِ صَرْفٍ مُسْتَأْنَفٍ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ.

[فَصْلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَقَالَ لِغَرِيمِهِ ضَعْ عَنِّي بَعْضَهُ وَأُعَجِّلُ لَك بَقِيته]

(2855) فَصْلٌ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَقَالَ لِغَرِيمِهِ: ضَعْ عَنِّي بَعْضَهُ، وَأُعَجِّلُ لَك بَقِيَّتَهُ.
لَمْ يَجُزْ.
كَرِهَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالْمِقْدَادُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمٌ، وَالْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَالْحَكَمُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُشَيْمٌ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْمِقْدَادُ لِرَجُلَيْنِ فَعَلَا ذَلِكَ: كِلَاكُمَا قَدْ آذَنَ بِحَرْبِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ آخِذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ، تَارِكٌ لِبَعْضِهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا.
وَقَالَ الْخِرَقِيِّ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ بَيْعُ الْحُلُولِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ زَادَهُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ، فَقَالَ لَهُ: أُعْطِيك عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَتُعَجِّلُ لِي الْمِائَةَ الَّتِي عَلَيْك.
فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَإِنَّ مُعَامَلَتَهُ مَعَ سَيِّدِهِ، وَهُوَ يَبِيعُ بَعْضَ مَالِهِ بِبَعْضٍ، فَدَخَلَتْ الْمُسَامَحَةُ فِيهِ.
وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ، فَسُومِحَ فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

[مَسْأَلَةٌ إنْ كَانَ الْعَيْبُ دَخِيلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَانَ الصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدًا]

(2856) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ دَخِيلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ الصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدًا) يَعْنِي إذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ مَغْشُوشًا بِغِشٍّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَيَنْظُرُ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنٍ، وَعَلِمَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ، فَرَدَّهُ، وَأَخَذَ بَدَلَهُ، فَالصَّرْفُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ رَدِّهِ، فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبِضْ مَا يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ: إنَّهُ إذَا أَخَذَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لَمْ يَبْطُلْ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرِي الْمَعِيبِ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَأَمَّا إنَّ عَلِمَ بِعَيْبِهِ، فَاشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ، وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَا بَدَلَ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَكَانَ الصَّرْفُ ذَهَبًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةً بِمِثْلِهَا، فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ، إلَّا أَنْ يَبِيعَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مَغْشُوشًا بِمِثْلِ غِشِّهِ، كَبَيْعِهِ دِينَارًا صُورِيًّا بِمِثْلِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِتَسَاوِي غِشِّهِمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ جَوَازُهُ.
وَإِنْ بَاعَ مَغْشُوشًا بِغَيْرِ مَغْشُوشٍ، لَمْ يَجُزْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغِشِّ قِيمَةٌ، فَيُخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ فِي جِنْسَيْنِ، كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، انْبَنَى عَلَى إنْفَاقِ الْمَغْشُوشَةِ.

[فَصْلٌ إنْفَاقُ الْمَغْشُوشِ مِنْ النُّقُودِ]

(2857) فَصْلٌ: وَفِي إنْفَاقِ الْمَغْشُوشِ مِنْ النُّقُودِ رِوَايَتَانِ؛

أَظْهَرُهُمَا، الْجَوَازُ، نَقَلَ صَالِحٌ عَنْهُ فِي دَرَاهِمَ يُقَالُ لَهَا الْمُسَيَّبِيَّةُ، عَامَّتُهَا نُحَاسٌ إلَّا شَيْئًا فِيهَا فِضَّةٌ، فَقَالَ: إذَا كَانَ شَيْئًا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِثْلَ الْفُلُوسِ، اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، فَأَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهَا بَأْسٌ.
وَالثَّانِيَةُ التَّحْرِيمُ، نَقَلَ حَنْبَلٌ فِي دَرَاهِمَ يُخْلَطُ فِيهَا مِشّ وَنُحَاسٌ يُشْتَرَى بِهَا وَيُبَاعُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا أَحَدٌ.
كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْغِشِّ فَالشِّرَاءُ بِهِ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، جَازَ الشِّرَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ، فَفِي جَوَازِ إنْفَاقِهَا وَجْهَانِ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفَاقَ الْمَغْشُوشَةِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . وَبِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ نُفَايَةِ بَيْتِ الْمَالِ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ مَجْهُولٌ، أَشْبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْجَوَازِ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا ظَهَرَ غِشُّهُ، وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ بِهِ جَائِزَةٌ، إذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ اشْتِمَالِهِ عَلَى جِنْسَيْنِ لَا غَرَرَ فِيهِمَا، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِمَا، كَمَا لَوْ كَانَا مُتَمَيِّزَيْنِ.
وَلِأَنَّ هَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الْأَعْصَارِ، جَارٍ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَفِي تَحْرِيمِهِ مَشَقَّةٌ وَضَرَرٌ، وَلَيْسَ شِرَاؤُهُ بِهَا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَغْرِيرًا لَهُمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ مَعْلُومٌ، بِخِلَافِ تُرَابِ الصَّاغَةِ.
وَرِوَايَةُ الْمَنْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَخْفَى غِشُّهُ، وَيَقَعُ اللَّبْسُ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا فِي رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ زُيُوفٌ، مَا يَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: يَسْبِكُهَا.
قِيلَ لَهُ: فَيَبِيعُهَا بِدَنَانِيرَ؟ قَالَ: لَا.
قِيلَ: يَبِيعُهَا بِفُلُوسٍ؟ قَالَ: لَا.
قِيلَ فَبِسِلْعَةٍ؟ قَالَ: لَا، إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيَتَصَدَّقُ بِهَا؟ قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا.
وَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلٍ، وَذَلِكَ إنَّمَا كَرِهْتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا مُسْلِمًا.
فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَنْعُ عُمَرَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مُشْتَرِيَهَا رُبَّمَا خَلَطَهَا بِدَرَاهِمَ جَيِّدَةٍ، وَاشْتَرَى بِهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا اصْطَلَحَ عَلَى إنْفَاقِهِ، لَمْ يَكُنْ نُفَايَةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ فَلْيَخْرُجْ بِهَا إلَى الْبَقِيعِ، فَلْيَشْتَرِ بِهَا سَحْقَ الثِّيَابِ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إنْفَاقِ الْمَغْشُوشَةِ الَّتِي لَمْ يَصْطَلِحْ عَلَيْهَا.
قُلْنَا: قَدْ قَالَ أَحْمَدُ: مَعْنَى زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ.
أَيْ نُفِيَتْ، لَيْسَ أَنَّهَا زُيُوفٌ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ظَهَرَ غِشُّهُ، وَبَانَ زَيْفُهُ، بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا تَغْرِيرٌ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ تَأْوِيلُهَا، تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْهُ، وَيُرْجَعُ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ غِشُّهُ ذَا بَقَاءٍ وَثَبَاتٍ، كَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَمَا لَا ثَبَاتَ لَهُ، كَالزَّرْنِيخِيَّةِ، والأندرانية، وَهُوَ زِرْنِيخٌ وَنُورَةٌ يُطْلَى عَلَيْهِ فِضَّةٌ، فَإِذَا دَخَلَ النَّارَ اُسْتُهْلِكَ الْغِشُّ، وَذَهَبَ.

[مَسْأَلَةٌ مَتَى انْصَرَفَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا]

(2858) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَتَى انْصَرَفَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا)

الصَّرْفُ: بَيْعُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا، أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ.» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . «وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا، وَنَهَى أَنْ يُبَاعَ غَائِبٌ مِنْهَا بِنَاجِزٍ» كُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ.
وَيُجْزِئُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ طَالَ، وَلَوْ تَمَاشَيَا مُصْطَحِبَيْنِ إلَى مَنْزِلِ أَحَدِهِمَا، أَوْ إلَى الصَّرَّافِ، فَتَقَابَضَا عِنْدَهُ، جَازَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا فَارَقَا مَجْلِسَهُمَا.
وَلَنَا أَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ تَسِيرُ بِهِمَا، أَوْ رَاكِبَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ تَمْشِي بِهِمَا.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فِي قَوْلِهِ لِلَّذَيْنِ مَشَيَا إلَيْهِ مِنْ جَانِبِ الْعَسْكَرِ: وَمَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا.
وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الصَّرْفُ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ.
وَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ، ثُمَّ افْتَرَقَا، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ.
وَهَلْ يَصِحُّ فِي الْمَقْبُوضِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ، فَقَبَضَ الْوَكِيلُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا، جَازَ، وَقَامَ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ، سَوَاءٌ فَارَقَ الْوَكِيلُ الْمَجْلِسَ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ لَمْ يُفَارِقْهُ.
وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ الْوَكِيلِ، بَطَلَ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ، وَقَدْ فَاتَ.
وَإِنْ تَخَايَرَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ إذَا قُلْنَا بِلُزُومِ الْعَقْدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خِيَارٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ افْتَرَقَا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَاشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْلَ اللُّزُومِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الصَّرْفِ، ثُمَّ اصْطَرَفَا، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لَازِمًا صَحِيحًا قَبْلَ الْقَبْضِ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ.

[فَصْلٌ صَارَفَ رَجُلًا دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ]

(2859) فَصْلٌ: وَلَوْ صَارَفَ رَجُلًا دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا، فَإِنْ قَبَضَ الْخَمْسَةَ وَافْتَرَقَا، بَطَلَ الصَّرْفُ فِي نِصْفِ الدِّينَارِ.
وَهَلْ يَبْطُلُ فِيمَا يُقَابِلُ الْخَمْسَةَ الْمَقْبُوضَةَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَإِنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ، فَسَخَا الصَّرْفَ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ عِوَضُهُ، أَوْ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ كُلَّهُ، ثُمَّ يُشْتَرَى مِنْهُ نِصْفُ الدِّينَارِ بِخَمْسَةٍ، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّينَارَ كُلَّهُ، فَيَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ لَهُ، وَمَا بَقِيَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ، ثُمَّ إذَا صَارَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْبَاقِي لَهُ مِنْ الدِّينَارِ، أَوْ اشْتَرَى بِهِ مِنْهُ شَيْئًا، أَوْ جَعَلَهُ سَلَمًا فِي شَيْءٍ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، جَازَ، وَكَذَلِكَ إنَّ وَكَّلَهُ فِيهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى فِضَّةً بِدِينَارٍ وَنِصْفٍ، وَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ دِينَارَيْنِ، وَقَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي نِصْفِ الدِّينَارِ الزَّائِدِ، صَحَّ.
وَلَوْ صَارَفَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ، فَأَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ لِيَزِنَ لَهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، جَازَ،

وَإِنْ طَالَ، وَيَكُونُ الزَّائِدُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَلَفِهِ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِهَا نِصْفَ دِينَارٍ، وَقَبَضَ دِينَارًا كَامِلًا، وَدَفَعَ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ، فَاشْتَرَى بِهَا النِّصْفَ الْبَاقِيَ، أَوْ اشْتَرَى الدِّينَارَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ابْتِدَاءً، وَدَفَعَ إلَيْهِ الْخَمْسَةَ، ثُمَّ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ عِوَضًا عَنْ النِّصْفِ الْآخَرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْحِيلَةِ، فَلَا بَأْسَ.

