المغني لابن قدامةصفحات 268-307
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 268-307
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الرَّاهِنِ، إنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَدْلِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكِلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، أَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَحَلَفَ، وَرَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ ظَلَمَهُ وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ الْقَوْلُ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فَإِذَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي، رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وَرَجَعَ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ بَانَ مُسْتَحَقًّا قَبْلَ وَزْنِ ثَمَنِهِ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْعَدْلِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ التَّلَفَ فِي يَدِهِ، هَذَا إذَا عَلِمَ بِالْغَصْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالَمًا، فَهَلْ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْغَاصِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[فَصْلٌ ادَّعَى الْعَدْلُ الْمَأْذُون لَهُ فِي الْبَيْع دَفْعَ الثَّمَنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَأَنْكَرَ]

(3323) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى الْعَدْلُ دَفْعَ الثَّمَنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأَنْكَرَ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ فِي دَفْعِ الدَّيْنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ وَكِيلُهُ فِي الْحِفْظِ فَقَطْ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَكِيلٍ لَهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي قَضَاءِ دَيْنٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَالْمُودِعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا حَلَفَ الْعَدْلُ لَهُ، سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ قَبَضَهُ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ، وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ظَلَمَنِي وَأَخَذَ مِنِّي بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ مَالًا آخَرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ، فَهَلْ يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْعَدْلِ؟ نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ بِحَضْرَةِ الرَّاهِنِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، فَمَاتَتْ أَوْ غَابَتْ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَةِ الرَّاهِنِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ بِتَفْرِيطِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا، وَادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْآمِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي حَقِّهِ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي الْقَضَاءِ أَوْ كَذَّبَهُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَذَّبَهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.

[فَصْلٌ غَصَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الْعَدْلِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ]

(3324) فَصْلٌ: إذَا غَصَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الْعَدْلِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ.
وَلَوْ كَانَ

الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَتَعَدَّى فِيهِ، ثُمَّ أَزَالَ التَّعَدِّيَ، أَوْ سَافَرَ بِهِ ثُمَّ رَدَّهُ، لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ، لِأَنَّ اسْتِئْمَانَهُ زَالَ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِفِعْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَإِنْ رَدَّهُ إلَى يَدِ نَائِبِ مَالِكِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهَا إلَى يَدِ مَالِكهَا.

[فَصْلٌ اسْتَقْرَضَ ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ مَالًا وَرَهَنَهُ خَمْرًا]

(3325) فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَقْرَضَ ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ مَالًا، وَرَهَنَهُ خَمْرًا، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ عَلَى يَدِ ذِمِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ بَاعَهَا الرَّاهِنُ، أَوْ نَائِبُهُ الذِّمِّيُّ، وَجَاءَ الْمُقْرِضُ بِثَمَنِهَا، لَزِمَهُ قَبُولُهُ.
فَإِنْ أَبَى، قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا تَقَابَضُوا فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، جَرَتْ مَجْرَى الصَّحِيحَةِ.
قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، مَعَهُمْ الْخَمْرُ: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا.
وَإِنْ جَعَلَهَا عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ.
فَبَاعَهَا، لَمْ يُجْبَرْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قَبُولِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، لَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ، وَلَا حُكْمَ لَهُ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يَرْهَنُ مَالَ مِنْ أَوْصَى إلَيْهِ بِحِفْظِ مَالِهِ إلَّا مِنْ ثِقَة]

(3326) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَلَا يَرْهَنُ مَالَ مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ بِحِفْظِ مَالِهِ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ لَيْسَ لَهُ رَهْنُ مَالِهِ، إلَّا عِنْدَ ثِقَةٍ يُودِعُ مَالَهُ عِنْدَهُ، لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَوْ يُفَرِّطَ فِيهِ فَيَضِيعَ.
قَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لِوَلِيِّهِ رَهْنُ مَالِهِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ثِقَةٍ.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ حَظٌّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِهِ حَاجَةٌ إلَى نَفَقَةٍ، أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ إنْفَاقٍ عَلَى عَقَارِهِ الْمُتَهَدِّمِ، أَوْ أَرْضِهِ، أَوْ بَهَائِمِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَالُهُ غَائِبٌ يَتَوَقَّعُ وُرُودَهُ، أَوْ ثَمَرَةٌ يَنْتَظِرُهَا، أَوْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ، أَوْ مَتَاعٌ كَاسِدٌ يَرْجُو نِفَاقَهُ؛ فَيَجُوزُ لِوَلِيِّهِ الِاقْتِرَاضُ وَرَهْنُ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يَنْتَظِرُهُ، فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الِاقْتِرَاضِ، فَيَبِيعُ شَيْئًا مِنْ أُصُولِ مَالِهِ، وَيَصْرِفُهُ فِي نَفَقَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُقْرِضُهُ، وَوَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ نَسِيئَةً، وَكَانَ أَحْظَ مِنْ بَيْعِ أَصْلِهِ، جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ نَسِيئَةً وَيَرْهَنَ بِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَالْوَصِيُّ وَالْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ، إلَّا أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ مِنْ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ وَلِنَفْسِهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَمَنْ عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

[فَصْلٌ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَالِ الْيَتِيم]

(3327) فَصْلٌ: فَأَمَّا أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَالِ الْيَتِيمِ، فَيَكُونُ فِي بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَرْضَ فِي بَابِ الْمُصَرَّاةِ وَفِي الْبَيْعِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إحْدَاهُنَّ، أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي مِائَةً نَقْدًا بِمِائَةِ أَوْ دُونهَا نَسِيئَةً، وَيَأْخُذَهَا رَهْنًا، فَهَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ نَقْدًا أَحْوَطُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ بَعْضَ الثَّمَنِ نَسِيئَةً.
الثَّانِيَةُ، أَنْ يَبِيعَهُ بِمِائَةٍ نَقْدًا وَعِشْرِينَ نَسِيئَةً، يَأْخُذُ بِهَا رَهْنًا، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ نَقْدًا جَازَ، فَإِذَا زَادَ عَلَيْهَا، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا، سَوَاء قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ.

الثَّالِثَةُ، بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ نَسِيئَةً، وَأَخَذَ بِهَا رَهْنًا، فَهَذَا جَائِزٌ أَيْضًا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِمَالِهِ، وَبَيْعُ النَّقْدِ أَحْوَطُ لَهُ وَلَنَا، أَنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ، وَقَدْ أَمَرْنَاهُ بِالتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الرِّبْحِ، وَهَذَا مِنْ جِهَاته، وَالتَّغْرِيرُ يَزُولُ بِالرَّهْنِ (3328) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ حُكْمُ وَلِيِّ الْيَتِيمِ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا فِي يَدَيْهِ فِيمَا لَهُ فِيهِ الْحَظُّ، فَأَمَّا الْمَأْذُونُ، فَإِنْ دَفَعَ لَهُ سَيِّدُهُ مَالًا يَتَّجِرُ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالنَّسِيئَةِ؛ لِأَنَّ دُيُونَهُ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الدَّيْنَ غَرَّرَ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ.

[فَصْلٌ كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ رَهْنًا فَاسْتَعَادَهُ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ]

(3329) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ رَهْنًا، فَاسْتَعَادَهُ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ، جَازَ.
وَإِنْ اسْتَعَادَهُ لِنَفْسِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ.
وَإِنْ فَكَّهُ بِمَالِ الْيَتِيمِ، وَأَطْلَقَ، فَهُوَ لِلْيَتِيمِ.
وَإِنْ فَكَّهُ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَأَطْلَقَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَعَادَهُ لِنَفْسِهِ.
فَإِنْ قَالَ: اسْتَعَدْته لِلْيَتِيمِ.
قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ ضَمِنَهُ وَإِنْ قَالَ اسْتَعَدْته لِلْيَتِيمِ بَعْدَ هَلَاكِهِ أَوْ هَلَاكِ بَعْضِهِ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِالضَّمَانِ ظَاهِرًا، فَلَا يَزُولُ بِقَوْلِهِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ؛ وَهُوَ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا، كَمَا قَبْلَ التَّلَفِ.

[فَصْلٌ رَهْنِ الْوَصِيّ أَوْ الْحَاكِم مَالَ الْيَتِيمِ عِنْدَ مُكَاتَبِهِ أَوْ وَلَدِهِ]

(3330) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاكِمُ مَالَ الْيَتِيمِ عِنْدَ مُكَاتَبِهِ، أَوْ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةً لَهُ عَلَيْهِمَا.

[فَصْلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ فَرَهَنَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَتِهِ]

(3331) فَصْلٌ: وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ.
فَرَهَنَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَ الْغَرِيمِ، أَوْ غَيْرِهِ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي رَهْنِهَا، فَضَمِنَ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ إلَيْهِ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ.

[مَسْأَلَةٌ رَهَنَ شَيْئًا بِمَالِ فَأَدَّى بَعْضَ الْمَالِ]

(3332) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِذَا قَضَاهُ بَعْضَ الْحَقِّ، كَانَ الرَّهْنُ بِحَالِهِ عَلَى مَا بَقِيَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ جَمِيعِهِ، فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الْحَقِّ، وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ مَنْ رَهَنَ شَيْئًا بِمَالِ، فَأَدَّى بَعْضَ الْمَالِ، وَأَرَادَ إخْرَاجَ بَعْضِ الرَّهْنِ، أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّهِ، أَوْ يُبْرِئَهُ مِنْ ذَلِكَ.
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِزَوَالِ جَمِيعِهِ، كَالضَّمَانِ وَالشَّهَادَةِ.

[مَسْأَلَةٌ أَعْتَقَ الرَّاهِنُ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ]

(3333) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا، وَيُؤْخَذُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِقِيمَةِ الْمُعْتَقِ، فَيَكُونُ رَهْنًا

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ عِتْقُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ، فَإِنْ أَعْتَقَ، نَفَذَ عِتْقُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعَسِّرًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ ﴿شَرِيكٌ﴾ ، وَالْحَسَنُ بْن صَالِحٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: يَسْتَسْعِي الْعَبْدَ فِي قِيمَتِهِ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعَسِّرًا.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعَسِّرِ.
ذَكَرَهَا الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي لِأَنَّ عِتْقَهُ يُسْقِطُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ، مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ وَبَدَلِهَا، فَلَمْ يَنْفُذْ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُرْتَهِنِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ يُبْطِلُ حَقَّ غَيْرِ الْمَالِكِ، فَنَفَذَ مِنْ الْمُوسِرِ دُونَ الْمُعَسِّرِ، كَعِتْقِ شِرْكٍ لَهُ مِنْ عَبْدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْبَتِّيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعَسِّرًا.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي لِأَنَّهُ مَعْنَى يُبْطِلُ حَدُّ الْوَثِيقَةِ مِنْ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَنْفُذْ كَالْبَيْعِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ تَامِّ الْمِلْكِ، فَنَفَذَ، كَعِتْقِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَنَفَذَ فِيهَا عِتْقُ الْمَالِكِ، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَالْعِتْقُ يُخَالِفُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، وَيَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَيَجُوزُ عِتْقُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالْآبِقِ، وَالْمَجْهُولِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا أُخِذَتْ مِنْ قِيمَتُهُ، فَجُعِلَتْ مَكَانه رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْوَثِيقَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ أَبْطَلَهَا أَجْنَبِيٌّ، أَوْ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ الْعَيْنِ، وَبَدَلٌ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا فَالْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أُيْسِرَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، أُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ تَعْجِيلَ الْحَقِّ، فَيَقْضِيَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى رَهْنٍ، وَإِنْ أُيْسِرَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، طُولِبَ بِالدَّيْنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَقَّيْنِ مَعًا، وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ حَالَ الْإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ حَالُ الْإِتْلَافِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُعَسِّرِ: يَسْتَسْعِي الْعَبْدَ فِي قِيمَتِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَفِيهِ إيجَابُ الْكَسْبِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا صُنْعَ لَهُ، وَلَا جِنَايَةَ مِنْهُ، وَإِلْزَامُ الْغُرْمِ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْإِتْلَافُ أَوْلَى، كَحَالِ الْيَسَارِ، وَكَسَائِرِ الْإِتْلَافِ.

[فَصْلٌ أَعْتَقَ الرَّاهِنُ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ]

(3334) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ أَذِنَ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْوَثِيقَةِ مُوسِرًا كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ مُعَسِّرًا، لِأَنَّهُ أَذِنَ فِيمَا يُنَافِي حَقَّهُ، فَإِذَا وُجِدَ، زَالَ حَقُّهُ، وَقَدْ رَضِيَ بِهِ لِرِضَاهُ بِمَا يُنَافِيه، وَإِذْنِهِ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ.
فَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَعَلِمَ الرَّاهِنُ بِرُجُوعِهِ، كَانَ كَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَإِنْ عَلِمَ الرَّاهِنُ بِرُجُوعِهِ، فَأَعْتَقَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى عَزْلِ الْوَكِيلِ بِدُونِ عِلْمِهِ.
وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْعِتْقِ، لَمْ يَنْفَعْ رُجُوعُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينه؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْمُرْتَهِنُ أَيْضًا،

إلَّا أَنَّ أَيْمَانَهُمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُرْتَهِنُ وَوَرَثَةُ الرَّاهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.

[فَصْلٌ تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ فِي الْمَرْهُون بِغَيْرِ الْعِتْق]

(3335) فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ الْعِتْقِ، كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالرَّهْنِ، وَغَيْرِهِ، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ، غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ، كَفَسْخِ الرَّهْنِ.
فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْمُرْتَهِنُ، صَحَّ، وَبَطَلَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِيمَا يُنَافِي حَقَّهُ، فَيَبْطُلُ بِفِعْلِهِ، كَالْعِتْقِ.
وَإِنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَرْهُونَةَ، لَمْ يَصِحَّ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ، وَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِنْ وَطْئِهَا، وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ مَحَلَّ النِّكَاحِ غَيْرُ مَحَلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ رَهْنُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ، كَالْإِجَارَةِ وَلَنَا، أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الرَّهْنِ بِمَا يُنْقِصُ ثَمَنَهُ، وَيَسْتَغِلُّ بَعْضَ مَنَافِعِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ، كَالْإِجَارَةِ، وَلَا يُخْفِي تَنْقِيصَهُ لِثَمَنِهَا، فَإِنَّهُ يُعَطِّلُ مَنَافِعَ بَعْضِهَا، وَيَمْنَعُ مُشْتَرِيَهَا مِنْ وَطْئِهَا وَحِلِّهَا، وَيُوجِبُ عَلَيْهِ تَمْكِينَ زَوْجِهَا مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا فِي اللَّيْلِ، وَيُعَرِّضُهَا بِوَطْئِهِ لِلْحَمْلِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُهَا، وَيَشْغَلُهَا عَنْ خِدْمَتِهِ بِتَرْبِيَةِ وَلَدِهَا، فَتَذْهَبُ الرَّغْبَةُ فِيهَا، وَتَنْقُصُ نَقْصًا كَثِيرًا، وَرُبَّمَا مَنَعَ بَيْعَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّ مَحِلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ غَيْرُ مَحِلِّ الرَّهْنِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ مَحِلَّ الرَّهْنِ مَحِلُّ الْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ يَتَنَاوَلُ جُمْلَتَهَا، وَلِهَذَا يُبَاحُ لِمُشْتَرِيهَا اسْتِمْتَاعُهَا، وَإِنَّمَا صَحَّ رَهْنُ الْمُزَوَّجَةِ لِبَقَاءِ مُعْظَمِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، وَبَقَائِهَا مَحِلًّا لِلْبَيْعِ، كَمَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنُ الْإِجَارَةَ؛ فَإِنَّ التَّزْوِيجَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الْإِجَارَةِ، وَلَا يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ، وَيُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الرَّهْنِ، وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا، فَإِنَّ تَزْوِيجَهَا يَمْنَعُ بَيْعَهَا، أَوْ يَنْقُصُ ثَمَنَهَا، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ بِكَمَالِهِ.

[فَصْلٌ وَطْءُ أَمَتِهِ الْمَرْهُونَة]

(3336) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ وَطْءُ أَمَتِهِ الْمَرْهُونَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَهُ وَطْءُ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ؛ فَإِنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ الْخَوْفُ مِنْ الْحَمْلِ، مَخَافَةَ أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، فَتَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنْ الرَّهْنِ، أَوْ تَتَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيهِمَا.
وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ هَذَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَنَعَ الرَّاهِنِ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونَةِ.
وَلِأَنَّ سَائِرَ مَنْ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا، كَالْمُعْتَدَّةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَلِأَنَّ الَّذِي تَحْبَلُ فِيهِ يَخْتَلِفُ، وَلَا يَنْحَزِرُ، فَمُنِعَ مِنْ الْوَطْءُ جُمْلَةً، كَمَا حُرِّمَ الْخَمْرُ لِلسُّكْرِ، وَحُرِّمَ مِنْهُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يُسْكِرُ، لِكَوْنِ السُّكْرِ يَخْتَلِفُ.
وَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِعَارِضٍ، كَالْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَنْفَعَتِهَا،

وَوَطْؤُهَا لَا يُنْقِصُ قِيمَتَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَخْدَمَهَا وَإِنْ تَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا أَوْ نَقَصَهَا، مِثْلَ إنْ افْتَضَّ الْبِكْرَ أَوْ أَفْضَاهَا، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ، فَإِنْ شَاءَ جَعَلَ رَهْنًا مَعَهَا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ قَضَاءً مِنْ الْحَقِّ، إنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ.
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ قَدْ حَلَّ، جَعَلَهُ قَضَاءً لَا غَيْرُ؛ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي جَعْلِهِ رَهْنًا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.

[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ فَأُوَلِّدهَا]

(3337) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً، فَأَوْلَدَهَا الرَّاهِنُ، خَرَجَتْ أَيْضًا مِنْ الرَّهْنِ، وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا، فَتَكُونُ رَهْنًا وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ، فَأَوْلَدَهَا، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حِينَ أَحْبَلَهَا، كَمَا لَوْ جَرَحَ الْعَبْدَ كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ حِينَ جَرَحَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعَسِّرِ، إلَّا أَنَّ الْمُوسِرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهَا، وَالْمُعَسِّرُ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ قِيمَتُهَا، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعِتْقِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا كَقَوْلِهِ فِي الْعِتْقِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ: لَا يَنْفُذُ الْإِحْبَالُ.
فَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، فَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَهَا لِلْمُرْتَهِنِ.
وَلَوْ حَلَّ الْحَقُّ وَهِيَ حَامِلٌ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ، فَإِذَا وَلَدَتْ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا حَتَّى تَسْقِيَ وَلَدَهَا اللِّبَأَ، فَإِنْ وَجَدَ مِنْ يُرْضِعُهُ بِيعَتْ، وَإِلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تُرْضِعَهُ، ثُمَّ يُبَاعُ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ خَاصَّةً، وَيَثْبُتُ لِلْبَاقِي حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، فَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ عَتَقَ وَإِنْ رَجَعَ هَذَا الْمَبِيعُ إلَى الرَّاهِنِ بِإِرْثٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ بِيعَ جَمِيعُهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ، ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ تَخْرُجُ إلَى الرَّاهِنِ وَتَأْتِيه، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهَا، أَخَذَ وَلَدَهَا، وَبِيعَتْ.
وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا حُكْمُ الرَّهْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَطْءُ سَابِقًا عَلَى الرَّهْنِ، أَوْ نَقُولُ: مَعْنَى يُنَافِي الرَّهْنَ فِي ابْتِدَائِهِ، فَنَافَاهُ فِي دَوَامِهِ، كَالْحُرِّيَّةِ.

[فَصْلٌ وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ]

(3338) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ، لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِ مَا يُنَافِي حَقِّهِ، فَكَانَ إذْنًا فِيهِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ، فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أَذِنَ فِي الْوَطْءِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِحْبَالِ.
قُلْنَا: الْوَطْءُ هُوَ الْمُفْضِي إلَى الْإِحْبَالِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَالْإِذْنُ فِي سَبَبِهِ إذْنٌ فِيهِ، فَإِنْ أَذِنَ ثُمَّ رَجَعَ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالْإِذْنِ، وَأَنْكَرَ كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْ الْوَطْءِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، أَوْ قَالَ: هُوَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُرْتَهِنُ بِالْإِذْنِ وَالثَّانِي، أَنْ يَعْتَرِفَ بِالْوَطْءِ.
وَالثَّالِثِ، أَنْ يَعْتَرِفَ بِالْوِلَادَةِ.
وَالرَّابِعِ، أَنْ يَعْتَرِفَ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ بَعْدَ

الْوَطْءِ يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ فِيهَا، فَحِينَئِذٍ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُلْحِقْهُ بِهِ بِدَعْوَاهُ، بَلْ بِالشَّرْعِ.
فَإِنْ أَنْكَرَ شَرْطًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ، فَقَالَ: لَمْ آذَنْ.
أَوْ قَالَ: أَذِنْت فَمَا وَطِئَتْ.
أَوْ قَالَ: لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ تَضَعُ فِيهَا الْحَمْلَ مُنْذُ وَطِئَتْ.
أَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا وَلَدَهَا، وَإِنَّمَا اسْتَعَارَتْهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَبَقَاءُ الْوَثِيقَةِ صَحِيحَةً حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ أَذِنَ فِي ضَرْبِ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ فَضَرَبَهَا فَتَلِفَتْ]

(3339) فَصْلٌ: وَلَوْ أَذِنَ فِي ضَرْبِهَا، فَضَرَبَهَا فَتَلِفَتْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ، كَتَوَلُّدِ الْإِحْبَالِ مِنْ الْوَطْءِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِوَطْءِ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ]

(3340) فَصْلٌ: إذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالْوَطْءِ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُقِرَّ بِهِ حَالَ الْعَقْدِ، أَوْ قَبْلَ لُزُومِهِ، فَحُكْمُ هَذَيْنِ وَاحِدٌ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ، فَإِنْ بَانَتْ حَائِلًا، أَوْ حَامِلًا بِوَلَدِ لَا يَلْحَقُ بِالرَّاهِنِ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَلْحَقُ بِهِ، لَكِنْ لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، مِثْلُ إنْ وَطِئَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ، ثُمَّ مَلَكَهَا وَرَهَنَهَا.
وَإِنْ بَانَتْ حَامِلًا بِوَلَدٍ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ رَهْنًا، فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ بِذَلِكَ السَّبَبِ الَّذِي عَلِمَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، كَالْمَرِيضِ إذَا مَاتَ، وَالْجَانِي إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ نَفْسَهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَلَمْ يَكُنْ رِضَاهُ بِهِ رِضَى بِالْحَمْلِ الَّذِي يَحْدُثُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ وَالْمَرَضِ وَلَنَا، أَنَّ إذْنَهُ فِي الْوَطْءِ إذْنٌ فِيمَا يَئُولُ إلَيْهِ، كَذَلِكَ رِضَاهُ بِهِ رِضَى بِمَا يَئُولهُ إلَيْهِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَقَرَّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّهِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَفْسَخُ عَقْدًا لَازِمًا لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ بَيْعِهَا.
وَيَحْتَمِلَ أَنْ يُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي مِلْكِهِ بِمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ بِخُرُوجِهَا مِنْ الرَّهْنِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُقْبَلُ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَهَا، أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ جَنَتْ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهَا.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا، صَحَّ إقْرَارُهُ، وَخَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يُقْبَلُ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ لِلرَّهْنِ وَلَنَا، أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَنَفَذَ عِتْقُهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِعِتْقِهِ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ، وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ بِعِتْقِهِ يَجْرِي

مَجْرَى عِتْقِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَنْفُذَ إقْرَارُ الْمُعَسِّرِ، بِنَاءٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ كَذِبَهُ مُحْتَمَلٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ، لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، لَمْ يُقْبَلْ، فَلَا فَائِدَةَ فِي اسْتِحْلَافِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي اسْتِحْلَافِهِ، عَلَى نَحْوِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْعِتْقِ لَمْ يَسْتَحْلِفْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ.
فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى يَمِينٍ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِ الرَّاهِنِ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ ادَّعَيَاهُ، فَالْيَمِينُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَرُجُوعُهُمَا عَنْهُ مَقْبُولٌ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
وَإِنْ أَقَرَّ بِاسْتِيلَادِ أَمَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا عَائِدٌ إلَيْهِ مِنْ حِلِّ اسْتِمْتَاعِهَا، وَمِلْكِ خِدْمَتِهَا، فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ.
فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ ثَبَتَ الْحَقُّ فِي الرَّهْنِ، وَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فَعَلَ الْغَيْرِ، فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَتْ الدَّعْوَى بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَبَقِيَ حُكْمُهَا فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، بِحَيْثُ لَوْ عَادَ إلَيْهِ الرَّهْنُ ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ إقْرَارِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، أَنْ يُغَرِّمَاهُ فِي الْحَالِ، فَلَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْجِنَايَةِ بِتَصَرُّفِهِ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهَا، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ.

[فَصْلٌ وَطْءُ الْمُرْتَهِنِ الْجَارِيَة الْمَرْهُونَة]

(3341) فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] . وَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ.
فَإِنْ وَطِئَهَا، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ اسْتِيثَاقٌ بِالدَّيْنِ، وَلَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ، لِأَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مِلْكِهِ لِنَفْعِهَا، فَالرَّهْنُ أَوْلَى.
فَإِنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ، وَاحْتَمَلَ صِدْقَهُ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ نَشَأَ بِبَادِيَةِ، أَوْ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا إبَاحَةَ وَطْئِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا أَمَتَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ وَلَدِهَا يَوْمَ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ الْحِلَّ مَنَعَ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ رَقِيقًا، فَفَوَّتَ رِقَّ الْوَلَدِ عَلَى سَيِّدِهَا، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ، كَالْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ صِدْقَهُ، كَالنَّاشِئِ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ، مُخْتَلِطًا بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ بِهِ تَحْرِيمَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَمَنْ لَمْ يَدَّعِ الْجَهْلَ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنَا.
وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ قِيمَةُ الْوَلَدِ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْوَطْءِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ.
إذْنٌ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرَّهْنِ وَلَوْ أَذِنَ فِي قَطْعِ إصْبَعٍ، فَسَرَتْ إلَى أُخْرَى، لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يَمْنَعُ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ رَقِيقًا، وَسَبَبُهُ اعْتِقَادُ الْحِلِّ، وَمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ،

بِخِلَافِ الْوَطْءِ، فَإِنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الرَّهْنِ بِالْحَمْلِ الَّذِي الْوَطْءَ الْمَأْذُونِ فِيهِ سَبَبٌ لَهُ.
وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، فَلَا مَهْرَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ لَهَا ابْتِدَاءً، فَلَا يَسْقُطُ بِإِذْنِ غَيْرِهَا.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَلَنَا، أَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِهِ، وَهُوَ حَقُّهُ، فَلَمْ يَجِبْ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي قَتْلِهَا، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجِبْ عِوَضُهَا، كَالْحُرَّةِ الْمُطَاوِعَةِ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ، سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا أَوْ طَاوَعَتْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ مَعَ الْمُطَاوَعَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ.
وَلِأَنَّ الْحَدَّ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ لَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ، كَالْحُرَّةِ وَلَنَا، أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَةِ الْأَمَةِ وَإِذْنِهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا، وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمَمْلُوكَةَ لِلسَّيِّدِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا، وَكَأَرْشِ بَكَارَتِهَا لَوْ كَانَتْ بِكْرًا، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِالْمُكْرَهَةِ عَلَى الْبِغَاءِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا بِذَلِكَ، مَعَ كَوْنِهَا مُكْرَهَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: 33] وَقَوْلُهُمْ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ.
قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْمَهْرُ لَهَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَجِبُ لَهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ لِسَيِّدِهَا، وَيُفَارِقُ الْحُرَّةَ، فَإِنَّ الْمَهْرَ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهَا، وَقَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِإِذْنِهَا، وَهَاهُنَا الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَأْذَنْ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ بِإِكْرَاهِهَا، وَسُقُوطُهُ بِمُطَاوَعَتِهَا، فَكَذَلِكَ السَّيِّدُ هَاهُنَا، لَمَا تَعَلَّقَ السُّقُوطُ بِإِذْنِهِ، يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا لِلْحِلِّ، أَوْ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهُ، أَوْ ادَّعَى شُبْهَةً، أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقُّ آدَمِي، فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَصِيرُ هَذِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُرْتَهِنِ بِحَالٍ، سَوَاءٌ مَلَكَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ أَوْ قَبْلَهُ، وَسَوَاءٌ حَكَمْنَا بِرِقِّ الْوَلَدِ أَوْ حُرِّيَّته؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.

[مَسْأَلَةٌ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى]

(3342) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ مِنْ مُرْتَهِنِهِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، فَإِنْ اخْتَارَ سَيِّدُهُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَفَعَلَ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى عَلَى إنْسَانٍ، أَوْ عَلَى مَالِهِ، تَعَلَّقَتْ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ، فَكَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ، وَالْمِلْكُ أَقْوَى مِنْ الرَّهْنِ، فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الرَّهْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ.
قُلْنَا: حَقُّ الْمُرْتَهِنِ ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ بِعَقْدِهِ، وَحَقُّ الْجِنَايَةِ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّهِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا ثَبَتَ بِعَقْدِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْجِنَايَةِ مُخْتَصٌّ بِالْعَيْنِ، يَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْعَيْنِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا، فَكَانَ تَعَلُّقُهُ بِهَا أَخَفَّ وَأَدْنَى، فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ اسْتِيفَاؤُهُ، فَإِنْ اقْتَصَّ سَقَطَ الرَّهْنُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ،

وَصَارَ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، فَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَبَيْنَ تَسْلِيمِهِ لِلْبَيْعِ فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ، فَبِكَمْ يَفْدِيه؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلِّ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ عِوَضٌ عَنْ الْعَبْدِ، فَلَا يَلْزَمُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ وَالثَّانِيَةُ، يَفْدِيه بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَرْغَبُ فِيهِ رَاغِبٌ، فَيَشْتَرِيه بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِذَا فَدَاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ قَائِمٌ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حُكْمُ الرَّهْنِ، كَحَقِّ مِنْ لَا رَهْنَ لَهُ مَعَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي تَرِكَةِ مُفْلِسٍ، إذَا أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ ظَهَرَ حُكْمُ الْآخَرِ، فَإِنْ امْتَنَعَ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَبَيْنَ تَسْلِيمِهِ فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ، فَبِكَمْ يَفْدِيه؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ فَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ عَنْهُ بِإِذْنِهِ، فَرَجَعَ بِهِ، كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ، وَإِنْ فَدَاهُ مُتَبَرِّعًا، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ.
وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَإِنْ زَادَ فِي الْفِدَاءِ عَلَى الْوَاجِبِ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ شَرَطَ لَهُ الرَّاهِنُ الرُّجُوعَ، رَجَعَ، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ قَضَاهُ بِإِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الرُّجُوعِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَهَذَا أَصْلٌ يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنْ فَدَاهُ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُنْ رَهْنًا بِالْفِدَاءِ مَعَ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ يَمْلِكُ بَيْعَ الْعَبْدِ، وَإِبْطَالَ الرَّهْنِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالزِّيَادَةُ فِي دَيْنِ الرَّهْنِ قَبْلَ لُزُومِهِ جَائِزَةٌ، وَلِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْجِنَايَةِ إلَى الرَّهْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ رُهِنَ بِدَيْنٍ، فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ ثَانِيًا بِدَيْنٍ سِوَاهُ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ سِوَى هَذَا وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ ضَمَانَ جِنَايَةِ الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ فَدَاهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْفِدَاءِ، وَإِنْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ أَوْ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ سَقَطَ دَيْنُ الرَّهْنِ، إنْ كَانَ بِقَدْرِ الْفِدَاءِ.
وَبِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الرَّهْنَ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ.
وَهَذَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
وَإِذَا لَمْ يَفْدِ الْجَانِي.
فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ الَّتِي تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقْهَا، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَبَاقِيه رَهْنٌ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ، فَيُبَاعَ الْكُلُّ، وَيُجْعَلَ بَقِيَّةُ الثَّمَنِ رَهْنًا وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَلْ يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، أَمْ يُبَاعُ جَمِيعُهُ، وَيَكُونُ الْفَاضِلُ مِنْ ثَمَنِهِ عَنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ رَهْنًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا جنى عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ]

(3343) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ؛

أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلْقَوَدِ، كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ، أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ، أَوْ إتْلَافِ مَالٍ، فَيَكُونُ هَدْرًا، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ مَالٌ فِي مَالِهِ.
الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، فَالْحَقُّ لِلسَّيِّدِ، فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَكَذَلِكَ إنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصَّ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ الْجِنَايَةَ عَلَى عَبْدِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ لِلزَّجْرِ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَى زَجْرِهِ عَنْ سَيِّدِهِ.
فَإِنْ اقْتَصَّ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَقَضَاءً عَنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ رَهْنًا بِاخْتِيَارِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ، فَلِلْوَرَثَةِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ، وَلَيْسَ لَهُمْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ، أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ لَهُمْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ.
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
فَإِنْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَهَلْ يَثْبُتُ لِغَيْرِ الْعَافِي نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلٌ جَنَّى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى عَبْدٍ لِسَيِّدِهِ]

(3344) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى عَبْدٍ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ لَا يَكُونَ مَرْهُونًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى طَرَفِ سَيِّدِهِ، لَهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُوجِبَةً لَهُ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ لَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ، ذَهَبَتْ هَدْرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ رَهْنًا، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ وَالْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ، فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ.
فَإِنْ اقْتَصَّ، بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، وَكَانَا رَهْنًا بِحَقٍّ وَاحِدٍ فَجِنَايَتُهُ، هَدْرٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمَا، بَقِيَ الْحَقُّ مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْهُونًا بِحَقِّ مُفْرَدٍ، فَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ؛ (3345) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، أَنْ يَكُونَ الْحَقَّانِ سَوَاءً، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءً، فَتَكُونَ الْجِنَايَةُ هَدْرًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَالْآخَرُ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ.
(3346) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَ الْحَقَّانِ وَتَتَّفِقَ الْقِيمَتَانِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَدَيْنُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ، وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ، فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ، لَمْ يُنْقَلْ إلَى دَيْنِ الْمَقْتُولِ، لِعَدَمِ

الْغَرَضِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ، نُقِلَ إلَى الْقَاتِلِ، لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ، غَرَضًا فِي ذَلِكَ.
وَهَلْ يُبَاعُ الْقَاتِلُ، وَتُجْعَلُ قِيمَتُهُ رَهْنًا مَكَانَ الْمَقْتُولِ، أَوْ يُنْقَلُ بِحَالِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالثَّانِي، يُبَاعُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ مُزَايِدٌ، فَبَلَّغَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ عُرِضَ لِلْبَيْعِ فَلَمْ يُزَدْ فِيهِ، لَمْ يُبَعْ، لِعَدَمِ ذَلِكَ (3347) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ؛ أَنْ يَتَّفِقَ الدَّيْنَانِ وَتَخْتَلِفَ الْقِيمَتَانِ، بِأَنْ يَكُونَ دَيْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً، وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ، فَلَا غَرَضَ فِي النَّقْلِ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَانِي أَكْثَرَ، بَيْعَ مِنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ، يَكُونُ رَهْنًا بِدَيْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَبْقِيَتِهِ وَنَقْلِ الدَّيْنِ إلَيْهِ، صَارَ مَرْهُونًا بِهِمَا، فَإِنْ حَلَّ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ، بِيعَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ دَيْنُهُ الْمُعَجَّلَ بِيعَ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُ رَهْنٌ بِالدَّيْنِ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلَ الْآخَرُ بِيعَ لِيُسْتَوْفَى بِقَدْرِهِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ بِدَيْنِهِ (3348) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَ الدَّيْنَانِ وَالْقِيمَتَانِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ خَمْسِينَ وَالْآخَرُ ثَمَانِينَ، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ، نُقِلَ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَهْنًا عِنْدَ غَيْرِ مُرْتَهَنِ الْقَاتِلِ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمَالِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَالْقِصَاصُ أَوْلَى، فَإِنْ اقْتَصَّ، بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ لَمْ تُوجِبْ مَالًا يُجْعَلُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، وَتَكُونُ رَهْنًا، لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْوَثِيقَةِ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَلِلسَّيِّدِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، فَتَصِيرُ الْجِنَايَةُ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، فَيَثْبُتُ الْمَالُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ، لَوَجَبَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ عَلَى عَبْدِهِ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ لَا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، بِعْنَا مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَبَاقِيه بَاقٍ عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُ بَعْضِهِ، بِيعَ جَمِيعُهُ، وَقُسِّمَ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، يَكُونُ رَهْنًا.
وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، نُقِلَ الْجَانِي، فَجُعِلَ رَهْنًا عِنْدَ الْآخَرِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاعَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ رَاغِبٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَيَفْضُلُ مِنْ قِيمَتِهِ شَيْءٌ يَكُنْ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ جنى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى مَوْرُوثِ سَيِّدِهِ]

(3349) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَوْرُوثِ سَيِّدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، كَأَطْرَافِهِ أَوْ مَالِهِ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، وَلَهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لَهُ، وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ابْتِدَاءً، ثَبَتَ، فَإِنْ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ، فَلَهُ مَا لِمُوَرِّثِهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ، لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ

كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ، ثَبَتَ الْحُكْمُ لِسَيِّدِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ابْتِدَاءً، فَهَلْ يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَتْ الْجِنَايَةَ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ.
وَالثَّانِي، لَا يَثْبُتُ لَهُ مَالُهُ فِي عَبْدِهِ، وَلَا لَهُ الْعَفْوُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ ابْتِدَاءً، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ.
وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ، وُجُوبُ الْحَقِّ فِي ابْتِدَائِهِ هَلْ يَثْبُتُ لِلْقَتِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ، أَوْ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَثْبُتُ لَهُ الْمَالُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ كَذَلِكَ، فَيَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ اقْتَصَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ الْمَالُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَالْقِصَاصُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ وَارِثِهِ.

[فَصْلٌ جنى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى مُكَاتَبِ السَّيِّدِ]

(3350) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مُكَاتَبِ السَّيِّدِ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ، وَتَعْجِيزُهُ كَمَوْتِ وَلَدِهِ، فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ جنى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ]

(3351) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا، أَوْ صَبِيًّا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالسَّيِّدُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَالْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ مُتَعَلِّقَانِ بِهِ، لَا يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا، مُوسِرًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ مُعَسِّرًا كَمَا لَوْ بَاشَرَ السَّيِّدُ الْقَتْلَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ، أَنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُعَسِّرًا؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْجِنَايَةَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ آلَةٌ، فَلَوْ تَعَلَّقَتْ الْجِنَايَةُ بِهِ بِيعَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا، وَحُكْمُ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ، حُكْمُ إقْرَارِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ، عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ.

[مَسْأَلَةٌ جُرِحَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ أَوْ قُتِلَ]

(3352) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِنْ جُرِحَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ، أَوْ قُتِلَ، فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ، وَمَا قَبَضَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ رَهْنٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جُنِيَ عَلَى الرَّهْنِ، فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ، وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ، فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُودَعِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
فَإِنْ تَرَكَ الْمُطَالَبَةَ، أَوْ أَخَّرَهَا، أَوْ كَانَ غَائِبًا، أَوْ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْهَا، فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُوجِبِهَا، فَكَانَ لَهُ الطَّلَبُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَانِي سَيِّدُهُ.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِيُسْتَوْفَى، فَإِنْ اقْتَصَّ، أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا قِيمَةً، فَجُعِلَتْ مَكَانَهُ رَهْنًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ

شَيْءٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ مَالٌ، وَلَا اُسْتُحِقَّ بِحَالِ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَسْعَى لِلْمُرْتَهِنِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ وَلَنَا، أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا اُسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إتْلَافِ الرَّهْنِ، فَغَرِمَ قِيمَتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لِلسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا أَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مِنْ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ إنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ صَحَّ عَفْوُهُ، وَوَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، لِمَا ذَكَرْنَا هَذَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ قَتْلًا، وَإِنْ كَانَ جُرْحًا أَوْ قَلْعَ سِنٍّ وَنَحْوَهُ، فَالْوَاجِبُ بِالْعَفْوِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ؛ مِنْ أَرْشِ الْجُرْحِ، أَوْ قِيمَةِ الْجَانِي.
وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، انْبَنِي ذَلِكَ عَلَى مُوجِبِ الْعَمْدِ مَا هُوَ؟ فَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ.
ثَبَتَ الْمَالُ وَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اقْتَصَّ؛ إنْ قُلْنَا ثَمَّ: يَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَجَبَ هَاهُنَا.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ بَدَلَ الرَّهْنِ بِفِعْلِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَّ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ شَيْءٌ ثَمَّ.
لَمْ يَجِبْ هَاهُنَا شَيْءٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اكْتِسَابُ مَالٍ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، أَوْ ثَبَتَ الْمَالُ بِالْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَيَكُونُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا، أَوْ يَأْخُذَ حَيَوَانًا عَنْهَا، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَمَا قَبَضَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ رَهْنٌ، بَدَلًا عَنْ الْأَوَّلِ، نَائِبًا عَنْهُ، وَقَائِمًا مَقَامَهُ، فَإِنْ عَفَا الرَّاهِنُ عَنْ الْمَالِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ حَقُّ الرَّاهِنِ دُونَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ تَكُنْ رَهْنًا، فَإِذَا زَالَ الرَّهْنُ رَجَعَ الْأَرْشُ إلَى الْجَانِي، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ أَوْ جَانٍ وَإِنْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنْ الْأَرْشِ، احْتَمَلَ أَنْ يَرْجِعَ الْجَانِي عَلَى الْعَافِي؛ لِأَنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ فَرَهَنَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِي حَقِّ الْجَانِي مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا اُسْتُوْفِيَ بِسَبَبِ كَانَ مِنْهُ حَالَ مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى إنْسَانٌ عَلَى عَبْدِهِ.
ثُمَّ وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ، فَتَلِفَ بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ الرَّاهِنِ قِيمَتُهُ تَكُونُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ دَيْنَهُ عَنْ غَرِيمِهِ، فَصَحَّ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ.
قَالَ: وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ رَهْنًا مَعَ عَدَمِ حَقِّ الرَّاهِنِ فِيهِ، فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، لِتَفْوِيتِهِ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَدَلُ الرَّهْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُ الرَّاهِنِ عَنْهُ كَالرَّهْنِ نَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ وُهِبَ الرَّهْنُ أَوْ غُصِبَ، فَعُفِيَ عَنْ غَاصِبِهِ.
وَهَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ، وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ ذَلِكَ.
سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ الرَّاهِنَ

وَلَا يَضُرُّهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَسْقَطْت الْأَرْشَ.
أَوْ: أَبْرَأْت مِنْهُ.
لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ غَيْرِهِ وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَسْقُطُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّهِ، فَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ سَقَطَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَسْقَطْت حَقِّي وَحَقَّ الرَّاهِنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهُ لَا يَصِحُّ.
فَلَمْ يَصِحَّ مَا تَضَمَّنَهُ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ رَجُلٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ فَكَذَّبَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ]

(3353) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ، فَكَذَّبَاهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا.
وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَصَدَّقَهُ الرَّاهِنُ، فَلَهُ الْأَرْشُ، وَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ وَحْدَهُ، تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالْأَرْشِ، وَلَهُ قَبْضُهُ.
فَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ الْحَقَّ، أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ، رَجَعَ الْأَرْشُ إلَى الْجَانِي، وَلَا شَيْءَ لِلرَّاهِنِ فِيهِ.
وَإِنْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ الْأَرْشِ، لَمْ يَمْلِكْ الْجَانِي مُطَالَبَةَ الرَّاهِنِ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ.

[فَصْلٌ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً حَامِلًا فَضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيٌّ]

(3354) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً حَامِلًا، فَضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ.
وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ لِوَقْتِ يَعِيشُ مِثْلُهُ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ.
وَلَا يَجِبُ ضَمَانُ نَقْصِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ نَقْصُهَا عَمَّا وَجَبَ ضَمَانُهُ مِنْ وَلَدِهَا.
وَيَحْتَمِلَ أَنْ يَضْمَنَ نَقْصَهَا بِالْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ حُصِلَ بِفِعْلِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَهَا ثُمَّ جَنَى عَلَيْهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ؛ مِنْ نَقْصِهَا، أَوْ ضَمَانِ جَنِينِهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ ضَمَانِهَا وُجِدَ، فَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعْ ضَمَانُهُمَا، وَجَبَ ضَمَانُ أَكْثَرِهِمَا.
وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ بَهِيمَةٍ، فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا مَيِّتًا، فَفِيهِ مَا نَقَصَتْهَا الْجِنَايَةُ لَا غَيْرُ، وَمَا وَجَبَ مِنْ ذَلِكَ كُلّه فَهُوَ رَهْنٌ مَعَ الْأُمِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا وَجَبَ لِنَقْصِ الْأُمِّ، أَوْ لِنَقْصِ الْبَهِيمَةِ، فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهَا، وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ فِي وَلَدِهَا، وَمَا وَجَبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ لَيْسَ بِرَهْنٍ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا ضَمَانٌ يَجِبُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ، فَكَانَ مِنْ الرَّهْنِ، كَالْوَاجِبِ لِنَقْصِ الْوِلَادَةِ وَضَمَانِ وَلَدِ الْبَهِيمَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا أَوْ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِالثَّمَنِ]

(3355) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً، عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ يَعْرِفَانِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِالثَّمَنِ حَمِيلًا يَعْرِفَانِهِ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ.
فَإِنْ أَبَى تَسْلِيمَ الرَّهْنِ، أَوْ أَبَى الْحَمِيلُ أَنْ يَتَحَمَّلَ، فَالْبَائِعُ مُخَيَّرٌ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَفِي إقَامَتِهِ بِلَا رَهْنٍ وَلَا حَمِيلٍ الْحَمِيلُ: الضَّمِينُ.
وَهُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، يُقَالُ: ضَمِينٌ، وَحَمِيلٌ، وَقَبِيلٌ، وَكَفِيلٌ، وَزَعِيمٌ، وَصَبِيرٌ، بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ أَوْ الضَّمِينِ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ صَحِيحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ، غَيْرُ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاهُ، وَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّتِهِ خِلَافًا إذَا كَانَ مَعْلُومًا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ يَعْرِفَانِهِ فِي الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ مَعًا وَمَعْرِفَةُ الرَّهْنِ تَحْصُلُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ؛ الْمُشَاهَدَةُ، أَوْ الصِّفَةُ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الْمَوْصُوفُ،

كَمَا فِي السَّلَمِ.
وَيَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ.
وَأَمَّا الضَّمِينُ فَيُعْلَمُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ، أَوْ تَعْرِيفِهِ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يَصِحُّ بِالصِّفَةِ بِأَنْ يَقُولَ: رَجُلٌ غَنِيٌّ.
مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: بِشَرْطِ رَهْنٍ أَوْ ضَمِينٍ.
كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَلَيْسَ لَهُ عُرْفٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِإِطْلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ: بِشَرْطِ رَهْنِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ.
أَوْ: يَضْمَنُنِي أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ.
فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ عَدَمِ التَّعْيِينِ، كَالْبَيْعِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَصِحُّ شَرْطُ الرَّهْنِ الْمَجْهُولِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ رَهْنًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَجَازَ شَرْطُهَا مُطْلَقًا، كَالشَّهَادَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَالَ: عَلَى أَنْ أَرْهَنَك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ.
جَازَ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ عِنْدَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَرَطَ رَهْنًا مَجْهُولًا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ مَا فِي كُمِّهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ، كَالْبَيْعِ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ، فَإِنْ لَهَا عُرْفًا فِي الشَّرْعِ حُمِلَتْ عَلَيْهِ، وَالْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ قَدْ مَضَى فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ وَفَّى بِالشَّرْطِ، فَسَلَّمَ الرَّهْنَ، أَوْ حَمَلَ عَنْهُ الْحَمِيلُ، لَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِنْ أَبَى تَسْلِيمَ الرَّهْنِ، أَوْ أَبَى الْحَمِيلُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَبَيْنَ إمْضَائِهِ وَالرِّضَا بِهِ بِلَا رَهْنٍ وَلَا حَمِيلٍ، فَإِنْ رَضِيَ بِهِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ وَقَالَ مَالِك وَأَبُو ثَوْرٍ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ إذَا كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ.
وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ وَجَدَهُ الْحَاكِمُ دَفَعَهُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ وَقَعَ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْخِيَارَ وَقَالَ الْقَاضِي: مَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يَلْزَمُ فِيهِ الرَّهْنُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
وَلِأَنَّهُ رَهْنٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ، أَوْ كَغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَإِنَّمَا لَزِمَ الْخِيَارُ وَالْأَجَلُ بِالشَّرْطِ، لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ، لَا يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ، وَالرَّهْنُ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ التَّوَابِعِ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ وَالْأَجَلَ يَثْبُتُ بِالْقَوْلِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَسْلِيمٍ، فَاكْتُفِيَ فِي ثُبُوتِهِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ.
وَأَمَّا الضَّمِينُ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، إذْ لَا يَلْزَمُهُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ وَأَدَاءُ دَيْنِ غَيْرِهِ بِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ وَلَوْ وَعَدَهُ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَلْزَمْ فِي الْحُكْمِ، كَمَا لَوْ وَعَدَهُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ، ثُمَّ أَبَى ذَلِكَ.
وَمَتَى لَمْ يَفِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِشَرْطِهِ، كَانَ لَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ صِفَةً فِي الثَّمَنِ، فَلَمْ يَفِ بِهَا، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا شَرَطَ فِي الْعَقْدِ، ثَبَتَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِهِ، كَالْبَائِعِ إذَا شَرَطَ الْمَبِيعَ عَلَى صِفَةٍ، فَبَانَ بِخِلَافِهَا.

[فَصْلٌ شَرَطَ الْبَائِع رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا مُعَيَّنًا فَجَاءَ بِغَيْرِهِمَا]

(3356) فَصْلٌ: وَلَوْ شَرَطَ رَهْنًا، أَوْ ضَمِينًا مُعَيَّنًا، فَجَاءَ بِغَيْرِهِمَا، لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ خَيْرًا مِنْ الْمَشْرُوطِ، مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الْمَشْرُوطِ، وَحَمِيلٍ أَوْثَقَ مِنْ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ غَيْرِهِ، كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِالْأَعْيَانِ، فَمِنْهَا مَا يَسْهُلُ بَيْعُهُ

وَالِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَقَلُّ مُؤْنَةً وَأَسْهَلُ حِفْظًا، وَبَعْضُ الذِّمَمِ أَمْلَأُ مِنْ بَعْضِ، وَأَسْهَلُ إيفَاءً، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ.

[فَصْلٌ تَعِيب الرَّهْنُ أَوْ اسْتَحَالَ الْعَصِيرُ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِهِ]

(3357) فَصْلٌ: وَإِنْ تَعَيَّبَ الرَّهْنُ، أَوْ اسْتَحَالَ الْعَصِيرُ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ قَبْضِهِ مَعِيبًا، وَرِضَاهُ بِلَا رَهْنٍ فِيمَا إذَا تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَرَدِّ الرَّهْنِ.
وَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ قَبْضِهِ، فَكَذَلِكَ.
وَلَيْسَ لَهُ مَعَ إمْسَاكِهِ أَرْشٌ مِنْ أَجْلِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا لَزِمَ فِيمَا حَصَلَ قَبْضُهُ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ، وَالْجُزْءُ الْفَائِتُ لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْأَرْشُ بَدَلًا عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ.
وَإِنْ تَلِفَ أَوْ تَعَيَّبَ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ حُدُوثِ الْعَيْبِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تُرَادُ لِدَفْعِ الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ.
وَإِنْ احْتَمَلَ قَوْلَيْهِمَا مَعًا، انْبَنَى عَلَى اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَيَكُونُ فِيهِ هَاهُنَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَلُزُومُهُ وَالْآخَرُ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لِلْجُزْءِ الْفَائِتِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ مِنْهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ التَّلَفِ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبْلَهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَصِيرًا فَاسْتَحَالَ خَمْرًا، وَاخْتَلَفَا فِي زَمَنِ اسْتِحَالَتِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، كَالِاخْتِلَافِ فِي الْبَيْعِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ التَّلَفِ وَلَنَا، أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا يَفْسُدُ بِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَيُفَارِقُ اخْتِلَافَهُمَا فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَبْضِ هَاهُنَا، وَثَمَّ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ الثَّانِي، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا هُنَا فِيمَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَالْعَيْبُ بِخِلَافِهِ.

[فَصْلٌ وَجَدَ بِالرَّهْنِ عَيْبًا]

(3358) فَصْلٌ: وَلَوْ وَجَدَ بِالرَّهْنِ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ آخَرُ، فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِ الرَّاهِنِ لَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ ضَمَانُهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ.
وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْبَيْعِ، فَعَلَى قَوْلِهِ: لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ.
لَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَعِيبًا، لَمْ يَمْلِكْ فَسْخَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالرَّهْنُ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ رَدُّهُ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِيهِ، قُلْنَا: إنَّمَا تُضْمَنُ قِيمَتُهُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَى مِلْكِهِ،

وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْوَثِيقَةِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْوَثِيقَةِ، أَمَّا إذَا تَعَيَّبَ فَقَدْ رَدَّهُ، فَيَسْتَحِقُّ بَدَلَ مَا رَدَّهُ، وَهَاهُنَا لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا، فَلَوْ أَوْجَبْنَا لَهُ بَدَلَهُ، لَأَوْجَبْنَا عَلَى الرَّاهِنِ غَيْرَ مَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ.

[فَصْلٌ لَمْ يَشْتَرِطَا رَهْنًا فِي الْبَيْعِ فَتَطَوَّعَ الْمُشْتَرِي بِرّهنَّ]

(3359) فَصْلٌ: وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطَا رَهْنًا فِي الْبَيْعِ، فَتَطَوَّعَ الْمُشْتَرِي بِرَهْنٍ، وَقَبَضَهُ الْبَائِعُ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَلَا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ انْتِزَاعَهُ، وَلَا التَّصَرُّفَ فِيهِ، إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا رَدَّهُ بِعَيْبِ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَمْلِكْ فَسْخَ الْبَيْعِ.

[فَصْلٌ تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ رَهْنًا عَلَى ثَمَنِهِ]

(3360) فَصْلٌ: وَإِذَا تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ رَهْنًا عَلَى ثَمَنِهِ، لَمْ يَصِحَّ قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَ شَرَطَ رَهْنَهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهُ يَقْبِضُهُ ثُمَّ يَرْهَنُهُ، أَوْ شَرَطَ رَهْنَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا حَبَسَ الْمَبِيعَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ، فَهُوَ غَاصِبٌ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَجَازَ رَهْنُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ رَهْنًا غَيْرَ الْمَبِيعِ، فَيَكُونُ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الرَّهْنَ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فُسِخَ الْبَيْعُ.
فَأَمَّا شَرْطُ رَهْنِ الْمَبِيعِ بِعَيْنِهِ عَلَى ثَمَنِهِ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِوُجُوهِ، مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي إيفَاءَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ وَالرَّهْنُ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ مِنْهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ أَوَّلًا، وَرَهْنُ الْمَبِيعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إمْسَاكُ الْمَبِيعِ مَضْمُونًا، وَالرَّهْنُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مَضْمُونًا، وَهَذَا يُوجِبُ تَنَاقُضَ أَحْكَامِهِمَا.
وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ صِحَّةُ رَهْنِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ.
قُلْنَا إنَّمَا شَرَطَ رَهْنَهُ بَعْدَ مِلْكِهِ.
وَقَوْلُهُمْ الْبَيْعَ يَقْتَضِي إيفَاءَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا يَقْتَضِي وَفَاءَ الثَّمَنِ مُطْلَقًا، وَلَوْ تَعَذَّرَ وَفَاءُ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ لَاسْتُوْفِيَ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: الْبَيْعُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ.
مَمْنُوعٌ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُثْبِتَ بِالشَّرْطِ خِلَافُهُ.
كَمَا أَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ حُلُولُ الثَّمَنِ وَوُجُوبُ تَسْلِيمه فِي الْحَالِ، وَلَوْ شَرَطَ التَّأْجِيلَ جَازَ، وَكَذَلِكَ مُقْتَضَى الْبَيْعِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَيَنْتَفِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، لَكِنْ رَهَنَهُ عِنْدَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ، فَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَصَحَّ عِنْدَهُ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ عَلَى غَيْرِ ثَمَنِهِ، فَصَحَّ رَهْنُهُ عَلَى ثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ لُزُومِ الْبَيْعِ، انْبَنَى عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ جَازَ رَهْنُهُ، وَمَا لَا فَلَا؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهُ.

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا فَاسِدًا]

(3361) فَصْلٌ: وَإِذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا فَاسِدًا كَالْمُحَرَّمِ، وَالْمَجْهُولِ، وَالْمَعْدُومِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، أَوْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ شَرَطَ رَهْنَ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ، فَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ رِوَايَتَانِ، مَضَى تَوْجِيهُهُمَا

فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ هَاهُنَا فَسَادَ الْبَيْعِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ الشُّرُوطُ فِي الرَّهْنِ]

(3362) فَصْلٌ: وَالشُّرُوطُ فِي الرَّهْنِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ صَحِيحًا وَفَاسِدًا، فَالصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ كَوْنَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ عَيَّنَهُ، أَوْ عَدْلَيْنِ، أَوْ أَكْثَرِ، أَوْ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ هَذَا خِلَافًا، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ، صَحَّ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِيمَا يَتَنَافَى فِيهِ الْغَرَضَانِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ.
وَوَجْهُ التَّنَافِي أَنَّ الرَّاهِنَ يُرِيدُ الصَّبْرَ عَلَى الْمَبِيعِ، وَالِاحْتِيَاطَ فِي تَوْفِيرِ الثَّمَنِ، وَالْمُرْتَهِنَ يُرِيدُ تَعْجِيلَ الْحَقِّ، وَإِنْجَازَ الْبَيْعِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا جَازَ تَوْكِيلُ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ، جَازَ تَوْكِيلُ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ، كَبَيْعِ عَيْنٍ أُخْرَى، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُ الْإِمْسَاكُ، جَازَ اشْتِرَاطُ الْبَيْعِ لَهُ، كَالْعَدْلِ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الْغَرَضَيْنِ، إذَا كَانَ غَرَضُ الْمُرْتَهِنِ مُسْتَحَقًّا لَهُ، وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَإِنْجَازِ الْبَيْعِ؛ وَعَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا وَكَّلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِغَرَضِهِ، فَقَدْ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ، وَالْحَقُّ لَهُ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ السَّمَاحَةِ بِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فَاسِقًا فِي بَيْعِ مَالِهِ وَقَبْضِ ثَمَنِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَلِأَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَكُونُ بَائِعًا مُشْتَرِيًا، وَمُوجِبًا، قَابِلًا، وَقَابِضًا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[فَصْلٌ رَهَنَهُ أَمَةً فَشَرَطَ كَوْنَهَا عِنْدَ امْرَأَةٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ لَهَا]

(3363) فَصْلٌ: وَإِذَا رَهَنَهُ أَمَةً، فَشَرَطَ كَوْنَهَا عِنْدَ امْرَأَةٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ لَهَا، أَوْ كَوْنَهَا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا زَوْجَاتٌ، أَوْ سَرَارِيٌّ، أَوْ نِسَاءٌ مِنْ مَحَارِمِهِمَا مَعَهُمَا فِي دَارِهِمَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى مُحَرَّمٍ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَسَدَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا.
وَلَا يَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى نَقْصٍ، وَلَا ضَرَرٍ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ رَهَنَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، يَصِحُّ الرَّهْنُ، وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ عَلَى يَدِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا، فَشَرَطَ مَوْضِعَهُ، جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَوْضِعَهُ، صَحَّ أَيْضًا، كَالْأَمَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ لِلْأَمَةِ عُرْفًا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنَّ الْأَمَةَ إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ مِمَّنْ يَجُوزُ وَضْعُهَا عِنْدَهُ كَالْعَبْدِ، وَإِذَا كَانَ مُرْتَهِنُ الْعَبْدِ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا، فَشَرَطَتْ كَوْنِهِ عِنْدَهَا عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي إلَى خَلْوَتِهِ بِهَا، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا، فَاسْتَوَيَا.

[فَصْلٌ وَالْقِسْمُ الثَّانِي الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الرَّهْن]

(3364) فَصْلٌ: وَالْقِسْمُ الثَّانِي، الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ نَحْوِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَلَّا يُبَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ حُلُول الْحَقِّ، أَوْ لَا يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ لَا يُبَاعُ مَا خِيفَ تَلَفُهُ، أَوْ بَيْعَ الرَّهْنِ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا بِمَا يُرْضِيه.
فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ؛ لِمُنَافَاتِهَا مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَإِنَّ

الْمَقْصُودَ مَعَ الْوَفَاءِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ مَفْقُودٌ وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلرَّاهِنِ، أَوْ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَقْدُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ، أَوْ تَوْقِيتَ الرَّهْنِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، أَوْ كَوْنَ الرَّهْنِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، أَوْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ كَوْنَهُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ، فَهَذِهِ كُلّهَا فَاسِدَةٌ، لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، وَلَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ.
وَإِنْ شَرَطَا شَيْئًا مِنْهَا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَفْسُدَ الرَّهْنُ بِهَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ إنَّمَا بَذَلَ مِلْكَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، لِعَدَمِ الرِّضَى بِهِ بِدُونِهِ.
وَقِيلَ: إنْ شَرَطَ الرَّهْنَ مُؤَقَّتًا، أَوْ رَهَنَهُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، فَسَدَ الرَّهْنُ.
وَهَلْ يَفْسُدُ بِسَائِرِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَنَصَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ " صِحَّتَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» وَهُوَ مَشْرُوطٌ فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ.
وَلَمْ يُحْكَمْ بِفَسَادِهِ.
وَقِيلَ: مَا يُنْقِصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ يُبْطِلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَمَا لَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ شَرَطَتْ لَهُ زِيَادَةٌ لَمْ تَصِحَّ لَهُ، فَإِذَا فَسَدَتْ الزِّيَادَةُ لَمْ يَبْطُلْ أَصْلُ الرَّهْنِ.

[فَصْلٌ رَهْن الدِّين]

(3365) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى حَلَّ الْحَقُّ وَلَمْ يُوَفِّنِي فَالرَّهْنُ لِي بِالدَّيْنِ أَوْ: فَهُوَ مَبِيعٌ لِي بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك.
فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت: لِأَحْمَدْ مَا مَعْنَى قَوْله: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» ؟ قَالَ: لَا يَدْفَعُ رَهْنًا إلَى رَجُلٍ، وَيَقُولُ: إنْ جِئْتُك بِالدَّرَاهِمِ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» عِنْدَ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَمَضَى الْأَجَلُ، فَقَالَ الَّذِي ارْتَهَنَ: مَنْزِلِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مَبِيعًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ فِي مَحِلِّهِ، وَالْبَيْعُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطِ لَا يَصِحُّ، وَإِذَا شَرَطَ هَذَا الشَّرْطَ فَسَدَ الرَّهْنُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَفْسُدَ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ " وَاحْتَجَّ بُقُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» فَنَفَى غَلْقَهُ دُونَ أَصْلِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ رَضِيَ بِرَهْنِهِ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ، فَمَعَ بُطْلَانِهِ أَوْلَى أَنْ يَرْضَى بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ رَهْنٌ بِشَرْطِ فَاسِدٍ، فَكَانَ فَاسِدًا، كَمَا لَوْ شَرَطَ تَوَفَّيْته، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ.

[فَصْلٌ الرَّهْن بِشَرْطِ الزِّيَادَة فِي الْأَجَلِ]

(3366) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ الْغَرِيمُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا، عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي فِي الْأَجَلِ.
كَانَ بَاطِلًا؛

لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَثْبُتُ فِي الدَّيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدٍ وَجَبَ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَجَلُ، لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُضَاهِي رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا يَزِيدُونَ فِي الدَّيْنِ لِيَزْدَادُوا فِي الْأَجَلِ.

[فَصْلٌ شَرَطَ عَقْدَ الرَّهْنِ بِالْأَلْفِ عَلَى مرتهن بِأَلْفَيْنِ]

(3367) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفٌ، فَقَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفًا، بِشَرْطِ أَنْ أَرْهَنَك عَبْدِي هَذَا بِالْأَلْفَيْنِ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَرْضَ بَاطِلٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ.
وَإِذَا بَطَلَ الْقَرْضُ بَطَلَ الرَّهْنُ.
فَإِذَا قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يُعْطِيَهُ رَهْنًا بِمَا يَقْتَرِضُهُ جَازَ؟ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا حَصَلَ لَهُ تَأْكِيدُ الِاسْتِيفَاءِ لِبَدَلِ مَا أَقْرَضَهُ، وَهُوَ مِثْلُهُ، وَالْقَرْضُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوَفَاءِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا شَرَطَ فِي هَذَا الْقَرْضِ الِاسْتِيثَاقَ لِدَيْنِهِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ شَرَطَ اسْتِيثَاقًا لِغَيْرِ مُوجِبِ الْقَرْضِ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّ الْقَرْضَ صَحِيحٌ.
وَلَعَلَّ أَحْمَدَ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى جَرِّ الْمَنْفَعَةِ بِالْقَرْضِ، أَوْ حَكَمَ بِفَسَادِ الرَّهْنِ فِي الْأَلْفِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَصَحَّحَهُ فِيمَا عَدَاهُ.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْقَرْضِ بَيْعٌ، فَقَالَ: بِعْنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ أَرْهَنَك عَبْدِي بِهِ وَبِالْأَلْفِ الْآخَرِ الَّذِي عَلَى.
فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الثَّمَنَ أَلْفًا وَمَنْفَعَةً هِيَ وَثِيقَةٌ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ، وَتِلْكَ الْمَنْفَعَةُ مَجْهُولَةٌ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدَ الرَّهْنِ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ، أَوْ كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَارِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الْآخَرُ دَارِهِ.

[فَصْلٌ فَسَدَ الرَّهْنُ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ]

(3368) فَصْلٌ: وَإِذَا فَسَدَ الرَّهْنُ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحُكْمِ أَنَّهُ رَهْنٌ، وَكُلُّ عَقْدٍ كَانَ صَحِيحُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ أَوْ مَضْمُونًا، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا، أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يَصِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ، صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ، وَحُكْمُ الْفَاسِدِ مِنْ الْعُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ.
فَإِنْ كَانَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، فَهُوَ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَإِنْ غَرَسَ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ أَنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ لَهُ، فَقَدْ غَرَسَ بِإِذْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، فَقَدْ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي التَّصَرُّفِ، فَيَكُونُ الرَّاهِنُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، بَيْنَ أَنْ يُقِرَّ غَرْسَهُ لَهُ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِقِيمَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَلْعِهِ، وَيَضْمَنَ لَهُ مَا نَقَصَ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ]

(3369) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ، إلَّا مَا كَانَ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا، فَيَرْكَبُ وَيَحْلُبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجُوزُ

لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَذَلِكَ حَرَامٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَ، الدُّورِ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ.
يَعْنِي: إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أَجْرِ دَارٍ، أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ، جَازَ ذَلِكَ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِعِوَضِ، مِثْلُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمُرْتَهِنُ الدَّارَ مِنْ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، مِنْ غَيْر مُحَابَاةٍ، جَازَ فِي الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ، لِكَوْنِهِ مَا انْتَفَعَ بِالْقَرْضِ، بَلْ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنْ حَابَاهُ فِي ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الِانْتِفَاعِ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ.
وَمَتَى اسْتَأْجَرَهَا الْمُرْتَهِنُ، أَوْ اسْتَعَارَهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا رَهْنًا، فَمَتَى انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ، أَوْ الْعَارِيَّةُ، عَادَ الرَّهْنُ بِحَالِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا كَانَ الرَّهْنُ دَارًا، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: اُسْكُنْهَا بِكِرَائِهَا، وَهِيَ وَثِيقَةٌ بِحَقِّي يَنْتَقِلُ فَيَصِيرُ دَيْنًا، وَيَتَحَوَّلُ عَنْ الرَّهْنِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَاهَا لِلرَّاهِنِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا ارْتَهَنَ دَارًا، ثُمَّ أَكْرَاهَا لِصَاحِبِهَا، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ صَارَتْ رَهْنًا.
وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ الرَّهْنِ، إذَا اسْتَأْجَرَهَا الْمُرْتَهِنُ، أَوْ اسْتَعَارَهَا؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مُسْتَدَامٌ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي سُكْنَاهَا، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَزَالَ اللُّزُومُ لِزَوَالِ الْيَدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَنَهَا الْمُرْتَهِنُ.
وَمَتَى اسْتَعَارَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى الْعَارِيَّةِ، فَإِنَّهَا عِنْدَنَا مَضْمُونَةٌ وَعِنْدَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ]

(3370) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ، قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارِ، بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِي عَبْدَك يَخْدُمُنِي شَهْرًا.
فَيَكُونُ بَيْعًا وَإِجَارَةً، فَهُوَ صَحِيحٌ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِجَهَالَةِ ثَمَنِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْبَيْعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، وَكَرِهَهُ فِي الْقَرْضِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ مَا يُنَافِيه، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ فِي الْقَرْضِ.

[فَصْلٌ الِانْتِفَاع بِالرَّهْنِ الَّذِي يَحْتَاج إلَى مُؤْنَة]

(3371) فَصْلٌ: الْحَالُ الثَّانِي مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُؤْنَةٍ، فَحُكْمُ الْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ وَالِانْتِفَاعِ بِقَدْرِهِ، جَازَ؛

لِأَنَّهُ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ.
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْإِذْنِ، فَإِنْ الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ مَحْلُوبًا وَمَرْكُوبًا، وَغَيْرَهُمَا، فَأَمَّا الْمَحْلُوبُ وَالْمَرْكُوبُ، فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَيَرْكَبَ، وَيَحْلُبَ، بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَأَحْمَدَ بْن الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَسَوَاءٌ أَنَفَقَ مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ الرَّاهِنِ، لِغَيْبَتِهِ، أَوْ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ، أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ مِنْ الرَّاهِنِ، وَاسْتِئْذَانِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهَا، وَلَا يَنْتَفِعُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . وَلِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلَا الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ.
فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا» ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ.
فَجَعَلَ مَنْفَعَتَهُ بِنَفَقَتِهِ، وَهَذَا مَحِلُّ النِّزَاعِ، فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يُنْفِقُ وَيَنْتَفِعُ.
قُلْنَا: لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: " إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلْفُهَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ وَيَرْكَبُ نَفَقَتُهُ ". فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ الْمُرْتَهِنَ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُنْتَفِعَ.
وَالثَّانِي، أَنَّ قَوْلَهُ: (بِنَفَقَتِهِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ عِوَضُ النَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، أَمَّا الرَّاهِنُ فَإِنْفَاقُهُ وَانْتِفَاعُهُ لَا بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ وَاجِبَةٌ، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقٌّ قَدْ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ نَمَاءِ الرَّهْنِ، وَالنِّيَابَةِ عَنْ الْمَالِكِ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَاسْتِيفَاءِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهِ، فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا، يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَخْذُ مُؤْنَتِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عِنْدَ امْتِنَاعِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالنِّيَابَةُ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَالْحَدِيثُ نَقُولُ بِهِ: وَالنَّمَاءُ لِلرَّاهِنِ، وَلَكِنْ لِلْمُرْتَهِنِ وِلَايَةُ صَرْفِهَا إلَى نَفَقَتِهِ، لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَوِلَايَتِهِ، وَهَذَا فِيمَنْ أَنْفَقَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ، فَأَمَّا إنْ أَنْفَقَ مُتَبَرِّعًا بِغَيْرِ نِيَّةِ الرُّجُوعِ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.

[فَصْلٌ مُؤْنَة الرَّهْن غَيْرُ الْمَحْلُوبِ وَالْمَرْكُوبِ]

(3372) فَصْلٌ: وَأَمَّا غَيْرُ الْمَحْلُوبِ وَالْمَرْكُوبِ، فَيَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ؛ حَيَوَانٌ، وَغَيْرُهُ، فَأَمَّا الْحَيَوَانُ كَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَهَلْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ وَيَسْتَخْدِمَهُ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ؟ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
قَالَ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّه يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَرْهَنُ الْعَبْدَ، فَيَسْتَخْدِمُهُ فَقَالَ: الرَّهْنُ لَا يَنْتَفِعُ مِنْهُ بِشَيْءِ، إلَّا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصَّةً فِي الَّذِي يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ وَيَعْلِفُ.
قُلْت لَهُ: فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ وَالرُّكُوبُ أَكْثَرَ؟ قَالَ: لَا إلَّا بِقَدْرِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ اسْتِخْدَامَ الْعَبْدِ أَيْضًا - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ - إذَا امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنْ الْإِنْفَاقِ

عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: خَالَفَ حَنْبَلٌ الْجَمَاعَةَ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ، إلَّا مَا خَصَّهُ الشَّرْعُ بِهِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءِ مِنْهُ، تَرَكْنَاهُ فِي الْمَرْكُوبِ وَالْمَحْلُوبِ لِلْأَثَرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يُبْقِي عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ.
النَّوْعُ الثَّانِي، غَيْرُ الْحَيَوَانِ، كَدَارٍ اسْتُهْدِمَتْ، فَعَمَرَهَا الْمُرْتَهِنُ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ.
رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ، فَإِنَّ عِمَارَتَهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الرَّاهِنِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَبَرِّعًا، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، لِحُرْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ.

[فَصْلٌ مُؤْنَة رَهْن الْحَيَوَانُ إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا]

(3373) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحَيَوَانُ، إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِعِوَضِهِ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى مِسْكِينٍ.
وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ عَلَى مَالِكِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، رَجَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ بِإِذْنِهِ، فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْمَالِكِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ فَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِئْذَانِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَكَفَنَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ فِي الْمَذْهَبِ؛ إذْ لَا يُعْتَبَرُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْغَرِيمِ.

[فَصْلٌ انْتَفَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ بِاسْتِخْدَامِ أَوْ رُكُوبٍ]

(3374) فَصْلٌ: وَإِذَا انْتَفَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ، بِاسْتِخْدَامِ، أَوْ رُكُوبٍ أَوْ لُبْسٍ، أَوْ اسْتِرْضَاعٍ، أَوْ اسْتِغْلَالٍ، أَوْ سُكْنَى، أَوْ غَيْرِهِ، حَسَبَ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُوضَعُ عَنْ الرَّاهِنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ لِلرَّاهِنِ، فَيُتَقَاصُّ الْقِيمَةَ وَقَدْرَهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَيَتَسَاقَطَانِ.

[مَسْأَلَةٌ ثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ الْمَرْهُونَةِ]

(3375) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَغَلَّةُ الدَّارِ، وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ، وَحَمْلُ الشَّاةِ وَغَيْرِهَا، وَثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ الْمَرْهُونَةِ، مِنْ الرَّهْنِ) أَرَادَ بِغَلَّةِ الدَّارِ أَجْرَهَا.
وَكَذَلِكَ خِدْمَةُ الْعَبْدِ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ جَمِيعَهُ وَغَلَّاتَهُ تَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِ مَنْ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ كَالْأَصْلِ.
وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ، بِيعَ مَعَ الْأَصْلِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُتَّصِلُ، كَالسَّمْنِ وَالتَّعَلُّمِ، وَالْمُنْفَصِلُ كَالْكَسْبِ وَالْأُجْرَةِ وَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ.
وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: فِي النَّمَاءِ يَتْبَعُ، وَفِي الْكَسْبِ لَا يَتْبَعُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَا يَتْبَعُ فِي الرَّهْنِ، كَأَعْيَانِ مَالِ الرَّاهِنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَتْبَعُ الْوَلَدُ فِي الرَّهْنِ خَاصَّةً، دُونَ سَائِرِ النَّمَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ

يَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ، كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ شَيْءٌ مِنْ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ، وَلَا مِنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْأَصْلِ، يُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ، فَلَا يَسْرِي إلَى غَيْرِهِ، كَحَقِّ الْجِنَايَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ رَهَنَهُ مَاشِيًا مَخَاضًا، فَنَتَجَتْ، فَالنِّتَاجُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ.
وَخَالَفَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» وَالنَّمَاءُ غُنْمٌ، فَيَكُونُ لِلرَّاهِنِ.
وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مِنْ أَعْيَانِ مِلْكِ الرَّاهِنِ، لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا عَقْدَ رَهْنٍ فَلَمْ تَكُنْ رَهْنًا، كَسَائِرِ مَالِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حُكْمٌ يَثْبُتُ فِي الْعَيْنِ بِعَقْدِ الْمَالِكِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ النَّمَاءُ وَالْمَنَافِعُ، كَالْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ، النَّمَاءَ نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ، كَالْمُتَّصِلِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ فِي الْأُمِّ، ثَبَتَ بِرِضَى الْمَالِكِ، فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ.
لَنَا عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ، فَسَرَى إلَيْهِ حُكْمُ الرَّهْنِ كَالْوَلَدِ.
وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ؛ أَنَّهُ عَقْدٌ يَسْتَتْبِعُ النَّمَاءَ، فَاسْتَتْبَعَ الْكَسْبَ كَالشِّرَاءِ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ.
فَنَقُولُ بِهِ، وَأَنَّ غُنْمَهُ وَنَمَاءَهُ وَكَسْبَهُ لِلرَّاهِنِ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّهْنِ، كَالْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لِلرَّاهِنِ، وَالْحَقُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ مَالِ الرَّاهِنِ، أَنَّهُ تَبَعٌ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ.
وَأَمَّا حَقُّ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَى الْمَالِكِ، فَلَمْ يَتَعَدَّ مَا ثَبَتَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءُ عُدْوَانٍ، فَاخْتَصَّ الْجَانِي كَالْقِصَاصِ، وَلِأَنَّ السِّرَايَةَ فِي الرَّهْنِ لَا تُفْضِي إلَى اسْتِيفَاءِ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ، فَلَا يَكْثُرُ الضَّرَرُ فِيهِ.

[فَصْل هَلْ يَدْخُلُ الشَّجَرُ فِي رَهْنِ الْأَرْض]

(3376) فَصْلٌ: وَإِذَا ارْتَهَنَ أَرْضًا، أَوْ دَارًا، أَوْ غَيْرَهُمَا، تَبِعَهُ فِي الرَّهْنِ مَا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ، فَقَالَ: رَهَنْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا.
أَوْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ فِي الرَّهْنِ، دَخَلَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، فَهَلْ يَدْخُلُ الشَّجَرُ فِي الرَّهْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ.
وَإِنْ رَهَنَهُ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَفِيهِ ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ، لَمْ تَدْخُلْ فِي الرَّهْنِ، كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً دَخَلَتْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ فِي الرَّهْنِ بِحَالٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَدْخُلُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عِنْدَهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأُصُولِ دُونَ الثَّمَرَةِ، وَقَدْ قَصَدَ إلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَتَدْخُلُ الثَّمَرَةُ ضَرُورَةَ الصِّحَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، مَعَ قُوَّتِهِ، وَإِزَالَتِهِ لِمِلْكِ الْبَائِعِ، فَالرَّهْنُ مَعَ ضَعْفِهِ أَوْلَى، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الشَّجَرَةِ فَاسْتَتْبَعَ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ، كَالْبَيْعِ، وَيَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ الصُّوفُ وَاللَّبَنُ الْمَوْجُودَانِ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الْحَمْلُ وَسَائِرُ مَا بِيعَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَارِدٌ عَلَى الْعَيْنِ، فَدَخَلَتْ فِيهِ هَذِهِ التَّوَابِعُ كَالْبَيْعِ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ دَارًا فَخَرِبَتْ، كَانَتْ أَنْقَاضُهَا رَهْنًا؛

لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَرْهُونَةً قَبْلَ خَرَابِهَا، وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا، فَنَبَتَ فِيهَا شَجَرٌ، فَهُوَ مِنْ الرَّهْنِ، سَوَاءٌ نَبَتَ بِفِعْلِ الرَّاهِنِ، أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا.

[فَصْلٌ انْتِفَاعُ الرَّاهِنِ بِالرَّهْنِ]

(3377) فَصْلٌ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ، بِاسْتِخْدَامٍ، وَلَا وَطْءٍ، وَلَا سُكْنَى، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، بِإِجَارَةِ، وَلَا إعَارَةٍ، وَلَا غَيْرِهِمَا، بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لِلرَّاهِنِ إجَارَتُهُ وَإِعَارَتُهُ مُدَّةً لَا يَتَأَخَّرُ انْقِضَاؤُهَا عَنْ حُلُولِ الدَّيْنِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ بِنَفْسِهِ؟ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا، فَلَهُ اسْتِيفَاء مَنَافِعِهِ بِغَيْرِهِ.
وَهَلْ لَهُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؟ عَلَى الْخِلَافِ.
وَلَيْسَ لَهُ إجَارَةُ الثَّوْبِ وَلَا مَا يَنْقُصُ بِالِانْتِفَاعِ.
وَبَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لِلرَّاهِنِ، لَا تَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّهُ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا.
وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ الِانْتِفَاعُ بِهَا، كَالْبَيْعِ الْمَحْبُوسِ عِنْدَ الْبَائِعِ عَلَى اسْتِيفَاءِ ثَمَنِهِ.
أَوْ نَقُولُ: نَوْعُ انْتِفَاعٍ، فَلَا يَمْلِكُهُ الرَّاهِنُ، كَاَلَّذِي يُنْقِصُ قِيمَةَ الرَّهْنِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا، لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا مُعَطَّلَةً، فَإِنْ كَانَتْ دَارًا أُغْلِقَتْ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ حَتَّى يَفُكَّ الرَّهْنُ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إجَارَةِ الرَّهْنِ، أَوْ إعَارَتِهِ، جَازَ ذَلِكَ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ جَعَلَ غَلَّةَ الدَّارِ وَخِدْمَةَ الْعَبْدِ رَهْنًا، وَلَوْ عُطِّلَتْ مَنَافِعُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا غَلَّةٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي إعَارَتِهِ، أَوْ إجَارَتِهِ، جَازَ وَالْأُجْرَةُ رَهْنٌ، وَإِنْ أَجَرَهُ الرَّاهِنُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ لَا يَخْرُجُ، كَمَا لَوْ أَجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، فِي الْمُشَاعِ: يُؤْجِرُهُ الْحَاكِمُ لَهُمَا.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخِلَافِ، أَنَّ مَنَافِعَ الرَّهْنِ تُعَطَّلُ مُطْلَقًا، وَلَا يُؤْجَرَاهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالُوا: إذَا أَجَرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، كَانَ إخْرَاجًا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَقْتَضِي حَبْسَهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى الدَّوَامِ، فَمَتَى وُجِدَ عَقْدٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ زَوَالَ الْحَبْسِ زَالَ الرَّهْنُ.
وَلَنَا، أَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ، وَاسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الِانْتِفَاعَ بِهِ، وَلَا إجَارَتَهُ، وَلَا إعَارَتَهُ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَانْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِهِ، وَلِأَنَّ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِهِ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ عَيْنٌ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْوَثِيقَةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ إجَارَتَهَا، كَالْعَبْدِ إذَا ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّده، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ الْحَبْسُ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ بِهِ الْوَثِيقَةُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ مُقْتَضَاهُ الْحَبْسُ، فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ نَائِبًا عَنْهُ فِي إمْسَاكِهِ وَحَبْسِهِ، وَمُسْتَوْفِيًا لِمَنْفَعَتِهِ لِنَفْسِهِ.

[فَصْلٌ إصْلَاحِ الرَّهْنِ وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ وَمُدَاوَاتِهِ]

(3378) فَصْلٌ: وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ إصْلَاحِ الرَّهْنِ، وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ، وَمُدَاوَاتِهِ إنْ احْتَاجَ

إلَيْهَا، فَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَاشِيَةً فَاحْتَاجَتْ إلَى إطْرَاقِ الْفَحْلِ، فَلِلرَّاهِنِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلرَّهْنِ، وَزِيَادَتَهُ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ، فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَإِنْ كَانَتْ فُحُولًا لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إطْرَاقُهَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا مَصْلَحَةَ لِلرَّهْنِ فِيهِ، فَهُوَ كَالِاسْتِخْدَامِ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ الْإِطْرَاقِ، فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُدَاوَاةِ لَهُ.

[مَسْأَلَةٌ مُؤْنَةُ الرَّهْنِ]

(3379) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمُؤْنَةُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَمَاتَ، فَعَلَيْهِ كَفَنُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُخَزَّنُ، فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَخْزَنِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مُؤْنَةَ الرَّهْنِ مِنْ طَعَامِهِ، وَكُسْوَتِهِ، وَمَسْكَنِهِ، وَحَافِظِهِ، وَحِرْزِهِ، وَمَخْزَنِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَجْرُ الْمَسْكَنِ وَالْحَافِظِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ إمْسَاكِهِ وَارْتِهَانِهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إنْفَاقٍ، فَكَانَ عَلَى الرَّاهِنِ، كَالطَّعَامِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، فَكَانَ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ وَحَافِظُهُ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ.
وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ فَأُجْرَةُ مَنْ يَرُدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ بِقَدْرِ الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَبِقَدْرِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى مُدَاوَاتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ فَذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، هُوَ كَأَجْرِ مَنْ يَرُدُّهُ مِنْ إبَاقِهِ.
وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ يَدُ ضَمَانٍ، بِقَدْرِ دَيْنِهِ فِيهِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ.
وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ، كَتَجْهِيزِهِ، وَتَكْفِينه، وَدَفْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لِمُؤْنَتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ مُؤْنَةُ شَخْصٍ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ كَتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالْأَقَارِبِ مِنْ الْأَحْرَارِ.

[فَصْلٌ كَانَ الرَّهْنُ ثَمَرَةً فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ وَتَسْوِيَةٍ وَجُذَاذٍ]

(3380) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ ثَمَرَةً فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ وَتَسْوِيَةٍ وَجُذَاذٍ، فَذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى تَجْفِيفٍ، وَالْحَقُّ مُؤَجَّلٌ، فَعَلَيْهِ التَّجْفِيفُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا رَهْنًا حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ.
وَإِنْ كَانَ حَالًّا، بِيعَتْ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْفِيفِهَا.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهَا وَجَعْلِ ثَمَنِهَا رَهْنًا بِالْحَقِّ الْمُؤَجَّلِ، جَازَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَسْتَبْقِيهَا بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَقِلُّ قِيمَتُهُ بِالتَّجْفِيفِ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ رَطْبًا، فَإِنَّهُ يُبَاعُ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ مَكَانَهُ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ فِي وَقْتٍ، فَلَهُمَا ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَسَوَاء كَانَ الْأَصْلَحُ الْقَطْعَ أَوْ التَّرْكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَدَّمْنَا قَوْلَ مِنْ طَلَبَ الْأَصْلَحَ، إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَطْعَ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنَ، فَهُوَ طَالِبٌ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ الْحَالِّ، فَلَزِمَ إجَابَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنَ، فَهُوَ يَطْلُبُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِهِ، وَتَخْلِيصَ عَيْنِ مِلْكِهِ مِنْ الرَّهْنِ، وَالْقَطْعُ أَحْوَطُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي تَبَقَّيْته غَرَرًا.
ذَكَرَ الْقَاضِي هَذَا فِي الْمُفْلِسِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ

أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي الثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ بِالْقَطْعِ نَقْصًا كَثِيرًا، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إتْلَافٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى نَقْضِ دَارِهِ لِيَبِيعَ أَنْقَاضِهَا، وَلَا عَلَى ذَبْحِ فَرَسِهِ لِيَبِيعَ لَحْمَهَا، وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا قَبْلَ كَمَالِهَا، لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا قَبْلَهُ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ بِحَالٍ.

[فَصْلٌ كَانَ الرَّهْنُ مَاشِيَةً تَحْتَاجُ إلَى إطْرَاقِ الْفَحْلِ]

(3381) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَاشِيَةً تَحْتَاجُ إلَى إطْرَاقِ الْفَحْلِ، لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَقَائِهَا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهَا زِيَادَةً لَهُمَا، لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيهِ.
وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى رَعْيٍ، فَعَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يُقِيمَ لَهَا رَاعِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى عَلْفِهَا.
وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بِهَا لِيَرْعَاهَا فِي مَكَان آخَرَ، وَكَانَ لَهَا فِي مَكَانِهَا مَرْعَى تَتَمَاسَكُ بِهِ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهَا إخْرَاجَهَا عَنْ نَظَرِهِ وَيَدِهِ.
وَإِنْ أَجْدَبَ مَكَانُهَا، فَلَمْ يَجِدْ مَا تَتَمَاسَكُ بِهِ فَلِلرَّاهِنِ السَّفَرُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، لِأَنَّهَا تَهْلَكُ إذَا لَمْ يُسَافِرْ بِهَا، إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ فِي يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيَانِ بِهِ، أَوْ يَنْصِبُهُ الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ السَّفَرِ بِهَا، فَلِلْمُرْتَهِنِ نَقْلُهَا؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهَا هَلَاكَهَا، وَضَيَاعَ حَقِّهِ مِنْ الرَّهْنِ.
فَإِنْ أَرَادَا جَمِيعًا السَّفَرَ بِهَا، وَاخْتَلَفَا فِي مَكَانِهَا، قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ يُعَيِّنُ الْأَصْلَحَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا، قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُرْتَهِن.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَدَّمُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْوَاهَا إلَى يَدِ عَدْلٍ.
وَلَنَا، أَنَّ الْيَدَ لِلْمُرْتَهِنِ، فَكَانَ أَوْلَى، كَمَا لَوْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَأَيُّهُمَا أَرَادَ نَقْلَهَا عَنْ الْبَلَدِ مَعَ خِصْبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ، سَوَاءٌ أَرَادَ نَقْلَهَا إلَى مِثْلِهِ، أَوْ أَخْصَبِ مِنْهُ، إذْ لَا مَعْنَى لِلْمُسَافِرَةِ بِالرَّهْنِ مَعَ إمْكَانِ تَرْكِ السَّفَرِ بِهِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِهَا، جَازَ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا.

[فَصْلٌ مَرِضَ الْمَرْهُون فَاحْتَاجَ إلَى دَوَاءٍ]

(3382) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ عَبْدًا يَحْتَاجُ إلَى خِتَانٍ، وَالدَّيْنُ حَالٌّ، أَوْ أَجَلُهُ قَبْلَ بُرْئِهِ، مُنِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ ثَمَنَهُ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، وَإِنْ كَانَ يَبْرَأُ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ، وَالزَّمَانُ مُعْتَدِلٌ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَيَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ، وَلَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ، وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ.
فَإِنْ مَرِضَ، فَاحْتَاجَ إلَى دَوَاءٍ، لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ سَبَبٌ لِبَقَائِهِ، وَقَدْ يَبْرَأُ بِغَيْرِ عِلَاجٍ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ مُدَاوَاتَهُ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدِ مِنْهُمَا.
وَإِنْ كَانَ الدَّوَاءُ مِمَّا يُخَافُ غَائِلَتُهُ، كَالسُّمُومِ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَهُ.
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى فَصْدٍ، أَوْ احْتَاجَتْ الدَّابَّةُ إلَى تَوْدِيجٍ، وَمَعْنَاهُ فَتْحُ الْوَدَجَيْنِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، وَهُمَا عِرْقَانِ عَرِيضَانِ غَلِيظَانِ

مِنْ جَانِبَيْ ثَغْرَةِ النَّحْرِ، أَوْ تَبْزِيغٍ، وَهُوَ فَتْحُ الرَّهْصَةِ، فَلِلرَّاهِنِ فِعْلُ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا.
وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بِدَوَاءٍ لَا يُخَافُ مِنْهُ، جَازَ، وَإِنْ خِيفَ مِنْهُ، فَأَيُّهُمَا امْتَنَعَا مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ.
وَإِنْ كَانَتْ بِهِ آكِلَةٌ كَانَ لَهُ قَطْعُهَا؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ تَرْكِهَا لَا مِنْ قَطْعِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِلَحْمِ مَيِّتٍ.
وَإِنْ كَانَتْ بِهِ خَبِيثَةٌ، فَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: الْأَحْوَطُ قَطْعُهَا.
وَهُوَ أَنْفَعُ مِنْ بَقَائِهَا، فَلِلرَّاهِنِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ.
وَإِنْ تَسَاوَى الْخَوْفُ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطْعُهَا؛ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ جُرْحًا فِيهِ لَمْ يَتَرَجَّحْ إحْدَاثُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ بِهِ سِلْعَةٌ أَوْ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ، لَمْ يَمْلِكْ الرَّاهِنُ قَطْعَهَا؛ لِأَنَّ قَطْعَهَا يُخَافُ مِنْهُ، وَتَرْكَهَا لَا يُخَافُ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ جَرِبَةً، فَأَرَادَ الرَّاهِنُ دَهْنَهَا بِمَا يُرْجَى نَفْعُهُ، وَلَا يُخَافُ ضَرَرُهُ، كَالْقَطِرَانِ وَالزَّيْتِ الْيَسِيرِ، لَمْ يُمْنَعْ.
وَإِنْ خِيفَ ضَرَرُهُ، كَالْكَثِيرِ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ لَهُ مُعَالَجَةَ مِلْكِهِ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ مُدَاوَاتَهَا بِمَا يَنْفَعُهَا، وَلَا يُخْشَى ضَرَرُهُ، لَمْ يُمْنَعْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ حَقِّهِ بِمَا لَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ خِيفَ مِنْهُ الضَّرَرُ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَطَرًا بِحَقِّ غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ كَانَ الرَّهْنُ نَخْلًا فَاحْتَاجَ إلَى تَأْبِيرٍ]

(3383) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ نَخْلًا، فَاحْتَاجَ إلَى تَأْبِيرٍ، فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً بِغَيْرِ مَضَرَّةٍ.
وَمَا يَسْقُطُ مِنْ لِيفٍ أَوْ سَعَفٍ أَوْ عَرَاجِينَ، فَهُوَ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهِ، أَوْ مِنْ نَمَائِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ مِنْ الرَّهْنِ.
بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ النَّمَاءَ لَيْسَ مِنْهُ.
وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ السَّعَفَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْيَانِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا عَقْدُ الرَّهْنِ، فَكَانَتْ مِنْهُ، كَالْأُصُولِ وَأَنْقَاضِ الدَّارِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ كَرْمًا فَلَهُ زِبَارُهُ، لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ.
وَالزَّرَجُونُ مِنْ الرَّهْنِ.
وَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ مُزْدَحِمًا، وَفِي قَطْعِ بَعْضِهِ صَلَاحٌ لِمَا يُبْقِي، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ تَحْوِيلَهُ كُلَّهُ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.
وَإِنْ قِيلَ: هُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْلَقُ فَيَفُوتُ الرَّهْنُ.
وَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ فِعْلِ هَذَا كُلِّهِ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا فِيهِ زِيَادَةٌ مِنْ الرَّهْنِ.

[فَصْلٌ حُكْم الزِّيَادَة فِي الرَّهْن]

(3384) فَصْلٌ: وَكُلُّ زِيَادَةٍ تَلْزَمُ الرَّاهِنَ إذَا امْتَنَعَ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اكْتَرَى لَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اكْتَرَى مِنْ الرَّهْنِ.
فَإِنْ بَذَلَهَا الْمُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، أَوْ إذْنِ الْحَاكِمِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إذْنِ الرَّاهِنِ، مُحْتَسِبًا، رَجَعَ بِهِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ إذْنُهُمَا، أَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَ، لِيَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ.
وَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا، وَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ مَعَ إمْكَانِهِ، أَوْ مِنْ غَيْر إشْهَاد بِالرُّجُوعِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِئْذَانِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ لِيَكُونَ الرَّهْنُ رَهْنًا بِالنَّفَقَةِ وَالدَّيْنِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَصِرْ رَهْنًا بِالنَّفَقَةِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ: أَنْفَقْت مُتَبَرِّعًا.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ أَنْفَقْت مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛

لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي نِيَّتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا، وَلَا اطِّلَاعَ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ الرَّاهِنُ مُحْتَمِلٌ.
وَكُلُّ مُؤْنَةٍ لَا تَلْزَمُ الرَّاهِنَ، كَنَفَقَةِ الْمُدَاوَاةِ وَالتَّأْبِيرِ وَأَشْبَاهِهِمَا، لَا يَرْجِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ إذَا أَنْفَقَهَا مُحْتَسِبًا أَوْ مُتَبَرِّعًا.

[مَسْأَلَةٌ الرَّهْنُ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ]

(3385) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالرَّهْنُ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ عِنْدَ مَحِلِّهِ، وَكَانَتْ الْمُصِيبَةُ فِيهِ مِنْ رَاهِنِهِ، وَإِنْ كَانَ بِتَعَدِّي الْمُرْتَهِنِ، أَوْ لَمْ يَحْرُزْهُ، ضَمِنَ) أَمَّا إذَا تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ، أَوْ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ لِلرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُ حَتَّى تَلِفَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
لَا نَعْلَمُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ خِلَافًا؛ وَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَهُ إذَا تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ، كَالْوَدِيعَةِ.
وَأَمَّا إنْ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ.
يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَيُرْوَى عَنْ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ أَنَّ الرَّهْنَ يَضْمَنُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ» وَقَالَ.
مَالِكٌ إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِأَمْرِ ظَاهِرٍ، كَالْمَوْتِ وَالْحَرِيقِ، فَمِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهُ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَضَمِنَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ وَيَرْوِي ذَلِكَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَطَاءٌ، أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا، فَنَفَقَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «ذَهَبَ حَقُّك» . وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ لِلِاسْتِيفَاءِ، فَيَضْمَنُهَا مَنْ قَبَضَهَا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ قَبَضَهَا نَائِبُهُ، كَحَقِيقَةِ الْمُسْتَوْفَى، وَلِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِدَيْنٍ، فَكَانَ مَضْمُونًا، كَالْمَبِيعِ إذَا حُبِسَ لِاسْتِيفَاءِ ثَمَنِهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَلَفْظُهُ: «الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ» وَبَاقِيه سَوَاءٌ.
قَالَ: وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُنَيْسَةَ.
وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَا يَضْمَنُ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ، وَكَالْكَفِيلِ وَالشَّاهِدِ، وَلِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدِ وَاحِدٍ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ، فَكَانَ جَمِيعُهُ أَمَانَةً، كَالْوَدِيعَةِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِهِ الْعَقَارُ، لَا يُضْمَنُ بِهِ الذَّهَبُ.
كَالْوَدِيعَةِ، فَأَمَّا حَدِيثُ عَطَاءٍ فَهُوَ مُرْسَلٌ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ يُخَالِفُهُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يَرْوِيه إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَكَانَ كَذَّابًا، وَقِيلَ: يَرْوِيه مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَانَ ضَعِيفًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ، ذَهَبَ حَقُّك مِنْ الْوَثِيقَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ قَدْرِ الدَّيْنِ

وَقِيمَةِ الْفَرَسِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ إنْ صَحَّ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا الْمُسْتَوْفَى فَإِنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُسْتَوْفِي، وَلَهُ نَمَاؤُهُ وَغُنْمُهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَغُرْمُهُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، وَالْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ مَمْنُوعٌ.

[فَصْلٌ قَضَى الرَّاهِن الْمُرْتَهِن جَمِيعَ الْحَقِّ]

(3386) فَصْلٌ: وَإِذَا قَضَاهُ جَمِيعَ الْحَقِّ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ، بَقِيَ الرَّهْنُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَضَاهُ كَانَ مَضْمُونًا، وَإِذَا أَبْرَأهُ أَوْ وَهَبَهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا اسْتِحْسَانًا.
وَهَذَا مُنَاقَضَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مَضْمُونٌ مِنْهُ، لَمْ يَزُلْ، وَلَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ.
وَعِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ أَمَانَةً، وَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، فَهُوَ كَالْوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِهَا، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي إمْسَاكِهِ، فَأَمَّا إنْ سَأَلَ مَالِكُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ دَفْعَهُ إلَيْهِ، لَزِمَ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ دَفْعُهُ إلَيْهِ، إذَا أَمْكَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، صَارَ ضَامِنًا، كَالْمُودَعِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ رَدِّ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا.
وَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لِعُذْرٍ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ طَرِيقٌ مُخِيفٌ، أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ لَا يُمْكِنُهُ فَتْحُهُ، أَوْ كَانَ يَخَافُ فَوْتَ جُمُعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، أَوْ فَوْتَ صَلَاةٍ، أَوْ بِهِ مَرَضٌ، أَوْ جُوعٌ شَدِيدٌ، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَأَخَّرَ التَّسْلِيمَ لِذَلِكَ، فَتَلِفَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الْمُودِعَ.

[فَصْلٌ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَوَجَدَهُ مُسْتَحَقًّا]

(3387) فَصْلٌ: وَإِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، فَوَجَدَهُ مُسْتَحَقًّا، لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَالرَّهْنُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ فَإِنْ أَمْسَكَهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ، حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِهِ، اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ لِذَلِكَ، وَإِنْ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ، رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ حَتَّى تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا يَضْمَنُ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَالَ غَيْرِهِ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ عَلِمَ.
وَالثَّانِي، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ مِنْ غَيْر عِلْمه، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْوَدِيعَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ لَا غَيْرُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ، أَنَّ لِلْمَالِكِ تَضْمِينَ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ، كَالْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ.

[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ]

(3388) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَقِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا بِمَا قَالَ بَيِّنَةٌ) .

يَعْنِي: إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ، إذَا تَلِفَ فِي الْحَالِ الَّتِي يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ ضَمَانُهُ، وَهِيَ إذَا تَعَدَّى، أَوْ لَمْ يَحْرُزْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَلِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَقِّ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ.
فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِأَلْفَيْنِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْبَتِّيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ ثَمَنَ الرَّهْنِ، أَوْ قِيمَتَهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ بِقَدْرِ الْحَقِّ.
وَلَنَا، أَنَّ الرَّاهِنَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمُرْتَهِنُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لَقَوْلِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهَا، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الدَّيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الظَّاهِرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ رَهْنُ الشَّيْءِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي قَدْرِ مَا رَهَنَهُ بِهِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ رَهَنَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا، فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ أَلْفَانِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: إنَّمَا رَهَنْتُك بِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ رَهَنْته بِهِمَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ بِعَبْدِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ رَهْنٌ بِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: هُوَ رَهْنٌ بِالْمُؤَجَّلِ.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِالْحَالِّ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الرَّهْنِ]

(3389) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الرَّهْنِ، فَقَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ.
قَالَ: بَلْ هُوَ وَالْعَبْدَ الْآخَرَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ قَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ.
قَالَ: بَلْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ.
خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ، لِاعْتِرَافِ الْمُرْتَهِنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ، وَحَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى أَنَّهُ مَا رَهَنَهُ الْجَارِيَةَ، وَخَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ أَيْضًا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الرَّهْنِ إلَى الرَّاهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَأْجِرِ، إذَا ادَّعَى رَدَّ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ فِيهِمَا وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي الرَّدِّ، بِنَاءً عَلَى الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ بِجَعْلٍ، إذَا ادَّعَيَا الرَّدَّ، فَإِنَّ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَبَضَ الْعَيْنَ لِيَنْتَفِعَ بِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْوَكِيلُ، قَبَضَ الْعَيْنَ لِيَنْتَفِعَ بِالْجَعْلِ لَا بِالْعَيْنِ، وَالْمُضَارِبُ قَبَضَهَا لِيَنْتَفِعَ بِرِبْحِهَا

لَا بِهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَلَفِ الْعَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّلَفِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ، كَالْمُودَعِ.

[فَصْلٌ قَالَ بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي بِثَمَنِهِ عَبْدَيْك هَذَيْنِ قَالَ بَلْ عَلَى أَنْ أَرْهَنَك هَذَا وَحْدَهُ]

(3390) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ، عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي بِثَمَنِهِ عَبْدَيْك هَذَيْنِ.
قَالَ: بَلْ عَلَى أَنْ أَرْهَنَك هَذَا وَحْدَهُ.
فَفِيهَا رِوَايَتَانِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي، إحْدَاهُمَا، يَتَحَالَفَانِ، لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْبَيْعِ، فَهُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ.
وَالثَّانِيَةُ، الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِشَرْطِ رَهْنِ الْعَبْدِ الَّذِي اخْتَلَفَا فِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَهَذَا أَصَحُّ.

(3391) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَرْسَلْت وَكِيلَك، فَرَهَنَنِي عَبْدَك، عَلَى عِشْرِينَ قَبَضَهَا.
قَالَ: مَا أَمَرْته بِرَهْنِهِ إلَّا بِعَشْرَةِ، وَلَا قَبَضْت إلَّا عَشَرَةً سُئِلَ الرَّسُولُ، فَإِنْ صَدَّقَ الرَّاهِنَ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا رَهَنَهُ إلَّا بِعَشْرَةِ، وَلَا قَبَضَ إلَّا عَشَرَةً، وَلَا يَمِينَ عَلَى الرَّاهِنِ، لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيلُ بَرِئَا جَمِيعًا، وَإِنْ نَكِلَ، فَعَلَيْهِ الْعَشَرَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ يُصَدِّقُ الرَّاهِنَ فِي أَنَّهُ مَا أَخَذَهَا، وَلَا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا، وَإِنَّمَا الْمُرْتَهِنُ ظَلَمَهُ.
وَإِنْ صَدَّقَ الْوَكِيلُ الْمُرْتَهِنَ، وَادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَ الْعِشْرِينَ إلَى الرَّاهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينه.
فَإِنْ نَكِلَ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْعَشَرَةِ، وَيَدْفَعُ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَعَلَى الرَّسُولِ غَرَامَةُ الْعَشَرَةِ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهَا حَقٌّ لَهُ وَإِنَّمَا الرَّاهِنُ ظَلَمَهُ.
وَإِنْ عَدِمَ الرَّسُولَ، أَوْ تَعَذَّرَ إحْلَافُهُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَذِنَ فِي رَهْنِهِ إلَّا بِعَشْرَةٍ، وَلَا قَبَضَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَيَبْقَى الرَّهْنُ بِالْعَشَرَةِ الْأُخْرَى.

(3392) فَصْلٌ: إذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَانِ، أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ، وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ، فَقَضَى أَلْفًا، وَقَالَ: قَضَيْت دَيْنَ الرَّهْنِ.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ قَضَيْت الدَّيْنَ الْآخَرَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينه، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي نِيَّةِ الرَّاهِنِ بِذَلِكَ أَوْ فِي لَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَصِفَةِ، دَفْعِهِ، وَلِأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الدَّيْنَ الْبَاقِيَ بِلَا رَهْنٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَضَاءَ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهُ صَرْفُهَا إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ، فَأَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا، كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ شَاءَ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ بَعْضِهِمْ: يَقَعُ الدَّفْعُ عَنْ الدَّيْنَيْنِ مَعًا، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْقَضَاءِ، فَتُسَاوَيَا فِي وُقُوعِهِ عَنْهُمَا، فَأَمَّا إنْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ، وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرَّاهِنِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.

[فَصْلٌ اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى قَبْضِ الْعَدْلِ لِلرَّهْنِ]

(3393) فَصْلٌ: وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى قَبْضِ الْعَدْلِ لِلرَّهْنِ لَزِمَ الرَّهْنُ فِي حَقِّهِمَا، وَلَمْ يَضُرَّ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَبَضَهُ الْعَدْلُ.
فَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، كَمَا

لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ.
وَلَوْ شَهِدَ الْعَدْلُ بِالْقَبْضِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ رَهَنْتنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفِ فَقَالَ بَلْ قَدْ غَصَبْته أَوْ اسْتَعَرْته]

(3394) فَصْلٌ: إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فَقَالَ: رَهَنْتنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ: بَلْ قَدْ غَصَبْته، أَوْ اسْتَعَرْته.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِالدَّيْنِ أَوْ جَحَدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ.
وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: بِعْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ قَالَ: بَلْ رَهَنْته عِنْدِي بِهَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْعَقْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ، وَيَأْخُذُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: رَهَنْتَكَهُ بِأَلْفٍ أَقْرَضْتنِيهِ.
قَالَ: بَلْ بِعْتنِيهِ بِأَلْفٍ قَبَضْته مِنِّي ثَمَنًا.
فَكَذَلِكَ، وَيَرُدُّ صَاحِبُ الْعَبْدِ الْأَلْفَ، وَيَأْخُذُ عَبْدَهُ.

[فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلَيْنِ فَقَالَ رَهَنْتُمَانِي عَبْدَكُمَا بِدَيْنِي عَلَيْكُمَا فَأَنْكَرَاهُ]

(3395) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: رَهَنْتُمَانِي عَبْدَكُمَا بِدَيْنِي عَلَيْكُمَا.
فَأَنْكَرَاهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا، فَإِنْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَصِيرَ جَمِيعُهُ رَهْنًا، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَصِيرَ نَصِيبُ الْآخَرِ رَهْنًا، وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ شَهِدَ الْمُقِرُّ عَلَى الْمُنْكِرِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْلُبُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا أَنْكَرَا جَمِيعًا فِي شَهَادَتِهِمَا نَظَرَ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ يَدَّعِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَالِمٌ لَهُ بِجُحُودِهِ حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِذَا طَعَنَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي شُهُودِهِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ لَهُ.
قُلْنَا: لَا يَصِحُّ هَذَا؛ فَإِنَّ إنْكَارَ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ بِهِ فِسْقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَنْسَى، أَوْ تَلْحَقهُ شُبْهَةٌ فِيمَا يَدَّعِيه أَوْ يُنْكِرهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَدَاعَى رَجُلَانِ شَيْئًا، وَتَخَاصَمَا فِيهِ، ثُمَّ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَيْءٍ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فِي مُخَالَفَتِهِ لِصَاحِبِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْفِسْقُ بِذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا جَمِيعًا، مَعَ تَحَقُّقِ الْجَرْحِ فِي أَحَدِهِمَا.

[فَصْلٌ رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ]

فَصْلٌ: وَإِذَا رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ، فَنِصْفُهَا رَهْنٌ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَيْنِهِ، وَمَتَى وَفَّى أَحَدُهُمَا، خَرَجَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ، فَكَأَنَّهُ رَهَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ مُفْرَدًا، فَإِنْ أَرَادَ مُقَاسَمَةَ الْمُرْتَهِنِ، وَأَخْذَ نَصِيبِ مَنْ وَفَّاهُ، وَكَانَ الرَّهْنُ مِمَّا لَا تَنْقُصُهُ الْقِسْمَةُ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، لَزِمَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَنْقُصُهُ الْقِسْمَةُ، لَمْ تَجِبْ قِسْمَتُهُ؛ لِأَنَّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ضَرَرًا فِي قِسْمَتِهِ، وَيُقَرُّ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، نِصْفُهُ رَهْنٌ، وَنِصْفُهُ وَدِيعَةٌ، وَإِنْ رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدَهُمَا عِنْدَ رَجُلٍ، فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا، انْفَكَّ الرَّهْنُ فِي نَصِيبِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي رَجُلَيْنِ رَهَنَا دَارًا لَهُمَا عِنْدَ رَجُلٍ، عَلَى أَلْفٍ، فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَقْضِ الْآخَرُ: فَالدَّارُ رَهْنٌ عَلَى مَا بَقِيَ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رَجُلٍ رَهَنَ عَبْدَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ، فَوَفَّى أَحَدُهُمَا، فَجَمِيعُهُ رَهْنٌ عِنْدَ الْآخَرِ، حَتَّى يُوَفِّيَهُ، وَهَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي الْخَطَّابِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ مُقَاسَمَةُ الْمُرْتَهِنِ، لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْعَيْنَ كُلَّهَا تَكُونُ رَهْنًا، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ رَهَنَ نِصْفَ الْعَبْدِ عِنْدَ رَجُلٍ، فَصَارَ جَمِيعُهُ رَهْنًا.
وَلَوْ رَهَنَ

اثْنَانِ عَبْدًا لَهُمَا عِنْدَ اثْنَيْنِ بِأَلْفٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ، وَيَصِيرُ كُلُّ رُبْعٍ مِنْ الْعَبْدِ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، فَمَتَى قَضَاهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ، انْفَكَّ مِنْ الرَّهْنِ ذَلِكَ الْقَدْرُ.
قَالَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ.

[فَصْلٌ ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُمَا عَبْدَهُ فَأَنْكَرَهُمَا جَمِيعًا]

(3397) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُمَا عَبْدَهُ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: رَهَنَهُ عِنْدِي دُونَ صَاحِبِي.
فَأَنْكَرَهُمَا جَمِيعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ أَحَدَهُمَا، وَصَدَّقَ الْآخَرَ، سُلِّمَ إلَى مَنْ صَدَّقَهُ، وَحُلِّفَ الْآخَرُ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ عَيْنَ الْمُرْتَهِنِ مِنْهُمَا.
حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينه.
وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ، وَصَارَ رَهْنًا عِنْدَهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، أَقْرَعِ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا مِلْكَهُ.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْته عِنْدَ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ رَهَنْته لِلْآخَرِ، وَلَا أَعْلَمُ السَّابِقَ مِنْهُمَا.
فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا هُوَ السَّابِقُ بِالْعَقْدِ وَالْقَبْضِ.
سُلِّمَ إلَيْهِ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ نَكِلَ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْأَوَّلِ، أَوْ يَدِ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلثَّانِي، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ لِزَيْدٍ، وَغَصَبْته مِنْ عَمْرٍو.
فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى زَيْدٍ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو.
وَإِنْ نَكِلَ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الثَّانِي، أَقَرَّ فِي يَدِهِ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ مَا فَعَلَ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَقَرَّ لَهُ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ، كَمَا قُلْنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا اعْتَرَفَ بِهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، فَهَلْ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْ الْمُقِرُّ لَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلَوْ اعْتَرَفَ لَأَحَدِهِمَا وَهُوَ فِي يَدَيْهِمَا.
ثَبَتَتْ يَدُ الْمُقِرِّ لَهُ فِي النِّصْفِ، وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَجْهَانِ.

[فَصْلٌ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ]

(3398) فَصْلٌ: إذَا أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، جَازَ، وَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِثَمَنِهِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ مُطْلَقًا، فَبَاعَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِوَضُهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيمَا يُنَافِي حَقَّهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ فِي عِتْقِهِ، وَلِلْمَالِكِ أَخْذُ ثَمَنِهِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ بَاعَ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حَقُّهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ حَلَّ الدَّيْنُ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ، وَالثَّمَنُ بَدَلُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، مُتْلِفٌ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ لَا يَمْلِكُهُ الْمُرْتَهِنُ، فَإِذَا أَذِنَ فِيهِ، أَسْقَطَ حَقَّهُ، كَالْعِتْقِ، وَيُخَالِفُ مَا بَعْدَ الْحُلُولِ، لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ الْبَيْعَ، وَيُخَالِفُ الْإِتْلَافَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمُرْتَهِنِ.
فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْت بِإِطْلَاقِ الْإِذْنِ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي بَيْعًا بِفَسْخِ الرَّهْنِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا، أَوْ يُعَجِّلَ لَهُ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ، جَازَ، وَلَزِمَ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
وَإِنْ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ، وَاخْتَلَفَا فِي شَرْطِ جَعْلِ ثَمَنِهِ رَهْنًا، أَوْ تَعْجِيلِ دَيْنِهِ مِنْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَثِيقَةِ.
وَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي الْبَيْعِ،

ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَبَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالرُّجُوعِ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، وَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَقَبْلَ الْعِلْمِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الرُّجُوعِ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ، وَعَدَمُ الْبَيْعِ قَبْلَ الرُّجُوعِ، فَتَعَارَضَ الْأَصْلَانِ، وَبَقِيت الْعَيْنُ رَهْنًا عَلَى مَا كَانَتْ.
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَهَذَا فِيمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ، فَأَمَّا مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهِ، كَاَلَّذِي خِيفَ تَلَفُهُ، إذَا أَذِنَ فِي بَيْعِهِ مُطْلَقًا، تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِثَمَنِهِ، لِأَنَّ بَيْعَهُ مُسْتَحَقٌّ، فَأَشْبَهَ مَا بِيعَ بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ.

[فَصْلٌ إذَا حَلَّ الْحَقُّ لَزِمَ الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ]

(3399) فَصْلٌ: إذَا حَلَّ الْحَقُّ، لَزِمَ الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ، فَلَزِمَ إيفَاؤُهُ، كَاَلَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ، وَكَانَ قَدْ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لِلْعَدْلِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، بَاعَهُ، وَوَفَّى الْحَقَّ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ فَلِمَالِكِهِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَعَلَى الرَّاهِنِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِ، أَوْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُمَا ثُمَّ عَزَلَهُمَا، طُولِبَ بِالْوَفَاءِ وَبَيْعِ الرَّهْنِ، فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا فَعَلَ الْحَاكِمُ مَا يَرَى مِنْ حَبْسِهِ وَتَعْزِيرِهِ لِبَيْعِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَمِينِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ، لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، لَا عَلَى مَالِهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي أَدَائِهِ كَالْإِيفَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَإِنْ وَفَّى الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ.

[مَسْأَلَةٌ الْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ]

(3400) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، حَيًّا كَانَ الرَّاهِنُ أَوْ مَيِّتًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ مَالُ الرَّاهِنِ عَنْ دُيُونِهِ، وَطَالَبَ الْغُرَمَاءُ بِدُيُونِهِمْ، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلْسِهِ، وَأُرِيدَ قِسْمَةُ مَالِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، فَأَوَّلُ مَنْ يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ بَعْض عَبِيدِ الْمُفْلِسِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ مَنْ لَهُ رَهْنٌ؛ فَإِنَّهُ يُخَصُّ بِثَمَنِهِ عَنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ مَعًا، وَسَائِرُهُمْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَكَانَ حَقُّهُ أَقْوَى، وَهَذَا مِنْ أَكْثَرِ فَوَائِدِ الرَّهْنِ، وَهُوَ تَقْدِيمُهُ بِحَقِّهِ عِنْدَ فَرْضِ مُزَاحَمَةِ الْغُرَمَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ، فَيُبَاعُ الرَّهْنُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ وَفْقَ حَقِّهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِهِ رُدَّ الْبَاقِي عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ أَخَذَ ثَمَنَهُ، وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دَيْنِهِ، ثُمَّ مَنْ بَعْدِ ذَلِكَ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ دَيْنُهُ ثَابِتٌ بِجِنَايَةِ الْمُفْلِسِ، لَمْ يُقَدَّمْ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ، بِخِلَافِ أَرْشِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ تَعَلَّقَ

حَقُّهُ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْقَاقِ ثَمَنِ الرَّهْنِ وَالِاخْتِصَاصِ بِهِ بَيْنَ كَوْنِ الرَّهْنِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ الْمَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، فَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِهِ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ.

[فَصْلٌ بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَتُلْفِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ وَخَرَجَتْ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً]

(3401) فَصْلٌ: وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ بَاعَهُ وَكِيلُهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَتُلْفِ، وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ، وَخَرَجَتْ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً، سَاوَى الْمُشْتَرِي الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَرْشِ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، فَكَانَ أَوْلَى كَالْمُرْتَهِنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ، لَامْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ شِرَاءِ مَالِ الْمُفْلِسِ، خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ، فَتَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِيهِ، وَيَقِلُّ ثَمَنُهُ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ أَنْفَعَ لَهُمْ.
وَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حَقٌّ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَلَمْ يُقَدَّمْ، كَاَلَّذِي جَنَى عَلَيْهِ الْمُفْلِسُ، وَفَارَقَ الْمُرْتَهِنَ، فَإِنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مُنْتَقَضٌ بِأَرْشِ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ، وَالثَّانِي مَصْلَحَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الثَّمَنُ مَوْجُودًا، يُمْكِنُ رَدُّهُ، وَجَبَ رَدُّهُ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ يَأْخُذُهَا، وَمَتَى بَاعَ الْعَدْلُ مَالَ الْمُفْلِسِ، أَوْ بَاعَ الرَّهْنَ وَخَرَجَتْ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً، فَالْعُهْدَةُ، عَلَى الْمُفْلِسِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.

[فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُؤَجَّر]

(3402) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ، أَوْ شَيْئًا غَيْرَهُمَا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ فَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ، وَالْمَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِهَا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا.
فَإِنْ هَلَكَ الْبَعِيرُ، أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ، قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا فِي الذِّمَّةِ أَوْ غَيْرَهُ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ، فَالْمُسْتَأْجِرُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
فَإِنْ آجَرَ دَارًا ثُمَّ أَفْلَسَ، فَاتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى الْبَيْعِ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَيَبِيعُونَهَا مُسْتَأْجَرَةً، وَإِنْ اخْتَلَفُوا، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْبَيْعَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ مِنْ التَّأْخِيرِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ يُسَلِّمُ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى تَأْخِيرِ الْبَيْعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ.

[فَصْلٌ بَاعَ سِلْعَةً ثُمَّ أَفْلَسَ قَبْلَ تَقْبِيضِهَا]

(3403) فَصْلٌ: وَلَوْ بَاعَ سِلْعَةً، ثُمَّ أَفْلَسَ قَبْلَ تَقْبِيضِهَا، فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَهَا، وَثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهَا، فَكَانَ أَحَقَّ

بِهَا، كَمَا لَوْ قَبَضَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَمَا بَعْدَهُ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سَلَمٌ فَوَجَدَ الْمُسْلِمُ الثَّمَنَ قَائِمًا.
فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، فَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِعَيْنِ مَالٍ، وَلَا ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهِ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالْمُسْلِمِ فِيهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ دُونَ الثَّمَنِ، فَيُعْزَلُ لَهُ قَدْرُ حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ جِنْسُ حَقِّهِ، أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جِنْسُ حَقِّهِ، عُزِلَ لَهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، فَيَشْتَرِي بِهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ، فَيَأْخُذُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَعْزُولَ بِعَيْنِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ بَدَلًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِي بِالْمَعْزُولِ أَكْثَرِ مِمَّا قُدِّرَ لَهُ، لِرُخْصِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، اُشْتُرِيَ لَهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَرُدَّ الْبَاقِي عَلَى الْغُرَمَاءِ.
مِثَالُهُ، رَجُلٌ أَفْلَسَ وَلَهُ دِينَارٌ، وَعَلَيْهِ لِرَجُلٍ دِينَارٌ، وَلِآخَرَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ مِنْ سَلَمٍ قِيمَتُهُ دِينَارٌ.
فَإِنَّهُ يُقْسَمُ دِينَارُ الْمُفْلِسِ نِصْفَيْنِ، لِصَاحِبِ الدِّينَارِ نِصْفُهُ، وَيُعْزَلُ نِصْفُهُ لِلْمُسْلِمِ، فَإِنْ رَخَّصَتْ الْحِنْطَةُ، فَصَارَ قِيمَةُ الْقَفِيزِ نِصْفَ دِينَارٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّ حَقَّهُ مِثْلُ نِصْفِ حَقِّ صَاحِبِ الدِّينَارِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ دِينَارِ الْمُفْلِسِ إلَّا ثُلُثَهُ، يَشْتَرِي لَهُ بِهِ ثُلُثَا قَفِيزٍ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِ، وَيُرَدُّ سُدُسُ الدِّينَارِ عَلَى الْغَرِيمِ الْآخَرِ، فَإِنْ غَلَا الْمُسْلَمُ فِيهِ، فَصَارَ قِيمَةُ الْقَفِيزِ دِينَارَيْنِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِثْلَيْ مَا يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُ الدِّينَارِ، فَيَكُونُ لَهُ مِنْ دِينَارِ الْمُفْلِسِ ثُلُثَاهُ فَيَشْتَرِي لَهُ بِالنِّصْفِ الْمَعْزُولِ، وَيُرْجَعُ عَلَى الْغَرِيمِ بِسُدُسِ دِينَارٍ، يَشْتَرِي لَهُ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَعْزُولَ مِلْكُ الْمُفْلِسِ، وَإِنَّمَا لِلْمُسْلِمِ قَدْرُ حَقِّهِ، فَإِنْ زَادَ فَلِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ.

[فَصْلٌ رَجُل عِنْدَهُ رُهُونٌ كَثِيرَةٌ لَا يَعْرِفُ أَصْحَابَهَا وَلَا مَنْ رَهَنَ عِنْدَهُ]

(3404) فَصْلٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْت أَبِي عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ رُهُونٌ كَثِيرَةٌ، لَا يَعْرِفُ أَصْحَابَهَا، وَلَا مَنْ رَهَنَ عِنْدَهُ قَالَ: إذَا أَيِسَتْ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ، وَمَعْرِفَةِ وَرَثَتِهِمْ، فَأَرَى أَنْ تُبَاعَ وَيُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا، فَإِنْ عَرَفَ بَعْدُ أَرْبَابَهَا، خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْأَجْرِ أَوْ يَغْرَمُ لَهُمْ، هَذَا الَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ عِنْدَهُ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ، يَأْيَسُ مِنْ صَاحِبِهِ: يَبِيعُهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَلَكِنْ إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَطَلَبِهِ، أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ حَقَّهُ، وَأَمَّا إنْ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَبَاعَهُ وَوَفَّاهُ مِنْهُ حَقَّهُ، جَازُ ذَلِكَ.

[كِتَابُ الْمُفْلِسِ]

ِ الْمُفْلِسُ هُوَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَلَا مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ.
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، وَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا، وَلَطَمَ هَذَا، وَأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَكَّ لَهُ صَكٌّ إلَى النَّارِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ فَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ إخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُفْلِسِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ " تَجُوزُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ، بَلْ أَرَادَ أَنَّ فَلَسَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْغَنِيِّ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» وَقَوْلُهُ: «لَيْسَ السَّابِقُ مَنْ سَبَقَ بَعِيرُهُ، وَإِنَّمَا السَّابِقُ مَنْ غُفِرَ لَهُ» وَقَوْلُهُ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيِّتٍ ... إنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا مُفْلِسًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ إلَّا الْفُلُوسَ، وَهِيَ أَدْنَى أَنْوَاعِ الْمَالِ.
وَالْمُفْلِسُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ، وَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ.
وَسَمَّوْهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفْلِسُ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ دُونَ مَا عَلَيْهِ، فَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ، كَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا.

[مَسْأَلَةٌ الْأَحْكَام الْمُتَعَلِّقَة بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ]

(3405) فَصْلٌ: وَمَتَى لَزِمَ الْإِنْسَانَ دُيُونٌ حَالَّةٌ، لَا يَفِي مَالُهُ بِهَا، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَظْهَرَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ، فَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ؛ أَحَدُهَا، تَعَلُّقُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِ مَالِهِ.
وَالثَّانِي، مَنْعُ تَصَرُّفِهِ فِي عَيْنِ مَالِهِ.
وَالثَّالِثُ، أَنَّ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ إذَا وَجَدَتْ الشُّرُوطُ.
الرَّابِعُ، أَنَّ لِلْحَاكِمِ بَيْعَ

مَالِهِ وَإِيفَاءَ الْغُرَمَاءِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَرَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَبَاعَ مَالَهُ.» رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ أَفْضَلِ شَبَابِ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُمْسِكُ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ يُدَانُ حَتَّى أَغْرَقَ مَالَهُ فِي الدَّيْنِ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُرَمَاؤُهُ، فَلَوْ تُرِك أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا مِنْ أَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَاعَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالَهُ، حَتَّى قَامَ مُعَاذٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّمَا لَمْ يَتْرُكْ الْغُرَمَاءُ لِمُعَاذٍ حِينَ كَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَهُودًا.

[مَسْأَلَةٌ فَلَّسَ الْحَاكِمُ رَجُلًا فَأَصَابَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ]

(3406) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا فَلَّسَ الْحَاكِمُ رَجُلًا، فَأَصَابَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ تَرْكَهُ، وَيَكُونَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ مَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَهُ إيَّاهَا بِعَيْنِهَا، بِالشُّرُوطِ الَّتِي يَذْكُرُهَا، مَلَكَ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَلَمَّا سَلَّمَهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْإِمْسَاكِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ بِالْإِفْلَاسِ، كَالْمُرْتَهِنِ إذَا سَلَّمَ الرَّهْنَ إلَى الرَّاهِنِ.
وَلِأَنَّهُ سَاوَى الْغُرَمَاءَ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُسَاوِيهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَسَائِرِهِمْ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى رَجُلٍ يَرَى الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ، جَازَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالْإِقَالَةِ، فَجَازَ فِيهِ الْفَسْخُ؛ لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا تَعَذَّرَ.
وَلِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا، فَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ، اسْتَحَقَّ الْفَسْخَ، وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالثَّمَنِ، فَالْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى.
وَيُفَارِقُ الْمَبِيعُ الرَّهْنَ؛ فَإِنْ إمْسَاكَ الرَّهْنِ إمْسَاكٌ مُجَرَّدٌ عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ، وَالثَّمَنُ هَاهُنَا بَدَلٌ عَنْ الْعَيْنِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، رَجَعَ إلَى الْمُبْدَلِ.
وَقَوْلُهُمْ: تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.
قُلْنَا: لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْطِ، فَإِنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ شَرْطٌ لِمِلْكِ الْفَسْخِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَجِدْهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَجَعَ فِي السِّلْعَةِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْجِعْ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ مُسَاوِيَةً لِثَمَنِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ سَبَبٌ يُثْبِتُ جَوَازَ الْفَسْخِ، فَلَا يُوجِبهُ، كَالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ،

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل