باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَجْمَعُ إذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: رَأَيْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ؛ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَيُصَلِّيَهُمَا مَعَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ،، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَا يُنْكِرُونَهُ.
وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (1255) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ.
قَالَ: الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ؟ قَالَ: لَا، مَا سَمِعْت.
وَهَذَا (اخْتِيَارُ) أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: فِيهِ (قَوْلَانِ،) أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، (وَمَذْهَبُ) الشَّافِعِيِّ، لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ فِي الْمَدِينَةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ» . وَلِأَنَّهُ (مَعْنًى) أَبَاحَ الْجَمْعَ، فَأَبَاحَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، كَالسَّفَرِ.
وَلَنَا، أَنَّ مُسْتَنَدَ الْجَمْعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ (أَبِي سَلَمَةَ) ، وَالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ: مَا سَمِعْتُ.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ وَالْمَضَرَّةِ، وَلَا الْقِيَاسُ عَلَى السَّفَرِ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَاهُنَا.
(1256) فَصْلٌ: وَالْمَطَرُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا (يَبُلُّ) الثِّيَابَ، وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ.
وَأَمَّا الطَّلُّ، وَالْمَطَرُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ، فَلَا يُبِيحُ، وَالثَّلْجُ كَالْمَطَرِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْبَرَدُ.
[فَصْلٌ حُكْم الْوَحْلُ بِمُجَرَّدِهِ فِي جَمَعَ الصَّلَاة]
(1257) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوَحْلُ بِمُجَرَّدِهِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ عُذْرٌ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِذَلِكَ فِي النِّعَالِ وَالثِّيَابِ، كَمَا تَلْحَقُ بِالْمَطَرِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا ثَانِيًا، أَنَّهُ لَا يُبِيحُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ دُونَ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، فَإِنَّ الْمَطَرَ يَبُلُّ النِّعَالَ وَالثِّيَابَ، وَالْوَحْلُ لَا يَبُلُّهَا، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوَحْلَ يُلَوِّثُ الثِّيَابَ وَالنِّعَالَ، وَيَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لِلزَّلَقِ، فَيَتَأَذَّى نَفْسُهُ وَثِيَابُهُ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ الْبَلَلِ، وَقَدْ سَاوَى الْمَطَرَ فِي الْعُذْرِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَدَلَّ عَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَشَقَّةِ الْمَرْعِيَّةِ فِي الْحُكْمِ.
[فَصْلٌ جَمَعَ الصَّلَاة مَعَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَة الْبَارِدَةِ]
(1258) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُبِيحُ الْجَمْعَ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ
فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَر، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، أَوْ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ.
وَالثَّانِي، لَا يُبِيحُهُ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ دُونَ الْمَشَقَّةِ فِي الْمَطَرِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَشَقَّتَهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، وَلَا ضَابِطَ لِذَلِكَ يَجْتَمِعَانِ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِهِ.
[فَصْلٌ هَلْ يَجُوزُ جَمْعُ لِمُنْفَرِدِ]
(1259) فَصْلٌ: هَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِمُنْفَرِدٍ، أَوْ مَنْ كَانَ طَرِيقُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي ظِلَالٍ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَطَرِ إلَيْهِ، أَوْ مَنْ كَانَ مُقَامُهُ فِي الْمَسْجِدِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ إذَا وُجِدَ اسْتَوَى فِيهِ حَالُ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِهَا، كَالسَّفَرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ إذَا وُجِدَتْ أَثْبَتَتْ الْحُكْمَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ، كَالسَّلَمِ، وَإِبَاحَةِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ فِي الْمَطَرِ، وَلَيْسَ بَيْنَ حُجْرَتِهِ وَالْمَسْجِدِ شَيْءٌ.
وَالثَّانِي، الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ، دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ؛ كَالرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، يَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ، دُونَ مِنْ لَا تَلْحَقُهُ، كَمَنْ فِي الْجَامِعِ وَالْقَرِيبِ مِنْهُ.
[فَصْلٌ جَمْعُ الصَّلَاة لِأَجْلِ الْمَرَضِ]
(1260) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَرَضِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ أَخْبَارَ التَّوْقِيتِ ثَابِتَةٌ، فَلَا تُتْرَكُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ.» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ لِمَرَضٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا عِنْدِي رُخْصَةٌ لِلْمَرِيضِ وَالْمُرْضِعِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ،
وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، لَمَّا كَانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَتَعْجِيلِ الْعَصْرِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغُسْلٍ وَاحِدٍ.
فَأَبَاحَ لَهُمَا الْجَمْعَ لِأَجْلِ الِاسْتِحَاضَةِ.
وَأَخْبَارُ الْمَوَاقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بِالصُّوَرِ الَّتِي أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِيهَا، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ الْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِجَمْعِ الصَّلَاة]
(1261) فَصْلٌ: وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا يَلْحَقهُ بِهِ بِتَأْدِيَةِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ.
قَالَ الْأَثْرَمُ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْمَرِيضُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؟ فَقَالَ: إنِّي لِأَرْجُوَ لَهُ ذَلِكَ إذَا ضَعُفَ، وَكَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ، وَلِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الْمَرِيضُ مُخَيَّر فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَالْمُسَافِرِ فِي جَمْعِ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ: وَالْمَرِيضُ مُخَيَّرٌ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَالْمُسَافِرِ.
فَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ فَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُسَافِرِ، فَأَمَّا الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ فَإِنَّمَا يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى، لِأَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ يُفْضِي إلَى لُزُومِ الْمَشَقَّةِ، وَالْخُرُوجِ فِي الظُّلْمَةِ، أَوْ طُولِ الِانْتِظَارِ فِي الْمَسْجِدِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلْمَغْرِبِ، فَإِذَا حَبَسَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، كَانَ أَشَقَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَرُبَّمَا يَزُولُ الْعُذْرُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى، فَيَبْطُلُ الْجَمْعُ وَيَمْتَنِعُ.
وَإِنْ اخْتَارُوا تَأْخِيرَ الْجَمْعِ، جَازَ.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا شَيْئًا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، إذَا اخْتَلَطَ الظَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، كَذَا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ أُمَرَاؤُنَا إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الْمَطِيرَةِ أَبْطَئُوا بِالْمَغْرِبِ، وَعَجَّلُوا الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي مَعَهُمْ، وَلَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَرَأَيْت الْقَاسِمَ وَسَالِمًا يُصَلِّيَانِ مَعَهُمْ، فِي مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَكَأَنَّ سُنَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ عِنْدَك أَنْ يُجْمَعَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَفِي السَّفَرِ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ.
قَالَ: نَعَمْ.
[فَصْلٌ الْجَمْعُ لِغَيْرِ عُذْرٍ]
(1263) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: يَجُوزُ إذَا كَانَتْ حَاجَةٌ أَوْ شَيْءٌ، مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ عَادَةً؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ.» فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
وَلَنَا، عُمُومُ أَخْبَارِ التَّوْقِيتِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَمَلْنَاهُ عَلَى حَالَةِ الْمَرَضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَنْ عَلَيْهِ
مَشَقَّةٌ، كَالْمُرْضِعِ، وَالشَّيْخِ الضَّعِيفِ، وَأَشْبَاهِهِمَا مِمَّنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي تَرْكِ الْجَمْعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عَمْرُو: قُلْت: لَجَابِرٍ أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْجَمْع]
(1264) فَصْلٌ: قَالَ وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْجَمْعِ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ.
وَالتَّفْرِيعُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ.
وَمَوْضِعُ النِّيَّةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجَمْعِ، فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَمَوْضِعُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهَا نِيَّةٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهَا، فَاعْتُبِرَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَنِيَّةِ الْقَصْرِ.
وَالثَّانِي مَوْضِعُهَا مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ الْأُولَى إلَى سَلَامِهَا، أَيَّ ذَلِكَ نَوَى فِيهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْعِ حِينَ الْفَرَاغِ مِنْ آخِرِ الْأُولَى إلَى الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِذَا لَمْ تَتَأَخَّرْ النِّيَّةُ عَنْهُ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَمَوْضِعُ النِّيَّةِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُصَلِّيهَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَخَّرَهَا عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ صَارَتْ قَضَاءً لَا جَمْعًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ النِّيَّةِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُدْرِكُهَا بِهِ، وَهُوَ رَكْعَةٌ، أَوْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَوْلَى، فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَضِيقُ عَنْ فِعْلِهَا حَرَامٌ.
[فَصْل فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاصَلَةُ بَيْنَهُمَا]
(1265) فَصْلٌ: فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاصَلَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا.
فَإِنْ أَطَالَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بَطَلَ الْجَمْعُ.
لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابَعَةُ أَوْ الْمُقَارَنَةُ، وَلَمْ تَكُنْ الْمُتَابَعَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُقَارَنَةُ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا كَثِيرًا، بَطَلَ الْجَمْعُ، سَوَاءٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَمْنَعْ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، لَا حَدَّ لَهُ سِوَى ذَلِكَ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، لِأَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَالْإِحْرَازِ وَالْقَبْضِ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَعَلَهُ إذَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ، لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ، وَإِنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا السُّنَّةَ، بَطَلَ الْجَمْعُ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ فَبَطَلَ الْجَمْعُ، كَمَا لَوْ صَلَّى بَيْنَهُمَا غَيْرَهَا.
وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَضَّأَ.
وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَازَ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى صَلَّى الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا، لَا تَخْرُجُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مُؤَدَّاةً.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُتَابَعَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ حَقِيقَتُهُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بَعْدَ وُقُوعِهَا صَحِيحَةً لَا تَبْطُلُ بِشَيْءٍ يُوجَدُ بَعْدَهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا تَقَعُ إلَّا فِي وَقْتِهَا.
[فَصْلٌ مَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ]
(1266) فَصْلٌ: وَمَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ حَالَ افْتِتَاحِ الْأُولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ، فَمَتَى زَالَ الْعُذْرُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ.
وَإِنْ زَالَ الْمَطَرُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، أَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، جَازَ الْجَمْعُ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ انْقِطَاعُهُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ وُجِدَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى، وَفِي وَقْتِ الْجَمْعِ، وَهُوَ آخِرُ الْأُولَى وَأَوَّلُ الثَّانِيَةِ، فَلَمْ يَضُرَّ عَدَمُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُسَافِرُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْأُولَى، انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ، وَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ.
وَلَوْ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّرَخُّصُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ، أَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ بَلَدَهُ فِي أَثْنَائِهَا، احْتَمَلَ أَنْ يُتِمَّهَا، وَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى انْقِطَاعِ الْمَطَرِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَلِبَ نَفْلًا، وَيَبْطُلَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ، وَلِأَنَّهُ زَالَ شَرْطُهَا فِي أَثْنَائِهَا، أَشْبَهَ بِسَائِرِ شُرُوطِهَا.
وَيُفَارِقُ انْقِطَاعَ الْمَطَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْقِطَاعُهُ؛ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْلُفَهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ، وَهُوَ الْوَحْلُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَرِيضِ يَبْرَأُ وَيَزُولُ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ.
فَأَمَّا إنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اُعْتُبِرَ بَقَاءُ الْعُذْرِ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِنْ زَالَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ، لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ؛ لِزَوَالِ سَبَبِهِ.
وَإِنْ اسْتَمَرَّ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، جَمَعَ، وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِمَا.
[فَصْلٌ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ]
(1267) فَصْلٌ: وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِيَةً عَنْ مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا، فَلَمْ تَشْتَغِلْ الذِّمَّةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ حَالَ الْعُذْرِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ.
[فَصْلٌ إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا]
(1268) فَصْلٌ: وَإِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، وَيُوتِرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ سُنَّتَهَا تَابِعَةٌ لَهَا، فَيَتْبَعُهَا فِي فِعْلِهَا وَوَقْتِهَا، وَالْوِتْرُ وَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَدَخَلَ وَقْتُهُ.
[فَصْل صَلَّى إحْدَى صَلَاتِي الْجَمْعِ مَعَ إمَامٍ وَصَلَّى الثَّانِيَةَ مَعَ إمَامٍ آخَرَ]
(1269) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ مَعَ إمَامٍ، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ مَعَ إمَامٍ آخَرَ، وَصَلَّى مَعَهُ مَأْمُومٌ فِي إحْدَى
الصَّلَاتَيْنِ، وَصَلَّى مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَأْمُومٌ ثَانٍ، صَحَّ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَحَدُ مَنْ يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ، فَلَمْ يَجُزْ اخْتِلَافُهُ، وَإِذَا اُشْتُرِطَ دَوَامُهُ كَالْعُذْرِ اُشْتُرِطَ دَوَامُهُ فِي الصَّلَاتَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا، وَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ بِنِيَّتِهَا، فَلَمْ يُشْتَرَطْ اتِّحَادُ الْإِمَامِ وَلَا الْمَأْمُومِ، كَغَيْرِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ أَحَدُ مَنْ يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ.
لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ الْجَمْعُ مُنْفَرِدًا وَفِي الْمَطَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْجَمْعَ فِي الْمَطَرِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْجَمَاعَةِ.
فَاَلَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ الْجَمَاعَةُ، لَا عَيْنُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَلَمْ تَخْتَلَّ الْجَمَاعَةُ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَوْ ائْتَمَّ الْمَأْمُومُ بِإِمَامٍ لَا يَنْوِي الْجَمْعَ، فَنَوَاهُ الْمَأْمُومُ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّى الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ، جَازَ.
لِأَنَّنَا أَبَحْنَا لَهُ مُفَارَقَةَ إمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِعُذْرِ، فَفِي الصَّلَاتَيْنِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ نِيَّتَهُمَا لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا نَوَى أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فِي غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى إتْمَامَ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِمُقِيمِينَ، فَنَوَى الْجَمْعَ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْأُولَى قَامَ فَصَلَّى الثَّانِيَةَ، جَازَ عَلَى هَذَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى أَحَدَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ يُصَلُّونَ الثَّانِيَةَ، فَأَمَّهُمْ فِيهَا، أَوْ صَلَّى مَعَهُمْ مَأْمُومًا، جَازَ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ نَسِيَ صَلَاةَ حَضَرٍ فَذَكَرِهَا فِي السَّفَرِ]
(1270) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَسِيَ صَلَاةَ حَضَرٍ، فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ، أَوْ صَلَاةَ سَفَرٍ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، صَلَّى فِي الْحَالَتَيْنِ صَلَاةَ حَضَرٍ) . نَصَّ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالْأَثْرَمِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَمَّا الْمُقِيمُ إذَا ذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ، فَذَاكَ بِالْإِجْمَاعِ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَإِذَا نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، صَلَّى أَرْبَعًا بِالِاحْتِيَاطِ، فَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ السَّاعَةَ، فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ: " فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ". أَمَّا إذَا نَسِيَ صَلَاةَ الْحَضَرِ، فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ، فَعَلَيْهِ الْإِتْمَامُ إجْمَاعًا، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا أَرْبَعًا، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ النُّقْصَانُ مِنْ عَدَدِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَقَدْ فَاتَهُ أَرْبَعٌ.
وَأَمَّا إنْ نَسِيَ صَلَاةَ السَّفَرِ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُصَلِّيهَا صَلَاةَ سَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يَفُتْهُ إلَّا رَكْعَتَانِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَيَبْطُلُ بِزَوَالِهِ، كَالْمَسْحِ ثَلَاثًا.
وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ". وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ، غَلَبَ فِيهَا حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ الْبَلَدَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَكَالْمَسْحِ.
وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ، وَبِالْمُتَيَمِّمِ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، فَقَضَاهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ.
[فَصْلٌ نَسِيَ صَلَاةً فِي سَفَرٍ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِيهِ]
(1271) فَصْلٌ: وَإِنْ نَسِيَهَا فِي سَفَرٍ، فَذَكَرَهَا فِيهِ، قَضَاهَا مَقْصُورَةً، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي السَّفَرِ، وَفُعِلَتْ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا.
وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَسَوَاءٌ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ لَزِمَتْهُ تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا تَامَّةً بِذِكْرِهِ إيَّاهَا.
فَبَقِيَتْ فِي ذِمَّتِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا فِي السَّفَرِ، فَكَانَتْ صَلَاةَ سَفَرٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْحَضَرِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَصْرِ كَوْنَ الصَّلَاةِ مُؤَدَّاةً؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَقْصُورَةٌ، فَاشْتُرِطَ لَهَا الْوَقْتُ، كَالْجُمُعَةِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ هَذَا اشْتِرَاطٌ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، وَيُشْتَرَطُ لَهَا الْخُطْبَتَانِ وَالْعَدَدُ وَالِاسْتِيطَانُ، فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْوَقْتِ لَهَا، بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ.
[فَصْلٌ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ]
(1272) فَصْلٌ: وَإِذَا سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، قَصْرُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا.
أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ وُجُوبِهَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ قَصْرُهَا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ، فَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا، كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَوْ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا، وَفَارَقَ مَا قَبْلَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ دَخَلَ الصَّلَاةَ مَعَ مُقِيمٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ]
(1273) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ مَعَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، ائْتَمَّ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ مَتَى ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ جَمِيعَ الصَّلَاةِ أَوْ رَكْعَةً، أَوْ أَقَلَّ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُسَافِرِ، يَدْخُلُ فِي تَشَهُّدِ الْمُقِيمِينَ؟ قَالَ: يُصَلِّي أَرْبَعًا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا رَكْعَتَيْنِ، فَلَمْ تَزِدْ بِالِائْتِمَامِ، كَالْفَجْرِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَتَمِيمُ بْنُ حَذْلَمَ، فِي الْمُسَافِرِ يُدْرِكُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ: يُجْزِيَانِ
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً أَتَمَّ، وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَهَا قَصَرَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . وَلِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لَا يَلْزَمُهُ فَرْضُهَا.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، وَأَرْبَعًا إذَا ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ السُّنَّةُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَقَوْلُهُ: السُّنَّةُ.
يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّهُ فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا.
قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى رَكْعَتَيْنِ، فَلَا يُصَلِّيهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ كَالْجُمُعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا؛ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الرُّبَاعِيَّةَ، وَإِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ يُخَالِفُ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ رَجَعَ إلَى رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» . وَمُفَارَقَةُ إمَامِهِ اخْتِلَافٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ إمْكَانِ مُتَابَعَتِهِ.
وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُسَافِرٍ فَأَحْدَثَ، وَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا آخَرَ، فَلَهُمْ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمُّوا بِمُقِيمٍ.
وَإِنْ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ، وَلِلْإِمَامِ الَّذِي أَحْدَثَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ.
وَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُقِيمٍ، فَأَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا، لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ.
[فَصْلٌ أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ]
(1274) فَصْلٌ: وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ، أَوْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُقِيمٌ، أَوْ مَنْ يَشُكُّ هَلْ هُوَ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ؟ لَزِمَ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ تَامَّةً، فَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ قَصْرِهَا مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُوبِ إتْمَامِهَا، وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرٌ؛ لِرُؤْيَةِ حِلْيَةِ الْمُسَافِرِينَ عَلَيْهِ وَآثَارِ السَّفَرِ، فَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ، فَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ قَصَرَ مَعَهُ، وَإِنْ أَتَمَّ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، سَوَاءٌ قَصَرَ إمَامُهُ، أَوْ أَتَمَّ، اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ.
وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَحْدَثَ إمَامُهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ إمَامَهُ مُسَافِرٌ؛ لِوُجُودِ دَلِيلِهِ، وَقَدْ أُبِيحَتْ لَهُ نِيَّةُ الْقَصْرِ، بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا.
[فَصْلٌ صَلَّى الْمُسَافِرُ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِمُسَافِرِينَ]
(1275) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِمُسَافِرِينَ، فَفَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَ الطَّائِفَتَيْنِ الْإِتْمَامُ، لِوُجُودِ الِائْتِمَامِ بِمُقِيمٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى، أَتَمَّتْ الثَّانِيَةُ
وَحْدَهَا، لِاخْتِصَاصِهَا بِالِائْتِمَامِ بِالْمُقِيمِ.
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقِيمًا، فَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَعَلَى الْجَمِيعِ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِاقْتِدَائِهِ بِالْمُقِيمِ، فَصَارَ كَالْمُقِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ اسْتِخْلَافُهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى، فَعَلَيْهَا الْإِتْمَامُ؛ لِائْتِمَامِهَا بِمُقِيمٍ، وَيَقْصُرُ الْإِمَامُ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ.
وَإِنْ اسْتَخْلَفَ بَعْدَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ مَعَهُ، فَعَلَى الْجَمِيعِ الْإِتْمَامُ، وَلِلْمُسْتَخْلَفِ الْقَصْرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ
[مَسْأَلَةٌ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ خَلْفَ مُسَافِرٍ]
(1276) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا صَلَّى مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ خَلْفَ مُسَافِرٍ، أَتَمَّ الْمُقِيمُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا ائْتَمَّ بِالْمُسَافِرِ، وَسَلَّمَ الْمُسَافِرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، أَنَّ عَلَى الْمُقِيمِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «شَهِدْتُ الْفَتْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ: صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِنَّا سَفَرٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ رَكَعَاتِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُسَافِرٍ.
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا صَلَّى بِمُقِيمِينَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ]
(1277) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا صَلَّى بِمُقِيمِينَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ: أَتِمُّوا، فَإِنَّا سَفَرٌ.
لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِئَلَّا يَشْتَبِهَ عَلَى الْجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، فَيَظُنُّ أَنَّ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَانِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ إنَّمَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الْأَعْرَابَ حَجُّوا، فَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ.
[فَصْلٌ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمِينَ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ]
(1278) فَصْلٌ: وَإِذَا أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمِينَ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ صَحِيحَةٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ، وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمُسَافِرِينَ مَعَهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ نَفْلٌ مِنْ الْإِمَامِ، فَلَا يَؤُمُّ بِهَا مُفْتَرِضِينَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّتِهِ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ وَاجِبًا، وَلَوْ كَانَتْ نَفْلًا فَائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ جَائِزٌ، عَلَى مَا مَضَى.
[فَصْلٌ أَمَّ الْمُسَافِرُ مُسَافِرِينَ فَنَسِيَ فَصَلَّاهَا تَامَّةً]
(1279) فَصْلٌ: وَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ مُسَافِرِينَ، فَنَسِيَ فَصَلَّاهَا تَامَّةً، صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ، وَلَا يَلْزَمُ لِذَلِكَ سُجُودُ سَهْوٍ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا، فَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهَا، كَزِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ، مِثْلِ الْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَهَلْ يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهَا؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الزِّيَادَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
وَاخْتَارَ
ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى سُجُودٍ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَصْلِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى جُبْرَانٍ.
وَوَجْهُ مَشْرُوعِيَّتِهِ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ نَقَصَتْ الْفَضِيلَةَ، وَأَخَلَّتْ بِالْكَمَالِ، فَأَشْبَهَتْ الْقِرَاءَةَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَقِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ.
وَإِذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الثَّالِثَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ، وَلَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْإِتْمَامِ نِيَّتُهُ، أَوْ الِائْتِمَامُ بِمُقِيمٍ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَإِنْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ قِيَامَهُ لِسَهْوٍ، وَسَبَّحُوا بِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ مُتَابَعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ فَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَلَهُمْ مُفَارَقَتُهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، كَمَا لَوْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ فِي الْفَجْرِ، وَإِنْ تَابَعُوهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْإِمَامِ، فَلَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ بِمُتَابَعَتِهِ فِيهَا، كَزِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ فَارَقُوا الْإِمَامَ، وَأَتَمُّوا، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا رَكْعَتَيْنِ عَمْدًا.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا هَلْ قَامَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، لَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُفَارَقَتُهُ، لِأَنَّ حُكْمَ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ ثَابِتٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
[مَسْأَلَةٌ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً]
(1280) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً، أَتَمَّ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي تُلْزِمُ الْمُسَافِرَ الْإِتْمَامَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا، هِيَ مَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْمَرُّوذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ، وَإِنْ نَوَى دُونَهَا قَصَرَ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ حَدُّ الْقِلَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ مَنْسَكِهِ ثَلَاثًا» . وَلَمَّا أَخْلَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَهْلَ الذِّمَّةِ، ضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا ثَلَاثًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ فِي حُكْمِ السَّفَرِ، وَمَا زَادَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ.
وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَعَ الْيَوْمِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ أَتَمَّ، وَإِنْ نَوَى دُونَ ذَلِكَ قَصَرَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا قَدِمْتَ وَفِي نَفْسِكَ أَنْ تُقِيمَ بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَكْمِلْ الصَّلَاةَ.
وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ.
وَرَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ، قَالَ: إذَا أَقَمْتَ أَرْبَعًا فَصَلِّ أَرْبَعًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: يُتِمُّ الصَّلَاةَ الَّذِي يُقِيمُ عَشْرًا، وَيَقْصُرُ الصَّلَاةَ الَّذِي يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا، شَهْرًا.
وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِهِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا قَدِمْتَ بَلْدَةً، فَلَمْ تَدْرِ مَتَى تَخْرُجُ، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قُلْتَ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا.
فَأَقَمْتَ عَشْرًا، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ إذَا أَقَمْنَا تِسْعَ عَشْرَةَ نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ أَتْمَمْنَا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَقَالَ الْحَسَنُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلَى أَنْ تَقْدَمَ مِصْرًا، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَصُمْ.
وَقَالَتْ
عَائِشَةُ: إذَا وَضَعْتَ الزَّادَ وَالْمَزَادَ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ.
وَكَانَ طَاوُسٌ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى أَرْبَعًا.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَوْمَ الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ، وَصَلَّى الْفَجْرَ بِالْأَبْطَحِ يَوْمَ الثَّامِنِ» فَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إقَامَتِهَا.
قَالَ: فَإِذَا أَجْمَعَ أَنْ يُقِيمَ كَمَا أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ، وَإِذَا أَجْمَعَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أَنَسٌ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْإِقَامَةِ لِلْمُسَافِرِ.
فَقَالَ: هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ.
وَقَوْلُهُ: أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصُبْحِ رَابِعَةٍ وَخَامِسَةٍ وَسَادِسَةٍ وَسَابِعَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَثَامِنَةِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَتَاسِعَةٍ وَعَاشِرَةٍ.
فَإِنَّمَا وَجْهُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ حَسَبُ مُقَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَمِنًى، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي غَيْرُ هَذَا.
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ بِهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ تَمَامُ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً يَقْصُرُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَامَ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً يَقْصُرُ، وَهِيَ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي خِلَافِ قَوْلِ مَنْ حَدَّهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
وَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ عَنْهُمْ، وَذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ خِلَافَ مَا حَكَوْهُ عَنْهُ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، وَلَمْ أَجِدْ مَا حَكَوْهُ عَنْهُ فِيهِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ زَمَنَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ حُنَيْنًا، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ إجْمَاعُ الْمُقَامِ.
وَهَذِهِ هِيَ إقَامَتُهُ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَصَدَ بَلَدًا بِعَيْنِهِ فَوَصَلَهُ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهِ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ]
(1281) فَصْلٌ: وَمَنْ قَصَدَ بَلَدًا بِعَيْنِهِ، فَوَصَلَهُ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهِ مُدَّةً يَنْقَطِعُ فِيهَا حُكْمُ سَفَرِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِيهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إقَامَةٍ تَزِيدُ عَلَى إقَامَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا، وَهُوَ أَنْ يَقْدَمَ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ: فَلَهُ الْقَصْرُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي أَسْفَارِهِ يَقْصُرُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَحِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا مَا أَقَامَ كَانَ يَقْصُرُ فِيهَا، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُرِيدَ بَلَدًا آخَرَ، كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[فَصْلٌ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى بَلَدٍ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ]
(1282) فَصْلٌ: وَإِنْ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى بَلَدٍ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ.
فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَوْضِعٍ: يُتِمُّ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: يُتِمُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إذَا مَرَّ بِمَزْرَعَةٍ لَهُ أَتَمَّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ فِيهَا أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ أَتَمَّ، إذَا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَقْصُرُ، مَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إقَامَةِ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى أَرْبَعٍ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ لَكَ أَوْ مَالٍ، فَصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ.
وَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ بِبَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْبَلَدَ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ.
[فَصْلٌ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ]
(1283) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَهَذَا يُصَلِّي بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ، فَهُوَ فِي سَفَرٍ مِنْ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَادَ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَرَّ بِبَغْدَادَ ذَاهِبًا إلَى الْكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِبَغْدَادَ مُجْتَازًا، لَا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِعَرَفَةَ، وَلِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُونَ.
وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ مَكِّيٍّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَأَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ يَقْصُرُ بِتَأْوِيلٍ، فَصَحَّتْ صَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ.
[فَصْلٌ خَرَجَ الْمُسَافِرُ فَذَكَرَ حَاجَةً فَرَجَعَ إلَيْهَا هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ]
(1284) فَصْلٌ: وَإِذَا خَرَجَ الْمُسَافِرُ، فَذَكَرَ حَاجَةً، فَرَجَعَ إلَيْهَا، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي رُجُوعِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يُقِيمَ إذَا رَجَعَ مُدَّةً تَقْطَعُ الْقَصْرَ، أَوْ يَكُونَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
هَكَذَا حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَوْلُهُ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَتَمَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا.
يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَصَدَ أَخْذَ حَاجَتِهِ، وَالرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ
إقَامَةٍ، أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى لَهُ الْقَصْرَ، مَا لَمْ يَنْوِ فِي رُجُوعِهِ الْإِقَامَةَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعًا، قَالَ: وَلَوْ كَانَ أَتَمَّ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُتِمُّ حَتَّى يَخْرُجَ فَاصِلًا لِلثَّانِيَةِ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِخُرُوجِهِ، وَلَمْ تُوجَدْ إقَامَةٌ تَقْطَعُ حُكْمَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَى قَرْيَةً غَيْرَ مَخْرَجِهِ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ وَغَدًا أَخْرُجُ قَصَرَ وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا]
(1285) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ، وَغَدًا أَخْرُجُ.
قَصَرَ، وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَلَهُ الْقَصْرُ، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ، مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ يَرْجُو نَجَاحَهَا، أَوْ لِجِهَادِ عَدُوٍّ، أَوْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ أَوْ مَرَضٌ، وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ الْحَاجَةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ أَنْ يَحْتَمِلَ انْقِضَاؤُهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ جَابِرٌ: «أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ ". وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِعَمَّانَ أَوْ سَلْمَانَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي أَرْبَعًا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ.
فَقَالَ: نَحْنُ أَعْلَمُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِبَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُهَا سَعْدٌ، وَنُتِمُّهَا.
وَقَالَ نَافِعٌ: أَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ.
وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَقَامَ بِالشَّامِ سَنَتَيْنِ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: أَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَامَهُرْمُزَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ.
وَعَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَهُ سَنَتَيْنِ بِكَابُلَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُجْمِعُ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَبِسِجِسْتَانَ السَّنَتَيْنِ، يُجْمِعُونَ وَلَا يَصُومُونَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: وَيَقْصُرُ إذَا قَالَ: الْيَوْمَ أَخْرُجُ، غَدًا أَخْرُجُ - شَهْرًا.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ نِهَايَةَ الْقَصْرِ إلَى شَهْرٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِلْقَصْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ يَتَنَقَّلُ فِيهِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ]
(1286) فَصْلٌ: وَإِنْ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ، يَتَنَقَّلُ فِيهِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ، لَا يُجْمِعُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا
مُدَّةً تُبْطِلُ حُكْمَ السَّفَرِ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَشْرًا بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ وَمِنًى، فَكَانَ يَقْصُرُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، قُلْتُ: إنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ، آتِي الْأَهْوَازَ، فَأَنْتَقِلُ فِي قُرَاهَا مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ، فَأُقِيمُ الشَّهْرَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: تَنْوِي الْإِقَامَةَ؟ . قُلْتُ: لَا.
قَالَ: لَا أَرَاك إلَّا مُسَافِرًا، صَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُتَنَقِّلَ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَنْزِلٍ إلَى مَنْزِلٍ.
[فَصْلٌ دَخَلَ بَلَدًا فَقَالَ إنْ لَقِيتُ فُلَانًا أَقَمْتُ وَإِنْ لَمْ أَلْقَهُ لَمْ أُقِمْ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ]
(1287) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ بَلَدًا، فَقَالَ: إنْ لَقِيتُ فُلَانًا أَقَمْتُ، وَإِنْ لَمْ أَلْقِهِ لَمْ أُقِمْ.
لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالْإِقَامَةِ، وَلِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِحُكْمِ السَّفَرِ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَرَامٍ.
[فَصْلٌ لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ نَازِلًا وَسَائِرًا عَلَى الرَّاحِلَةِ]
(1288) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ نَازِلًا وَسَائِرًا عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ.» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ.
وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوَتْرَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ وَلَمَّا نَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَهَا.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعَاتِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالتَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ بَأْسٌ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُونَ، فَيَتَطَوَّعُونَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ وَبَعْدَهَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَثِيرٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَتَطَوَّعُ مَعَ الْفَرِيضَةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، إلَّا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدِ
بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.
وَذَكَرَ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْحَضَرِ، فَكُنَّا نُصَلِّي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَكُنَّا نُصَلِّي فِي السَّفَرِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَحَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِفِعْلِهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
ِ الْأَصْلُ فِي فَرْضِ الْجُمُعَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] . فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ، وَيَقْتَضِي الْأَمْرُ الْوُجُوبَ، وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ إلَّا إلَى الْوَاجِبِ.
وَنَهَى عَنْ الْبَيْعِ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِهِ عَنْهَا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ مِنْ أَجْلِهَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هَاهُنَا الذَّهَابُ إلَيْهَا، لَا الْإِسْرَاعُ، فَإِنَّ السَّعْيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يُرَدْ بِهِ الْعَدْوُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: 8] . وَقَالَ: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: 19] وَقَالَ: ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 205] . وَقَالَ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] . وَأَشْبَاهُ هَذَا لَمْ يُرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَدْوِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَمَاتِي، وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، أَلَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ، أَلَا وَلَا حَجَّ لَهُ، أَلَا وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ، حَتَّى يَتُوبَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ]
(1289) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) الْمُسْتَحَبُّ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
قَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ.» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّ
فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقْتٌ لِلْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَهُ.
وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِ إقَامَتِهَا عَقِيبَ الزَّوَالِ بَيْنَ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، فَلَوْ انْتَظَرُوا الْإِبْرَادَ شَقَّ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهَا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرٍ لِيُسْمِعَ النَّاسَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ سَمَّاهَا سَهْلٌ - أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ: «مَا أَخَذْتُ ق إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ» .
وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا، فَلَوْ خَطَبَ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ عَلَى رَبْوَةٍ، أَوْ وِسَادَةٍ، أَوْ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، جَازَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصْنَعَ الْمِنْبَرُ يَقُومُ عَلَى الْأَرْضِ اهـ. (1290) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا صَنَعَ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا اسْتَقْبَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَرَدُّوا عَلَيْهِ وَجَلَسَ]
(1291) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا اسْتَقْبَلَ النَّاسَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ، وَجَلَسَ) يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَاسْتَقْبَلَ الْحَاضِرِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَجَلَسَ إلَى أَنْ يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ مِنْ أَذَانِهِمْ.
كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا عَلَا عَلَى الْمِنْبَرِ سَلَّمَ، وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَقِيبَ الِاسْتِقْبَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ حَالَ خُرُوجِهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ جَالِسًا، فَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ تَوَجَّهَ النَّاسَ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ.
عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْعَلَانِهِ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَمَتَى سَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ النَّاسُ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ آكَدُ مِنْ ابْتِدَائِهِ.
ثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ لِيَسْتَرِيحَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
[مَسْأَلَةٌ إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
(1292) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ، وَهَذَا الْأَذَانُ الَّذِي يَمْنَعُ الْبَيْعَ، وَيُلْزِمُ السَّعْيَ، إلَّا لِمَنْ مَنْزِلُهُ فِي بُعْدٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ) أَمَّا مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ عَقِيبَ صُعُودِ الْإِمَامِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، فَقَدْ كَانَ يُؤَذَّنُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: «كَانَ النِّدَاءُ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ كَثُرَ النَّاسُ، فَزَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " هَذَا الْأَذَانُ الَّذِي يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَيُلْزِمُ السَّعْيَ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالسَّعْيِ، وَنَهَى عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ» وَالنِّدَاءُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ النِّدَاءُ عَقِيبَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْبَيْعَ يَحْرُمُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَهُ عَلَى النِّدَاءِ، لَا عَلَى الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرْنَا دُونَ مَا ذَكَرَهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ لَمَا اخْتَصَّ بِالزَّوَالِ، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ أَيْضًا.
فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ بِالسَّعْيِ وَقْتَ النِّدَاءِ، فَعَلَيْهِ السَّعْيُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ، وَالسَّعْيُ قَبْلَ النِّدَاءِ مِنْ ضَرُورَةِ إدْرَاكِهَا، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ، كَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ لِلْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ، وَنَحْوِهِمَا.
[فَصْلٌ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ وَوُجُوبُ السَّعْيِ يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ]
(1293) فَصْلٌ: وَتَحْرِيمُ الْبَيْعِ، وَوُجُوبُ السَّعْيِ، يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ، فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ رِوَايَتَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ مَنْ أَمَرَهُ بِالسَّعْيِ، فَغَيْرُ الْمُخَاطَبِ بِالسَّعْيِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُعَلَّلٌ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ.
فَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ، أَوْ كَانَ إنْسَانًا مُقِيمًا بِقَرْيَةٍ لَا جُمُعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، لَمْ يَحْرُمْ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُكْرَهْ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ مُخَاطَبًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُخَاطَبٍ، حَرُمَ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ، وَكُرِهَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْرُمَ أَيْضًا: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]
[فَصْلٌ لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ]
(1294) فَصْلٌ: وَلَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ، كَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ.
وَقِيلَ: يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْبَيْعِ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي الشَّغْلِ عَنْ السَّعْيِ؛ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ لِلسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَقْتَانِ]
(1295) فَصْلٌ: وَلِلسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَقْتَانِ: وَقْتُ وُجُوبٍ، وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ.
فَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَمِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَكُلَّمَا كَانَ أَبْكَرَ كَانَ أَوْلَى وَأَفْضَلَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ ".
وَالرَّوَاحُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْغُدُوُّ قَبْلَهُ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَيُقَالُ: تَرَوَّحْتُ عِنْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ.
قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
تَرُوحُ مِنْ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: «إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَلْقَمَةُ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَوَجَدْتُ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ، فَقَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ، وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ، إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ، صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ: «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ.»
قَوْلُهُ " بَكَّرَ " أَيْ خَرَجَ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ، وَهِيَ أَوَّلُهُ " وَابْتَكَرَ " بَالَغَ فِي التَّبْكِيرِ، أَيْ جَاءَ فِي أَوَّلِ الْبُكْرَةِ، عَلَى مَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
تَرُوحُ مِنْ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ابْتَكَرَ الْعِبَادَةَ مَعَ بُكُورَةٍ.
وَقِيلَ: ابْتَكَرَ الْخُطْبَةَ.
أَيْ: حَضَرَ الْخُطْبَةَ، مَأْخُوذٌ مِنْ بَاكُورَةِ الثَّمَرَةِ، وَهِيَ أَوَّلُهَا.
وَغَيْرُ هَذَا أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ جَاءَ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ، لَزِمَ أَنْ يَحْضُرَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ
وَقَوْلُهُ: " غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ " أَيْ: جَامَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اغْتَسَلَ.
وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ» . قَالَ أَحْمَدُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: " مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ " مُشَدَّدَةً، يُرِيدُ يُغَسِّلُ أَهْلَهُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَهِلَالُ بْنُ يَسَافٍ، يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَطَأَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِنَفْسِهِ، وَأَغَضَّ لِطَرْفِهِ فِي طَرِيقِهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وَكِيعٍ أَيْضًا.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ غَسَّلَ رَأْسَهُ، وَاغْتَسَلَ فِي بَدَنِهِ.
حُكِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
وَقَوْلُهُ: " غُسْلَ الْجَنَابَةِ " عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَيْ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَمُخَالِفٌ لِلْآثَارِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا عِنْدَ الزَّوَالِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَكِّرُ بِهَا، وَمَتَى خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ، فَلَمْ يُكْتَبْ مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَيُّ فَضِيلَةٍ لِهَذَا؟ وَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا دَخَلَ فِي النَّهْيِ وَالذَّمِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى النَّاسَ: «رَأَيْتُكَ آنَيْتَ وَآذَيْتَ» . أَيْ أَخَّرْتَ الْمَجِيءَ.
وَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ حِينَ جَاءَ وَهُوَ يَخْطُبُ: أَيُّ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ بَدَنَةٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ فَضْلٌ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذَّمِّ.
وَقَوْلُهُ: " رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ " أَيْ: ذَهَبَ إلَيْهَا.
لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ هَذَا.
[فَصْلٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ وَلَا يَرْكَبَ فِي طَرِيقِهِ إلَى الْجُمُعَةِ]
(1296) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ وَلَا يَرْكَبَ فِي طَرِيقِهَا؛ لِقَوْلِهِ: " وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ". وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ.» وَالْجُمُعَةُ فِي مَعْنَاهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بَابُ حُجْرَتِهِ شَارِعًا فِي الْمَسْجِدِ، يَخْرُجُ مِنْهُ إلَيْهِ، فَلَا يَحْتَمِلُ الرُّكُوبَ، وَلِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَى الْخُطُوَاتِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَاهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي حَالِ مَشْيِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا» .
وَلِأَنَّ الْمَاشِيَ إلَى الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ، وَلَا يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ، لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ.
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ
«النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَارَبَ بَيْنَ خُطَاهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا فَعَلْتُ لِتَكْثُرَ خُطَانَا فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ» . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُبَكِّرُ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيَخْلَعُ نَعْلَيْهِ، وَيَمْشِي حَافِيًا، وَيَقْصُرُ فِي مَشْيِهِ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَيُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي طَرِيقِهِ، وَيَغُضُّ بَصَرَهُ، وَيَقُولُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ.
وَيَقُولُ أَيْضًا: " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ ". وَرَوَيْنَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَنَّهُ مَشَى إلَى الْجُمُعَةِ حَافِيًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ.»
[فَصْلٌ تَجِبُ الْجُمُعَةُ وَالسَّعْيُ إلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُقِيمُهَا سُنِّيًّا أَوْ مُبْتَدِعًا]
(1297) فَصْلٌ: وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ وَالسَّعْيُ إلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُقِيمُهَا سُنِّيًّا، أَوْ مُبْتَدِعًا، أَوْ عَدْلًا، أَوْ فَاسِقًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي شُهُودُهَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَلِّي مِنْهُمْ، أَعَادَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَلَا يُعِيدُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ يُقَالُ: إنَّهُ قَدْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ قَالَ: حَتَّى يَسْتَيْقِنَ.
وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] وَقَوْلُ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا بِهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ» . وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَشْهَدُونَهَا مَعَ الْحَجَّاجِ وَنُظَرَائِهِ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ التَّخَلُّفُ عَنْهَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ: تَذَاكَرْنَا الْجُمُعَةَ أَيَّامَ الْمُخْتَارِ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَذِبُهُ.
وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، وَيَتَوَلَّاهَا الْأَئِمَّةُ وَمَنْ وَلَّوْهُ، فَتَرْكُهَا خَلْفَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِهَا.
وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ، فَقَالَ: إنَّ لِي جِيرَانًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَكُنْتُ أَعِيبُهُمْ وَأَنْقُصُهُمْ، فَجَاءُونِي فَقَالُوا: مَا تَخْرُجُ تُذَكِّرُنَا؟ قَالَ: وَأَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ؟ قَالَ: أَوَّلُ مَا أَقُولُ لَكَ، أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْجُمُعَةَ.
قَالَ: حَسْبُكَ، مَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ؟ قَالَ: قُلْتُ رَجُلُ
سُوءٍ.
قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: قُلْتُ كَافِرٌ.
ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى؟ ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: رَدُّوا عَلَيْهِ وَاَللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] قَالَهَا وَاَللَّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ يَسْأَلُونَهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا لَا تُعَادُ خَلْفَ مَنْ يُعَادُ خَلْفَهُ بَقِيَّةُ الصَّلَوَاتِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا لَا تُعَادُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُعِيدُونَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا فَرَغُوا مِنْ الْأَذَانِ خَطَبَهُمْ قَائِمًا]
(1298) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الْأَذَانِ خَطَبَهُمْ قَائِمًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ، لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا الْحَسَنَ، قَالَ: تُجْزِئُهُمْ جَمِيعَهُمْ، خَطَبَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَخْطُبْ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لَهَا الْخُطْبَةُ، كَصَلَاةِ الْأَضْحَى.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وَالذِّكْرُ هُوَ الْخُطْبَةُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تَرَكَ الْخُطْبَةَ لِلْجُمُعَةِ فِي حَالٍ؛ وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَصُرَتْ الصَّلَاةُ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ.
وَقَوْلُ عَائِشَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ الْجُمُعَةُ أَرْبَعًا فَجُعِلَتْ الْخُطْبَةُ مَكَانَ الرَّكْعَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: " خَطَبَهُمْ قَائِمًا ". يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ اشْتِرَاطَ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ مَتَى خَطَبَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ تَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْخُطْبَةِ قَاعِدًا، أَوْ يَقْعُدُ فِي إحْدَى الْخُطْبَتَيْنِ؟ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11] وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا.
فَقَالَ لَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْلِسُ فِي خُطْبَتِهِ فَظَهَرَ مِنْهُ إنْكَارٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ الْخُطْبَةُ قَاعِدًا.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاَللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
فَأَمَّا إنْ قَعَدَ لِعُذْرٍ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ الْقِيَامِ، فَلَا بَأْسَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ عِنْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ أَذَانِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْخَطِيبَ إذَا خَطَبَ]
(1299) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْخَطِيبَ إذَا خَطَبَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَكُونُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِي مُتَبَاعِدًا، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَرِفَ إلَيْهِ حَوَّلْتُ وَجْهِي عَنْ الْقِبْلَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَنْحَرِفُ إلَيْهِ وَمِمَّنْ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْإِمَامَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ.
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَعَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ جَابِرٍ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَلَمْ يَنْحَرِفْ إلَى الْإِمَامِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَقْبِلُ هِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ إذَا خَطَبَ، فَوَكَلَ بِهِ هِشَامٌ شُرْطِيًّا يَعْطِفُهُ إلَيْهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلَهُ أَصْحَابُهُ بِوُجُوهِهِمْ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ مُطِيعِ بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَقْبَلْنَا بِوُجُوهِنَا إلَيْهِ» . أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي سَمَاعِهِمْ، فَاسْتُحِبَّ، كَاسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ إيَّاهُمْ.
[مَسْأَلَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَجَلَسَ وَقَامَ]
(1300) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَلَسَ وَقَامَ، فَأَتَى أَيْضًا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَرَأَ وَوَعَظَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِإِنْسَانٍ دَعَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ خُطْبَتَانِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِيهِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ.
فَكُلُّ خُطْبَةٍ مَكَانَ رَكْعَةٍ، فَالْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا كَالْإِخْلَالِ بِإِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ.
وَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» .
وَإِذَا وَجَبَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَبَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1] ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] قَالَ: لَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ وَجَبَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ فِي خُطَبِهِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ الْقِرَاءَةُ شَرْطًا فِيهِمَا كَالرَّكْعَتَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُشْتَرَطَ فِي
إحْدَاهُمَا؛ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
وَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمَّ يَنْزِلُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْعَلَانِهِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا قَرَأَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى، وَوَعَظَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَجِبُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بَيَانُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْخُطْبَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَتَى بِتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وَلَمْ يُعَيِّنْ ذِكْرًا، فَأَجْزَأَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ، وَيَقَعُ اسْمُ الْخُطْبَةِ عَلَى دُونِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ.
فَقَالَ: " لَئِنْ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ ".
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الذِّكْرَ بِفِعْلِهِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ، قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» . وَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ.
كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ» . فَأَمَّا التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ فَلَا يُسَمَّى خُطْبَةً.
وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْخُطْبَةُ، وَمَا رَوَوْهُ مَجَازٌ؛ فَإِنَّ السُّؤَالَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، وَلِذَلِكَ لَوْ أَلْقَى مَسْأَلَةً عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَكْفِي فِي الْقِرَاءَةِ أَقَلُّ مِنْ آيَةٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا، بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَتِهَا، دُونَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، مَا شَاءَ قَرَأَ.
وَقَالَ: إنْ خَطَبَ بِهِمْ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهِمْ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ.
وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةٍ.
وَالْخِرَقِيُّ قَالَ: قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَقْرُوءَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ سِوَى حَمْدِ اللَّهِ وَالْمَوْعِظَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى خُطْبَةً، وَيَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، فَأَجْزَأَ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ دَلِيلٌ.
وَلَا يَجِبُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى صِفَةِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ
يَقْرَأُ آيَاتٍ وَلَا يَجِبُ قِرَاءَةُ آيَاتٍ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ آيَاتٍ كَذَلِكَ، وَلِمَا رَوَتْ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: «مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ» . وَعَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا مِثْلُ هَذَا، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ سُورَةً.
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً]
(1301) فَصْلٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُهَا وَلَنَا، أَنَّهَا جَلْسَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالْأُولَى، وَقَدْ سَرَدَ الْخُطْبَةَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
قَالَهُ أَحْمَدُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ.
وَجُلُوسُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، كَالْأُولَى، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا لِعُذْرٍ فَصَلَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ، وَكَذَلِكَ إنْ خَطَبَ قَائِمًا فَلَمْ يَجْلِسْ.
قَالَ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْعِرَاقِيُّونَ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إلَّا الشَّافِعِيَّ، أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ.
[فَصْلٌ السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا]
(1302) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَعَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهَا، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ خَطَبَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهِمْ: يُجْزِئُهُ.
وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا خَطَبَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَوْ خَطَبَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ عَالِمٍ بِحَالِ نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا.
وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْجُنُبِ، وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ اشْتَرَطَ لِلْأَذَانِ الطَّهَارَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى.
فَأَمَّا الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فَلَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ، فَلَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ فِيهِ شَرْطًا كَالْأَذَانِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي عَقِيبَ الْخُطْبَةِ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِطَهَارَةٍ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَهُوَ سُنَّةٌ.
وَلِأَنَّنَا اسْتَحْبَبْنَا ذَلِكَ لِلْأَذَانِ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا احْتَاجَ إلَى الطَّهَارَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، وَرُبَّمَا طَوَّلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ.
[فَصْلٌ السُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ]
(1303) فَصْلٌ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
وَإِنْ خَطَبَ رَجُلٌ، وَصَلَّى آخَرُ لِعُذْرٍ، جَازَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَلَوْ خَطَبَ أَمِيرٌ، فَعُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْعُذْرِ، فَفِي الْخُطْبَةِ مَعَ الصَّلَاةِ أَوْلَى.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يُعْجِبُنِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا، وَقَدْ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَتَا صَلَاتَيْنِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي الْجُمُعَةِ، فَاشْتُرِطَ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُشْتَرَطُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، فَجَازَ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا.
كَمَا لَوْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ لِعُذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ.
قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي الْإِمَامِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ مَا خَطَبَ، فَقَدَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ: لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ إلَّا أَرْبَعًا، إلَّا أَنْ يُعِيدَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
[فَصْلٌ سُنَنُ الْخُطْبَةِ]
(1304) فَصْلٌ: وَمِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْخَطِيبُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي سَمَاعِ النَّاسِ، وَأَعْدَلُ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ لَوْ الْتَفَتَ إلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ لَأَعْرَضَ عَنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلَوْ خَالَفَ هَذَا، وَاسْتَدْبَرَ النَّاسَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، صَحَّتْ الْخُطْبَةُ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذَّنَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ الْقِبْلَةَ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ؛ لِيُسْمِعَ النَّاسَ.
قَالَ جَابِرٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
وَيُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا رَوَى عَمَّارٌ، قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» ، رَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا مُسْلِمٌ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إنَّمَا هِيَ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ عَصًا؛ لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ قَالَ: «وَفَدْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَمْنَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ طَيِّبَاتٍ خَفِيفَاتٍ مُبَارَكَاتٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَكِّنَ أَطْرَافَهُ، إمَّا أَنْ يَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، أَوْ يُرْسِلَهُمَا سَاكِنَتَيْنِ مَعَ جَنْبَيْهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَمْدِ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ، ثُمَّ يُثْنِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَعِظُ.
فَإِنْ عَكَسَ ذَلِكَ صَحَّ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَتِهِ مُتَرَسِّلًا، مُبِينًا، مُعْرِبًا، لَا يُعَجِّلْ فِيهَا، وَلَا يَمْطُطْهَا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ.»
[فَصْلٌ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الْمِنْبَرِ]
(1305) فَصْلٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَيُجْزِئُهُ؟ قَالَ: لَا.
لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَخْطُبُونَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ: لَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، وَلَا يَجْمَعُ شُرُوطَهَا.
وَإِنْ قَرَأَ آيَاتٍ فِيهَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَوْعِظَةُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّ؛ لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ.
[فَصْلٌ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ]
(1306) فَصْلٌ: وَإِنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ شَاءَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَإِنْ أَمْكَنَ السُّجُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ، سَجَدَ
عَلَيْهِ.
وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ، فَلَا حَرَجَ، فَعَلَهُ عُمَرُ وَتَرَكَ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَتَرَكَ عُثْمَانُ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَمَّارٌ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ.
وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْزِلُ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةُ تَطَوُّعٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ.
وَلَنَا، فِعْلُ عُمَرَ وَتَرْكُهُ، وَفِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُهَا، لَا يَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهَا، كَحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا عَطَسَ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ.
وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَيُفَارِقُ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ سَبَبَهَا لَمْ يُوجَدْ، وَيَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا.
[فَصْلٌ الْمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ]
(1307) فَصْلٌ: وَالْمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ فَإِنْ فَصَلَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، اسْتَأْنَفَهَا.
وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ.
وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ.
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الطَّهَارَةِ تَطَهَّرَ، وَبَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ.
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِنَفْسِهِ وَالْحَاضِرِينَ]
(1308) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَلِنَفْسِهِ، وَالْحَاضِرِينَ، وَإِنْ دَعَا لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاحِ فَحَسَنٌ.
وَقَدْ رَوَى ضَبَّةُ بْنُ مُحَصِّنٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ إذَا خَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو لِعُمَرَ، وَأَبِي بَكْرٍ.
وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ضَبَّةُ الْبِدَايَةَ بِعُمَرَ قَبْلَ الدُّعَاءِ لِأَبِي بَكْرٍ، وَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ لِضَبَّةَ: أَنْتَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَرْشَدُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَطَاءً قَالَ: هُوَ مُحَدِّثٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِعْلَ الصَّحَابَةِ لَهُ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ؛ وَلِأَنَّ سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ إذَا صَلَحَ كَانَ فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ، فَفِي الدُّعَاءِ لَهُ دُعَاءٌ لَهُمْ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
[مَسْأَلَةٌ يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةً]
(1309) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُورَةً) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الْخُطْبَةِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَسُورَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا.
لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَالثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْمُنَافِقِينَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ.
فَلَمَّا قَضَى أَبُو هُرَيْرَةَ الصَّلَاةَ أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ.
قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ.» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: «مَاذَا كَانَ يَقْرَؤُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، عَلَى إثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِ (سَبِّحْ) وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ، بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى "، وَ " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " فَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، قَرَأَ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] مَعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَاَلَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ بِ (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الثَّانِيَةِ (سَبِّحْ) ، وَلَعَلَّهُ صَارَ إلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّاسَ عَلَيْهِ،
وَاتِّبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنُ.
وَمَهْمَا قَرَأَ فَهُوَ جَائِزٌ حَسَنٌ، إلَّا أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنُ، وَلِأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ تَلِيقُ بِالْجُمُعَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِهَا، وَالْأَمْرِ بِهَا، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا.
[مَسْأَلَةٌ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
(1310) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى، وَكَانَتْ لَهُ جُمُعَةً) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لَهَا، يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى، وَيُجْزِئُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، وَعُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ صَلَّى أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ لِلْجُمُعَةِ، فَلَا تَكُونُ جُمُعَةً فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ شَرْطُهَا.
وَلَنَا، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: " فَلْيَصِلْ إلَيْهَا أُخْرَى " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَام أَقَلَّ مِنْ رَكْعَة يَوْم الْجُمُعَةَ]
(1311) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، بَنَى عَلَيْهَا ظُهْرًا، إذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ) . أَمَّا مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّي ظُهْرًا أَرْبَعًا.
وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِأَيِّ قَدْرٍ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً، لَزِمَهُ إذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْهَا، كَالْمُسَافِرِ يُدْرِكُ الْمُقِيمَ، وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا، كَالظُّهْرِ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» . فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَقَدْ رَوَى بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الزَّيَّاتُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ أَدْرَكَ دُونَهَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا»
وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً، فَلَمْ تَصِحَّ لَهُ الْجُمُعَةُ، كَالْإِمَامِ إذَا انْفَضُّوا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ.
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِدْرَاكُهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ، وَهَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ، فَافْتَرَقَا، وَكَذَلِكَ يُتِمُّ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْمُقِيمِ، وَلَا يَقْصُرُ الْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ فَاتَتْهُ السَّجْدَتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ]
(1312) فَصْلٌ: وَأَمَّا قَوْلُهُ " بِسَجْدَتَيْهَا " فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38] وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الَّذِي أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ فَاتَتْهُ السَّجْدَتَانِ، أَوْ إحْدَاهُمَا، حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ، لِزِحَامٍ، أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَرَوَى الْأَثْرَمُ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.
اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ مَعَهُ.
وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَغَيْرُهُمَا، أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ أَرْبَعًا.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً، فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ الْمَزْحُومُ إذَا سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ قَدَمِهِ]
(1313) فَصْلٌ: وَمَتَى قَدَرَ الْمَزْحُومُ عَلَى السُّجُودِ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ، أَوْ قَدَمِهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَأَجْزَأَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ
أَحْمَدَ بْنِ هَاشِمٍ يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ الرَّجُلِ وَالْقَدَمِ، وَيُمَكِّنُ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ، فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ: لَا يَفْعَلُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ فَعَلَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنْ الْأَرْضِ» .
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ حَالَ الْعَجْزِ، فَصَحَّ، كَالْمَرِيضِ يَسْجُدُ عَلَى الْمِرْفَقَةِ، وَالْخَبَرُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَاجِزَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَلَا يَأْمُرُ الْعَاجِزَ عَنْ الشَّيْءِ بِفِعْلِهِ.
[فَصْلٌ إذَا زُحِمَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
(1314) فَصْلٌ: وَإِذَا زُحِمَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يُزْحَمَ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ زُحِمَ فِي الْأُولَى، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ عَلَى ظَهْرٍ وَلَا قَدَمٍ، انْتَظَرَ حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَتْبَعُ إمَامَهُ، مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِعُسْفَانَ، سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ، وَبَقِيَ صَفٌّ لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ، فَلَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ سَجَدُوا، وَجَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ، كَذَا هَاهُنَا.
فَإِذَا قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ، أَوْ فِي الرُّكُوعِ، أَتْبَعَهُ فِيهِ، وَصَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَةُ، وَكَذَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ السُّجُودُ مَعَ إمَامِهِ، لِمَرَضٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ نِسْيَانٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ الْمَزْحُومَ.
فَإِنْ خَافَ أَنَّهُ إنْ تَشَاغَلَ بِالسُّجُودِ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ، لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ وَلِلشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: " فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ". قُلْنَا: قَدْ سَقَطَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ عَنْ هَذَا لِعُذْرِهِ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي الرُّكُوعِ مُتَوَجِّهًا لِإِمْكَانِهِ، وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ فَوَاتَ الرُّكُوعِ، فَلَزِمَهُ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِيهِ، كَالْمَسْبُوقِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَائِمًا فَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ بِعُسْفَانَ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا، وَفَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ.
وَإِنْ اعْتَقَدَ جَوَازَ ذَلِكَ فَسَجَدَ، لَمْ يُعْتَدَّ بِسُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ جَهْلًا،
فَأَشْبَهَ السَّاهِيَ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ، رَكَعَ مَعَهُ، وَصَحَّتْ لَهُ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وَإِنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ سَجَدَ مَعَهُ، فَإِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُتِمُّ بِهِمَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ، وَشَرَعَ فِي رُكُوعِهَا، أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا الْمَقْصُودَةِ، أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى تَبْطُلُ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَقُمْ، وَلَكِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ، تَمَّتْ رَكْعَتُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا سَجَدَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ، اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ، كَمَا لَوْ سَجَدَ وَإِمَامُهُ قَائِمٌ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، صَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ، وَإِنْ أَدْرَكَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ وَيَتْبَعَهُ، لِأَنَّ هَذَا سَبْقٌ يَسِيرٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَفُوتَهُ الثَّانِيَةُ بِفَوَاتِ الرُّكُوعِ.
وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ، تَابَعَهُ، وَقَضَى رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِهِ كَالْمَسْبُوقِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
وَلَا وَجْهَ لِلسُّجُودِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِسَهْوٍ، وَلِأَنَّ هَذَا فَعَلَهُ عَمْدًا، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلْعَمْدِ.
وَإِنْ زُحِمَ عَنْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ عَنْ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الزِّحَامِ عَنْ السُّجُودِ.
فَأَمَّا إنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ، فَزَالَ الزِّحَامُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، سَجَدَ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَحَّتْ الرَّكْعَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَزُلْ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى، أَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا، فَإِنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ بِإِدْرَاكِهَا، وَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، وَقَدْ تَمَّتْ جُمُعَتُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ الْأُولَى، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ.
وَهَلْ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[فَصْلٌ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ الْأُخْرَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ إمَامِهِ إلَّا سَجْدَةً]
(1315) فَصْلٌ: وَإِذَا رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ الْأُخْرَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ إمَامِهِ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً، أَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، رَجَعَ فَسَجَدَ لِلْأُولَى، فَأَتَمَّهَا، وَقَضَى الثَّانِيَةَ، وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
وَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، بَطَلَتْ الْأُولَى، وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ.
وَعَلَى كِلَا الْحَالَتَيْنِ يُتِمُّهَا جُمُعَةً، عَلَى مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ.
وَقِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الْمَزْحُومِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا هَاهُنَا ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً.
وَلَوْ قَضَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ إحْدَاهُمَا، لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الرَّكْعَتَيْنِ تَرَكَهَا، أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِهَا، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَيَجْعَلُهَا مِنْ الْأُولَى، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَهَا.
وَفِي كَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ، مِثْلُ أَنْ كَبَّرَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ، فَرَفَعَ إمَامُهُ رَأْسَهُ، فَشَكَّ هَلْ أَدْرَكَ الْمُجْزِئَ مِنْ الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ لَا؟ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَيُصَلِّي ظُهْرًا، قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مَا أَتَى بِهَا مَعَهُ.
[فَصْلٌ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا لَا يَتِمُّ بِهِ جُمُعَةٌ]
(1316) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا لَا يَتِمُّ بِهِ جُمُعَةٌ، فَإِنَّهُ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يَنْوِي ظُهْرًا، فَإِنْ نَوَى جُمُعَةً لَمْ تَصِحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ لِلْبِنَاءِ عَلَى مَا أَدْرَكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَيْهَا.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ، يَحْتَمِلُ هَذَا؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ أَحْرَمَ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ إمَامُهُ، قَالَ: يَسْتَقْبِلُ ظُهْرًا أَرْبَعًا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً، فَكَذَلِكَ دَوَامًا، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا يَنْوِي جُمُعَةً؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ نِيَّةَ إمَامِهِ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا.
أَرْبَعًا.
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ، وَيُونُسَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الَّذِي أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْجُمُعَةِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ: أَتَمَّهَا أَرْبَعًا.
فَجَوَّزُوا لَهُ إتْمَامَهَا ظُهْرًا، مَعَ كَوْنِهِ إنَّمَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْهَا سَجْدَةً، قَالَ: يَسْجُدُ سَجْدَةً، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، فَجَازَ أَنْ يَبْنِيَ صَلَاتَهُ عَلَى نِيَّتِهَا، كَصَلَاةِ الْمُقِيمِ مَعَ الْمُسَافِرِ، وَكَمَا يَنْوِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ، وَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ مُنْفَرِدًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي ابْتِدَائِهَا، وَكَذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا.
[فَصْلٌ صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ]
(1317) فَصْلٌ: وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَأَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الدُّخُولُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ ظُهْرٌ، فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ، كَعُذْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ كَانَتْ نَفْلًا فِي حَقِّهِ وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ.
وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ سُجُودِهَا، وَقُلْنَا تَصِيرُ ظُهْرًا، فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا؛ لِئَلَّا تَكُونَ ظُهْرًا قَبْلَ وَقْتِهَا.
[فَصْلٌ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ثُمَّ زُحِمَ فِي الثَّانِيَةِ وَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ]
(1318) فَصْلٌ: وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، ثُمَّ زُحِمَ فِي الثَّانِيَةِ، وَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ، فَصَارَ فَذًّا، فَنَوَى الِانْفِرَادَ عَنْ الْإِمَامِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِرَكْعَةٍ مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا جُمُعَةً، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الِانْفِرَادَ، وَأَتَمَّهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فَذٌّ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا.
وَالثَّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْفَى فِي الْبِنَاءِ عَنْ تَكْمِيلِ الشُّرُوطِ، كَمَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، وَكَالْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ، يَقْضِي رَكْعَةً وَحْدَهُ.
[مَسْأَلَةٌ مَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً أَتَمُّوا بِرَكْعَةٍ أُخْرَى]
(1319) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوا بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وَأَجْزَأَتْهُمْ جُمُعَةً)
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي وَقْتِهَا، وَمَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ رَكْعَةٍ لَمْ تَكُنْ جُمُعَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا أَتَمَّهَا جُمُعَةً.
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَمَّهَا فِيهِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ، سَلَّمَ وَأَجْزَأَتْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى دَخَلَ الْوَقْتُ قَبْلَ ذَلِكَ، بَطَلَتْ أَوْ انْقَلَبَتْ ظُهْرًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا خَرَجَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، بَطَلَتْ، وَلَا يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا، لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَلَا يَبْنِي أَحَدَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ عِنْدَهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَيَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَجَازَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ.
وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً، بِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي بَعْضِهَا كَانَ شَرْطًا فِي جَمِيعِهَا، كَالطَّهَارَةِ، وَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقْد أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» .
وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا، كَالْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الْجُمُعَةَ، فَاكْتُفِيَ بِهِ فِي رَكْعَةٍ، كَالْجَمَاعَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِإِدْرَاكِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَعَلَى هَذَا إنْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، تَفْسُدُ وَيَسْتَأْنِفُهَا ظُهْرًا، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، يُتِمُّهَا ظُهْرًا.
كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ
وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْقَوْلَيْنِ.
[فَصْلٌ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَخْطُبَ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً]
(1320) فَصْلٌ: إذَا أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَخْطُبَ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ لَهُ التَّلَبُّسَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُهَا فِيهِ فَإِنْ شَكَّ هَلْ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُهَا بِهِ أَوْ لَا؟ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ وَصِحَّتُهَا.
[مَسْأَلَةٌ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ]
(1321) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، يُوجِزُ فِيهِمَا) وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَكْحُولٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، يَجْلِسُ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لِلَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَأَنَيْتَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
وَلِأَنَّ الرُّكُوعَ يَشْغَلُهُ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ، فَكُرِهَ، كَرُكُوعِ غَيْرِ الدَّاخِلِ.
وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ، فَقَالَ: صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُمْ، فَارْكَعْ»
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَلِمُسْلِمٍ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ، فَسُنَّ لَهُ الرُّكُوعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُهُمْ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ يَضِيقُ عَنْ الصَّلَاةِ، أَوْ يَكُونَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ، بِحَيْثُ لَوْ تَشَاغَلَ بِالصَّلَاةِ فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ، لِيَكُفَّ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ، لِتَخَطِّيهِ إيَّاهُمْ
فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ، بِحَيْثُ إذَا تَشَاغَلَ بِالرُّكُوعِ فَاتَهُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ التَّشَاغُلُ بِالرُّكُوعِ.
[فَصْلٌ يَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ]
(1322) فَصْلٌ: وَيَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ غَيْرَ الدَّاخِلِ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَيَتَجَوَّزُ فِيهَا؛ لِمَا رَوَى ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ، فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، حَتَّى إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ.
[فَصْلٌ الْإِنْصَاتُ مِنْ حِينِ يَأْخُذُ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ]
(1323) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْإِنْصَاتُ مِنْ حِينِ يَأْخُذُ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ، فَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ لِأَحَدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا رَأَيْتَهُ يَتَكَلَّمُ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَاقْرَعْ رَأْسَهُ بِالْعَصَا.
وَكَرِهَ ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ، وَأَبُو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُونَ وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنْصِتَ لِهَذَا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إذْ قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا.
. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يَرْفَعْهَا عَنَّا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا قَامَ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَعْرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِالسُّكُوتِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَأَعَادَ الْكَلَامَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَيْحَكَ، مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَامَهُمْ، وَلَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " تَبَارَكَ " فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ أَوْ أَبُو ذَرٍّ يَغْمِزُنِي فَقَالَ: مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا إلَّا الْآنَ؟ فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، قَالَ: سَأَلْتُكَ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ فَلَمْ تُخْبِرْنِي.
قَالَ أُبَيٌّ: لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ إلَّا مَا لَغَوْتَ فَذَهَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أُبَيٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " صَدَقَ أُبَيٌّ " رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَابْنُ مَاجَهْ،
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ.
وَمَا احْتَجُّوا بِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ كَلَّمَ الْإِمَامَ، أَوْ كَلَّمَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ بِذَلِكَ عَنْ سَمَاعِ خُطْبَتِهِ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ صَلَّى؟ فَأَجَابَهُ.
وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ حِينَ دَخَلَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَأَجَابَهُ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ أَخْبَارِهِمْ عَلَى هَذَا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَتَوْفِيقًا بَيْنَهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ فَالْأَخْذُ بِحَدِيثِنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَصُّهُ، وَذَلِكَ سُكُوتُهُ، وَالنَّصُّ أَقْوَى مِنْ السُّكُوتِ
(1324) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ قَرِيبًا يَسْمَعُ وَيُنْصِتُ وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا يُنْصِتُ؛ فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مَا لِلسَّامِعِ،
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو، وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُونٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، فَهِيَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(1325) فَصْلٌ: وَلِلْبَعِيدِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ،
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
وَرَخَّصَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ عَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، وَلَا يُذَاكِرَ فِي الْفِقْهِ، وَلَا يُصَلِّيَ، وَلَا يَجْلِسَ فِي حَلْقَةٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ لَهُ الْمُذَاكَرَةَ فِي الْفِقْهِ، وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ.
وَلَنَا، عُمُومُ مَا رَوَيْنَاهُ، وَأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْحَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ مَنَعَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ السَّمَاعِ، فَيَكُونُ مُؤْذِيًا لَهُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُ مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ، وَصَدَّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ أَحَدًا، فَلَا بَأْسَ.
وَهَلْ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَوْ الْإِنْصَاتُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، الْإِنْصَاتُ أَفْضَلُ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَوْلِ عُثْمَانَ.
وَالثَّانِي، الذِّكْرُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَكَانَ أَفْضَلَ، كَمَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
[فَصْلٌ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى الْخَطِيبِ وَلَا عَلَى مَنْ سَأَلَهُ الْخَطِيبُ]
(1326) فَصْلٌ: وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى الْخَطِيبِ، وَلَا عَلَى مَنْ سَأَلَهُ الْخَطِيبُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ سُلَيْكًا الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ: أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ.
قَالَ عُمَرُ: الْوُضُوءَ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ عِلَّتُهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْإِنْصَاتِ الْوَاجِبِ، وَسَمَاعِ الْخُطْبَةِ.
وَلَا يَحْصُلُ هَاهُنَا، وَكَذَلِكَ مَنْ كَلَّمَ الْإِمَامَ لِحَاجَةٍ، أَوْ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
[فَصْلٌ إذَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَنْهَهُ بِالْكَلَامِ]
(1327) فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَنْهَهُ بِالْكَلَامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» وَلَكِنْ يُشِيرُ إلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَيَضَعُ أُصْبُعَهُ عَلَى فِيهِ.
وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ يُشِيرَ وَلَا يَتَكَلَّمَ، زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَكَرِهَ الْإِشَارَةَ طَاوُسٌ.
وَلَنَا، أَنَّ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَتَى السَّاعَةُ؟ أَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسُّكُوتِ، وَلِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُبْطِلُهَا الْكَلَامُ، فَفِي الْخُطْبَةِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ الْكَلَامُ الْوَاجِبُ كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِنْ الْبِئْرِ]
(1328) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْكَلَامُ الْوَاجِبُ، كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِنْ الْبِئْرِ، أَوْ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ نَارًا، أَوْ حَيَّةً أَوْ حَرِيقًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَهُ فِعْلُهُ، لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ مَعَ إفْسَادِهَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى فَأَمَّا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَرَدُّ السَّلَامِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ: يَرُدُّ الرَّجُلُ السَّلَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
وَيُشَمِّتُ الْعَاطِسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِد قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ، فَوَجَبَ، الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ، كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ رَدَّ السَّلَامَ وَشَمَّتَ الْعَاطِسَ، وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ لَمْ يَفْعَلْ.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا سَمِعْتَ الْخُطْبَةَ فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ، وَلَا تَقْرَأْ، وَلَا تُشَمِّتْ، وَإِذَا لَمْ تَسْمَعْ الْخُطْبَةَ فَاقْرَأْ وَشَمِّتْ وَرُدَّ السَّلَامَ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: يَرُدُّ السَّلَامَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَيُشَمِّتُ الْعَاطِسَ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ لَيْسَ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَيَرُدُّ، وَإِذَا كَانَ يَسْمَعُ فَلَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ نَغْمَةَ الْإِمَامِ بِالْخُطْبَةِ، وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، يَرُدُّ السَّلَامَ؟ قَالَ: لَا، إذَا سَمِعَ شَيْئًا وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَجُزْ الْكَلَامُ الْمَانِعُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، كَالْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَرُدُّ وَلَا يُشَمِّتُ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مُخْتَصًّا بِمَنْ يَسْمَعُ دُونَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَيَكُونُ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي كُلِّ حَاضِرٍ يَسْمَعُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ شَامِلٌ لَهُمْ، فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ثَابِتًا فِي حَقِّهِمْ، كَالسَّامِعِينَ.
[فَصْلٌ الْكَلَامُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْخُطْبَةِ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا]
(1329) فَصْلٌ: لَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَبَكْرٌ الْمُزَنِيّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَكَرِهَهُ، الْحَكَمُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَرُمَ الْكَلَامُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلَامَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ.
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ» فَخَصَّهُ بِوَقْتِ الْخُطْبَةِ.
وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ إذَا خَرَجَ عُمَرُ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، حَتَّى إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ، وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا حَرُمَ لِأَجْلِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهِ مَعَ عَدَمِهَا.
وَقَوْلُهُمْ: لَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ.
قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُمُومِهِمْ خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ.
[فَصْلٌ الْكَلَامُ فِي الْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ]
(1330) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ غَيْرُ خَاطِبٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ يَسِيرٌ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ، أَشْبَهَ السُّكُوتَ لِلتَّنَفُّسِ.
[فَصْلٌ إذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ إلَى الدُّعَاءِ فَهَلْ يُسَوَّغُ الْكَلَامُ]
(1331) فَصْلٌ: إذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ إلَى الدُّعَاءِ، فَهَلْ يُسَوَّغُ الْكَلَامُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَشَرَعَ فِي غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَزَلَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْخُطْبَةِ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا ثَبَتَ لَهَا، كَالتَّطْوِيلِ فِي الْمَوْعِظَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ دُعَاءً مَشْرُوعًا، كَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِلْإِمَامِ الْعَادِلِ، أَنْصَتَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِنْصَاتُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ.
[فَصْلٌ الْعَبَثُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ]
(1332) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَاللَّغْوُ: الْإِثْمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3] وَلِأَنَّ الْعَبَثَ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ وَالْفَهْمَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْمَعُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَرَخَّصَ فِيهِ مُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُ عَنْ السَّمَاعِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فِعْلٌ يَشْتَغِلُ بِهِ، أَشْبَهَ مَسَّ الْحَصَى.
فَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ، فَلَا يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِعُ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ.
[فَصْلٌ لَا تَتَصَدَّقْ عَلَى السُّؤَالِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ]
(1333) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَتَصَدَّقْ عَلَى السُّؤَالِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا لَا يَجُوزُ، فَلَا يُعِينُهُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنْ حَصَبَهُ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى سَائِلًا يَسْأَلُ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَحَصَبَهُ
وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، فَنَاوَلَهُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ؟ قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهُ قِيلَ: فَإِنْ سَأَلَ قَبْلَ خُطْبَةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَأَعْطَانِي رَجُلٌ صَدَقَةً أُنَاوِلُهَا إيَّاهُ؟ قَالَ نَعَمْ، هَذَا لَمْ يَسْأَلْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.
[فَصْلٌ الِاحْتِبَاءُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ]
(1334) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِبَاءِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَسَالِمٌ، وَنَافِعٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ، لِأَنَّ سَهْلَ بْنَ مُعَاذٍ رَوَى، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَنَا، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجَمَّعَ بِنَا، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا جُلُّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَيْتُهُمْ مُحْتَبِينَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا، فَصَارَ إجْمَاعًا وَالْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لِأَجْلِ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَهَيِّئًا لِلنَّوْمِ وَالْوُقُوعِ وَانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُحْمَلُ النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَيُحْمَلُ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْخَبَرُ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عُقَلَاءُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ]
(1335) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عُقَلَاءُ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِسَبْعَةِ شَرَائِطَ: إحْدَاهَا، أَنْ تَكُونَ فِي قَرْيَةٍ.
وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ.
وَالثَّالِثُ، الذُّكُورِيَّةُ.
وَالرَّابِعُ، الْبُلُوغُ.
وَالْخَامِسُ، الْعَقْلُ.
وَالسَّادِسُ، الْإِسْلَامُ.
وَالسَّابِعُ، الِاسْتِيطَانُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَمَّا الْقَرْيَةُ فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبِنَائِهَا بِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ وَبُيُوتِ الشَّعْرِ وَالْحَرَكَاتِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْصَبُ لِلِاسْتِيطَانِ غَالِبًا، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يُقِيمُوا جُمُعَةً، وَلَا أَمَرَهُمْ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ، وَلَمْ يُتْرَكْ نَقْلُهُ، مَعَ كَثْرَتِهِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ، لَكِنْ إنْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِمَوْضِعٍ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