[فَصْلٌ بَاعَ مُدْيَ تَمْرٍ رَدِيءٍ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِالدِّرْهَمِ تَمْرًا جَنِيبًا]

(2860) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ مُدَّيْ تَمْرٍ رَدِيءٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالدِّرْهَمِ تَمْرًا جَنِيبًا، أَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا صَحِيحًا بِدَرَاهِمَ، وَتَقَابَضَاهَا، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِالدَّرَاهِمِ قُرَاضَةً مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، وَلَا حِيلَةٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَمْضِيَ إلَى غَيْرِهِ لِيَبْتَاعَ مِنْهُ، فَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْبَائِعِ، فَيَبْتَاعَ مِنْهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ.
قُلْت لَهُ: قَالَ لَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ؟ فَقَالَ: يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ وَأَحْرَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الذَّهَبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إذَا رَدَّهَا إلَيْهِ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ الذَّهَبَ، وَلَا يُحْكِمَ الْوَزْنَ، وَلَا يَسْتَقْصِيَ، يَقُولُ: هِيَ تَرْجِعُ إلَيْهِ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَذَهَبَ لِيَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجِدْهَا، فَرَجَعَ إلَيْهِ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ لَا يُبَالِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَنَعَمْ.
فَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ، لَا الْإِيجَابِ.
وَلَعَلَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ اجْتِنَابَ الْمُوَاطَأَةِ عَلَى هَذَا، وَلِهَذَا قَالَ: إذَا كَانَ لَا يُبَالِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَنَعَمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً، جَازَ، وَإِنْ فَعَلَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُضَارِعُ الرِّبَا.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: «جَاءَ بِلَالٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ . قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْت صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِيُطْعِمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إذَا أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ، فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ.» وَرَوَى أَيْضًا أَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ . قَالَ: لَا وَاَللَّهِ.
إنَّا لَنَأْخُذَ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَفْعَلْ، بِعْ التَّمْرَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهُ لَهُ، وَعَرَّفَهُ إيَّاهُ.
وَلِأَنَّهُ بَاعَ الْجِنْسَ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَا مُوَاطَأَةٍ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلِأَنَّ مَا جَازَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ مَرَّةً، جَازَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ.
فَأَمَّا إنْ تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ حِيلَةً مُحَرَّمَةً، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ، مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ.

وَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ كَانَ حِيلَةً، وَالْحِيَلُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

[فَصْلٌ الْحِيَلُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ]

(2861) فَصْلٌ: وَالْحِيَلُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ، غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ عَقْدًا مُبَاحًا يُرِيدُ بِهِ مُحَرَّمًا، مُخَادَعَةً وَتَوَسُّلًا إلَى فِعْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَاسْتِبَاحَةِ مَحْظُورَاتِهِ، أَوْ إسْقَاطِ وَاجِبٍ، أَوْ دَفْعِ حَقٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: إنَّهُمْ لَيُخَادِعُونَ اللَّهَ، كَأَنَّمَا يُخَادِعُونَ صَبِيًّا، لَوْ كَانُوا يَأْتُونَ الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ.
فَمِنْ ذَلِكَ؛ مَا لَوْ كَانَ مَعَ رَجُلٍ عَشَرَةٌ صِحَاحٌ، وَمَعَ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ مُكَسَّرَةٌ، فَاقْتَرَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا مَعَ صَاحِبِهِ، ثُمَّ تَبَارَيَا، تَوَصُّلًا إلَى بَيْعِ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ مُتَفَاضِلًا، أَوْ بَاعَهُ الصِّحَاحَ بِمِثْلِهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ، ثُمَّ وَهَبَهُ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِهَا أُوقِيَّةَ صَابُونٍ، أَوْ نَحْوَهَا مَا يَأْخُذُهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِعَشَرَةٍ إلَّا حَبَّةً مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلَهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِالْحَبَّةِ الْبَاقِيَةِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ.
وَهَكَذَا لَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا، أَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا تَوَصُّلًا إلَى أَخْذِ عِوَضٍ عَنْ الْقَرْضِ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ فَهُوَ خَبِيثٌ مُحَرَّمٌ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: ذَلِكَ كُلُّهُ وَأَشْبَاهُهُ جَائِزٌ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَا فِي الْبَيْعِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ فِي الْعَقْدِ يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَا عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَذَّبَ أُمَّةً بِحِيلَةٍ احْتَالُوهَا، فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً، وَسَمَّاهُمْ مُعْتَدِينَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ نَكَالًا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ؛ لِيَتَّعِظُوا بِهِمْ، وَيَمْتَنِعُوا مِنْ مِثْلِ أَفْعَالِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 66] . أَيْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُمْ لِلْحِيتَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتْرُكُونَهَا إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْفِرُ حَفَائِرَ، وَيَجْعَلُ إلَيْهَا مَجَارِي، فَيَفْتَحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا جَاءَ السَّمَكُ يَوْمَ السَّبْتِ، جَرَى مَعَ الْمَاءِ فِي الْمَجَارِي، فَيَقَعُ فِي الْحَفَائِرِ، فَيَدَعُهَا إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا، وَيَقُولُ: مَا اصْطَدْت يَوْمَ السَّبْتِ، وَلَا اعْتَدَيْت فِيهِ.
فَهَذِهِ حِيلَةٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ، وَمِنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ.
فَجَعَلَهُ قِمَارًا مَعَ إدْخَالِهِ الْفَرَسَ الثَّالِثَ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ مَعْنَى الْقِمَارِ، وَهُوَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ آخِذًا، أَوْ مَأْخُوذًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا دَخَلَ صُورَةً، تُحِيلَا عَلَى إبَاحَةِ الْمُحَرَّمِ، وَسَائِرُ الْحِيَلِ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ لِمَفْسَدَتِهَا، وَالضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْهَا.
وَلَا تَزُولُ مَفْسَدَتُهَا مَعَ إبْقَاءِ مَعْنَاهَا، بِإِظْهَارِهِمَا صُورَةً غَيْرَ صُورَتِهَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَزُولَ التَّحْرِيمُ، كَمَا لَوْ سَمَّى الْخَمْرَ بِغَيْرِ اسْمِهَا، لَمْ يُبِحْ ذَلِكَ شُرْبَهَا،

وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيَسْتَحِلَّنَّ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» . وَمِنْ الْحِيَلِ فِي غَيْرِ الرِّبَا، أَنَّهُمْ يَتَوَصَّلُونَ إلَى بَيْعِ الشَّيْءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَنْ يَسْتَأْجِرَ بَيَاضَ أَرْضِ الْبُسْتَانِ بِأَمْثَالِ أُجْرَتِهِ، ثُمَّ يُسَاقِيهِ عَلَى ثَمَرِ شَجَرِهِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ لِلْمَالِكِ، وَتِسْعُمِائَةِ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِلْعَامِلِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَالِكُ شَيْئًا، وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِمَا سَمَّاهُ أُجْرَةً، وَالْعَامِلُ لَا يَقْصِدُ أَيْضًا سِوَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَرْضِ الَّتِي سَمَّى الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَتِهَا، وَمَتَى لَمْ يَخْرُجْ الثَّمَرُ، أَوْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، جَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ يَطْلُبُ الْجَائِحَةَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَرَةِ لَا غَيْرُ، وَرَبُّ الْأَرْضِ يَعْلَمُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى شَيْئًا بِمُكَسَّرَةِ]

(2862) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِمُكَسَّرَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ صَحِيحًا أَقَلَّ مِنْهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا هُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضَ الْفِضَّةِ أَقَلَّ مِنْهَا، فَيَحْصُلُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِصَحِيحٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ مُكَسَّرَةً أَكْثَرَ مِنْهَا كَذَلِكَ.
فَإِنْ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ، ثُمَّ عَقَدَا بِالصِّحَاحِ، أَوْ بِالْمُكَسَّرَةِ جَازَ.
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ، لَزِمَهُ نِصْفُ دِينَارٍ شِقٍّ، فَإِنْ عَادَ فَاشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ بِنِصْفٍ آخَرَ لَزِمَهُ نِصْفُ شِقٍّ أَيْضًا، فَإِنْ وَفَّاهُ دِينَارًا صَحِيحًا، بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ اشْتِرَاطَ زِيَادَةِ ثَمَنِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، بَطَلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يُفْسِدُهُ قَبْلَ انْبِرَامِهِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا فَلُزُومِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي عَقَدَ الْبَيْعَ بِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ دِينَارٌ وَدِيعَةً فَصَارَفَهُ بِهِ وَهُوَ مَعْلُومٌ بَقَاؤُهُ أَوْ مَظْنُونٌ]

(2863) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ دِينَارٌ وَدِيعَةً، فَصَارَفَهُ بِهِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بَقَاؤُهُ، أَوْ مَظْنُونٌ، صَحَّ الصَّرْفُ.
وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، لَمْ يَصِحَّ الصَّرْفُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ.
وَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْبَقَاءِ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، فَصَحَّ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّكِّ، فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ الْيَقِينَ؛ وَلِذَلِكَ صَحَّ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ الْمَشْكُوكِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا حِينَ الْعَقْدِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بَاطِلًا.

[فَصْلٌ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَالْمَعْدِنِ بِشَيْءِ مِنْ جِنْسِهِ]

(2864) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَالْمَعْدِنِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِجِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا تُعْلَمُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ.
وَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَحَكَى ابْنُ

الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، كَرَاهَةَ بَيْعِ تُرَابِ الْمَعَادِنِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي (الْإِرْشَادِ) : يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ، قَالُوا: فَإِنْ اخْتَلَطَ، أَوْ أَشْكَلَ فَلْيَبِعْهُ بِعَرْضٍ، وَلَا يَبِعْهُ بِعَيْنٍ وَلَا وَرِقٍ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِمَا لَا رِبَا فِيهِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ.

[مَسْأَلَةٌ بَيْعِ الْعَرَايَا]

(2865) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَالْعَرَايَا الَّتِي أَرْخَصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ هُوَ أَنْ يُوهَبَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ النَّخْلِ مَا لَيْسَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَيَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ لِمَنْ يَأْكُلُهَا رُطَبًا) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ: (2866) فَصْلٌ أَوَّلُهَا، فِي إبَاحَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ، بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ يَبِيعُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَمْ يَحُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، أَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، وَغَيْرُهُمَا.
وَخَرَّجَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمْ.
وَحَدِيثُهُمْ فِي سِيَاقِهِ: (إلَّا الْعَرَايَا كَذَلِكَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا.
وَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُضُ الْحَدِيثَيْنِ، وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا لِخُصُوصِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الَّذِي نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ هُوَ الَّذِي أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى.
وَالْقِيَاسُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ النَّصِّ مَعَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا.
وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ، مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ، فَلَوْ مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ، لَمْ يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بِحَالٍ.
(2867) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَتَجُوزُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهَا.
فَأَمَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ إمَامِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: يَجُوزُ.
وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ، مُطْلَقًا، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ فَاسْتَثْنَى الْيَقِينَ، وَبَقِيَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ.» وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ، فَيَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ.
وَلِأَنَّ الْعَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ يَقِينًا فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ، وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَلَا تَثْبُتُ إبَاحَتُهَا مَعَ

الشَّكِّ وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ فِي الْوَسْقِ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ.» وَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ عَلَيْهِ، كَمَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ؛ لِتَخْصِيصِهِ إيَّاهَا بِالذِّكْرِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ؛ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ.» وَلِأَنَّ خَمْسَةَ الْأَوْسُقِ فِي حُكْمِ مَا زَادَ عَلَيْهَا؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا دُونَ مَا نَقَصَ عَنْهَا، وَلِأَنَّهَا قَدْرٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ عَرِيَّةً، كَالزَّائِدِ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ مُطْلَقًا، فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الرُّخْصَةَ الْمُطْلَقَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الرُّخْصَةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَلَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا، بَلْ الرُّخْصَةُ وَاحِدَةٌ، رَوَاهَا بَعْضُهُمْ مُطْلَقَةً وَبَعْضُهُمْ مُقَيَّدَةً، فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَصِيرُ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ كَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْآخَرِ، وَلِذَلِكَ يُقَيَّدُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ، اتِّفَاقًا.

