المغني لابن قدامةصفحات 188-227
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 188-227
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِذَا زَالَ بَعْضُهُ، زَالَ كُلُّهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ، فَاخْتَصَّ تَصَرُّفُهُ بِمَحَلِّ الْإِذْنِ، كَالْوَكِيلِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَجْرَ لَا يَتَجَزَّأُ.
لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي بَيْعِ عَيْنٍ، وَنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ أُخْرَى، صَحَّ.
وَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ، كَالْوَكِيلِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ضَمَانٍ، أَوْ كَفَالَةٍ، فَفَعَلَ، صَحَّ.
وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، أَوْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يَتَّجِرُ، فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مَأْذُونًا لَهُ.

[الْفَصْلُ الرَّابِع فِي تَصَرُّفَاتِ الْعَبْد إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ]

(3152) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، فِي تَصَرُّفَاتِهِ، إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، قُبِلَ إقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا زَادَ.
وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِالْمَالِ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ سَيِّدَهُ بَاعَهُ، وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِجِنَايَتِهِ، اسْتَوَى فِي ذَلِكَ الْمَأْذُونُ لَهُ وَغَيْرُهُ.
وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ أَقْسَامًا أَرْبَعَةً؛ أَحَدُهَا، جِنَايَةٌ مُوجِبُهَا الْمَالُ، كَإِتْلَافِهِ، أَوْ جِنَايَةُ خَطَأٍ، أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ، أَوْ جِنَايَةُ عَمْدٍ فِيمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، كَالْجَائِفَةِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْمَالِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، جِنَايَةٌ مُوجِبُهَا حَدٌّ سِوَى السَّرِقَةِ، أَوْ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ لَهُ زُفَرُ، وَدَاوُد، وَالْمُزَنِيُّ، وَجَرِيرٌ: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ، فَلَا يُقْبَلُ، كَالْإِقْرَارِ بِجِنَايَةِ الْخَطَإِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ بِإِقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ، وَجَلَدَ عَبْدًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا نِصْفَ الْحَدِّ.
وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ السَّيِّدِ فِيهِ عَلَى الْعَبْدِ، يُقْبَلُ فِيهِ إقْرَارُ الْعَبْدِ، كَالطَّلَاقِ.
وَلِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ بِهِ أَخَصُّ، وَهُوَ بِأَلَمِهِ أَمَسُّ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ الزَّوْجَةُ.
وَخُرِّجَ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ جِنَايَةُ الْخَطَإِ؛ فَإِنَّ إقْرَارَ السَّيِّدِ بِهَا مَقْبُولٌ، وَلَا يَتَضَرَّرُ الْعَبْدُ بِهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، إقْرَارُهُ بِالسَّرِقَةِ، يُقْبَلُ فِي الْحَدِّ، فَيُقْطَعُ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْمَالِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَيْنُ تَالِفَةً، أَوْ بَاقِيَةً فِي يَدِ السَّيِّدِ، أَوْ فِي يَدِ الْعَبْدِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْطَعَ إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ فِي يَدِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَحْكُومٌ بِهَا لِسَيِّدِهِ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ لِسَيِّدِهِ،

وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ، وَهَذِهِ لَا يَمْلِكُ غَيْرُ السَّيِّدِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَلَنَا، خَبَرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ تَبْلُغُ نِصَابًا، فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ حُرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُرَدَّ الْعَيْنُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِحَقِّ السَّيِّدِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْعَبْدِ، فَقَدْ يَثْبُتُ لِلْمُقِرِّ لَهُ، وَلِهَذَا لَوْ عَتَقَ وَعَادَتْ الْعَيْنُ إلَى يَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهَا إلَى الْمُقِرِّ لَهُ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ، الْإِقْرَارُ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ.
فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ.
وَعُمُومُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، إنْ أَقَرَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا، أَوْ قِصَاصًا، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
يَقْتَضِي قَبُولَ إقْرَارِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا، فَقُبِلَ، كَإِقْرَارِهِ بِقَطْعِ الْيَدِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ، كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ بِهِ.
فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ، كَالْحَدِّ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا، بِأَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهُ بِالْقِصَاصِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَهُمَا، لِيَعْفُوَ عَلَى مَالٍ، فَيَسْتَحِقَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَحْمِلْ الْعَاقِلَةُ اعْتِرَافًا، فَتَرَكْنَا مُوجِبَ الْقِيَاسِ؛ لِخَبَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُوجَبِ الْقِيَاسِ.
وَيُفَارِقُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَوْ بِفَوَاتِ نَفْسِهِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِقَبُولِ إقْرَارِهِ بِالْقِصَاصِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ، فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْعَفْوُ، وَالِاسْتِيفَاءُ، وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، فَإِنْ عَفَا، تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى الْإِقْرَارِ بِمَالِ.

[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْكَلْبِ]

(3153) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَبَيْعُ الْكَلْبِ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ بَيْعَ الْكَلْبِ بَاطِلٌ، أَيَّ كَلْبٍ كَانَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَرَبِيعَةُ، وَحَمَّادٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَدَاوُد.
وَكَرِهَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثَمَنَ الْكَلْبِ.
وَرَخَّصَ فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ خَاصَّةً جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ.
وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَ الْكِلَابِ كُلِّهَا، وَأَخْذَ ثَمَنِهَا، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَلْبُ الْمَأْذُونُ فِي إمْسَاكِهِ، يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيُكْرَهُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ» . وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَيَصِحُّ نَقْلُ الْيَدِ فِيهِ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ، فَصَحَّ بَيْعُهُ، كَالْحِمَارِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، فَإِنْ جَاءَ يَطْلُبُهُ فَامْلَئُوا كَفَّهُ تُرَابًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نُهِيَ عَنْ اقْتِنَائِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، أَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ، أَوْ حَيَوَانٌ نَجِسُ الْعَيْنِ، أَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ.
فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مِنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ، وَلَا كَلْبَ صَيْدٍ، وَقَدْ جَاءَتْ اللُّغَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إلَّا الْفَرْقَدَانِ أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ.
ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مِنْ أَبَاحَ بَيْعَ غَيْرِ كَلْبِ الصَّيْدِ.

[فَصْلٌ إجَارَة الْكَلْب]

(3154) فَصْلٌ: وَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، فَجَازَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا، كَنَفْعِ الْحَمِيرِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَيَوَانٌ مُحَرَّمٌ بَيْعُهُ؛ لِخُبْثِهِ، فَحَرُمَتْ إجَارَتُهُ، كَالْخِنْزِيرِ.
وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِضِرَابِ الْفَحْلِ، فَإِنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهَا، وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ لَمْ تُبِحْ بَيْعَهُ، فَكَذَلِكَ إجَارَتُهُ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ، فَإِنَّهُ لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ مُدَّةً، لَمْ يَلْزَمْهُ لِذَلِكَ عِوَضٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ، كَنَفْعِ الْخِنْزِيرِ.

[فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ]

(3155) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهَا نَقْلٌ لِلْيَدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
وَتَصِحُّ هِبَتُهُ؛ لِذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ، أَشْبَهَتْ الْبَيْعَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ عِوَضُهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ قَتْلُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ]

(3156) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَهُ وَهُوَ مُعَلَّمٌ، فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ) أَمَّا قَتْلُ الْمُعَلَّمِ فَحَرَامٌ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ ظَالِمٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلْبٍ مُبَاحٍ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ، فَحُرِّمَ إتْلَافُهُ، كَالشَّاةِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَلَا غُرْمَ عَلَى قَاتِلِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَعَطَاءٌ: عَلَيْهِ الْغُرْمُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَحْرِيمِ إتْلَافِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ مَحَلٌّ يَحْرُمُ أَخْذُ عِوَضِهِ لِخُبْثِهِ، فَلَمْ يَجِبْ غُرْمُهُ بِإِتْلَافِهِ، كَالْخِنْزِيرِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ إتْلَافُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ.
وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّرَرِ وَالْإِضْرَارِ.

[فَصْلٌ قَتْلُ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ]

فَصْلٌ: فَأَمَّا قَتْلُ مَا لَا يُبَاحُ إمْسَاكُهُ، فَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ يُبَاحُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: سَأَلْت أَبَا ذَرٍّ فَقُلْت: «مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْأَحْمَرِ مِنْ الْأَبْيَضِ؟ فَقَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» . وَيُبَاحُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا؛ لِلْخَبَرَيْنِ.
وَعَلَى قِيَاسِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، كُلُّ مَا آذَى النَّاسَ، وَضَرَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ.
وَأَمْوَالِهِمْ، يُبَاحُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي بِلَا نَفْعٍ، أَشْبَهَ الذِّئْبَ، وَمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدُمُ مِنْ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَتَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

[فَصْلٌ اقْتِنَاء الْكَلْب]

(3158) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ حَرْثٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» . قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ اقْتَنَاهُ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِلْخَبَرِ.
وَيَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّلَاثَةِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهَا، يُبِيحُ مَا يَتَنَاوَلُ الْخَبَرُ تَحْرِيمَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَاهَا، فَقَدْ يَحْتَالُ اللِّصُّ لِإِخْرَاجِهِ بِشَيْءِ يُطْعِمُهُ إيَّاهُ، ثُمَّ يَسْرِقُ الْمَتَاعَ.
وَأَمَّا الذِّئْبُ، فَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا فِي حَقِّهِ، وَلِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ فِي الْبُيُوتِ يُؤْذِي الْمَارَّةَ، بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ.

[فَصْلٌ تَرْبِيَةُ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ]

(3159) فَصْلٌ: فَأَمَّا تَرْبِيَةُ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، فَيَجُوزُ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ؛

لِأَنَّهُ قَصَدَهُ لِذَلِكَ، فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ.
كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ، وَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ، الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ فِي الْحَالِ؛ لِمَالِهِ إلَى الِانْتِفَاعِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْ الصَّغِيرَ، مَا أَمْكَنَ جَعْلُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ، إذَا لَا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بِالتَّعْلِيمِ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ إلَّا بِتَرْبِيَتِهِ، وَاقْتِنَائِهِ مُدَّةً يُعَلِّمُهُ فِيهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 4] . وَلَا يُوجَدُ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الثَّلَاثَةِ.

[فَصْلٌ اقْتَنَى كَلْبًا لِلصَّيْدِ ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْد مُدَّة وَهُوَ يُرِيد الْعُود إلَيْهِ]

(3160) فَصْلٌ: وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لِلصَّيْدِ، ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً، وَهُوَ يُرِيدُ الْعَوْدَ إلَيْهِ، لَمْ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ فِي مُدَّةِ تَرْكِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَصَدَ صَاحِبُ الزَّرْعِ زَرْعَهُ، أُبِيحَ لَهُ إمْسَاكُ الْكَلْبِ، إلَى أَنْ يَزْرَعَ زَرْعًا آخَرَ.
وَلَوْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ، فَأَرَادَ شِرَاءَ غَيْرِهَا، فَلَهُ إمْسَاكُ كَلْبِهَا؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الَّتِي يَشْتَرِيهَا.
فَأَمَّا إنْ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَنْ لَا يَصِيدُ بِهِ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَثْنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا.
وَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ اقْتَنَاهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ الْكِلَابِ.
وَمَعْنَى كَلْبِ الصَّيْدِ، أَيُّ كَلْبٍ يَصِيدُ بِهِ.
وَهَكَذَا الِاحْتِمَالُ؛ لِأَنَّ فِي مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا؛ لِيَحْفَظَ لَهُ حَرْثًا، أَوْ مَاشِيَةً، إنْ حَصَلَتْ، أَوْ يَصِيدَ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَى الصَّيْدِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَالِ حَرْثٌ، وَلَا مَاشِيَةٌ، يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ؛ لِقَصْدِهِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ حَصَدَ الزَّرْعَ، وَأَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ غَيْرَهُ.

[فَصْلٌ حُكْم بَيْعُ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ]

(3161) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخِنْزِيرِ، وَلَا الْمَيْتَةِ، وَلَا الدَّمِ.
. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ، وَعَلَى أَنَّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ، وَشِرَاءَهُ، حَرَامٌ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، كَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ، كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُصَادُ بِهِ مِنْ الطَّيْرِ، كَالرَّخَمِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَبَيْضِهَا، فَكُلُّ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَأَخْذُ ثَمَنِهِ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.

[فَصْلٌ بَيْعُ السَّرْجَيْنِ النَّجِسِ]

(3162) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْجِينِ النَّجِسِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ يَتَبَايَعُونَهُ لِزُرُوعِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالْمَيْتَةِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِأَنَّهُ رَجِيعٌ نَجِسٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَرَجِيعِ الْآدَمِيِّ.

[فَصْلٌ حُكْم بَيْعُ الْحُرِّ وَمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكِ]

(3163) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُرِّ، وَلَا مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكِ، كَالْمُبَاحَاتِ قَبْلَ حِيَازَتِهَا وَمِلْكِهَا.
وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أُعْطِيَ بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

[مَسْأَلَةٌ بَيْع الْفَهْد وَالصَّقْر الْمُعَلِّم وَالْهِرّ وَكَّلَ مَا فِيهِ الْمَنْفَعَة]

(3164) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَبَيْعُ الْفَهْدِ، وَالصَّقْرِ الْمُعَلَّمِ، جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْهِرِّ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمَنْفَعَة) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ كُلَّ مَمْلُوكٍ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، يَجُوزُ بَيْعُهُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ، مِنْ الْكَلْبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْوَقْفِ.
وَفِي الْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَالزَّيْتِ النَّجِسِ اخْتِلَافٌ، نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ سَبَبٌ لِإِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ، وَالْمَنْفَعَةُ الْمُبَاحَةُ يُبَاحُ لَهُ اسْتِيفَاؤُهَا، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ عِوَضِهَا، وَأُبِيحَ لِغَيْرِهِ بَذْلُ مَالِهِ فِيهَا، تَوَصُّلًا إلَيْهَا، وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِ بِهَا، كَسَائِرِ مَا أُبِيحَ بَيْعُهُ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا كَانَ طَاهِرًا، كَالثِّيَابِ، وَالْعَقَارِ، وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَيْلِ، وَالصَّيُودِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ، كَالْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ، الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، الَّتِي كَالْفَهْدِ، وَالصَّقْرِ، وَالْبَازِي، وَالشَّاهَيْنِ، وَالْعُقَابِ، وَالطَّيْرِ الْمَقْصُودِ صَوْتُهُ، كَالْهَزَّازِ، وَالْبُلْبُلِ، وَالْبَبْغَاءِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْفَهْدِ، وَالصَّقْرِ، وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَالْكَلْبِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَيَوَانٌ أُبِيحَ اقْتِنَاؤُهُ، وَفِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ، مِنْ غَيْرِ وَعِيدٍ فِي حَبْسِهِ، فَأُبِيحَ بَيْعُهُ كَالْبَغْلِ، وَمَا ذَكَرَاهُ يَبْطُلُ بِالْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ بَيْعِهِمَا، وَحُكْمُهَا حُكْمُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فِي الطَّهَارَةِ، وَالنَّجَاسَةِ وَإِبَاحَةِ الِاقْتِنَاءِ، وَالِانْتِفَاعِ.
وَأَمَّا الْكَلْبُ فَإِنَّ الشَّرْعَ تَوَعَّدَ عَلَى اقْتِنَائِهِ وَحَرَّمَهُ، إلَّا فِي حَالِ الْحَاجَةِ، فَصَارَتْ إبَاحَتُهُ ثَابِتَةً، بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وَلَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى خَرَجَ مِنْهُ مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ؛ لِمَعَانٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِي هَذَا، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
وَأَمَّا الْهِرُّ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ: يَجُوزُ بَيْعُهَا.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَهَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، فَقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ» . وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَا فِيمَا يُصَادُ بِهِ مِنْ السِّبَاعِ، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ مِنْهَا، أَوْ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا؛ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ شُرِعَ طَرِيقًا لِلتَّوَصُّلِ إلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ؛ لِيَصِلَ

كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، مِمَّا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِيَصِلَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَمَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ.
(3165) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْفَهْدُ وَالصَّقْرُ وَنَحْوُهُمَا، مِمَّا لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَلَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ، فَأَشْبَهَ الْجَحْشَ الصَّغِيرَ.
(3166) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا يُصَادُ عَلَيْهِ، كَالْبُومَةِ الَّتِي يَجْعَلُهَا شِبَاكًا، لِتَجْمَعَ الطَّيْرَ إلَيْهَا، فَيَصِيدُهُ الصَّيَّادُ، فَيُحْتَمَلُ جَوَازُ بَيْعِهَا، لِلنَّفْعِ الْحَاصِلِ مِنْهَا، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ.
وَكَذَلِكَ اللَّقْلَقُ وَنَحْوُهُ.

[فَصْلٌ بَيْع بَيْض مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ]

(3167) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْضُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا نَفْعَ فِيهِ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا.
وَإِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ، بِأَنْ يَصِيرَ فَرْخًا، وَكَانَ طَاهِرًا، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ؛ أَشْبَهَ أَصْلَهُ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا، كَبِيضِ الْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَنَحْوِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ فَرْخِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ، لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَالِ.
وَهَذَا مُلْغَى بِفَرْخِهِ، وَبِالْجَحْشِ الصَّغِيرِ.

[فَصْلٌ بَيْعَ الْقِرْدِ]

(3168) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ بَيْعَ الْقِرْدِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِهِ لِلْإِطَافَةِ بِهِ، وَاللَّعِبِ، فَأَمَّا بَيْعُهُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، كَحِفْظِ الْمَتَاعِ وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِ، فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ مُطْلَقًا.

[فَصْلٌ بَيْع الْعَلَقِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا]

(3169) فَصْلٌ: وَفِي بَيْعِ الْعَلَقِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا، مِثْلُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَى وَجْهِ صَاحِبِ الْكَلَفِ، فَتَمُصُّ الدَّمَ، وَالدِّيدَانَ الَّتِي تُتْرَكُ فِي الشِّصِّ، فَيُصَادُ بِهَا السَّمَكُ، وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا جَوَازُ بَيْعِهَا؛ لِحُصُولِ نَفْعِهَا، فَهِيَ كَالسَّمَكِ وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، إلَّا نَادِرًا، فَأَشْبَهَتْ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ.

[فَصْلٌ بَيْعُ دُودِ الْقَزِّ وَبِزِرِّهِ]

(3170) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيْعُ دُودِ الْقَزِّ، وَبِزْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إنْ كَانَ مَعَ دُودِ الْقَزِّ قَزٌّ، جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ كَالْحَشَرَاتِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بِزْرِهِ.
وَلَنَا أَنَّ الدُّودَ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ؛ لِتَمَلُّكِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْبَهَائِمَ، وَلِأَنَّ الدُّودَ وَبِزْرُهُ

طَاهِرٌ، مُنْتَفَعٌ بِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَالثَّوْبِ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ، يَبْطُلُ بِالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا يَحْصُل مِنْهَا نَفْعٌ، سِوَى النِّتَاجِ، وَيُفَارِقُ الْحَشَرَاتِ، الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا أَصْلًا، فَإِنَّ نَفْعَ هَذِهِ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الْحَرِيرَ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ مَلَابِسِ الدُّنْيَا، إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْهَا.

[فَصْلٌ بَيْعُ النَّحْلِ]

(3171) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إذَا شَاهَدَهَا مَحْبُوسَةً، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَمْتَنِعَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُنْفَرِدَةً؛ لِمَا ذَكَرَ فِي دُودِ الْقَزِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ فِيهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَيْعِهَا فِي كِوَارَاتِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُشَاهَدَةُ جَمِيعِهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ عَسَلٍ يَكُونُ مَبِيعًا مَعَهَا، وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ بَيْعُهَا فِي كِوَارَاتِهَا، وَمُنْفَرِدَةً عَنْهَا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُهَا فِي كِوَارَاتِهَا إذَا فُتِحَ رَأْسُهَا، وَيُعْرَفُ كَثْرَتُهُ مِنْ قِلَّتِهِ، وَخَفَاءُ بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ، بَيْعِهِ، كَالصُّبْرَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ فِي وِعَاءٍ، فَإِنَّ بَعْضَهُ يَكُونُ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا يُشَاهَدُ إلَّا ظَاهِرُهُ، وَالْعَسَلُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا، فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مُشَاهَدَةُ النَّحْلِ؛ لِكَوْنِهِ مَسْتُورًا بِأَقْرَاصِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِجَهَالَتِهِ.

[فَصْلٌ بَيْع التِّرْيَاق]

(3172) فَصْلٌ: ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ التِّرْيَاقَ لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ، فَعَلَى هَذَا، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَخَلَا مِنْ نَفْعٍ مُبَاحٍ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالْمَيْتَةِ، وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ، وَلَا بِسُمِّ الْأَفَاعِي.
فَأَمَّا السُّمُّ مِنْ الْحَشَائِشِ وَالنَّبَاتِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ كَانَ يَقْتُلُ قَلِيلُهُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِعَدَمِ نَفْعِهِ، وَإِنْ اُنْتُفِعَ بِهِ، وَأَمْكَنَ التَّدَاوِي بِيَسِيرِهِ، كَالسَّقَمُونْيَا، جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ بَقِيَّةَ الْمَأْكُولَاتِ.

[فَصْلٌ بَيْعُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ]

(3173) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ، قَبْلَ الدَّبْغِ، قَوْلًا وَاحِدًا، قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَفِي بَيْعِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ عَنْهُ خِلَافٌ.
وَقَدْ رَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» . وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، نَحْوُ رِيشِ الطَّيْرِ الَّتِي لَهَا مِخْلَبٌ، أَوْ بَعْضِ جُلُودِ السِّبَاعِ الَّتِي لَهَا أَنْيَابٌ،

فَإِنَّ بَيْعَهَا أَسْهَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِهَا.
وَالصَّحِيحُ عَنْهُ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، وَأَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِهِ.
.

[فَصْلٌ بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّات]

فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُهُ؛ لِقَوْلِهِ: " وَكُلُّ مَا فِيهِ الْمَنْفَعَةُ ". وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ مَائِعٌ خَارِجٌ مِنْ آدَمِيَّةٍ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالْعَرَقِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَلَبَنِ الشَّاهِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي إجَارَةِ الظِّئْرِ فَأَشْبَهَ الْمَنَافِعَ، وَيُفَارِقُ الْعَرَقَ، فَإِنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُبَاعُ عَرَقُ الشَّاةِ، وَيُبَاعُ لَبَنُهَا.
وَسَائِرُ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ بَيْعُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، وَحَرُمَ بَيْعُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ.

[فَصْلٌ فِي بَيْعِ رُبَاع مَكَّة وَإِجَارَة دُورِهَا]

(3175) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي بَيْعِ رُبَاعِ مَكَّةَ وَإِجَارَةِ دُورِهَا، فَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَكَرِهَ إِسْحَاقُ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي مَكَّةَ: لَا تُبَاعُ رُبَاعُهَا، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «: مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُ رُبَاعِهَا، حَرَامٌ إجَارَتُهَا.» وَهَذَا نَصٌّ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فِي " سُنَنِهِ ". وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدْعَى السَّوَائِبَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ مُسَدَّدٌ فِي " مُسْنَدِهِ "، وَلِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَلَمْ تُقَسَّمْ، فَكَانَتْ مَوْقُوفَةً، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَسَائِرِ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وَلَمْ يُقَسِّمُوهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لَأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ قَالَتْ: «أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي، فَأَرَادَ عَلِيٌّ أَخِي قَتْلَهُمَا، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي، فَزَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلُهُمَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت، أَوْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت يَا أُمَّ هَانِئٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ فَقُتِلَ مِنْهُمْ ابْنُ خَطَلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صَبَابَةَ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ رُبَاعِهَا، وَإِجَارَةُ بُيُوتِهَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْحُجَّةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا؟ قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رُبَاعٍ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
يَعْنِي أَنَّ عَقِيلًا بَاعَ رُبَاعَ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ دُونَ إخْوَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ عَلَى دِينِهِ دُونَهُمَا، فَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ، لَمَا أَثَّرَ بَيْعُ عَقِيلٍ، شَيْئًا، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لَهُمْ دُورٌ بِمَكَّةَ لِأَبِي بَكْرٍ وَالزُّبَيْرِ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، وَسَائِرِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ دَارِهِ، فَهِيَ فِي يَدِ أَعْقَابِهِمْ.
وَقَدْ بَاعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ دَارَ النَّدْوَةِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِعْت مَكْرُمَةَ قُرَيْشٍ.
فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، ذَهَبَتْ الْمَكَارِمُ إلَّا التَّقْوَى.
أَوْ كَمَا قَالَ.
وَاشْتَرَى مُعَاوِيَةُ دَارَيْنِ.
وَاشْتَرَى عُمَرُ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ.
وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ فِي دُورِهِمْ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَقَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنِسْبَةِ دُورِهِمْ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» . وَأَقَرَّهُمْ فِي دُورِهِمْ وَرُبَاعَهُمْ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدًا عَنْ دَارِهِ، وَلَا وَجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ أَمْلَاكِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ، حَتَّى إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ شِدَّتِهِ فِي الْحَقِّ، لَمَّا احْتَاجَ إلَى دَارِ السِّجْنِ، لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا بِالْبَيْعِ.
وَلِأَنَّهَا أَرْضٌ حَيَّةٌ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ؛ فَجَازَ بَيْعُهَا كَسَائِرِ الْأَرْضِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي خِلَافِ هَذَا، فَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، فَهُوَ الصَّحِيحُ، الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ أَهْلَهَا فِيهَا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَرُبَاعِهِمْ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَهَا لَهُمْ، كَمَا تَرَكَ لِهَوَازِنَ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، مَنْ كَانَ سَاكِنَ دَارٍ أَوْ مَنْزِلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، يَسْكُنُهُ وَيُسْكِنُهُ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ، وَلَا أَخْذُ أُجْرَتِهِ، وَمَنْ احْتَاجَ إلَى مَسْكَنٍ، فَلَهُ بَذْلُ الْأُجْرَةِ فِيهِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الشِّرَاءِ فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إذَا سَكَنَ أَعْطَاهُمْ أُجْرَتَهَا.
فَإِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ فَأَمْكَنَهُ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِمْ الْأُجْرَةَ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سُفْيَانَ سَكَنَ فِي بَعْضِ رُبَاعِ مَكَّةَ، وَهَرَبَ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ أُجْرَةً، فَأَدْرَكُوهُ، فَأَخَذُوهَا مِنْهُ.
وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ فِعْلُ سُفْيَانَ، فَتَبَسَّمَ، فَظَاهِرُ هَذَا، أَنَّهُ أَعْجَبَهُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْمَنَاسِكِ، أَمَّا بِقَاعُ الْمَنَاسِكِ كَمَوْضِعِ السَّعْيِ وَالرَّمْيِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.

[فَصْلٌ مَنْ بَنِي بِنَاء بِمَكَّة بِآلَةِ مَجْلُوبَة مِنْ غَيْر أَرْض مَكَّة جَازَ بَيْعهَا]

(3176) فَصْلٌ: وَمَنْ بَنَى بِنَاءً بِمَكَّةَ، بِآلَةٍ مَجْلُوبَةٍ مِنْ غَيْرِ أَرْضِ مَكَّةَ، جَازَ بَيْعُهَا، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ

أَبْنِيَةِ الْوُقُوفِ وَأَنْقَاضِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَحِجَارَتِهِ، انْبَنَى جَوَازُ بَيْعِهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي بَيْعِ رُبَاعِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَكَّةَ، وَهَكَذَا تُرَابُ كُلِّ وَقْفٍ وَأَنْقَاضُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَأَمَّا الْبِنَاءُ بِمَكَّةَ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ.
قَالَ إِسْحَاقُ: الْبِنَاءُ بِمَكَّةَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْلَاصِ لِنَفْسِهِ، لَا يَحِلُّ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قِيلَ لَهُ: أَلَا تَبْنِي لَك بِمِنًى بَيْتًا؟ قَالَ: مِنًى مَنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ» .

[فَصْلٌ بَيْعِ الْمَصَاحِفِ]

(3177) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ رُخْصَةً.
وَرَخَّصَ فِي شِرَائِهَا.
وَقَالَ: الشِّرَاءُ أَهْوَنُ.
وَكَرِهَ بَيْعَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَدِدْت أَنَّ الْأَيْدِي تُقْطَعُ فِي بَيْعِهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمُصْحَفِ، مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَهَلْ يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ وَإِبْدَالُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَرَخَّصَ فِي بَيْعِهَا الْحَسَنُ وَالْحَكَمُ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ عَلَى الْجِلْدِ، وَالْوَرَقِ، وَبَيْعُ ذَلِكَ مُبَاحٌ.
وَلَنَا، قَوْلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِذَالِ، وَأَمَّا الشِّرَاءُ فَهُوَ أَسْهَلُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْقَاذٌ لِلْمُصْحَفِ وَبَذْلٌ لِمَالِهِ فِيهِ، فَجَازَ، كَمَا أَجَازَ شِرَاءَ رُبَاعِ مَكَّةَ، وَاسْتِئْجَارَ دُورِهَا، مَنْ لَا يَرَى بَيْعَهَا، وَلَا أَخْذَ أُجْرَتِهَا.
وَكَذَلِكَ أَرْضُ السَّوَادِ وَنَحْوُهَا.
وَكَذَلِكَ دَفْعُ الْأُجْرَةِ إلَى الْحَجَّامِ، لَا يُكْرَهُ، مَعَ كَرَاهَةِ كَسْبِهِ.
وَإِنْ اشْتَرَى الْكَافِرُ مُصْحَفًا، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
بِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَجَازَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالُوا: يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلشِّرَاءِ، وَالْمُصْحَفُ مَحَلٌّ لَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ، فَمُنِعَ مِنْ ابْتِدَائِهِ، كَسَائِرِ مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ.
فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ التَّوَصُّلِ إلَى نَيْلِ أَيْدِيهِمْ إيَّاهُ.

[فَصْلٌ شِرَاءُ الْكَافِرِ مُسْلِمًا]

فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ مُسْلِمًا.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُسْلِمَ بِالْإِرْثِ، وَيَبْقَى مِلْكُهُ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَ فِي يَدِهِ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، كَالْمُسْلِمِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يُمْنَعُ اسْتِدَامَةَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، فَمُنِعَ ابْتِدَاءَهُ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يُثْبِتُ الْمِلْكَ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالنِّكَاحِ، وَالْمِلْكِ بِالْإِرْثِ.
الِاسْتِدَامَةُ أَقْوَى مِنْ ابْتِدَاءِ الْمِلْكِ بِالْفِعْلِ وَالِاخْتِيَارِ، بِدَلِيلِ ثُبُوتِهِ بِهِمَا لِلْمُحْرِمِ فِي الصَّيْدِ، مَعَ مَنْعِهِ مِنْ ابْتِدَائِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَقْوَى ثُبُوتُ مَا دُونَهُ، مَعَ أَنَّنَا نَقْطَعُ الِاسْتِدَامَةَ عَلَيْهِ بِمَنْعِهِ مِنْهَا، وَإِجْبَارِهِ عَلَى إزَالَتِهَا.

[فَصْلٌ وَكَّلَ كَافِرٌ مُسْلِمًا فِي شِرَاءِ مُسْلِمٍ]

(3179) فَصْلٌ: وَلَوْ وَكَّلَ كَافِرٌ مُسْلِمًا فِي شِرَاءِ مُسْلِمٍ، لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ، وَلِأَنَّ الْمُوَكَّلَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِشِرَائِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ.
وَإِنْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا يَشْتَرِي لَهُ مُسْلِمًا، فَاشْتَرَاهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ هَاهُنَا، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ مُنِعَ التَّوْكِيلُ فِيهِ، كَالْمُحْرِمِ فِي شِرَاءِ الصَّيْدِ، وَالْكَافِرِ فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لِذِمِّيِّ فِي شِرَاءِ خَمْرٍ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى الْكَافِرُ مُسْلِمًا]

(3180) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى الْكَافِرُ مُسْلِمًا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وَحَكَى فِيهِ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمَ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَاَلَّذِي لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ مَا مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ شِرَاؤُهُ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ عَقِيبَ الشِّرَاءِ، كَشِرَاءِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ.
وَالثَّانِيَةُ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا ثَبَتَ لِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَةِ الْمُسْلِمِ بِمِلْكِ الْكَافِرِ لَهُ، وَالْمِلْكُ هَاهُنَا يَزُولُ عَقِيبَ الشِّرَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَحْصُلُ مِنْ نَفْعِ الْحُرِّيَّةِ أَضْعَافُ مَا حَصَلَ مِنْ الْإِهَانَةِ بِالْمِلْكِ فِي لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ.
وَيُفَارِقُ مَنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِإِزَالَتِهِ، وَكَذَلِكَ شِرَاءُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ، لَثَبَتَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزُلْ.
وَلَوْ قَالَ كَافِرٌ لَمُسْلِمٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، وَعَلَيَّ ثَمَنَهُ.
فَفَعَلَ، صَحَّ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إبْطَالٌ لِلرِّقِّ فِيهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْمِلْكُ فِيهِ حُكْمًا، فَجَازَ، كَمَا يَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ حُكْمًا.
وَلِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ النَّفْعِ يَنْغَمِرُ فِيهِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمِلْكِ، فَيَصِيرُ كَالْمَعْدُومِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ؛ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ بِنَاءً عَلَى شِرَاءِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ.

[فَصْلٌ أَجَّرَ مُسْلِمٌ نَفْسَهُ لِذِمِّيِّ لَعَمَلٍ فِي ذِمَّتِهِ]

(3181) فَصْلٌ: وَلَوْ أَجَّرَ مُسْلِمٌ نَفْسَهُ لِذِمِّيِّ، لَعَمَلٍ فِي ذِمَّتِهِ، صَحَّ؛ «لِأَنَّ عَلِيًّا، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَجَرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ، يَسْتَقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وَأَتَى بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلَهُ.» وَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
وَلِأَنَّهُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي مُدَّةٍ، كَيَوْمٍ، أَوْ شَهْرٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِيلَاءً عَلَيْهِ، وَصَغَارًا، أَشْبَهَ الشِّرَاءَ.
وَالثَّانِي، يَصِحُّ.
وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، أَشْبَهَ الْعَمَلَ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يُشْبِهُ الْمِلْكَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقْتَضِي سُلْطَانًا، وَاسْتِدَامَةً، وَتَصَرُّفًا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ فِي رَقَبَتِهِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.

[فَصْلٌ الْبَيْعُ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ]

(3182) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ إلَّا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ: «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا» . فَخَصَّهَا بِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِيمَا سِوَاهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْرُمُ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلَا يَحْرُمُ بَيْنَ مَنْ عَدَاهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ الَّتِي بَيْنَهُمْ لَا تَمْنَعُ الْقِصَاصَ، وَلَا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لَبَعْضٍ، فَلَمْ تَمْنَعْ التَّفْرِيقَ فِي الْبَيْعِ، كَابْنَيْ الْعَمِّ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ "، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَالْأَخِ وَأَخِيهِ» . وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَحِمًا مَحْرَمًا، فَلَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَالْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ.
وَيُفَارِقُ ابْنَيْ الْعَمِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مَحْرَمٌ.
(3183) فَصْلٌ: فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا دُونَ السَّبْعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ، لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، وَهُوَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالتَّفْرِيقِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْبَيْعِ، كَالْبَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ.
وَلَنَا حَدِيثُ عَلِيٍّ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِرَدِّهِمَا، وَلَوْ لَزِمَ الْبَيْعُ لَمَا أَمْكَنَ رَدُّهُمَا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ "، «أَنَّ عَلِيًّا فَرَّقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ الْمَبِيعَ» . وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ مُحَرَّمٌ، لِمَعْنًى فِيهِ، فَفَسَدَ، كَبَيْعِ الْخَمْرِ.
وَلَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ التَّفْرِيقِ حَاصِلٌ بِالْبَيْعِ،

فَكَانَ لِمَعْنًى فِيهِ.
فَأَمَّا تَحْدِيدُهُ بِالسَّبْعِ؛ فَإِنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ جَازَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ.
وَهِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ أَتَى أَبَا بَكْرٍ بِامْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، فَنَفَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَهَبَهَا لَهُ.
وَأُهْدِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَارِيَةُ، وَأُخْتُهَا سِيرِينَ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِيرِينَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَرَكَ مَارِيَةَ لَهُ» . وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَصِيرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَالْعَادَةُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأَحْرَارِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوِّجُ ابْنَتَهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَوَلَدِهَا إذَا افْتَرَقَ الْأَبَوَانِ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى مِمَّنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ]

(3184) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى مِمَّنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ، كَالسُّلْطَانِ الظَّالِمِ، وَالْمُرَابِي؛ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَبِيعَ مِنْ حَلَالِ مَالِهِ، فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَرَامٌ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مِلْكُهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ، كَرِهْنَاهُ لِاحْتِمَالِ التَّحْرِيمِ فِيهِ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ؛ لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ، قَلَّ الْحَرَامُ أَوْ كَثُرَ.
وَهَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ، وَبِقَدْرِ قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ، تَكُونُ كَثْرَةُ الشُّبْهَةِ وَقِلَّتُهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؛ لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ.
أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَحِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ.
وَفِي لَفْظِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «فَمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْمَأْثَمِ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ.» وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك.» وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَصْلٌ: وَالْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ الْأَوَّلُ، مَا أَصْلُهُ الْحَظْرُ، كَالذَّبِيحَةِ فِي بَلَدٍ فِيهَا مَجُوسٌ وَعَبَدَةُ أَوْثَانٍ يَذْبَحُونَ، فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَابِحُهَا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ ظَاهِرٍ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهَا أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَجُوس، لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهَا لِذَلِكَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك، فَخَالَطَ أَكْلُبًا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهَا، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، فَالظَّاهِرُ إبَاحَتُهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُقِرُّونَ فِي بَلَدِهِمْ بَيْعَ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ ظَاهِرًا.
وَالثَّانِي، مَا أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ، كَالْمَاءِ يَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا، لَا يَعْلَمُ أَبِنَجَاسَةٍ تَغَيَّرَ أَمْ بِغَيْرِهَا؟ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا نَزُولُ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ ظَاهِرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ، قَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ، مَا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، كَرَجُلٍ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، فَهَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ، الَّتِي الْأَوْلَى تَرْكُهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَعَمَلًا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ وَجَدَ تَمْرَةً سَاقِطَةً، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنَّهَا مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» . وَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ.

[فَصْلٌ حُكْم قَبُول جَوَائِز السُّلْطَانِ]

(3186) فَصْلٌ: وَكَانَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ، وَيُنْكِرُ عَلَى وَلَدِهِ وَعَمِّهِ قَبُولَهَا، وَيُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَقْبَلُهَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَبِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ وَالتَّوَقِّي، لَا عَلَى أَنَّهَا حَرَامٌ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ.
وَقَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّرَاهِمِ نَصِيبٌ فَكَيْفَ أَقُولُ: إنَّهَا سُحْتٌ؟ وَمِمَّنْ كَانَ يَقْبَلُ جَوَائِزَهُمْ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِثْلُ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ.
وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَهُ» . «وَأَجَابَ يَهُودِيًّا دَعَاهُ، وَأَكَلَ مِنْ طَعَامِهِ.» وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ السُّلْطَانِ، فَإِنَّ مَا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَرَامِ.
وَقَالَ: لَا تَسْأَلْ السُّلْطَانَ شَيْئًا، وَإِنْ أَعْطَى فَخُذْ، فَإِنَّ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْحَرَامِ.
فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ حَرَامٌ: يَتَصَدَّقُ بِالثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، فِيهَا عَشْرَةٌ حَرَامٌ، يَتَصَدَّقُ بِالْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَثِيرٌ، وَذَاكَ قَلِيلٌ.
فَقِيلَ لَهُ: قَالَ سُفْيَانُ: مَا كَانَ دُونَ الْعَشَرَةِ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ يَخْرُجُ.
قَالَ: نَعَمْ، لَا يُجْحَفُ بِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَ الْحَلَالُ بَعُدَ تَنَاوُلِ الْحَرَامِ، وَشَقَّ التَّوَرُّعُ عَنْ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَسْهُلُ إخْرَاجُ الْكُلِّ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إخْرَاجُ قَدْرِ الْحَرَامِ، وَالْبَاقِي مُبَاحٌ لَهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِ عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَ عِوَضَهُ زَالَ التَّحْرِيمُ عَنْهُ، كَمَا

لَوْ كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا فَرَضِيَ بِعِوَضِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
وَالْوَرَعُ إخْرَاجُ مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ إخْرَاجُ عَيْنِ الْحَرَامِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْجَمِيعِ، لَكِنْ لَمَّا شَقَّ ذَلِكَ فِي الْكَثِيرِ، تُرِكَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ، وَاقْتُصِرَ عَلَى الْوَاجِبِ.
ثُمَّ يَخْتَلِفُ هَذَا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا الدَّرَاهِمُ الْيَسِيرَةِ، فَيَشُقُّ إخْرَاجُهَا؛ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَيَسْتَغْنِي عَنْهَا، فَيَسْهُلُ إخْرَاجُهَا.

[فَصْلٌ بَيْعُ كُلِّ مَاءٍ عَدَّ كَمِيَاهِ الْعُيُون]

(3187) فَصْلٌ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمَذْهَبِ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءٍ عَدَّ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ، وَنَقْعِ الْبِئْرِ فِي أَمَاكِنِهِ قَبْلَ إحْرَازِهِ فِي إنَائِهِ، وَلَا الْكَلَأِ فِي مَوَاضِعِهِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ.
فَعَلَى هَذَا؛ مَتَى بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا كَلَأٌ أَوْ مَاءٌ، فَلَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةً أُخْرَى؛ أَنَّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ بَاعَ الْأَرْضَ، فَذَكَرَ الْمَاءَ وَالْكَلَأَ فِي الْبَيْعِ، دَخَلَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، كَانَ الْمَاءُ الْمَوْجُودُ وَالْكَلَأُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ.
وَالْمَاءُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ كَالطَّعَامِ فِي الدَّارِ، فَمَا يَتَجَدَّدُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إذَا بَاعَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ آصُعًا مَعْلُومَةً، جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالصُّبْرَةِ، وَإِنْ بَاعَ كُلَّ مَاءِ الْبِئْرِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ.
وَلَوْ بَاعَ مِنْ النَّهْرِ الْجَارِي آصُعًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَذْهَبُ، وَيَأْتِي غَيْرُهُ.
(3188) فَصْلٌ: وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ؛ مَتَى كَانَ الْمَاءُ النَّابِعُ فِي مِلْكِهِ، أَوْ الْكَلَأُ أَوْ الْمَعَادِنُ، وَفْقَ كِفَايَتِهِ، لِشُرْبِهِ، وَشُرْبِ مَاشِيَتِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَذْلُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، فَإِذَا تَسَاوَى هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الْحَاجَةِ، كَانَ أَحَقَّ بِهِ، كَالطَّعَامِ، وَإِنَّمَا تَوَعَّدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، وَلَا فَضْلَ فِي هَذَا.
وَلِأَنَّ عَلَيْهِ فِي بَذْلِهِ ضَرَرًا، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفْعُ غَيْرِهِ بِمَضَرَّةِ نَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ شُرْبِهِ، وَشُرْبِ مَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ، وَاحْتَاجَتْ إلَيْهِ مَاشِيَةُ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْمَاءِ وَيَشْرَبَ، وَيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى إيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ، لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الْكَلَأِ، مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَنَهَى أَنْ يُمْنَعَ الْمَاءُ مَخَافَةَ أَنْ يُرْعَى الْكَلَأُ» . يَعْنِي إذَا كَانَ فِي مَكَان كَلَأٌ، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ الْإِقَامَةُ لِرَعْيِهِ إلَّا بِالسَّقْيِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فَيَمْنَعُهُمْ السَّقْيَ، لِيَتَوَفَّرَ الْكَلَأُ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: ابْنُ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ مِنْ الْبَانِي عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ابْنُ السَّبِيلِ أَوَّلُ شَارِبٍ.
وَعَنْ بُهَيْسَةَ، قَالَتْ: «قَالَ أَبِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: الْمَاءُ.
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: الْمِلْحُ» . وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَذْلُ آلَةِ الْبِئْرِ مِنْ الْحَبْلِ، وَالدَّلْوِ، وَالْبَكَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَخْلُقُ وَلَا يَسْتَخْلِفُ غَيْرَهُ، بِخِلَافِ الْمَاءِ.
وَهَذَا كُلُّهُ هُوَ

الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحَارِي.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا هَذَا فِي الصَّحَارِي وَالْبَرِّيَّةِ، دُونَ الْبُنْيَانِ.
يَعْنِي أَنَّ الْبُنْيَانَ إذَا كَانَ فِيهِ الْمَاءُ فَلَيْسَ لَأَحَدٍ الدُّخُولُ إلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ.

[فَصْلٌ بَذْلُ فَضْلِ مَائِهِ لِزَرْعِ غَيْرِهِ]

(3189) فَصْلٌ: وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَذْلُ فَضْلِ مَائِهِ لِزَرْعِ غَيْرِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ سَقْيُهُ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ.
وَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، «أَنَّ قَيِّمَ أَرْضِهِ بِالْوَهْطِ كَتَبَ إلَيْهِ، يُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ سَقَى أَرْضَهُ، وَفَضَلَ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَضْلٌ يُطْلَبُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا.
فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو؛ أَقِمْ قِلْدَكَ، ثُمَّ اسْقِ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ» . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْقِلْدُ يَوْمُ الشُّرْبِ.
وَفِي " الْمُسْنَدِ "، حَدَّثَنَا حَسَنٌ، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ» . وَرَوَى إيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُمْنَعَ فَضْلُ الْمَاءِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي لَفْظٍ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ.» وَلِأَنَّ فِي مَنْعِهِ فَضْلَ الْمَاءِ إهْلَاكَهُ، فَحَرُمَ مَنْعُهُ كَالْمَاشِيَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا حُرْمَةَ لَهُ.
قُلْنَا: فَلِصَاحِبِهِ حُرْمَةٌ، فَلَا يَجُوزُ التَّسَبُّبُ إلَى إهْلَاكِ مَالِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ نَفْيُ الْحُرْمَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَإِتْلَافَهُ مُحَرَّمٌ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَتِهِ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةِ فَقَضَاهَا عَنْهُ غَيْرُهُ]

(3190) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةٍ فَقَضَاهَا عَنْهُ غَيْرُهُ، صَحَّ، سَوَاءٌ قَضَاهُ بِأَمْرِهِ أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِ.
فَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مُسْتَحِقًّا، لَزِمَ رَدُّ الْمِائَةِ إلَى دَافِعِهَا؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَكَأَنَّ الْمِائَةَ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِ دَافِعِهَا.
وَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مَعِيبًا، فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ، أَوْ بِإِقَالَةِ، أَوْ أَصْدَقَ امْرَأَةَ إنْسَانٍ شَيْئًا، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، أَوْ ارْتَدَّتْ، فَهَلْ يَلْزَمُ رَدُّ الْمِائَةِ إلَى دَافِعِهَا أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، عَلَى الدَّافِعِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ حَصَلَ مِنْهُ، فَالرَّدُّ عَلَيْهِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَالثَّانِي، عَلَى الزَّوْجِ وَالْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ لَهُمَا، بِدَلِيلِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا مِنْهُ، وَالْهِبَةُ الْمَقْبُوضَةُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، إذَا كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ عَلَى الزَّوْجِ

وَالْمُشْتَرِي، إذَا كَانَ عَقْدُهُمَا صَحِيحًا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ إذْنَهُمَا فِي تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ، جَرَى مَجْرَى قَبُولِهِ وَقَبْضِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ وَإِنْ أَذِنَا فِي دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُمَا قَرْضًا، فَإِنَّ الرَّدَّ يَكُونُ عَلَيْهِمَا، وَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِعِوَضِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ الْعَبْدُ لَرَجُلٍ ابْتَعْنِي مِنْ سَيِّدِي فَفَعَلَ فَبَانَ الْعَبْدُ مُعْتَقًا]

(3191) فَصْلٌ إذَا قَالَ الْعَبْدُ لَرَجُلٍ: ابْتَعْنِي مِنْ سَيِّدِي.
فَفَعَلَ، فَبَانَ الْعَبْدُ مُعْتَقًا، فَالضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ السَّيِّدُ حَاضِرًا حِينَ غَرَّهُ الْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْغَرُورَ مِنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّ السَّيِّدَ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَضَمِنَ الْعُهْدَةَ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
وَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مَغْصُوبًا، أَوْ بِهِ عَيْبٌ، فَرَدَّهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَجَاءَ الْآخَرُ يَطْلُبُ نَصِيبَهُ مِنْهُ]

(3192) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا، فَغَابَ أَحَدُهُمَا، وَجَاءَ الْآخَرُ يَطْلُبُ نَصِيبَهُ مِنْهُ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ الْغَائِبِ، وَلَيْسَ لَهُ تَسْلِيمُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَبَ حِصَّتَهُ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَإِنْ قَالَ الْحَاضِرُ: أَنَا أَدْفَعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَيَدْفَعُ إلَى جَمِيعَ الْعَبْدِ.
لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّ شَرِيكَهُ لَمْ يَأْذَنْ لِلْحَاضِرِ فِي قَبْضِ نَصِيبِهِ، وَلَا لِلْبَائِعِ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ.
فَإِنْ سُلِّمَ إلَيْهِ، فَتَلِفَ الْعَبْدُ، فَلِلْغَائِبِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ فَرَّطَ بِدَفْعِ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالشَّرِيكَ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ ضَمِنَ الشَّرِيكُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ ضَمِنَ الدَّافِعُ رَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ لِذَلِكَ.
وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُ نَصِيبِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ إلَيْهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ إلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا.

[فَصْلٌ الْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ]

(3193) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ.
وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَأَبْعَدُ مِنْ التَّجَاحُدِ، فَكَانَ أَوْلَى، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا لَهُ خَطَرٌ، فَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْقَلِيلَةُ الْخَطَرِ، كَحَوَائِجِ الْبَقَّالِ، وَالْعَطَّارِ، وَشَبَهِهِمَا، فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ فِيهَا تَكْثُرُ، فَيَشُقُّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا، وَتَقْبُحُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا، وَالتَّرَافُعُ إلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِهَا، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ.
وَلَيْسَ الْإِشْهَادُ بِوَاجِبٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا شَرْطًا لَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ذَلِكَ فَرْضٌ

لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِمَّنْ رَأَى الْإِشْهَادَ عَلَى الْبَيْعِ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ؛ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْأَمَانَةِ.
وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» «وَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سَرَاوِيلَ» ، «وَمِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا، فَجَحَدَهُ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَشْهَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَبَايَعُونَ فِي عَصْرِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِشْهَادِ، وَلَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِعْلُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانُوا يُشْهَدُونَ فِي كُلِّ بِيَاعَاتِهِمْ لَمَا أُخِلَّ بِنَقْلِهِ.
«وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً.
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِشْهَادِ، وَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَرْكَ الْإِشْهَادِ.» وَلِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ تَكْثُرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ وَجَبَ الْإِشْهَادُ فِي كُلِّ مَا يَتَبَايَعُونَهُ، أَفْضَى إلَى الْحَرَجِ الْمَحْطُوطِ عَنَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] . وَالْآيَةُ الْمُرَادُ بِهَا الْإِرْشَادُ إلَى حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالتَّعْلِيمِ، كَمَا أَمَرَ بِالرَّهْنِ وَالْكَاتِبِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ.

[فَصْلٌ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ]

(3194) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا.
وَرَأَى عِمْرَانُ الْقَصِيرُ رَجُلًا يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: هَذِهِ سُوقُ الْآخِرَةِ، فَإِنْ أَرَدْت التِّجَارَةَ فَاخْرُجْ إلَى سُوقِ الدُّنْيَا.
فَإِنْ بَاعَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ، وَشُرُوطِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ مُفْسِدٍ لَهُ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ لَا تُوجِبُ الْفَسَادَ، كَالْغِشِّ فِي الْبَيْعِ وَالتَّدْلِيسِ وَالتَّصْرِيَةِ.
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " قُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ ". مِنْ غَيْرِ إخْبَارٍ بِفَسَادِ الْبَيْعِ، دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى]

بَابُ السَّلَمِ وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ عِوَضًا حَاضِرًا، فِي عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَيُسَمَّى سَلَمًا، وَسَلَفًا.
يُقَالُ: أَسْلَمَ، وَأَسْلَفَ، وَسَلَّفَ.
وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، يَنْعَقِدُ بِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] ، وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِلسَّلَمِ.
وَيَشْمَلُهُ بِعُمُومِهِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: مَنْ أَسَلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ، قَالَ: «أَرْسَلَنِي أَبُو بُرْدَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُمَا عَنْ السَّلَفِ، فَقَالَا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسَلِّفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ.
فَقُلْت: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ.» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ، وَلِأَنَّ الْمُثَمَّنَ فِي الْبَيْعِ أَحَدُ عِوَضَيْ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ، كَالثَّمَنِ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالتِّجَارَاتِ يَحْتَاجُونَ إلَى النَّفَقَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهَا؛ لِتَكْمُلَ، وَقَدْ تُعْوِزُهُمْ النَّفَقَةُ، فَجَوَّزَ لَهُمْ السَّلَمَ؛ لِيَرْتَفِقُوا، وَيَرْتَفِقُ الْمُسْلِمُ بِالِاسْتِرْخَاصِ.

[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَا ضُبِطَ بِصِفَةِ فَالسَّلَم فِيهِ جَائِزٌ]

(3195) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَكُلُّ مَا ضُبِطَ بِصِفَةٍ، فَالسَّلَمُ فِيهِ جَائِزٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ السَّلَمَ، لَا يَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهَا ظَاهِرًا، فَيَصِحُّ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَالدَّقِيقِ، وَالثِّيَابِ، وَالْإِبْرَيْسَمِ، وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالصُّوفِ، وَالشَّعْرِ، وَالْكَاغَدِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْأَدْوِيَةِ، وَالطِّيبِ، وَالْخُلُولِ، وَالْأَدْهَانِ، وَالشُّحُومِ، وَالْأَلْبَانِ، وَالزِّئْبَقِ، وَالشَّبِّ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْكُحْلِ، وَكُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، أَوْ مَزْرُوعٍ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ فِي

الثِّمَارِ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالزَّيْتِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ فِي الطَّعَامِ جَائِزٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الثِّيَابِ.
وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، كَالْجَوْهَرِ مِنْ اللُّؤْلُؤ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْعَقِيقِ، وَالْبَلُّورِ؛ لِأَنَّ أَثْمَانَهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَحُسْنِ التَّدْوِيرِ، وَزِيَادَةِ ضَوْئِهَا، وَصَفَائِهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِبَيْضِ الْعُصْفُورِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ؛ وَلَا بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْلَفُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهَا، إذَا اشْتَرَطَ مِنْهَا شَيْئًا مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ وَزْنًا، فَبِوَزْنٍ مَعْرُوفٍ.
وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَا يَصِحُّ فِيمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا مَقْصُودَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ، وَالنِّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا؛ لِلْجَهْلِ بِهَا، وَلَا فِي الْحَوَامِلِ مِنْ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، وَلَا فِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ وَالْأَوْسَاطِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ إذَا ضُبِطَ بِارْتِفَاعِ حَائِطِهِ، وَدُورِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْقِسِيِّ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْخَشَبِ، وَالْقَرْنِ، وَالْعَضَبِ، والتوز، إذْ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ مَقَادِيرِ ذَلِكَ، وَتَمْيِيزُ مَا فِيهِ مِنْهَا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَاَلَّذِي يَجْمَعُ أَخْلَاطًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مُخْتَلِطٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّزٌ، كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ، أَوْ قُطْنٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا، لِأَنَّ ضَبْطَهَا مُمْكِنٌ الثَّانِي، مَا خَلْطُهُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، كَالْإِنْفَحَةِ فِي الْجُبْنِ، وَالْمِلْحِ فِي الْعَجِينِ وَالْخُبْزِ، وَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لِمَصْلَحَتِهِ.
الثَّالِثُ، أَخْلَاطٌ مَقْصُودَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ وَالنِّدِّ وَالْمَعَاجِينِ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهَا.
الرَّابِعُ، مَا خَلْطُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الْخُبْزِ وَاللِّبَأ وَمَا أَمْكَنَ ضَبْطُهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ]

(3196) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ، وَاللِّبَأِ، وَمَا أَمْكَنَ ضَبْطُهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي كُلِّ مَعْمُولٍ بِالنَّارِ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَخْتَلِفُ، وَيَخْتَلِفُ، عَمَلُهَا، وَيَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِذَلِكَ.

وَلَنَا: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ.» فَظَاهِرُ هَذَا إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ، وَلِأَنَّ عَمَلَ النَّارِ فِيهِ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ، مُمْكِنٌ ضَبْطُهُ بِالنَّشَّافَةِ، وَالرُّطُوبَةِ، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْمُجَفَّفِ بِالشَّمْسِ.
فَأَمَّا اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ، وَالشِّوَاءُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا، وَعَادَاتُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخُبْزِ وَاللِّبَأِ.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ]

(3197) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَخْلَاطًا مِنْ خَشَبٍ، وَعَقِبٍ وَرِيشٍ، وَنَصْلٍ، فَجَرَى مَجْرَى أَخْلَاطِ الصَّيَادِلَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ رِيشًا نَجِسًا؛ لِأَنَّ رِيشَهُ مِنْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَيُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَتَفَاوَتُ الثَّمَنُ مَعَهَا غَالِبًا، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ، وَمَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ مُتَمَيِّزٌ، يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ، وَلَا يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا، فَلَا يُمْنَعُ، كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ الرِّيشُ طَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَكِنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَلَمْ يُمْنَعْ السَّلَمُ فِيهِ، كَنَجَاسَةِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الْحَيَوَانِ]

(3198) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ فَرُوِيَ، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْجُوزَجَانِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ مِنْ الرِّبَا أَبْوَابًا لَا تَخْفَى، وَإِنَّ مِنْهَا السَّلَمَ فِي السِّنِّ.
وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا، فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.
وَإِنْ اسْتَقْصَى صِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ، مِثْلُ: أَزَجُّ الْحَاجِبَيْنِ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، أَشَمُّ الْعِرْنِينِ، أَهْدَبُ الْأَشْفَارِ، أَلْمَى الشَّفَةِ، بَدِيعُ الصِّفَةِ.
تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ؛ لِنُدْرَةِ وُجُودِهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمِمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَحَكَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَكَمِ.
لِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ

قَالَ: «اسْتَسْلَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَبْتَعَ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ وَبِالْأَبْعِرَةِ إلَى مَجِيءِ الصَّدَقَةِ» . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الرِّبَا.
وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فَثَبَتَ فِي السَّلَمِ كَالثِّيَابِ، فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الِاخْتِلَافِ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ مِنْ ضِرَابِ فَحْلِ بَنِي فُلَانٍ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّمَا كَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ السَّلَفَ فِي الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا نِتَاجَ فَحْلٍ مَعْلُومٍ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّهُ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرَ، بِعِشْرِينَ بَعِيرًا، إلَى أَجَلٍ.
وَلَوْ ثَبَتَ قَوْلُ عُمَرَ فِي تَحْرِيمِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ، فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِمَّنْ وَافَقَنَا.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي غَيْر الْحَيَوَان مِمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن وَلَا يُزْرَع]

(3199) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ وَلَا يُزْرَعُ، فَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى السَّلَمَ إلَّا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُوقَفُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَعْنَاهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِحَدٍّ مَعْلُومٍ لَا يَخْتَلِفُ، كَالزَّرْعِ، فَأَمَّا الرُّمَّانُ وَالْبَيْضُ، فَلَا أَرَى السَّلَمَ فِيهِ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَعَنْ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الرُّمَّانِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، وَمِنْهُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي كُلِّ مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ، كَاَلَّذِي سَمَّيْنَاهُ، وَكَالْبُقُولِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْبَقْلِ بِالْحَزْمِ؛ لِأَنَّ الْحَزْمَ يُمْكِنُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَلَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْجَوَاهِرِ.
وَنَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ، جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْفَوَاكِهِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْمَوْزِ، وَالْخَضْرَاوَاتِ، وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَارَبُ وَيَنْضَبِطُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَمَا لَا يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بِالْوَزْنِ، كَالْبُقُولِ وَنَحْوهَا، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْمَزْرُوعِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعَ مِنْ السَّلَمِ فِي الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ.
وَلَعَلَّ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ، فَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ]

(3200) فَصْلٌ: فَأَمَّا السَّلَمُ فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ، فَيَخْرُجُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ أَيْضًا، كَالرِّوَايَتَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ فِيهِ عَظْمٌ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ، فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، كَبَقِيَّةِ اللَّحْمِ.
وَالْآخَرُ، لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُ الْعِظَامُ وَالْمَشَافِرُ، وَاللَّحْمُ فِيهِ قَلِيلٌ، وَلَيْسَ بِمَوْزُونٍ، بِخِلَافِ اللَّحْمِ.
فَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا، أَوْ مَشْوِيًّا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَهُوَ

قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاثَرُ وَيَخْتَلِفُ.
وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا، حُكْمُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ غَيْرِهِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَالْعَقْدُ يَقْتَضِيه سَلِيمًا مِنْ التَّأَثُّرِ، وَالْعَادَةُ فِي طَبْخِهِ تَتَفَاوَتُ، فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الْجُلُودِ]

(3201) فَصْلٌ: وَفِي الْجُلُودِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ، فَالْوَرِكُ ثَخِينٌ قَوِيٌّ، وَالصَّدْرُ ثَخِينٌ رِخْوٌ، وَالْبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ، وَالظَّهْرُ أَقْوَى، فَيَحْتَاجُ إلَى وَصْفِ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ ذَرْعُهُ؛ لِاخْتِلَافِ أَطْرَافِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ، كَالْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْجِلْدِ وَالْأَطْرَافِ وَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَمَا فِي الْبَطْنِ، وَكَذَلِكَ الرَّأْسُ يَشْتَمِلُ عَلَى لَحْمِ الْخَدَّيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ، كَذَا هَاهُنَا.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي اللَّحْمِ]

(3202) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ» . وَظَاهِرُهُ إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَوْزُونٍ.
وَلِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ، فَاللَّحْمُ أَوْلَى.

الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ يَضْبِطَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالْوَصْفِ كَالثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي الْمَبِيعِ، وَطَرِيقُهُ إمَّا الرُّؤْيَةُ وَإِمَّا الْوَصْفُ.
وَالرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةٌ هَاهُنَا، فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ.
وَالْأَوْصَافُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَّفَقٌ عَلَى اشْتِرَاطِهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ؛ الْجِنْسُ، وَالنَّوْعُ، وَالْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ.
فَهَذِهِ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِهَا.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ مِمَّا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَوْصَافِ، وَهَذِهِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَنَذْكُرُهَا عِنْدَ ذِكْرِهِ.
وَذِكْرُهَا شَرْطٌ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إمَامِنَا وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكْفِي ذِكْرُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَا وَرَاءَهَا مِنْ الصِّفَاتِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَبْقَى مِنْ الْأَوْصَافِ، مِنْ اللَّوْنِ وَالْبَلَدِ وَنَحْوِهِمَا، مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ وَالْغَرَضُ لِأَجْلِهِ، فَوَجَبَ، ذِكْرُهُ، كَالنَّوْعِ.
وَلَا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُلِّ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ، وَقَدْ يَنْتَهِي الْحَالُ فِيهَا إلَى أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، إذْ يَبْعُدُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا، فَيَجِبُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي

يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا.
وَلَوْ اسْتَقْصَى الصِّفَاتِ حَتَّى انْتَهَى إلَى حَالَ يَنْدُرُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ، بَطَلَ السَّلَمُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحِلِّ، وَاسْتِقْصَاءُ الصِّفَاتِ يَمْنَعُ مِنْهُ.
وَلَوْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَجْوَدِ.
وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَانَ نَادِرًا.
وَإِنْ شَرَطَ الْأَرْدَأَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ لِذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُسْلِمُ شَيْئًا إلَّا كَانَ خَيْرًا مِمَّا شَرَطَهُ، فَلَا يَعْجِزُ إذًا عَنْ تَسْلِيمِ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَابْنَتِهَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَضْبِطَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِصِفَاتٍ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِي جَارِيَةٍ وَابْنَتِهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ ابْنَةِ عَمِّهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ عَلَى صِفَةِ خِرْقَةٍ أَحْضَرَهَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَهْلِكَ الْخِرْقَةُ، وَهَذَا غَرَرٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَمَنَعَ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ، أَوْ صَنْجَةً بِعَيْنِهَا.

[فَصْلٌ الْجِنْسُ وَالْجَوْدَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا شَرْطَانِ فِي كُلِّ مُسْلَمٍ فِيهِ]

(3203) فَصْلٌ: وَالْجِنْسُ، وَالْجَوْدَةُ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، شَرْطَانِ فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرِيرِ ذِكْرِهِمَا فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ، وَيَذْكُرُ مَا سِوَاهُمَا، فَيَصِفُ التَّمْرَ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، بَرْنِيُّ أَوْ مَعْقِلِيٌّ، وَالْبَلَدُ، إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ، فَيَقُولُ بَغْدَادِيٌّ، أَوْ بَصْرِيٌّ؛ فَإِنَّ الْبَغْدَادِيَّ أَحْلَى وَأَقَلُّ بَقَاءً لِعُذُوبَةِ الْمَاءِ، وَالْبَصْرِيُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَالْقَدْرُ، كِبَارٌ أَوْ صِغَارٌ، وَحَدِيثٌ أَوْ عَتِيقٌ.
فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَتِيقَ، فَأَيَّ عَتِيقٍ أَعْطَى جَازَ، مَا لَمْ يَكُنْ مَسُوسًا وَلَا حَشَفًا وَلَا مُتَغَيِّرًا.
وَإِنْ قَالَ: عَتِيقُ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ.
فَأَمَّا اللَّوْنُ، فَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ مُخْتَلِفًا، كالطبرز يَكُونُ أَحْمَرَ، وَيَكُونُ أَسْوَدَ.
ذَكَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ، إلَّا الْحَدِيثَ وَالْعَتِيقَ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الرُّطَبِ إلَّا مَا أُرْطِبَ كُلُّهُ.
وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ مُشَدَّخًا، وَلَا قَدِيمًا قَارَبَ أَنْ يُتْمِرَ.
وَهَكَذَا مَا جَرَى مَجْرَاهُ، مِنْ الْعِنَبِ وَالْفَوَاكِهِ.

[فَصْلٌ يُوصَفُ الْبَرّ فِي السَّلَم بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ]

(3204) فَصْلٌ: وَيَصِفُ الْبُرَّ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، فَيَقُولُ: سَبِيلَةٌ أَوْ سَلْمُونِيٌّ.
وَالْبَلَدُ، فَيَقُولُ: حُورَانِيٌّ أَوْ بَلْقَاوِيٌّ أَوْ سِمَالِيٌّ.
وَصِغَارُ الْحَبِّ أَوْ كِبَارُهُ، وَحَدِيثٌ أَوْ عَتِيقٌ.
وَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ لَوْنُهُ.
ذَكَرَهُ، وَلَا يَسْلَمُ فِيهِ إلَّا مُصَفًّى، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الشَّعِيرِ وَالْقُطْنِيَّاتِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ.

[فَصْلٌ يُوصَفُ الْعَسَل فِي السَّلَم بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ]

(3205) فَصْلٌ: وَيَصِفُ الْعَسَلَ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ الْبَلَدِيُّ، فِيجِيٌّ أَوْ نَحْوُهُ.
وَيُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْ النَّوْعِ.
وَالزَّمَانِ؛ رَبِيعِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَوْ صَيْفِيٌّ.
وَاللَّوْنُ؛ أَبْيَضُ أَوْ أَحْمَرُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُصَفًّى مِنْ الشَّمْعِ.

[فَصْلٌ ذِكْرِ النَّوْعِ وَالسِّنِّ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ فِي السَّلَم فِي الْحَيَوَان]

(3206) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ، وَالسِّنِّ، وَالذُّكُورِيَّةِ، وَالْأُنُوثِيَّةِ، وَيُذْكَرُ اللَّوْنُ إذَا كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ، وَيَرْجِعُ فِي سِنِّ الْغُلَامِ إلَيْهِ إنْ كَانَ بَالِغًا، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَجَعَ فِي قَوْلِهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظُنُونِهِمْ تَقْرِيبًا.
وَإِذَا ذَكَرَ النَّوْعَ فِي الرَّقِيقِ وَكَانَ مُخْتَلِفًا، مِثْلَ التُّرْكِيِّ؛ مِنْهُمْ الْجِكِلِيُّ وَالْخَزَرِيُّ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ، أَوْ يَكْفِي ذِكْرُ النَّوْعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْجَارِيَةِ إلَى ذِكْرِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَلَا الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُرَاعَى، كَمَا فِي صِفَاتِ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ، فَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَزِمَهُ.
وَيَذْكُرُ الثُّيُوبَةَ وَالْبَكَارَةَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ.
وَيَذْكُرُ الْقَدَّ؛ خُمَاسِيٌّ أَوْ سُدَاسِيٌّ، يَعْنِي خَمْسَةَ أَشْبَارٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْبَارٍ.
قَالَ أَحْمَدُ، يَقُولُ: خُمَاسِيٌّ سُدَاسِيٌّ، أَسْوَدُ أَبْيَضُ، أَعْجَمِيٌّ أَوْ فَصِيحٌ.
فَأَمَّا الْإِبِلُ فَيَضْبِطُهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ، فَيَقُولُ: مِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ.
وَالسِّنُّ، بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ.
وَاللَّوْنُ، بَيْضَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ أَوْ وَرْقَاءُ، وَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَإِنْ كَانَ نِتَاجٌ يَخْتَلِفُ فِيهِ مَهْرِيَّةٌ وَأَرْحَبِيَّةٌ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى ضَبْطِ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ وَمَا زَادَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْضَهُ كَانَ تَأْكِيدًا وَلَزِمَهُ.
وَأَوْصَافُ الْخَيْلِ، كَأَوْصَافِ الْإِبِلِ.
وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، فَلَا نِتَاجَ لَهَا، فَيَجْعَلُ مَكَانَ ذَلِكَ نِسْبَتَهَا إلَى بَلَدِهَا.
وَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، فَإِنْ عُرِفَ لَهَا نِتَاجٌ، فَهِيَ كَالْإِبِلِ، وَإِلَّا فَهِيَ كَالْحُمُرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ، فَيَقُولُ فِي الْإِبِلِ: بُخْتِيَّةٌ أَوْ عَرَبِيَّةٌ، وَفِي الْخَيْلِ، عَرَبِيَّةٌ أَوْ هَجِينٌ أَوْ بِرْذَوْنٌ.
وَفِي الْغَنَمِ، ضَأْنٌ أَوْ مَعْزٌ، إلَّا الْحُمُرَ وَالْبِغَالَ، فَلَا نَوْعَ فِيهِمَا.

(3207) فَصْلٌ: وَيَذْكُرُ فِي اللَّحْمِ السِّنَّ، وَالذُّكُورِيَّةَ، وَالْأُنُوثِيَّةَ، وَالسِّمَنَ، وَالْهُزَالَ، وَرَاعِيًا أَوْ مَعْلُوفًا، وَنَوْعَ الْحَيَوَانِ، وَمَوْضِعَ اللَّحْمِ مِنْهُ.
وَيَزِيدُ فِي الذَّكَرِ، فَحْلًا أَوْ خَصِيًّا.
وَإِنْ كَانَ مِنْ صَيْدٍ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الْعَلَفِ وَالْخِصَاءِ.
وَيَذْكُرُ الْآلَةَ الَّتِي يُصَادُ بِهَا، مِنْ جَارِحَةٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ.
وَفِي الْجَارِحَةِ يَذْكُرُ صَيْدَ فَهْدٍ، أَوْ كَلْبٍ، أَوْ صَقْرٍ، فَإِنَّ الْأُحْبُولَةَ يُؤْخَذُ الصَّيْدُ مِنْهَا سَلِيمًا.
وَصَيْدُ الْكَلْبِ خَيْرٌ مِنْ صَيْدِ الْفَهْدِ؛ لِكَوْنِ الْكَلْبِ أَطْيَبَ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً.
قِيلَ: هُوَ أَطْيَبُ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً؛ لِكَوْنِهِ مَفْتُوحَ الْفَمِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ، وَلَا يَكَادُ الثَّمَنُ يَتَبَايَنُ بِاخْتِلَافِهِ، وَلَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ.
وَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ فِي الرَّقِيقِ إلَى ذِكْرِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، وَالسِّمَنِ،

وَالْهُزَالِ، وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا يَتَبَايَنُ بِهَا الثَّمَنُ وَتَخْتَلِفُ الرَّغَبَاتُ بِهَا، وَيَعْرِفُهَا النَّاسُ، فَهَذَا أُولَى.
وَيَلْزَمُ قَبُولُ اللَّحْمِ بِعِظَامِهِ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا يُقْطَعُ، فَهُوَ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ، وَإِنْ كَانَ السَّلَمُ فِي لَحْمِ طَيْرٍ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِذَلِكَ، كَلَحْمِ الدَّجَاجِ، وَلَا إلَى ذِكْرِ مَوْضِعِ اللَّحْمِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الرَّأْسِ وَالسَّاقَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ عَلَيْهَا.
وَفِي السَّمَكِ يَذْكُرُ النَّوْعَ؛ بَرَدِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْكِبَرَ وَالصِّغَرَ، وَالسِّمَنَ وَالْهُزَالَ، وَالطَّرِيَّ وَالْمِلْحَ، وَلَا يَقْبَلُ الرَّأْسَ وَالذَّنَبَ، وَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَأْخُذُ بَعْضَهُ، ذَكَرَ مَوْضِعَ اللَّحْمِ مِنْهُ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ السَّمْن فِي السَّلَم]

(3208) فَصْلٌ: وَيَضْبِطُ السَّمْنَ بِالنَّوْعِ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ أَوْ بَقَرٍ، وَاللَّوْنِ، أَبْيَضَ أَوْ أَصْفَرَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَذْكُرُ الْمَرْعِيَّ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ حَدِيثٍ أَوْ عَتِيقٍ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي الْحَدِيثَ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي عَتِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ، وَلَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ يُضْبَطُ بِهِ.
وَيَصِفُ الزُّبْدَ بِأَوْصَافِ السَّمْنِ، وَيَزِيدُ، زُبْدُ يَوْمِهِ أَوْ أَمْسِهِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ فِي السَّمْنِ أَوْ الزُّبْدِ، وَلَا رَقِيقٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رِقَّتُهُ لِلْحَرِّ.
وَيَصِفُ اللَّبَنَ بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اللَّوْنِ، وَلَا حَلْبَةِ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَيَصِحُّ السَّلَمَ فِي الْمَخِيضِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَهُوَ الْمَاءُ، فَصَارَ الْمَقْصُودُ مَجْهُولًا.
وَلَنَا أَنَّ الْمَاءَ يَسِيرٌ، يُتْرَكُ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ، جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمَ فِيهِ، كَالْمَاءِ فِي الشَّيْرَجِ، وَالْمِلْحِ وَالْإِنْفَحَة فِي الْجُبْنِ، وَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ، وَيَصِفُ الْجُبْنَ بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى، وَرَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، وَيَصِفُ اللِّبَأَ بِصِفَاتِ اللَّبَنِ، وَيَزِيدُ اللَّوْنَ، وَيَذْكُرُ الطَّبْخَ أَوْ لَيْسَ بِمَطْبُوخٍ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ الثِّيَابِ فِي السَّلَم بِسِتَّةِ أَوْصَافٍ]

(3209) فَصْلٌ: وَتُضْبَطُ الثِّيَابُ بِسِتَّةِ أَوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، كَتَّانٌ أَوْ قُطْنٌ.
وَالْبَلَدُ.
وَالطُّولُ.
وَالْعَرْضُ.
وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةُ.
وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ.
وَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ.
وَلَا يَذْكُرُ الْوَزْنَ، فَإِنْ ذَكَرَهُ، لَمْ يَصِحَّ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ صِفَاتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ، وَكَوْنِهِ عَلَى وَزْنٍ مَعْلُومٍ، فَيَكُونُ فِيهِ تَغْرِيرٌ؛ لِتَعَذُّرِ اتِّفَاقِهِ.
وَإِنْ ذَكَرَ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا، فَلَهُ مَا شَرَطَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، جَازَ، وَلَهُ خَامٌ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
وَإِنْ ذَكَرَ مَغْسُولًا أَوْ لَبِيسًا.
لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ يَخْتَلِفُ، وَلَا يَنْضَبِطُ.
فَإِنْ أَسْلَمَ فِي مَصْبُوغٍ، وَكَانَ مِمَّا يُصْبَغُ غَزْلُهُ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ صِفَاتِ الثَّوْبِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُصْبَغُ بَعْدَ نَسْجِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ صَبْغَ الثَّوْبِ يَمْنَعُ الْوُقُوفَ عَلَى نُعُومَتِهِ وَخُشُونَتِهِ، وَلِأَنَّ الصِّبْغَ غَيْرَ مَعْلُومٍ.
وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مُخْتَلِفِ الْغُزُولِ؛ كَقُطْنِ وَإِبْرَيْسَمَ، أَوْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ، أَوْ صُوفٍ، وَكَانَتْ الْغُزُولُ مَضْبُوطَةً بِأَنْ يَقُولَ: السُّدَى إبْرَيْسَمُ، وَاللُّحْمَةُ كَتَّانٌ أَوْ نَحْوُهُ، جَازَ.
وَلِهَذَا جَازَ السَّلَمُ فِي الْخَزِّ، وَهُوَ مِنْ غَزْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَإِنْ

أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مَوْشِيٍّ، وَكَانَ الْوَشْيُ مِنْ تَمَامِ نَسْجِهِ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ.

[فَصْلٌ وَصْفُ غَزْل الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فِي السَّلَم]

(3210) فَصْلٌ: وَيَصِفُ غَزْلَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ، وَالْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ وَيَصِفُ الْقُطْنَ بِذَلِكَ، وَيَجْعَلُ مَكَانَ الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ الطُّولَ وَالْقِصَرَ.
وَإِنْ شَرَطَ فِي الْقُطْنِ مَنْزُوعَ الْحَبِّ، جَازَ.
وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ لَهُ بِحَبِّهِ، كَالتَّمْرِ بِنَوَاهُ.
يَصِفُ الْإِبْرَيْسَمَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ، وَالْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ، يَصِفُ الصُّوفَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالزَّمَانِ، خَرِيفِيٍّ أَوْ رَبِيعِيٍّ؛ لِأَنَّ صُوفَ الْخَرِيفِ أَنْظَفُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَصِفُهُ بِالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ؛ لِأَنَّ صُوفَ الْإِنَاثِ أَنْعَمُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي هَذَا يَسِيرٌ.
وَعَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ نَقِيًّا مِنْ الشَّوْكِ وَالْبَعْرِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَإِنْ اشْتَرَطَهُ، جَازَ، وَكَانَ تَأْكِيدًا.
وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ، كَالصُّوفِ.
وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْكَاغَدِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، وَيَصِفُهُ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَالدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَاسْتِوَاءِ الصَّنْعَةِ، وَمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ فِي السَّلَمِ بِالنَّوْعِ]

(3211) فَصْلٌ: وَيَضْبِطُ النُّحَاسُ، وَالرَّصَاصُ، وَالْحَدِيدُ بِالنَّوْعِ، فَيَقُولُ فِي الرَّصَاصِ: قَلْعِيٌّ أَوْ أُسْرُبٌ.
وَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ، وَاللَّوْنُ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ.
وَيَزِيدُ فِي الْحَدِيدِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَإِنَّ الذَّكَرَ أَحَدُّ وَأَمْضَى.
وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُمْكِنُ ضَبْطُ قَدْرِهَا وَطُولِهَا وَسُمْكِهَا وَدُورِهَا، كَالْأَسْطَالِ الْقَائِمَةِ الْحِيطَانِ، وَالطُّسُوتِ، جَازَ.
وَيَضْبِطُهَا بِذَلِكَ كُلِّهِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ فِي قِصَاعٍ وَأَقْدَاحٍ مِنْ الْخَشَبِ، جَازَ، وَيَذْكُرُ نَوْعَ خَشَبِهَا مِنْ جَوْزٍ، أَوْ تُوتٍ، وَقَدْرَهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالْعُمْقِ وَالضِّيقِ، وَالثَّخَانَةِ وَالرِّقَّةِ وَأَيِّ عَمَلٍ.
وَإِنْ أَسْلَمَ فِي سَيْفٍ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ حَدِيدِهِ، وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ، وَرِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ، وَبَلَدِهِ، وَقَدِيمِ الطَّبْعِ أَوْ مُحْدَثٍ، مَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَصِفُ قَبْضَتَهُ وَجَفْنَهُ.

[فَصْلٌ الْخَشَبُ فِي السَّلَم عَلَى أَضْرِب]

(3212) فَصْلٌ: وَالْخَشَبُ عَلَى أَضْرُبٍ؛ مِنْهُ مَا يُرَادُ لِلْبِنَاءِ، فَيَذْكُرُ نَوْعَهُ، وَيُبْسَهُ وَرُطُوبَتَهُ، وَطُولَهُ، وَدُورَهُ، أَوْ سُمْكَهُ، وَعَرْضَهُ.
وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ طَرَفِهِ إلَى طَرَفِهِ بِذَلِكَ الْعَرْضِ وَالدَّوْرِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَغْلَظَ مِمَّا وَصَفَ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا، وَإِنْ كَانَ أَدَقَّ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ.
وَإِنْ ذَكَرَ الْوَزْنَ أَوْ سَمْحًا، جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، جَازَ، وَلَهُ سَمْحٌ خَالٍ مِنْ الْعُقَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ، عَيْبٌ.
وَإِنْ كَانَ

لِلْقِسِيِّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ، وَزَادَ سَهْلِيًّا، أَوْ جَبَلِيًّا، أَوْ خُوطًا أَوْ فِلْقَةً؛ فَإِنَّ الْجَبَلِيَّ أَقْوَى مِنْ السَّهْلِيِّ؛ وَالْخُوطَ أَقْوَى مِنْ الْفِلْقَةِ.
وَيَذْكُرُ فِيمَا لِلْوَقُودِ الْغِلْظَةَ، وَالْيُبْسَ، وَالرُّطُوبَةَ، وَالْوَزْنَ وَيَذْكُرُ فِيمَا لِلنَّصْبِ النَّوْعَ، وَالْغِلَظَ، وَسَائِرَ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ الْجَهَالَةِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ جِنْسِهِ، وَطُولِهِ وَقِصَرِهِ، وَدِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ، وَلَوْنِهِ، وَنَصْلِهِ، وَرِيشِهِ.

(3213) فَصْلٌ: وَالْحِجَارَةُ مِنْهَا مَا هُوَ لِلْأَرْحِيَةِ، فَيَضْبِطُهَا بِالدَّوْرِ، وَالثَّخَانَةِ، وَالْبَلَدِ، وَالنَّوْعِ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ لِلْبِنَاءِ، فَيَذْكُرُ النَّوْعَ، وَاللَّوْنَ، وَالْقَدْرَ وَالْوَزْنَ.
وَيَذْكُرُ فِي حِجَارَةِ الْآنِيَةِ اللَّوْنَ، وَالنَّوْعَ، وَالْقَدْرَ، وَاللِّينَ، وَالْوَزْنَ.
وَيَصِفُ الْبَلُّورَ بِأَوْصَافِهِ.
يَصِفُ الْآجُرَّ وَاللَّبِنَ بِمَوْضِعِ التُّرْبَةِ، وَاللَّوْنِ، وَالدَّوْرِ، وَالثَّخَانَةِ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْجِصِّ، وَالنُّورَةِ، ذَكَرَ اللَّوْنَ، وَالْوَزْنَ.
وَلَا يَقْبَلُ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ فَجَفَّ، وَلَا مَا قَدُمَ قِدَمًا يُؤَثِّرُ فِيهِ.
وَيَضْبِطُ التُّرَابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَيَقْبَلُ الطِّينَ الَّذِي قَدْ جَفَّ إذَا كَانَ لَا يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ الْعَنْبَر فِي السَّلَم بِاللَّوْنِ وَالْبَلَدِ]

(3214) فَصْلٌ: وَيَضْبِطُ الْعَنْبَرَ بِلَوْنِهِ وَالْبَلَدِ، وَإِنْ شَرَطَ قِطْعَةً أَوْ قِطْعَتَيْنِ، جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَنْبَرَ نَبَاتٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَنْبَاتِ الْبَحْرِ.
وَيَضْبِطُ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ بِبَلَدِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ.
وَيَضْبِطُ الْمَصْطَكَى، وَاللُّبَانَ، وَالْغِرَاءَ الْعَرَبِيَّ، وَصَمْغَ الشَّجَرِ، وَالْمِسْكَ، وَسَائِرُ مَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ]

(3215) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (إذَا كَانَ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، أَوْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ) هَذَا الشَّرْطُ الثَّالِثُ.
وَهُوَ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكَيْلِ إنْ كَانَ مَكِيلًا، وَبِالْوَزْنِ إنْ كَانَ مَوْزُونًا، وَبِالْعَدَدِ إنْ كَانَ مَعْدُودًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، كَالثَّمَنِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي اعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ خِلَافًا.
وَيَجِبُ أَنْ يُقَدِّرَهُ بِمِكْيَالِ، أَوْ أَرْطَالٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ.
فَإِنْ قَدَّرَهُ بِإِنَاءٍ مَعْلُومٍ، أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ، فَيَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَهَذَا غَرَرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَقْدُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِي الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بِقَفِيزٍ لَا يُعْلَمُ عِيَارُهُ، وَلَا فِي ثَوْبٍ بِذَرْعِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْمِعْيَارَ لَوْ تَلِفَ، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ، بَطَلَ السَّلَمُ.
مِنْهُمْ؛ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ،

وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَإِنْ عَيَّنَ مِكْيَالَ رَجُلٍ أَوْ مِيزَانَهُ، وَكَانَا مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، جَازَ.
وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِمَا.
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفَا، لَمْ يَجُزْ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ فِيمَا يُكَالُ وَزْنًا أَوْ فِيمَا يُوزَنُ كَيْلًا]

(3216) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْلَمَ فِيمَا يُكَالُ وَزْنًا، أَوْ فِيمَا يُوزَنُ كَيْلًا، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ، أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ السَّلَمِ فِي التَّمْرِ وَزْنًا؟ فَقَالَ: لَا إلَّا كَيْلًا.
قُلْت: إنَّ النَّاسَ هَاهُنَا لَا يَعْرِفُونَ الْكَيْلَ.
قَالَ: وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْكَيْلَ.
فَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ إلَّا كَيْلًا، وَلَا فِي الْمَوْزُونِ إلَّا وَزْنًا.
وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ، كَبَيْعِ الرُّطُوبَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ.
وَلِأَنَّهُ قَدَّرَ الْمُسْلَمَ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي الْمَذْرُوعِ وَزْنًا.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّبَنِ إذَا كَانَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ السَّلَمِ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا، وَفِي الْمَوْزُونِ كَيْلًا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَقَدْ أَجَازَ السَّلَمَ فِيهِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ التَّمْرَ وَزْنًا.
وَهَذَا أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، وَخُرُوجُهُ مِنْ الْجَهَالَةِ، وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ، فَبِأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ جَازَ.
وَيُفَارِقُ بَيْعَ الرِّبَوِيَّاتِ؛ فَإِنَّ التَّمَاثُلَ فِيهَا فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا شَرْطٌ، وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الشَّرْطَ إذَا قَدَّرَهَا بِغَيْرِ مِقْدَارِهَا الْأَصْلِيِّ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْحُبُوبَ كُلَّهَا مَكِيلَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْفُسْتُقُ وَالْبُنْدُقُ وَالْمِلْحُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ الْأَدْهَانُ.
وَقَالَ فِي السَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالزُّبْدِ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا كَيْلًا وَوَزْنًا.
وَلَا يُسْلِمُ فِي اللِّبَأِ إلَّا وَزْنًا؛ لِأَنَّهُ يَجْمُدُ عَقِيبَ حَلْبِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْكَيْلُ فِيهِ.

[فَصْلٌ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّا لَا يُمَكِّنهُ وَزْنه بِالْمِيزَانِ]

(3217) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ وَزْنُهُ بِالْمِيزَانِ لِثِقَلِهِ، كَالْأَرْحِيَةِ وَالْحِجَارَةِ الْكِبَارِ، يُوزَنُ بِالسَّفِينَةِ، فَتُتْرَكُ السَّفِينَةُ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يُتْرَكُ ذَلِكَ فِيهَا فَيَنْظُرُ إلَى أَيْ مَوْضِعٍ تَغُوصُ، فَيُعَلِّمُهُ، ثُمَّ يُرْفَعُ وَيُتْرَكُ مَكَانَهُ رَمْلٌ أَوْ حِجَارَةٌ صِغَارٌ، إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ بَلَغَهُ، ثُمَّ يُوزَنُ بِمِيزَانٍ.
فَمَا بَلَغَ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي أُرِيدَ مَعْرِفَةُ وَزْنِهِ.

[فَصْلٌ تَقْدِيرِ الْمَذْرُوعِ بِالذَّرْعِ]

(3218) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْمَذْرُوعِ بِالذَّرْعِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ فِي الثِّيَابِ بِذَرْعِ مَعْلُومٍ.

[فَصْلٌ مَا عَدَّا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ وَالْحَيَوَانَ وَالْمَذْرُوعَ فِي السَّلَم عَلَى ضَرْبَيْنِ]

(3219) فَصْلٌ: وَمَا عَدَّا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَذْرُوعِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: مَعْدُودٍ، وَغَيْرِهِ فَالْمَعْدُودُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَتَبَايَنُ كَثِيرًا، كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَنَحْوِهِمَا، فَيُسْلِمُ فِيهِ عَدَدًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْلِمُ فِيهِمَا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَبَايَنُ وَيَخْتَلِفُ، فَلَمْ يَجُزْ عَدَدًا، كَالْبِطِّيخِ.
وَلَنَا أَنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ، وَيَذْهَبُ ذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ الْكِبَرِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْوَسَطِ، فَيَذْهَبُ التَّفَاوُتُ، وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ عُفِيَ عَنْهُ، كَسَائِرِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَيُفَارِقُ الْبِطِّيخَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ، وَالتَّفَاوُتُ فِيهِ كَثِيرٌ لَا يَنْضَبِطُ.
النَّوْعُ الثَّانِي، مَا يَتَفَاوَتُ؛ كَالرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَيْسَ بِمَعْدُودٍ مِنْ الْبِطِّيخِ وَالْبُقُولِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُسْلِمُ فِيهِ عَدَدًا، وَيَضْبِطُهُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ هَكَذَا.
الثَّانِي، لَا يُسْلِمُ فِيهِ إلَّا وَزْنًا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِالْعَدَدِ، لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا، وَيَتَبَايَنُ جِدًّا، وَلَا بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْبُقُولِ بِالْحَزْمِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَيُمْكِنُ حَزْمُ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَقْدِيرُهُ بِغَيْرِ الْوَزْنِ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُهُ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ كُوِّنَ السَّلَم مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا]

[الْفَصْل الْأَوَّل يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا]

(3220) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ بِالْأَهِلَّةِ) وَهَذَا الشَّرْطُ الرَّابِعُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: (3221) أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَشْتَرِطَ الْأَجَلَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ السَّلَمُ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا، فَصَحَّ حَالًّا، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ مُؤَجَّلًا فَحَالًّا أَجْوَزُ، وَمِنْ الْغَرَرِ أَبْعَدُ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . فَأَمَرَ بِالْأَجَلِ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ تَبْيِينًا لِشُرُوطِ السَّلَمِ، وَمَنْعًا مِنْهُ بِدُونِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ إذَا انْتَفَى الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ، فَكَذَلِكَ الْأَجَلُ.
وَلِأَنَّ السَّلَمَ إنَّمَا جَازَ رُخْصَةً لِلرِّفْقِ، وَلَا يَحْصُلُ الرِّفْقُ إلَّا بِالْأَجَلِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ، فَلَا يَصِحُّ، كَالْكِتَابَةِ.
وَلِأَنَّ الْحُلُولَ يُخْرِجُهُ عَنْ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ، أَمَّا الِاسْمُ فَلِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلَمًا وَسَلَفًا؛ لِتَعَجُّلِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَتَأَخُّرِ الْآخَرِ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ أَرْخَصَ فِيهِ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ

إلَيْهِ، وَمَعَ حُضُورِ مَا يَبِيعُهُ حَالًّا لَا حَاجَةً إلَى السَّلَمِ، فَلَا يَثْبُتُ.
وَيُفَارِقُ تَنَوُّعَ الْأَعْيَانِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِالتَّأْجِيلِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّنْبِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُجْزِئُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ بِصِفَةِ التَّأْكِيدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا؛ فَإِنَّ الْبُعْدَ مِنْ الضَّرَرِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ، وَإِنَّمَا الْمُصَحَّحُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، لَمْ نَذْكُرْ اجْتِمَاعَهُمَا فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا افْتِرَاقَهُمَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ بَاعَهُ مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ حَالًّا فِي الذِّمَّة، صَحَّ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى السَّلَمِ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي اللَّفْظِ.

[الْفَصْل الثَّانِي كَوْن الْأَجَل مَعْلُومًا فِي السَّلَم الْحَال]

(3222) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السَّلَمِ كَوْنِ الْأَجَلِ مَعْلُومًا السَّلَم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ". وَلَا نَعْلَمُ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ اخْتِلَافًا فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِالْحَصَادِ وَالْجِزَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إلَى الْعَطَاء.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ شَيْءٌ يُعْرَفُ فَأَرْجُو، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَى قُدُومِ الْغُزَاةِ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَقْتَ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَأَمَّا نَفْسُ الْعَطَاءِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَجْهُولٌ يَخْتَلِفُ وَيَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَ الْعَطَاءِ؛ لِكَوْنِهِ يَتَفَاوَتُ أَيْضًا، فَأَشْبَهَ الْحَصَادَ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ أَجَلٌ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مِنْ الزَّمَنِ، يُعْرَفُ فِي الْعَادَةِ، لَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ تَفَاوُتًا كَثِيرًا، فَأَشْبَهَ إذَا قَالَ: إلَى رَأْسِ السَّنَةِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَبَايَعُوا إلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ، وَلَا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلَى شَهْرٍ مَعْلُومٍ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَيَقْرُبُ وَيَبْعُدُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا كَقُدُومِ زَيْدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ إلَى يَهُودِيٍّ، أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إلَى الْمَيْسَرَةِ» . قُلْنَا: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَاهُ حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ غَفْلَةٌ، وَهُوَ صَدُوقٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَفَلَاتِهِ، إذْ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْأَجَلَ إلَى الْمَيْسَرَةِ لَمْ يَصِحَّ.

[فَصْلٌ جَعَلَ الْأَجَل إلَى شَهْرٍ فِي السَّلَم]

(3223) فَصْلٌ: إذَا جَعَلَ الْأَجَلَ إلَى شَهْرٍ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ.
وَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ اسْمًا يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ كَجُمَادَى وَرَبِيعٍ وَيَوْمِ النَّفْرِ، تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَانَ إلَى انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا

ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مُبْهَمَةٍ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ لَفْظِهِ بِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إلَى شَهْرٍ.
كَانَ آخِرَهُ.
وَيَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى الْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36] . وَأَرَادَ الْهِلَالِيَّةَ.
وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ كَمَّلْنَا شَهْرَيْنِ بِالْهِلَالِ وَشَهْرًا بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَقِيلَ: تَكُونُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا عَدَدِيَّةً.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنْ قَالَ: مَحَلُّهُ شَهْرَ كَذَا أَوْ يَوْمَ كَذَا.
صَحَّ، وَتَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ ظَرْفًا، فَيَحْتَمِلُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا.
تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا.
فَإِنْ قِيلَ: الطَّلَاقُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِخْطَارِ وَالْإِغْرَارِ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَجْهُولٍ، كَنُزُولِ الْمَطَرِ، وَقُدُومِ زَيْدٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ إذَا جَعَلَ مَحَلَّهُ فِي شَهْرٍ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، فَلَا يَكُونُ مَجْهُولًا، وَكَذَا السَّلَمُ.

[فَصْلٌ شَرْطِ الْأَجَلِ فِي السَّلَم]

(3224) فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ الْأَجَلِ أَنْ يَكُونَ مُدَّةً لَهَا وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ، كَالشَّهْرِ وَمَا قَارَبَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ قَدَّرَهُ بِنِصْفِ يَوْمٍ، جَازَ.
وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَجُوزُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهَا آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا عِنْدَهُمْ إبَاحَةُ رُخَصِ السَّفَرِ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: إنَّمَا اُعْتُبِرَ التَّأْجِيلُ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعْدُومٌ فِي الْأَصْلِ، لِكَوْنِ السَّلَمِ إنَّمَا ثَبَتَ رُخْصَةً فِي حَقِّ الْمَفَالِيسِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَجَلِ لِيَحْصُلَ وَيُسَلَّمَ؛ وَهَذَا يَتَحَقَّقُ بِأَقَلِّ مُدَّةٍ يَتَصَوَّرُ تَحْصِيلُهُ فِيهَا وَلَنَا أَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ الْمَرْفِقُ الَّذِي شُرِعَ مِنْ أَجْلِهِ السَّلَمُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ الَّتِي لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ، وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِمُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَجُوزُ سَاعَةً، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَالْأَجَلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْوَامًا، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْخِيَارَ أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثٍ، وَكَوْنُهَا آخِرَ حَدِّ الْقِلَّةِ، لَا يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ بِهَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِأَقَلِّ مُدَّةٍ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ السَّلَمَ إنَّمَا يَكُونُ لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ الَّذِينَ لَهُمْ ثِمَارٌ أَوْ زُرُوعٌ أَوْ تِجَارَاتٌ يَنْتَظِرُونَ حُصُولَهَا، وَلَا تَحْصُلُ هَذِهِ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ.

[الْفَصْل الثَّالِث كَوْنِ الْأَجَلِ فِي السَّلَم مَعْلُومًا بِالْأَهِلَّةِ]

(3225) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي كَوْنِ الْأَجَلِ مَعْلُومًا بِالْأَهِلَّةِ، وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ إلَى وَقْتٍ يُعْلَمُ بِالْهِلَالِ، نَحْوَ أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَوْ أَوْسَطِهِ، أَوْ آخِرِهِ، أَوْ يَوْمٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] . وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ التَّأْجِيلِ بِذَلِكَ.
وَلَوْ أَسْلَمَ إلَى عِيدِ الْفِطْرِ، أَوْ النَّحْرِ، أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَوْ عَاشُورَاءَ، أَوْ نَحْوِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْأَهِلَّةِ.
وَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ مُقَدَّرًا بِغَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ، فَذَلِكَ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا، مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ بَيْنَهُمْ مَشْهُورٌ كَكَانُونَ وَشُبَاطَ، أَوْ عِيدٍ لَا يَخْتَلِفُ كَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُمَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ إلَى غَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ.
أَشْبَهَ إذَا أَسْلَمَ إلَى الشَّعَانِينِ وَعِيدِ الْفَطِيرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إذَا أَسْلَمَ إلَى فِصْحِ النَّصَارَى وَصَوْمِهِمْ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لَا يَخْتَلِفُ، أَشْبَهَ أَعْيَادَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفَارَقَ مَا يَخْتَلِفُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ الْمُسْلِمُونَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ، كَعِيدِ الشَّعَانِينِ وَعِيدِ الْفَطِيرِ وَنَحْوِهِمَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَلِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَهُ وَيُؤَخِّرُونَهُ عَلَى حِسَابٍ لَهُمْ لَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ.
وَإِنْ أَسْلَمَ إلَى مَا لَا يَخْتَلِفُ، مِثْلُ كَانُونِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَعْرِفُهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ.

[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (مَوْجُودًا عِنْدَ مَحَلِّهِ) هَذَا الشَّرْطُ الْخَامِسُ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، أَمْكَنَ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَامَ الْوُجُودِ، لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، كَبَيْعِ الْآبِقِ، بَلْ أَوْلَى؛ فَإِنَّ السَّلَمَ اُحْتُمِلَ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ، فَلَا يَحْتَمِلُ فِيهِ غَرَرٌ آخَرُ، لِئَلَّا يَكْثُرَ الْغَرَرُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ إلَى شُبَاطَ أَوْ آذَارَ، وَلَا إلَى مَحِلٍّ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فِيهِ، كَزَمَانِ أَوَّلِ الْعِنَبِ أَوْ آخِرِهِ الَّذِي لَا يُوجَدُ فِيهِ إلَّا نَادِرًا، فَلَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ]

(3227) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُهُ وَانْقِطَاعُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إبْطَالُ السَّلَمِ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ؛ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ.
قَالَ: وَرَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ أَسَلَفَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، فِي " الْمُتَرْجَمِ ". وَقَالَ: أَجْمَعَ

النَّاسُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِهَذَا الْبَيْعِ.
وَلِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يُؤْمَنْ انْقِطَاعُهُ وَتَلَفُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالِ مُعَيَّنٍ، أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ أَحْضَرَ خِرْقَةً، وَقَالَ: أَسْلَمْت إلَيْك فِي مِثْلِ هَذِهِ.

[فَصْلٌ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا حَالَ السَّلَم]

(3228) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا حَالِ السَّلَمِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الرُّطَبِ فِي أَوَانِ الشِّتَاءِ، وَفِي كُلِّ مَعْدُومٍ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْمَحَلِّ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ جِنْسُهُ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ زَمَنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِلْمُسْلِمِ فِيهِ لِمَوْتِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ فِيهِ كَالْمَحِلِّ وَلَنَا «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَسَلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ الْوُجُودَ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَذَكَرَهُ، وَلَنَهَاهُمْ عَنْ السَّلَفِ سَنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ انْقِطَاعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْسَطِ السَّنَةِ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَيُوجَدُ فِي مَحِلِّهِ غَالِبًا، فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْمَوْجُودِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْوُجُودَ، إذْ لَوْ لَزِمَ أَفْضَى إلَى أَنْ تَكُونَ آجَالُ السَّلَمِ مَجْهُولَةً، وَالْمَحِلُّ مَا جَعَلَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ مَحِلًّا، وَهَا هُنَا لَمْ يَجْعَلَاهُ.

[فَصْلٌ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلّ]

(3229) فَصْلٌ: إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ، إمَّا لِغَيْبَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ عَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ، حَتَّى عَدِمَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ الثِّمَارُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَالْمُسْلِمُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يُوجَدَ فَيُطَالِبَ بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا قِيمَتَهُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ؛ لِكَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ مِنْهَا، فَإِذَا هَلَكَتْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَهَلَكَتْ.
وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ صَحَّ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَلَا يَصِحُّ دَعْوَى التَّعْيِينِ فِي هَذَا الْعَامِ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهَا، جَازَ، وَإِنَّمَا أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ، لِتَمْكِينِهِ مِنْ دَفْعِ مَا هُوَ بِصِفَةِ حَقِّهِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ مِنْ ثَمَرَةِ نَفْسِهِ إذَا وَجَدَهَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَلَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً.
وَإِنْ تَعَذَّرَ الْبَعْضُ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ فِي الْكُلِّ، وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى حِينِ الْإِمْكَانِ، وَيُطَالِبَ بِحَقِّهِ.
فَإِنْ أَحَبَّ الْفَسْخَ فِي الْمَفْقُودِ دُونَ الْمَوْجُودِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ طَرَأَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَلَا يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي الْكُلِّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ صُبْرَتَيْنِ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا فِي الْكُلِّ، أَوْ يَصْبِرُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي

الْإِقَالَةِ فِي بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ.
انْفَسَخَ فِي الْمَفْقُودِ دُونَ الْمَوْجُودِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْفَسَادَ الطَّارِئَ عَلَى بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْجَمِيعِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ فِي الْمَوْجُودِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ نَصْرَانِيّ إلَى نَصَّرَانِي فِي خَمْر ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا]

(3230) فَصْلٌ: إذَا أَسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ إلَى نَصْرَانِيٍّ فِي خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا.
فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ.
كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَبِهِ نَقُولُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمُسَلِّمَ فَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْخَمْرِ، فَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إيفَاؤُهَا، فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى رَأْسِ مَالِهِ.

[مَسْأَلَةٌ قَبْضُ الثَّمَن كَامِلًا وَقْتَ السَّلَم قَبْلَ التَّفَرُّقِ]

(3231) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ كَامِلًا وَقْتَ السَّلَمَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ) هَذَا الشَّرْطُ السَّادِسُ، وَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَكْثَرَ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ لَا يَخْرُجُ بِتَأْخِيرِ قَبْضِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَلَمًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَأَخَّرَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، لَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ تَأْخِيرِ الْعِوَضِ الْمُطْلَقِ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَالصَّرْفِ وَيُفَارِقُ الْمَجْلِسُ مَا بَعْدَهُ، بِدَلِيلِ الصَّرْفِ.
وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقَا، فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِقَوْلِهِ: " كَامِلًا ". وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَلْ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، إذَا أَسْلَمَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي أَصْنَافٍ شَتَّى؛ مِائَةً فِي حِنْطَةٍ وَمِائَةً فِي شَعِيرٍ، وَمِائَةً فِي شَيْءٍ آخَرَ، فَخَرَجَ فِيهَا زُيُوفٌ، رَدَّ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ، عَلَى كُلِّ صِنْفٍ بِقَدْرِ مَا وَجَدَ مِنْ الزُّيُوفِ، فَصَحَّ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، فِي مَنْ أَسْلَمَ أَلْفًا إلَى رَجُلٍ، فَقَبَّضَهُ نِصْفَهُ، وَأَحَالَهُ بِنِصْفِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِقَدْرِ نِصْفِهِ، فَحَسَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَلْفِ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي النِّصْفِ الْمَقْبُوضِ، وَيَبْطُلُ فِي الْبَاقِي.
فَأَبْطَلَ السَّلَمَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَصَحَّحَهُ فِيمَا قَبَضَ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَبْطُلُ فِي الْحَوَالَةِ فِي الْكُلِّ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى: يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَيَصِحُّ فِيمَا قَبَضَ بِقِسْطِهِ؛ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

[فَصْلٌ قَبَضَ الثَّمَنَ فِي السَّلَم فَوَجَدَهُ رَدِيئًا فَرَدَّهُ وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ]

فَصْلٌ: وَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَوَجَدَهُ رَدِيئًا، فَرَدَّهُ وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، بَطَلَ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، وَيَبْتَدِئَانِ عَقْدًا آخَرَ إنْ أَحَبَّا.
وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَلَهُ إبْدَالُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى

ثَمَنٍ سَلِيمٍ، فَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَا لَيْسَ بِسَلِيمِ، كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالسَّلِيمِ، وَلَا يُؤَثِّرُ قَبْضُ الْمَعِيبِ فِي الْعَقْدِ.
وَإِنْ تَفَرَّقَا، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ فَرَدَّهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، لِوُقُوعِ الْقَبْضِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ.
وَالثَّانِي، لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْأَوَّلَ كَانَ صَحِيحًا؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَمْسَكَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْبُوضِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ، لَكِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقْبِضَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، فَإِنْ تَفَرَّقَا عَنْ مَجْلِسِ الرَّدِّ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلَ لَمْ يَصِحَّ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِخُلُوِّ الْعَقْدِ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا.
وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ رَدِيئًا فَرَدَّهُ، فَعَلَى الْمَرْدُودِ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَهَلْ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الرَّدِيءِ إذَا قُلْنَا بِفَسَادِهِ فِي الرَّدِيءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

[فَصْلٌ خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ فِي السَّلَم مُسْتَحَقَّة وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ]

(3233) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةً وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ مَسْرُوقَةً، فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَقَدْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ تَفَرَّقَا بَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا، فَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَخْذِ الثَّمَنِ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُلْ بِصِحَّةِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، أَوْ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ.
وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَفِي الْبَاقِي وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

[فَصْلٌ لَهُ فِي ذِمَّة رَجُل دِينَار فَجَعَلَهُ سَلَمَا فِي طَعَام إلَى أَجَلٍ]

(3234) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينَارٌ، فَجَعَلَهُ سَلَمًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ، فَإِذَا جَعَلَ الثَّمَنَ دَيْنًا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ طَعَامٍ.
وَشَرَطَا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مِنْهَا خَمْسِينَ وَخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَيُخَرَّجُ [فِي] صِحَّتِهِ فِي قَدْرِ الْمَقْبُوضِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ لِلْمُعَجَّلِ فَضْلًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ، فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَكْثَرِ مِمَّا فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤَجَّلِ، وَالزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ، فَلَا يَصِحُّ.

[مَسْأَلَةٌ مَعْرِفَةُ صِفَةِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّن فِي السَّلَم]

(3235) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَتَى عَدِمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، بَطَلَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ السِّتَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ إلَّا بِهَا، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا، مَعْرِفَةُ صِفَةِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ.
وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ صِفَتِهِ، إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ عِوَضَيْ السَّلَمِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا اشْتَرَطَ مَعْرِفَةَ صِفَتِهِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ مُعَيَّنٌ، انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ، وَقَامَ مَقَامَ وَصْفِهِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ وَصْفِهِ، وَاحْتَجَّا بُقُولِ أَحْمَدَ: يَقُولُ: أَسْلَمْت إلَيْك كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا.
وَيَصِفُ الثَّمَنَ.
فَاعْتَبَرَ ضَبْطَ صِفَتِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَمْلِكُ إتْمَامَهُ فِي الْحَالِ، وَلَا تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُؤْمَنُ انْفِسَاخُهُ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، لِيَرُدَّ بَدَلَهُ، كَالْقَرْضِ وَالشَّرِكَةِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْضُ الثَّمَنِ مُسْتَحِقًّا، فَيَنْفَسِخَ الْعَقْدُ فِي قَدْرِهِ، فَلَا يَدْرِي فِي كَمْ بَقِيَ وَكَمْ انْفَسَخَ؟ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مَوْهُومٌ، وَالْمَوْهُومَاتُ لَا تُعْتَبَرُ.
قُلْنَا: التَّوَهُّمُ مُعْتَبَرٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ إذَا وَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ الْغَرَرِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا، بِدَلِيلِ مَا إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ قَدَّرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِصَنْجَةٍ أَوْ مِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَرَائِطَ السَّلَمَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُشَاهَدٌ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا تَنَاوَلَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ أَوْصَافِهِ.
وَدَلِيلُهُمْ يَنْتَقِضُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَأَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْيَقِينِ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَوْصَافِ.
وَلِأَنَّ رَدَّ مِثْلِ الثَّمَنِ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ، لَا مِنْ جِهَةِ عَقْدِهِ، وَجَهَالَةُ ذَلِكَ لَا تُؤَثِّرُ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَكِيلَ، أَوْ الْمَوْزُونَ.
وَلِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّتْ شَرَائِطُهُ.
فَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مَوْهُومٍ، فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَعْتَبِرُ صِفَاتَهُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ، كَالْجَوَاهِرِ وَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، فَإِنْ جَعَلَاهُ سَلَمًا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ رَدُّهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَقِيمَتِهِ إنْ عُرِفَتْ إذَا كَانَ مَعْدُومًا.
فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
وَهَكَذَا إنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ ثُمَّ انْفَسَخَ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: فِي مِائَةِ مُدَّيْ حِنْطَةٍ.
وَقَالَ الْآخَرُ: فِي مِائَةِ مُدَّيْ شَعِيرٍ.
تَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا بِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ.

[فَصْلٌ مَنَعَ بَيْعَ الْعُرُوضِ بَعْضَهَا بِبَعْضِ نِسَاء]

(3236) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَالَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا، لَا يَجُوزُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ مِنْ شَرْطِهِ النَّسَاءُ وَالتَّأْجِيلُ.
وَالْخِرَقِيُّ مَنَعَ بَيْعَ الْعُرُوضِ بَعْضُهَا بِبَعْضِ نَسَاءً.
فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ إلَّا عَيْنًا أَوْ وَرِقًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ هَاهُنَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: يُسْلَمُ مَا يُوزَنُ فِيمَا يُكَالُ، وَمَا يُكَالُ فِيمَا يُوزَنُ؟ فَلَمْ يُعْجِبْهُ.
وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَمَنًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا

لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إلَّا ثَمَنًا، فَلَا تَكُونُ مُثَمَّنَةً.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِجَوَازِ النَّسَاءِ فِي الْعُرُوضِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ عَرْضًا، كَالثَّمَنِ سَوَاءً، وَيَجُوزُ إسْلَامُهَا فِي الْأَثْمَانِ.
قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فَتَثْبُتُ سَلَمًا، كَالْعُرُوضِ.
وَلِأَنَّهُ لَا رِبًا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُلُ وَلَا النَّسَاءُ، فَصَحَّ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، كَالْعَرْضِ فِي الْعَرْضِ، وَلَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ صَحَّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُثَمَّنًا.
فَعَلَى هَذَا إذَا أَسْلَمَ عَرْضًا فِي عَرْضٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَاتِهِ، فَجَاءَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ بِذَلِكَ الْعَرْضِ بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَهُ.
وَالثَّانِي، لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى كَوْنِ الثَّمَنِ هُوَ الْمُثَمَّنُ، وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إنَّمَا هُوَ فِي الذِّمَّةِ.
وَهَذَا عِوَضٌ عَنْهُ.
وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي كَبِيرَةٍ فَحَلَّ الْمَحِلُّ وَهِيَ عَلَى صِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَأَحْضَرَهَا، فَعَلَى احْتِمَالَيْنِ أَيْضًا؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَمْتَعَ بِهَا وَرَدَّهَا خَالِيَةً عَنْ عُقْرٍ.
وَالثَّانِي، يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَحْضَرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ.
وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ بِمَا إذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً؛ لِيَنْتَفِعَ بِالْعَيْنِ، أَوْ لِيَطَأَ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَرُدَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ يَجُزْ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحِيَلَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ.

الشَّرْطُ الثَّانِي الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، تَعَيُّنُ مَكَانُ الْإِيفَاءِ.
قَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَ الْإِيفَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ «، أَنَّ الْيَهُودِيَّ أَسْلَمَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى، إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» . وَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَ الْإِيفَاءِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَجِبُ بِحُلُولِهِ، وَلَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ حِينَئِذٍ، فَيَجِبُ شَرْطُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مَجْهُولًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً، وَجَبَ شَرْطُهُ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً اخْتَلَفَ فِيهِ الْغَرَضُ، بِخِلَافِ مَا لَا مُؤْنَةَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ كَانَا فِي بَرِّيَّةٍ لَزِمَ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي بَرِّيَّةٍ، فَذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ حَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهُ كَانَ الْإِيفَاءُ فِي مَكَانَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَا فِي بَرِّيَّةٍ لَمْ يُمْكِنْ التَّسْلِيمُ

فِي مَكَانِ الْعَقْدِ فَإِذَا تَرَكَ ذِكْرَهُ كَانَ مَجْهُولًا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي بَرِّيَّةٍ اقْتَضَى الْعَقْدُ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ، فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذَكَره، فَإِنْ ذَكَرَهُ كَانَ تَأْكِيدًا، فَكَانَ حَسَنًا فَإِنْ شَرَطَ الْإِيفَاءَ فِي مَكَان سَوَاءٍ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ بَيْعٍ فَصَحَّ شَرْطُ ذِكْرِ الْإِيفَاءِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ.
وَلِأَنَّهُ شَرَطَ ذِكْرَ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ شَرَطَ خِلَافَ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْإِيفَاءَ فِي مَكَانِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: مَتَى ذَكَرَ مَكَانَ الْإِيفَاءِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، سَوَاءٌ شَرَطَهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الْمِكْيَالِ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَكَانِ غَرَضًا وَمَصْلَحَةً لَهُمَا، فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الزَّمَانِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فِيهِ يَبْطُلُ بِتَعْيِينِ الزَّمَانِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ، فَإِذَا شَرَطَهُ فَقَدْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَوْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَتَعَيَّنَ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ عَنْهُ، وَقَطْعًا لِلتَّنَازُعِ، فَالْغَرَرُ فِي تَرْكِهِ لَا فِي ذِكْرِهِ.
وَفَارَقَ تَعْيِينَ الْمِكْيَالِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَيَفُوتُ بِهِ عِلْمُ الْمِقْدَارِ الْمُشْتَرَطِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَرْطٌ، وَيَقْطَعُ التَّنَازُعَ، فَالْمَعْنَى الْمَانِعُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ مَجْهُولٍ هُوَ الْمُقْتَضِي لِشَرْطِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِ.

[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ]

(3237) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَبَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ بَائِعِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، قَبْلَ قَبْضِهِ، فَاسِدٌ.
وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ فِيهِ، وَالتَّوْلِيَةُ، وَالْحَوَالَةُ بِهِ، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) أَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافًا، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ» ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ.
وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَأَمَّا الشَّرِكَةُ فِيهِ وَالتَّوْلِيَةُ، فَلَا تَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ» . وَلَنَا، أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ.
وَلِأَنَّهُمَا نَوْعَا بَيْعٍ، فَلَمْ يَجُوزَا فِي الْمُسْلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ، وَالْخَبَرُ لَا نَعْرِفُهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فَيَدْخُلَانِ فِي النَّهْيِ.
وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ.
عَلَى أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، لَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَإِنَّهَا فَسْخٌ وَلَيْسَتْ بَيْعًا.
وَأَمَّا الْحَوَالَةُ بِهِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا تَجُوزُ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَالسَّلَمُ بِغَرَضِ الْفَسْخِ، فَلَيْسَ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل