باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْقِسَمُ الْأَوَّلُ الْمُحَابَاةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: الْعَقْدُ بَاطِلٌ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَصَحَّ، كَغَيْرِ الْمَرِيضِ.
فَلَوْ بَاعَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ بِعَشَرَةٍ، فَقَدْ حَابَى الْمُشْتَرِيَ بِثُلُثَيْ مَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الْمُحَابَاةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ لَزِمَ الْبَيْعُ.
وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ، فَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ الْمَبِيعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ يَأْخُذُ ثُلُثَيْ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي فِي نَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ، الثُّلُثَ بِالْمُحَابَاةِ، وَالثُّلُثَ الْآخَرَ بِالثَّمَنِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: يُقَال لَهُ: إنْ شِئْت أَدَّيْت عَشَرَةً أُخْرَى وَأَخَذْت الْمَبِيعَ، وَإِنْ شِئْت فَسَخْت وَلَا شَيْءَ لَك
وَعِنْدَ مَالِكٍ: لَهُ أَنْ يَفْسَخَ وَيَأْخُذَ ثُلُثَ الْمَبِيعِ بِالْمُحَابَاةِ، وَيُسَمِّيَهُ أَصْحَابُهُ خَلْعَ الثُّلُثِ.
وَلَنَا أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُقَابَلَةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمْعَيْهِ بِجَمِيعِهِ، فَصَحَّ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِثَمَنٍ، فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي إحْدَاهُمَا لِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا، فَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، أَوْ كَالشُّفَعَاءِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءًا مِنْ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ، أَوْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَفِيزًا يُسَاوِي ثَلَاثِينَ، بِقَفِيزٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ
وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ الْمَبِيعَ بِثَمَنٍ، فَيَأْخُذُ بَعْضَهُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِمِائَةٍ.
فَقَالَ: قَبِلْت نِصْفَهُ بِهَا.
وَلِأَنَّهُ إذَا فَسَخَ الْبَيْعَ فِي بَعْضِهِ، وَجَبَ أَنْ يَفْسَخَهُ فِي قَدْرِهِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ الْبَيْعِ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ ثَمَنِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ فَسْخُ الْبَيْعِ فِي الْجَمِيعِ مَعَ بَقَاءِ ثَمَنِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَإِنَّ فِيهِ إجْبَارَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي عَاوَضَ مُوَرِّثُهُمْ، وَإِذَا فَسَخَ الْبَيْعَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ.
فَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ زَالَتْ الْوَصِيَّةُ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمِائَةٍ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ خَمْسُونَ، فَطَلَبَ الْخَمْسِينَ الْفَاضِلَةَ بِدُونِ الْحَجِّ.
وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي عَشَرَةً بِثَلَاثِينَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ.
وَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ الَّذِي يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، جَازَ وَالْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، لِلْمُشْتَرِي خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَطَرِيقُ هَذَا أَنْ تَنْسُبَ الثَّمَنَ وَثُلُثَ الْمَبِيعِ إلَى قِيمَتِهِ، فَيَصِحَّ الْبَيْعُ فِي مِقْدَارِ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ، وَيُنْسَبُ الثُّلُثُ إلَى الْبَاقِي، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وَهُوَ ثُلُثَاهُ بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ.
فَإِنْ خَلَّفَ الْبَائِعُ عَشَرَةً أُخْرَى، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي
ثَمَانِيَةِ أَتْسَاعِهِ بِثَمَانِيَةِ أَتْسَاعِ الثَّمَنِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي نِصْفَهُ وَأَرْبَعَةَ أَتْسَاعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَيَرُدُّ نِصْفَ تُسْعِهِ.
وَإِنْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ، بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشَرَةً، أَوْ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ، تَعَيَّنَ الْوَجْهُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ هَاهُنَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَلَا تَحْصُلُ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ
وَطَرِيقُ حِسَابِهَا بِالْجَبْرِ فِيمَا إذَا بَاعَهُ بِمَا يُسَاوِي ثُلُثَ قِيمَتِهِ، أَنْ نَقُولَ: يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْفَعِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْوَنِ، وَقِيمَتُهُ ثُلُثُ شَيْءٍ، فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ، أُلْقِهِمَا مِنْ الْأَرْفَعِ، يَبْقَ قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ مِثْلَيْ الْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ، وَثُلُثُ شَيْءٍ، فَإِذَا جَبَرَ بِهِ عَدَلَ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ نِصْفُ الْقَفِيزِ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ امْرَأَةً صَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ فَأَصْدَقَهَا عَشْرَةً لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا ثُمَّ مَاتَ]
(4714) فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي الْمُحَابَاةُ فِي التَّزْوِيجِ.
إذَا تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ امْرَأَةً، صَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ، فَأَصْدَقَهَا عَشْرَةً لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا، ثُمَّ مَاتَ، فَإِنْ وَرِثَتْهُ بَطَلَتْ الْمُحَابَاةُ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ تَرِثْهُ لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لَهُ فِي الدِّينِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَهَا مَهْرُهَا وَثُلُثُ مَا حَابَاهَا بِهِ.
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ، فَوَرِثَهَا وَلَمْ تُخَلِّفْ مَالًا سِوَى مَا أَصْدَقَهَا، دَخَلَهَا الدَّوْرُ، فَتَصِحُّ الْمُحَابَاةُ فِي شَيْءٍ، فَيَكُونُ لَهُ خَمْسَةٌ بِالصَّدَاقِ، وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ، وَيَبْقَى لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ نِصْفُ مَالِهَا.
وَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ، صَارَ لَهُمْ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَكَانَ لَهَا ثَمَانِيَةٌ، رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ نِصْفُهَا أَرْبَعَةٌ، صَارَ لَهُمْ سِتَّةٌ، وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ.
فَإِنْ تَرَكَ الزَّوْجُ خَمْسَةً أُخْرَى، قُلْت: يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ خَمْسَةٌ، فَجَازَتْ لَهَا الْمُحَابَاةُ جَمِيعُهَا، وَرَجَعَ جَمِيعُ مَا حَابَاهَا بِهِ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ، وَبَقِيَ لِوَرَثَتِهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا
وَإِنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ خَمْسَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ شَيْءٌ، قُلْت: يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ عَشْرَةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ أَرْبَعَةٌ، فَيَكُونُ لَهَا بِالصَّدَاقِ تِسْعَةٌ مَعَ خُمُسِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ، رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ نِصْفُهَا مَعَ الدِّينَارِ الَّذِي بَقِيَ لَهُمْ، صَارَ لَهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَلِوَرَثَتِهَا سَبْعَةٌ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ ثَلَاثَةٌ، قُلْت: يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ سِتَّةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ دِينَارَانِ وَخُمُسَانِ.
وَالْبَابُ فِي هَذَا أَنْ نَنْظُرَ مَا يَبْقَى فِي يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، فَخُمْسَاهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا، وَالشَّيْءُ هُوَ خُمُسَا شَيْئَيْنِ وَنِصْفٍ، وَإِنْ شِئْت أَسْقَطْت خَمْسَةً، وَأَخَذْت نِصْفَ مَا بَقِيَ.
[فَصْلٌ خَالِعهَا فِي مَرَضهَا بِأَكْثَر مِنْ مَهْرهَا الزَّوْج]
(4715) فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يُخَالِعَهَا فِي مَرَضِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِهَا، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ لِوَرَثَتِهَا أَنْ لَا يُعْطُوهُ أَكْثَرَ
مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا، يَكُونُ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْعِوَضِ أَوْ مِيرَاثُهُ مِنْهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ خَالَعَهَا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَمَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي أَنَّهَا قَصَدَتْ إيصَالَ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهِ إلَيْهِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: إنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، فَالزِّيَادَةُ مَرْدُودَةٌ
وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّ خُلْعَ الْمَرِيضَةِ بَاطِلٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ مُحَابَاةٌ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ خَالَعَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، أَوْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالْعِوَضُ مِنْ الثُّلُثِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: امْرَأَةٌ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِثَلَاثِينَ، لَا مَالَ لَهَا سِوَاهَا، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا اثْنَا عَشَرَ، فَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، سَوَاءٌ قَلَّ صَدَاقُهَا أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهَا قَدْرُ مِيرَاثِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، اثْنَا عَشَرَ لِأَنَّهَا قَدْرُ صَدَاقِهَا، وَثُلُثُ بَاقِي الْمَالِ بِالْمُحَابَاةِ وَهُوَ سِتَّةٌ.
وَإِنْ كَانَ صَدَاقُهَا سِتَّةً، فَلَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ الْبَاقِي ثَمَانِيَةٌ
مَرِيضٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مِائَةٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا عَشْرَةٌ، ثُمَّ مَرِضَتْ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِالْمِائَةِ، وَلَا مَالَ لَهَا سِوَاهَا، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَهَا شَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ، وَالْبَاقِي لَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُ مَالِهَا بِالْمُحَابَاةِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ، فَصَارَ مَعَ وَرَثَتِهِ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَبَعْدَ الْجَبْرِ يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ، فَقَدْ صَحَّ لَهَا بِالصَّدَاقِ وَالْمُحَابَاةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَبَقِيَ مَعَ وَرَثَتِهِ اثْنَانِ وَخَمْسُونَ، وَرَجَعَ إلَيْهِمْ بِالْخُلْعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَصَارَ مَعَهُمْ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ، وَبَقِيَ لِلْمَرْأَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ صَدَاقُ الْمِثْلِ وَثُلُثُ شَيْءٍ بِالْمُحَابَاةِ، فَصَارَ بِأَيْدِيهِمْ مِائَةٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا، وَهُوَ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ، فَصَارَ لَهَا ذَلِكَ وَمَهْرُ الْمِثْلِ، رَجَعَ إلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَثُلُثُ الْبَاقِي اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ، فَيَصِيرُ بِأَيْدِي وَرَثَتِهِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَهُوَ مِثْلَا مُحَابَاتِهَا.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، يَرْجِعُ إلَيْهِمْ ثُلُثُ الْعُشْرِ وَثُلُثُ الشَّيْءِ، فَصَارَ مَعَهُمْ ثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ وَثُلُثٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مَعَ الْعَشَرَةِ، صَارَ لَهَا خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ، رَجَعَ إلَى الزَّوْجِ ثُلُثُهَا، صَارَ لِوَرَثَتِهَا ثَلَاثُونَ وَلِوَرَثَتِهِ سَبْعُونَ، هَذَا إذَا مَاتَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا
وَإِنْ تَرَكَتْ الْمَرْأَةُ مِائَةً أُخْرَى، فَعَلَى قَوْلِنَا يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ خُمُسَا ذَلِكَ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ، فَلَهَا ذَلِكَ وَعَشَرَةٌ بِالْمِثْلِ، صَارَ لَهَا مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ، رَجَعَ إلَى الزَّوْجِ نِصْفُهَا أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ، وَكَانَ الْبَاقِي مَعَهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، صَارَ لَهُ مِائَةٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ، وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ.
[فَصْلٌ وَهَبَ أَخَاهُ مِائَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَقَبَضَهَا ثُمَّ مَاتَ وَخَلَّفَ بِنْتًا]
(4716) فَصْلٌ: فِي الْهِبَةِ؛ رَجُلٌ وَهَبَ أَخَاهُ مِائَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَقَبَضَهَا، ثُمَّ مَاتَ، وَخَلَّفَ بِنْتًا، فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ، وَالْبَاقِي لِلْوَاهِبِ، وَرَجَعَ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ نِصْفُ الشَّيْءِ الَّذِي جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ، صَارَ مَعَهُ مِائَةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ،
يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ خُمُسَا ذَلِكَ أَرْبَعُونَ، رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ نِصْفُهَا عِشْرُونَ، صَارَ مَعَهُ ثَمَانُونَ، وَبَقِيَ لِوَرَثَةِ أَخِي الْوَاهِبِ عِشْرُونَ.
وَطَرِيقُهَا بِالْبَابِ أَنْ تَأْخُذَ عَدَدًا لِثُلُثِهِ نِصْفٌ، وَهُوَ سِتَّةٌ، فَتَأْخُذَ ثُلُثَهُ اثْنَيْنِ، وَتُلْقِيَ نِصْفَهُ سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ، فَهُوَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَيَبْقَى لِلْوَاهِبِ أَرْبَعَةٌ، فَتَقْسِمَ الْمِائَةَ سَهْمٍ، عَلَى خَمْسَةٍ، وَالسَّهْمُ الَّذِي أَسْقَطْته لَا يُذْكَرُ؛ لِأَنَّهُ
يَرْجِعُ عَلَى جَمِيعِ السِّهَامِ الْبَاقِيَةِ بِالسَّوِيَّةِ، فَيَجِبُ اطِّرَاحُهُ، كَالسِّهَامِ الْفَاضِلَةِ عَنْ الْفُرُوضِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ.
وَشَبَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ الرَّدِّ، أُمٌّ وَأُخْتَانِ، فَلِلْأُخْتَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْأُمِّ سَهْمٌ، يَسْقُطُ ذِكْرُ السَّهْمِ السَّادِسِ.
وَلَوْ كَانَ تَرَكَ اثْنَتَيْنِ، ضَرَبْت ثَلَاثَةً فِي ثَلَاثَةٍ، صَارَتْ تِسْعَةً، وَأَسْقَطْت مِنْهَا سَهْمًا يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ، فَهِيَ الْمَالُ، وَخُذْ الثُّلُثَ ثَلَاثَةً، أَسْقِطْ مِنْهُمَا سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمَانِ، فَهِيَ الَّتِي تَبْقَى لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَيَبْقَى سِتَّةٌ لِلْوَاهِبِ، وَهِيَ مِثْلَا مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ
وَإِنْ خَلَّفَ امْرَأَةً وَبِنْتًا، فَمَسْأَلَتُهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ، تَضْرِبُهَا فِي ثَلَاثَةٍ تَكُونُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ تُسْقِطُ مِنْهَا الثَّلَاثَةَ الَّتِي وَرِثَهَا الْوَاهِبُ، يَبْقَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، فَهِيَ الْمَالُ، وَتَأْخُذُ ثُلُثَ الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ، تُلْقِي مِنْهَا الثَّلَاثَةَ، يَبْقَى خَمْسَةٌ، فَهِيَ الْبَاقِيَةُ لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَالْبَاقِي لِلْوَاهِبِ، فَتَقْسِمُ الْمِائَةَ عَلَى هَذِهِ السِّهَامِ.
[فَصْل وَهَبَ مَرِيضٌ مَرِيضًا مِائَةً لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا ثُمَّ عَادَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَوَهَبَهَا لِلْأَوَّلِ وَلَا يَمْلِكُ سِوَاهَا]
(4717) فَصْلٌ: فَإِنْ وَهَبَ مَرِيضٌ مَرِيضًا مِائَةً، لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا، ثُمَّ عَادَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَوَهَبَهَا لِلْأَوَّلِ، وَلَا يَمْلِكُ سِوَاهَا، فَبِالْبَابِ نَضْرِبُ ثَلَاثَةً فِي ثَلَاثَةٍ، وَنُسْقِطُ مِنْهَا سَهْمًا، يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ، فَاقْسِمْ الْمِائَةَ عَلَيْهَا لِكُلِّ سَهْمَيْنِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، ثُمَّ خُذْ ثُلُثَهَا ثَلَاثَةً، أَسْقِطْ مِنْهَا سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمَانِ، فَهُوَ لِلْمَوْهُوبِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ هُوَ الرُّبُعُ.
وَبِالْجَبْرِ قَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ صَحَّتْ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ فِي ثُلُثِهِ، بَقِيَ لِلْمَوْهُوبِ الْأَوَّلِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِلْوَاهِبِ مِائَةٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ وَنِصْفًا، رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ ثُلُثُهَا اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ، وَبَقِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ
فَإِنْ خَلَّفَ الْوَاهِبُ مِائَةً أُخْرَى، فَقَدْ بَقِيَ مَعَ الْوَاهِبِ مِائَتَانِ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، الشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ ثُلُثُهَا، بَقِيَ مَعَ وَرَثَتِهِ خَمْسُونَ.
[فَصْلٌ وَهَبَ رَجُلًا جَارِيَةً فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَوَطِئَهَا]
(4718) فَصْلٌ: فَإِنْ وَهَبَ رَجُلٌ رَجُلًا جَارِيَةً، فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَوَطِئَهَا، وَمَهْرُهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَاهَا، وَقِيمَتُهَا ثَلَاثُونَ، وَمَهْرُهَا عَشَرَةٌ، فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ، وَسَقَطَ عَنْهُ مِنْ مَهْرِهَا ثُلُثُ شَيْءٍ، وَبَقِيَ لِلْوَاهِبِ أَرْبَعُونَ إلَّا شَيْئًا وَثُلُثًا يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ، خُمْسَ ذَلِكَ وَعُشْرَهُ، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَذَلِكَ خُمْسَا الْجَارِيَةِ.
فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِيهِ، وَيَبْقَى لِلْوَاهِبِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا، وَلَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ مَهْرِهَا سِتَّةٌ
وَلَوْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ فَكَذَلِكَ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَهْرُهَا، ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ
لِلْوَاهِبِ، وَخُمْسَاهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، إلَّا أَنَّ نُفُوذَ الْهِبَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْهَا مَوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ الْمَهْرِ مِنْ الْوَاطِئِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ تَزِدْ الْهِبَةُ عَلَى ثُلُثِهَا.
وَكُلَّمَا حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ نَفَذَتْ الْهِبَةُ فِي الزِّيَادَةِ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ.
وَإِنْ وَطِئَهَا الْوَاهِبُ، فَعَلَيْهِ مِنْ عُقْرِهَا بِقَدْرِ مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ، وَهُوَ ثُلُثُ شَيْءٍ، يَبْقَى مَعَهُ ثَلَاثُونَ إلَّا شَيْئًا، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ تِسْعَةٌ، وَهُوَ خُمْسُ الْجَارِيَةِ، وَعُشْرُهَا وَسَبْعَةُ أَعْشَارِهَا لِوَرَثَةِ الْوَاطِئِ، وَعَلَيْهِمْ عُقْرُ الَّذِي جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْجَارِيَةِ بِقَدْرِهَا، صَارَ لَهُ خُمْسَاهَا.
[فَصْلٌ وَهَبَ مَرِيضٌ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فَقَتَلَ الْعَبْدُ الْوَاهِبَ]
(4719) فَصْلٌ: وَإِنْ وَهَبَ مَرِيضٌ رَجُلًا عَبْدًا، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، فَقَتَلَ الْعَبْدُ الْوَاهِبَ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: إمَّا أَنْ تَفْدِيَهُ، وَإِمَّا أَنْ تُسَلِّمَهُ، فَإِنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَهُ سَلَّمَهُ كُلَّهُ، نِصْفَهُ بِالْجِنَايَةِ، وَنِصْفَهُ لِانْتِقَاضِ الْهِبَةِ فِيهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ كُلَّهُ قَدْ صَارَ إلَى وَرَثَةِ الْوَاهِبِ، وَهُوَ مِثْلَا نِصْفِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْهِبَةَ جَازَتْ فِي نِصْفِهِ.
وَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا؛ يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ.
وَالْأُخْرَى، يَفْدِيهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ
فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِيَةً، فَإِنَّك تَقُولُ: صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ، وَتَدْفَعُ إلَيْهِمْ نِصْفَ الْعَبْدِ وَقِيمَةَ نِصْفِهِ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْءَ نِصْفُ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِيَتَيْنِ، وَاخْتَارَ دَفْعَهُ، فَإِنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ فِي شَيْءٍ، وَتَدْفَعُ إلَيْهِمْ نِصْفَهُ، يَبْقَى مَعَهُمْ عَبْدٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ خُمْسَاهُ، وَيَرُدُّ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِهِ؛ لِانْتِقَاصِ الْهِبَةِ، وَخُمْسًا مِنْ أَجْلِ جِنَايَتِهِ، فَيَصِيرُ لَهُمْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ.
وَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ، فَدَاهُ بِخُمُسَيْ الدِّيَةِ، وَيَبْقَى لَهُمْ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَخُمْسَا الدِّيَةِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ خُمْسٍ مِنْهُ، وَيَبْقَى لَهُ خُمْسَاهُ
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ، وَقُلْنَا: نَفْدِيهِ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ.
نَفَذَتْ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ أَرْشُهَا أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ، فَاخْتَارَ فِدَاءَهُ بِالدِّيَةِ، فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ، وَيَفْدِيهِ بِشَيْءٍ وَثُلُثَيْنِ، فَصَارَ مَعَ الْوَرَثَةِ عَبْدٌ وَثُلُثَا شَيْءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، فَتَصِحُّ الْهِبَةُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ، وَيَرْجِعُ إلَى الْوَاهِبِ رُبْعُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ، صَارَ الْجَمِيعُ تِسْعَمِائَةٍ، وَهُوَ مِثْلَا مَا صَحَّتْ الْهِبَةُ فِيهِ
فَإِنْ تَرَكَ الْوَاهِبُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَاضْمُمْهَا إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ اخْتَارَ دَفْعَ الْعَبْدِ، دَفَعَ ثُلُثَهُ وَرُبْعَهُ، وَذَلِكَ قَدْرُ نِصْفِ جَمِيعِ الْمَالِ بِالْجِنَايَةِ وَبَاقِيهِ
لِانْتِقَاصِ الْهِبَةِ، فَيَصِيرَ الْعَبْدُ وَالْمِائَةُ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ، فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَفْدِي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ إذَا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا، فَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمِائَةِ، يَصِيرُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَثْمَانِ الْعَبْدِ، فَيَفْدِيهِ بِسَبْعَةِ أَثْمَانِ الدِّيَةِ.
[فَصْلٌ مَرِيضٌ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَقَطَعَ إصْبَعَ سَيِّدِهِ خَطَأِ]
(4720) فَصْلٌ: مَرِيضٌ أَعْتَقَ عَبْدًا، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَقَطَعَ إصْبَعَ سَيِّدِهِ خَطَأً، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ نِصْفُهُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَيَصِيرُ لِلسَّيِّدِ نِصْفُهُ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَأَوْجَبْنَا نِصْفَ قِيمَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ.
وَحِسَابُهَا أَنْ تَقُولَ: عَتَقَ مِنْهُ، شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ شَيْءٌ لِلسَّيِّدِ فَصَارَ مَعَ السَّيِّدِ عَبْدٌ إلَّا شَيْئًا، وَشَيْءٌ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَأَسْقِطْ شَيْئًا بِشَيْءٍ، بَقِيَ مَا مَعَهُ مِنْ الْعَبْدِ يَعْدِلُ شَيْئًا مِثْلَ مَا عَتَقَ مِنْهُ.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَتَيْنِ، عَتَقَ خُمْسَاهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَعَلَيْهِ نِصْفُ شَيْءٍ لِلسَّيِّدِ، فَصَارَ لِلسَّيِّدِ نِصْفُ شَيْءٍ، وَبَقِيَّةُ الْعَبْدِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَيَكُونُ بَقِيَّةُ الْعَبْدِ يَعْدِلُ شَيْئًا وَنِصْفًا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَالشَّيْءُ الَّذِي عَتَقَ خُمْسَاهُ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسِينَ أَوْ أَقَلَّ، عَتَقَ كُلُّهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِائَةٌ، وَهِيَ مِثْلَاهُ أَوْ أَكْثَرُ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سِتِّينَ، قُلْنَا: عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ شَيْءٌ وَثُلُثَا شَيْءٍ لِلسَّيِّدِ، مَعَ بَقِيَّةِ الْعَبْدِ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَبَقِيَّةُ الْعَبْدِ إذًا ثُلُثُ شَيْءٍ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ إلَّا أَنَّ مَا زَادَ فِي الْعِتْقِ عَلَى الثُّلُثِ، يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عَلَى أَدَاءِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْقِيمَةِ
كَمَا إذَا دَبَّرَ عَبْدًا وَلَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ غَرِيمٍ لَهُ، فَكُلَّمَا اقْتَضَى مِنْ الْقِيمَةِ شَيْئًا، عَتَقَ مِنْ الْمَوْقُوفِ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ.
[فَصْل أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةٌ وَالْآخَرِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَجَنَى الْأَدْنَى عَلَى الْأَرْفَعِ]
(4721) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، دَفْعَةً وَاحِدَةً، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةٌ وَالْآخَرِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، فَجَنَى الْأَدْنَى عَلَى الْأَرْفَعِ جِنَايَةً نَقَصَتْهُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ، وَأَرْشُهَا كَذَلِكَ، فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِمَا، ثُمَّ مَاتَ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْجَانِي عَتَقَ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، وَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَبَقِيَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ خُمْسُهُ وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتُّونَ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ
وَحِسَابُهَا أَنْ تَقُولَ: عَبْدٌ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بِقَدْرِ نِصْفِ قِيمَتِهِ، بَقِيَ لِلسَّيِّدِ نِصْفُ شَيْءٍ وَبَقِيَّةُ الْعَبْدَيْنِ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فَعَلِمْت أَنَّ بَقِيَّةَ الْعَبْدَيْنِ شَيْءٌ وَنِصْفٌ، فَإِذَا أَضَفْت إلَى ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي عَتَقَ، صَارَا جَمِيعًا يَعْدِلَانِ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا، فَالشَّيْءُ الْكَامِلُ خُمْسَاهُمَا، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ أَحَدِهِمَا.
وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَلَهُ ثُلُثُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْجَانِي، وَذَلِكَ تُسْعُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى مَنْ ثُلُثُهُ حُرٌّ تُضْمَنُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَالْوَاجِبُ لَهُ مِنْ الْأَرْشِ يَسْتَغْرِقُ قِيمَةَ الْجَانِي، فَيَسْتَحِقُّهُ بِهَا، وَلَا يَبْقَى لِسَيِّدِهِ مَالٌ سِوَاهُ فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ.
وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا خَمْسُونَ.
وَقِيمَةُ الْآخَرِ
ثَلَاثُونَ، فَجَنَى الْأَدْنَى عَلَى الْأَرْفَعِ، فَنَقَصَهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِلْأَدْنَى، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ ثُلُثُ شَيْءٍ، فَبَعْدَ الْجَبْرِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَيْنِ شَيْئَانِ وَثُلُثَانِ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِمَا، وَقِيمَتُهَا سَبْعُونَ، فَثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَرُبْعٌ وَهِيَ مِنْ الْأَدْنَى نِصْفُهُ وَخُمْسَاهُ وَنِصْفُ سُدُسِ عُشْرِهِ.
وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ، عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَحَقُّهُ مِنْ الْجِنَايَةِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْجَانِي، فَيَأْخُذُهُ بِهَا، أَوْ يَفْدِيهِ الْمُعْتِقُ
وَقَدْ بَقِيَتْ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكُلُّ مَوْضِعٍ زَادَ الْعِتْقُ عَلَى ثُلُثِ الْعَبْدَيْنِ مِنْ أَجْلِ وُجُوبِ الْأَرْشِ لِلسَّيِّدِ، تَكُونُ الزِّيَادَةُ مَوْقُوفَةً عَلَى أَدَاءِ الْأَرْشِ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ إذَا عَقْلَ]
(4722) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ سِنِينَ؛ فَوَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ إذَا وَافَقَ الْحَقَّ) هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَحَنْبَلٍ: تَحُوزُ وَصِيتُهُ إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، وَمَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْغُلَامِ لِدُونِ الْعَشْرِ وَلَا الْجَارِيَةِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَمَا زَادَ عَلَى الْعَشْرِ فَتَصِحُّ، عَلَى الْمَنْصُوصِ
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا تَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ إذَا عَقَلَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَشُرَيْحٍ، وَعَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَإِيَاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.
قَالَ إِسْحَاقُ: إذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ، كَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، كَالطِّفْلِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ، أَنَّ صَبِيًّا مِنْ غَسَّانَ، لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، أَوْصَى لَأَخْوَالٍ لَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَرَوَى مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ، وَوَرَثَتُهُ بِالشَّامِ، وَهُوَ ذُو مَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ ": فَلْيُوصِ لَهَا.
فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ
جُشَمَ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ: فَبَعَثَ ذَلِكَ الْمَالَ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرٍ أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَهَذِهِ قِصَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لِلصَّبِيِّ، فَصَحَّ مِنْهُ، كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يَحْصُلُ ثَوَابُهَا لَهُ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْ مِلْكِهِ وَمَالِهِ، فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَلَا أُخْرَاهُ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ، فَإِنَّهُ يَفُوتُ مِنْ مَالِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَإِذَا رُدَّتْ رَجَعَتْ إلَيْهِ، وَهَا هُنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالرَّدِّ، وَالطِّفْلُ لَا عَقْلَ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا عِبَادَاتُهُ.
وَقَوْله: " إذَا وَافَقَ الْحَقَّ ". يَعْنِي إذَا وَصَّى بِوَصِيَّةٍ يَصِحُّ مِثْلُهَا مِنْ الْبَالِغِ، صَحَّتْ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَهُمَا قَاضِيَانِ: مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ أَجَزْنَا وَصِيَّتَهُ.
[فَصْل الطِّفْلُ وَهُوَ مَنْ لَهُ دُون السَّبْعِ وَالْمَجْنُونُ والمبرسم لَا وَصِيَّةَ لَهُمْ]
(4723) فَصْلٌ: فَأَمَّا الطِّفْلُ، وَهُوَ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَالْمَجْنُونُ، والمبرسم، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ إلَّا إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ: إذَا وَافَقَتْ وَصِيَّتُهُمْ الْحَقَّ جَازَتْ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا، وَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُمَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمَا، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ، بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ وَصَلَاتُهُ الَّتِي هِيَ مَحْضُ نَفْعٍ لَا ضَرَرَ فِيهَا، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ بَذْلُهُ الْمَالَ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَارِثُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ.
[فَصْلٌ الْمَحْجُور عَلَيْهِ لَسَفَّهُ فِي الْوَصِيَّة]
(4724) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ تَصِحُّ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ.
قَالَ الْخَبْرِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي وَصِيَّتِهِ وَجْهَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَاقِلٌ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَلِأَنَّ وَصِيَّتَهُ تَمَحَّضَتْ نَفْعًا لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَصَحَّتْ كَعِبَادَاتِهِ.
وَأَمَّا الَّذِي يُجَنُّ أَحْيَانًا، وَيُفِيقُ أَحْيَانًا، فَإِنْ وَصَّى حَالِ جُنُونِهِ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ وَصَّى فِي حَالِ عَقْلِهِ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعُقَلَاءِ فِي شَهَادَتِهِ، وَوُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِي وَصِيَّتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ
وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّكْرَانِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ قَوْلَانِ.
يَعْنِي وَجْهَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِلٍ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ كَالْمَجْنُونِ.
وَأَمَّا إيقَاعُ طَلَاقِهِ، فَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ مَنْ أَوْقَعَهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، لِارْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ، فَلَا يَتَعَدَّى هَذَا إلَى وَصِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهَا، إنَّمَا الضَّرَرُ عَلَى وَارِثِهِ.
وَأَمَّا الضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ، فَإِنْ مَنَعَ ذَلِكَ رُشْدَهُ فِي مَالِهِ، فَهُوَ كَالسَّفِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْعَاقِلِ.
[فَصْلٌ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ]
(4725) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ؛ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مُقَامَ نُطْقِهِ فِي طَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، فَلَا حُكْمَ لَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
فَأَمَّا النَّاطِقُ إذَا اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ، فَعُرِضَتْ عَلَيْهِ وَصِيَّتَهُ، فَأَشَارَ بِهَا، وَفُهِمَتْ إشَارَتُهُ، لَمْ تَصِحَّ وَصِيتُهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ، أَشْبَهَ الْأَخْرَسَ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى وَهُوَ قَاعِدٌ، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ، فَقَعَدُوا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا إذَا اتَّصَلَ بِاعْتِقَالِ لِسَانِهِ الْمَوْتُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ بِإِشَارَتِهِ، كَالْقَادِرِ عَلَى الْكَلَامِ
وَالْخَبَرُ لَا يُلْزِمُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ إشَارَةَ الْقَادِرِ لَا تَصِحُّ بِهَا وَصِيَّةٌ وَلَا إقْرَارٌ، فَفَارَقَ الْأَخْرَسَ، لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ نُطْقِهِ.
[فَصْلٌ وَصَّى عَبْدٌ أَوْ مَكَاتِب أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً ثُمَّ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ]
(4726) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً، ثُمَّ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمْ.
وَإِنْ أَعْتَقُوهُمْ ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَصِيَّتَهُمْ، صَحَّتْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ قَوْلًا صَحِيحًا وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً، وَإِنَّمَا فَارَقُوا الْحُرَّ بِأَنَّهُمْ لَا مَالَ لَهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ، كَمَا لَوْ وَصَّى الْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَى.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ: مَتَى عَتَقْت ثُمَّ مِتّ، فَثُلُثِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً، فَعَتَقَ وَمَاتَ، صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
[فَصْلٌ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ وَالذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ]
(4727) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَالذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ، وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ.
رُوِيَ إجَازَةُ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6]
هُوَ وَصِيَّة الْمُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بَاعَتْ حُجْرَتَهَا مِنْ مُعَاوِيَةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَ لَهَا أَخٌ يَهُودِيٌّ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ فَيَرِثَ، فَأَبَى، فَأَوْصَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْمِائَةِ.
وَلِأَنَّهُ تَصِحُّ لَهُ الْهِبَةُ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، كَالْمُسْلِمِ، وَإِذَا صَحَّتْ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، فَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ أَوْلَى.
وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِمَا تَصِحُّ بِهِ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ
وَلَوْ أَوْصَى لِوَارِثِهِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ، بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، كَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ]
(4728) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: 9]
الْآيَةَ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا لَا يَحِلُّ بِرُّهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَصِحُّ هِبَتُهُ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، كَالذِّمِّيِّ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْت فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْت، فَقَالَ: إنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا.
فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا مُشْرِكًا لَهُ بِمَكَّةَ.» وَعَنْ «أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ - تَعْنِي الْإِسْلَامَ - فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَتْنِي أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.» وَهَذَانِ فِيهِمَا صِلَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ.
وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا فِي مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، فَأَمَّا الْمُقَاتِلُ فَإِنَّهُ نُهِيَ عَنْ تَوَلِّيهِ لَا عَنْ بِرِّهِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَإِنْ احْتَجَّ بِالْمَفْهُومِ، فَهُوَ لَا يَرَاهُ حُجَّةً.
ثُمَّ قَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةُ فِي مَعْنَاهَا.
فَأَمَّا الْمُرْتَدُّ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، كَمَا تَصِحُّ هِبَتُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا يَرِثُ، وَلَا يُورَثُ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ.
وَلِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْ مَالِهِ بِرِدَّتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَجَمَاعَةٍ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِالْوَصِيَّةِ.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ لِكَافِرِ بِمُصْحَفِ أَوْ بِعَبْدِ مُسْلِمٍ]
(4729) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكَافِرٍ بِمُصْحَفٍ وَلَا عَبْدٍ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ هِبَتُهُمَا لَهُ، وَلَا بَيْعُهُمَا مِنْهُ.
وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ كَافِرٍ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، بَطَلَتْ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمِلْكُ عَلَى مُسْلِمٍ، وَمِنْ قَالَ: يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبُولِ.
قَالَ: الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِسَبَبٍ لَوْلَاهُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ، فَمَنَعَ مِنْهُ، كَابْتِدَاءِ الْمِلْكِ.
[فَصْل الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةِ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ]
(4730) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، مُسْلِمًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ، أَوْ عِمَارَتِهِمَا، أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، كَانَ بَاطِلًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ.
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةَ بِأَرْضِهِ تُبْنَى كَنِيسَةً.
وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ.
وَأَجَازَ أَصْحَابُ
الرَّأْيِ أَنْ يُوصِيَ بِشِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خَنَازِيرَ.
وَيَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَهَذِهِ وَصَايَا بَاطِلَةٌ، وَأَفْعَالٌ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ لِلْفُجُورِ
وَإِنْ وَصَّى لِكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا كُتُبٌ مَنْسُوخَةٌ، وَفِيهَا تَبْدِيلٌ، وَالِاشْتِغَالُ بِهَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ شَيْئًا مَكْتُوبًا مِنْ التَّوْرَاةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَحُصِرَ الْبَيْعُ وَقَنَادِيلُهَا، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْصِدْ إعْظَامَهَا بِذَلِكَ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إلَيْهِمْ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ صَحِيحَةٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ، وَتَعْظِيمٌ لِكَنَائِسِهِمْ.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ بِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَصَحُّ.
وَإِنْ وَصَّى بِبِنَاءِ بَيْتٍ يَسْكُنُهُ الْمُجْتَازُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ مَسَاكِنِهِمْ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ لِقَرَابَتِهِ بِلَفْظِ عَامٍ يَدْخُلُ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ]
(4731) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَةٍ، لَمْ يُعْطَ مَنْ فِيهَا مِنْ الْكُفَّارِ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَهُمْ) يَعْنِي بِهِ الْمُسْلِمَ، إذَا أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ لِقَرَابَتِهِ بِلَفْظٍ عَامٍّ، يَدْخُلُ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ، فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً، وَلَا شَيْءَ لِلْكُفَّارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَدْخُلُ فِيهِ الْكُفَّارُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُمْ بِعُمُومِهِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ، دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْكُفَّارُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي وَصِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ، فَكَذَلِكَ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْكُفَّارَ، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ عَدَاوَةِ الدِّينِ، وَعَدَمِ الْوَصْلَةِ، الْمَانِعِ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى فَقِيرِهِمْ، وَلِذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَزْوَاجِ، وَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ فِي الْمِيرَاثِ، فَكَذَا هَاهُنَا، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ.
وَإِنْ صَرَّحَ بِهِمْ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ الْمَقَالِ لَا يُعَارَضُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ.
وَإِنْ وَصَّى لَهُمْ وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ، أَوْ وَصَّى لِقَرَابَتِهِ، وَكُلُّهُمْ كُفَّارٌ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُمْ
إذْ فِي إخْرَاجِهِمْ رَفْعُ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ، وَالْبَاقِي كُفَّارٌ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهُمْ بِالتَّخْصِيصِ هَاهُنَا بَعِيدٌ، وَفِيهِ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، مُخَالَفَةُ لَفْظِ الْعُمُومِ.
وَالثَّانِي، حَمْلُ اللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى الْجَمْعِ عَلَى الْمُفْرَدِ.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا كُفَّارًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ، وَصَرْفُهُ إلَيْهِمْ وَالتَّخْصِيصُ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ بِإِخْرَاجِ الْأَكْثَرِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُفَّارُ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ قَرِيبٌ، وَتَخْصِيصَ الْأَكْثَرِ بَعِيدٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ
وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ لِإِخْوَتِهِ، أَوْ عُمُومَتِهِ، أَوْ بَنِي عَمِّهِ، أَوْ لِلْيَتَامَى، أَوْ لِلْمَسَاكِينِ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ كَافِرٌ، فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ تَتَنَاوَلُ أَهْلَ دِينِهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَتَنَاوَلُهُمْ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ إرَادَتُهُمْ، فَأَشْبَهَ وَصِيَّةَ الْمُسْلِمِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا أَهْلُ دِينِهِ.
وَهَلْ يَدْخُلُ فِي وَصِيَّتِهِ الْمُسْلِمُونَ؟ نَظَرْنَا، فَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى دُخُولِهِمْ، مِثْلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا مُسْلِمُونَ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا كَافِرٌ وَاحِدٌ، وَسَائِرُ أَهْلِهَا مُسْلِمُونَ، وَإِنْ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ، فَفِي دُخُولِهِمْ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَدْخُلُونَ، كَمَا لَمْ يَدْخُلْ الْكُفَّارُ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ
وَالثَّانِي، يَدْخُلُونَ؛ لِأَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهُمْ، هُمْ أَحَقُّ بِوَصِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَا يُصْرَفُ اللَّفْظُ عَنْ مُقْتَضَاهُ، وَمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِحُكْمِهِ إلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ كَافِرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِ الْمُوصِي، لَمْ يَدْخُلْ فِي وَصِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِ الْمُوصِي تُخْرِجُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا وُجِدَ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ الْأَوْلَوِيَّةِ، فَبَقِيَ خَارِجًا بِحَالِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَخْرُجَ، بِنَاءً عَلَى تَوْرِيثِ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ عَلَى اخْتِلَافِ دِينِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ وَلَا عُصْبَة لَهُ وَلَا مَوْلَى لَهُ]
(4732) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ، وَلَا عَصَبَةَ لَهُ، وَلَا مَوْلَى لَهُ، فَجَائِزٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَنْ لَمْ يَخْلُفْ مِنْ وُرَّاثِهِ عَصَبَةً، وَلَا ذَا فَرْضٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ جَائِزَةٌ بِكُلِّ مَالِهِ.
ثَبَتَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَمَسْرُوقٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْ يَعْقِلُ عَنْهُ، فَلَمْ تَنْفُذْ وَصِيَّتُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ وَارِثًا.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ إنَّمَا كَانَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . وَهَا هُنَا لَا وَارِثَ لَهُ يَتَعَلَّقُ حَقٌّ بِمَالِهِ، فَأَشْبَهَ حَالَ الصِّحَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِهِ حَقُّ وَارِثٍ وَلَا غَرِيمٍ، أَشْبَهَ حَالَ الصِّحَّةِ أَوْ أَشْبَهَ الثُّلُثَ.
[فَصْلٌ خَلَّفَ ذَا فَرَضَ لَا يَرِث الْمَال كُلّه]
(4733) فَصْلٌ: وَإِنْ خَلَّفَ ذَا فَرْضٍ، لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ، كَبِنْتٍ، أَوْ أُمٍّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ سَعْدًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَتِي.
فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ.
وَلِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ، فَأَشْبَهَتْ الْعَصَبَةَ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ، أَوْ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَنْقُصُ حَقَّهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ فَرْضَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]
فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الْمَالِ؛ لِقَوْلِهِ: " وَلَا عَصَبَةَ لَهُ وَلَا مَوْلَى لَهُ ". وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَا الرَّحِمِ إرْثُهُ كَالْفَضْلَةِ وَالصِّلَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الرَّدِّ وَالْمَوْلَى، لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَنْفُذَ وَصِيَّتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وَارِثًا، فَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّك أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»
وَلِأَنَّهُمْ وَرَثَةٌ يَسْتَحِقُّونَ مَالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَصِلَتَهُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهُوا ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعُصُبَاتِ، وَتَقْدِيمُ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ لَا يَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُمْ لَهُمْ فِي مَسْأَلَتِنَا، كَذَوِي الْفُرُوضِ الَّذِينَ يَحْجُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْعُصُبَاتِ.
[فَصْل خَلَّفَ امْرَأَةً وَقَالَ أَوْصَيْت لَك بِمَا فَضَلَ مِنْ الْمَالِ عَنْ فَرْضِهَا]
(4734) فَصْلٌ: فَإِنْ خَلَّفَ ذَا فَرْضٍ لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ، وَقَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثَيْ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ ذَا الْفَرْضِ شَيْئًا مِنْ فَرْضِهِ.
أَوْ خَلَّفَ امْرَأَةً، وَقَالَ: أَوْصَيْت لَك بِمَا فَضَلَ مِنْ الْمَالِ عَنْ فَرْضِهَا.
صَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ ذَا الْفَرْضِ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ، لَوْلَا الْوَصِيَّةُ، فَلَا فَرْقَ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الْفَرْضِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، فَتَنْبَنِي عَلَى الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَصِحُّ ثَمَّ.
صَحَّتْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ عَنْ فَرْضِ الزَّوْجَةِ مَالٌ لَا وَارِثَ لَهُ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ ثَمَّ.
فَهَاهُنَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ جُعِلَ كَالْوَارِثِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ ذُو وَرَثَةٍ يَسْتَغْرِقُونَ الْمَالَ إذَا عَيَّنَ الْوَصِيَّةَ مِنْ نَصِيبِ الْعَصَبَةِ مِنْهُمْ، فَعَلَى هَذَا يُعْطَى الْمُوصَى لَهُ الثُّلُثَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيَسْقُطُ تَخْصِيصُهُ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ]
(4735) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ، وَمَا فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ عِتْقِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ مَالِهِ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ سُدُسٍ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، عَتَقَ، وَاسْتَحَقَّ بَاقِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَصِيَّةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، سَعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَمَالٍ يَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمُعَيَّنٍ.
وَلَنَا، أَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعَ يَتَنَاوَلُ نَفْسَهُ أَوْ بَعْضَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الثُّلُثِ الشَّائِعِ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُ بِنَفْسِهِ تَصِحُّ وَيُعْتَقُ، وَمَا فَضَلَ يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا، فَيَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: اعْتِقُوا عَبْدِي مِنْ ثُلُثَيْ، وَأَعْطُوهُ مَا فَضَلَ مِنْهُ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَوْصَى بِمُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْهُ.
(4736) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، كَثَوْبٍ أَوْ دَارٍ أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ.
وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا تَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ أَجَازُوا، وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا.
وَلَنَا، أَنَّ الْعَبْدَ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، فَمَا وَصَّى بِهِ لَهُ فَهُوَ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ أَوْصَى لِوَرَثَتِهِ بِمَا يَرِثُونَهُ، فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَفَارَقَ مَا إذَا أَوْصَى لَهُ بِمُشَاعِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(4737) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِرَقَبَتِهِ، فَهُوَ تَدْبِيرٌ، يُعْتَقُ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمَنْ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الدَّوَامِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِأَبِيهِ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ لَهُ بِرَقَبَتِهِ عِتْقُهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ، فَصَارَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ كِنَايَةً عَنْ إعْتَاقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ رَقَبَتِهِ، فَهُوَ تَدْبِيرٌ لِذَلِكَ الْجُزْءِ، وَهَلْ يُعْتَقُ جَمِيعُهُ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيِّ فِيمَا إذَا دَبَّرَ بَعْضَ عَبْدِهِ وَهُوَ مَالِكٌ لِكُلِّهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَسْعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ.
وَهَذَا شَيْءٌ يَأْتِي فِي بَابِ الْعِتْقِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِمَكَاتِبِهِ أَوْ مَكَاتِب وَارِثِهِ أَوْ مَكَاتِب أَجْنَبِيٍّ]
(4738) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِمُكَاتَبِهِ، أَوْ مُكَاتَبِ وَارِثِهِ، أَوْ مُكَاتَبِ أَجْنَبِيٍّ، صَحَّ، سَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ شَائِعٍ أَوْ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ وَرَثَتَهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْمُكَاتَبَ، وَلَا يَمْلِكُونَ مَالَهُ.
وَإِنْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ حِينَ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ.
وَبِهِ قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَإِنْ وَصَّى لِمُدَبَّرِهِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا
حِينَ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، كَأُمِّ الْوَلَدِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ هُوَ وَالْوَصِيَّةُ جَمِيعًا، قُدِّمَ عِتْقُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَقُ بَعْضُهُ، وَيَمْلِكُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَصَّى لِعَبْدِهِ وَصِيَّةً صَحِيحَةً، فَيُقَدَّمُ عِتْقُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَالِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِعَبْدِهِ الْقِنِّ بِمُشَاعٍ مِنْ مَالِهِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِعَبْدِ غَيْرِهِ]
(4739) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِعَبْدِ غَيْرِهِ، صَحَّ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِ، وَالْقَبُولُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مُضَافٌ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا، فَإِذَا قَبِلَ ثَبَتَ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ، وَكَسْبُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا تَفْتَقِرُ فِي الْقَبُولِ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، كَالِاحْتِطَابِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَلِأَصْحَابِهِ وَجْهٌ أُخَرُ، أَنَّ الْقَبُولَ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْعَبْدِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَحْصِيلُ مَالٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى إذْنِهِ، كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَتَحْصِيلِ الْمُبَاحِ.
وَإِنْ وَصَّى لِعَبْدِ وَارِثِهِ، فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثِهِ، يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ يَسِيرًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، وَإِنَّمَا لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ، فَإِذَا وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْعَبْدَ، دُونَ سَيِّدِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِعَبْدِ وَارِثِهِ، فَأَشْبَهَتْ الْوَصِيَّةَ بِالْكَثِيرِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مِلْكِ الْعَبْدِ مَمْنُوعٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، فَإِنَّهُ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ، فَهُوَ كَالْكَثِيرِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى بِعِتْقِ أُمَّته عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ ثُمَّ مَاتَ فَقَالَتْ لَا أَتَزَوَّجُ]
(4740) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ عَلَى، أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ.
ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ عَتَقَتْ.
فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا وَقَعَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ.
وَإِنْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ، أَوْ عَلَى أَنْ تَثْبُتَ مَعَ وَلَدِهِ، فَفَعَلَتْ وَأَخَذَتْ الْأَلْفَ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ وَتَرَكَتْ وَلَدَهُ، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَبْطُلُ وَصِيَّتُهَا؛ لِأَنَّهُ فَاتَ الشَّرْطُ، فَفَاتَتْ الْوَصِيَّةُ، وَفَارَقَ الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ.
وَالثَّانِي، لَا تَبْطُلُ وَصِيَّتُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهَا صَحَّتْ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِمُخَالَفَةِ مَا شُرِطَ عَلَيْهَا كَالْأُولَى.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ]
(4741) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ
أَحْمَدَ، فِي مَنْ جَرَحَ رَجُلًا خَطَأً فَعَفَا الْمَجْرُوحُ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ.
قَالَ: وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لَقَاتِلٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَهُ تَصِحُّ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، كَالذِّمِّيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ إذَا قَتَلَ سَيِّدَهُ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، وَالتَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ، فَيَمْنَعُهَا مَا يَمْنَعُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ وَصَّى لَهُ بَعْدَ جَرْحِهِ، صَحَّ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ طَرَأَ الْقَتْلُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، أَبْطَلَهَا جَمْعًا بَيْنَ نَصَّيْ أَحْمَدَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ.
وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْجَرْحِ صَدَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَحِلِّهَا، وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلُهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ، فَإِنَّ الْقَتْلَ طَرَأَ عَلَيْهَا فَأَبْطَلَهَا، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ مَا هُوَ آكَدُ مِنْهَا، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا مَنَعَ الْمِيرَاثَ، لِكَوْنِهِ بِالْقَتْلِ اسْتَعْجَلَ الْمِيرَاثَ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ فَعُورِضَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَهُوَ مَنْعُ الْمِيرَاثِ، دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ قَتْلِ الْمَوْرُوثِينَ، وَلِذَلِكَ بَطَلَ التَّدْبِيرُ بِالْقَتْلِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي الْقَتْلِ الطَّارِئِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَهَا بِقَتْلِهِ.
وَفَارَقَ الْقَتْلَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ اسْتِعْجَالَ مَالٍ، لِعَدَمِ انْعِقَادِ سَبَبِهِ، وَالْمُوصِي رَاضٍ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ بَعْدَ صُدُورِ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي حَقِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي هَذَا، كَمَا لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بِذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ، وَعَلَى هَذَا مَتَى دَبَّرَ عَبْدَهُ بَعْدَ جَرْحِهِ إيَّاهُ، صَحَّ تَدْبِيرُهُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ.
أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، فَهُوَ حُرٌّ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَيَخْرُجُ الْحُرُّ بِالْقُرْعَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَهُ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَكَانَ التَّعْيِينُ إلَى الْمُعْتِقِ كَالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِوَرَثَتِهِ: أَعْتِقُوا عَنِّي عَبْدًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ عِتْقٌ اسْتَحَقَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَكَانَ إخْرَاجُهُ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا أَحَدُهُمَا، وَدَلِيلُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
فَأَمَّا الْعِتْقُ فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ أَحَدٌ، إنَّمَا اُسْتُحِقَّ عَلَى الْمُكَفِّرِ التَّكْفِيرُ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي عَبْدًا.
فَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى عَبِيدِهِ، وَلَا إلَى جَمَاعَةٍ سِوَاهُمْ، فَهُوَ كَالْمُعْتَقِ فِي الْكَفَّارَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَعْتِقُوا أَحَدَ عَبِيدِي.
احْتَمَلَ أَنْ نَقُولَ بِإِخْرَاجِهِ بِالْقُرْعَةِ كَمَسْأَلَتِنَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرْجَعَ فِيهِ إلَى اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ.
وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ مَا لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، هَلْ يُعْطَى أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ؟ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
وَالْفَرْقُ
بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ إلَى الْوَرَثَةِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِالْإِعْتَاقِ فَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَيْهِمْ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ خِيرَةٌ.
(4743) فَصْلٌ: وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ، فِي مَنْ لَهُ غُلَامَانِ اسْمُهُمَا وَاحِدٌ، فَقَالَ: فُلَانٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي.
وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ.
وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَيُعْتَقُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ شَيْءٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمِائَتَيْنِ وَقَعَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَّا لِمُعَيَّنٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ أَنْ تَصِحَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّهَا حُرٌّ فِي حَالِ اسْتِحْقَاقِهَا.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ قَالَ: أَعْتِقُوا رَقَبَةً عَنِّي.
فَلَا يُعْتَقُ عَنْهُ إلَّا مُسْلِمٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْمُسْلِمَ، فَكَذَلِكَ الْآدَمِيُّ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٍ بِخَمْسِمِائَةِ فَيُعْتَقَ فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ]
(4744) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٌ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَيُعْتَقُ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ، فَالْخَمْسُمِائَةِ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ اشْتَرَوْهُ بِأَقَلَّ، فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ) أَمَّا إذَا تَعَذَّرَ شِرَاؤُهُ، إمَّا لِامْتِنَاعِ سَيِّدِهِ مِنْ بَيْعِهِ، أَوْ مِنْ بَيْعِهِ بِالْخَمْسِمِائَةِ، وَإِمَّا لِمَوْتِهِ، أَوْ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْ ثَمَنِهِ، فَالثَّمَنُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بَطَلَتْ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ فَمَاتَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا.
وَلَا يَلْزَمُهُمْ شِرَاءُ عَبْدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِمُعَيَّنٍ، فَلَا تُصْرَفُ إلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إنْ اشْتَرَوْهُ بِأَقَلَّ، فَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُدْفَعُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إرْفَاقَهُ بِالثَّمَنِ وَمُحَابَاتَهُ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِيعُوهُ عَبْدِي بِخَمْسِمِائَةٍ.
وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ حِجَّةً بِخَمْسِمِائَةٍ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: يُجْعَلُ بَقِيَّةُ الثَّمَنِ فِي الْعِتْقِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، رُدَّ مَا فَضَلَ فِي الْحَجِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَمَرَ بِشِرَائِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَكَانَ مَا فَضَلَ مِنْ الثَّمَنِ رَاجِعًا إلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي شِرَائِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ إرْفَاقُ الَّذِي يَحُجُّ بِالْفَضْلَةِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْمَقْصُودُ الْعِتْقُ.
وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَمَّ لِلْحَجِّ مُطْلَقًا، فَصُرِفَ جَمِيعُهَا فِيهِ، وَهَا هُنَا لِمُعَيَّنٍ، فَلَا تَتَعَدَّاهُ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ قَصَدَ إرْفَاقَ زَيْدٍ بِالثَّمَنِ وَمُحَابَاتَهُ بِهِ.
فَنَقُولُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، إمَّا لِكَوْنِ الْبَائِعِ صَدِيقًا لَهُ، أَوْ ذَا حَاجَةٍ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ يُقْصَدُونَ بِهَذَا، أَوْ عَيَّنَ هَذَا الثَّمَنَ وَهُوَ يَعْلَمُ حُصُولَ الْعَبْدِ بِدُونِهِ؛ لِقِلَّةِ قِيمَتِهِ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إلَى زَيْدٍ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَادْفَعُوا إلَيْهِ جَمِيعَهَا، وَإِنْ بَذَلَهُ بِدُونِهَا.
وَإِنْ
انْعَدَمَتْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الْعِتْقَ، وَقَدْ حَصَلَ، فَكَانَ الْفَاضِلُ عَائِدًا إلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ فِي حَيَاتِهِ.
[فَصْل وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدٌ بِأَلْفِ فَيُعْتَقَ عَنْهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ]
(4745) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدٌ بِأَلْفٍ، فَيُعْتَقُ عَنْهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ، اُشْتُرِيَ عَبْدٌ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُورِ الشِّرَاءُ بِدُونِهِ، كَالْوَكِيلِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ يَجِبُ تَنْفِيذُهَا إذَا احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ، فَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا وَجَبَ تَنْفِيذُهَا فِيمَا حَمَلَهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ، وَفَارَقَ الْوَكَالَةَ، فَإِنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ عَبْدٍ لَمْ يَمْلِكْ إعْتَاقَ بَعْضِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ، لَأَعْتَقَ مِنْهُ مَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ.
فَأَمَّا إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَاشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ الْمَالَ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَيُرَدُّ الْعَبْدُ إلَى الرِّقِّ إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الشِّرَاءَ بَاطِلٌ بِكَوْنِهِ اشْتَرَى بِمَالٍ مُسْتَحَقٍّ لِلْغُرَمَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي الذِّمَّةِ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَنَفَذَ الْعِتْقُ وَعَلَى الْمُشْتَرِي غَرَامَةُ ثَمَنِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا غَرَّهُ، إنَّمَا غَرَّهُ الْمُوصِي، وَلَا تَرِكَةَ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَ الْغُرَمَاءَ فِي التَّرِكَةِ، وَيَضْرِبَ مَعَهُمْ بِقَدْرِ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَزِمَهُ بِتَغْرِيرِ الْمُوصِي، فَيَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ مَيِّتًا لَزِمَهُ فِي تَرِكَتِهِ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ.
[فَصْلٌ وَصَّى بِشِرَاءِ عَبْدٍ وَأَطْلَقَ أَوْ وَصَّى بِبَيْعِ عَبْدِهِ وَأَطْلَقَ]
(4746) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِشِرَاءِ عَبْدٍ وَأَطْلَقَ، أَوْ وَصَّى بِبَيْعِ عَبْدِهِ وَأَطْلَقَ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُسْتَحِقٍّ، وَلَا مُسْتَحِقَّ، هَاهُنَا.
وَإِنْ وَصَّى بِبَيْعِهِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، وَبِيعَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ هَاهُنَا نَفْعًا لِلْعَبْدِ بِالْعِتْقِ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ يَشْتَرِيهِ كَذَلِكَ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِتَعَذُّرِهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِشِرَاءِ عَبْدٍ لِيُعْتَقْ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ.
وَإِنْ وَصَّى بِبَيْعِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، بِيعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَصَدَ إرْفَاقَهُ بِذَلِكَ فِي الْغَالِبِ.
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا، بِيعَ بِقِيمَتِهِ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ إيصَالَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْغَرَضُ بِإِرْفَاقِ الْعَبْدِ بِإِيصَالِهِ إلَى مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِحُسْنِ الْمَلَكَةِ، وَإِعْتَاقِ الرِّقَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إرْفَاقَ الْمُشْتَرِي لِمَعْنًى يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ، أَوْ أَبَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالثَّمَنِ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الثَّمَنَ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ]
(4747) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَمَلَكَهُ غَيْرُ الْعَبْدِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، فَلِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَيْنِ وَرُبْعُ الْعَبْدِ، وَلِمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِالْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، فَلِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سُدُسُ الْمِائَتَيْنِ وَسُدُسُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَلِمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِالْعَبْدِ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ، فِي الْعَبْدِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لَرَجُلٍ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ، كَثُلُثِ الْمَالِ وَرُبُعِهِ، فَأُجِيزَ لَهُمَا، انْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُشَاعِ بِوَصِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، ثُمَّ شَارَكَ صَاحِبَ الْمُعَيَّنِ فِيهِ، فَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا فِيهِ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ، كَمَسَائِلِ الْعَوْلِ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالِهِ، وَلِآخَرَ بِجُزْءٍ مِنْهُ.
فَأَمَّا فِي حَالَ الرَّدِّ، فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُمَا لَا تُجَاوِزُ الثُّلُثَ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لَرَجُلٍ بِسُدُسِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ سُدُسُ الْمَالِ، فَهِيَ كَحَالِ الْإِجَازَةِ سَوَاءٌ، إذْ لَا أَثَرَ لِلرَّدِّ.
وَإِنْ جَاوَزَتْ ثُلُثَهُ، رَدَدْنَا وَصِيَّتَهُمَا إلَى الثُّلُثِ، وَقَسَمْنَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ وَصِيَّتِهِمَا، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْمُعَيَّنِ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُعَيَّنِ، وَالْآخَرَ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
هَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ.
وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُمَا فِي حَالِ الرَّدِّ يَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ، عَلَى حَسَبِ مَا لَهُمَا فِي الْإِجَازَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ فِي الرَّدِّ: يَأْخُذُ صَاحِبُ الْمُعَيَّنِ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَيَضُمُّ الْآخَرُ سِهَامَهُ إلَى سِهَامِ الْوَرَثَةِ، وَيَقْتَسِمُونَ الْبَاقِيَ عَلَى خَمْسَةٍ، فِي مِثْل مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ لَهُ السُّدُسَ، وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةَ أَسْدَاسٍ.
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، إلَّا أَنَّ الْخِرَقِيِّ يُعْطِيهِ السُّدُسَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَعِنْدَهُمَا أَنَّهُ يَأْخُذُ خُمُسَ الْمِائَتَيْنِ وَعُشْرَ الْعَبْدِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَصِيَّيْنِ يَرْجِعُ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَقَدْ رَجَعَتْ الْوَصِيَّتَانِ إلَى الثُّلُثِ، وَهُوَ نِصْفُ الْوَصِيَّتَيْنِ، فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ وَصِيَّتِهِ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي وَصَّى لَهُ مِنْهُ، وَصَاحِبُ الثُّلُثِ يَأْخُذُ سُدُسَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ الْجَمِيعِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا، فَإِنَّ وَصِيَّةَ صَاحِبِ الْعَبْدِ دُونَ وَصِيَّةِ صَاحِبِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ أَشْرَكَ مَعَهُ غَيْرَهُ فِيهِ كُلِّهِ، وَصَاحِبُ الثُّلُثِ أَفْرَدَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمَا الثُّلُثُ حَالَةَ الرَّدَّ عَلَى حَسَبِ مَا لَهُمَا فِي حَالِ الْإِجَازَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْوَصَايَا، فَفِي مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ هَذِهِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَيْنِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، لَا يُزَاحِمُهُ الْآخَرُ فِيهَا، وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْعَبْدِ، لِهَذَا ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِ جَمِيعُهُ، فَابْسُطْهُ مِنْ جِنْسِ الْكَسْرِ، وَهُوَ الثُّلُثُ، يَصِيرُ الْعَبْدُ ثَلَاثَةً، وَاضْمُمْ إلَيْهَا الثُّلُثَ الَّذِي لِلْآخَرِ، يَصِيرُ أَرْبَعَةً، ثُمَّ اقْسِمْ الْعَبْدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، يَصِيرُ الثُّلُثُ رُبُعًا، كَمَا فِي مَسَائِلِ الْعَوْلِ.
وَفِي حَالِ الرَّدِّ تُرَدُّ وَصِيَّتُهُمَا إلَى ثُلُثِ الْمَالِ، وَهُوَ نِصْفُ وَصِيَّتِهِمَا، فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ، فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الثُّلُثِ إلَى سُدُسِ الْجَمِيعِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْعَبْدِ إلَى نِصْفِهِ.
وَفِي قَوْلِنَا يُضْرَبُ مَخْرَجُ الثُّلُثِ فِي مَخْرَجِ الرُّبُعِ، يَكُنْ اثْنَا عَشَرَ، ثُمَّ فِي ثَلَاثَةٍ تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَيْنِ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَرُبُعُ الْعَبْدِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ
أَسْهُمٍ، صَارَ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَسْهُمٍ، فَيَضُمُّهَا إلَى سِهَامِ صَاحِبِ الثُّلُثِ، صَارَ الْجَمِيعُ عِشْرِينَ سَهْمًا، فَفِي حَالِ الرَّدِّ تَجْعَلُ الثُّلُثَ عِشْرِينَ سَهْمًا، وَالْمَالُ كُلُّهُ سِتُّونَ، فَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ تِسْعَةٌ مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ رُبْعُهُ وَخُمْسُهُ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَمَانِيَةٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ، وَهِيَ خُمْسُهَا، وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ عُشْرُهُ وَنِصْفُ عُشْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ صَاحِبِ الْمُشَاعِ بِالنِّصْفِ، فَلَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ مِائَةٌ وَثُلُثُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ، وَفِي الرَّدِّ لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ خُمْسُ الْمِائَتَيْنِ وَخُمْسُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ خُمْسَاهُ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ رُبْعُ الْمِائَتَيْنِ وَسُدُسُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ، وَطَرِيقُهَا أَنْ تَنْسُبَ الثُّلُثَ إلَى مَا حَصَلَ لَهُمَا فِي الْإِجَازَةِ، ثُمَّ تُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا حَصَلَ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ مِثْلَ تِلْكَ النِّسْبَةِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَنْسُبُ الثُّلُثَ إلَى وَصِيَّتِهِمَا، ثُمَّ تُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ فِي الرَّدِّ مِثْلَ الْخَارِجِ بِالنِّسْبَةِ، وَبَيَانُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ نِسْبَةَ الثُّلُثِ إلَى وَصِيَّتِهِمَا بِالْخُمْسَيْنِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ وَالثُّلُثَ خَمْسَةٌ مِنْ سِتَّةٍ، فَالثُّلُثُ خُمْسَاهَا، فَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ خُمْسَا الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّتُهُ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ الْخُمْسُ؛ لِأَنَّهُ خُمْسَا وَصِيَّتِهِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، قَدْ حَصَلَ لَهُمَا فِي الْإِجَازَةِ الثُّلُثَانِ، وَنِسْبَةُ الثُّلُثِ إلَيْهِمَا بِالنِّصْفِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا حَصَلَ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ نِصْفُهُ، وَقَدْ كَانَ لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ مِنْ الْمِائَتَيْنِ نِصْفُهَا، فَلَهُ رُبْعُهَا، وَكَانَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ، فَصَارَ لَهُ سُدُسَهُ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ، فَصَارَ لَهُ ثُلُثُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَمِلْكُهُ غَيْرُ الْعَبْدِ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَفِي الْإِجَازَةِ لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَثُلُثُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ.
وَفِي الرَّدِّ، لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ تُسْعَا الْمَالِ كُلِّهِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِهِ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، لِصَاحِبِ الْعَبْدِ رُبُعُهُ وَسُدُسُهُ، وَلِلْآخَرِ ثُمْنُهُ وَنِصْفُ سُدُسِهِ، وَمِنْ الْمَالِ ثَمَانُونَ، وَهِيَ رُبُعُهَا وَسُدُسُ عُشْرِهَا.
وَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِالْعَبْدِ، فَفِي الْإِجَازَةِ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ نِصْفُهُ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ لِلْآخَرِ.
وَفِي الرَّدِّ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ خُمُسُهُ، وَهُوَ رُبْعُ الْعَبْدِ وَسُدْسُ عُشْرِهِ، وَلِلْآخَرِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، فَلَهُ مِنْ الْعَبْدِ مِثْلُ مَا حَصَلَ لِصَاحِبِهِ، وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَمَانُونَ دِينَارًا.
وَلَوْ خَلَّفَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَمِائَتَيْنِ، وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ وَبِالْعَبْدِ كُلِّهِ.
وَوَصَّى بِالْعَبْدِ لِآخَرَ، فَفِي حَالِ الْإِجَازَةِ يُقَسَّمُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَنْفَرِدُ صَاحِبُ الثُّلُثِ بِثُلُثِ الْبَاقِي.
وَفِي الرَّدِّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ وَثُلُثُ الْمِائَةِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، لِصَاحِبِ الْعَبْدِ رُبْعُهُ، وَلِلْآخَرِ رُبْعُهُ وَنِصْفُ الْمِائَةِ، يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ.
فَإِنْ لَمْ تَزِدْ الْوَصِيَّتَانِ عَلَى الثُّلُثِ، كَرَجُلٍ خَلَّفَ خَمْسَمِائَةٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِسُدُسِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِالْعَبْدِ، فَلَا أَثَرَ لِلرَّدِّ هَاهُنَا، وَيَأْخُذُ
صَاحِبُ الْمُشَاعِ سُدُسَ الْمَالِ وَسُبْعَ الْعَبْدِ، وَالْآخَرُ سِتَّةَ أَسْبَاعِهِ.
وَإِنْ وَصَّى لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ بِخُمْسِ الْمَالِ، فَلَهُ مِائَةٌ وَسُدُسُ الْعَبْدِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ.
وَلَا أَثَرَ لِلرَّدِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ بِهِمَا مِنْ الْمَالِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهِ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ]
(4748) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ، أَوْ لِقَرَابَةِ فُلَانٍ، كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَوْلَادِهِ، وَلِأَوْلَادِ أَبِيهِ، وَأَوْلَادِ جَدِّهِ، وَأَوْلَادِ جَدِّ أَبِيهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَلَا يُعْطِي مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَلَوْ وَصَّى لِقَرَابَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَعْطَى أَوْلَادَهُ وَأَوْلَادَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادَ هَاشِمٍ، وَلَمْ يُعْطِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا بَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: 7] . يَعْنِي أَقْرِبَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ، كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ شَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ أَعْطَى بَنِي الْمُطَّلِبِ، وَعَلَّلَ عَطِيَّتَهُمْ بِأَنَّهُمْ " لَمْ يُفَارِقُوا بَنِي هَاشِمٍ، فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ ". وَلَمْ يُعْطِ قَرَابَةَ أُمِّهِ، وَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ شَيْئًا، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهُمْ إلَّا مُسْلِمًا، فَحُمِلَ مُطْلَقُ كَلَامِ الْمُوصِي عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَفُسِّرَ بِمَا فُسِّرَ بِهِ.
وَيُسَوِّي بَيْنَ قَرِيبِهِمْ وَبَعِيدِهِمْ، وَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ سَوَاءٌ، وَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَلَا يَدْخُلُ الْكُفَّارُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُسْتَحَقِّ مِنْ قُرْبَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ، وَصَالِحٌ، عَنْ أَبِيهِمَا رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى قَرَابَةِ أُمِّهِ، إنْ كَانَ يَصِلُهُمْ فِي حَيَاتِهِ، كَأَخْوَالِهِ، وَخَالَاتِهِ، وَإِخْوَتِهِ مِنْ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُهُمْ، لَمْ يُعْطُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّ عَطِيَّتَهُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِلَتِهِ لَهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ.
ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي " الْإِرْشَادِ ". وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَعَلَى هَذَا يُعْطَى كُلُّ مَنْ يُعْرَفُ بِقَرَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَى الْأَبِ الْأَدْنَى الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ قَرَابَةٌ، فَيَتَنَاوَلُهُمْ الِاسْمُ، وَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِهِ.
وَإِعْطَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَعْضِ قَرَابَتِهِ، تَخْصِيصٌ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَرَابَتُهُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَيُعْطَى مَنْ أَدْنَاهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، فَإِذَا كَانَ لَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ، فَالْوَصِيَّةُ لِعَمَّيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَخَالَانِ، فَلِعَمِّهِ النِّصْفُ وَلِخَالَيْهِ النِّصْفُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ:
لِلْأَعْمَامِ الثُّلُثَانِ، وَلِلْأَخْوَالِ الثُّلُثُ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، قَالَ: وَيُزَادُ الْأَقْرَبُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَسَّمُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ عُرْفٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ، كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، فَإِنَّ اسْمَ الْقَرَابَةِ يَقَعُ عَلَى غَيْرِهِمْ عُرْفًا وَشَرْعًا، وَقَدْ تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ رَبِيبَتُهُ، وَأُمَّهَاتُ نِسَائِهِ، وَحَلَائِلُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَلَا قَرَابَةَ لَهُمْ، وَتَحِلُّ لَهُ ابْنَةُ عَمِّهِ، وَعَمَّتِهِ، وَابْنَةُ خَالِهِ وَخَالَتِهِ، وَهُنَّ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّفْصِيلِ لَا يَقْتَضِيه اللَّفْظُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ تَحَكُّمٌ، فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ قَرَابَةِ أُمِّهِ، كَقَوْلِهِ: وَتُفَضَّلُ قَرَابَتِي مِنْ جِهَةِ أَبِي عَلَى قَرَابَتِي مِنْ جِهَةِ أُمِّيِّ.
أَوْ قَوْلُهُ: إلَّا ابْنَ خَالَتِي فُلَانًا.
أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِينَةٌ تُخْرِجُ بَعْضَهُمْ، عُمِلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ؛ لِأَنَّهَا تَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى غَيْرِهِ.
[فَصْلٌ وَصَّى لِأَقْرَبِ أَقَارِبِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ أَوْ أَقْرَبِهِمْ بِهِ رَحِمًا]
(4749) فَصْلٌ: فَإِنْ وَصَّى لِأَقْرَبِ أَقَارِبِهِ، أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ، أَوْ أَقْرَبِهِمْ بِهِ رَحِمًا، لَمْ يُدْفَعْ إلَى الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَدْلَى بِهِ مِنْ الْأَجْدَادِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ، وَالِابْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَدْلَى بِهِ.
وَيَسْتَوِي الْأَبُ وَالِابْنُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّمَ الِابْنُ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الْأَبِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ تَعْصِيبِهِ لَا يَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُ فِي الْقُرْبِ، وَلَا كَوْنَهُ أَقْرَبَ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ الِابْنِ يُسْقِطُ تَعْصِيبَهُ مَعَ بُعْدِهِ، وَيُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْجَدِّ، وَالْأَبُ عَلَى ابْنِ الِابْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُقَدَّمُ ابْنُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ تَعْصِيبَهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْأَبَ يُدْلِي بِنَفْسِهِ، وَيَلِي ابْنَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ، وَلَا يَسْقُطُ مِيرَاثُهُ بِحَالٍ، بِخِلَافِ ابْنِ الِابْنِ.
وَالْأَبُ وَالْأُمُّ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الِابْنُ، وَالْبِنْتُ، وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، وَأَبُو الْأُمِّ، وَأُمُّ الْأَبِ، وَأُمُّ الْأُمِّ، كُلُّهُمْ سَوَاءٌ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الْأَوْلَادِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ وَإِنْ سَفَلُوا، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، وَفِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى دُخُولِهِمْ فِي الْوَقْفِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الْوَلَدِ الْأَجْدَادُ، الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُمْ الْعَمُودُ الثَّانِي، ثُمَّ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ؛ لِأَنَّهُمْ وَلَدُ الْأَبِ، أَوْ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ، ثُمَّ وَلَدُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْأَخَوَاتِ، إذَا قُلْنَا: لَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَإِذَا تَسَاوَتْ دَرَجَتُهُمْ فَأُولَاهُمْ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَيُسَوَّى بَيْنَ وَلَدِ الْأَبِ وَوَلَدِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ وَلَدَاهُمَا.
وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، كَمَا فِي الْمِيرَاثِ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ الْأَعْمَامُ، ثُمَّ
بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا.
وَيَسْتَوِي الْعَمُّ مِنْ الْأَبِ وَالْعَمُّ مِنْ الْأُمِّ، وَكَذَلِكَ أَبْنَاؤُهُمَا، ثُمَّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَّا أَنَّهُ يَرَى دُخُولَ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، وَهَذَا الْقَوْلُ إنَّمَا يُخَرَّجُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ، الَّتِي تَجْعَلُ الْقَرَابَةَ فِيهَا كُلَّ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ الْقَرَابَةِ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ، وَأَنَّ الْقَرَابَةَ اسْمٌ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْآبَاءِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ بَنُو الْأُمِّ، وَلَا أَقَارِبُهَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْقَرَابَةِ، لَمْ يَكُنْ أَقْرَبَ الْقَرَابَةِ، فَعَلَى هَذَا تَتَنَاوَلُ الْوَصِيَّةُ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُوصِي، وَأَوْلَادِ آبَائِهِ، إلَى أَرْبَعَةِ آبَاءٍ، وَلَا يَعْدُوهُمْ ذَلِكَ.
وَإِنْ وَصَّى لِجَمَاعَةِ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ، أُعْطِيَ لِثَلَاثَةِ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ.
وَإِنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْإِخْوَةِ، فَالْوَصِيَّةُ لِجَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَالِاسْمُ يَشْمَلُهُمْ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ثَلَاثَةٌ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، كُمِّلَتْ مِنْ الثَّانِيَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ جَمَاعَةٌ، سُوِّيَ بَيْنَهُمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى.
وَإِنْ لَمْ يُكَمِّلْ مِنْ الثَّانِيَةِ، فَمِنْ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا وُجِدَ ابْنٌ وَأَخٌ وَعَمٌّ، فَالْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ابْنٌ وَأَخَوَانِ، وَإِنْ كَانَ ابْنٌ وَثَلَاثَةُ إخْوَةٍ، دَخَلَ جَمِيعُهُمْ فِي الْوَصِيَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلِابْنِ ثُلُثُ الْوَصِيَّةِ وَلَهُمْ ثُلُثَاهَا.
فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَارِثًا، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ إنْ لَمْ يُجَزْ لَهُ، وَالْبَاقِي لِلْإِخْوَةِ.
وَإِنْ وَصَّى لِعُصْبَتِهِ، فَهُوَ لِمَنْ يَرِثُهُ بِالتَّعْصِيبِ فِي الْجُمْلَةِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِمَّنْ يَرِثُ فِي الْحَالِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَيُسَوَّى بَيْنَ قَرِيبِهِمْ وَبَعِيدِهِمْ؛ لِشُمُولِ اللَّفْظِ لَهُمْ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ بِحَالٍ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ]
(4750) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: لِأَهْلِ بَيْتِي.
أُعْطِيَ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ) يَعْنِي تُعْطَى أُمُّهُ وَأَقَارِبُهَا، الْأَخْوَالُ، وَالْخَالَاتُ، وَآبَاءُ أُمِّهِ، وَأَوْلَادُهُمْ، وَكُلُّ مَنْ يُعْرَفُ بِقَرَابَتِهِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ، التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ وَلَفْظِ الْقَرَابَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ، هُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ لِقَرَابَتِي.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ: وَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي» . فَجَعَلَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» . قَالَ قُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ، نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا، أَصْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ؛ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ الْعَبَّاسِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قَالَ ثَعْلَبٌ: أَهْلُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْعَرَبِ آبَاءُ الرَّجُلِ وَأَوْلَادُهُمْ، كَالْأَجْدَادِ وَالْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَوْلَادَ
الرَّجُلِ لَا يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ الْقَرَابَةِ، وَلَا أَهْلُ بَيْتِهِ.
وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّ وَلَدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَقَارِبُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ، وَأُعْطُوا مِنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، وَهُمْ مِنْ أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُونَ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ وَوَلَدَيْهَا وَزَوْجِهَا: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا؟» وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَقَارِبِ رَجُلٍ، أَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْته.
وَالْخِرَقِيُّ قَدْ عَدَّهُمْ فِي الْقَرَابَةِ بِقَوْلِهِ: " لَا يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ". فَجَعَلَ هَاشِمًا الْأَبَ الرَّابِعَ، وَلَا يَكُونُ رَابِعًا إلَّا أَنْ يَعُدَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبًا؛ لِأَنَّ هَاشِمًا إنَّمَا هُوَ رَابِعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[فَصْلٌ وَصَّى لِآلِهِ]
(4751) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِآلِهِ، فَهُوَ مِثْلُ قَرَابَتِهِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: أَصْلُهُ، وَعَشِيرَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ؛ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ الْعَبَّاسِ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ.، وَالْأَصْلُ فِي آلِ أَهْلٌ، فَقُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً، كَمَا قَالُوا: هَرَقْت الْمَاءَ وَأَرَقْته.
وَمُدَّتْ لِئَلَّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتَانِ.
وَإِنْ وَصَّى لِعِتْرَتِهِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ فِي عُرْفِ النَّاسِ عَشِيرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَوَلَدُهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَإِنْ سَفَلُوا فَتُصْرَفُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمْ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نَحْنُ عِتْرَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ عَنْهُ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ، وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْعِتْرَةُ الْأَوْلَادُ، وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ.
. وَلَمْ يُدْخِلَا فِي ذَلِكَ الْعَشِيرَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ فِي عُرْفِ النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَحْفِلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَهُمْ أَهْل اللِّسَانِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ.
وَإِنْ وَصَّى لِقَوْمِهِ، أَوْ لِنُسَبَائِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا بِمَثَابَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا قَالَ: لِرَحِمِي، أَوْ لِأَرْحَامِي، أَوْ لِأَنْسَابِي، أَوْ لِمُنَاسِبِي.
صُرِفَ إلَى قَرَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَيَتَعَدَّى وَلَدَ الْأَبِ الْخَامِسِ.
فَعَلَى هَذَا يُصْرَفُ إلَى كُلِّ مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ أَوْ بِالرَّحِمِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ.
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُنَاسِبِينَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ الْعَشِيرَةِ الَّتِي يَنْتَسِبَانِ إلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَسِبُ إلَى قَبِيلَةٍ غَيْرِ قَبِيلَةِ صَاحِبِهِ، فَلَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهُ.
[فَصْلٌ وَصَّى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَهُمْ مُعْتِقُوهُ]
(4752) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِمَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقُ، وَهُمْ مُعْتِقُوهُ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ، وَقَدْ تَعَيَّنُوا بِوُجُودِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَوَالٍ مِنْ أَسْفَلَ فَهِيَ لَهُمْ كَذَلِكَ.
وَإِنْ اجْتَمَعُوا، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ
جَمِيعًا، يَسْتَوُونَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ جَمِيعَهُمْ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لِلْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، كَقَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالثَّالِثُ، هِيَ لِلْمَوَالِي مِنْ فَوْقُ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ عَصَبَةٌ وَيَرِثُونَهُ، بِخِلَافِ عُتَقَائِهِ.
وَالرَّابِعُ، يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا.
وَلَنَا، أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، فَدَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِإِخْوَتِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنْ مَعَ التَّعْمِيمِ يَحْصُلُ التَّعْيِينُ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ: لَا كَلَّمْت مَوَالِي.
حَنِثَ بِكَلَامِ أَيِّهِمْ كَانَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ أَقْوَى.
قُلْنَا: مَعَ شُمُولِ الِاسْمِ لَهُمْ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَقْوَى وَالْأَضْعَفُ.
كَإِخْوَتِهِ، وَلَا شَيْءَ لِابْنِ الْعَمِّ، وَلَا لِلنَّاصِرِ، وَلَا لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ حَقِيقَةً، لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ عُرْفًا، وَالْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَلَا يَسْتَحِقُّ مَوْلَى ابْنِهِ مَعَ وُجُودِ مَوَالِيهِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَسْتَحِقُّ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَوْلَى ابْنِهِ لَيْسَ بِمَوْلًى لَهُ حَقِيقَةً، إذَا كَانَ لَهُ مَوْلًى سِوَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْلًى، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَكُونُ لِمَوَالِي أَبِيهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْلًى لَهُ.
وَاحْتَجَّ الشَّرِيفُ بِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ مَوَالِيَ أَبِيهِ مَجَازًا، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ، وَجَبَ صَرْفُ الِاسْمِ إلَى مَجَازِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ، تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ إمْكَانِ تَصْحِيحِهِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُ الْمَجَازَ، لِكَوْنِهِ مَحْمَلًا صَحِيحًا، وَإِرَادَةُ الصَّحِيحِ أُغْلَبُ مِنْ إرَادَةِ الْفَاسِدِ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ وَمَوَالِي أَبٍ حِينَ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ انْقَرَضَ مَوَالِيهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، لَمْ يَكُنْ لِمَوَالِي الْأَبِ شَيْءٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ لِغَيْرِهِمْ، فَلَا تَعُودُ إلَيْهِمْ إلَّا بِعَقْدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُ: أَوْصَيْت لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيَّ.
وَلَهُ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ، فَمَاتَ الِابْنُ، حَيْثُ يَسْتَحِقُّ ابْنُ الِابْنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ مَعَ حَيَاةِ الِابْنِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هَاهُنَا لِمَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ وُجِدَتْ فِي ابْنِ الِابْنِ، كَوُجُودِهَا فِي الِابْنِ حَقِيقَةً، وَفِي الْمَوْلَى يَقَعُ الِاسْمُ عَلَى مَوْلَى نَفْسِهِ حَقِيقَةً، وَعَلَى مَوْلَى أَبِيهِ مَجَازًا، فَمَعَ وُجُودِهِمْ جَمِيعًا، لَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ إلَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُوجَدُ فِي مَوْلَى أَبِيهِ.
قَالَ الشَّرِيفُ: وَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْمَوَالِي مُدَبَّرُهُ، وَأُمُّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُمْ حِينَئِذٍ مَوَالٍ فِي الْحَقِيقَةِ.
[فَصْل وَصَّى لِجِيرَانِهِ]
(4753) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ، فَهُمْ أَهْلُ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجَارُ الْمُلَاصِقُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» . يَعْنِي الشُّفْعَةَ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُلَاصِقِ، وَلِأَنَّ الْجَارَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَارُ الدَّارُ وَالدَّارَانِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» . قَالَ: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ: مَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْجِيرَانُ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ إنْ جَمَعَهُمْ مَسْجِدٌ، فَإِنْ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ فِي مَسْجِدَيْنِ صَغِيرَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، فَالْجَمِيعُ جِيرَانٌ، وَإِنْ كَانَا عَظِيمَيْنِ، فَكُلُّ أَهْلِ مَسْجِدٍ جِيرَانٌ، وَأَمَّا الْأَمْصَارُ الَّتِي فِيهَا الْقَبَائِلُ، فَالْجِوَارُ عَلَى الْأَفْخَاذِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْجَارُ أَرْبَعُونَ دَارًا، هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» . وَهَذَا نَصٌّ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إنْ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُت الْخَبَرُ، فَالْجَارُ هُوَ الْمُقَارِبُ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ.
(4754) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِأَهْلِ دَرْبِهِ أَوْ سِكَّتِهِ، فَهُمْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ طَرِيقُهُمْ فِي دَرْبِهِ.
[فَصْلٌ وَصَّى لِأَصْنَافِ الزَّكَاةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ]
(4755) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لِأَصْنَافِ الزَّكَاةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ، فَهُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ صِنْفٍ ثُمُنُ الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِثَمَانِ قَبَائِلَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ، حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ، أَنَّ آيَةَ الزَّكَاةِ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، وَالْوَصِيَّةُ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِ.
وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ.
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَانِيَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَّا إلَى الْمُسْتَحِقِّ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ.
وَإِنْ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ وَحْدَهُمْ، دَخَلَ فِيهِ الْمَسَاكِينُ.
وَإِنْ أَوْصَى لِلْمَسَاكِينِ دَخَلَ فِيهِ الْفُقَرَاءُ؛ لِأَنَّهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ فِيمَا عَدَا الزَّكَاةِ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا.
وَيُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَالدَّفْعُ إلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْبِدَايَةُ بِأَقَارِبِ الْمُوصِي، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ.
[فَصْلٌ أَوْصَى بِشَيْءِ لِزَيْدِ وَلِلْمَسَاكِينِ]
(4756) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ وَلِلْمَسَاكِينِ، فَلِزَيْدٍ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لِزَيْدٍ ثُلُثُهُ، وَلِلْمَسَاكِينِ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ، إنْ عَمَّهُمْ أَعْطَاهُ
كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ قَسَمَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ جَعَلَهُ كَأَحَدِهِمْ.
وَحَكَى أَصْحَابُهُ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا كَمَذْهَبِنَا.
وَالثَّانِي لَهُ رُبُعُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِمْ صَارُوا أَرْبَعَةً.
وَلَنَا، أَنَّهُ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ لِجِهَتَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو.
وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لِقُرَيْشٍ وَتَمِيمٍ، لَمْ يُشْرَكْ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِهِمْ، وَلَا عَلَى قَدْرِ مِنْ يُعْطَى مِنْهُمْ، بَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مِسْكِينًا، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ شَيْءٌ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ عَطْفَهُمْ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا، إذْ الظَّاهِرُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَجْوِيزِ دَفْعِ الْجَمِيعِ إلَيْهِ، وَلَفْظُهُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ وَحَصْرُهُمْ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا لِزَيْدٍ وَإِخْوَتِهِ.
فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِبَعْضِهِمْ، فَتَسَاوَوْا فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا لَكُمْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ وَصِيّ وَقَالَ اشْتَرُوا بِثُلُثِي رِقَابًا فَأَعْتِقُوهُمْ]
(4757) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ اشْتَرُوا بِثُلُثِي رِقَابًا، فَأَعْتِقُوهُمْ.
لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَى الْمُكَاتَبِينَ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى بِالشِّرَاءِ، لَا بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ.
فَإِنْ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِثَلَاثَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَى أَقَلُّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ.
وَإِنْ قَدَرْت عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِثَمَنِ ثَلَاثَةٍ غَالِيَةٍ، كَانَ أَوْلَى وَأَفْضَلَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» . وَلِأَنَّهُ يُفَرِّجُ عَنْ نَفْسٍ زَائِدَةٍ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَمْكَنَ شِرَاءُ ثَلَاثَةٍ رَخِيصَةٍ، وَحِصَّةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، بِثَمَنِ ثَلَاثَةٍ غَالِيَةٍ، فَالثَّلَاثَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ، قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» . وَالْقَصْدُ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، مِنْ الْوِلَايَةِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، الَّتِي تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِعْتَاقِ جَمِيعِهِ.
وَهَذَا التَّفْضِيلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْغَالِيَةِ، إنَّمَا يَكُون مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَصْلَحَةِ، فَأَمَّا إنْ تَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ بِدِينٍ، وَعِفَّةٍ، وَصَلَاحٍ، وَمَصْلَحَةٍ لَهُ فِي الْعِتْقِ، بِأَنْ يَكُونَ مَضْرُورًا بِالرِّقِّ، وَلَهُ صَلَاحٌ فِي الْعِتْقِ، وَغَيْرُهُ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي الرِّقِّ، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ، وَرُبَّمَا تَضَرَّرَ بِهِ، مِنْ فَوَاتِ نَفَقَتِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَمَصَالِحِهِ، وَعَجْزِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَنْ الْكَسْبِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ الصِّيَانَةِ وَالْحِفْظِ، فَإِنَّ إعْتَاقَ مَنْ كَثُرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إعْتَاقِهِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى، وَإِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَسُوغُ إعْتَاقُ مَنْ فِي إعْتَاقِهِ مَفْسَدَةٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُوصِي تَحْصِيلُ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَلَا أَجْرَ فِي إعْتَاقِ هَذَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ إلَّا رَقَبَةٌ مُسْلِمَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92]
لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْمُسْلِمَةَ، وَمُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَا يَجُوزُ إعْتَاقُ مَعِيبَةٍ عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ]
(4758) فَصْلٌ: وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ، يُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ؛ جُزْءٌ فِي الْجِهَادِ، وَجُزْءٌ يَتَصَدَّق بِهِ فِي قَرَابَتِهِ، وَجُزْءٌ فِي الْحَجِّ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: الْغَزْوُ يُبْدَأُ بِهِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ جُزْءًا فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى.
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ وَالتَّحْدِيدِ، بَلْ يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي جِهَاتِ الْبِرِّ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْعُمُومِ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَرُبَّمَا كَانَ غَيْرُ هَذِهِ الْجِهَاتِ أَحْوَجَ مِنْ بَعْضِهَا وَأَحَقَّ، وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى تَكْفِينِ مَيِّتٍ، وَإِصْلَاحِ طَرِيقٍ، وَفَكِّ أَسْرٍ، وَإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ، وَإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ، أَكْثَرَ مِنْ دُعَائِهَا إلَى حَجِّ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَيُكَلَّفُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَتَعَبًا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَاحَهُ مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَتَقْدِيمُ هَذَا عَلَى مَا مَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ دَاعِيَةٌ، بِغَيْرِ دَلِيلٍ، تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ.
وَإِذَا قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ يُرِيكَ اللَّهُ.
فَلَهُ صَرْفُهُ فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَات الْقُرَبِ، رَأَى وَضْعَهُ فِيهَا، عَمَلًا بِمُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْأَفْضَلُ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِلَى مَحَارِمِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى جِيرَانِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى اجْتِهَادِهِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَهَذَا أَحَظُّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ يَرَى غَيْرَ هَذَا أَهَمَّ مِنْهُ وَأَصْلَحَ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالتَّحَكُّمِ.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ أَقَارِبُ مَحَاوِيجُ لَمْ يُوصِ لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَرِثُوا، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ.
قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِثُلُثِهِ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَيُعْطَى إخْوَتُهُ وَهُمْ فُقَرَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُمْ أَحَقُّ، يُعْطَوْنَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَا يُزَادُونَ عَلَى ذَلِكَ.
يَعْنِي لَا يُزَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى أَنْ يُحَجّ عَنْهُ بِقَدْرِ مِنْ الْمَالِ]
(4759) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا وَصَّى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ.
فَمَا فَضَلَ رُدَّ فِي الْحَجِّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ، وَجَبَ صَرْفُ جَمِيعِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى بِجَمِيعِهِ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ فِيهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَيْسَ
لِلْوَلِيِّ أَنْ يَصْرِفَ إلَى مَنْ يَحُجُّ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِوَضَ الْمِثْلِ، كَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْمِثْلِ لِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَيُصْرَفَ فِيهَا.
أَوْ نَاقِصًا عَنْهَا، فَيُحَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، فِي ظَاهِرِ مَنْصُوصِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، وَلَا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ، فَقَالَ: يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ النَّفَقَةُ لِلرَّاكِبِ مِنْ أَهْلِ مَدِينَتِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْعَنْبَرِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُعَنْ بِهِ فِي الْحَجِّ.
وَهُوَ قَوْلُ سَوَّارٍ الْقَاضِي، حَكَاهُ عَنْهُ الْعَنْبَرِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، فِي امْرَأَةٍ أَوْصَتْ بِحَجٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا: أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ ثُلُثُ مَالِهَا، فَيُعَانَ بِهِ فِي الْحَجِّ، أَوْ يُحَجُّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يَفْضُلَ عَنْ الْحَجَّةِ، فَيُدْفَعَ فِي حِجَّةٍ ثَانِيَةٍ، ثُمَّ فِي ثَالِثَةٍ، إلَى أَنْ يَنْفَدَ، أَوْ يَبْقَى مَا لَا يَبْلُغُ حِجَّةً، فَيُحَجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ.
وَلَا يَسْتَنِيبُ فِي الْحَجِّ مَعَ الْإِمْكَانِ إلَّا مِنْ بَلَدِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمَيِّتِ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ، فَيَنُوبُ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعٍ لَوْ حَجَّ الْمَنُوبُ عَنْهُ لَحَجَّ.
مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ لَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا أُخِذَ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ الْقَدْرِ الْكَافِي لِحَجِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ أَكْثَرَ، أُخِذَ، ثُمَّ يُصْرَفُ مِنْهُ فِي الْفَرْضِ قَدْرُ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يُحَجُّ بِالْبَاقِي تَطَوُّعًا حَتَّى يَنْفُذَ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ أَقَلَّ، تُمِّمَ قَدْرُ مَا يَكْفِي الْحَجَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ: كُلٌّ وَاجِبٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ: إنْ وَصَّى بِالْحَجِّ، فَمِنْ ثُلُثِهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَى وَرَثَتِهِ شَيْءٌ.
فَعَلَى قَوْلِهِمْ، إنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْمُوصَى بِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ فَلَا تَلْزَمُ الْوَارِثَ، كَالصَّلَاةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ، أَكُنْت تَقْضِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» . وَالدَّيْنُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَمَا هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ.
وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، أُخِذَ الثُّلُثُ لَا غَيْرُ، إذَا لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَيُحَجَّ بِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى.
[فَصْلٌ أَوْصَى بِحَجِّ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَات]
(4760) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى بِحَجٍّ وَاجِبٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، كَقَضَاءِ دَيْنٍ، وَزَكَاةٍ، وَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ؛
أَحَدُهَا، أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ، فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِمَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ، وَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِذَلِكَ، أُخِذَ مَالُهُ كُلُّهُ يُدْفَعُ فِي الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ.
الثَّانِي، أَنْ يُوصِيَ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ مِنْ ثُلُثُ مَالِهِ، فَيَصِحُّ أَيْضًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ وَصِيَّةٌ غَيْرَ هَذِهِ، لَمْ تُفِدْ شَيْئًا، وَيُؤَدَّى مِنْ الْمَالِ كُلِّهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى بِتَبَرُّعٍ لَجِهَةٍ أُخْرَى، قُدِّمَ الْوَاجِبُ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ فَهُوَ لِلتَّبَرُّعِ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ سَقَطَتْ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَاجِبِ أُتِمَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
هَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُزَاحَمُ بِالْوَاجِبِ أَصْحَابُ الْوَصَايَا.
فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مِثْلَ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بَيْنَ الْوَصَايَا كُلِّهَا، الْوَاجِبُ وَالتَّبَرُّعُ بِالْحِصَصِ، فَمَا حُصِلَ لِلْوَاجِبِ أُتِمَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَيَدْخُلُهُ الدَّوْرُ، وَتَعْمَلُ بِالْجَبْرِ، فَتَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِحِجَّةٍ وَاجِبَةٍ، كِفَايَتُهَا عَشْرَةٌ مِنْ ثُلُثِهِ، وَوَصَّى بِصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ عَشْرَةٌ، وَمَاتَ فَلَمْ يَخْلُفْ إلَّا ثَلَاثِينَ، فَاعْزِلْ تَتِمَّةَ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَالِ، وَهِيَ شَيْءٌ مَجْهُولٌ، وَخُذْ ثُلُثَ الْبَاقِي عَشْرَةً إلَّا ثُلُثَ شَيْءٍ، وَاقْسِمْهُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ إلَّا سُدُسَ شَيْءٍ، اُضْمُمْ الشَّيْءَ الَّذِي عَزَلْته إلَى مَا حَصَلَ لِلْحِجَّةِ، فَصَارَ شَيْئًا وَخَمْسَةً إلَّا سُدُسَ شَيْءٍ، يَعْدِلُ عَشْرَةً، وَخُذْ مِنْ الشَّيْءِ سُدُسَهُ، فَاجْبُرْ بِهِ بَعْضَ الْخَمْسَةِ، يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ، يَعْدِلُ خُمُسَهُ، فَالشَّيْءُ إذًا سِتَّةٌ، وَمَتَى أَخَذْت سِتَّةً مِنْ ثَلَاثِينَ، بَقِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، ثُلُثُهَا ثَمَانِيَةٌ، لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ نِصْفُهَا أَرْبَعَةٌ، وَلِلْوَاجِبِ أَرْبَعَةٌ مَعَ السِّتَّةَ، صَارَ الْجَمِيعُ عَشْرَةً، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا دَيْنٌ خَمْسَةٌ، عَزَلْت تَتِمَّةَ الْحَجِّ شَيْئًا، وَتَتِمَّةَ الدَّيْنِ نِصْفَ شَيْءٍ، بَقِيَ ثُلُثُ الْمَالِ عَشْرَةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، وَاقْسِمْهُ بَيْنَ الْوَصَايَا، فَيَحْصُلُ لِلْحَجِّ أَرْبَعَةٌ إلَّا خُمُسَ شَيْءٍ، اُضْمُمْ إلَيْهَا تَتِمَّتَهُ، يَصِيرُ شَيْئًا وَأَرْبَعَةً إلَّا خُمْسَ شَيْءٍ، يَعْدِلُ عَشْرَةً، وَبَعْدَ الْجَبْرِ يَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ شَيْءٍ، تَعْدِلُ سِتَّةً، فَرُدَّ عَلَى السِّتَّةِ رُبْعَهَا، تَصِرْ سَبْعَةً وَنِصْفًا، يَعْدِلُ شَيْئًا، فَالشَّيْءُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ، وَنِصْفُ الشَّيْءِ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ وَرُبْعٌ وَبَقِيَّةُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، ثُلُثُهَا سِتَّةٌ وَرُبْعٌ، لِلدَّيْنِ خُمُسُهَا وَاحِدٌ وَرُبْعٌ، إذَا ضَمَمْت إلَيْهِ تَتِمَّتَهُ، كَمَّلَ خَمْسَةً، وَلِلْحَجِّ اثْنَانِ وَنِصْفٌ تَكْمُلُ تَتِمَّتُهُ، وَلِلصَّدَقَةِ اثْنَانِ وَنِصْفٌ.
وَفِي عَمَلِهَا طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يُقْسَمَ الثُّلُثُ بِكَمَالِهِ بَيْنَ الْوَصَايَا بِالْقِسْطِ، ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَاجِبِ خُذْهُ مِنْ الْوَرَثَةِ وَصَاحِبِ التَّبَرُّعِ بِالْقِسْطِ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَحْصُلُ لِلْوَاجِبِ خَمْسَةٌ، يَبْقَى لَهُ خَمْسَةٌ، يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ دِينَارًا، وَمِنْ الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةً.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، حَصَلَ لِلْحَجِّ أَرْبَعَةٌ، وَبَقِيَ لَهُ سِتَّةٌ، وَحَصَلَ لِلدَّيْنِ دِينَارَانِ، وَبَقِيَ لَهُ ثَلَاثَةٌ، فَيَأْخُذَانِ مَا بَقِيَ لَهُمَا مِنْ الْوَرَثَةِ ثَلَاثَةً، وَمِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ ثَلَاثَةً فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْحِجَّةِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةً، وَمِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ دِينَارَيْنِ، وَيَأْخُذُ صَاحِبُ الدَّيْنِ دِينَارَيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَدِينَارًا مِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ.
الثَّالِثُ، أَنْ يُوصِيَ بِالْوَاجِبِ، وَيُطْلِقَ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَيُبْدَأُ بِإِخْرَاجِهِ قَبْلَ التَّبَرُّعَاتِ وَالْمِيرَاثِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ وَصِيَّةُ تَبَرُّعٍ، فَلِصَاحِبِهَا ثُلُثُ الْبَاقِي.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَجَّ كَانَ وَاجِبًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَيْسَ فِي وَصِيَّتِهِ مَا يَقْتَضِي تَغْيِيرَهُ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا تُمْلَكُ الْوَصِيَّةُ إلَّا بِالثُّلُثِ.
قُلْنَا: فِي التَّبَرُّعِ، فَأَمَّا فِي الْوَاجِبَاتِ فَلَا تَنْحَصِرُ فِي الثُّلُثِ، وَلَا تَتَقَيَّدُ بِهِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ، أَنْ يُوصِيَ بِالْوَاجِبِ وَيَقْرِنَ الْوَصِيَّةَ بِالتَّبَرُّعِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: حُجُّوا عَنِّي، وَأَدُّوا دَيْنِي، وَتَصَدَّقُوا عَنِّي.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِرَانَ فِي اللَّفْظِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاقْتِرَانِ فِي الْحُكْمِ، وَلَا فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] . وَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّهُ هَاهُنَا قَدْ عَطَفَ غَيْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَكَمَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْوُجُوبِ لَا يَلْزَمُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي مَحَلِّ الْإِخْرَاجِ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ مَا مَخْرَجُهُ مِنْ الثُّلُثِ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى أَنْ يُحَجّ عَنْهُ بِقَدْرِ مِنْ الْمَال حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَكَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ قَدْرِ مَا يُحَجُّ بِهِ]
(4761) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: حِجَّةٌ بِخَمْسِمِائَةٍ.
فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ حِجَّةً وَاحِدَةً، وَكَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ قَدْرِ مَا يُحَجُّ بِهِ، فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إرْفَاقَهُ بِذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ، بِأَنْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي حِجَّةً وَاحِدَةً بِخَمْسِمِائَةٍ، وَمَا فَضَلَ مِنْهَا فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ.
ثُمَّ إنْ عَيَّنَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، فَقَالَ: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ بِخَمْسِمِائَةٍ.
صُرِفَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا، فَلِلْوَصِيِّ صَرْفُهَا إلَى مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ الِاجْتِهَادَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ صَرْفَهَا إلَى وَارِثٍ، إذَا كَانَ فِيهَا فَضْلٌ إلَّا بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ، جَازَ؛ لِأَنَّهَا لَا مُحَابَاةَ فِيهَا، ثُمَّ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ الْمُوصَى بِهِ تَطَوُّعًا، فَجَمِيعُ الْقَدْرِ الْمُوصَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَالزَّائِدُ عَنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَإِنْ لَمْ يَفِ الْمُوصَى بِهِ بِالْحَجِّ الْوَاجِبِ، أُتِمَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَإِنَّهُ يُحَجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، عَلَى مَا مَضَى.
[فَصْلٌ عَيَّنَ رَجُلًا فِي وَصِيَّته أَنْ يُحَجّ فَأَبَى أَنْ يَحُجّ]
(4762) فَصْلٌ: وَإِنْ عَيَّنَ رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ، فَأَبَى أَنْ يَحُجَّ، بَطَلَ التَّعْيِينُ، وَيَحُجُّ عَنْهُ بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ إنْسَانٌ ثِقَةٌ سِوَاهُ، وَيُصْرَفُ الْبَاقِي إلَى الْوَرَثَةِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُعَيَّنُ: اصْرِفُوا الْحِجَّةَ إلَى مَنْ يَحُجُّ، وَادْفَعُوا الْفَضْلَ إلَيَّ،
لِأَنَّهُ مُوصًى بِهِ لِي.
لَمْ يُصْرَفْ إلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُوصِيَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَحُجَّ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى بِحَجَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ]
(4763) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي حِجَّةً.
فَمَا فَضَلَ رُدَّ إلَى الْوَرَثَةِ) أَمَّا إذَا أَوْصَى بِحِجَّةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ يَحُجُّ إلَّا قَدْرُ نَفَقَةِ الْمِثْلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ.
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، إنَّمَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ نَائِبٌ فَمَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُوصِي، وَمَا بَقِيَ رَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ.
وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي الطَّرِيقِ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُوصِي، وَلَيْسَ عَلَى النَّائِبِ إتْمَامُ الْمُضِيِّ إلَى الْحَجِّ عَنْهُ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَأْجِرُ إلَّا ثِقَةً بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا أُعْطِيَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ.
وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ قَبْضِ الْأَجِيرِ لَهُ، فَهُوَ مِنْ مَالِهِ، وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْحَجِّ.
وَإِنْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي.
وَلَمْ يَقُلْ: حِجَّةً وَاحِدَةً.
لَمْ يُحَجَّ عَنْهُ إلَّا حِجَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
فَإِنْ عَيَّنَ مَعَ هَذَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، فَقَالَ: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ.
فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ قَدْرُ نَفَقَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ.
فَإِنْ أَبَى الْحَجَّ إلَّا بِزِيَادَةٍ تُصْرَفُ إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ أَقَلُّ قَدْرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ غَيْرُهُ.
وَإِنْ أَبَى الْحَجَّ، وَكَانَ وَاجِبًا، اُسْتُنِيبَ غَيْرُهُ بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ اسْتِنَابَتُهُ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا احْتَمَلَ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ لَهَا جِهَةً، فَإِذَا لَمْ تَقْبَلْهَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِيعُوا عَبْدِي لَفُلَانٍ بِمِائَةٍ.
فَأَبَى شِرَاءَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ، وَيُسْتَنَابَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْقُرْبَةَ وَالتَّعْيِينَ، فَإِذَا بَطَلَ التَّعْيِينُ، لَمْ تَبْطُلْ الْقُرْبَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِيعُوا عَبْدِي لَفُلَانٍ، وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهِ.
فَلَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ لِغَيْرِهِ، وَيُتَصَدَّقُ بِهِ.
[فَصْلٌ أُوصَى وَقَالَ حُجَّ عَنِّي بِمَا شِئْت]
(4764) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ حِجَّةً، لَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
كَمَا لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ.
لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِنْ قَالَ: حُجَّ عَنِّي بِمَا شِئْت.
صَحَّ، وَلَهُ مَا شَاءَ، إلَّا أَنْ لَا يُجِيزَ الْوَرَثَةُ، فَلَهُ الثُّلُثُ.
[فَصْلٌ أُوصَى أَنْ يَحُجّ عَنْهُ زَيْدٌ بِمِائَةِ وَلِعَمْرٍو بِتَمَامِ الثُّلُثِ وَلَسَعْد بِثُلُثِ مَالِهِ فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ]
(4765) فَصْلٌ: إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِمِائَةٍ، وَلِعَمْرٍو بِتَمَامِ الثُّلُثِ، وَلَسَعْدً بِثُلُثِ مَالِهِ.
فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ، أُمْضِيَتْ عَلَى مَا قَالَ الْمُوصِي.
وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ الْمِائَةِ شَيْءٌ، فَلَا شَيْءَ لِعَمْرٍو؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِالْفَضْلِ، وَلَا فَضْلَ.
وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ، قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ؛ لَسَعْدٍ السُّدُسُ، وَلِزَيْدٍ مِائَةٌ، وَمَا
فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ فَلِعَمْرٍو، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ، فَلَا شَيْءَ لِعَمْرٍو؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِالزِّيَادَةِ، وَلَا زِيَادَةَ.
وَلَا تُمْنَعُ الْمُزَاحَمَةُ بِهِ، وَلَا يُعْطَى شَيْئًا، كَوَلَدِ الْأَبِ مَعَ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، فِي مُزَاحَمَةِ الْجَدِّ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ فِي الثُّلُثِ فَضْلٌ عَنْ الْمِائَةِ، أَنْ يُرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ زَيْدًا إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ بِالْإِجَازَةِ، فَمَعَ الرَّدِّ يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، كَسَائِرِ الْوَصَايَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا نَظِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
فَإِنْ امْتَنَعَ زَيْدٌ مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ الْحِجَّةُ وَاجِبَةً، اُسْتُنِيبَ ثِقَةٌ غَيْرُهُ فِي الْحَجِّ بِأَقَلَّ مَا يُمْكِنُ، وَتَمَامُ الْمِائَةِ لِلْوَرَثَةِ، وَلِعَمْرٍو مَا فَضَلَ.
وَإِنْ كَانَتْ الْحِجَّةُ تَطَوُّعًا، فَفِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِهَا وَجْهَانِ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى.
[فَصْل أُوصَى لِزَيْدٍ بِعَبْدِ بِعَيْنِهِ وَلِعَمْرٍو بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ]
فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وَلِعَمْرٍو بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ، قُوِّمَ الْعَبْدُ يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ حَالُ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ، وَدُفِعَ إلَى زَيْدٍ، وَدُفِعَ بَقِيَّةُ الثُّلُثِ إلَى عَمْرٍو.
فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ عَمْرٍو.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ رَدَّ زَيْدٌ وَصِيَّتَهُ، بَطَلَتْ وَلَمْ تَبْطُلْ وَصِيَّةُ عَمْرٍو.
وَهَكَذَا إنْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، قَوَّمْنَا التَّرِكَةَ حَالَ مَوْتِ الْمُوصِي بِدُونِ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الْعَبْدُ لَوْ كَانَ حَيًّا، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ قِيمَتِهِ شَيْءٌ، فَهُوَ لِعَمْرٍو، وَإِلَّا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ.
وَلَوْ قَالَ لِأَحَدِ عَبْدَيْهِ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ.
ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ فِي زِيَادَةِ الثُّلُثِ عَنْ قِيمَةِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ بَطَلَ تَدْبِيرُ الْأَوَّلِ لِرُجُوعِهِ فِيهِ، أَوْ خُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ فَقُتِلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَأُخِذَتْ الدِّيَةُ]
(4767) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، فَقُتِلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَأُخِذَتْ الدِّيَةُ، فَلِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى لَيْسَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ مُشَاعٌ، فَقُتِلَ الْمُوصِي، وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ، هَلْ لِلْوَصِيِّ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ لَا؟ فَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي دِيَةِ الْخَطَأِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ، لَا يُدْخِلُ الدِّيَةَ فِي وَصِيَّتِهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ، وَشَرِيكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِي دِيَةِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، بِدَلِيلِ أَنَّ سَبَبَهَا الْمَوْتُ، فَلَا يَجُوزُ وُجُوبُهَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجِبَ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ، فَكَيْفَ يَتَجَدَّدُ لَهُ مِلْكٌ؟ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَ إنَّمَا يُوصِي بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، لَا بِمَالِ وَرَثَتِهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ، وَنَفْسِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا، وَلِأَنَّ بَدَلَ أَطْرَافِهِ فِي حَالَ حَيَاتِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِهَذَا نَقْضِي مِنْهَا دُيُونَهُ، وَيُجَهَّزُ مِنْهَا إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ مِنْ أَمْلَاكِهِ
مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ، فَأَمَّا مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ فَلَا.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَسَقَطَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِحَيْثُ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ، وَيُجَهَّزُ، فَكَذَلِكَ دِينُهُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ وَصِيَّتِهِ مِنْ حَاجَتِهِ، فَأَشْبَهَتْ قَضَاءَ دِينِهِ.
(4768) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمُعَيَّنٍ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَدِيَتِهِ، وَعَلَى الْأُخْرَى، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ أَصْلِ مَالِهِ دُونَ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَالِهِ.
[فَصْلٌ أُوصَى ثُمَّ اسْتَفَادَ مَالًا قَبْلَ الْمَوْتِ]
(4769) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْصَى، ثُمَّ اسْتَفَادَ مَالًا قَبْلَ الْمَوْتِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّ الْوَصِيَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا يُخْلِفُهُ مِنْ التِّلَادِ وَالْمُسْتَفَادِ وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْجَمِيعِ.
هَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَسَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ لَا يَدْخُلُ فِي وَصِيَّتِهِ إلَّا مَا عَلِمَ، إلَّا الْمُدَبَّرَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مِنْ مَالِهِ، فَدَخَلَ فِي وَصِيَّتِهِ كَالْمَعْلُومِ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهُ إلَى آخِرَ]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهُ إلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْت الْأَوَّلَ) مَعْنَى أَوْصَى إلَى رَجُلٍ.
أَيْ جَعَلَ لَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فِيمَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَاقْتِضَائِهَا، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ، وَاسْتِرْدَادِهَا، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الَّذِينَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ، وَالنَّظَرُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا لَهُمْ الْحَظُّ فِيهِ.
فَأَمَّا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، كَالْعُقَلَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَغَيْرِ أَوْلَادِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَسَائِرِ مَنْ عَدَا الْأَوْلَادَ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْمُوصِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِنَائِبِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: لِلْجَدِّ وِلَايَةٌ عَلَى ابْنِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَادَةً وَتَعْصِيبًا، فَأَشْبَهَ الْأَبَ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ لَهَا وِلَايَةً؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِوَاسِطَةٍ، فَأَشْبَهَ الْأَخَ وَالْعَمَّ وَفَارَقَ الْأَبَ، فَإِنَّهُ يُدْلِي بِنَفْسِهِ، وَيَحْجُبُ الْجَدَّ، وَيُخَالِفُهُ فِي مِيرَاثِهِ وَحَجْبِهِ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَلَا قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَلِي؛ لِأَنَّهَا قَاصِرَةٌ لَا تَلِي النِّكَاحَ بِحَالٍ، فَلَا تَلِي مَالَ غَيْرِهَا، كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَلِي بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ، فَكَذَلِكَ بِالنَّسَبِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى إلَى آخَرَ، فَهُمَا وَصِيَّانِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخْرَجْت الْأَوَّلَ أَوْ قَدْ عَزَلْته؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِبِشْرٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لَبَكْرٍ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ عَزْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَكَانَا وَصِيَّيْنِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً.
فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ الْأَوَّلَ انْعَزَلَ، وَكَانَ الثَّانِي هُوَ الْوَصِيَّ، كَمَا لَوْ عَزَلَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ إلَى الثَّانِي.
[فَصْلٌ يُوصِي إلَى رَجُلٍ بِشَيْءِ دُونَ شَيْءٍ]
(4771) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ حَسْبُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُ مَا جَعَلَ إلَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَمَتَى أَوْصَى إلَيْهِ بِشَيْءٍ، لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِيرُ وَصِيًّا فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ مِنْ الْأَبِ بِمَوْتِهِ، فَلَا تَتَبَعَّضُ، كَوِلَايَةِ الْجَدِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ اسْتَفَادَ التَّصَرُّفَ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّ، فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى مَا أُذِنَ فِيهِ، كَالْوَكِيلِ، وَوِلَايَةُ الْجَدِّ مَمْنُوعَةٌ.
ثُمَّ تِلْكَ وِلَايَةٌ اسْتَفَادَهَا بِقَرَابَتِهِ، وَهِيَ لَا تَتَبَعَّضُ، وَالْإِذْنُ يَتَبَعَّضُ، فَافْتَرَقَا.
[فَصْل يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا]
(4772) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فَيَقُولَ: أَوْصَيْت إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا مُنْفَرِدًا، وَهَذَا يَقْتَضِي تَصَرُّفَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ.
وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِمَا لِيَتَصَرَّفَا مُجْتَمِعَيْنِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ.
وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لَا أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلَافًا.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ: أَوْصَيْت إلَيْكُمَا فِي كَذَا.
فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ.
وَبِهِ قَالَ
مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِلَايَةَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَمَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ بِهَا كَالْأَخَوَيْنِ فِي تَزْوِيجِ أُخْتِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ يُسْتَحْسَنُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَيُبِيحُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ: كَفَنِ الْمَيِّتِ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ، وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ بِعَيْنِهَا، وَشِرَاءِ مَا لَا بُدَّ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ مِنْ الْكُسْوَةِ وَالطَّعَامِ، وَقَبُولِ الْهِبَةِ لَهُ، وَالْخُصُومَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا يُدَّعَى لَهُ أَوْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَشُقُّ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهَا وَيَضُرُّ تَأْخِيرُهَا، فَجَازَ الِانْفِرَادُ بِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ، فَلَمْ يَكُنْ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ، كَالْوَكِيلَيْنِ.
وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ نَقُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمَا بِاجْتِمَاعِهِمَا، فَلَيْسَتْ مُتَبَعِّضَةً، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ، أَوْ صَرَّحَ لِلْوَصِيَّيْنِ بِأَنْ لَا يَتَصَرَّفَا إلَّا مُجْتَمِعَيْنِ.
ثُمَّ يَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَة بِهِمَا أَيْضًا، وَإِذَا تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا، أَقَامَ الْحَاكِمُ أَمِينًا مُقَامَ الْغَائِبِ.
[فَصْلٌ فِي مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ وَمَنْ لَا تَصِحُّ]
(4773) فَصْلٌ: فِي مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، وَمَنْ لَا تَصِحُّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الرَّجُلِ الْعَاقِلِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْعَدْلِ إجْمَاعًا.
وَلَا تَصِحُّ إلَى مَجْنُونٍ، وَلَا طِفْلٍ، وَلَا وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَى كَافِرٍ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمَا، فَلَا يَلِيَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى مُسْلِمٍ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَمْ يُجِزْهُ عَطَاءٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ قَاضِيَةً، فَلَا تَكُونُ وَصِيَّةً، كَالْمَجْنُونِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْصَى إلَى حَفْصَةَ.
وَلِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ، وَتُخَالِفُ الْقَضَاءَ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ الْكَمَالُ فِي الْخِلْقَةِ وَالِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الْأَعْمَى.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْوِلَايَةِ.
وَهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوْكِيلُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ كَالْبَصِيرِ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَّا بِإِذْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَلِأَنَّهُ مَوْلًى عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ وَالِيًا، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ وَكَالَتِهِ.
وَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ الْعَشْرَ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي
عَلَى مُسْلِمٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا الْعَدَالَةِ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَالْمَجْنُونِ وَالْفَاسِقِ.
وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي دِينِهِ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَدَالَةِ فِي الْمُسْلِمِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ.
فَمَعَ الْكُفْرِ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِالنَّسَبِ، فَيَلِي الْوَصِيَّةَ، كَالْمُسْلِمِ.
وَالثَّانِي، لَا تَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَفَاسِقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.
وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إلَى الْمُسْلِمِ، فَتَصِحُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَرِكَتُهُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا.
وَأَمَّا الْعَبْدُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ، وَلَا تَصِحُّ إلَى عَبْدِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِحُّ إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَرَثَتِهِ رَشِيدٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى عَبْدٍ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا عَلَى ابْنِهِ بِالنَّسَبِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْوَصِيَّةَ، كَالْمَجْنُونِ.
وَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي الْحَيَاةِ، فَصَحَّ أَنْ يُوصَى إلَيْهِ كَالْحُرِّ.
وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالْمَرْأَةِ.
وَالْخِلَافُ فِي الْمَكَاتِبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَالْخِلَافِ فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ.
وَقَدْ نَصَّ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ إلَى أُمِّ وَلَدِهِ جَائِزَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ حُرَّةً عِنْدَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ.
وَأَمَّا الْفَاسِقُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ إلَيْهِ لَا تَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا كَانَ مُتَّهَمًا، لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيِّ: إذَا كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا ضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، وَيَضُمُّ الْحَاكِمُ إلَيْهِ أَمِينًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ، وَعَلَى الْحَاكِمِ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَالْعَدْلِ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْوَصِيَّةِ، فَلَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، كَالْمَجْنُونِ.
وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.
(4774) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْوَصِيِّ حَالَ الْعَقْدِ وَالْمَوْتِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ حَسْبُ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهَا شُرُوطٌ لِعَقْدٍ، فَتُعْتَبَرُ حَالَ وُجُودِهِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لَهُ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ وَارِثًا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عَدَمُ الْإِرْثِ، وَخُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ لِلنُّفُوذِ وَاللُّزُومِ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَةَ اللُّزُومِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّهَا شُرُوطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَلَا يَنْفَعُ وُجُودُهَا بَعْدَهُ.
وَعَلَى الْوَجْهِ
الثَّانِي، لَوْ كَانَتْ الشُّرُوطُ كُلُّهَا مُنْتَفِيَةً، أَوْ بَعْضُهَا حَالَ الْعَقْدِ، ثُمَّ وُجِدَتْ حَالَةَ الْمَوْتِ لَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَوْصَيْت إلَى زَيْدٍ فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى عَمْرو]
(4775) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: أَوْصَيْت إلَى زَيْدٍ، فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى عَمْرٍو صَحَّ ذَلِكَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا، إلَّا أَنَّ عَمْرًا وَصِيٌّ بَعْدَ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» . وَالْوَصِيَّةُ فِي مَعْنَى التَّأْمِيرِ.
وَإِنْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَيْك، فَإِذَا كَبِرَ ابْنِي كَانَ وَصِيِّي.
صَحَّ؛ لِذَلِكَ، فَإِذَا كَبِرَ ابْنُهُ صَارَ وَصِيَّهُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: وَصَّيْت لَك فَانٍ تَابَ ابْنِي عَنْ فِسْقِهِ، أَوْ قَدِمَ مِنْ غَيْبَتِهِ، أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ، أَوْ صَالَحَ أُمَّهُ، أَوْ رَشَدَ، فَهُوَ وَصِيِّي.
صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ، وَيَصِيرُ وَصِيًّا عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الشُّرُوطِ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَصِيَّةِ إلَى الْفَاسِقِ]
(4776) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا، جُعِلَ مَعَهُ أَمِينٌ) ظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَى الْفَاسِقِ، وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَدْلًا فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ إلَى الْخِيَانَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا، وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ: إذَا كَانَ الْوَصِيُّ مُتَّهَمًا، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ أَوْصَى لِرَجُلَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِمَوْضِعٍ لِلْوَصِيَّةِ، فَقَالَ لِلْآخَرِ: أَعْطِنِي.
لَا يُعْطِيهِ شَيْئًا، لَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعٍ لِلْوَصِيَّةِ.
فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ الْمَرِيضُ قَدْ رَضِيَ بِهِ؟ فَقَالَ: وَإِنْ رَضِيَ بِهِ.
فَظَاهِرُ هَذَا إبْطَالُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ.
وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ وَكَلَامَ أَحْمَدَ فِي إبْقَائِهِ فِي الْوَصِيَّةِ، عَلَى أَنَّ خِيَانَتَهُ طَرَأَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ خِيَانَتُهُ مَوْجُودَةً حَالَ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ عَلَى يَتِيمٍ فِي حَيَاتِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وِلَايَةٌ وَأَمَانَةٌ، وَالْفَاسِقُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِمَا.
فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَا وَصِيَّ لَهُ، وَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ الْحَاكِمُ.
وَإِنْ طَرَأَ فِسْقُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، زَالَتْ وِلَايَتُهُ وَأَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أَمِينًا.
هَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: لَا تَزُولُ وِلَايَتُهُ وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ مَعَهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ حِفْظُ الْمَالِ بِالْأَمِينِ، وَتَحْصِيلُ نَظَرِ الْوَصِيِّ بِإِبْقَائِهِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُ الْمَالِ بِالْأَمِينِ، تَعَيَّنَ إزَالَةُ يَدِ الْفَاسِقِ الْخَائِنِ وَقَطْعُ تَصَرُّفِهِ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَالِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ قَوْلِ الْمُوصِي الْفَاسِدِ.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْفِسْقِ الطَّارِئِ وَبَيْنَ الْمُقَارِنِ، فَبَعِيدٌ؛ فَإِنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ، كَاعْتِبَارِهَا
فِي الِابْتِدَاءِ، سِيَّمَا إذَا كَانَتْ لِمَعْنًى يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدَّوَامِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّفْرِيقِ، لَكَانَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فِي الدَّوَامِ أَوْلَى، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْفِسْقَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمُوصِي، مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، وَأَوْصَى إلَيْهِ رَاضِيًا بِتَصَرُّفِهِ مَعَ فِسْقِهِ، فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنْ الشَّفَقَةِ عَلَى الْيَتِيمِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّفْرِيطِ فِيهِ وَخِيَانَتِهِ فِي مَالِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَرَأَ الْفِسْقُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَالِاعْتِبَارُ بِرِضَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى إلَى وَاحِدٍ، جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ وَحْدَهُ، وَلَوْ وَصَّى إلَى اثْنَيْنِ، لَمْ يَجُزْ لِلْوَاحِدِ التَّصَرُّفُ.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّةَ لَلْعَدْلُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ النَّظَرِ لِعِلَّةِ أَوْ ضَعْفٍ]
(4777) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْعَدْلُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ النَّظَرِ، لِعِلَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ، فَإِنْ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ إلَيْهِ، وَيَضُمُّ إلَيْهِ الْحَاكِمُ أَمِينًا، وَلَا يُزِيلُ يَدَهُ عَنْ الْمَالِ، وَلَا نَظَرَهُ؛ لِأَنَّ الضَّعِيفَ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ وَالْأَمَانَةِ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ.
وَهَكَذَا إنْ كَانَ قَوِيًّا، فَحَدَثَ فِيهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ، ضَمَّ الْحَاكِمُ إلَيْهِ يَدًا أُخْرَى، وَيَكُون الْأَوَّلُ هُوَ الْوَصِيُّ دُونَ الثَّانِي، وَهَذَا مُعَاوِنٌ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصِيِّ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ.
وَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا.
[فَصْل تَغَيَّرَتْ حَالُ الْوَصِيِّ بِجُنُونِ أَوْ كُفْرٍ أَوْ سَفَهٍ]
(4778) فَصْلٌ: وَإِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُ الْوَصِيِّ بِجُنُونٍ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ سَفَهٍ، زَالَتْ وِلَايَتُهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوصَ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيُقِيمُ أَمِينًا نَاظِرًا لِلْمَيِّتِ فِي أَمْرِهِ وَأَمَرَ أَوْلَادَهُ مِنْ بَعْدِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخْلِفْ وَصِيًّا.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ، ثُمَّ عَادَ فَكَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ جَامِعًا لِشُرُوطِ الْوَصِيَّةِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ مَوْجُودَةٌ حَالَ الْعَقْدِ وَالْمَوْتِ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ حَالُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ مِنْهَا حَالَةٌ لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ، فَاعْتُبِرَتْ الشُّرُوطُ فِيهَا.
فَأَمَّا إنْ زَالَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَانْعَزَلَ، ثُمَّ عَادَ، فَكَمَّلَ الشُّرُوطَ، لَمْ تَعُدْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهَا زَالَتْ، فَلَا تَعُودُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
[فَصْلٌ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي]
(4779) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهَا إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، كَالتَّوْكِيلِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَهُ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ قَبْلَ الْوَقْتِ.
وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَبُولِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ، فَصَحَّ قَبُولُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَمَتَى قَبِلَ صَارَ وَصِيًّا، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ، مَعَ الْقُدْرَة وَالْعَجْزِ، فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَ مَوْتِهِ، بِمَشْهَدٍ مِنْهُ وَفِي غَيْبَتِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِحَالٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَيَاتِهِ إلَّا بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ب
الْتِزَامِ وَصِيَّتِهِ، وَمَنَعَهُ بِذَلِكَ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي " الْإِرْشَادِ " رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ، فَكَانَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ، كَالْوَكِيلِ.
[فَصْلٌ الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلِ وَيَجْعَلُ لَهُ دَرَاهِم مُسَمَّاةً]
(4780) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَصِيِّ جُعْلًا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ، وَالْوَكَالَةُ تَجُوزُ بِجُعْلٍ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.
وَقَدْ نَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، فِي الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلِ، وَيَجْعَلُ لَهُ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً، فَلَا بَأْسَ.
وَمُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ الْمُوصَى لَهُ جَائِزَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ، وَمُقَاسَمَتُهُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ.
[فَصْلٌ أُوصَى إلَى رَجُلٍ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ يَشَاءُ]
(4781) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ يَشَاءُ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: أَذِنْت لَك أَنْ تُوصِيَ إلَى مَنْ شِئْت، أَوْ كُلُّ مَنْ أَوْصَيْت إلَيْهِ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ، أَوْ فَهُوَ وَصِيٌّ صَحَّ، وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاجْتِهَادِهِ وَاجْتِهَادِ مَنْ يَرَاهُ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وَصَّى إلَيْهِمَا مَعًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِتَوْلِيَةٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوصِيَ، كَالْوَكِيلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ، كَالْوَكِيلِ إذَا أُمِرَ بِالتَّوْكِيلِ، وَالْوَكِيلُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ أَوْصَى إلَيْهِ، وَأَطْلَقَ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْإِيصَاءِ وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى غَيْرِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فَكَانَ لَهُ الْوَصِيَّةُ، كَالْأَبِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ فِي الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِتَوْلِيَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفْوِيضُ، كَالْوَكِيلِ، وَيُخَالِفُ الْأَبَ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِغَيْرِ تَوْلِيَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَا وَصِيَّيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا]
(4782) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَا وَصِيَّيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أُقِيمَ مُقَامَ الْمَيِّتِ أَمِينٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْوَصِيَّةُ إلَى اثْنَيْنِ، فَمَتَى أَوْصَى إلَيْهِمَا مُطْلَقًا، لَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ جُنَّ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ عَزْلَهُ، أَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أَمِينًا؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