[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِيمَا زَادَ عَلَى صَفْقَةٍ]

(2868) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فِيمَا زَادَ عَلَى صَفْقَةٍ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ بَيْعُ جَمِيعِ ثَمَرِ حَائِطِهِ عَرَايَا، مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ رِجَالٍ، فِي عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَرَّةً، جَازَ أَنْ يَتَكَرَّرَ، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ.
وَلَنَا، عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ، اسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَرِيَّةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ.
وَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَرَّةً إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، لَا يَجُوزُ فِي عَقْدَيْنِ، كَاَلَّذِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَكَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا، فَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ إنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ.
فَأَمَّا إنْ بَاعَ رَجُلٌ عَرِيَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ جَازَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي: لَا يَجُوزُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُشْتَرِي.
وَلَنَا أَنَّ الْمُغَلِّبَ فِي التَّجْوِيزِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَالَ: «قُلْت لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا.» وَإِذَا كَانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ حَاجَةَ الْمُشْتَرِي، لَمْ تُعْتَبَرْ حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ، فَلَا يَتَقَيَّدُ فِي حَقِّهِ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا الْحَاجَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَحَاجَةَ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَحْصُلَ الْإِرْفَاقُ، إذْ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ وُجُودُ الْحَاجَتَيْنِ،

فَتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي.
فَإِنْ اشْتَرَى عَرِيَّتَيْنِ أَوْ بَاعَهُمَا، وَفِيهِمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، جَازَ، وَجْهًا وَاحِدًا.
(2869) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ شَرْطٌ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، قَالَ: سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا.
فَقَالَ: الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الْجَارَ أَوْ الْقَرَابَةَ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ، فَلِلْمُعْرِي أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: بَيْعُ الْعَرَايَا الْجَائِزُ هُوَ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطِهِ، ثُمَّ يَكْرَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ الْمُعْرِي؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مَعَ أَهْلِهِ فِي الْحَائِطِ، فَيُؤْذِيهِ دُخُولُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْعَرِيَّةَ فِي اللُّغَةِ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخِيلِ عَامًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِعْرَاءُ، أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ عَامَهَا ذَلِكَ.
قَالَ الشَّاعِرُ الْأَنْصَارِيُّ يَصِفُ النَّخْلَ: لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةٍ ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ يَقُولُ: إنَّا نُعْرِيهَا النَّاسَ.
فَتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَى مَوْضُوعِهِ لُغَةً وَمُقْتَضَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَلَنَا، حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ، فِي تَصْرِيحِهِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِ الْوَاهِبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَاجَةِ الْوَاهِبِ لَمَا اُخْتُصَّ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ، لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ الْحَاجَةِ بِهَا.
وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِالتَّمْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ صَاحِبِ الْحَائِطِ الَّذِي لَهُ النَّخِيلُ الْكَثِيرُ يُعْرِيهِ النَّاسَ، أَنَّهُ لَا يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ ثَمَنِ الْعَرِيَّةِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ اشْتَرَطَ كَوْنَهَا مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ سِوَى التَّمْرِ، فَمَتَى وَجَدَ ذَلِكَ، جَازَ الْبَيْعُ.
وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا مَوْهُوبَةً مَعَ اشْتِرَاطِ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ، يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ، إذْ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَوْهُوبًا، جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَمَا جَازَ بَيْعُهُ لِوَاهِبِهِ، جَازَ لِغَيْرِهِ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَرِيَّةً لِتَعَرِّيهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْبَيْعِ.
(2870) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، لَا أَقَلَّ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ وَيَجِبُ

أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ مَعْلُومًا بِالْكَيْلِ، وَلَا يَجُوزُ جُزَافًا.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا عِنْدَ مَنْ أَبَاحَ بَيْعَ الْعَرَايَا اخْتِلَافًا؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمِ، أَنْ تُؤْخَذَ بِمِثْلِ خَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، سَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا لِلتَّعَذُّرِ، فَيَجِبُ فِي الْآخَرِ بِقَضِيَّةِ الْأَصْلِ.
وَلِأَنَّ تَرْكَ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يُكْثِرُ الْغَرَرَ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا يُقَلِّلُ الْغَرَرَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ، صِحَّتُهُ مَعَ كَثْرَتِهِ.
وَمَعْنَى خَرْصِهَا بِمِثْلِهَا مِنْ التَّمْرِ، أَنْ يُطِيفَ الْخَارِصُ بِالْعَرِيَّةِ، فَيَنْظُرَ كَمْ يَجِيءُ مِنْهَا تَمْرًا، فَيَشْتَرِيَهَا الْمُشْتَرِي بِمِثْلِهَا تَمْرًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: يَخْرُصُهَا رُطَبًا، وَيُعْطِي تَمْرًا رُخْصَةً.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْأَوَّلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِتَمْرٍ مِثْلِ الرُّطَبِ الَّذِي عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ اُشْتُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ الْبَيْعِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحَالِ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ.
خُولِفَ الْأَصْلُ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يُبْنَى عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ فِي الْعُشْرِ وَالصَّحِيحِ، ثُمَّ خَرْصِهِ تَمْرًا.
وَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حَالَةَ الِادِّخَارِ، وَبَيْعُ الرُّطَبِ بِمِثْلِهِ تَمْرًا يُفْضِي إلَى فَوَاتِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا بِخَرْصِهَا رُطَبًا، لَمْ يَجُزْ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي يَجُوزُ.
وَالثَّالِث، لَا يَجُوزُ مَعَ اتِّفَاقِ النَّوْعِ، وَيَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِهِ.
وَوَجْهُ جَوَازِهِ، مَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ اللَّيْثِ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ، أَوْ التَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.» وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْلَى.
وَلَنَا، مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُؤْخَذَ بِمِثْلِ خَرْصِهَا تَمْرًا.» وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ.
إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ، النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا.» وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ يَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ تَمْرًا، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ رُطَبًا، كَالتَّمْرِ الْجَافِّ.
وَلِأَنَّ مَنْ لَهُ رُطَبٌ فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ شِرَاءِ الرُّطَبِ بِأَكْلِ مَا عِنْدَهُ، وَبَيْعُ الْعَرَايَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ شَكٌّ فِي الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ الشَّكِّ، سِيَّمَا وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُهُ، وَتُزِيلُ الشَّكَّ.

[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ]

(2871) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ تَمْرٍ بِتَمْرٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ شُرُوطُهُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا.

وَالْقَبْضُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَسْبِهِ، فَفِي التَّمْرِ اكْتِيَالُهُ أَوْ نَقْلُهُ، وَفِي الثَّمَرَةِ التَّخْلِيَةُ.
وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ حُضُورُ التَّمْرِ عِنْدَ النَّخِيلِ، بَلْ لَوْ تَبَايَعَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ التَّمْرِ وَالثَّمَرَةِ، ثُمَّ مَضَيَا جَمِيعًا إلَى النَّخْلَةِ، فَسَلَّمَهَا إلَى مُشْتَرِيهَا، ثُمَّ مَشَيَا إلَى التَّمْرِ فَتَسَلَّمَهُ مِنْ مُشْتَرِيهَا، أَوْ تَسَلَّمَ التَّمْرَ ثُمَّ مَضَيَا إلَى النَّخْلَةِ جَمِيعًا فَسَلَّمَهَا إلَى مُشْتَرِيهَا، أَوْ سَلَّمَ النَّخْلَةَ، ثُمَّ مَضَيَا إلَى التَّمْرِ فَتَسَلَّمَهُ، جَازَ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ بَيْعَ الْعَرِيَّةِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ التَّمْرِ.
وَيَصِفُهُ.
وَالثَّانِي، أَنْ يَكِيلَ مِنْ التَّمْرِ بِقَدْرِ خَرْصِهَا، ثُمَّ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا بِهَذَا، أَوْ يَقُولَ: بِعْتُك ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ بِهَذَا التَّمْرِ، وَنَحْوَ هَذَا.
وَإِنْ بَاعَهُ بِمُعَيَّنٍ فَقَبْضُهُ بِنَقْلِهِ وَأَخْذِهِ، وَإِنْ بَاعَ بِمَوْصُوفِ فَقَبْضُهُ بِاكْتِيَالِهِ.
(2872) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا لِمُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِغَنِيٍّ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَأَبَاحَهَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ لِلْمُحْتَاجِ، جَازَ لِلْغَنِيِّ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَهْلٍ مُطْلَقَانِ.
وَلَنَا حَدِيثُ «زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حِينَ سَأَلَهُ، مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا.» وَمَتَى خُولِفَ الْأَصْلُ بِشَرْطٍ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ.
وَلِأَنَّ مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، لَمْ يُبَحْ مَعَ عَدَمِهَا، كَالزَّكَاةِ لِلْمَسَاكِينِ، وَالتَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ.
فَعَلَى هَذَا، مَتَى كَانَ صَاحِبُهَا غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا، وَمَعَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْعَرِيَّةَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ شِرَاؤُهَا بِالتَّمْرِ، وَسَوَاءٌ بَاعَهَا لِوَاهِبِهَا تَحَرُّزًا مِنْ دُخُولِ صَاحِبِ الْعَرِيَّةِ حَائِطَهُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ، أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُبَاحُ.
وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ وُجِدَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَجَازَ.
كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُحْتَاجًا إلَى أَكْلِهَا.
وَلَنَا، حَدِيثُ زَيْدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالرُّخْصَةُ لِمَعْنًى خَاصٍّ لَا تَثْبُتُ مَعَ عَدَمِهِ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ: «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» . وَلَوْ جَازَ لِتَخْلِيصِ الْمُعْرِي لَمَا شُرِطَ ذَلِكَ.
فَيُشْتَرَطُ إذًا فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ، أَنْ يَكُونَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَبَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، وَقَبْضُ ثَمَنِهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَحَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ سِوَى التَّمْرِ.
وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ شَرْطًا سَادِسًا، وَهُوَ حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ.
وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيِّ، كَوْنَهَا مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا.
وَاشْتَرَطَ أَصْحَابُنَا لِبَقَاءِ الْعَقْدِ، بِأَنْ يَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا.
فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَصِيرَ تَمْرًا بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَسْأَلَةٌ تَرَكَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيع حَتَّى يُتَمَرَّ]

(2873) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: فَإِنْ تَرَكَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُتْمِرَ بَطَلَ الْعَقْدُ يَعْنِي إنْ لَمْ يَأْخُذْهَا الْمُشْتَرِي رُطَبًا بَطَلَ الْعَقْدُ، خِلَافًا لِلشَّافِعِي فِي قَوْلِهِ: لَا يَبْطُلُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ جَازَ بَيْعُهَا رُطَبًا، لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ إذَا صَارَتْ تَمْرًا، كَغَيْرِ الْعَرِيَّةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» . وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا إنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، فَإِذَا أَتْمَرَتْ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْحَاجَةِ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ.
ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ لِغِنَاهُ عَنْهَا، أَوْ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهَا، أَوْ تَرْكِهَا لِعُذْرٍ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِلْخَبَرِ.
وَلَوْ أَخَذَهَا رُطَبًا فَتَرَكَهَا عِنْدَهُ فَأَتْمَرَتْ، أَوْ شَمَّسَهَا، حَتَّى صَارَتْ تَمْرًا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهَا.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بَدْو صَلَاحِهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا، لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ.
فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ.
فَإِنْ أَخَذَ بَعْضَهَا رُطَبًا، وَتَرَكَ بَاقِيَهَا حَتَّى أَتْمَرَ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ فِي غَيْرِ النَّخِيلِ]

(2874) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ فِي غَيْرِ النَّخِيلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثَمَرَتُهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، فَيَجُوزُ بَيْعُ رَطْبِهَا بِيَابِسِهَا؛ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ كَالرُّطَبِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَجَوَازِ خَرْصِهِمَا، وَتَوْسِيقِهِمَا، وَكَثْرَةِ تَيْبِيسِهِمَا، وَاقْتِيَاتِهِمَا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ وَالْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ رَطْبِهِمَا، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الشَّيْءِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي مِثْلِهِ.
وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَعَانِي، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا؛ لِتَفَرُّقِهَا فِي الْأَغْصَانِ، وَاسْتِتَارِهَا بِالْأَوْرَاقِ، وَلَا يُقْتَاتُ يَابِسَهَا، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشِّرَاءِ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ قِيَاسًا عَلَى ثَمَرَةِ النَّخِيلِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَكُلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهَا.» وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَرِيَّةِ بِالتَّمْرِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُزَابَنَةِ» ، وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَعَنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهِ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخْصَةً، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا لِوَجْهَيْنِ؛

أَحَدِهِمَا، أَنَّ غَيْرَهَا لَا يُسَاوِيهَا فِي كَثْرَةِ الِاقْتِيَاتِ بِهَا، وَسُهُولَةِ خَرْصِهَا، وَكَوْنِ الرُّخْصَةِ فِي الْأَصْلِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إلَى الرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِ.
الثَّانِي، أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُعْمَلُ بِهِ إذَا خَالَفَ نَصًّا، وَقِيَاسُهُمْ يُخَالِفُ نُصُوصًا غَيْرَ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَحِلِّ الْمَخْصُوصِ، «وَنَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ» لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الثِّمَارِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ]

[مَسْأَلَةٌ وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْبَيْعَ مَتَى وَقَعَ عَلَى نَخْلٍ مُثْمِرٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الثَّمَرَةَ وَكَانَتْ مُؤَبَّرَةً]

بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ (2875) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُهُ، فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكَةً فِي النَّخْلِ إلَى الْجِزَازِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ) . أَصْلُ الْإِبَارِ عِنْد أَهْل الْعِلْمِ: التَّلْقِيحُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَتَّى يَتَشَقَّقَ الطَّلْعُ، وَتَظْهَرَ الثَّمَرَةُ، فَعُبِّرَ بِهِ عَنْ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ لِلُزُومِهِ مِنْهُ.
وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالظُّهُورِ، دُونَ نَفْسِ التَّلْقِيحِ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، يُقَالُ: أَبَّرْت النَّخْلَةَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، فَهِيَ مُؤَبَّرَةٌ وَمَأْبُورَةٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ.» وَالسِّكَّةُ: النَّخْلُ الْمَصْفُوفُ.
وَأَبَّرْت النَّخْلَةَ آبُرُهَا أَبْرًا، وَإِبَارًا، وَأَبَرَّتْهَا تَأْبِيرًا، وَتَأَبَّرَتْ النَّخْلَةُ، وَائْتَبَرَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: تَأَبَّرِي يَا خِيرَةَ الْفَسِيلِ وَفَسَّرَ الْخِرَقِيِّ الْمُؤَبَّرَ بِمَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُهُ؛ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ، دُونَ نَفْسِ التَّأْبِيرِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ يَتَشَقَّقُ الطَّلْعُ بِنَفْسِهِ فَيَظْهَرُ، وَقَدْ يَشُقُّهُ الصِّعَادُ فَيَظْهَرُ.
وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ التَّأْبِيرُ الْمُرَادُ هَاهُنَا.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: (2876) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبَيْعَ مَتَى وَقَعَ عَلَى نَخْلٍ مُثْمِرٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الثَّمَرَةَ، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ مُؤَبَّرَةً، فَهِيَ لِلْبَائِعِ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: هِيَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْأَصْلِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ، فَكَانَتْ تَابِعَةً لَهُ، كَالْأَغْصَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هِيَ لِلْبَائِعِ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَمَاءٌ لَهُ حَدٌّ، فَلَمْ يَتْبَعْ أَصْلَهُ فِي الْبَيْعِ، كَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ

بِمَفْهُومِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّأْبِيرَ حَدًّا لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِلثَّمَرَةِ، فَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ حَدًّا، وَلَا كَانَ ذِكْرُ التَّأْبِيرِ مُفِيدًا.
وَلِأَنَّهُ نَمَاءٌ كَامِنٌ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ، فَكَانَ تَابِعًا لِأَصْلِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وَغَيْرَ تَابِعٍ لَهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَالْحَمْلِ فِي الْحَيَوَانِ.
فَأَمَّا الْأَغْصَانُ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي اسْمِ النَّخْلِ، وَلَيْسَ لِانْفِصَالِهَا غَايَةٌ، وَالزَّرْعُ لَيْسَ مِنْ نَمَاءِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا.

[الْفَصْلُ الثَّانِي مَتَى اشْتَرَطَ الثَّمَرَة أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَهِيَ لَهُ مُؤَبَّرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ]

(2877) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَتَى اشْتَرَطَهَا أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَهِيَ لَهُ مُؤَبَّرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ، الْبَائِعُ فِيهِ وَالْمُشْتَرِي سَوَاءٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ اشْتَرَطَهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ التَّأْبِيرِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهَا مَعَ أَصْلِهَا، وَإِنْ اشْتَرَطَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ لَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ تَرْكِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَهُوَ مَعْلُومٌ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا، وَاسْتَثْنَى نَخْلَةً بِعَيْنِهَا، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ» . وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ لِلثَّمَرَةِ، كَالْمُشْتَرِي، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» . وَلَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومًا، كَانَ ذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ جَمِيعِهَا فِي الْجَوَازِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَوْلِ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِاشْتِرَاطِ جَمِيعِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ مَا جَازَ اشْتِرَاطُ جَمِيعِهِ، جَازَ اشْتِرَاطُ بَعْضِهِ، كَمُدَّةِ الْخِيَارِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَالِ الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَطَ بَعْضَهُ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ الثَّمَرَةُ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعِ فَلَهُ تَرْكُهَا فِي الشَّجَرِ إلَى أَوَانِ الْجِزَازِ]

(2878) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: إنَّ الثَّمَرَةَ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعٍ، فَلَهُ تَرْكُهَا فِي الشَّجَرِ إلَى أَوَانِ الْجِزَازِ، سَوَاءٌ اسْتَحَقَّهَا بِشَرْطِهِ أَوْ بِظُهُورِهَا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا، وَتَفْرِيغُ النَّخْلِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بِمُلْكِ الْبَائِعِ، فَلَزِمَ نَقْلُهُ وَتَفْرِيغُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ، أَوْ قُمَاشٌ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّقْلَ وَالتَّفْرِيغَ لِلْمَبِيعِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ، لَمْ يَجِبْ نَقْلُهُ إلَّا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَهُ نَهَارًا، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ النَّقْلُ لَيْلًا، وَلَا جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ.
كَذَلِكَ هَاهُنَا، يُفَرِّغُ النَّخْلَ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي أَوَانِ تَفْرِيغِهَا، وَهُوَ أَوَانُ جِزَازِهَا، وَقِيَاسُهُ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَالْمَرْجِعُ فِي جَزِّهِ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا، فَحِينَ تَتَنَاهَى حَلَاوَةُ ثَمَرِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا بُسْرُهُ خَيْرٌ مِنْ رُطَبِهِ، أَوْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ بُسْرًا، فَإِنَّهُ يَجُزُّهُ حِينَ تَسْتَحْكِمُ حَلَاوَةُ بُسْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَادَةُ،

فَإِذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَتُهُ، فَعَلَيْهِ نَقْلُهُ.
وَإِنْ قِيلَ: بَقَاؤُهُ فِي شَجَرِهِ خَيْرٌ لَهُ وَأَبْقَى؛ فَعَلَيْهِ النَّقْلُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي النَّقْلِ قَدْ حَصَلَتْ، وَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عِنَبًا، أَوْ فَاكِهَةً سِوَاهُ، فَأَخَذَهُ حِينَ يَتَنَاهَى إدْرَاكُهُ، وَتَسْتَحْكِمُ حَلَاوَتُهُ، وَيُجَزُّ مِثْلُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
(2879) فَصْلٌ: فَإِنْ أَبَّرَ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِلْخَبَرِ الَّذِي عَلَيْهِ مَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ صَرِيحَهُ، أَنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ، وَمَفْهُومَهُ، أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْكُلُّ لِلْبَائِعِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّا إذَا لَمْ نَجْعَلْ الْكُلَّ لِلْبَائِعِ، أَدَّى إلَى الْإِضْرَارِ بِاشْتِرَاكِ الْأَيْدِي فِي الْبُسْتَانِ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعًا لِمَا أُبِّرَ، كَثَمَرِ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَأْبِيرَ بَعْضِ النَّخْلَةِ يَجْعَلُ جَمِيعَهَا لِلْبَائِعٍ، وَقَدْ يَتْبَعُ الْبَاطِنُ الظَّاهِرَ مِنْهُ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ تَتْبَعُ الظَّاهِرَ مِنْهُ.
وَلِأَنَّ الْبُسْتَانَ إذَا بَدَا صَلَاحُ ثَمَرَةٍ مِنْهُ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، كَذَا هَاهُنَا، وَهَذَا مِنْ النَّوْعِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ يَتَقَارَبُ يَتَلَاحَقُ، فَأَمَّا إنْ أُبِّرَ، لَمْ يَتْبَعْهُ النَّوْعُ الْآخَرُ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ كُلِّهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي، كَمَا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّوْعَيْنِ يَتَبَاعَدَانِ، وَيَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يُخْشَى اخْتِلَاطُهُمَا وَاشْتِبَاهُهُمَا.
فَأَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ.
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْجِنْسَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى النَّوْعِ الْوَاحِدِ؛ لِافْتِرَاقِهِمَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوْ بَاعَ حَائِطَيْنِ قَدْ أُبِّرَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي؛ لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ.
وَلَوْ أُبِّرَ بَعْضَ الْحَائِطِ، فَأُفْرِدَ بِالْبَيْعِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ، فَلِلْمَبِيعِ حُكْمُ نَفْسِهِ، وَلَا يَتْبَعُ غَيْرَهُ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي أَنَّهُ يَتْبَعُ غَيْرَ الْمَبِيعِ، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِلْحَائِطِ كُلِّهِ حُكْمُ التَّأْبِيرِ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا يَصِحُّ؛ هَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يُؤَبَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي، بِمَفْهُومِ الْخَبَرِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي بُسْتَانٍ وَحْدَهُ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَلَا اخْتِلَافِ الْأَيْدِي، وَلَا إلَى ضَرَرٍ، فَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ.
فَإِنْ بِيعَتْ النَّخْلَةُ وَقَدْ أُبِّرَتْ كُلُّهَا، أَوْ بَعْضُهَا، فَأَطْلَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ جِزَازِ الثَّمَرَةِ.
وَلِأَنَّ مَا أَطْلَعَ بَعْدَ تَأْبِيرِ غَيْرِهِ لَا يَكَادُ يَشْتَبِهُ بِهِ؛ لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا.
(2880) فَصْلٌ: وَطَلْعُ الْفِحَالِ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَلْعُ الْفِحَالِ لِلْبَائِعٍ قَبْلَ ظُهُورِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ لِلْأَكْلِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فَهُوَ كَثَمَرَةٍ لَا تُخْلَقُ إلَّا ظَاهِرَةً، كَالتِّينِ، وَيَكُونُ ظُهُورُ طَلْعِهِ كَظُهُورِ ثَمَرَةِ غَيْرِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهَا ثَمَرَةُ نَخْلٍ إذَا تُرِكَتْ ظَهَرَتْ، فَهِيَ كَالْإِنَاثِ، أَوْ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ.
وَمَا ذُكِرَ لِلْوَجْهِ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ أَكْلَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِلتَّلْقِيحِ بِهِ، وَهُوَ يَكُونُ بَعْدَ ظُهُورِهِ، فَأَشْبَهَ طَلْعَ الْإِنَاثِ.
فَإِنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهِ فِحَالٍ وَإِنَاثٌ لَمْ يَتَشَقَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَالْكُلُّ لِلْمُشْتَرِي، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، فَإِنَّ طَلْعَ الْفِحَالِ يَكُونُ لِلْبَائِعِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَمَا تَشَقَّقَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَتَشَقَّقْ لِلْمُشْتَرِي، إلَّا عِنْدَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا.
وَإِنْ تَشَقَّقَ طَلْعُ بَعْضِ الْإِنَاثِ أَوْ بَعْضِ الْفِحَالِ، فَاَلَّذِي قَدْ ظَهَرَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهِ.
(2881) فَصْلٌ: وَكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ، فِي أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ تَكُونُ لِمَنْ انْتَقَلَ عَنْهُ الْأَصْلُ، وَغَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ نَخْلًا، أَوْ يَخْلَعَهَا بِهِ، أَوْ يَجْعَلَهُ عِوَضًا فِي إجَارَةٍ، أَوْ عَقْدِ صُلْحٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَرَى مَجْرَى الْبَيْعِ.
وَإِنْ انْتَقَلَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالْهِبَةِ، وَالرَّهْنِ، أَوْ فُسِخَ لِأَجْلِ الْعَيْبِ، أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي، أَوْ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ، أَوْ تَقَايَلَا الْمَبِيعَ، أَوْ كَانَ صَدَاقًا فَرَجَعَ إلَى الزَّوْجِ لِفَسْخِ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ، أَوْ نِصْفُهُ لِطَلَاقِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ فِي الْفَسْخِ يَتْبَعُ الْأَصْلَ، سَوَاءٌ أُبِّرَ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ، فَأَشْبَهَ السِّمَنَ، وَفِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْبَيْعِ، فِي أَنَّهُ يَتْبَعُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ، وَلَا يَتْبَعُ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ زَالَ عَنْ الْأَصْلِ بِغَيْرِ فَسْخٍ، فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، كَالْبَيْعِ.
وَأَمَّا رُجُوعُ الْبَائِعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي، أَوْ الزَّوْجِ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ، فَيُذْكَرَانِ فِي بَابَيْهِمَا.

[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الشَّجَرِ إذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ]

(2882) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَكَذَلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ إذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الشَّجَرَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، مَا يَكُونُ ثَمَرُهُ فِي أَكْمَامِهِ، ثُمَّ تَتَفَتَّحُ الْأَكْمَامُ، فَيَظْهَرُ، كَالنَّخْلِ الَّذِي وَرَدَّتْ السُّنَّةُ فِيهِ، وَبَيَّنَّا حُكْمَهُ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَمَا عَدَاهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَمُلْحَقٌ بِهِ.
وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ؛ الْقُطْنُ، وَمَا يُقْصَدُ نُورُهُ؛ كَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينِ، وَالنَّرْجِسِ، وَالْبَنَفْسَجِ، فَإِنَّهُ تَظْهَرُ أَكْمَامُهُ ثُمَّ تَتَفَتَّحُ، فَيَظْهَرُ، فَهُوَ كَالطَّلْعِ إنْ تَفَتَّحَ صجنبذه، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
الثَّانِي، مَا تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ بَارِزَةً لَا قِشْرَ عَلَيْهَا وَلَا نُورَ، كَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، وَالْجُمَّيْزِ، فَهُنَّ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَهَا مِنْ شَجَرِهَا بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الطَّلْعِ مِنْ قِشْرِهِ.
الثَّالِث، مَا يَظْهَرُ فِي قِشْرِهِ، ثُمَّ يَبْقَى فِيهِ إلَى حِينِ الْأَكْلِ، كَالرُّمَّانِ، وَالْمَوْزِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ أَيْضًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَيَبْقَى فِيهِ إلَى حِينَ الْأَكْلِ، فَهُوَ كَالتِّينِ.
وَلِأَنَّ قِشْرَهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أَجْزَائِهِ؛ لِلُزُومِهِ إيَّاهُ، وَكَوْنِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ.

الضَّرْبُ الرَّابِعُ، مَا يَظْهَرُ فِي قِشْرَيْنِ، كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ أَيْضًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ غَالِبًا، إلَّا بَعْدَ جِزَازِهِ، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَلِأَنَّ قِشْرَ اللَّوْزِ يُؤْكَلُ مَعَهُ، فَأَشْبَهَ التِّينَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّ تَشَقَّقَ الْقِشْرُ الْأَعْلَى فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَقَّقْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، كَالطَّلْعِ.
وَلَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ إلَّا نَادِرًا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطَّلْعِ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ لَا بُدَّ مِنْ تَشَقُّقِهِ، وَتَشَقُّقُهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَشَقَّقُ عَلَى شَجَرِهِ، وَتَشَقُّقُهُ قَبْلَ كَمَالِهِ يُفْسِدُهُ.
الْخَامِسُ، مَا يَظْهَرُ نُورُهُ، ثُمَّ يَتَنَاثَرُ، فَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ، كَالتُّفَّاحِ، وَالْمِشْمِشِ، وَالْإِجَّاصِ، وَالْخَوْخِ.
فَإِذَا تَفَتَّحَ نُورُهُ، وَظَهَرْت الثَّمَرَةُ فِيهِ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي.
وَقِيلَ: مَا تَنَاثَرَ نُورُهُ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَظْهَرُ حَتَّى يَتَنَاثَرَ النُّورُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ بِظُهُورِ نُورِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ إذَا تَشَقَّقَ كَانَ كَنُورِ الشَّجَرِ، فَإِنَّ الْعُقَدَ الَّتِي فِي جَوْفِ الطَّلْعِ لَيْسَتْ عَيْنَ الثَّمَرَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْعِيَةٌ لَهَا، تَكْبُرُ الثَّمَرَةُ فِي جَوْفِهَا، وَتَظْهَرُ، فَتَصِيرُ الْعُقْدَةُ فِي طَرَفِهَا، وَهِيَ قَمْعُ الرُّطَبَةِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ اسْتِحْقَاقَ الْبَائِعِ لَهَا بِكَوْنِ الثَّمَرِ بَادِيًا لَا يَبْدُو نُورُهُ.
وَلَا يَبْدُو الثَّمَرُ حَتَّى يَتَفَتَّحَ نُورُهُ.
وَقَدْ يَبْدُو إذَا كَبُرَ قَبْلَ أَنْ يَنْثُرَ النُّورُ، فَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِظُهُورِهِ.
وَالْعِنَبُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَهُ نُورٌ؛ لِأَنَّهُ يَبْدُو فِي قُطُوفِهِ شَيْءٌ صِغَارٌ كَحَبِّ الدُّخْنِ، ثُمَّ يَتَفَتَّحُ، وَيَتَنَاثَرُ كَتَنَاثُرِ النُّورِ، فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا يُفَارِقُ الطَّلْعَ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الطَّلْعِ عَيْنُ الثَّمَرَةِ يَنْمُو وَيَتَغَيَّرُ، وَالنُّورُ فِي هَذِهِ الثِّمَارِ يَتَسَاقَطُ، وَيَذْهَبُ، وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ كَمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ عَلَى حَسْبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.

[فَصْلٌ الْأَغْصَانُ وَالْوَرِقُ وَسَائِرُ أَجْزَاءِ الشَّجَرِ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ]

(2883) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَغْصَانُ، وَالْوَرَقُ، وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الشَّجَرِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا خُلِقَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَهُوَ كَأَجْزَاءِ سَائِرِ الْمَبِيعِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَرَقُ التُّوتِ الَّذِي يُقْصَدُ أَخْذُهُ لِتَرْبِيَةِ دُودِ الْقَزِّ إنْ تَفَتَّحَ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الجنبذ الَّذِي يَتَفَتَّحُ، فَيَظْهَرُ نُورُهُ مِنْ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَادَتُهُمْ أَخْذُ الْوَرَقِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، كَسَائِرِ وَرَقِ الشَّجَرِ.
وَاَللَّه أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ مُبَقَّاةً فِي شَجَرِ الْمُشْتَرِي فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ]

(2884) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعٍ مُبَقَّاةً فِي شَجَرِ الْمُشْتَرِي، فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بِهِ، فَلَزِمَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ، كَتَرْكِهِ عَلَى الْأُصُولِ، وَإِنْ أَرَادَ سَقْيَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِسَقْيِهِ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ

غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَبَاحَتْهُ الْحَاجَةُ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْحَاجَةُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ، فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى السَّقْيِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الشَّجَرِ، أَوْ احْتَاجَ الشَّجَرُ إلَى سَقْيٍ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: أَيُّهُمَا طَلَبَ السَّقْيَ لِحَاجَتِهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ اقْتَضَى عَقْدُهُ تَبْقِيَةَ الثَّمَرَةِ، وَالسَّقْيُ مِنْ تَبْقِيَتِهَا، وَالْعَقْدُ اقْتَضَى تَمْكِينَ الْمُشْتَرِي مِنْ حِفْظِ الْأُصُولِ، وَتَسْلِيمِهَا، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ.
وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
وَأَيُّهُمَا الْتَمَسَ السَّقْيَ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهِ.

[فَصْلٌ خِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الضَّرَرُ بِتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا لِعَطَشِ أَوْ غَيْرِهِ]

(2885) فَصْلٌ: فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الضَّرَرُ بِتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا لِعَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالضَّرَرُ يَسِيرٌ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَطْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلْبَقَاءِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إزَالَتِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عَنْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَخِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الْجَفَافُ أَوْ نَقْصُ حَمْلِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُجْبَرُ أَيْضًا لِذَلِكَ.
الثَّانِي، يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهَا وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ، وَالْأُصُولُ تَسْلَمُ بِالْقَطْعِ، فَكَانَ الْقَطْعُ أَوْلَى.
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ بَاعَ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعِ فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى]

(2886) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، أَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فِي شَجَرِهَا، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ تَمَيَّزَتَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِيهِمَا، كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ ثَمَرَتِهِ.
فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، اصْطَلَحَا عَلَيْهَا، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي مَكَان، فَانْثَالَ عَلَيْهِ طَعَامٌ لِلْبَائِعٍ، أَوْ انْثَالَ هُوَ عَلَى طَعَامٍ لِلْبَائِعٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا، أَوْ اشْتَرَى عَرِيَّةً، فَتَرَكَهَا حَتَّى أَثْمَرَتْ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِكَوْنِ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ حَصَلَ بِارْتِكَابِ النَّهْيِ، وَكَوْنِهِ يُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، أَوْ شِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى أَكْلِهِ رُطَبًا، وَهَا هُنَا مَا ارْتَكَبَ نَهْيًا، وَلَا يُجْعَلُ هَذَا طَرِيقًا إلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ.
وَجَمَعَ أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَبْطُلُ الْعَقْدُ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَبْطُلُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ: اسْمَحْ بِنَصِيبِك لِصَاحِبِك.
فَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا، أَقْرَرْنَا الْعَقْدَ وَأَجْبَرْنَا الْآخَرَ عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ.
وَإِنْ امْتَنَعَا، فَسَخْنَا الْعَقْدَ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى قَدْرِ حَقِّهِ.
وَإِنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، لَمْ نَقُلْ لِلْمُشْتَرِي: اسْمَحْ بِنَصِيبِك؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ الْمَبِيعِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِتَخْلِيَتِهِ كُلِّهِ، وَنَقُولُ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ، فَإِنْ سَمَحَ بِنَصِيبِهِ لِلْمُشْتَرِي أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الْقَبُولِ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَعَلَّ هَذَا قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّنِي

لَمْ أَجِدْهُ مَعْزِيًّا إلَى أَحْمَدَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَحْمَدَ.
وَلَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً، فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى، لَمْ يَنْفَسِخْ الْبَيْعُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الثَّمَرَةِ تَحْدُثُ مَعَهَا أُخْرَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً فَاشْتَرَطَهُ لِلْمُشْتَرِي]

(2887) فَصْلٌ: إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً، كَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْقَطَانِيِّ، وَمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُسْتَتِرٌ، كَالْجَزَرِ، وَالْفُجْلِ، وَالْبَصَلِ، وَالثُّومِ، وَأَشْبَاهِهَا، فَاشْتَرَطَهُ لِلْمُشْتَرِي، فَهُوَ لَهُ، قَصِيلًا كَانَ أَوْ ذَا حَبٍّ، مُسْتَتِرًا أَوْ ظَاهِرًا، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ وَعَدَمُ كَمَالِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً، فَاشْتَرَطَ ثَمَرَتَهَا بَعْدَ تَأْبِيرِهَا.
وَإِنْ أُطْلِقَ الْبَيْعُ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَالْكَنْزِ، وَالْقُمَاشِ.
وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلنَّقْلِ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مُبْقًى فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً لَهُ، وَعَلَيْهِ حَصَادُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ حَصَادِهِ.
وَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهُ، كَقَوْلِنَا فِي الثَّمَرَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ نَقْلُهُ عَقِيبَ الْبَيْعِ.
كَقَوْلِهِ فِي الثَّمَرَةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا.
وَهَكَذَا قَالَ الْحُكْمُ فِي الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ، إلَّا أَنَّ الْعُرُوقَ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تُتْرَكُ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا.
وَالْقَصَبُ نَفْسُهُ كَالثَّمَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَهُوَ كَالزَّرْعِ.
فَإِنْ حَصَدَهُ قَبْلَ أَوَانِ الْحَصَادِ لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَمْلِكْ الِانْتِفَاعَ بِهَا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا إنَّمَا حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً عَنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، ضَرُورَةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ، فَتُقَدَّرُ بِبَقَائِهِ، كَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا لَا يُنْقَلُ مِثْلُهُ عَادَةً إلَّا فِي شَهْرٍ، لَمْ يُكَلَّفْ إلَّا ذَلِكَ، فَإِنْ تَكَلَّفَ نَقْلَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، لِيَنْتَفِعَ بِالدَّارِ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَمَتَى حُصِدَ الزَّرْعُ، وَبَقِيَتْ لَهُ عُرُوقٌ تَسْتَضِرُّ بِهَا الْأَرْضُ، كَعُرُوقِ الْقُطْنِ وَالذُّرَةِ، فَعَلَى الْبَائِعِ إزَالَتُهَا.
وَإِنْ تَحَفَّرَتْ الْأَرْضُ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ حُفَرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِصْلَاحٌ لِمِلْكِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا خَابِيَةٌ كَبِيرَةٌ، لَا تَخْرُجُ إلَّا بِهَدْمِ بَابِ الدَّارِ، فَهَدَمَهَا، كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ عَلَى مِلْكِ شَخْصٍ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْأَوَّلِ، وَلَا فِعْلٍ صَدَرَ عَنْهُ النَّقْصُ، وَاسْتَنَدَ إلَيْهِ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مُدْخِلِ النَّقْصِ.

[فَصْلٌ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى]

(2888) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي،

وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَبْقَى سَنَةً، كَالْهِنْدَبَا، وَالْبُقُولِ، أَوْ أَكْثَرَ، كَالرَّطْبَةِ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَطْعُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ، وَيَخْرُجُ غَيْرُ مَا كَانَ ظَاهِرًا، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ، كَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَشِبْهِهِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْد الْبَيْع لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَتَكَرَّرُ الثَّمَرَةُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ.
وَلَوْ كَانَ مِمَّا تُؤْخَذُ زَهْرَتُهُ، وَتَبْقَى عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ، كَالْبَنَفْسَجِ، وَالنَّرْجِسِ، فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا، فَهُوَ كَالرَّطْبَةِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَاقُهُ وَغُصُونُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ أَخْذُهُ، فَهُوَ كَوَرَقِ الشَّجَرِ وَأَغْصَانِهِ، وَأَمَّا زَهْرَتُهُ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَفَتَّحَتْ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا.
دَخَلَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: بِحُقُوقِهَا.
فَهَلْ يَدْخُلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَالشَّجَرِ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا بَذْرٌ فَاسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي أَصْلَهُ]

(2889) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا بَذْرٌ، فَاسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي أَصْلَهُ، كَالرَّطْبَةِ، وَالنَّعْنَاعِ، وَالْبُقُولِ الَّتِي تُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تُرِكَ فِي الْأَرْضِ لِلتَّبْقِيَةِ، فَهُوَ كَأُصُولِ الشَّجَرِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا كَانَ لَهُ، فَالْمُسْتَتِرُ أَوْلَى، سَوَاءٌ عَلِقَتْ عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ بَذْرًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْبَائِعُ، فَهُوَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ، فَيَكُونَ لَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مَجْهُولٌ، وَهُوَ مَقْصُودٌ.
وَلَنَا، أَنَّ الْبَذْرَ يَدْخُلُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ.
وَيَجُوزُ فِي التَّابِعِ مِنْ الْغَرَرِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَتْبُوعِ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ، وَالْحَمْلِ مَعَ الْأُمِّ، وَالسُّقُوفِ فِي الدَّارِ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ، تَدْخُلُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، وَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهَا، وَلَا تَجُوزُ مُفْرَدَةً.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ عَامًا.
فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهِ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ قَالَ: أَنَا أُحَوِّلُهُ.
وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ لَا يَضُرُّ بِمَنَافِعِ الْأَرْضِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْعَيْبَ بِالنَّقْلِ، أَوْ زَادَهُ خَيْرًا بِالتَّرْكِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى نَخِيلًا فِيهِ طَلْعٌ، فَبَانَ أَنَّهُ مُؤَبَّرٌ، فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْمُشْتَرِي ثَمَرَةَ عَامِهِ، وَيَضُرُّ بَقَاؤُهَا بِنَخْلِهِ.
فَإِنْ تَرَكَهَا لَهُ الْبَائِعُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ.
فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَقْطَعُهَا الْآنَ.
لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْعَامِ تَفُوتُ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا، أَوْ تَرَكَهَا.
وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعٍ، أَوْ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ، وَالْمُشْتَرِي جَاهِلٌ بِذَلِكَ، يَظُنُّ أَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا، كَمَا لَوْ جَهِلَ وُجُودَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِ مَالِهِ عِوَضًا عَنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِمَا فِيهِمَا، فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَالْمُشْتَرِي

لِلْمَعِيبِ يَظُنُّهُ صَحِيحًا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جَهْلِهِ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ عَامِّيًّا، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَجْهَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَجْهَلُهُ.

[فَصْلٌ بَاعَهُ أَرْضًا بِحُقُوقِهَا]

(2890) فَصْلٌ: إذَا بَاعَهُ أَرْضًا بِحُقُوقِهَا، دَخَلَ مَا فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ وَبِنَاءٍ فِي الْبَيْعِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: رَهَنْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا.
دَخَلَ فِي الرَّهْنِ غِرَاسُهَا وَبِنَاؤُهَا.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: بِحُقُوقِهَا.
فَهَلْ يَدْخُلُ الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ فِيهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلَانِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِكَوْنِ الْبَيْعِ أَقْوَى، فَيَسْتَتْبِعُ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ مَا تَبِعَ فِي الْبَيْعِ تَبِعَ فِي الرَّهْنِ، كَالطُّرُقِ وَالْمَنَافِعِ، وَفِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ يَدْخُلَانِ إذَا قَالَ: بِحُقُوقِهَا.
وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِهَا يَدْخُلُ فِيهَا بِالْإِطْلَاقِ، كَطُرُقِهَا وَمَنَافِعِهَا.
وَالثَّانِي، لَا يَدْخُلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي بَيْعِهَا وَرَهْنِهَا، كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ.
وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ تُرَادُ لِلنَّقْلِ، وَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِهَا، بِخِلَافِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ.
فَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْبُسْتَانَ.
دَخَلَ فِيهِ الشَّجَرُ؛ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ اسْمٌ لِلْأَرْضِ، وَالشَّجَرِ، وَالْحَائِطِ؛ وَلِذَلِكَ لَا تُسَمَّى الْأَرْضُ الْمَكْشُوفَةُ بُسْتَانًا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ فِيهِ الشَّجَرُ دَخَلَ فِيهِ الْبِنَاءُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَدْخُلَ.

[فَصْلٌ بَاعَهُ شَجَرًا لَمْ تَدْخُلْ الْأَرْضُ فِي الْبَيْعِ]

(2891) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَهُ شَجَرًا، لَمْ تَدْخُلْ الْأَرْضُ فِي الْبَيْعِ.
ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهَا، وَلَا هِيَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ.

[فَصْلٌ إنْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَرْيَة فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ قَرِينَةٍ]

(2892) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الْقَرْيَةَ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظِ قَرِينَةٌ، مِثْلُ الْمُسَاوَمَةِ عَلَى أَرْضِهَا، أَوْ ذِكْرِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ فِيهَا، وَذِكْرِ حُدُودِهَا، أَوْ بَذْلِ ثَمَنٍ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِيهَا وَفِي أَرْضِهَا، دَخَلَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا مَعَ أَرْضِهَا، وَالْقَرِينَةُ صَارِفَةٌ إلَيْهِ وَدَالَّةٌ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلَى ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ يَتَنَاوَلُ الْبُيُوتَ، وَالْحِصْنَ الدَّائِرَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ اسْمٌ لِذَلِكَ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ، وَسَوَاءٌ قَالَ: بِحُقُوقِهَا.
أَوْ لَمْ يَقُلْ.
وَأَمَّا الْغِرَاسُ بَيْنَ بُنْيَانِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ، إنْ قَالَ: بِحُقُوقِهَا.
دَخَلَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ بَاعَهُ دَارًا بِحُقُوقِهَا]

(2893) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا بِحُقُوقِهَا، تَنَاوَلَ الْبَيْعُ أَرْضَهَا، وَبِنَاءَهَا، وَمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا، مِمَّا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا، كَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ، وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ، وَالْأَوْتَادِ الْمَغْرُوزَةِ، وَالْحَجَرِ الْمَنْصُوبِ مِنْ الرَّحَا، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مَا لَيْسَ مِنْ مَصَالِحِهَا، كَالْكَنْزِ، وَالْأَحْجَارِ

الْمَدْفُونَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا، فَأَشْبَهَ الْفَرْشَ، وَالسُّتُورَ، وَلَا مَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهَا يَخْتَصُّ بِمَصْلَحَتِهَا، كَالْفَرْشِ، وَالسُّتُورِ، وَالطَّعَامِ، وَالرُّفُوفِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَوْتَادِ بِغَيْرِ تَسْمِيرٍ، وَلَا غَرْزٍ فِي الْحَائِطِ، وَالْحَبْلِ، وَالدَّلْوِ، وَالْبَكَرَةِ، وَالْقُفْلِ، وَحَجَرِ الرَّحَى، إذَا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَنْصُوبًا، وَالْخَوَابِي الْمَوْضُوعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَيِّنَ عَلَيْهَا، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا، لَا يَخْتَصُّ بِمَصْلَحَتِهَا، فَأَشْبَهَ الثِّيَابَ.
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا، لَكِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا، كَالْمِفْتَاحِ، وَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنْ الرَّحَا إذَا كَانَ السفلاني مَنْصُوبًا، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهَا، فَأَشْبَهَ الْمَنْصُوبَ فِيهَا.
وَالثَّانِي، لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا، فَأَشْبَهَ السفلاني إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا، وَالْقُفْلَ، وَالدَّلْوَ، وَنَحْوَهُمَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَذْهَبِنَا سَوَاءٌ.

(2894) فَصْلٌ: وَمَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْحِجَارَةِ الْمَخْلُوقَةِ فِيهَا، أَوْ مَبْنِيٍّ فِيهَا، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ الْمُتَهَدِّمَةِ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَهِيَ كَحِيطَانِهَا، وَتُرَابِهَا، وَالْمَعَادِنِ الْجَامِدَةِ فِيهَا، وَالْآجِرُ كَالْحِجَارَةِ فِي هَذَا.
وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ، وَيَنْقُصُهَا، كَالصَّخْرِ الْمُضِرِّ بِعُرُوقِ الشَّجَرِ، فَهُوَ عَيْبٌ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، أَوْ الْإِمْسَاكِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَبِيعِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْحِجَارَةُ أَوْ الْآجِرُ مُودَعًا فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا، فَهِيَ لِلْبَائِعِ، كَالْكَنْزِ، وَعَلَيْهِ نَقْلُهَا، وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ إذَا نَقَلَهَا، وَإِصْلَاحُ الْحُفَرِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ لَحِقَ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ.
وَإِنْ كَانَ قَلْعُهَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ، أَوْ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي عَالِمًا، فَلَهُ الْخِيَارُ كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهَا ضَرَرٌ، وَيُمْكِنُ نَقْلُهَا فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، كَالثَّلَاثَةِ فَمَا دُونُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِنَقْلِهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي تَبْقِيَتِهَا، بِخِلَافِ الزَّرْعِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَا أُجْرَةَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي نُقِلَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِذَلِكَ وَرَضِيَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَاخْتَارَ إمْسَاكَ الْمَبِيعِ، فَهَلْ لَهُ أُجْرَةٌ لِزَمَانِ النَّقْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُتْلِفِ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا، كَالْأَجْزَاءِ.
وَالثَّانِي، لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِإِمْسَاكِ الْمَبِيعِ رَضِيَ بِتَلَفِ الْمَنْفَعَةِ فِي زَمَانِ النَّقْلِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْإِمْسَاكَ، فَقَالَ الْبَائِعُ: أَنَا أَدَعُ ذَلِكَ لَك.
وَكَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي بَقَائِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ زَالَ عَنْهُ.

[فَصْلٌ إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مَعَادِنُ جَامِدَةٌ دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ]

(2895) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَعَادِنُ جَامِدَةٌ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَنَحْوِهَا، دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ، وَمُلِكَتْ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا، فَهِيَ

كَتُرَابِهَا وَأَحْجَارِهَا، وَلَكِنْ لَا يُبَاعُ مَعْدِنُ الذَّهَبِ بِذَهَبٍ، وَلَا مَعْدِنُ الْفِضَّةِ بِفِضَّةٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا.
وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْأَرْضِ مَعْدِنٌ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةٌ، فَبَانَ أَحَدَ عَشَرَ.
هَذَا إذَا كَانَ قَدْ مَلَكَ الْأَرْضَ بِإِحْيَاءٍ أَوْ إقْطَاعٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ وَلَدَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ بَاعُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْضًا، فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ، فَقَالُوا: إنَّمَا بِعْنَا الْأَرْضَ، وَلَمْ نَبْعِ الْمَعْدِنَ.
وَأَتَوْا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ قَطِيعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِيهِمْ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَقَبَّلَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ الْمَعْدِنَ.
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِالْبَيْعِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَهُ مِثْلَمَا اشْتَرَاهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ الْمَعْدِنُ فِي مِلْكِهِ مَلَكَهُ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْبَائِعِ، وَلَا جَعَلَ لَهُ خِيَارًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ فِيهَا حِجَارَةٌ لَهَا قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ.

[فَصْلٌ إذَا كَانَ فِي الْأَرْض بِئْر أَوْ عَيْن مُسْتَنْبَطَة فَنَفْس الْبِئْر وَأَرْض الْعَيْن مَمْلُوكَة لِمَالِكِ الْأَرْضِ]

فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ مُسْتَنْبَطَةٌ، فَنَفْسُ الْبِئْرِ وَأَرْضُ الْعَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِيهَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ إلَى مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْجَارِيَ فِي النَّهْرِ إلَى مِلْكِهِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، يَدْخُلُ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْمِلْكِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمْلَكُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْضٌ وَلِآخَرَ مَاءٌ، فَيَشْتَرِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الْمَاءِ فِي الزَّرْعِ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ، وَفِي مَعْنَى الْمَاءِ، الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ فِي الْأَمْلَاكِ، كَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْمُومْيَاءِ، وَالْمِلْحِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي النَّابِتِ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَاءِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي بَيْعُ الْمَاءِ أَلْبَتَّةَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ بَيْنَهُمْ نَهْرٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَرْضُوهُمْ، لِهَذَا يَوْمٌ، وَلِهَذَا يَوْمَانِ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بِالْحِصَصِ، فَجَاءَ يَوْمِي وَلَا أَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَكْرِيهِ بِدَرَاهِمَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، أَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ.» قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ يَبِيعُهُ، إنَّمَا يُكْرِيهِ.
قَالَ: إنَّمَا احْتَالُوا بِهَذَا لِيُحَسِّنُوهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا إلَّا الْبَيْعَ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ، وَإِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَأِ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فِي كِتَابِ " الْأَمْوَالِ "، فَإِذَا قُلْنَا: لَا يُمْلَكُ.
فَصَاحِبُ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ دَخَلَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَأَخَذَهُ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْأَصْلِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَشَّشَ فِي أَرْضِهِ طَائِرٌ، أَوْ دَخَلَ فِيهَا ظَبْيٌ، أَوْ نَضَبَتْ

عَنْ سَمَكٍ، فَدَخَلَ إلَيْهِ دَاخِلٌ فَأَخَذَهُ، وَأَمَّا مَا يَحُوزُهُ مِنْ الْمَاءِ فِي إنَائِهِ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْكَلَأِ فِي حَبْلِهِ، أَوْ يَحُوزُهُ فِي رَحْلِهِ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَعَادِنِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وَلَهُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، فَيَبِيعَ، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أُعْطِيَ أَوْ مُنِعَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ "، عَنْ الْمَشْيَخَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إلَّا مَا حُمِلَ مِنْهُ.» وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتْ الْعَادَةُ فِي الْأَمْصَارِ بِبَيْعِ الْمَاءِ فِي الرَّوَايَا، وَالْحَطَبِ، وَالْكَلَأِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، وَلَا يَتَوَضَّأَ، وَلَا يَأْخُذَ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى بِئْرِهِ، أَوْ بِئْرٍ مُبَاحٍ فَاسْتَقَى بِدَلْوِهِ، أَوْ بِدُولَابٍ أَوْ نَحْوه، فَمَا يُرَقِّيهِ مِنْ الْمَاءِ، فَهُوَ مِلْكُهُ، وَلَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ فِي إنَائِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْعُيُونِ فِي قَرَارِهِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبِئْرِ نَفْسِهَا، وَالْعَيْنِ، وَمُشْتَرِيهَا أَحَقُّ بِمَائِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يُوَسِّعُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ الْجَنَّةُ» ، أَوْ كَمَا قَالَ.
فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ يَهُودِيٍّ، بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَبَّلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الْيَهُودِيُّ يَبِيعُ مَاءَهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْهُ نِصْفَهَا بِاثْنَيْ عَشْرَ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ الْيَهُودِيُّ: اخْتَرْ، إمَّا أَنْ تَأْخُذَهَا يَوْمًا وَآخُذَهَا أَنَا يَوْمًا، وَإِمَّا أَنَّ نَنْصِبَ لَك عَلَيْهَا دَلْوًا، وَأَنْصِبَ عَلَيْهَا دَلْوًا.
فَاخْتَارَ يَوْمًا وَيَوْمًا، فَكَانَ النَّاسُ يَسْتَقُونَ مِنْهَا فِي يَوْمِ عُثْمَانَ لِلْيَوْمَيْنِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَفْسَدْت عَلَيَّ بِئْرِي، فَاشْتَرِ بَاقِيَهَا.
فَاشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةِ آلَافٍ.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهَا، وَتَسْبِيلهَا، وَصِحَّةِ بَيْعِ مَا يَسْتَقِيهِ مِنْهَا، وَجَوَازِ قِسْمَةِ مَائِهَا بِالْمُهَايَأَةِ، وَكَوْنِ مَالِكِهَا أَحَقَّ بِمَائِهَا، وَجَوَازِ قِسْمَةِ مَا فِيهِ حَقٌّ وَلَيْسَ بِمَمْلُوكِ.
فَأَمَّا الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ، فَمَا كَانَ نَابِعًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ، كَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ، وَغَيْرِهَا، لَمْ تُمْلَكْ بِحَالٍ، وَلَوْ دَخَلَ إلَى أَرْضِ رَجُلٍ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ، كَالطَّيْرِ يَدْخُلُ إلَى أَرْضِهِ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَخْذُهُ.
وَلَا يَمْلِكُهُ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي أَرْضِهِ مُسْتَقَرًّا، كَالْبِرْكَةِ، وَالْقَرَارِ، أَوْ يَحْتَفِرَ سَاقِيَةً، يَأْخُذُ فِيهَا مِنْ مَاءِ النَّهْرِ الْكَبِيرِ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، كَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَإِنْ كَانَ مَا يَسْتَقِرُّ فِي الْبِرْكَةِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مِيَاهِ الْأَمْطَارِ.
وَمَا كَانَ نَابِعًا أَوْ مُسْتَنْبَطًا كَالْقِنَى، فَهُوَ كَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ، فَأَمَّا الْمَصَانِعُ الْمُتَّخَذَةُ لِمِيَاهِ الْأَمْطَارِ تُجْمَعُ فِيهَا، وَنَحْوُهَا مِنْ الْبِرَكِ وَغَيْرِهَا، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَاءَهَا، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا كَانَ

مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَّلَهُ بِشَيْءٍ مُعَدٍّ لَهُ، فَمَلَكَهُ، كَالصَّيْدِ يَحْصُلُ فِي شَبَكَتِهِ، وَالسَّمَكِ فِي بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ ثَلَاثَة أَقْسَامٍ]

(2897) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ دُونَ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى التَّرْكِ إلَى الْجِزَازِ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى الْقَطْعِ، جَازَ.
لَا يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إجْمَاعًا؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا.
نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
النَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِهَا؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَنَسٌ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهُوَ.
قَالَ: أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعًا وَلَا تَبْقِيَةً، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ، قَالَ: وَمَعْنَى النَّهْيِ، أَنْ يَبِيعَهَا مُدْرِكَةً قَبْلَ إدْرَاكِهَا، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: " أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ". فَلَفْظَةُ الْمَنْعِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ مَعْنَى، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْحَالِ حَتَّى يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ.
وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْلَقَ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.» فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى هَدْمِ قَاعِدَتِهِمْ الَّتِي قَرَّرُوهَا، فِي أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ، وَيُقَرِّرُ مَا قُلْنَا، مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ، فَيَصِيرُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ كَاَلَّذِي شُرِطَتْ فِيهِ التَّبْقِيَةُ، يَتَنَاوَلُهُمَا النَّهْيُ جَمِيعًا، وَيَصِحُّ تَعْلِيلُهُمَا بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَنْعِ الثَّمَرَةِ وَهَلَاكِهَا.

[فَصْلٌ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ]

(2898) فَصْلٌ: وَبَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ، فَهَذَا الضَّرْبُ الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمَهُ، وَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ.
الثَّانِي، أَنْ يَبِيعَهَا مَعَ الْأَصْلِ، فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» . وَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِيهَا، كَمَا احْتَمَلَتْ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ بَيْعِ الشَّاةِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ فِي بَيْعِ الدَّارِ.

الثَّالِثُ، أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً لِمَالِكِ الْأَصْلِ، نَحْوُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ وَلَا يَشْتَرِطُهَا الْمُبْتَاعُ، فَيَبِيعَهَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِثَمَرَةِ نَخْلَتِهِ، فَيَبِيعَهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي، فَيَصِحُّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا مَعًا.
وَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا لِمَالِكِ الْأَصْلِ حَصَلَ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْكَمَالِ؛ لِكَوْنِهِ مَالِكًا لِأُصُولِهَا وَقَرَارِهَا، فَصَحَّ، كَبَيْعِهَا مَعَ أَصْلِهَا.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ الثَّمَرَةَ خَاصَّةً، وَالْغَرَرَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ أَصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُصُولُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُمَا مَعًا، فَإِنَّهُ مُسْتَثْنَى بِالْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْغَرَرَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ أَصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَفِيمَا إذَا بَاعَهُمَا مَعًا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ تَبَعًا، وَيَجُوزُ فِي التَّابِعِ مِنْ الْغَرَرِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَتْبُوعِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالْحَمْلِ مَعَ الشَّاةِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ بَاعَهُ الثَّمَرَ، بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، صَحَّ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ.

[فَصْلٌ بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ فِي الْأَرْضِ]

(2899) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ عَلَى الْأُصُولِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُزْهِيَ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ.
نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ.» قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَعْدِلُ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
فَإِنْ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ، جَازَ، كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ مَعَ الْأَصْلِ، وَإِنْ بَاعَهُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ تُبَاعُ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ.
وَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، جَازَ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ، فَهُوَ كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ.
وَإِذَا اشْتَدَّ حَبُّ الزَّرْعِ، جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى يَبْيَضَّ.
فَجَعَلَ ذَلِكَ غَايَةَ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ، «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» . وَلِأَنَّهُ إذَا اشْتَدَّ حَبُّهُ بَدَا صَلَاحُهُ، فَصَارَ كَالثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا.
وَإِذَا اشْتَدَّ شَيْءٌ مِنْ حَبِّهِ، جَازَ بَيْعُ جَمِيعِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ نَوْعِهِ، كَالشَّجَرَةِ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.

[فَصْلٌ اعْتَرَفَ لِرَجُلِ بِزَرْعِ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ بِعِوَضِ]

(2900) فَصْلٌ: ذَكَره الْقَاضِي فِي الصُّلْحِ قَالَ: وَإِذَا اعْتَرَفَ لِرَجُلٍ بِزَرْعٍ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ بِعِوَضٍ، صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ، وَبَطَلَ فِيمَا يَبْطُلُ فِيهِ.
وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ زَرْعًا فِي يَدِ آخَرَ، فَأَقَرَّ لَهُمَا بِهِ، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَإِنْ صَالَحَ أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ مِنْهُ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ، لَمْ يَجُزْ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْقَطْعَ، أَوْ أَطْلَقَ؛

لِأَنَّهُ إنَّ أَطْلَقَ بَطَلَ، لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ، وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ لَمْ يُمْكِنْهُ قَطْعُ نَصِيبِهِ إلَّا بِقَطْعِ الزَّرْعِ كُلِّهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْمُقِرِّ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَرْعًا أَخْضَرَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِرَجُلٍ، وَالزَّرْعُ لِآخَرَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: صَالِحْنِي مِنْ نِصْفِ أَرْضِي عَلَى نِصْفِ زَرْعِك، فَيَكُونُ الزَّرْعُ وَالْأَرْضُ بَيْننَا نِصْفَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى بَيْعِ الزَّرْعِ مِنْ مَالِكِ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبِيعُ نِصْفَ الزَّرْعِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَيَشْتَرِي مِنْهُ نِصْفَ الْأَرْضِ الَّتِي لَهُ فِيهَا الزَّرْعُ، وَإِنْ شَرَطَا فِي الْبَيْعِ أَنْ يَقْطَعَا الزَّرْعَ جَمِيعَهُ، وَيُسَلِّمَ الْأَرْضَ فَارِغَةً، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ؛ لِاشْتِرَاطِهِمَا قَطْعَ كُلِّ الزَّرْعِ وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ مِنْهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ بَاعَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِشَرْطِ قَطْعِ زَرْعِ غَيْرِهِ؛ لِيُسَلِّمَ إلَيْهِ أَرْضَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ.
لَمْ يَلْزَمْ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَصَلَ زَرْعُهُ فِي أَرْضِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعُهُ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى رَجُل نِصْف الثَّمَرَة قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحهَا أَوْ نِصْف الزَّرْع قَبْلَ اشْتِدَاد حُبّه مُشَاعًا]

(2901) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، أَوْ نِصْفَ الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ مُشَاعًا، لَمْ يَجُزْ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ مِنْ أَكْثَرِ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ الْقَطْعَ، أَوْ لَمْ يَشْرُطْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ مَا لَا يَمْلِكُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ.

[فَصْلٌ الْقُطْنُ ضَرْبَانِ]

(2902) فَصْلٌ: وَالْقُطْنُ ضَرْبَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا لَهُ أَصْلٌ يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَعْوَامًا، كَالشَّجَرِ تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الشَّجَرِ، فِي أَنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، وَإِذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ بِحُقُوقِهَا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ، وَثَمَرُهُ كَالطَّلْعِ إنَّ تَفَتَّحَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي، مَا يَتَكَرَّرُ زَرْعُهُ كُلَّ عَامٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّرْعِ، وَمَتَى كَانَ جَوْزُهُ ضَعِيفًا رَطْبًا، لَمْ يَقْوَ مَا فِيهِ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، كَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ، وَإِنْ قَوِيَ جَوْزُهُ وَاشْتَدَّ، جَازَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، كَالزَّرْعِ الَّذِي اشْتَدَّ حَبُّهُ، وَإِذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
وَالْبَاذِنْجَانُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا لَهُ شَجَرٌ تَبْقَى أُصُولُهُ وَتَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ كَالشَّجَرِ.
وَالثَّانِي، مَا يَتَكَرَّرُ زَرْعُهُ كُلَّ عَامٍ، فَهُوَ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى ثَمَرَة قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحهَا]

(2903) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، بَطَلَ الْبَيْعُ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ، وَأَبُو طَالِبٍ: أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ.
قَالَ الْقَاضِي: هِيَ أَصَحُّ.
فَعَلَى هَذَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ إلَى الْبَائِعِ، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ.
وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ

أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ الْمَبِيعَ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، أَوْ حِنْطَةً فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى، أَوْ ثَوْبًا، فَاخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد، فِي مَنْ اشْتَرَى قَصِيلًا، فَمَرِضَ، أَوْ تَوَانَى حَتَّى صَارَ شَعِيرًا.
قَالَ: إنْ أَرَادَ بِهِ حِيلَةً فَسَدَ الْبَيْعُ، وَإِلَّا لَمْ يَفْسُدْ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ هَذِهِ تَرْجِعُ إلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ حِيلَةً، فَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ، وَقَصَدَ بِشَرْطِهِ الْقَطْعَ الْحِيلَةَ عَلَى إبْقَائِهِ، لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ، إذْ قَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْحِيَلَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.» فَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَقَطَعَهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، وَلِأَنَّ التَّبْقِيَةَ مَعْنًى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتِرَاطَهُ لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى، فَأَبْطَلَ الْعَقْدُ وُجُودَهُ.
كَالنَّسِيئَةِ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ النَّسَاءُ، وَتَرْكِ التَّقَابُضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ، أَوْ الْفَضْلِ فِيمَا يَجِبُ التَّسَاوِي فِيهِ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ تَجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَتَرْكِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَوَسَائِلُ الْحَرَامِ حَرَامٌ، كَبَيْعِ الْعَيِّنَةِ.
وَمَتَى حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ، فَالثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْبَائِعِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُمَا يَتَصَدَّقَانِ بِالزِّيَادَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مُسْتَحَبٌّ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مُسْتَحِقِّ الثَّمَرَةِ، فَاسْتُحِبَّتْ الصَّدَقَةُ بِهَا، وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ، كَسَائِرِ نَمَاءِ الْمَبِيعِ الْمُتَّصِلِ إذَا رُدَّ عَلَى الْبَائِعِ بِفَسْخٍ أَوْ بُطْلَانٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي " الْإِرْشَادِ "، أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَأَمَّا إنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِحُصُولِهَا فِي مِلْكِهِمَا، فَإِنْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ، وَمَلَكَ الْبَائِعُ الْأَصْلَ، وَهُوَ سَبَبُ الزِّيَادَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: الزِّيَادَةُ لِلْمُشْتَرِي كَالْعَبْدِ إذَا سَمِنَ.
وَحَمَلَ قَوْلَ أَحْمَدَ: " يَشْتَرِكَانِ " عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ مِنْ أَصْلِ الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ تَرْكِهَا، فَكَانَ فِيهَا حَقٌّ لَهُ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا سَمِنَ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا يُشْبِهُهُ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْبَائِعٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا لَيْسَ بِحَقِّ لَهُ، بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُمَا يَتَصَدَّقَانِ بِالزِّيَادَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَبِيعِ زَادَ بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا اشْتَرَى قَصِيلًا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي.
وَلِأَنَّ الْأَمْرَ اشْتَبَهَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَفِي مُسْتَحِقِّهَا، فَكَانَ الْأَوْلَى الصَّدَقَةَ بِهَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالشُّبُهَاتِ مُسْتَحَبَّةٌ.
وَإِنْ أَبَيَا الصَّدَقَةَ بِهَا، اشْتَرَكَا فِيهَا، وَالزِّيَادَةُ هِيَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حِينَ الشِّرَاءِ، وَقِيمَتِهَا يَوْمَ أَخْذِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَقِيمَتِهَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا،

كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي بِتَمَامِهَا، لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهَا.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي رَأْسَ مَالِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّطْبَةِ إذَا طَالَتْ، وَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ إذَا أَدْجَنَ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُقْصَدْ وَقْتَ الشِّرَاءِ تَأْخِيرُهُ، وَلَمْ يُجْعَلْ شِرَاؤُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ حِيلَةً، عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، لِيَتْرُكَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَأَمَّا إنْ قَصَدَ ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، لَا حُكْمَ لِقَصْدِهِ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، وَأَصْلُ هَذَا، الْخِلَافُ فِي تَحْرِيمِ الْحِيَلِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ بَعْدَ أَنَّ بَدَا صَلَاحهَا عَلَى التُّرْك إلَى الْجِزَاز]

(2904) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: فَإِنْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ أَنْ بَدَا صَلَاحُهَا عَلَى التَّرْكِ إلَى الْجِزَازِ، جَازَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ، جَازَ بَيْعُهَا مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَى حَالِ الْجِزَازِ، وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ.
وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجُوزُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ.
إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: إذَا تَنَاهَى عَظْمُهَا، جَازَ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا شَرْطُ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ تَبْقِيَةَ الطَّعَامِ فِي كندوجه.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا.» فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عِنْدَهُمْ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بُدُوُّ الصَّلَاحِ غَايَةً، وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ.
«وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ.» وَتَعْلِيلُهُ بِأَمْنِ الْعَاهَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لِأَنَّ مَا يُقْطَعُ فِي الْحَالِ لَا يُخَافُ الْعَاهَةُ عَلَيْهِ، وَإِذَا بَدَا الصَّلَاحُ فَقَدْ أُمِنَتْ الْعَاهَةُ، فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ مُبْقًى لِزَوَالِ عِلَّةِ الْمَنْعِ، وَلِأَنَّ النَّقْلَ وَالتَّحْوِيلَ يَجِبُ فِي الْمَبِيعِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ، فَإِذَا شَرَطَهُ جَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْلَ الطَّعَامِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ.
وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ.

[فَصْلٌ بُدُوُّ الصَّلَاح فِي بَعْض ثَمَرَة النَّخْلَة أَوْ الشَّجَرَة صَلَاح لِجَمِيعِهَا]

(2905) فَصْلٌ: وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ، أَوْ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا، أَعْنِي أَنَّهُ يُبَاحُ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذَلِكَ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا جَوَازُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إلَّا بَيْعُ مَا بَدَا صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، كَالْجِنْسِ الْآخَرِ، وَكَاَلَّذِي فِي الْبُسْتَانِ الْآخَرِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ بَدَا الصَّلَاحُ فِي نَوْعِهِ مِنْ الْبُسْتَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَجَازَ بَيْعُ جَمِيعِهِ، كَالشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي الْجَمِيعِ يَشُقُّ، وَيُؤَدِّي إلَى الِاشْتِرَاكِ وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي، فَوَجَبَ أَنْ يَتْبَعَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ نَوْعِهِ لِمَا بَدَا، عَلَى

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل