المغني لابن قدامةصفحات 228-267
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 228-267
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بِمُسْتَقَرٍّ.
وَلِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْفَسْخِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَيْعِ.
وَمَعْنَى الْحَوَالَةِ بِهِ، أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ سَلَمٍ آخَرَ أَوْ بَيْعٍ فَيُحِيلُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ السَّلَمُ، فَلَا يَجُوزُ.
وَإِنْ أَحَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلَمَ بِالطَّعَامِ الَّذِي عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْبَيْعِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ بَائِعِهِ، فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ عِوَضًا عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
فَهَذَا حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا، سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْقِيمَةِ، أَوْ أَقَلِّ، أَوْ أَكْثَرِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى فِي مَنْ أَسْلَمَ فِي بُرٍّ، فَعَدِمَهُ عِنْدَ الْمَحِلِّ، فَرَضِيَ الْمُسْلِمُ بِأَخْذِ الشَّعِيرِ مَكَانَ الْبُرِّ، جَازَ.
وَلَمْ يَجُزْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَكَانَهُ، يَتَعَجَّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ إلَى الطَّعَامِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ أَخَذْت مَا أَسْلَفْت فِيهِ، وَإِلَّا فَخُذْ عِوَضًا أَنْقَصَ مِنْهُ، وَلَا تَرْبَحْ مَرَّتَيْنِ رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ ". وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ دُونَهُ فِي الصِّفَاتِ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ، إنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ لِلْحَقِّ، مَعَ تَفَضُّلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا.

[فَصْلٌ الْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلِم فِيهِ]

(3238) فَصْلٌ فَأَمَّا.
الْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَجَائِزَةٌ، لِأَنَّهَا فَسْخٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ فِي جَمِيعِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وَرَفْعٌ لَهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قَالَ: لِي عِنْدَك هَذَا الطَّعَامُ، صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى ثَمَنِهِ.
جَازَ، وَكَانَتْ إقَالَةً صَحِيحَةً.
فَأَمَّا الْإِقَالَةُ فِي بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَاخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ.
وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ.
وَرَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ.
أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَمُحَمَّدِ بْن عَلِيٍّ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ،

وَالشَّافِعِيِّ، وَالنُّعْمَانِ وَأَصْحَابِهِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ جَازَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ فِي الْبَعْضِ، كَالْإِبْرَاءِ وَالْإِنْظَارِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ السَّلَفَ فِي الْغَالِبِ يُزَادُ فِيهِ فِي الثَّمَنِ مِنْ أَجْلِ التَّأْجِيلِ، فَإِذَا أَقَالَهُ فِي الْبَعْضِ، بَقِيَ الْبَعْضُ بِالْبَاقِي مِنْ الثَّمَنِ وَبِمَنْفَعَةِ الْجُزْءِ الَّذِي حُصِلَتْ الْإِقَالَةُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ.
وَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ الْإِبْرَاءُ وَالْإِنْظَارُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
(3239) فَصْلٌ: إذَا أَقَالَهُ، رَدَّ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضًا عَنْهُ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: لَيْسَ لَهُ صَرْفُ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي عَقْدٍ آخَرَ حَتَّى يَقْبِضَهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» . وَلِأَنَّ هَذَا مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ، فَلَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ قَرْضًا.
وَلِأَنَّهُ مَالٌ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخِ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ إذَا فُسِخَ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا مَضْمُونٌ بَعْدَ فَسْخِهِ، وَالْخَبَرُ أَرَادَ بِهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ هَذَا.
فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ كَانَ قَرْضًا أَوْ ثَمَنًا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ، لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ سَلَمًا فِي شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَيَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ وَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ إذَا فُسِخَتْ.

[مَسْأَلَةٌ أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ ثَمَنًا وَاحِدًا]

(3240) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ ثَمَنًا وَاحِدًا، لَمْ يَجُزْ، حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) صُورَةُ ذَلِكَ أَنَّ يُسْلِمَ دِينَارًا وَاحِدًا فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ وَقَفِيزِ شَعِيرٍ، وَلَا يُبَيِّنَ ثَمَنَ الْحِنْطَةِ مِنْ الدِّينَارِ، وَلَا ثَمَنَ الشَّعِيرِ، فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ.
وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ عَلَى جِنْسَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ، جَازَ عَلَيْهِمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، وَكَمَا لَوْ بَيَّنَ ثَمَنَ أَحَدِهِمَا.
وَلَنَا، أَنَّ مَا يُقَابِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسَيْنِ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِ مُفْرَدًا بِثَمَنِ مَجْهُولٍ.
وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ الْفَسْخَ بِتَعَذُّرِ أَحَدِهِمَا، فَلَا يَعْرِفُ بِمَ يَرْجِعُ؟ وَهَذَا غَرَرٌ أَثَّرَ مِثْلُهُ فِي السَّلَمِ.
وَبِمِثْلِ هَذَا عَلَّلْنَا مَعْرِفَةَ صِفَةِ الثَّمَنِ وَقَدْرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ثَمَّ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ، وَلَا يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَذَا هَاهُنَا.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، حَتَّى يُبَيِّنَ حِصَّةَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ.
وَالْأَوْلَى صِحَّةُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ بَعْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْهُمَا؛ إنْ تَعَذَّرَ النِّصْفُ رَجَعَ بِنِصْفِهِمَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْخُمْسُ رَجَعَ بِدِينَارِ وَعَشْرَةِ دَرَاهِمَ.

[مَسْأَلَةٌ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَجْزَاءً مَعْلُومَةً]

(3241) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَجْزَاءً مَعْلُومَةً، فَجَائِزٌ) قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الدَّرَاهِمَ فِي الشَّيْءِ يُؤْكَلُ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ السِّلْعَةِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: عَلَى مَعْنَى السَّلَمِ إذًا؟ فَقُلْت: نَعَمْ.
قَالَ: لَا بَأْسَ.
ثُمَّ قَالَ: مِثْلُ الرَّجُلِ الْقَصَّابِ، يُعْطِيه الدِّينَارَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ رِطْلًا مِنْ لَحْمٍ قَدْ وَصَفَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ أَبْعَدَهُمَا أَجَلًا أَقَلُّ مِمَّا يُقَابِلُ الْآخَرَ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ فِي أَجَلٍ وَاحِدٍ، جَازَ فِي أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، فَإِذَا قَبَضَ الْبَعْضَ وَتَعَذَّرَ قَبْضُ الْبَاقِي، فَفَسَخَ الْعَقْدَ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَجْعَلُ لِلْبَاقِي فَضْلًا عَنْ الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ، فَيُقَسِّطُ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَجَلُهُ.

[مَسْأَلَةٌ أَحْضَرَ الْمُسْلِم فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَة]

(3242) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَمَا لَا يَفْسُدُ، وَلَا يَخْتَلِفُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ) يَعْنِي بِالسَّلَمِ: الْمُسْلَمَ فِيهِ، بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَمَا يُسَمَّى الْمَسْرُوقُ سَرِقَةً وَالْمَرْهُونُ رَهْنًا.
قَالَ إبْرَاهِيمُ: خُذْ سَلَمَك أَوْ دُونَ سَلَمَك، وَلَا تَأْخُذْ فَوْقَ سَلَمَك.
وَمَتَى أَحْضَرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يُحْضِرَهُ فِي مَحِلِّهِ، فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِحَقِّهِ فِي مَحَلِّهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، كَالْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنْ أَبَى، قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ حَقَّك، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ.
فَإِنْ امْتَنَعَ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ بِوِلَايَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْرِئَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَأْتِيَ بِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، فَيُنْظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا فِي قَبْضِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ضَرَرٌ، إمَّا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ، كَالْفَاكِهَةِ وَالْأَطْعِمَةِ كُلِّهَا، أَوْ كَانَ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ، كَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَأْخِيرِهِ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى أَكْلِهِ أَوْ إطْعَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَهُ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ.
وَهَكَذَا إنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى نَهْبَ مَا يَقْبِضُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي قَبْضِهِ، وَلَمْ يَأْتِ مَحِلُّ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، فَجَرَى مَجْرَى نَقْصِ صِفَةٍ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، بِأَنْ يَكُونَ لَا يَتَغَيَّرُ، كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ الزَّيْتُ وَالْعَسَلُ، وَلَا فِي قَبْضِهِ ضَرَرُ الْخَوْفِ، وَلَا تَحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فَعَلَيْهِ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ حَاصِلٌ مَعَ زِيَادَةِ تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ، فَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ وَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يُحْضِرَهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْوُجُوبِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَحْضَرَ الْمَبِيعَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا.

[فَصْلٌ أَحْضُرَ الْمُسْلِم فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ]

(3243) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحْضِرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ، أَوْ دُونَهَا، أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا.
فَإِنْ أَحْضَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ، لَزِمَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ.
وَإِنْ أَتَى بِهِ دُونَ صِفَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ حَقِّهِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دُونَ حَقِّهِ، وَيَزِيدَهُ شَيْئًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ صِفَةَ الْجَوْدَةِ بِالْبَيْعِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ بَيْعَ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَبَيْعُ وَصْفِهِ أَوْلَى.
الثَّالِثُ، أَنْ يُحْضِرَهُ أَجْوَدَ مِنْ الْمَوْصُوفِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛ فَإِنْ أَتَاهُ بِهِ مِنْ نَوْعِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ وَزِيَادَةً تَابِعَةً لَهُ، فَيَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ، إذْ لَا يَفُوتُهُ غَرَضٌ.
فَإِنْ أَتَاهُ بِهِ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا وَصَفَاهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَاهَا، وَقَدْ فَاتَ بَعْضُ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ النَّوْعَ صِفَةٌ، وَقَدْ فَاتَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَ غَيْرُهُ مِنْ الصِّفَات.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ، فَأَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِي الصِّفَةِ مَعَ اتِّفَاقِ النَّوْعِ.
وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْآخَرُ، فَإِذَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ، فَوَّتَ عَلَيْهِ الْغَرَضَ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ عَلَيْهِ صِفَةِ الْجَوْدَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ النَّوْعِ بَدَلًا عَنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا، وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ، فَجَازَ أَخْذُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ لُزُومَ أَخْذِهِ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَا تَأْخُذْ فَوْقَ سَلَمَك فِي كَيْلٍ وَلَا صِفَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الرَّدِيءِ مَكَانَ الْجَيِّدِ، أَوْ الْجَيِّدِ مَكَانَ الرَّدِيءِ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَخْذُ الرَّدِيءِ، وَيَجُوزُ أَخْذُهُ.
وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ النَّوْعِ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا صِفَةُ الْجَوْدَةِ، وَقَدْ سَمَحَ بِهَا صَاحِبُهَا.

[فَصْلٌ جَاءَهُ بِالْأَجْوَدِ فَقَالَ خُذْهُ وَزِدْنِي دِرْهَمًا]

(3244) فَصْلٌ: إذَا جَاءَهُ بِالْأَجْوَدِ، فَقَالَ: خُذْهُ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا.
لَمْ يَصِحَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي عَشَرَةٍ فَجَاءَهُ بِأَحَدِ عَشَرِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْجَوْدَةَ صِفَةٌ، فَلَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، فَإِنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةِ فِي الْقَدْرِ، فَقَالَ: خُذْهُ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا.
فَفَعَلَا، صَحَّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هَاهُنَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ.

[فَصْلٌ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا تَنَاوَلَهُ عَقْد السَّلَم]

(3245) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَقَلُّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ، فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْحِنْطَةَ نَقِيَّةً مِنْ التِّبْنِ وَالْقَصْلِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحِنْطَةِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ يَأْخُذُ مَوْضِعًا مِنْ الْمِكْيَالِ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ وَلَا يَعِيبُهَا، لَزِمَهُ أَخْذُهُ.
وَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ التَّمْرِ إلَّا جَافًّا.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَنَاهَى جَفَافُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ مَعِيبًا بِحَالِ، وَمَتَى قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَلِ أَوْ الْأَرْشِ، كَالْمَبِيعِ سَوَاءً.

[فَصْلٌ لَا يَقْبِضُ الْمَكِيل إلَّا بِالْكَيْلِ وَلَا الْمَوْزُون إلَّا بِالْوَزْنِ]

(3246) فَصْلٌ: وَلَا يَقْبِضُ الْمَكِيلَ إلَّا بِالْكَيْلِ، وَلَا الْمَوْزُونَ إلَّا بِالْوَزْنِ، وَلَا يَقْبِضُهُ جُزَافًا، وَلَا بِغَيْرِ مَا يُقَدَّرُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ يَخْتَلِفَانِ، فَإِنْ قَبَضَهُ بِذَلِكَ، فَهُوَ كَقَبْضِهِ جُزَافًا، فَيُقَدِّرُهُ بِمَا أَسْلَمَ فِيهِ، وَيَأْخُذُ قَدْرَ حَقِّهِ، وَيَرُدُّ الْبَاقِي، وَيُطَالِبُ بِالْعِوَضِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْتَبِرَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مَضَى ذِكْرُهُمَا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيُسْلِمُ إلَيْهِ مِلْءَ الْمِكْيَالِ وَمَا يَحْمِلُهُ، وَلَا يَكُونُ مَمْسُوحًا، وَلَا يَدُقُّ وَلَا يَهُزُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَسْلَمْت إلَيْك فِي قَفِيزٍ.
يَقْتَضِي مَا يَسَعُهُ الْمِكْيَالُ وَمَا يَحْمِلُهُ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا.

[مَسْأَلَةٌ الرَّهْن وَالضَّمِينِ فِي السَّلَم]

(3247) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا، وَلَا كَفِيلًا مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي السَّلَمِ، فَرَوَى الْمَرْوَزِيِّ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو طَالِبٍ، مَنْعَ ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ.
وَرُوِيَتْ كَرَاهَة ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَرَوَى حَنْبَلٌ جَوَازَهُ.
وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَكَمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] . إلَى قَوْله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السَّلَم.
وَلِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، فَيَدْخُلُ السَّلَمُ فِي عُمُومِهِ.
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْبَيْعِ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ مِنْهُ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الرَّاهِنَ وَالضَّمِينَ إنْ أَخَذَا بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، فَقَدْ أَخَذَا بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ، فَالرَّهْنُ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَيْءِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا مِنْ ذِمَّةِ الضَّامِنِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ هَلَاكَ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ بِعُدْوَانٍ فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
    وَلِأَنَّهُ يُقِيمُ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مُقَامَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ عَنْهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

[فَصْلٌ أَخَذَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا بِالْمُسْلِمِ فِيهِ]

(3248) فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَذَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ، ثُمَّ تَقَايَلَا السَّلَمَ، أَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ لِتَعَذُّرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لِزَوَالِ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ، وَبَرِئَ الضَّامِنُ، وَعَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَدُّ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فِي الْحَالِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ.
وَلَوْ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، وَأَخَذَ بِهِ رَهْنًا، ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى طَعَامٍ مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِ، صَحَّ، وَزَالَ الرَّهْنُ، لِزَوَالِ دَيْنِهِ مِنْ الذِّمَّةِ، وَبَقِيَ الطَّعَامُ فِي الذِّمَّةِ، وَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، كَيْ لَا يَكُونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الصُّلْحُ، وَرَجَعَ الْأَلْفُ إلَى ذِمَّته بِرَهْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ ثُمَّ عَادَ خَلًّا.
وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ فِي ذِمَّتِهِ، فَالْحُكْمُ مِثْلُ مَا بَيَّنَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

[فَصْلٌ ضَمَان السَّلَم]

(3249) فَصْلٌ: وَإِذَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ ضَمَانِ السَّلَمِ، فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَأَيُّهُمَا قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا مِنْهُ.
فَإِنْ سَلَّمَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ إلَى الضَّامِنِ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمُسْلِمِ، جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا.
وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ عَنْ الَّذِي ضَمِنْت عَنِّي.
لَمْ يَصِحَّ، وَكَانَ قَبْضًا فَاسِدًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَإِنْ أَوْصَلَهُ إلَى الْمُسْلِمِ، بَرِئَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا سَلَّطَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَإِنْ أَتْلَفَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ صَالَحَ الْمُسْلِمُ الضَّامِنَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِثَمَنِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا إقَالَةٌ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ.
وَإِنْ صَالَحَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِثَمَنِهِ صَحَّ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ هَذَا إقَالَةٌ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى غَيْرِ ثَمَنِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.

[فَصْلٌ مَا يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ فِي السَّلَم]

(3250) فَصْلٌ: وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ، كُلُّ دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، كَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَاتِ، وَالْمَهْرِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالْقَرْضِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَاتِ، وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ، وَلَا مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ، كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهَا إلَى الْوُجُوبِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ جُنُّوا أَوْ افْتَقَرُوا أَوْ مَاتُوا، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَصِحَّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا.
فَأَمَّا بَعْدَ الْحَوْلِ، فَيَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِمْ.
وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ أَخْذَ الرَّهْنِ بِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَالْيَسَارِ وَالْعَقْلِ.
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِالْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْوُجُوبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ وَاللُّزُومِ، فَأَشْبَهَتْ أَثْمَانَ الْبِيَاعَاتِ.
وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ

إفْضَاءَهَا إلَى الْوُجُوبِ مُحْتَمِلٌ؛ فَأَشْبَهَتْ الدِّيَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَيَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ.
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ؛ فَإِنَّ لِلْعَبْدِ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ دَيْنِهِ مِنْ الرَّهْنِ، لِأَنَّهُ لَوْ عَجَزَ صَارَ الرَّهْنُ لِلسَّيِّدِ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الْمُكَاتَبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ: وَلَنَا، أَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهَا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَضَمَانِ الْخَمْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضِ الْمُسَابَقَةِ؛ لِأَنَّهَا جُعَلَةٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ إفْضَاؤُهَا إلَى الْوُجُوبِ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ، إنَّمَا يَثْبُتُ بِسَبْقِ غَيْرِ الْمُخْرِجِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِيهَا وَجْهَانِ، هَلْ هِيَ إجَارَةٌ أَوْ جَعَالَةٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ إجَارَةٌ.
جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَلِّلٌ فَهِيَ جَعَالَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُحَلِّلٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَهَذَا كُلُّهُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ لَيْسَ هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا.
وَقَدْ عَمِلَ الْعَمَلَ، وَإِنَّمَا هُوَ عِوَضٌ عَنْ السَّبْقِ، وَلَا تُعْلَمُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْجَاعِلِ فِيهِ، وَلَا هُوَ مُرَادٌ لَهُ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ إجَارَةً مَعَ عَدَمِ الْمُحَلِّلِ، فَمَعَ وُجُودِهِ أَوْلَى، لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْجَعْلِ هُوَ السَّابِقُ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ رَجُلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ لَوْ كَانَتْ إجَارَةً لَكَانَ عِوَضُهَا غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الْحَالِ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْوُجُوبِ وَلَا يُظَنُّ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ كَالْجَعْلِ فِي رَدِّ الْآبِقِ وَاللَّقْطِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضٍ غَيْرِ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، كَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، وَالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الْإِجَارَةِ، وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ إذَا كَانَ مَنَافِعُ مُعَيَّنَةٌ، مِثْلُ إجَارَةِ الدَّارِ، وَالْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ، وَالْجَمَلِ الْمُعَيَّنِ، مُدَّةً مَعْلُومَةً، أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ لَا بِالذِّمَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ غَيْرِهَا، وَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ.
وَإِنْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةَ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، وَيُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ ثَمَنِهِ مَنْ يَعْمَلُ ذَلِكَ الْعَمَلَ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ، كَالدَّيْنِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَمَا قُلْنَا.

[فَصْلٌ الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ]

(3251) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ، كَالْمَغْصُوبِ، وَالْعَوَارِيّ، وَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ إنْ رَهَنَهُ عَلَى قِيمَتِهَا إذَا تَلِفَتْ، فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبِ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْوُجُوبِ.
وَإِنْ أَخَذَ الرَّهْنَ عَلَى عَيْنِهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ عَيْنِهَا مِنْ الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ أَثْمَانَ الْبِيَاعَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ.
وَالثَّانِي يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ: كُلُّ عَيْنٍ كَانَتْ مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا،

جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا.
يُرِيدُ مَا يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ كَالْمَبِيعِ يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِفَسَادِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ، وَهَذَا حَاصِلٌ، فَإِنَّ الرَّهْنَ بِهَذِهِ الْأَعْيَانِ يَحْمِلُ الرَّاهِنَ عَلَى أَدَائِهَا.
وَإِنْ تَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا، اسْتَوْفَى بَدَلَهَا مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَتْ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ.

[فَصْلٌ مَا جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ جَازَ أَخْذُ الضَّمِينِ بِهِ]

(3252) فَصْلٌ قَالَ الْقَاضِي: كُلُّ مَا جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ، جَازَ أَخْذُ الضَّمِينِ بِهِ، وَمَا لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ بِهِ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الضَّمِينِ بِهِ، إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ؛ عُهْدَةُ الْمَبِيعِ يَصِحُّ ضَمَانُهَا وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا، وَالْكِتَابَةُ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِدَيْنِهَا، وَفِي ضَمَانِهَا رِوَايَتَانِ، وَمَا لَمْ يَجِبْ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ وَيَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدِهِمَا، أَنَّ الرَّهْنَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُبْطِلُ الْإِرْفَاقَ، فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ عَبْدَهُ بِأَلْفِ، وَدَفَعَ رَهْنًا يُسَاوِي أَلْفًا، فَكَأَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ، وَلَا ارْتَفَقَ بِهِ، وَالْمُكَاتَبُ إذَا دَفَعَ مَا يُسَاوِي كِتَابَتَهُ، فَمَا ارْتَفَقَ بِالْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ أَوْ بَقَاءُ الْكِتَابَةِ، وَيَسْتَرِيحُ مِنْ تَعْطِيلِ مَنَافِعِ عَبْدِهِ، وَالضَّمَانُ بِخِلَافِ هَذَا.
الثَّانِي أَنَّ ضَرَرَ الرَّهْنِ يَعُمُّ؛ لِأَنَّهُ يَدُومُ بَقَاؤُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَيَمْنَعُ.
الْبَائِعَ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَالضَّمَانُ بِخِلَافِهِ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلِم إلَيْهِ فِي حُلُولِ الْأَجَلِ]

(3253) فَصْلٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ، فِي حُلُولِ الْأَجَلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ.
وَقَالَ الْآخَرُ: بَعْدَهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجَبِ دَعْوَاهُ، قُدِّمَتْ أَيْضًا بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَالْأُخْرَى نَافِيَةٌ.

[بَابُ الْقَرْضِ]

ِ وَالْقَرْضُ نَوْعٌ مِنْ السَّلَفِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى أَبُو رَافِعٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ.
فَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَجِدْ فِيهَا إلَّا خِيَارًا رُبَاعِيًّا.
فَقَالَ: أَعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ.
إلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ»

وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَ.
فَقُلْت: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ . قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ.» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْقَرْضِ.

[فَصْلٌ الْقَرْضُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ]

(3254) فَصْلٌ: وَالْقَرْضُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ، مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ قَالَ: " لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ ثُمَّ يُرَدَّانِ، ثُمَّ أُقْرِضَهُمَا، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا.
وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيجًا عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَقَضَاءً لِحَاجَتِهِ، وَعَوْنًا لَهُ، فَكَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ، كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ.
قَالَ أَحْمَدُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ الْقَرْضَ فَلَمْ يُقْرِضْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ، فَأَشْبَهَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
وَلَيْسَ بِمَكْرُوهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ الْقَرْضُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ.
يَعْنِي لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَقْرِضُ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.
وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِعِوَضِهِ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ بِدَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا أُحِبُّ أَنْ يَتَحَمَّلَ بِأَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.
يَعْنِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ، فَلْيُعْلِمْ مَنْ يَسْأَلُهُ الْقَرْضَ بِحَالِهِ، وَلَا يَغُرُّهُ مِنْ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اقْتَرَضَ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِحَالِهِ، لَمْ يُعْجِبْنِي.
وَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: يُعْنَى إذَا كَانَ مَنْ يَقْتَرِضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ؛ لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الْمُقْرِضِ، وَإِضْرَارًا بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْوَفَاءِ، لَمْ يُكْرَهْ؛ لِكَوْنِهِ إعَانَةً لَهُ، وَتَفْرِيجًا لِكُرْبَتِهِ.

[فَصْلٌ الْقَرْض لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ]

(3255) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ.
وَحُكْمُهُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ حُكْمُ الْبَيْعِ، عَلَى مَا مَضَى.
وَيَصِحُّ بِلَفْظِ السَّلَفِ وَالْقَرْضِ؛ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِمَا، وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: مَلَّكْتُك هَذَا، عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَى بَدَلَهُ.
أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ الْقَرْضِ.
فَإِنْ قَالَ: مَلَّكْتُك.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَدَلَ، وَلَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَهُوَ هِبَةٌ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ هِبَةٌ.

[فَصْلٌ الْقَرْض لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ]

(3256) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ مَا؛ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةِ أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَالْمُقْتَرِضُ مَتَى شَاءَ رَدَّهُ، فَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ.
وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْقَرْضِ بِالْقَبْضِ.

وَهُوَ عَقَدَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُقْتَرِضِ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُقْرِضُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِ مَلَكَ أَخْذَهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْمَبِيعِ، وَيُفَارِقُ الْمَغْصُوبَ، وَالْعَارِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ.
فَأَمَّا الْمُقْتَرِضُ، فَلَهُ رَدُّ مَا اقْتَرَضَهُ عَلَى الْمُقْرِضِ، إذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ لَمْ يَنْقُصْ، وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ أَعْطَاهُ غَيْرَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُقْتَرِضَ قَبُولُ مَا لَيْسَ بِمِثْلِي؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهِ يُوجِبُ رَدَّ الْقِيمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِذَا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَرُدَّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ كَالْمَبِيعِ.

[فَصْلٌ لِلْمُقْرِضِ الْمُطَالَبَة بِبَدَلِهِ فِي الْحَال]

(3257) فَصْلٌ: وَلِلْمُقْرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، فَأَوْجَبَهُ حَالَّا كَالْإِتْلَافِ.
وَلَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيقَ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا جُمْلَةً؛ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَالٌّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بُيُوعًا حَالَّةً، ثُمَّ طَالَبَهُ بِثَمَنِهَا جُمْلَةً.
وَإِنْ أَجَّلَ الْقَرْضَ، لَمْ يَتَأَجَّلْ، وَكَانَ حَالًّا.
وَكُلُّ دَيْنٍ حَلَّ أَجَلُهُ، لَمْ يَصِرْ مُؤَجَّلًا بِتَأْجِيلِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: يَتَأَجَّلُ الْجَمِيعُ بِالتَّأْجِيلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَلِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ فِي هَذَا الْعَقْدِ بِالْإِقَالَةِ وَالْإِمْضَاءِ؛ فَمَلَكَا الزِّيَادَةَ فِيهِ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَرْضِ وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ كَقَوْلِنَا، وَفِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ كَقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا مِنْ الْعِوَضِ، وَالْقَرْضُ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي عِوَضِهِ، وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ الْوَاجِبِ فِيهِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَجَّلْ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْوَاضِ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا، فَجَازَ تَأْجِيلُهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ، حَالًّا، وَالتَّأْجِيلَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ وَوَعْدٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرْطِ، وَلَوْ سُمِّيَ، فَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالْعَارِيَّةِ، فَيَلْحَقُ بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَنَا، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الْقَرْضَ، وَأَمَّا الْإِقَالَةُ: فَهِيَ فَسْخٌ، وَابْتِدَاءُ عَقْدٍ آخَرَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الْقَبْضُ لِمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ، وَالتَّعَيُّنُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ.

[فَصْلٌ قَرْضُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ]

(3258) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَاضَ مَالَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُون وَالْأَطْعِمَةِ جَائِزٌ.
وَيَجُوزُ قَرْضُ

كُلِّ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، سِوَى بَنِي آدَمَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ قَرْضٌ غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، أَشْبَهَ الْجَوَاهِرَ.
وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، وَلَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ» . وَلِأَنَّ مَا يَثْبُتُ سَلَمًا، يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ، فَجَازَ قَرْضُهُ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا مِثْلَ لَهُ.
خِلَافُ أَصْلِهِمْ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَوْ أَتْلَفَ عَلَى رَجُلٍ ثَوْبًا، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهُ، وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ.
فَأُمًّا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، كَالْجَوَاهِرِ وَشَبَهِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِيهَا قَرْضُهَا، وَيَرُدُّ الْمُسْتَقْرِضُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، وَالْجَوَاهِرُ كَغَيْرِهَا فِي الْقِيَمِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ قَرْضُهَا، لِأَنَّ الْقَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ الْمِثْلِ، وَهَذِهِ لَا مِثْلَ لَهَا.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى مَا نُقِلَ الْقَرْضُ فِيهِ، لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَرَافِقِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهَا عَلَى الْمَنْعِ.
وَيُمْكِنُ بِنَاءُ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْوَاجِبِ فِي بَدَلِ غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَإِذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ.
لَمْ يَجُزْ قَرْضُ الْجَوَاهِرِ وَمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، لِتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ.
جَازَ قَرْضُهُ؛ لِإِمْكَانِ رَدِّ الْقِيمَةِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.

[فَصْلٌ قَرْض بَنَى آدَم مَكْرُوه]

(3259) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَنُو آدَمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَهُمْ.
فَيَحْتَمِلُ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ، وَيَصِحُّ قَرْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجِ، وَالْمَزْنِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا، فَصَحَّ قَرْضُهُ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُمْ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهُمْ، وَلَا هُوَ مِنْ الْمَرَافِقِ.
وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ قَرْضِ الْعَبِيدِ دُونَ الْإِمَاء.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُنَّ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِنَّ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْقَرْضِ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ رَدِّهَا عَلَى الْمُقْرِضِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، كَالْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَإِذَا لَمْ يُبَحْ الْوَطْءُ لَمْ يَصِحَّ الْقَرْضُ، لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ، وَلِأَنَّ الْأَبْضَاعَ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهَا، وَلَوْ أَبَحْنَا قَرْضَهُنَّ، أَفْضَى إلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَقْرِضُ أَمَةً، فَيَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا مِنْ يَوْمِهِ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى وَطْئِهَا، اسْتَقْرَضَهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ رَدَّهَا، كَمَا يَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَلَا نُسَلِّمُ ضِعْفَ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَقَوْلُهُمْ: مَتَى شَاءَ الْمُقْتَرِضُ رَدَّهَا.
مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ.
لَمْ يَمْلِكْ الْمُقْتَرِضُ رَدَّ الْأَمَةِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ قِيمَتَهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ مَتَى قَصَدَ الْمُقْتَرِضُ هَذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ فِعْلُهُ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِرَاضُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً لِيَطَأَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِالْمُقَابَلَةِ أَوْ بِعَيْبٍ فِيهَا، وَإِنْ وَقَعَ هَذَا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَكَمَا لَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً فِي أُخْرَى مَوْصُوفَةٍ بِصِفَاتِهَا، ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْنِهَا عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ.
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْقَرْضَ ضَعِيفٌ لَا يُبِيحُ

الْوَطْءَ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ فِي الْجَوَارِي، كَالْبَيْعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَعَدَمُ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ لَيْسَ بِشَيْءِ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوَاضِعِهِ.
وَعَدَمُ نَقْلِهِ لَيْسَ بِحَجَّةِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَيَوَانَاتِ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهَا، وَهُوَ جَائِزٌ.

[فَصْلٌ اقْتَرَضَ دَرَاهِم أَوْ دَنَانِير غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْن]

(3260) فَصْلٌ: وَإِذَا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْنِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهَا يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ الْمِثْلُ لَمْ يُمْكِنْ الْقَضَاءُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَرَضَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جُزَافًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِذَلِكَ.
وَلَوْ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا، غَيْرِ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ، فَيَتَعَذَّرَ رَدُّ الْمِثْلِ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي مَاءٍ بَيْنَ قَوْمٍ، لَهُمْ نُوَبٌ فِي أَيَّامٍ مُسَمَّاةٍ، فَاحْتَاجَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنْ يَسْتَقِيَ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ، فَاسْتَقْرَضَ مِنْ نَوْبَةِ غَيْرِهِ، لِيَرُدَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ فِي يَوْمِ نَوْبَتِهِ: فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ كَرِهْته.
فَكَرِهَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْدُودًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ مِثْلِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ يَتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا، فَاسْتَقْرَضَ عَدَدًا، رَدَّ عَدَدًا.
وَإِنْ اسْتَقْرَضَ وَزْنًا.
رَدَّ وَزْنًا.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَاسْتَقْرَضَ أَيُّوبُ مِنْ حَمَّادِ بْن زَيْدٍ دَرَاهِمَ بِمَكَّةَ عَدَدًا، وَأَعْطَاهُ بِالْبَصْرَةِ عَدَدًا، لِأَنَّهُ وَفَّاهُ مِثْلَمَا اقْتَرَضَ فِيمَا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا وَزْنًا.
فَرَدَّ وَزْنًا.

[فَصْلٌ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ]

(3261) فَصْلٌ: وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا، مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَأَنَّ لِلْمُسَلِّفِ أَخْذَ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ.
فَكَذَا هَاهُنَا.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ، كَحَالِ الْإِتْلَافِ وَالْغَصْبِ.
وَالثَّانِي، يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَرَدَّ مِثْلَهُ.» وَيُخَالِفُ الْإِتْلَافَ؛ فَإِنَّهُ لَا مُسَامَحَةَ فِيهِ، فَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ، لِأَنَّهَا أُحْصَرُ، وَالْقَرْضُ أَسْهَلُ، وَلِهَذَا جَازَتْ النَّسِيئَةُ فِيهِ فِيمَا فِيهِ الرِّبَا، وَيَعْتَبِرُ مِثْلَ صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْمِثْلِ إنَّمَا تُوجَدُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ حِينَئِذٍ.
وَإِذَا قُلْنَا: تَجِبُ الْقِيمَةُ.
وَجَبَتْ حِينَ الْقَرْضِ.
لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ.

[فَصْلٌ قَرْضُ الْخُبْزِ]

(3262) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ قَرْضُ الْخُبْزِ.
وَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو قِلَابَةَ وَمَالِكٌ.
وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَوْزُونٌ، فَجَازَ قَرْضُهُ، كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ.
وَإِذَا أَقْرَضَهُ بِالْوَزْنِ، وَرَدَّ مِثْلَهُ بِالْوَزْنِ، جَازَ.
وَإِنْ أَخَذَهُ عَدَدًا، فَرَدَّهُ عَدَدًا، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَوْزُونَاتِ.

وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الْجِيرَانَ يَسْتَقْرِضُونَ الْخُبْزَ وَالْخَمِيرَ، وَيَرُدُّونَ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا.
فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إنَّ ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ، لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ» . ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " بِإِسْنَادِهِ.
وَفِيهِ أَيْضًا، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اسْتِقْرَاضِ الْخُبْزِ وَالْخَمِيرِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إنَّمَا هَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَخُذْ الْكَبِيرَ وَأَعْطِ الصَّغِيرَ، وَخُذْ الصَّغِيرَ وَأَعْطِ الْكَبِيرَ، خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً.
سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ» . وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَيَشُقُّ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ فِيهِ، وَتَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ، فَجَازَ، كَدُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ، وَالرُّكُوبِ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا.
فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْرَضَهُ أَوْ أَجْوَدَ، أَوْ أَعْطَاهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ وَزَادَهُ كِسْرَةً، كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَقْرَضَهُ صَغِيرًا، قَصْدَ أَنَّ يُعْطِيَهُ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِمَشَقَّةِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَإِذَا قَصَدَ أَوْ شَرَطَ أَوْ أَفْرَدَتْ الزِّيَادَةُ، فَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَحُرِّمَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ فِي قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنَّ يَزِيدَهُ]

(3263) فَصْلٌ: وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ، فَهُوَ حَرَامٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَلِّفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً، فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رَبًّا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ أَوْ فِي الصِّفَةِ، مِثْلُ أَنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً، لِيُعْطِيَهُ صِحَاحًا، أَوْ نَقْدًا، لِيُعْطِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ.
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَكَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، جَازَ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَيْمُونُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِهَا سَفْتَجَةً لَمْ يَجُزْ، وَمَعْنَاهُ: اشْتِرَاطُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَرُوِيَ عَنْهُ جَوَازُهَا؛ لِكَوْنِهَا مَصْلَحَةً لَهُمَا جَمِيعًا.
وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ بِهَا إلَى مُصْعَبِ بْن الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ، فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ.
فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا.
وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ.
رَوَاهُ كُلَّهُ سَعِيدٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لِلْوَصِيِّ قَرْضَ مَالِ الْيَتِيمِ فِي بَلَدٍ أُخْرَى لِيَرْبَح خَطَرَ الطَّرِيقِ.

وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالشَّرْعُ لَا يَرِدُ بِتَحْرِيمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا مَضَرَّةَ فِيهَا، بَلْ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا.
وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
وَإِنْ شَرَطَ فِي الْقَرْضِ أَنْ يُؤْجَرَهُ دَارِهِ، أَوْ يَبِيعَهُ شَيْئًا، أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُقْتَرَضُ مَرَّةً أُخْرَى، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ.
وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَارِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الْآخَرُ دَارِهِ.
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُؤْجَرَهُ دَارِهِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَتِهَا، أَوْ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَارَ الْمُقْرِضِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهَا، أَوْ عَلَى أَنْ يُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةً، أَوْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا، كَانَ أَبْلَغَ فِي التَّحْرِيمِ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لَمْ يَقْبَلْهُ، وَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهُ، إلَّا أَنْ يُكَافِئَهُ، أَوْ يَحْسُبَهُ مِنْ دَيْنِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقَرْضِ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى سَمَّاكٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَجَعَلَ يُهْدِي إلَيْهِ السَّمَكَ وَيُقَوِّمُهُ حَتَّى بَلَغَ ثَلَاثَةَ عَشَرِ دِرْهَمًا، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَعْطِهِ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ.
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ عُمَرَ أَسْلَفَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَهْدَى إلَيْهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ ثَمَرَةِ أَرْضِهِ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَأَتَاهُ أُبَيٌّ فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنِّي مِنْ أَطْيَبِهِمْ ثَمَرَةً، وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيمَ مَنَعْت هَدِيَّتَنَا، ثُمَّ أَهْدَى إلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ فَقَبِلَ.
وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسِيرَ إلَى أَرْضِ الْجِهَادِ إلَى الْعِرَاقِ.
فَقَالَ: إنَّك تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ فِيهَا الرِّبَا، فَإِنْ أَقْرَضْت رَجُلًا قَرْضًا، فَأَتَاك بِقَرْضِك وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ، فَاقْبِضْ قَرْضَك، وَارْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ.
رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ، فَلَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ.
وَذَكَرَ حَدِيثًا.
وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي: إنَّك بِأَرْضِ فِيهَا الرِّبَا فَاشٍ، فَإِذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَأَهْدَى إلَيْك حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ، فَلَا تَأْخُذْهُ، فَإِنَّهُ رَبًّا.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَوْ أَقْرَضَهُ قَرْضًا، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا، لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَعْمِلهُ مِثْلَهُ قَبْلَ الْقَرْضِ، كَانَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
وَلَوْ اسْتَضَافَ غَرِيمَهُ، وَلَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ، حَسَبِ لَهُ مَا أَكَلَهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، فِي " سُنَنِهِ "، عَنْ أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى إلَيْهِ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا، وَلَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» . وَهَذَا كُلُّهُ فِي مُدَّةِ الْقَرْضِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ أُقْرِضَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْر شَرْط فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الْقَدْر أَوْ الصُّفَّة أَوْ دُونَهُ بِرِضَاهُمَا]

(3264) فَصْلٌ: فَإِنْ أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الْقَدْرِ، أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ دُونَهُ، بِرِضَاهُمَا،

جَازَ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ لَهُ بِهَا سَفْتَجَةً، أَوْ قَضَاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، جَازَ.
وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ قَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ زَادَهُ زِيَادَةً بَعْدَ الْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ يَأْخُذُ مِثْلَ قَرْضِهِ، وَلَا يَأْخُذُ فَضْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ فَضْلًا كَانَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ.
وَقَالَ: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ: «أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَةً إلَيْهِ، وَلَا إلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، فَحَلَّتْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا زَادَهُ بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَعَادَ الْمُسْتَقْرِضُ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مِنْهُ قَرْضًا ثَانِيًا، فَفَعَلَ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ إلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ، فَإِنْ أَخَذَ زِيَادَةً، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَعْطَاهُ، كَانَ حَرَامًا، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، لَمْ يُكْرَهْ إقْرَاضُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَطْمَعُ فِي حُسْنِ عَادَتِهِ.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، فَهَلْ يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ، وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ خَيْرُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ، وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهِ، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَشْرُوطَةِ.
وَلَوْ أَقْرَضَهُ مُكَسَّرَةً، فَجَاءَهُ مَكَانَهَا بِصِحَاحِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، جَازَ.
وَإِنْ جَاءَهُ بِصِحَاحٍ أَقَلَّ مِنْهَا، فَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ حَقِّهِ، لَمْ يَجُزْ، قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ لِلنَّقْدِ بِأَقَلَّ مِنْهُ، فَكَانَ رَبًّا.

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي الْقَرْض أَنْ يُوفِيه أَنْقُص مِمَّا أُقْرِضَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرَّبَّا]

فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ فِي الْقَرْضِ أَنْ يُوَفِّيَهُ أَنْقَصَ مِمَّا أَقْرَضَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا هِيَ شَرْطٌ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ جُعِلَ لِلرِّفْقِ بِالْمُسْتَقْرِضِ، وَشَرْطُ النُّقْصَانِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَرْضَ يَقْتَضِي الْمِثْلَ، فَشَرْطُ النُّقْصَانِ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ.
فَلَمْ يَجُزْ، كَشَرْطِ الزِّيَادَةِ.

[فَصْلٌ اقْتَرِضْ مِنْ رَجُل نِصْف دِينَار فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا صَحِيحًا وَقَالَ نِصْفه قَضَاء وَنِصْفه وَدِيعَة عِنْدَك]

(3266) فَصْلٌ: وَلَوْ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ نِصْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا صَحِيحًا، وَقَالَ: نِصْفُهُ قَضَاءٌ، وَنِصْفُهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَك، أَوْ سَلَمًا فِي شَيْءٍ، صَحَّ.
وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُقْرِضُ مِنْ قَبُولِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي الشَّرِكَةِ

ضَرَرًا.
وَلَوْ اشْتَرَى بِالنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الدِّينَارِ سِلْعَةً، جَازَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ مُشَارَطَةٍ، فَقَالَ: أَقْضِيك صَحِيحًا بِشَرْطِ أَنِّي آخُذُ مِنْك بِنِصْفِهِ الْبَاقِي قَمِيصًا.
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ صَحِيحًا إلَّا لِيُعْطِيَهُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي فَضْلَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَكْسُورِ مِنْ النِّصْفِ الْمَقْضِيِّ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، جَازَ.
فَإِنْ تَرَكَ النِّصْفَ الْآخَرَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً، جَازَ، وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى كَسْرِهِ، كَسَرَاهُ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا، لَمْ يُجْبَرْ أَحَدُهُمَا عَلَى كَسْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ.

[فَصَلِّ أفلس غَرِيمه فَأُقْرِضَهُ أَلْفًا لِيُوفِيَهُ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا مَعْلُومًا]

(3267) فَصْلٌ: وَلَوْ أَفْلَسَ غَرِيمُهُ، فَأَقْرَضَهُ أَلْفًا، لِيُوَفِّيَهُ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْتَفَعَ بِاسْتِيفَاءِ مَا هُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حِنْطَةٌ.
فَأَقْرَضَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ حِنْطَةً يُوَفِّيه إيَّاهَا، لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا؛ لِذَلِكَ.
وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبْعَثَ إلَى عِيَالِهِ نَفَقَةً، فَأَقْرَضَهَا رَجُلًا، عَلَى أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى عِيَالِهِ.
فَلَا بَأْسَ، إذَا لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهَا شَيْئًا.
وَلَوْ أَقْرَضَ أَكَّارَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ بَقَرًا يَعْمَلُ عَلَيْهَا فِي أَرْضِهِ، أَوْ بَذْرًا يَبْذُرُهُ فِيهَا، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ، فَأَشْبَهَ شَرْطَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً.
قَالَ: وَلَوْ قَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفًا، وَادْفَعْ إلَى أَرْضَك أَزْرَعْهَا بِالثُّلُثِ.
كَانَ خَبِيثًا.
وَالْأَوْلَى جَوَازُ ذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، وَالْمُسْتَقْرِضُ إنَّمَا يَقْصِدُ نَفْعَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ انْتِفَاعُ الْمُقْرِضِ ضِمْنًا، فَأَشْبَهَ أَخْذَ السَّفْتَجَةَ بِهِ، وَإِيفَاءَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَلِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا جَمِيعًا، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ اقْتَرِضْ مِنْ رَجُل دَرَاهِم وَابْتَاعَ بِهَا مِنْهُ شَيْئًا فَخَرَجَتْ زُيُوفًا]

(3268) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ، وَابْتَاعَ بِهَا مِنْهُ شَيْئًا، فَخَرَجَتْ زُيُوفًا: فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ.
يَعْنِي لَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِبَدَلِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُهُ، فَعَيْبُهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بَدَلُ مَا أَقْرَضَهُ إيَّاهُ بِصِفَتِهِ زُيُوفًا.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِيمَا إذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِهَا وَهُوَ يَعْلَمُ عَيْبَهَا؛ فَأَمَّا إنْ بَاعَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ قَبَضَ هَذِهِ بَدَلًا عَنْهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ دَرَاهِمُ خَالِيَةٌ مِنْ الْعَيْبِ، وَيَرُدَّ هَذِهِ عَلَيْهِ، وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا عَلَى الْبَائِعِ، وَفَاءً عَنْ الْقَرْضِ، وَيَبْقَى الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَإِنْ حَسَبَهَا عَلَى الْبَائِعِ وَفَاءً عَنْ الْقَرْضِ، وَوَفَّاهُ الثَّمَنَ جَيِّدًا، جَازَ.
قَالَ: وَلَوْ أَقْرَضَ رَجُلًا دَرَاهِمَ، وَقَالَ: إذَا مِتّ فَأَنْتِ فِي حِلٍّ.
كَانَتْ وَصِيَّةً.
وَإِنْ قَالَ: إنْ مِتّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ.
لَمْ يَصِحَّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ، وَالْأَوَّلُ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى مَوْتِ نَفْسِهِ، وَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ.
قَالَ: وَلَوْ أَقْرَضَهُ تِسْعِينَ دِينَارًا بِمِائَةٍ عَدَدًا وَالْوَزْنُ وَاحِدٌ، وَكَانَتْ لَا تُنْفَقُ فِي مَكَان إلَّا بِالْوَزْنِ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَتْ تُنْفَقُ بِرُءُوسِهَا، فَلَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُنْفَقُ فِي مَكَان بِرُءُوسِهَا، كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً، لِأَنَّ التِّسْعِينَ مِنْ الْمِائَةِ تَقُومُ مَقَامَ التِّسْعِينَ الَّتِي أَقْرَضَهُ إيَّاهَا، وَيَسْتَفْضِلُ عَشَرَةً، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الزِّيَادَةِ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تُنْفَقُ إلَّا بِالْوَزْنِ، فَلَا زِيَادَةَ فِيهَا وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهَا.
قَالَ: وَلَوْ قَالَ:

اقْتَرِضْ لِي مِنْ فُلَانٍ مِائَةً، وَلَك عَشَرَةٌ.
فَلَا بَأْسَ، وَلَوْ قَالَ: اُكْفُلْ عَنِّي وَلَك أَلْفٌ.
لَمْ يَجُزْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: اقْتَرِضْ لِي وَلَك عَشْرَةٌ.
جَعَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ، فَجَازَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: ابْنِ لِي هَذَا الْحَائِطَ وَلَك عَشْرَةٌ.
وَأَمَّا الْكَفَالَةُ، فَإِنَّ الْكَفِيلَ يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ، فَإِذَا أَدَّاهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، فَصَارَ كَالْقَرْضِ، فَإِذَا أَخَذَ عِوَضًا صَارَ الْقَرْضُ جَارًّا لِلْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ.

[فَصْلٌ كَانَ الْقَرْض فُلُوسًا أَوْ مُكَسَّرَة فَحَرَّمَهَا السُّلْطَان وَتَرَكَتْ الْمُعَامَلَة بِهَا]

(3269) فَصْلٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَرُدُّ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، سَوَاءٌ رَخُصَ سِعْرُهُ أَوْ غَلَا، أَوْ كَانَ بِحَالِهِ.
وَلَوْ كَانَ مَا أَقْرَضَهُ مَوْجُودًا بِعَيْنِهِ، فَرَدَّهُ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ يَحْدُثُ فِيهِ، لَزِمَ قَبُولُهُ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ فُلُوسًا أَوْ مُكَسَّرَةً، فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ، وَتَرَكَتْ الْمُعَامَلَةُ بِهَا، كَانَ لِلْمُقْرِضِ قِيمَتُهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهَا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ فِي مِلْكِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الدَّرَاهِمِ الْمُكَسَّرَةِ، وَقَالَ: يُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخَذَهَا؟ ثُمَّ يُعْطِيه، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهَا، فَأَمَّا إنْ تَعَامَلُوا بِهَا مَعَ تَحْرِيمِ السُّلْطَانِ لَهَا، لَزِمَ أَخْذُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ إلَّا مِثْلُ مَا أَقْرَضَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ حَدَثَ فِيهَا، فَجَرَى مَجْرَى نَقْصِ سِعْرِهَا.
وَلَنَا أَنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطَانِ لَهَا مَنْعُ إنْفَاقِهَا، وَإِبْطَالُ مَالِيَّتِهَا، فَأَشْبَهَ كَسْرَهَا، أَوْ تَلَفَ أَجْزَائِهَا، وَأَمَّا رُخْصُ السِّعْرِ فَلَا يَمْنَعُ رَدَّهَا، سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا، مِثْلَ إنْ كَانَتْ عَشَرَةً بِدَانِقٍ، فَصَارَتْ عِشْرِينَ بِدَانِقٍ، أَوْ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا شَيْءٌ، إنَّمَا تَغَيَّرَ السِّعْرُ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ إذَا رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ.

[فَصْلٌ أُقْرِضَهُ مَا لَحَمَلَهُ مُؤْنَة ثُمَّ طَالِبه بِمِثْلِهِ بِبَلَدِ آخَر]

(3270) فَصْلٌ وَإِذَا أَقْرَضَهُ مَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِمِثْلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ لَهُ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ.
فَإِنْ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهَا.
فَإِنْ تَبَرَّعَ الْمُسْتَقْرِضُ بِدَفْعِ الْمِثْلِ، وَأَبَى الْمُقْرِضُ قَبُولَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي قَبْضِهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى حَمْلِهِ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَقْرَضَهُ فِيهِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي أَقْرَضَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ أَثْمَانًا، أَوْ مَا لَا مُؤْنَةَ فِي حَمْلِهِ، وَطَالَبَهُ بِهَا، وَهُمَا بِبَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ وَاحِدٌ.

[فَصْلٌ أُقْرِضَ ذِمِّيّ ذِمِّيًّا خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدهمَا]

(3271) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا.
بَطَلَ الْقَرْضُ.
وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَرِضِ شَيْءٌ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ أَوْ الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ خَمْرٌ، لِعَدَمِ مَالِيَّتِهَا، وَلَا يَجِبُ بَدَلُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُهَا إذَا أَتْلَفَهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْآخَرَ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ، لِذَلِكَ.

[كِتَابُ الرَّهْنِ]

ِ الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ.
يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ.
أَيْ رَاكِدٌ.
وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ.
أَيْ ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْحَبْسِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21] وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] . وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا، لِشِدَّةِ وَجْدِهِ بِهَا، بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ، فَيُبْقِيه عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ.
وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ.
وَالرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ: الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ جَائِزٌ.
بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] . وَتُقْرَأُ: فَرِهَانٌ.
وَالرِّهَانُ: جَمْعُ رَهْنٍ، وَالرُّهُنُ: جَمْعُ الْجَمْعِ.
قَالَهُ الْفَرَّاءُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ رَهْنٍ، مِثْل سَقْفٍ وَسُقُفٍ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ.

[فَصْلٌ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ]

(3272) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ، كَمَا يَجُوزُ فِي السَّفَرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ، إلَّا مُجَاهِدًا، قَالَ: لَيْسَ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ السَّفَرَ فِي الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] .

وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، وَكَانَا بِالْمَدِينَةِ.» وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ تَجُوزُ فِي السَّفَرِ، فَجَازَتْ فِي الْحَضَرِ، كَالضَّمَانِ.
فَأَمَّا ذِكْرُ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا، وَلِهَذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْكَاتِبِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ مَعَهُ أَيْضًا.

[فَصْلٌ الرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ]

(3273) فَصْلٌ: وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] . إرْشَادٌ لَنَا لَا إيجَابٌ عَلَيْنَا، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] . وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا.

[فَصْلٌ لَا يَخْلُو الرَّهْنُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ]

(3274) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو الرَّهْنُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَحَدُهَا، أَنْ يَقَعَ بَعْدَ الْحَقِّ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ، فَجَازَ أَخْذُهَا بِهِ كَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] . فَجَعَلَهُ بَدَلًا عَنْ الْكِتَابَةِ، فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] . فَجَعَلَهُ جَزَاءً لِلْمُدَايِنَةِ مَذْكُورًا بَعْدَهَا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَقَعَ الرَّهْنُ مَعَ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلدَّيْنِ، فَيَقُولُ: بِعْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ إلَى شَهْرٍ، تَرْهَنُنِي بِهَا عَبْدَك سَعْدًا.
فَيَقُولُ: قَبِلْت ذَلِكَ.
فَيَصِحُّ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ثُبُوتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْقِدْهُ مَعَ ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَيَشْتَرِطْ فِيهِ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إلْزَامِ الْمُشْتَرِي عَقْدَهُ، وَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْذُلُهُ، فَتَفُوتُ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يَرْهَنَهُ قَبْلَ الْحَقِّ، فَيَقُولُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا.
فَلَا يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ.
فَمَتَى قَالَ: رَهَنْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا غَدًا.
وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ الدَّرَاهِمَ، لَزِمَ الرَّهْنُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ، فَجَازَ عَقْدُهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ، كَالضَّمَانِ، أَوْ فَجَازَ انْعِقَادُهَا عَلَى شَيْءٍ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَضَمَانِ الدَّرْكِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ لَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ، فَلَمْ تَصِحَّ قَبْلَهُ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَلَا يَسْبِقُهُ، كَالشَّهَادَةِ، وَالثَّمَنُ لَا يَتَقَدَّمُ الْبَيْعَ.
وَأَمَّا الضَّمَانُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بِالْقَوْلِ، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ، كَالنَّذْرِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ.

[فَصْلٌ لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِالْقَبْضِ]

(3275) مَسْأَلَةٌ قَالَ (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِالْقَبْضِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، لَا يَلْزَمُ رَهْنُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَّاهُمَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ.
وَالْأُخْرَى، يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، كَالْبَيْعِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي.
وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ خَاصَّةً.
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ مَعَ عُمُومِهِ، قَدْ أَتْبَعَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّعْمِيمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، فَقَبْضُهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، فَقَبْضُهُ بِتَخْلِيَةِ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
وَقَدْ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الدَّارِ وَالْجَارِيَةِ إذَا رَدَّهَا إلَى الرَّاهِنِ: لَمْ يَكُنْ رَهْنًا فِي الْحَالِ.
وَهَذَا كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْتَزِمُ الرَّهْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ، فَلَزِمَ قَبْلَهُ، كَالْبَيْعِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] . وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةً، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ، كَالْقَرْضِ، وَلِأَنَّهُ رَهْنٌ لَمْ يُقْبَضْ، فَلَا يَلْزَمُ إقْبَاضُهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَلَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَلَيْسَ بِإِرْفَاقِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ ". يَعْنِي أَنَّ الرَّاهِنَ الَّذِي يَرْهَنُ وَيَقْبِضُ، يَكُونُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، وَلَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حَالِ رَهْنِهِ وَإِقْبَاضِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَالتَّسْلِيمَ لَيْسَ بِوَاجِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ إلَى اخْتِيَارِ الرَّاهِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ، لَمْ يَصِحَّ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، كَالْبَيْعِ.
فَإِنْ جُنَّ أَحَدُ الْمُتَرَاهِنَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ مَاتَ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِجُنُونِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ مَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ، وَيَقُومُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ مَقَامَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ الرَّاهِنَ، وَكَانَ الْحَظُّ فِي التَّقْبِيضِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي بَيْعٍ يَسْتَضِرُّ بِفَسْخِهِ وَنَحْوَهُ أَقْبَضَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْبِيضُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ الْمُرْتَهِنَ، قَبَضَهُ وَلِيُّهُ إنْ اخْتَارَ الرَّاهِنُ، وَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ.
وَإِذَا مَاتَ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ.
فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ، لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتُهُ تَقْبِيضَهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ سِوَى هَذَا الدَّيْنِ، فَأَحَبَّ الْوَرَثَةُ تَقْبِيضَ الرَّهْنِ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَارِثِ تَخْصِيصُ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْن سَعِيدٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ، أَخْذًا مِمَّا نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ أَفْلَسَ، فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ وُجُودَ الْقَبْضِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ وَهَذَا عَامٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ

يَضْعُفُ جِدًّا لِنُدْرَتِهَا، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِهِ الْخَاصُّ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ مَبْنِيًّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَيَكُونُ الرَّهْنُ قَدْ لَزِمَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَوَجَبَ تَقْبِيضُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ.
وَيَخْتَصُّ هَذَا بِمَا عَدَّا الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَلْزَمْ الرَّهْنُ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ تَقْبِيضُهُ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ تَعَلَّقَتْ دُيُونُهُمْ بِالتَّرِكَةِ قَبْلَ لُزُومِ حَقِّهِ فِي الرَّهْنِ، فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الرَّاهِنُ، إلَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ لِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفَ فِي التَّرِكَةِ، وَوَفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ؟ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، فَيَتِمُّ الرَّهْنُ.
وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِكَوْنِ الْإِذْنِ يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وَالْمَوْتِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْحَجْرِ.

[فَصْلٌ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ لِفَلْسِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ]

(3276) فَصْلٌ وَلَوْ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ لِفَلْسِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا لِلْمُرْتَهِنِ بِثَمَنِهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ غُرَمَائِهِ.
وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونِ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ تَقْبِيضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ أَيْضًا.
وَانْتُظِرَ إفَاقَتُهُ، وَإِنْ خَرِسَ، وَكَانَتْ لَهُ كِتَابَةٌ مَفْهُومَةٌ، أَوْ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَكَلِّمِينَ، إنْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ، لَمْ يَجُزْ الْقَبْضُ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَدْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّ إذْنَهُمْ يَبْطُلُ بِمَا عَرَضَ لَهُمْ.
وَجَمِيعُ هَذَا تَنَاوَلَهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ ". وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ جَائِزَ الْأَمْرِ.

[فَصْلٌ تَصْرِف الرَّاهِن فِي الرَّهْن قَبْل الْقَبْض بِهِبَةِ أَوْ بَيْع أَوْ عِتْق]

(3277) فَصْلٌ إذَا تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بِهِبَةِ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ، أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا، أَوْ رَهَنَهُ ثَانِيًا، بَطَلَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْهِبَةَ وَالْمَبِيعَ وَالرَّهْنَ الثَّانِيَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ فَعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ دَبَّرَ الْعَبْدَ، أَوْ أَجَرَهُ، أَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتَدَامَتْهُ كَاسْتِخْدَامِهِ.
وَإِنْ كَاتَبَ الْعَبْدَ، انْبَنَى عَلَى صِحَّةِ رَهْنِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ رَهْنُهُ.
لَمْ يَبْطُلْ رَهْنُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ.
بَطَلَ رَهْنُهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ.

[فَصْلٌ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لِلُزُومِ الرَّهْنِ]

فَصْلٌ: وَاسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لِلُزُومِ الرَّهْنِ.
فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ،

زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ، كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَبْضٌ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِإِجَارَةِ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إيدَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِذَا عَادَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ، عَادَ اللُّزُومُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا ارْتَهَنَ دَارًا، ثُمَّ أَكْرَاهَا صَاحِبُهَا، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ، صَارَتْ رَهْنًا.
وَقَالَ فِي مَنْ رَهَنَ جَارِيَةً، ثُمَّ سَأَلَ الْمُرْتَهِنَ أَنْ يَبْعَثَهَا إلَيْهِ لِتَخْبِزَ لَهُمْ، فَبَعَثَ بِهَا، فَوَطِئَهَا: انْتَقَلَتْ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا، فَلَا شَيْءَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ رَهْنًا فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَإِذَا رَدَّهَا رَجَعَتْ إلَى الرَّهْنِ.
وَمِمَّنْ أَوْجَبَ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: ابْتِدَاءُ الْقَبْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
فَأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِدَامَةُ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِدَامَةِ، يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِدَامَةِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا قُلْنَا: الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ.
كَانَ شَرْطًا فِي الِاسْتِدَامَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ لَيْسَتْ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِي ابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ اسْتَدَامَتْهُ كَالْهِبَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] . لِأَنَّهَا إحْدَى حَالَتَيْ الرَّهْنِ، فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهَا شَرْطًا، كَالِابْتِدَاءِ.
وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي ابْتِدَائِهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ، فَإِذَا ثَبَتَ اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْقَبْضِ ثَانِيًا، وَالرَّهْنُ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ مِنْ بَيْعِهِ، وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ بَيْعِهِ، وَلَمْ تَحْصُلْ وَثِيقَةٌ.
وَإِنْ أُزِيلَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ لِغَيْرِ حَقٍّ، كَغَصْبٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقِ الْعَبْدِ، أَوْ ضَيَاعِ الْمَتَاعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ حُكْمًا، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِن]

(3279) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَقْبِيضُهُ، فَاعْتُبِرَ إذْنُهُ فِي قَبْضِهِ، كَالْوَاهِبِ.
فَإِنْ تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ، فَقَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَقْبِضْ.
وَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي الْقَبْضِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَهُ، زَالَ حُكْمُ الْإِذْنِ.
وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ لَزِمَ لِاتِّصَالِ الْقَبْضِ بِهِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ لِزَوَالِ الْقَبْضِ، اُعْتُبِرَ الْإِذْنُ فِي الْقَبْضِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ يَلْزَمُ بِهِ الرَّهْنُ، أَشْبَهَ الْأَوَّلَ، وَيَقُومُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ مَقَامَهُ، مِثْلُ إرْسَالِهِ الْعَبْدَ إلَى مُرْتَهِنِهِ، وَرَدِّهِ لِمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ إلَى يَدِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ، فَاكْتُفِيَ بِهِ، كَدُعَاءِ النَّاسِ إلَى الطَّعَامِ، وَتَقْدِيمِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَجْرِي مَجْرَى الْإِذْنِ فِي أَكْلِهِ.

[مَسْأَلَةٌ الْقَبْضَ فِي الرَّهْنِ]

(3280) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْقَبْضُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، فَقَبْضُ الْمُرْتَهِنِ لَهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، فَقَبْضُهُ تَخْلِيَةُ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرْتَهِنِهِ، لَا حَائِلَ دُونَهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ فِي الرَّهْنِ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ أَوْ تَنَاوُلُهُ،

وَإِنْ كَانَ أَثْمَانًا، أَوْ شَيْئًا خَفِيفًا يُمْكِنُ قَبْضُهُ بِالْيَدِ، فَقَبْضُهُ تَنَاوُلُهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا، رَهَنَهُ بِالْكَيْلِ، أَوْ مَوْزُونًا، رَهَنَهُ بِالْوَزْنِ، فَقَبْضُهُ اكْتِيَالُهُ أَوْ اتِّزَانُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَمَّيْت الْكَيْلَ فَكِلْ» . وَإِنْ ارْتَهَنَ الصُّبْرَةَ جُزَافًا، أَوْ كَانَ ثِيَابًا أَوْ حَيَوَانًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا.
فَنَهَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ غَيْرَ مَنْقُولٍ، كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ، فَقَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ مُرْتَهِنِهِ وَبَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، بِأَنْ يَفْتَحَ لَهُ بَابَ الدَّارِ، أَوْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ مِفْتَاحَهَا.
وَإِنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَفِيهَا قُمَاشٌ لِلرَّاهِنِ، صَحَّ التَّسْلِيمُ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهَا بِمِلْكِ الرَّاهِنِ، لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ، كَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ دَابَّةً عَلَيْهَا حِمْلٌ لِلرَّاهِنِ، فَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، صَحَّ التَّسْلِيمُ.
وَلَوْ رَهَنَ الْحِمْلَ وَهُوَ عَلَى الدَّابَّةِ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ بِحِمْلِهَا، صَحَّ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ حَصَلَ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَيَكُونُ مَوْجُودًا فِي الرَّهْنِ مِنْهُمَا.

[فَصْلٌ رَهَنَهُ سَهْمًا مُشَاعًا مِمَّا لَا يُنْقَلُ]

(3281) فَصْلٌ: وَإِنْ رَهَنَهُ سَهْمًا مُشَاعًا مِمَّا لَا يُنْقَلُ.
خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، سَوَاءٌ حَضَرَ الشَّرِيكُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا كَالْجَوْهَرَةِ يَرْهَنُ نِصْفَهَا، فَقَبْضُهَا تَنَاوُلُهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهَا إلَّا بِرِضَا الشَّرِيكِ، فَإِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ، تَنَاوَلَهَا، وَإِنْ امْتَنَعَ الشَّرِيكُ، فَرَضِيَ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ بِكَوْنِهَا فِي يَدِ الشَّرِيكِ، جَازَ، وَنَابَ عَنْهُ فِي الْقَبْضِ، وَإِنْ تَنَازَعَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ، نَصَّبَ الْحَاكِمُ عَدْلًا تَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا وَإِنْ نَاوَلَهَا الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكِ فَتَنَاوَلَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ.
لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ التَّنَاوُلُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِشَرْطِ.
فَقَدْ حَصَلَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ فِي يَدِهِ مَعَ التَّعَدِّي فِي غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَهَنَهُ ثَوْبًا فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ مَعَ ثَوْبٍ لِغَيْرِهِ، فَتَنَاوَلَهُمَا مَعًا.
وَلَوْ رَهَنَهُ ثَوْبًا، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ أَحَدَهُمَا، لَمْ يَثْبُتْ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَقْبِضهُ الرَّهْنَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ الرَّهْنُ، تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّسْلِيمِ.
وَإِنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الثَّوْبَيْنِ مَعًا، حَصَلَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَسَلَّمَ الرَّهْنَ يَقِينًا.

[فَصْلٌ رَهْنه دَارًا فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُمَا فِيهَا ثُمَّ خَرَجَ الرَّاهِن]

(3282) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا، فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُمَا فِيهَا، ثُمَّ خَرَجَ الرَّاهِنُ، صَحَّ الْقَبْضُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَعْد خُرُوجِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ فِي الدَّارِ فَيَدُهُ عَلَيْهَا، فَمَا حُصِلَتْ التَّخْلِيَةُ.
وَلَنَا، أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَصِحُّ بِقَوْلِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا وَعَدَمِ الْمَانِعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا خَارِجِينَ عَنْهَا، وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ خُرُوجَ الْمُرْتَهِنِ مِنْهَا لَا يُزِيلُ يَدَهُ عَنْهَا، وَدُخُولَهُ إلَى دَارِ غَيْرِهِ لَا يُثْبِتُ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْهَا مُحَقِّقٌ لِقَوْلِهِ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ التَّخْلِيَةِ.

[فَصَلِّ رَهْنه مَالًا لَهُ فِي يَد الْمُرْتَهِن عَارِيَّة أَوْ وَدِيعَة أَوْ غَصْبًا أَوْ نَحْوه]

(3283) فَصْلٌ: وَإِنْ رَهَنَهُ مَالًا لَهُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ نَحْوَهُ، صَحَّ

الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ يُمْكِنُ قَبْضُهُ، فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَد لُزُومُ الرَّهْنِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى أَمْرٍ زَائِدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا حُصِلَتْ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِهِ بَعْد الرَّهْنِ، فَهُوَ رَهْنٌ.
فَلَمْ يَعْتَبِرْ أَمْرًا زَائِدًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَ ثَابِتَةٌ، وَالْقَبْضُ حَاصِلٌ.
وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ لَا غَيْرُ، وَيُمْكِنْ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ مَعَ اسْتِدَامَةِ الْقَبْضِ.
كَمَا لَوْ طُولِبَ الْوَدِيعَةِ فَجَحَدَهَا لِتَغَيُّرِ الْحُكْمِ، وَصَارَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ زَائِدٍ.
وَلَوْ عَادَ الْجَاحِدُ، فَأَقَرَّ بِهَا، وَقَالَ لِصَاحِبِهَا: خُذْ وَدِيعَتَك.
فَقَالَ: دَعْهَا عِنْدَك وَدِيعَةً كَمَا كَانَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْك فِيهَا.
لَتَغَيَّرَ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ أَمْرٍ زَائِدٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِيرُ رَهْنًا حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةً يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيَالُهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَصِرْ مَقْبُوضًا حَتَّى يُوَافِيَهُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ، ثُمَّ تَمْضِي مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ أَوْ بِإِمْكَانِهِ، وَيَكْفِي ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِ حَقِيقَةِ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ حَقِيقَةً.
فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا، فَهُوَ كَتَلَفِ الرَّهْنِ قَبْلَ قَبَضَهُ.
ثُمَّ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِذْنِ مِنْ الرَّاهِنِ فِي الْقَبْضِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، يَفْتَقِرُ، لِأَنَّهُ قَبْضٌ يَلْزَمُ بِهِ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِغَيْرِ إذْنٍ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، وَإِقْرَارُهُ فِي يَدِهِ لَا يَكْفِي، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمَغْصُوبَ فِي يَدِ غَاصِبِهِ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي، لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنٍ فِي الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ فِي الْقَبْضِ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا، لَمْ يَلْزَمْ الرَّهْنُ.
حَتَّى يَعُودَ فَيَأْذَنَ، ثُمَّ تَمْضِي مُدَّةٌ يَقْبِضُهُ فِي مِثْلِهَا.

[فَصْلٌ رَهْنه الْمَضْمُون كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّة وَالْمَقْبُوض فِي بَيْع فَاسِد أَوْ عَلَى تَوَجَّهَ السَّوْم]

(3284) فَصْلٌ: وَإِذَا رَهَنَهُ الْمَضْمُونَ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمَقْبُوضِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ، أَوْ عَلَى تَوَجُّهِ السَّوْمِ.
صَحَّ، وَزَالَ الضَّمَانُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَزُولُ الضَّمَانُ، وَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَالْحُكْمُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا فِيهِ يَبْقَى بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ صَارَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ.
وَهُوَ رَهْنٌ كَمَا كَانَ، فَكَذَلِكَ ابْتِدَاؤُهُ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الرَّهْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إمْسَاكِهِ رَهْنًا لَمْ يَتَجَدَّدْ مِنْهُ فِيهِ عُدْوَانٌ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبِضهُ إيَّاهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا.
مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَدُهُ عَادِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ مُحِقَّةٌ جَعَلَهَا الشَّرْعُ لَهُ، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ يَدُ أَمَانَةٍ.
وَيَدُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَنَحْوِهِمَا يَدٌ ضَامِنَةٌ، وَهَذَانِ مُتَنَافِيَانِ.
وَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلضَّمَانِ زَالَ، فَزَالَ الضَّمَانُ لِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ الْغَصْبُ وَالْعَارِيَّةُ وَنَحْوُهُمَا، وَهَذَا لَمْ يَبْقَ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا،

وَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ وَحُدُوثِ سَبَبٍ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لِعُدْوَانِهِ، لَا لِكَوْنِهِ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا، وَهَا هُنَا قَدْ زَالَ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُوجِبهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ.

[فَصْلٌ وَكَّلَ الْمُرْتَهِن الرَّاهِن فِي قَبَضَ الرَّهْن لَهُ مِنْ نَفْسه]

(3285) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ، وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ، فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ.
وَإِنْ وَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الرَّاهِنِ، فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ لَمْ يَحْصُلْ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ دَفَعَ إلَى الْبَائِعِ غِرَارَةً، وَقَالَ: كُلُّ حَقِّي فِي هَذِهِ.
فَفَعَلَ، كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا.
فَيَخْرُجُ هَاهُنَا كَذَلِكَ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ الرَّاهِن بِتَقْبِيضِ الرَّهْن أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِن بِقَبْضِهِ]

(3286) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِتَقْبِيضِ الرَّهْنِ، أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِقَبْضِهِ، كَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا فِيمَا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا فِيهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالتَّقْبِيضِ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ، وَقَالَ: أَقْرَرْت بِذَلِكَ وَلَمْ أَكُنْ قَبَّضْت شَيْئًا.
أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالْقَبْضِ، ثُمَّ أَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ لَهُ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُنْكِرُ يَمِينَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَطَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ.
وَالثَّانِي، يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَنْصُوصِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَيَلْزَمُ خَصْمَهُ الْيَمِينُ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْعَادَةِ، وَهَذَا أَجْوَدُ.
وَيُفَارِقُ الْبَيِّنَةَ، فَإِنَّهَا لَا تَشْهَدُ بِالْحَقِّ قَبْلَهُ، وَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً عَادِلَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ الْمُقِرُّ غَائِبًا، فَقَالَ: أَقْرَرْت لِأَنَّ وَكِيلِي كَتَبَ إلَيَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ لِي خِلَافُهُ.
سَمِعْنَا قَوْلَهُ، وَأَحْلَفْنَا خَصْمَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ عَادَ فَأَكْذَبَ نَفْسَهُ، لَمْ يَحْلِفْ خَصْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَأُمًّا إنْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَّضْته.
وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَالْأَصْلُ مَعَهُ، وَهُوَ عَدَمُ الْإِقْبَاضِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَقَدْ وُجِدَ الْقَبْضُ، لِكَوْنِهِ لَا يَحْصُلُ فِي يَدِهِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: أَخَذْته بِغَيْرِ إذْنِي.
قَالَ: بَلْ بِإِذْنِك.
وَهُوَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ وُجِدَ، وَيَدُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِحَقِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ رَهَنَهُ عَيْنَيْنِ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ قَبْضِهَا]

(3287) فَصْلٌ: وَإِذَا رَهَنَهُ عَيْنَيْنِ، فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ قَبْضِهَا، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهَا دُونَ الْبَاقِيَةِ؛

لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا فِيهِمَا، وَإِنَّمَا طَرَأَ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِي إحْدَاهُمَا، فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ، ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبِ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ، وَالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إقْبَاضِ الْبَاقِيَةِ وَبَيْنَ مَنْعِهَا.
وَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بَعْد قَبْضِ الْأُخْرَى، فَقَدْ لَزِمَ الرَّهْنُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ؛ لِتَعَذُّرِ الرَّهْنِ بِكَمَالِهِ، فَإِنْ رَضِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِ التَّالِفَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَلْزَمْ فِيهَا، وَتَكُونُ الْمَقْبُوضَةُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَلَوْ تَلِفَتْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ بَعْد الْقَبْضِ، فَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَوْ تَلِفَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، فَإِذَا تَلِفَ بَعْضُهُ أَوْلَى.
ثُمَّ إنْ كَانَ تَلَفُهَا بَعْدَ قَبْضِ الْعَيْنِ الْأُخْرَى، فَقَدْ لَزِمَ الرَّهْنُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الْأُخْرَى، فَالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إقْبَاضِهَا وَبَيْنَ تَرْكِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيضِهَا، ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتْلَفْ الْأُخْرَى.

[فَصْلٌ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا]

(3288) فَصْلٌ: وَإِنْ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا، لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا لَمْ تَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ عَرْصَتَهَا وَأَنْقَاضَهَا بَاقِيَةٌ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ إنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الرَّهْنِ كَمَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ؟ قُلْنَا: الْإِجَارَةُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ السُّكْنَى، وَقَدْ تَعَذَّرَتْ وَعَدِمَتْ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ لِعَدَمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالرَّهْنُ عَقْدُ اسْتِيثَاقٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ الَّتِي فِيهَا الْمَالِيَّةُ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْعَرْصَةُ وَالْأَنْقَاضُ مِنْ الْأَخْشَابِ وَالْأَحْجَارِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْيَانِ وَالْأَنْقَاضُ مِنْهَا، وَمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ.

[فَصْلٌ كُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا]

(3289) فَصْلٌ: وَكُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا، وَلِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كَانَ مَحَلًّا لِحِكْمَةِ الرَّهْنِ، وَمَحِلُّ الشَّيْءِ مَحِلُّ حِكْمَتِهِ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ مِنْ ثُبُوتِهِ، أَوْ يَفُوتَ شَرْطٌ، فَيَنْتَفِيَ الْحُكْمُ لِانْتِفَائِهِ، فَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ لِذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالْبَتِّيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ مِنْ شَرِيكِهِ، أَوْ يَرْهَنَهَا الشَّرِيكَانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَرْهَنَ رَجُلًا دَارِهِ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَيَقْبِضَانِهَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ مَقْصُودُهُ لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ، بَيَانُهُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَبْسُ الدَّائِمُ، وَالْمُشَاعُ لَا يُمْكِنُ الْمُرْتَهِنُ حَبْسَهُ، لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَنْتَزِعُهُ يَوْمَ

نَوْبَتِهِ، وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ شَرْطٌ، وَهَذَا يَسْتَحِقُّ زَوَالَ الْيَدِ عَنْهُ لِمَعْنًى قَارَنَ الْعَقْدَ، فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ كَالْمَغْصُوبِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عَيْنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا فِي مَحِلِّ الْحَقِّ، فَيَصِحُّ رَهْنُهَا كَالْمُفْرَزَةِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَبْسُ، بَلْ مَقْصُودُهُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمُشَاعُ قَابِلٌ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِرَهْنِ الْقَاتِلِ وَالْمُرْتَدِّ وَالْمَغْصُوبِ، وَرَهْنِ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ.

[فَصْلٌ رَهَنَ بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُشَاعِ]

(3290) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَنْ يَرْهَنَ بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُشَاعِ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَرْهَنَ جَمِيعَهُ، سَوَاءٌ رَهَنَهُ مُشَاعًا فِي نَصِيبِهِ، مِثْلَ أَنْ يَرْهَنَ نِصْفَ نَصِيبِهِ، أَوْ يَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفُ دَارٍ فَيَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْتٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُ حِصَّتِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ مِنْ شَيْءٍ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْتَسِمَ الشَّرِيكَانِ، فَيَحْصُلُ الرَّهْنُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَصَحَّ رَهْنُهُ كَغَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ بِمَا يَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ، فَيُمْنَعُ مِنْ الْقِسْمَةِ الْمُضِرَّةِ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ.

[فَصْلٌ رَهْنُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْجَانِي]

(3291) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْجَانِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَبْنَى الْخِلَافِ فِي هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِهِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِحَالِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ إذَا عَلِمَ الْعَيْبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، ثُمَّ عَلِمَ بَعْد إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ وَفِدَاءِ الْجَانِي، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ زَالَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ زَالَ عَيْبُ الْمَبِيعِ.
وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الْبَيْعِ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ بَيْعٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ اقْتَضَاهُ سَلِيمًا، فَإِذَا سَلَّمَ إلَيْهِ مَعِيبًا، مَلَكَ الْفَسْخَ، كَالْبَيْعِ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ وَلَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِجُمْلَتِهِ لَوْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، لَمْ يَمْلِكْ بَدَلَهُ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ الْعَبْدُ بِالرِّدَّةِ أَوْ الْقِصَاصِ، أَوْ أُخِذَ فِي الْجِنَايَةِ، فَلَا أَرْشَ لِلْمُرْتَهِنِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَبِيعَ عِوَضٌ عَنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا فَاتَ بَعْضَهُ، رَجَعَ بِمَا يُقَابِلهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ فَاتَ كُلُّهُ، مِثْلَ أَنْ يَتْلَفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بِعِوَضٍ، وَلَوْ تَلِفَ كُلُّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لَمَا اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِبَدَلِ عَيْنِهِ أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهِ؟ وَإِنْ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ فِدَاءِ الْجَانِي، لَمْ يُجْبَرْ، وَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَدَّثَتْ الْجِنَايَةُ بَعْدَ الرَّهْنِ.
فَعَلَى هَذَا إنْ اسْتَغْرَقَ

الْأَرْشُ قِيمَتَهُ، بِيعَ وَبَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْأَرْشِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ.

[فَصْلٌ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ]

(3292) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
بِنَاءً عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ.
وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ تُوجَدُ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ مِنْهُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ الْعَيْنِ، أَشْبَهَ الْإِجَارَةَ.
وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ لَا تَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا الْأَصْلِ، وَيُفَارِقُ التَّدْبِيرُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَمْنَعُ عِتْقَهُ بِالصِّفَةِ، فَإِذَا عَتَقَ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَالدَّيْنُ فِي الْمُدَبَّرِ يَمْنَعُ عِتْقَهُ بِالتَّدْبِيرِ، وَيَقْدُمُ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُ حُصُولَ الْمَقْصُودِ.
وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا عُلِمَ التَّدْبِيرُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ، كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ.
وَمَتَى مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، فَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُ، بَقِيَ الرَّهْنُ فِيمَا بَقِيَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مَالٌ يَفْضُلُ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ، بِيعَ الْمُدَبَّرُ فِي الدَّيْنِ، وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّدْبِيرِ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يَسْتَغْرِقُهُ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وَعَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُ الْبَاقِي، وَمَا بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ.

[فَصْلٌ رَهْن الْمَكَاتِب]

(3293) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ شَرْطٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا يُؤَدِّيه مِنْ نُجُوم كِتَابَتِهِ رَهْنًا مَعَهُ، فَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَ الرَّهْنُ فِيهِ وَفِي اكْتِسَابِهِ، وَإِنْ عَتَقَ كَانَ مَا أَدَّاهُ مِنْ نُجُومِهِ رَهْنًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَسَبَ الْعَبْدُ الْقِنُّ، ثُمَّ مَاتَ.
(3294) فَصْلٌ: وَأَمَّا مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ، وَمَحَلُّ الْحَقِّ آخِرُهُ، لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَلَا اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ قَبْلَهَا، مِثْلُ أَنْ يُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِآخِرِ رَمَضَانَ، وَالْحَقُّ يَحِلُّ فِي أَوَّلِهِ، صَحَّ رَهْنُهُ؛ لِإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، كَقُدُومِ زَيْدٍ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ مَحِلٌّ لِلرَّهْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُدَبَّرِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَّرَا، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ رَهْنُ الْجَارِيَةِ]

(3295) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ رَهْنُ الْجَارِيَةِ دُونَ وَلَدِهَا، وَرَهْنُ وَلَدِهَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَفْرِقَةٌ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ، وَالْأُمِّ مَعَ وَلَدِهَا، فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهَا فِي الدَّيْنِ، بِيعَ وَلَدُهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي الْعَقْدِ مُمْكِنٌ، وَالتَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا حَرَامٌ، فَوَجَبَ بَيْعُهُ

مَعَهَا.
فَإِذَا بِيعَا مَعًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً، مَعَ أَنَّهَا ذَاتُ وَلَدٍ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسُونَ، فَحِصَّتُهَا ثُلُثَا الثَّمَنِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُرْتَهِنُ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ عَلِمَ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عَيْبٌ فِيهَا، لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا بِدُونِهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ حَالَ الْعَقْدِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ رَدَّهَا فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ، إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ.

[فَصْلٌ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ]

(3296) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ بِالتَّجْفِيفِ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، أَوْ لَا يُمْكِنُ، كَالْبِطِّيخِ وَالطَّبِيخِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ مِمَّا يُجَفَّفُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ، فَلَزِمَ الرَّاهِنَ، كَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجَفَّفُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ، وَيَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، إنْ كَانَ حَالًّا، أَوْ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، جَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا، سَوَاءٌ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ بَيْعَهُ أَوْ أَطْلَقَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ قَبْلَ مَحِلِّ الدَّيْنِ، فَشَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بَيْعَهُ وَجَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ، صَحَّ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ لَا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، وَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهَيْنِ، كَالْقَوْلَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُعَرِّضُ مِلْكَهُ لِلتَّلَفِ وَالْهَلَاكِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ حِفْظُهُ فِي بَيْعِهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، كَتَجْفِيفِ مَا يَجِفُّ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَحِرْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَى حِرْزٍ.
وَأَمَّا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُبَاعَ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يَتَضَمَّنُ فَسَادَهُ، وَفَوَاتَ الْمَقْصُودِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُجَفِّفَ مَا يَجِفُّ، أَوْ لَا يُنْفِقَ عَلَى الْحَيَوَانِ.
وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ إنْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ، بَاعَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ، وَجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، وَلَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُ وَفَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ حُلُولِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ رَهَنَهُ ثِيَابًا فَخَافَ تَلَفَهَا، أَوْ حَيَوَانًا وَخَافَ مَوْتَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ رَهَنَ ثِيَابًا يَخَافُ فَسَادَهَا، كَالصُّوفِ: أَتَى السُّلْطَانَ، فَأَمَرَهُ بِبَيْعِهَا.

[فَصْلٌ رَهْن الْعَصِيرِ]

(3297) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْعَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَتَعَرُّضُهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْمَالِيَّةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ رَهْنِهِ، كَالْمَرِيضِ وَالْجَانِي.
ثُمَّ إنْ اسْتَحَالَ إلَى حَالٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا عَنْ الْمَالِيَّةِ، كَالْخَلِّ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَإِنْ صَارَ خَمْرًا زَالَ لُزُومُ الْعَقْدِ، وَوَجَبَتْ إرَاقَتُهُ، فَإِنْ أُرِيقَ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ عَادَ خَلًّا، عَادَ اللُّزُومُ، بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ.
وَإِنْ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وَلَمْ يَعُدْ بِعَوْدِهِ خَلًّا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ إسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي

أَنَّ الْعَصِيرَ إذَا اسْتَحَالَ خَمْرًا بَعْدَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الرَّهْنُ، ثُمَّ إذَا عَادَ خَلًّا، عَادَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، مَرْهُونًا بِالْعَقْدِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ مَمْلُوكًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، فَيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ زَالَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، فَيَعُودُ بِعَوْدِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ حَالَةَ كَوْنِهِ عَصِيرًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ قِيمَةٌ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ الْجَانِي، وَلِأَنَّ الْيَدَ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ حُكْمًا، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ، كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَوْ زَالَتْ يَدُهُ، لَكَانَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ فَجَمَعَهُ إنْسَانٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ، كَانَ لَهُ، دُونَ مَنْ أَرَاقَهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُنَا الْأَوَّلُ فِي الْمَعْنَى، إلَّا أَنْ يَقُولُوا بِبَقَاءِ اللُّزُومِ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِ خَمْرًا.
وَلَمْ يَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَوْدِهِ رَهْنًا بِاسْتِحَالَتِهِ خَلًّا، وَأَرَى الْقَوْلَ بِبَقَائِهِ رَهْنًا أَقْرَبَ إلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ بَطَلَ لَمَا عَادَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ ابْتِدَاءِ عَقْدٍ.
فَإِنْ قَالُوا: يُمْكِنُ عَوْدُهُ صَحِيحًا لِعَوْدِ الْمَعْنَى الَّذِي بَطَلَ بِزَوَالِهِ، كَمَا أَنَّ زَوْجَةَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَتْ خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، لِاخْتِلَافِ دِينِهِمَا، فَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ، عَادَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، لِزَوَالِ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ.
قُلْنَا: هُنَاكَ مَا زَالَتْ الزَّوْجِيَّةُ، وَلَا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَوْ بَطَلَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمَا عَادَ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا الْعَقْدُ كَانَ مَوْقُوفًا مُرَاعًى، فَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَطَلَ، وَهَا هُنَا قَدْ جَزَمْتُمْ بِبُطْلَانِهِ.

[فَصْلٌ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بَدْو صَلَاحِهَا]

(3298) فَصْلٌ: وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ يَقِلُّ فِيهِ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَتَى تَلِفَتْ، عَادَ إلَى حَقِّهِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَجَازَ رَهْنُهُ، وَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ بِيعَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بَيْعِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ الَّذِي يُشْتَرَطُ، قَبْضُهُ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَحَقٌّ، فَيُمْكِنُ الْمُشْتَرِيَ قَبْضُهُ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ.
أَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.

[فَصْلٌ رَهْنِ الْمُصْحَفِ]

(3299) فَصْلٌ: وَفِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ رِوَايَتَانِ؛

إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ.
نَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ: أَرْخَصَ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِهِ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَالثَّانِيَةُ، يَصِحُّ رَهْنُهُ.
فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا رَهَنَ مُصْحَفًا لَا يَقْرَأُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ.
فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ رَهْنِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَغَيْرِهِ.

[فَصْلٌ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا يَرْهَنُهُ]

(3300) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنَّ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا يَرْهَنُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عَلَى دَنَانِيرَ مَعْلُومَةٍ، عِنْدَ رَجُلٍ سَمَّاهُ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْمُرْتَهَنَ، وَالْقَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ، وَجِنْسَهُ، وَمُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، فَاحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهِ، كَأَصْلِ الرَّهْنِ، وَمَتَى شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَخَالَفَ، وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي هَذَا الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِقَدْرِ مِنْ الْمَالِ، فَنَقَصَ عَنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِمِائَةِ، فَيَرْهَنُهُ بِخَمْسِينَ، صَحَّ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ فِي مِائَةٍ، فَقَدْ أَذِنَ فِي خَمْسِينَ.
وَإِنْ رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ، مِثْلُ أَنَّ رَهَنَهُ بِمِائَةِ وَخَمْسِينَ، احْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: ارْهَنْهُ بِدَنَانِيرَ.
فَرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِحَالٍّ فَرَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ.
فَرَهَنَهُ بِحَالٍّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.
كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمِائَةِ، وَيَبْطُلُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَجَازَ فِيمَا دُونَ غَيْرِهِ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَأْذُونًا فِيهِ بِحَالٍّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ لَا يُوجَدُ فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ فِي الْحَالِّ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَجَلِ وَبِالْعَكْسِ.
وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إذَا صَحَّ فِي الْمِائَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْغَرَضُ، فَإِنْ أَطْلَقَ الرَّهْنَ فِي الْإِذْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ، وَلَهُ رَهْنُهُ بِمَا شَاءَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْآخَرُ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ، وَصِفَتَهُ، وَحُلُولَهُ، وَتَأْجِيلَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَالْعَارِيَّةُ مَا أَفَادَتْ الْمَنْفَعَةَ، إنَّمَا حَصَّلَتْ لَهُ نَفْعًا يَكُونُ الرَّهْنُ وَثِيقَةً عَنْهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ فِي ذِمَّتِهِ، وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عَارِيَّةٌ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّتِهَا ذِكْرُ ذَلِكَ، كَالْعَارِيَّةِ لِغَيْرِ الرَّهْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ عَارِيَّةٌ أَنَّهُ قَبَضَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَكَانَ عَارِيَّةً، كَقَبْضِهِ لِلْخِدْمَةِ.
وَقَوْلُهُمْ:

إنَّهُ ضَمَانٌ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الرَّقَبَةِ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الضَّامِنِ، وَهَذَا لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَبْدِ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَإِلْزَامُ الْمُسْتَعِيرِ بِفِكَاكِهِ بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَنَافِعَ لِلسَّيِّدِ.
قُلْنَا: الْمَنَافِعُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَائِرَ الْمَنَافِعِ لِلسَّيِّدِ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَهُ لِحِفْظِ مَتَاعٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخِيطُ لِسَيِّدِهِ.
أَوْ يَعْمَلُ لَهُ شَيْئًا، أَوْ اسْتَعَارَهُ لِيَخِيطَ لَهُ، وَيَحْفَظَ الْمَتَاعَ لِسَيِّدِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ عَارِيَّةً لَمَا صَحَّ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ، وَالرَّهْنُ لَازِمٌ.
قُلْنَا: الْعَارِيَّةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ الْمُطَالَبَةَ بِفِكَاكِهِ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ.
وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ قَدْ تَكُونُ لَازِمَةً، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فِيهَا، أَوْ لِيَزْرَعَ فِيهَا مَا لَا يُحْصَدُ قَصِيلًا.
إذْ ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ بِمَا شَاءَ، إلَى أَيْ وَقْتٍ شَاءَ، مِمَّنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِإِطْلَاقِهِ، وَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِ الرَّهْنِ، حَالًا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا، فِي مَحِلِّ الْحَقِّ وَقَبْلَ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ.
وَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ فَلَمْ يَقْبِضْهُ، فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ.
وَاسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالضَّمَانِ، وَهُوَ قِيمَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ، أَوْ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا بِيعَتْ بِهِ، سَوَاءٌ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إنْ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا، رَجَعَ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّة مَضْمُونَةٌ، فَيَضْمَنُ نَقْصَ ثَمَنِهَا، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ، رَجَعَ بِمَا بِيعَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِلْكٌ لِلْمُعِيرِ، فَيَكُونُ ثَمَنُهُ كُلُّهُ لَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ عَنْ الرَّاهِنِ، رَجَعَ الثَّمَنُ كُلُّهُ إلَى صَاحِبِهِ.
فَإِذَا قَضَى بِهِ دَيْنَ الرَّاهِنِ، رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ ضَمَانِ النَّقْصِ أَنْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ، وَإِنْ تَلَفَ الرَّهْنُ ضَمِنَهُ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِ أَوْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.
نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ.

[فَصْلٌ فَكَّ الْمُعَيَّر الرَّهْن وَأَدَّى الدِّين الَّذِي عَلَيْهِ بِإِذْنِ الرَّاهِن]

(3301) فَصْلٌ: وَإِنْ فَكَّ الْمُعِيرُ الرَّهْنَ، وَأَدَّى الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَضَاهُ مُتَبَرِّعًا، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ.
وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيَتَرَجَّحُ الرُّجُوعُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِفِكَاكِ عَبْدِهِ، وَأَدَاءُ دَيْنِهِ فِكَاكُهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
وَإِنْ شَهِدَ الْمُرْتَهِنُ لِلْمُعِيرِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا، وَإِنْ قَالَ: أَذِنْت لِي فِي رَهْنِهِ بِعَشْرَةٍ.
قَالَ: بَلْ بِخَمْسَةٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فَقَضَاهُ حَالًّا بِإِذْنِهِ، رَجَعَ بِهِ حَالًّا، وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ بِهِ حَالًّا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِفِكَاكِ عَبْدِهِ فِي الْحَالِّ.

[فَصْلٌ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُل عَبْدًا لِيَرْهَنَّهُ بِمِائَةِ فَرَهْنه عِنْدَ رَجُلَيْنِ]

(3302) فَصْلٌ: وَلَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ بِمِائَةٍ، فَرَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ مَا يَرْهَنُ بِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَرْهَنُ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّ رَهْنَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ رَهْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ مِنْهُ بَعْضُهُ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ رَهْنًا عِنْدَ وَاحِدٍ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا قَضَى أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، خَرَجَ نَصِيبُهُ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ، فَرَهَنَهُ عِنْدَ وَاحِدٍ بِمِائَةٍ، فَقَضَاهُ نِصْفَهَا عَنْ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَنْفَكُّ مِنْ الرَّهْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ، مِنْ رَاهِنٍ وَاحِدٍ، مَعَ مُرْتَهِنٍ وَاحِدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ.
وَالثَّانِي، يَنْفَكُّ نِصْفُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا أَذِنَ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ بِخَمْسِينَ، فَلَا يَكُونُ رَهْنًا بِأَكْثَرَ مِنْهَا، كَمَا لَوْ صَرَّحَ لَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ارْهَنْ نَصِيبِي بِخَمْسِينَ، لَا تَزِدْ عَلَيْهَا.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَالرَّهْنُ مَشْرُوطٌ فِي بَيْعٍ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الرَّهْنِ وَثِيقَةٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَقَدْ فَاتَهُ ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ سُلِّمَ لَهُ كُلُّهُ بِالدَّيْنِ كُلِّهِ، وَهُوَ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ رَهَنَ هَذَا الْعَبْدَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ، فَقَضَى أَحَدَهُمَا، انْفَكَّ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعِيرَيْنِ مِنْ نِصْفِهِ.
وَإِنْ قَضَى نِصْفَ دَيْنِ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يَنْفَكُّ نِصْفُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ فَأَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ]

(3303) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ، فَأَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ مِنْ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، فَرَهَنَاهُمَا عِنْدَ رَجُلٍ مُطْلَقًا، صَحَّ، فَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنَّنِي مَتَى قَضَيْت مَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي رَهَنْته، وَفِي الْعَبْدِ الْآخَرِ، أَوْ فِي قَدْرِ نَصِيبِي مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ.
فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَنْفَكَّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ رَهْنٌ عَلَى دَيْنٍ آخَرَ، وَيَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ نَقْصًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَكُلُّ شَرْطٍ فَاسِدٍ يُنْقِصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ، يُفْسِدُ الرَّهْنَ.
فَأَمَّا إنْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْ الْعَبْدِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبْقَى الرَّهْنُ مَحْبُوسًا بِغَيْرِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ رَهْنٌ بِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَنْقُصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ، فَهَلْ يَفْسُدُ الرَّهْنُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ رَهْنُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ]

(3304) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْوَقْفِ، وَالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ.
وَلَوْ رَهَنَ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، لَمْ يَجُزْ.
فَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: زِدْنِي مَا لَا يَكُونُ الرَّهْنُ الَّذِي عِنْدَك رَهْنًا بِهِ وَبِالدَّيْنِ الْأَوَّلِ.

لَمْ يَجُزْ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَهُ رَهْنًا جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا زَادَ فِي دَيْنِ الرَّهْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَدَى الْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ الْجَانِي بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، لِيَكُونَ رَهْنًا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ وَبِمَا فَدَاهُ بِهِ، جَازَ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ، فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ فِيهَا كَالضَّمَانِ وَلَنَا، أَنَّهَا عَيْنٌ مَرْهُونَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ رَهْنُهَا بِدَيْنٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ رَهَنَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ اسْتِيثَاقٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْجَانِي فَيَصِحُّ فِدَاؤُهُ، لِيَكُونَ رَهْنًا بِالْفِدَاءِ وَالْمَالِ الْأَوَّلِ، لِكَوْنِ الرَّهْنِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الْأَرْشِ بِالْجَانِي، لِكَوْنِ الْجِنَايَةِ أَقْوَى، وَلِأَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْمُطَالَبَةَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الرَّهْنِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ فِي الرَّهْنِ الْجَائِزِ حَقًّا قَبْلَ لُزُومِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ جَائِزًا بِالْجِنَايَةِ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنُ الضَّمَانَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ لِغَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَرَهَنَهُ بِحَقٍّ ثَانٍ كَانَ رَهْنًا بِالْأَوَّلِ خَاصَّةً، فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ يَعْتَقِدَانِ فَسَادَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ، وَإِنْ اعْتَقَدَا صِحَّتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِالْحَقَّيْنِ مُطْلَقًا، بَلْ يَشْهَدَانِ بِكَيْفِيَّةِ الْحَالِ، لِيَرَى الْحَاكِمُ فِيهِ رَأْيَهُ.

[فَصْلٌ رَهْنُ سَوَادِ الْعِرَاقِ وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ]

(3305) فَصْلٌ: وَأَمَّا رَهْنُ سَوَادِ الْعِرَاقِ، وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَكَذَلِكَ رَهْنُهَا.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ بِنَائِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا أَوْ مِنْ الشَّجَرِ الْمُجَدَّدِ فِيهَا، إنْ أَفْرَدَهُ بِالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ؛ إحْدَاهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ طَلْقٌ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا رَهْنُهُ، فَهُوَ كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ.
وَإِنْ رَهَنَهُ مَعَ الْأَرْضِ، بَطَلَ فِي الْأَرْضِ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ رَهْنُهَا مُنْفَرِدَةً؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

[فَصْلٌ رَهْنُ الْمَجْهُولِ]

(3306) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْجِرَابَ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْخَرِيطَةَ بِمَا فِيهَا.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَإِنْ لَمْ يَقْلُ: بِمَا فِيهَا.
صَحَّ رَهْنُهَا؛ لِلْعِلْمِ بِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، كَالْجِرَابِ الْخَلِقِ وَنَحْوِهِ.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِلْعِلْمِ فِي الرَّهْنِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْآبِقِ وَلَا الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَلَا غَيْرِ مَمْلُوكٍ.

[فَصْلٌ رَهَنَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ يَعْتَقِدُهُ مَغْصُوبًا فَبَانَ مِلْكُهُ]

(3307) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا، أَوْ بَاعَهُ، يَعْتَقِدُهُ مَغْصُوبًا، فَبَانَ مِلْكُهُ، مِثْلُ إنْ رَهَنَ عَبْدَ أَبِيهِ،

فَبَانَ أَنَّ أَبَاهُ قَدْ مَاتَ، وَصَارَ الْعَبْدُ مِلْكَهُ بِالْمِيرَاثِ، أَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا يَشْتَرِي لَهُ عَبْدًا مِنْ سَيِّدِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ بَاعَ الْعَبْدَ أَوْ رَهَنَهُ، يَعْتَقِدُهُ لِسَيِّدِهِ الْأَوَّلِ، فَبَانَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَعْدَ شِرَاءِ الْوَكِيلِ لَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ، وَصَادَفَ مِلْكَهُ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ عَلِمَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَهُ بَاطِلًا.

[فَصْلٌ رَهَنَ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَار]

(3308) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَمْ يَصِحَّ، إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ بَيْعُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ.
وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فَرَهَنَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ الَّتِي لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ مَالًا يَمْلِكُهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَ الْأَبُ الْعَيْنَ الَّتِي وَهَبَهَا لِابْنِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ فِيهَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلشَّافِعِي فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ، فَتَصَرُّفُهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ فِيهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ رَهَنَ مَا لَا يَمْلِكُهُ.
بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الزَّوْجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.

[فَصْلٌ رَهَنَ ثَمَرَة شَجَرٍ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ]

(3309) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ ثَمَرَةَ شَجَرٍ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَرَهَنَ الثَّمَرَةَ الْأُولَى إلَى مَحِلٍّ تَحْدُثُ الثَّانِيَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ حِينَ حُلُولِ الْحَقِّ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ مَجْهُولًا حِينَ الْعَقْدِ، وَكَمَا لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا بَعْدَ اشْتِبَاهِهَا.
فَإِنْ شَرَطَ قَطْعَ الْأُولَى إذَا خِيفَ اخْتِلَاطُهَا بِالثَّانِيَةِ، صَحَّ.
فَإِنْ كَانَ الْحِمْلُ الْمَرْهُونُ بِحَقِّ حَالًّا، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ تَتَمَيَّزُ مِنْ الْأُولَى إذَا حَدَثَتْ، فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ.
فَإِنْ وَقَعَ التَّوَانِي فِي قَطْعِ الْأُولَى حَتَّى اخْتَلَطَتْ بِالثَّانِيَةِ، وَتَعَذَّرَ التَّمَيُّزُ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، وَقَدْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ.
فَعَلَى هَذَا إنْ سَمْحَ الرَّاهِنُ بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ رَهْنًا، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْمَرْهُونِ مِنْهُمَا، فَحَسَنٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.

[فَصْلٌ رَهَنَ مَنَافِع دَارِ شَهْرًا]

(3310) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَهُ مَنَافِعَ دَارِهِ شَهْرًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَالْمَنَافِعُ تَهْلِكُ إلَى حُلُولِ الْحَقِّ.
وَإِنْ رَهَنَهُ أُجْرَةَ دَارِهِ شَهْرًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ وَغَيْرُ مَمْلُوكَةٍ.

[فَصْلٌ رَهَنَ الْمَكَاتِب مِنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ]

(3311) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ.
وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى السَّيِّدِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ.
فَقَدْ صَارَ حُرًّا بِشِرَائِهِ إيَّاهُ.

[فَصْلٌ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ أَوْ بَاعَهَا وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنِ]

(3312) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ، أَوْ بَاعَهَا، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، صَحَّ فِي أَحَدِ

الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِي، فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ، كَالْمَرْهُونِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَادَفَ مِلْكَهُ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِهِ حَقًّا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الْمُرْتَدَّ.
وَفَارَقَ الْمَرْهُونَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَتنَا فَالْحَقُّ تَعَلَّقَ بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَصَرُّفَهُ.
وَهَكَذَا كُلُّ حَقٍّ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِهِ، كَالزَّكَاةِ وَالْجِنَايَةِ، فَلَا يَمْنَعُ رَهْنَهُ، فَإِذَا رَهَنَهُ، ثُمَّ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْحَقَّ، فَلِلْغُرَمَاءِ انْتِزَاعُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ أَسْبَقُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَانِي.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ مَبِيعٌ بَاعَهُ الْمَيِّتُ بِعَيْبٍ ظَهَرَ فِيهِ، أَوْ حَقٌّ تَجَدَّدَ تَعَلُّقُهُ بِالتَّرِكَةِ، مِثْلُ إنْ وَقَعَ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرٍ حَفَرَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ نَافِذٍ، فَإِنْ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ نَفَذَ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ.

[فَصْلٌ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرِ]

(3313) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ صِحَّةَ رَهْنِهِ، إذَا شَرَطَا كَوْنَهُ عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ، وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ.
وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ.

[مَسْأَلَةٌ قَبَضَ الرَّهْنَ مَنْ تَشَارَطَا أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ]

(3314) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَنْ تَشَارَطَا أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ، صَارَ مَقْبُوضًا وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ رَضِيَاهُ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ، جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ، فَمَتَى قَبَضَهُ صَحَّ قَبْضُهُ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَكُونُ مَقْبُوضًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ، فَتَعَلَّقَ بِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَنَا، أَنَّهُ قَبْضٌ فِي عَقَدَ، فَجَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ، كَسَائِرِ الْقُبُوضِ، وَفَارَقَ الْقَبُولَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ إذَا كَانَ لِشَخْصِ كَانَ الْقَبُولُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يُخَاطَبُ بِهِ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ قَبْلَ أَنْ يُوجِبَ لَهُ، صَحَّ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ، فِيمَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِيهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَا الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْ مَنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ، وَهُوَ الْجَائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فَإِنْ فَعَلَا كَانَ قَبْضُهُ وَعَدَمُ الْقَبْضِ وَاحِدًا، وَلَا عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُهَا فِي الْحِفْظِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ، جَازَ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ، فَإِنْ كَانَ

بِجَعْلٍ، جَازَ؛ لِأَنَّ لَهُ الْكَسْبَ، وَبَذْلَ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَعَلَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَنَافِعِهِ.

[فَصْلٌ جَعَلَ الرَّاهِن وَالْمُرْتَهِن الرَّهْن فِي يَد اثْنَيْنِ]

(3315) فَصْلٌ: فَإِنْ: جَعَلَا الرَّهْنَ فِي يَدِ عَدْلَيْنِ، جَازَ، وَلَهُمَا إمْسَاكُهُ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ.
وَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَفِي الْآخَرِ، إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِإِمْسَاكِ الْآخَرِ، جَازَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ، اقْتَسَمَاهُ، وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمْسَاكُ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى حِفْظِهِ يَشُقُّ عَلَيْهِمَا، فَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحِفْظَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُتَرَاهِنِينَ لَمْ يَرْضَيَا إلَّا بِحِفْظِهِمَا فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِذَلِكَ، كَالْوَصِيَّيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدِهِمَا بِالتَّصَرُّفِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الْحِفْظِ يَشُقُّ.
لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُهُ فِي مَخْزَنٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ قُفْلٌ.
(3316) فَصْلٌ: وَمَا دَامَ الْعَدْلُ بِحَالِهِ، لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ الْأَمَانَةِ، وَلَا حَدَثَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ، فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا، وَلَا لِلْحَاكِمِ، نَقْلُ الرَّهْنِ عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَمْ يَعْدُهُمَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِهِ.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْعَدْلِ بِفِسْقٍ، أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْحِفْظِ، أَوْ حَدَثَتْ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، أَوْ بَيْنَ أَحَدِهِمَا، فَلِمَنْ طَلَبَ نَقْلَهُ عَنْ يَدِهِ ذَلِكَ، وَيَضَعَانِهِ فِي يَدِ مَنْ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا، وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تُغَيِّرْ حَالِهِ، بَحَثَ الْحَاكِمُ، وَعَمِلَ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَتَغَيَّرَتْ حَاله فِي الثِّقَةِ وَالْحِفْظِ، فَلِلرَّاهِنِ رَفْعُهُ عَنْ يَدِهِ إلَى الْحَاكِمِ، لِيَضَعَهُ فِي يَدِ عَدْلٍ وَإِذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّرَ حَالِ الْمُرْتَهِنِ، فَأَنْكَرَ، بَحَثَ الْحَاكِمُ عَنْ ذَلِكَ، وَعَمَلَ بِمَا بَانَ لَهُ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِمَا إمْسَاكُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، جَازَ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى عَدْلٍ يَضَعَانِهِ عَلَى يَدِهِ، فَلَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَيُفَوَّضُ أَمْرُهُ إلَيْهِمَا.
فَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عِنْدَ مَوْتِ الْعَدْلِ، أَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ، رَفَعَا الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ، لِيَضَعَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، بِفِسْقٍ، أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْحِفْظِ، أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَ أَحَدِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ، أُقِيمَ مُقَامَهُ عَدْلٌ يَنْضَمُّ إلَى الْعَدْلِ الْآخَرِ، فَيَحْفَظَانِ مَعًا.

[فَصْلٌ أَرَادَ الْعَدْلُ رَدَّ الرَّهْن عَلَى مِنْ أُودَعهُ]

(3317) فَصْلٌ: وَلَوْ أَرَادَ الْعَدْلُ رَدَّهُ عَلَيْهِمَا، فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِمَا قَبُولُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بِالْحِفْظِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ امْتَنَعَا، أَجْبَرَهُمَا الْحَاكِمُ.
فَإِنْ تَغَيَّبَا، نَصَبَ الْحَاكِمُ أَمِينًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَلَوْ دَفَعَهُ إلَى الْأَمِينِ مِنْ غَيْرِ

امْتِنَاعِهِمَا، ضَمِنَ، وَضَمِنَ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْر الْمُمْتَنِع.
وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ الْعَدْلُ عِنْدَ آخَرَ مَعَ وُجُودِهِمَا، ضَمِنَ، وَضَمِنَ الْقَابِضُ.
وَإِنْ امْتَنَعَا، وَلَمْ يَجِدْ حَاكِمَا، فَتَرَكَهُ عِنْدَ عَدْلٍ آخَرَ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُهُ إلَى الْآخَرِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يُمْسِكُهُ لِنَفْسِهِ، وَالْعَدْلُ يُمْسِكُهُ لَهُمَا، هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ حَاضِرَيْنِ، فَأَمَّا إذَا كَانَا غَائِبِينَ، نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ لِلْعَدْلِ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ، رَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَقَبَضَهُ مِنْهُ، أَوْ نَصَبَ لَهُ عَدْلًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، أَوْدَعَهُ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ إلَى ثِقَةٍ يُودِعُهُ عِنْدَهُ، مَعَ وُجُودِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَكَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، قَبَضَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، دَفَعَهُ إلَى عَدْلٍ.
وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ.
وَإِنْ كَانَا أَحَدُهُمَا حَاضِرًا وَالْآخَرُ غَائِبًا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَائِبَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ إلَى الْحَاضِرِ مِنْهُمَا.
وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، مَتَى دَفَعَهُ إلَى أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ رَدَّهُ إلَى يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ حَقِّ الْآخَرِ.

[فَصْلٌ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْل وَشَرَطَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ حُلُول الْحَقِّ]

(3318) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَشَرَطَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، صَحَّ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فَإِنْ عَزَلَ الرَّاهِنُ الْعَدْلَ عَنْ الْبَيْعِ، صَحَّ عَزْلُهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْبَيْعَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّ وَكَالَتَهُ صَارَتْ مِنْ حُقُوقِ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إسْقَاطُهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ مَنَعَ الْحِيلَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ لِلرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ، لِيُجِيبَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَعْزِلَهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَقَامُ عَلَيْهَا، كَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ، وَكَوْنُهُ مِنْ حُقُوقِ الرَّاهِنِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَا الرَّهْنَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ بَعْدَ الْإِذْنِ، انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى عَزَلَهُ عَنْ الْبَيْعِ، فَلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ الْبَيْعِ الَّذِي حَصَلَ الرَّهْنُ بِثَمَنِهِ، كَمَا لَوْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ فِي الْبَيْعِ، فَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَلَا يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ، إذْ الرَّهْنُ مِلْكُهُ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِتَوْكِيلِهِ صَحَّ، فَلَمْ يَنْعَزِلْ بِعَزْلِ غَيْرِهِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْزِلَاهُ، فَحَلَّ الْحَقُّ، لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ الْمُرْتَهِنَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِحَقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ إذْنٍ مِنْ الرَّاهِنِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ وُجِدَ مَرَّةً، فَيَكْفِي، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ إذْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي قَضَاءِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ فَإِنَّ الْإِذْنَ كَافٍ مَا لَمْ يُغَيَّرْ، وَالْغَرَضُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ

مَعَ صَرِيحِ الْإِذْنِ بِخِلَافِهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَدَّدَ الْإِذْنَ لَهُ، بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ؛ فَإِنَّ الْمَبِيعَ يَفْتَقِرُ إلَى مُطَالَبَتِهِ بِالْحَقِّ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ نَحْوٌ مِنْ هَذَا.

[فَصْلٌ أَتْلَفَ الرَّهْنَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَجْنَبِيّ]

(3319) فَصْلٌ: وَلَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَى الْجَانِي قِيمَتُهُ، تَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا بَدَلِ الرَّهْنِ، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهُ، وَلَهُ إمْسَاكُ الرَّهْنِ وَحِفْظُهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُتَرَاهِنَانِ أَذِنَا لَهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ بَيْعَ قِيمَته؛ لِأَنَّ لَهُ بَيْعَ نَمَاءِ الرَّهْنِ تَبِعَا لِلْأَصْلِ، فَالْقِيمَةُ أَوْلَى.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ، فَلَا يَمْلِكُ بَيْعَ مَا لَمْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ، وَالْمَأْذُونُ فِي بَيْعِهِ قَدْ تَلِفَ، وَقِيمَتُهُ غَيْرُهُ.
وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، وَالْقِيمَةُ رَهْنٌ، يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْأَصْلِ، مِنْ كَوْنِهِ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا، وَإِمْسَاكَهَا، وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهَا، فَكَذَلِكَ بَيْعُهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِي وَفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، مَلَكَ إيفَاءَهُ مِنْ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الرَّهْنِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، فَأَشْبَهَتْ ثَمَنَ الْبَيْعِ.

[فَصْلٌ أَذِنَ الرَّاهِن وَالْمُرْتَهِن لِلْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ وَعَيَّنَا لَهُ نَقْدًا]

(3320) فَصْلٌ: وَإِذَا أَذِنَا لِلْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ، وَعَيَّنَا لَهُ نَقْدًا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: بِعْهُ بِدَرَاهِمَ.
وَقَالَ الْآخَرُ: بِدَنَانِيرَ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ حَقًّا، لِلرَّاهِنِ مِلْكُ الْيَمِينِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ، وَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيَأْمُرُ مَنْ يَبِيعُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَافَقَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا أَوْ لَمْ يُوَافِقْ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ بَاعَهُ بِأَغْلَبِهِمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَبِيعُ بِمَا يُؤَدِّيه اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ الْأَحَظُّ، وَالْغَرَضُ تَحْصِيلِ الْحَظِّ، فَإِنْ تَسَاوَيَا، بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جِنْسُ الدَّيْنِ، عَيَّنَ لَهُ الْحَاكِمُ مَا يَبِيعُهُ بِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ فِي وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمِنْ الْبَيْعِ نَسَاء، مَتَى خَالَفَ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ الْمُخَالِفَ وَذَكَرَ فِي الْبَيْعِ نَسَاءً رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ هَاهُنَا لِإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالِ يَجِبُ تَعْجِيلُهُ، وَالْبَيْعُ نَسَاءً يَمْنَعُ ذَلِكَ.
وَكَذَا نَقُولُ فِي الْوَكِيلِ، مَتَى وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ الْبَيْعِ نَسَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيهِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِأَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَجَبَ رَدُّ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَلِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ قِيمَةَ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ، لَا رَهْنًا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَإِنْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ الرَّهْنِ، رَجَعَ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وَمَتَى ضَمِنَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.
لِأَنَّ الْعَيْنَ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْعَدْلُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي.

[فَصْلٌ قَدَّرَ الرَّاهِن وَالْمُرْتَهِن لِلْعَدْلِ الَّذِي فِي يَده الرَّهْن ثَمَنًا]

(3321) فَصْلٌ: وَمَتَى قَدَّرَا لَهُ ثَمَنًا لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ بِدُونِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَا، فَلَهُ بَيْعُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَوْ بِدَرَاهِمَ وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْوَكَالَةِ.
فَإِنْ أَطْلَقَا، فَبَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، صَحَّ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا.
وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، أَوْ بَاعَ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَرَّرَا لَهُ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَضَمِنَ النَّقْصَ كُلَّهُ.
ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَفَ فِي النَّقْدِ.

[فَصْلٌ بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بِإِذْنِهِمَا وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ]

(3322) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بِإِذْنِهِمَا، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَيَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِأَجْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَكِيلُ الرَّاهِنِ فِي الْبَيْعِ، وَالثَّمَنُ مِلْكُهُ، وَهُوَ أَمِينٌ لَهُ فِي قَبْضِهِ، فَإِذَا تَلِفَ، كَانَ مِنْ ضَمَانِ مُوَكَّلِهِ، كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ.
وَإِنْ ادَّعَى التَّلَفَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَلَّفْنَاهُ الْبَيِّنَةَ، شَقَّ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّاسُ فِي الْأَمَانَاتِ فَإِنْ خَالَفَاهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَقَالَا: مَا قَبَضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي.
وَادَّعَى ذَلِكَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
وَالْآخَرُ: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا إبْرَاءٌ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْله فِيهِ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ الثَّمَنِ.
وَإِنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فَالْعُهْدَةُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْعَدْلِ، إذَا كَانَ قَدْ أَعْلَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ وَكِيلٍ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعُهْدَةُ عَلَى الْوَكِيلِ.
وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْوَكَالَةِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَلَفِ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْعَدْلِ، رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَا شَيْء عَلَى الْعَدْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَدْلِ، لِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ فِي قَبْضِهِ، يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ.
فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ، فَقَدْ بَانَ لَهُ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ كَانَ فَاسِدًا، فَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعِ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِيهِ، وَإِلَّا سَقَطَ حَقُّهُ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُفْلِسًا، حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَالْمُشْتَرِي أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي ثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِي الذِّمَّةِ، فَاسْتَوَوْا فِي قِسْمَةِ مَالِهِ بَيْنَهُمْ فَأَمَّا إنْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ مَا دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْجِعُ عَلَى الْعَدْلِ، وَيَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ.
وَلَنَا، أَنَّ عَيْنَ مَالِهِ صَارَ إلَى الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَانَ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ بِعَيْبٍ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ بِحَقِّ، وَلَا عَلَى الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَوَكِيلٌ، وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ حِينَ بَاعَهُ لَمْ يُعْلِمْ الْمُشْتَرِيَ أَنَّهُ وَكِيلٌ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَيْهِ،

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل