باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْإِذْنُ فِي الْقَلِيلِ إذْنًا فِي الْكَثِيرِ.
وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلْغِرَاسِ، أَوْ لِلْبِنَاءِ، مَلَكَ الْمَأْذُونَ فِيهِ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا مُخْتَلِفٌ.
فَإِنَّ ضَرَرَ الْغِرَاسِ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ لِانْتِشَارِ الْعُرُوقِ فِيهَا، وَضَرَرَ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِهَا، فَلَمْ يَكُنْ الْإِذْنُ فِي أَحَدِهِمَا إذْنًا فِي الْآخَرِ.
وَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ، فَلَهُ زَرْعُهَا وَزَرْعُ مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْهَا، كَالشَّعِيرِ وَالْبَاقِلَّا وَالْعَدَسِ، وَلَهُ زَرْعُ مَا ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّ الرِّضَى بِزِرَاعَةِ شَيْءٍ رِضَى بِضَرَرِهِ، وَمَا هُوَ دُونَهُ، وَلَيْسَ لَهُ زَرْعُ مَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ، كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْقُطْنِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ.
وَحُكْمُ إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ فِي الْعَارِيَّةِ، كَحُكْمِ الِانْتِفَاعِ فِي الْإِجَارَةِ فِيمَا لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ.
وَسَنَذْكُرُ فِي الْإِجَارَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي زَرْعِ مَرَّةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي غَرْسِ شَجَرَةٍ فَانْقَلَعَتْ، لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرْسُ أُخْرَى، وَكَذَلِكَ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي وَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى حَائِطٍ فَانْكَسَرَتْ، لَمْ يَمْلِكْ وَضْعَ أُخْرَى، لِأَنَّ الْإِذْنَ إذَا اخْتَصَّ بِشَيْءِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ.
[فَصْلٌ إنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَلَهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ]
(3921) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا، فَلَهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤْجِرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنَافِعَ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمَلِّكَهَا.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَالَ الْمُعَارِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ غَيْرَهُ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالُوا فِي الْآخَرِ: لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ عَلَى حَسَبِ مَا مَلَكَهُ، فَجَازَ كَمَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤْجَرَ.
قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا اسْتَعَارَ ثَوْبًا لِيَلْبَسهُ هُوَ، فَأَعْطَاهُ غَيْرَهُ، فَلَبِسَهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ.
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَنْ يَلْبَسُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهَا إلَّا الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ بِهَا الَّذِي أُعِيرَهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعَارِيَّةَ إبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبِيحَهَا غَيْرَهُ كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ.
وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ، فَمَلَكَ أَنْ يُمَلِّكَهَا، وَفِي الْعَارِيَّةِ لَمْ يَمْلِكْهَا، إنَّمَا مَلَكَ اسْتِيفَاءَهَا عَلَى وَجْهِ مَا أُذِنَ لَهُ، فَأَشْبَهَ مِنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الطَّعَامِ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ أَعَارَ فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالثَّانِي اسْتَوْفَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ مِنْهُ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الثَّانِيَ، وَدَفَعَ إلَيْهِ الْعَيْنَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الثَّانِي، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ، رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.
[فَصْلٌ أَعَارَهُ شَيْئًا وَأَذِنَ لَهُ فِي إجَارَتِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً]
(3922) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعَارَهُ شَيْئًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي إجَارَتِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، أَوْ فِي إعَارَتِهِ مُطْلَقًا، أَوْ مُدَّةً، جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمَالِكِهِ، فَجَازَ مَا أَذِنَ فِيهِ.
وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ، وَتَكُونُ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا.
وَإِنْ أَجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الضَّمَانُ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَارِيَّةِ.
.
[فَصْلٌ اسْتَعَارَ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ]
(3923) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عِنْدَ رَجُلٍ، عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَرَهَنَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَهُ، فَصَحَّ، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ.
وَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ الدِّينِ وَجِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعِلْمُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عَارِيَّةٌ لِجِنْسٍ مِنْ النَّفْعِ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، كَعَارِيَّةِ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ.
وَلَا يَصِيرُ الْمُعِيرُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِيرُ ضَامِنًا لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مَنْفَعَةُ الْعَيْنِ، وَالْمَنْفَعَةُ هَاهُنَا لِلْمَالِكِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ضَمَانٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَعَارَهُ لِيَقْضِيَ مِنْهُ حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَارِيَّةِ النَّفْعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ النَّفْعِ فَهُوَ لِمَالِكِ الْعَيْنِ.
وَإِنْ عَيَّنَ الْمُعِيرُ قَدْرَ الدَّيْنِ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ وَجِنْسَهُ، أَوْ مَحَلًّا، تَعَيَّنَ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، فَإِنْ خَالَفَهُ فِي الْجِنْسِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِي رَهْنِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي مَحَلٍّ، فَخَالَفَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، فَرَهَنَهُ بِحَالِ، فَقَدْ لَا يَجِدُ مَا يَفُكُّهُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ أَذِنَ فِي رَهْنِهِ بِحَالٍ، فَرَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِقَدْرٍ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَرْضَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ.
وَإِنْ رَهَنَهُ بِأَنْقَصَ مِنْهُ، جَازَ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِعَشْرَةٍ، رَضِيَ بِمَا دُونَهَا عُرْفًا، فَأَشْبَهَ مَنْ أُمِرَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِثَمَنِ، فَاشْتَرَاهُ بِدُونِهِ.
وَلِلْمُعِيرِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِ الرَّهْنِ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ كَانَ بِدَيْنٍ حَالٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ الرُّجُوعَ فِي الْعَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ.
وَإِنْ حَلَّ الدَّيْنُ، فَلَمْ يَفُكَّهُ الرَّاهِنُ، جَازَ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الرَّهْنِ، فَإِذَا بِيعَ فِي الدَّيْنِ، أَوْ تَلِفَ، رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الرَّاهِنِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا.
وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَى
الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُضْمَنُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ.
وَإِنْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ، فَرَهَنَهُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ قَضَى خَمْسِينَ، عَلَى أَنْ تَخْرُجَ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا، لَمْ تَخْرُجْ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فِي صَفْقَةٍ، فَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ.
[فَصْلٌ الْعَارِيَّة مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً]
(3924) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ الْعَارِيَّةِ مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ، فَأَشْبَهَتْ إبَاحَةَ الطَّعَامِ.
وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً، مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءِ يَتَضَرَّرُ بِالرُّجُوعِ فِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ تُؤَقَّتْ لَهُ مُدَّةٌ، لَزِمَهُ تَرْكُهُ مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ قَدْ مَلَّكَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي مُدَّةٍ، وَصَارَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ بِعَقْدٍ مُبَاحٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ، كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ وَالْمُسْتَأْجَرِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ، فَلِلْمُوصِي الرُّجُوعُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْوَرَثَةُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ، فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَيَلْزَمُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ مَتَى شَاءَ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ، فَكَانَ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ تَرْكُهُ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ.
(3925) فَصْلٌ: وَإِذَا أَطْلَقَ الْمُدَّةَ فِي الْعَارِيَّةِ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مَا لَمْ يَرْجِعْ.
وَإِنْ وَقَّتَهَا، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مَا لَمْ يَرْجِعْ، أَوْ يَنْقَضِيَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ، فَفِيمَا عَدَا مَحَلِّ الْإِذْنِ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُعَارُ أَرْضًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ، وَلَا يَبْنِيَ، وَلَا يَزْرَعَ بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ الرُّجُوعِ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَزِمَهُ قَلْعُ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ فِي ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» . وَعَلَيْهِ أَجْرُ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ نَفْعِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَلْعُ، وَتَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَنَقْضُ الْأَرْضِ، وَسَائِرُ أَحْكَامِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ.
[فَصْلٌ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَنْتَفِع بِهِ انْتِفَاعًا يَلْزَمُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْعَارِيَّة فِي أَثْنَائِهِ ضَرَرٌ بِالْمُسْتَعِيرِ]
(3926) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ انْتِفَاعًا يَلْزَمُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْعَارِيَّةِ فِي أَثْنَائِهِ ضَرَرٌ بِالْمُسْتَعِيرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ يَضُرُّ بِالْمُسْتَعِيرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِضْرَارُ بِهِ، مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ لَوْحًا يَرْقَعُ بِهِ سَفِينَتَهُ، فَرَقَعَهَا بِهِ، وَلَجَّجَ بِهَا فِي الْبَحْرِ، لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي الْبَحْرِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الْبَحْرِ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ.
وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فِيهَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَدْفِنْ فِيهَا.
فَإِذَا دَفَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، مَا لَمْ يَبْلَ الْمَيِّتُ.
وَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ، جَازَ، كَمَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَضَعْهُ، وَبَعْدَ وَضْعِهِ مَا لَمْ يَبْنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ، فَإِنْ بَنَى عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَدْمِ الْبِنَاءِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك أَرْشَ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ.
لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَعِيرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَلَعَهُ انْقَلَعَ مَا فِي مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهُ.
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَلْعُ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَزَالَ الْخَشَبُ عَنْهُ، أَوْ أَزَالَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِاخْتِيَارِهِ، لَمْ يَمْلِكْ إعَادَتَهُ، سَوَاءٌ بَنَى الْحَائِطَ بِآلَتِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ قَبْلَ انْهِدَامِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمُسْتَعِيرِ، بِإِزَالَةِ الْمَأْذُونِ فِي وَضْعِهِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ الْخَشَبُ وَالْحَائِطُ بِحَالِهِ.
وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَزْرَعْ، فَإِذَا زَرَعَ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الزَّرْعُ.
فَإِنْ بَذَلَ لَهُ قِيمَةَ الزَّرْعِ لِيَمْلِكَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يَنْتَهِي إلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي وَقْتِ إمْكَانِ حَصَادِهِ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ حَتَّى يَنْتَهِيَ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِيهَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَلْعِهِ.
فَإِذَا غَرَسَ وَبَنَى، فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ فِيمَا بَيْنَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مِلْكُ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَبْنِ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا، وَلَمْ يَغْرِسْ فِيهَا.
ثُمَّ إنْ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ أَخْذَ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَمَلَكَ نَقْلَهُ.
وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ رَضِيَ بِذَلِكَ حَيْثُ أَعَارَهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ قَلْعَ غَرْسِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَلَيْهِ تَسْوِيَةَ الْحَفْرِ؛ لِأَنَّ الْقَلْعَ بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، كَمَا لَوْ خَرَّبَ أَرْضَهُ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِرْهَا.
وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ، فَبَذَلَ لَهُ الْمُعِيرُ مَا يَنْقُصُ بِالْقَلْعِ، أَوْ قِيمَةَ غِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ قَائِمًا، لِيَأْخُذَهُ الْمُعِيرُ، أُجْبِرَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ.
وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَعِيرُ: أَنَا أَدْفَعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِتَصِيرَ لِي.
لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغِرَاسَ تَابِعٌ، وَالْأَرْضَ أَصْلٌ، وَلِذَلِكَ يَتْبَعُهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا تَتْبَعُهُمَا، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يُطَالِبُ الْمُسْتَعِيرَ بِالْقَلْعِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَارَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَرَجَعَ فِيهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ لَمْ يَغُرَّهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْقَلْعُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَنَى وَغَرَسَ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَلْعِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَلْعُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَغُرَّهُ.
مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ يُرَادُ لِلتَّبْقِيَةِ، وَتَقْدِيرُ الْمُدَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى
ابْتِدَائِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَا تَغْرِسْ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ.
فَإِنْ امْتَنَعَ الْمُعِيرُ مِنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَأَرْشِ النَّقْصِ، وَامْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْقَلْعِ وَدَفْعِ الْأَجْرِ، لَمْ يُقْلَعْ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ، وَالْإِذْنُ فِيمَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ وَتَضُرُّ إزَالَتُهُ رِضًى بِالْإِبْقَاءِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» .
يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْعِرْقَ الَّذِي لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ حَقٌّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ، إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ، بِيعَتْ الْأَرْضُ بِغِرَاسِهَا، وَدُفِعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ حَقِّهِ، فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَةُ الْأَرْضِ غَيْرَ مَغْرُوسَةٍ وَلَا مَبْنِيَّةٍ؟ فَإِذَا قِيلَ عَشَرَةٌ.
قُلْنَا: وَكَمْ تُسَاوِي مَغْرُوسَةً وَمَبْنِيَّةً؟ فَإِنْ قَالُوا: خَمْسَةَ عَشَرَ.
قُلْنَا: فَلِلْمُعِيرِ ثُلُثَا الثَّمَنِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ ثُلُثُهُ.
وَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ الْبَيْعِ، بَقِيَا عَلَى حَالِهِمَا، وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُ أَرْضِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا بِمَا لَا يَضُرُّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمَا، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ الدُّخُولُ إلَّا لِحَاجَةٍ، مِثْلِ السَّقْيِ وَإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْغِرَاسِ إذْنٌ فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِهِ، وَأَخْذِ ثِمَارِهِ، وَسَقْيِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِي الْإِذْنِ لَهُ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْعُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْمِلْكِ مُنْفَرِدًا، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِثْلُ مَا كَانَ لِبَائِعِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمُعِيرِ أَخْذَهُ مَتَى شَاءَ بِقِيمَتِهِ.
قُلْنَا: عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ لَا يَمْنَعُ بَيْعَهُ، بِدَلِيلِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، مَتَى كَانَ الْمُعِيرُ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الْقَلْعَ عِنْدَ رُجُوعِهِ، وَرَدَّ الْعَارِيَّةِ غَيْرِ مَشْغُولَةٍ، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْ مَا عَدَا الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ دَخَلَ فِي الْعَارِيَّةِ رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِالْقَلْعِ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَمَانُ نَقْصِهِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَأَمَّا تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ الْحَاصِلَةِ بِالْقَلْعِ فَإِذَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً عَلَيْهِ، لَزِمَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِضَرَرِ الْقَلْعِ مِنْ الْحَفْرِ وَنَحْوِهِ، حَيْثُ اشْتَرَطَ الْقَلْعَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَجْرًا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، إلَّا فِيمَا إذَا اسْتَعَارَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ، فَزَرَعَهَا، ثُمَّ رَجَعَ الْمُعِيرُ فِيهَا قَبْلَ كَمَالِ الزَّرْعِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَجْرَ مِثْلِهِ، مِنْ حِينَ رَجَعَ الْمُعِيرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الرُّجُوعِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْقَلْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، فَفِي دَفْعِ الْأَجْرِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَيُخَرَّجُ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ مِثْلُ هَذَا، لِوُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْأَجْرُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَّةِ بَاقٍ فِيهِ، لِكَوْنِهَا صَارَتْ لَازِمَةً لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِفَسْخِهَا، وَالْإِعَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
[فَصْلٌ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَرْكَبهَا]
(3927) فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا، جَازَ؛ لِأَنَّ إجَارَتَهَا لِذَلِكَ جَائِزَةٌ، وَالْإِعَارَةُ أَوْسَعُ، لِجَوَازِهَا فِيمَا لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، مِثْلُ إعَارَةِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ.
فَإِنْ اسْتَعَارَهَا إلَى مَوْضِعٍ، فَجَاوَزَهُ، فَقَدْ تَعَدَّى، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِلزِّيَادَةِ
خَاصَّةً.
فَإِذَا اسْتَعَارَهَا إلَى طَبَرِيَّةَ، فَتَجَاوَزَ إلَى الْقُدْسِ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ مَا بَيْنَ طَبَرِيَّةَ وَالْقُدْسِ خَاصَّةً.
وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمَالِكُ: أَعَرْتُكَهَا إلَى طَبَرِيَّةَ.
وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ: أَعَرْتنِيهَا إلَى الْقُدْسِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي.
وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ الْمُسْتَعِيرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَالِكَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . .
[فَصْل اسْتَعَارَ شَيْئًا فَانْتَفَعَ بِهِ ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا]
(3928) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا، فَانْتَفَعَ بِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا فَلِمَالِكِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ، يُطَالِبُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ، رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ بِمَا غَرِمَ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِذَلِكَ وَغَرَّمَهُ، لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي قَصَّارٍ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ، فَلَبِسَهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَصَّارِ دُونَ اللَّابِسِ.
وَإِنْ تَلِفَ فَالْقِيمَةُ تَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْعَيْنِ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ.
فَإِنْ ضَمِنَ الْمُعِيرُ، رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ بِالِاسْتِعْمَالِ، انْبَنَى عَلَى ضَمَانِ النَّقْصِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.
فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى الْمُعِيرِ.
فَهُوَ كَالْأَجْرِ.
عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
[فَصْلٌ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرَ رَجُلِ مِنْ أَرْضِهِ إلَى أَرْضٍ غَيْرِهِ فَنَبَتَ فِيهَا]
فَصْلٌ: وَإِذَا حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرَ رَجُلِ مِنْ أَرْضِهِ إلَى أَرْضٍ غَيْرِهِ، فَنَبَتَ فِيهَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا طَالَبَهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ جَارِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ قَلْعَهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ، وَلَا يَدُومُ ضَرَرُهُ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا لَوْ حَصَلَتْ دَابَّتُهُ فِي دَارِ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ خُرُوجُهَا إلَّا بِقَلْعِ الْبَابِ أَوْ قَتْلِهَا، فَإِنَّنَا لَا نُجْبِرُهُ عَلَى قَتْلِهَا.
وَيُفَارِقُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ، فَإِنَّهُ يَدُومُ ضَرَرُهُ، وَلَا يُعْرَفُ قَدْرُ مَا يَشْغَلُ مِنْ الْهَوَاءِ فَيُؤَدِّي أَجْرَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُقَرُّ فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ حَصَادِهِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرٌ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاتَتْ دَابَّتُهُ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ.
وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ إلْزَامَهُ تَبْقِيَةَ زَرْعٍ مَا أَذِنَ فِيهِ، فِي أَرْضِهِ، بِغَيْرِ أَجْرٍ وَلَا انْتِفَاعٍ، إضْرَارٌ بِهِ، وَشَغْلٌ لِمِلْكِهِ بِغَيْرِ
اخْتِيَارِهِ، مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَرَادَ إبْقَاءَ بَهِيمَتِهِ فِي دَارِ غَيْرِهِ عَامًا.
وَيُفَارِقُ مَبِيتَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهَا، فَإِذَا تَرَكَهَا اخْتِيَارًا مِنْهُ، كَانَ رَاضِيًا بِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَيَكُونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا الزَّرْعِ حُكْمَ زَرْعِ الْغَاصِبِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَرَعَهُ مَالِكُهُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا بِغَيْرِ عُدْوَانٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ جَبْرُ حَقِّ مَالِكِ الْأَرْضِ، بِدَفْعِ الْأَجْرِ إلَيْهِ.
وَإِنْ أَحَبَّ مَالِكُهُ قَلْعَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَمَا نَقَصَتْ الْأَرْضُ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ السَّيْلُ حَمَلَ نَوًى، فَنَبَتَ شَجَرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، كَالزَّيْتُونِ وَالنَّخِيلِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ لِمَالِكِ النَّوَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ مِلْكِهِ، فَهُوَ كَالزَّرْعِ، وَيُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَدُومُ، فَأُجْبِرَ عَلَى إزَالَتِهِ، كَأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِ مَالِكِهَا.
وَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ أَرْضًا بِشَجَرِهَا، فَنَبَتَتْ فِي أَرْضِ آخَرَ كَمَا كَانَتْ، فَهِيَ لِمَالِكِهَا، يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهَا، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَفِي كُلِّ ذَلِكَ، إذَا تَرَكَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُنْتَقِلَةِ أَوْ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهُ وَلَا أَجْرٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ وَلَا عُدْوَانِهِ، وَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِهِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ قَلَعَهُ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَاكِبُهَا فَقَالَ الرَّاكِبُ هِيَ عَارِيَّة وَقَالَ الْمَالِكُ بَلْ اكْتَرَيْتهَا]
(3930) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَاكِبُهَا، فَقَالَ الرَّاكِبُ: هِيَ عَارِيَّةٌ.
وَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ اكْتَرَيْتهَا.
فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَاقِيَةً لَمْ تَنْقُصْ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَإِنْ كَانَ عَقِيبَ الْعَقْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهَا، فَيَحْلِفُ، وَيَرُدُّ الدَّابَّةَ إلَى مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ.
وَقَالَ الرَّاكِبُ: بَلْ اكْتَرَيْتهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَادَّعَى الْمَالِكُ الْإِجَارَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَلَفِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ، وَادَّعَى الْمَالِكُ عِوَضًا لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ.
وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بِعْتُكَهَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: وَهَبْتنِيهَا.
وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي
مَجْرَى الْأَعْيَانِ، فِي الْمِلْكِ وَالْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَعْيَانِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الرَّاكِبِ إلَّا بِنَقْلِ الْمَالِكِ لَهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي كَيْفِيَّةِ الِانْتِقَالِ، كَالْأَعْيَانِ، فَيَحْلِفُ الْمَالِكُ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ.
وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِهِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ، فَمَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِقَوْلِ الْمَالِكِ وَيَمِينِهِ، فَوَجَبَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، كَالْأَصْلِ.
وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ فِيمَا مَضَى مِنْهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِيمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا عَقِيبَ الْعَقْدِ.
وَإِنْ ادَّعَى الْمَالِكُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ.
وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا بِأَجْرِ، فَالرَّاكِبُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْمَنَافِعِ، وَيَعْتَرِفُ بِالْأَجْرِ لِلْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَيَحْلِفُ، وَيَأْخُذُ بَهِيمَتَهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ تَلَفِ الْبَهِيمَةِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْإِجَارَةَ أَوْ الْإِعَارَةَ؛ لِأَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْإِجَارَةَ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ لِلرَّاكِبِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ ضَمَانِهَا، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ ادَّعَى الْإِعَارَةَ، فَهُوَ يَدَّعِي قِيمَتَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْقَبْضِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا يَقْبِضُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . فَإِذَا حَلَفَ الْمَالِكُ، اسْتَحَقَّ الْقِيمَةَ، وَالْقَوْلُ فِي قَدْرِهَا قَوْلُ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، وَتَلَفِ الْبَهِيمَةِ، وَكَانَ الْأَجْرُ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا، أَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيه الْمَالِكُ مِنْهُمَا أَقَلَّ مِمَّا يَعْتَرِفُ بِهِ الرَّاكِبُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْإِجَارَةَ أَوْ الْإِعَارَةَ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ إلَّا بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي شَيْئًا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ، وَيَعْتَرِفُ لَهُ الرَّاكِبُ بِمَا لَا يَدَّعِيه، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيه.
وَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيه الْمَالِكُ أَكْثَرَ، مِثْلُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَهِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِهَا، فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ، لِتَجِبَ لَهُ الْقِيمَةُ، وَأَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْأُجْرَةِ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا مُكْتَرَاةٌ، أَوْ كَانَ الْكِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهُ أَجَرَهَا، لِيَجِبَ لَهُ الْكِرَاءُ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا
عَارِيَّةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا، فَإِذَا حَلَفَ، اسْتَحَقَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْل قَالَ مَالِك الدَّابَّة غَصَبْتهَا وَقَالَ الرَّاكِبُ بَلْ أَعَرْتنِيهَا]
(3931) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: غَصَبْتهَا.
وَقَالَ الرَّاكِبُ: بَلْ أَعَرْتنِيهَا.
فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَالدَّابَّةُ قَائِمَةٌ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ بَهِيمَتَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَالِفَةً؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، كَوُجُوبِهَا عَلَى الْغَاصِبِ.
وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا، الْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ أَنَّهَا بِحَقٍّ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِهَا.
وَلَنَا، مَا قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، بَلْ هَذَا أَوْلَى، لِأَنَّهُمَا ثَمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكٌ لِلرَّاكِبِ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَالِكَ يُنْكِرُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِيهَا إلَى الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ يَدَّعِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ، فَيَحْلِفُ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ.
وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: غَصَبْتهَا.
وَقَالَ الرَّاكِبُ: أَجَرْتنِيهَا.
فَالِاخْتِلَافُ هَاهُنَا فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُسَمَّى وَأَجْرُ الْمِثْلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَالِفَةً عَقِيبَ أَخْذِهَا، حَلَفَ وَأَخَذَ قِيمَتَهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَقِيَتْ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، وَالْمُسَمَّى بِقَدْرِ أَجْرِ الْمِثْلِ، أَخَذَهُ الْمَالِكُ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى.
وَفِي الْيَمِينِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى الْمُسَمَّى، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِيَمِينٍ، وَجْهًا وَاحِدًا.
[كِتَاب الْغَصْب]
الْغَصْبُ: هُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38] .
وَالسَّرِقَةُ نَوْعٌ مِنْ الْغَصْبِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى جَابِرٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو حَرَّةَ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ عَمِّهِ وَعَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ، إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ مِنْهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ، مَا كَانَ بَاقِيًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ مَالِهِ وَمَالِيَّتِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِرَدِّهِ.
فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، لَزِمَهُ بَدَلُهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ، وَجَبَ رَدُّ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْمَالِيَّةِ.
ثُمَّ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ، وَتَتَفَاوَتُ صِفَاتُهُ، كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، وَجَبَ مِثْلُهُ، لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَهُوَ مُمَاثِلٌ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْنَى، وَالْقِيمَةُ مُمَاثِلَةٌ مِنْ طَرِيقِ الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَكَانَ مَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ مُقَدَّمًا، كَمَا يُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الْقِيَاسِ، لِكَوْنِ النَّصِّ طَرِيقُهُ الْإِدْرَاكُ بِالسَّمَاعِ، وَالْقِيَاسُ طَرِيقُهُ الظَّنُّ وَالِاجْتِهَادُ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَقَارِبِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ مَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ، فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ يَجِبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ؛ لِمَا رَوَتْ جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْت صَانِعًا مِثْلَ حَفْصَةَ، صَنَعَتْ طَعَامًا، فَبَعَثَتْ بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَنِي الْأَكْلُ فَكَسَرْت الْإِنَاءَ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْت؟ فَقَالَ: إنَاءٌ مِثْلُ الْإِنَاءِ، وَطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ أَنَسٌ، «أَنَّ إحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسَرَتْ قَصْعَةَ الْأُخْرَى، فَدَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْعَةَ الْكَاسِرَةِ إلَى رَسُولِ صَاحِبَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُطَوَّلًا، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَعِيرًا، وَرَدَّ مِثْلَهُ.
وَلَنَا؛ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمِثْلِ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهَا، وَتَتَبَايَنُ صِفَاتُهَا، فَالْقِيمَةُ فِيهَا أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَرْضَى بِذَلِكَ.
(3932) فَصْلٌ: وَمَا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ، وَتَتَقَارَبُ صِفَاتُهُ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، ضَمِنَ بِمِثْلِهِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ: كُلُّ مَطْعُومٍ، مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ.
وَأَمَّا سَائِرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ: مَا كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُونَ الْقِيمَةِ.
فَظَاهِرُ هَذَا وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ صِنَاعَةٌ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ مِنْ الْأَوَانِي وَالْآلَاتِ وَنَحْوِهَا.
وَالْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشِبْهِهِ، وَالْمَنْسُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ، وَالْمَغْزُولِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ فِي قِيمَتِهِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ، فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَحْصَرُ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ النُّقْرَةَ وَالسَّبِيكَةَ مِنْ الْأَثْمَانِ، وَالْعِنَبَ وَالرُّطَبَ وَالْكُمَّثْرَى إنَّمَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ مَا فِيهِ الصِّنَاعَةُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ النَّقْرَةَ بِقِيمَتِهَا، لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِهَا إلَّا بِتَكْسِيرِ الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ وَسَبْكِهَا، وَفِيهِ إتْلَافٌ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ الْمَضْمُونُ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَجَبَتْ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ، فَكَانَتْ مَوْزُونَةً وَجَبَتْ.
وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، قُوِّمَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ فِيهِ صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ أَجْلِهَا، جَازَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ، وَالصِّنَاعَةُ لَهَا قِيمَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كُسِرَ الْحُلِيُّ، وَجَبَ أَرْشُ كَسْرِهِ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا يُقَابِلُهَا الْعِوَضُ فِي الْعُقُودِ، وَيُقَابِلُهَا فِي الْإِتْلَافِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ بِالْعَقْدِ، وَتَنْفَرِدُ بِضَمَانِهَا بِالْإِتْلَافِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ رِبًا، كَالْبَيْعِ وَكَالنَّقْصِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا كَسَرَ الْحُلِيَّ، يُصْلِحُهُ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، لَا أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً كَالْأَوَانِي وَحُلِيِّ الرِّجَالِ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ.
[مَسْأَلَةٌ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا]
[الْفَصْل الْأَوَّل غَصْبُ الْعَقَارِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدُّورِ]
(3933) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَأُجْرَتِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا، وَمِقْدَارِ نُقْصَانِهَا، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الْغَرْسُ) . الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ: (3934) أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ غَصْبُ الْعَقَارِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدُّورِ، وَيَجِبُ ضَمَانُهَا عَلَى غَاصِبَهَا.
هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَرَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، ثُمَّ أَصَابَهَا غَرَقٌ مِنْ الْغَاصِبِ، غَرِمَ قِيمَةَ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُتَصَوَّرُ غَصْبُهَا، وَلَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا، ضَمِنَهَا بِالْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ، فَتَلِفَ الْمَتَاعُ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ عُدْوَانًا عَلَى وَجْهٍ تَزُولُ بِهِ يَدُ الْمَالِكِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ.
وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ» . فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنَّهُ يُغْصَبُ وَيُظْلَمُ فِيهِ.
وَلِأَنَّ مَا ضَمِنَ فِي الْبَيْعِ، وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي الْغَصْبِ، كَالْمَنْقُولِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ، مِثْلُ أَنْ يَسْكُنَ الدَّارَ وَيَمْنَعَ مَالِكَهَا مِنْ دُخُولِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ الدَّابَّةَ وَالْمَتَاعَ.
وَأَمَّا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ، فَمَا اسْتَوْلَى عَلَى مَالِهِ، فَنَظِيرُهُ هَاهُنَا أَنْ يَحْبِسَ الْمَالِكَ، وَلَا يَسْتَوْلِيَ عَلَى دَارِهِ.
وَأَمَّا مَا تَلِفَ مِنْ الْأَرْضِ بِفِعْلِهِ، أَوْ سَبَبِ فِعْلِهِ، كَهَدْمِ حِيطَانِهَا، وَتَغْرِيقِهَا، وَكَشْطِ تُرَابِهَا، وَإِلْقَاءِ الْحِجَارَةِ فِيهَا، أَوْ نَقْصٍ يَحْصُلُ بِغَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ، فَيَضْمَنُهُ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافٌ، وَالْعَقَارُ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ.
وَلَا يَحْصُلُ الْغَصْبُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ، فَلَوْ دَخَلَ أَرْضِ إنْسَانٍ أَوْ دَارِهِ، لَمْ يَضْمَنْهَا بِدُخُولِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا، ضَمِنَهَا، سَوَاءٌ قَصَدَ ذَلِكَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا دَارُهُ، أَوْ دَارٌ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ يَدَ الدَّاخِلِ ثَبَتَتْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، فَيَصِيرُ غَاصِبًا، فَإِنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، وَهَذَا قَدْ ثَبَتَتْ يَدُهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي الدَّارِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، حُكِمَ بِهَا لِمَنْ هُوَ فِيهَا، دُونَ الْخَارِجِ مِنْهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ، أَوْ دَخَلَ صَحْرَاءَهُ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ مَا يَضْمَنُهُ فِي الْعَارِيَّة، وَهَذَا لَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَارِيَّةُ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْغَصْبُ، إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ.
[الْفَصْل الثَّانِي غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ بَنَى فِيهَا فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ]
(3935) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ بَنَى فِيهَا، فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ، لَزِمَ الْغَاصِبَ ذَلِكَ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ، «أَنَّ رَجُلًا غَرَسَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ، فَاخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى لِلرَّجُلِ بِأَرْضِهِ، وَقَضَى لِلْآخَرِ أَنْ يَنْزِعَ نَخْلَهُ.
قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتهَا تُضْرَبُ فِي أُصُولِهَا بِالْفُؤُوسِ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ» . .
وَلِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ، بِمِلْكِهِ الَّذِي لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَزِمَهُ تَفْرِيغُهُ، كَمَا لَوْ جَعَلَ فِيهِ قُمَاشًا.
وَإِذْ قَلَعَهَا لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَرَدُّ الْأَرْضِ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَتْهُ إزَالَتُهُ.
وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ
مَالِ الْغَاصِبِ، فَلَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَهُ، كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ حَيَوَانًا.
وَإِنْ طَلَبَ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ، وَأَبِي مَالِكُهُ إلَّا الْقَلْعَ، فَلَهُ الْقَلْعُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَمَلَكَ نَقْلَهُ.
وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا.
وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، لِيَتَخَلَّصَ مِنْ قَلْعِهِ، وَقَبِلَهُ الْمَالِكُ، جَازَ.
وَإِنْ أَبَى قَبُولَهُ، وَكَانَ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ يَفُوتُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إجْبَارًا عَلَى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضَى فِيهِ.
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغِرَاسًا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَغَرَسَهُ فِيهَا فَالْكُلُّ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.
فَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِقَلْعِهِ، وَفِي قَلْعِهِ غَرَضٌ، أُجْبِرَ عَلَى قَلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ غَرَضًا مَقْصُودًا بِالْأَرْضِ، فَأُخِذَ بِإِعَادَتِهَا إلَى مَا كَانَتْ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَنَقْصِهَا، وَنَقْصِ الْغِرَاسِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى السَّفَهِ.
وَقِيلَ: يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُحَكَّمٌ فِي مِلْكِهِ، وَالْغَاصِبُ غَيْرُ مُحَكَّمٍ، فَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ قَلْعَهُ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ لَمْ يَمْلِكْ قَلْعَهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ غَيْرُهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ الْبِنَاء فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَة]
(3936) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا بَنَى فِي الْأَرْضِ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا غَرَسَ فِيهَا فِي هَذَا التَّفْصِيلِ جَمِيعِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ أَنَّهُ إذَا بَذَلَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْقِيمَةَ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهَا، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْضِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ سَفَهٌ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَنَى فِي رِبَاعِ قَوْمٍ بِإِذْنِهِمْ فَلَهُ الْقِيمَةُ، وَمَنْ بَنَى بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَهُ النَّقْضُ» . وَلِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا.
وَإِذَا كَانَتْ الْآلَةُ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ وَأَحْجَارِهَا، فَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ النَّقْضُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْغَرْسِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ دَارًا فَجَصَّصَهَا وَزَوَّقَهَا وَطَالَبَهُ رَبُّهَا بِإِزَالَتِهِ]
(3937) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ دَارًا، فَجَصَّصَهَا وَزَوَّقَهَا وَطَالَبَهُ رَبُّهَا بِإِزَالَتِهِ، وَفِي إزَالَتِهِ غَرَضٌ، لَزِمَهُ إزَالَتُهُ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ، فَوَهَبَهُ الْغَاصِبُ لِمَالِكِهَا، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ فِي الدَّارِ، فَأَشْبَهَ قَصَارَةَ الثَّوْبِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانُ مُتَمَيِّزَةٌ، فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْقُمَاشِ.
وَإِنْ طَلَبَ الْغَاصِبُ قَلْعَهُ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ، وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْكَشْطِ، فَلِلْغَاصِبِ قَلْعُهُ، كَمَا يَمْلِكُ قَلْعَ غِرَاسِهِ، سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ، أَوْ لَمْ يَبْذُلْ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛
أَحَدُهُمَا، يَمْلِكُ قَلْعَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ أَرْضًا فَكَشَطَ تُرَابَهَا]
(3938) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَكَشَطَ تُرَابَهَا، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَفَرْشُهُ عَلَى مَا كَانَ، إنْ طَلَبَهُ الْمَالِكُ، وَكَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى فَرْشِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ فَرْشَهُ، أَوْ رَدَّهُ وَطَلَبَ الْغَاصِبُ ذَلِكَ، وَكَانَ فِي رَدِّهِ غَرَضٌ مِنْ إزَالَةِ ضَرَرٍ، أَوْ ضَمَانٍ، فَلَهُ فَرْشُهُ وَرَدُّهُ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهَا مُدَّةَ شَغْلِهَا وَأَجْرُ نَقْصِهَا.
وَإِنْ أَخَذَ تُرَابَ أَرْضٍ، فَضَرَبَهُ لِبِنَاءٍ، رَدَّ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِيهِ تِبْنًا لَهُ، فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَحُلَّهُ وَيَأْخُذَ تِبْنَهُ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى كَشْطِ التَّزْوِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ.
وَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِحَلِّهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ غَرَضٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ جَعَلَهُ آجُرًّا أَوْ فَخَّارًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَلَا أَجْرَ لَهُ لِعَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ كَسْرُهُ، وَلَا لِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَفَهُ لَا يُفِيدُ، وَإِتْلَافٌ لِلْمَالِ، وَإِضَاعَةٌ لَهُ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.»
[فَصْلٌ غَصَبَ أَرْضًا فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا]
(3939) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ مِلْكُهُ، نَقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ، كَتُرَابِ الْأَرْضِ.
وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَ فِيهَا نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ طَمَّهَا، فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّهَا، بِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ مَا يَقَعُ فِيهَا، أَوْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ، فَلَهُ الرَّدُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّ الْبِئْرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَأَبْرَأَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِمَّا حَفَرَ، وَأَذِنَ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَمُّهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً، فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ أَرَادَ جَعْلَهَا نُقْرَةً.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ طَمُّهَا.
وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، وَهُوَ أَيْضًا إبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا لَزِمَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي، فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ، زَالَ التَّعَدِّي، فَزَالَ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَائِهِ بِهِ.
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْإِبْرَاءِ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِذَلِكَ.
[الْفَصْل الثَّالِث عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ مُنْذُ غَصْبِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا]
(3940) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ مُنْذُ غَصْبِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا.
وَهَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ أَجْرٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى ذَهَبَتْ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ الْعَادِيَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا، كَالْأَعْيَانِ.
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَبَنَاهَا دَارًا، فَإِنْ كَانَتْ آلَاتُ بِنَائِهَا مِنْ مَالِ الْغَاصِبِ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْأَرْضِ دُونَ بِنَائِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا غَصَبَ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءُ لَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَجْرُ مَالِهِ.
وَإِنْ بَنَاهَا بِتُرَابٍ مِنْهَا، وَآلَاتٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا مَبْنِيَّةً؛ لِأَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لِلْغَاصِبِ فِيهَا أَثَرُ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَتِهِ أَجْرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عُدْوَانًا.
وَإِنْ غَصَبَ دَارًا، فَنَقَضَهَا، وَلَمْ يَبْنِهَا، فَعَلَيْهِ أَجْرُ دَارٍ إلَى حِينِ نَقْضِهَا، وَأَجْرُهَا مَهْدُومَةً مِنْ حِينِ نَقْضِهَا إلَى حِينِ رَدِّهَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ انْهَدَمَ وَتَلِفَ، فَلَمْ يَجِبْ أَجْرُهُ مَعَ تَلَفِهَا.
وَإِنْ نَقَضَهَا، ثُمَّ بَنَاهَا بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ.
وَإِنْ بَنَاهَا بِآلَتِهَا، أَوْ آلَةٍ مِنْ تُرَابِهَا، أَوْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا عَرْصَةً، مُنْذُ نَقَضَهَا إلَى أَنْ بَنَاهَا، وَأَجَّرَهَا دَارًا فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ لِلْمَالِكِ.
وَحُكْمُهَا فِي نَقْضِ بِنَائِهَا الَّذِي بَنَاهُ الْغَاصِبُ، حُكْمُ مَا لَوْ غَصَبَهَا عَرْصَةً فَبَنَاهَا.
وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ بَاعَهَا، فَبَنَاهَا الْمُشْتَرِي، أَوْ نَقَضَهَا ثُمَّ بَنَاهَا، فَالْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ، لَكِنَّ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَالرُّجُوعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ، رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنْ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ، فَاسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ رَجَعَ الْمَالِكُ عَلَى الْمُشْتَرِي، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِنَقْصِ التَّالِفِ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ.
وَهَلْ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْأَجْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَجْرِ إلَّا بِأَجْرِ مُدَّةِ مُقَامِهَا فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ إنَّمَا ثَبَتَتْ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ.
[الْفَصْل الرَّابِع عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَ نَقْصِ الْأَرْضِ]
(3941) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: إنَّ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَ نَقْصِ الْأَرْضِ، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الْغَرْسُ، أَوْ نَقَصَتْ بِغَيْرِهِ.
وَهَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ، عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِهَا إذَا كَانَ نَقْصًا مُسْتَقِرًّا، كَثَوْبٍ تَخَرَّقَ، وَإِنَاءٍ تَكَسَّرَ، وَطَعَامٍ سَوَّسَ، وَبِنَاءٍ خَرِبَ، وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَأَرْشَ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَالْقَفِيزِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالذِّرَاعِ مِنْ الثَّوْبِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا شَقَّ رَجُلٌ لِرَجُلِ ثَوْبًا شَقًّا قَلِيلًا، أَخَذَ أَرْشَهُ.
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ، وَبَيْنَ إمْسَاكِهِ وَأَخْذِ أَرْشِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ هَذَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي الثَّوْبِ: إنْ شَاءَ شَقَّ الثَّوْبَ، وَإِنْ شَاءَ مِثْلَهُ.
يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَ الشَّقِّ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَتْلَفَتْ مُعْظَمَ مَنْفَعَتِهِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ شَاةً لَهُ.
وَحَكَى أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ، أَنَّهُ إذَا جَنَى عَلَى عَيْنٍ، فَأَتْلَفَ غَرَضَ صَاحِبِهَا فِيهَا، كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَجَعَ بِمَا نَقَصَتْ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهَا وَأَخَذَ قِيمَتَهَا.
وَلَعَلَّ مَا يُحْكَى عَنْهُ مِنْ قَطْعِ ذَنَبِ حِمَارِ الْقَاضِي، يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ غَرَضَهُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُهُ فِي الْعَادَةِ.
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ السِّلْعَةِ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جَمِيعَهَا.
وَلَنَا، أَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَالٍ أَرْشُهَا دُونَ قِيمَتِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الشَّقُّ يَسِيرًا، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تَنْقُصُ بِهَا الْقِيمَةُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ غَرَضُ صَاحِبِهَا، وَفِي الشَّاةِ تَلِفَ جَمِيعُهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْإِتْلَافِ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لَا بِغَرَضِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْ لَمْ يَصْلُحْ لِهَذَا صَلَحَ لِغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ قَدْرُ الْأَرْشِ قَدْرُ نَقْصِ الْقِيمَةِ فِي الْغَصْب]
(3942) فَصْلٌ: وَقَدْرُ الْأَرْشِ قَدْرُ نَقْصِ الْقِيمَةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَيْنَ الدَّابَّةِ تُضْمَنُ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا.
فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، فِي رَجُلٍ فَقَأَ عَيْنَ دَابَّةٍ لِرَجُلٍ: عَلَيْهِ رُبْعُ قِيمَتِهَا.
قِيلَ لَهُ: فَقَأَ الْعَيْنَيْنِ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ رُبْعُ الْقِيمَةِ، وَأَمَّا الْعَيْنَانِ فَمَا سَمِعْت فِيهِمَا شَيْئًا.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً؟ فَقَالَ: هَذَا غَيْرُ الدَّابَّةِ، هَذَا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهِ، يُنْظَرُ مَا نَقَصَهَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَوْجَبَ مِقْدَارًا فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الدَّابَّةِ، وَهِيَ الْفَرَسُ وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ خَاصَّةً لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَمَا عَدَا هَذَا يُرْجَعُ إلَى الْقِيَاسِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، بِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا» . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ لَمَّا كَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ عَيْنِ الدَّابَّةِ:
إنَّا كُنَّا نُنْزِلُهَا مَنْزِلَةَ الْآدَمِيِّ، إلَّا أَنَّهُ أَجْمَعَ رَأْيُنَا أَنَّ قِيمَتَهَا رُبْعُ الثَّمَنِ.
وَهَذَا إجْمَاعٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ.
ذَكَرَ هَذَيْنِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ ".
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَلَعَ عَيْنَ بَهِيمَةٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مِنْ وِجْهَتَيْنِ، كَالدَّابَّةِ وَالْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ، وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِهَا، وَفِي إحْدَاهُمَا رُبْعُ قِيمَتِهَا؛ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَجْمَعَ رَأْيُنَا عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا رُبْعُ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْعَبْدِ، أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ بِمَا يَضْمَنُ بِهِ فِي الْجِنَايَةِ؛ فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ لِأَبْعَاضِ الْعَبْدِ، فَكَانَ مُقَدَّرًا مِنْ قِيمَتِهِ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ، فَكَانَ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ، كَالثَّوْبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ بِإِيجَابِ قَدْرِ الْمُفَوِّتِ عَلَيْهِ، وَقَدْرُ النَّقْصِ هُوَ الْجَابِرُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْجَمِيعُ لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ، فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءُ وَجَبَ قَدْرُهُ مِنْ الْقِيمَةِ، كَغَيْرِ الْحَيَوَانِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا احْتَجَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَتَرَكُوهُ، فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ يُحْتَجّ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْرَ نَقْصِهَا، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَلَوْ كَانَ تَقْدِيرًا، لَوَجَبَ فِي الْعَيْنِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، كَعَيْنِ الْآدَمِيِّ.
وَأَمَّا ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى أَطْرَافِ الْعَبْدِ، فَمَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ، لِلْإِلْحَاقِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ، وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا ضَمَانُ الْيَدِ، وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَى الْحُرِّ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِيهِ عَلَى مُوجِبِ الْأَصْلِ، وَإِلْحَاقُهُ بِسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ هَذَا فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّابَّةِ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَقَوْلُ عُمَرَ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّابَّةُ، وَالدَّابَّةُ فِي الْعُرْفِ مَا يُعَدُّ لِلرُّكُوبِ دُونَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ عَبْدًا فَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ]
(3943) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ، فَعَلَى قَوْلِنَا: ضَمَانُ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ.
الْوَاجِبُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ، فَنَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ.
وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانُ الْغَصْبِ غَيْرُ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ، مِنْ أَرْشِ النَّقْصِ أَوْ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، لِأَنَّ سَبَبَ ضَمَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ، فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا، وَدَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَالْيَدَ وُجِدَا جَمِيعًا.
فَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا؛ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ، فَنَقَصَ أَلْفًا، لَزِمَهُ أَلْفٌ، وَرَدَّ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ زِيَادَةِ السُّوقِ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ مَضْمُونَةٌ، وَيَدُ الْعَبْدِ كَنِصْفِهِ، فَكَأَنَّهُ بِقَطْعِ يَدِهِ فَوَّتَ نِصْفَهُ.
وَإِنْ نَقَصَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ.
فَعَلَيْهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَيَرُدُّ
الْعَبْدَ.
وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانُ الْجِنَايَةِ.
فَعَلَيْهِ أَلْفٌ، وَرَدُّ الْعَبْدِ فَحَسْبُ.
وَإِنْ نَقَصَ خَمْسَمِائَةٍ، فَعَلَيْهِ رَدُّ الْعَبْدِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَلْفٌ أَوْ خَمْسُمِائَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ عَبْدًا فَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ]
(3944) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ قَطَعَ يَدَهُ، وَالْغَاصِبُ حَصَلَ النَّقْصُ فِي يَدِهِ، إنْ ضَمَّنَ الْجَانِيَ، فَلَهُ تَضْمِينُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ إنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ، أَوْ لَمْ يَنْقُصْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ.
لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ هَاهُنَا شَيْئًا.
وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ، وَقُلْنَا: إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ كَضَمَانِ الْجِنَايَةِ.
ضَمَّنَهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَرَجَعَ بِهَا الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ بِمَا نَقَصَ.
فَلِرَبِّ الْعَبْدِ تَضْمِينُهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا.
[فَصْلٌ غَصَبَ عَبْدًا فَقَطَعَ أُذُنَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ أَوْ أَنْفَهُ أَوْ لِسَانَهُ أَوْ خُصْيَتَيْهِ]
فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَقَطَعَ أُذُنَيْهِ، أَوْ يَدَيْهِ، أَوْ ذَكَرَهُ، أَوْ أَنْفَهُ، أَوْ لِسَانَهُ أَوْ خُصْيَتَيْهِ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كُلُّهَا، وَرَدُّ الْعَبْدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ وَيَمْلِكُهُ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ، فَلَا يَبْقَى مِلْكُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ مَعَ ضَمَانِهِ لَهُ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُتْلَفَ الْبَعْضُ، فَلَا يَقِفُ ضَمَانُهُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ جُمْلَتِهِ، كَقَطْعِ ذَكَرِ الْمُدَبَّرِ، وَكَقَطْعِ إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمُفَوِّتُ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ غَيْرِهِ بِضَمَانِهِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ تِسْعَ أَصَابِعَ.
وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ الضَّمَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُتْلَفِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الْجُمْلَةِ.
فَأَمَّا إنْ ذَهَبَتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ، فَهَلْ يَضْمَنُهَا ضَمَانَ الْإِتْلَافِ، أَوْ بِمَا نَقَصَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، سَبَقَ ذِكْرُهُمَا.
[فَصْلٌ جِنَايَة الْعَبْد الْمَغْصُوب]
(3946) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ، فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي، لِكَوْنِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، كَسَائِرِ نَقْصِهِ.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ.
وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ النَّقْصِ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ.
وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
[فَصْل نُقْصَانِ عَيْن الْمَغْصُوبِ دُونَ قِيمَتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ]
(3947) فَصْلٌ: إذَا نَقَصَتْ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ دُونَ قِيمَتِهِ، فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ جُزْءًا مُقَدَّرَ الْبَدَلِ، كَعَبْدٍ خَصَاهُ، وَزَيْتٍ أَغْلَاهُ، وَنُقْرَةٍ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ فَنَقَصَتْ عَيْنُهَا دُونَ قِيمَتِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ النَّقْصِ، فَيَضْمَنُ نَقْصَ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ، وَنَقْصَ الزَّيْتِ وَالنُّقْرَةِ بِمِثْلِهِمَا مَعَ رَدِّ الْبَاقِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ مِنْ الْعَيْنِ لَهُ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ، فَلَزِمَهُ مَا تُقُدِّرَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ الْجَمِيعَ.
الثَّانِي، أَنْ لَا يَكُونَ مُقَدَّرًا، مِثْلَ إنْ غَصَبَ عَبْدًا ذَا سِمَنٍ مُفْرِطٍ، فَخَفَّ جِسْمُهُ، وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى رَدِّهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَوْجَبَ فِي هَذَا مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ، وَلَمْ يُقَدِّرْ بَدَلَهُ، وَلَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ، فَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى؛ فَإِنَّ الذَّاهِبَ مُقَدَّرُ الْبَدَلِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بَدَلُهُ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ فِي مُقَدَّرِ الْبَدَلِ، لَكِنَّ الذَّاهِبَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، كَعَصِيرٍ أَغْلَاهُ فَذَهَبَتْ مَائِيَّتُهُ، وَانْعَقَدَتْ أَجْزَاؤُهُ، فَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى رَدِّهِ؛ لِأَنَّ النَّارَ إنَّمَا أَذْهَبَتْ مَائِيَّتَهُ الَّتِي يَقْصِدُ ذَهَابَهَا، وَلِهَذَا تَزْدَادُ حَلَاوَتُهُ، وَتَكْثُرُ قِيمَتُهُ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا، كَسِمَنِ الْعَبْدِ الَّذِي يَنْقُصُ قِيمَتَهُ.
وَالثَّانِي، يَجِبُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرُ الْبَدَلِ، فَأَشْبَهَ الزَّيْتَ إذَا أَغْلَاهُ.
وَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ وَالْقِيمَةُ جَمِيعًا، وَجَبَ فِي الزَّيْتِ وَشِبْهِهِ ضَمَانُ النَّقْصَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ مُنْفَرِدًا، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رِطْلُ زَيْتٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ، فَأَغْلَاهُ، فَنَقَصَ ثُلُثُهُ، فَصَارَ قِيمَةُ الْبَاقِي نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ رِطْلٍ وَسُدُسُ دِرْهَمٍ.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي ثُلُثَيْ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ رِطْلٍ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْبَاقِي لَمْ تَنْقُصْ.
وَإِنْ خَصَى الْعَبْدَ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِ خُصْيَتَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ.
وَهَلْ يَجِبُ فِي الْعَصِيرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ يَكُونُ كَالزَّيْتِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ عَبْدًا فَنَقَصَتْ قِيمَتِهِ]
(3948) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَسَمِنَ سِمَنًا نَقَصَتْ بِهِ قِيمَتُهُ، أَوْ كَانَ شَابًّا فَصَارَ شَيْخًا، أَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ نَاهِدًا فَسَقَطَ ثَدْيَاهَا.
وَجَبَ أَرْشُ النَّقْصِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَمْرَدَ، فَنَبَتَتْ لِحْيَتُهُ
فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ، وَجَبَ ضَمَانُ نَقْصِهِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ لَا يُقْصَدُ قَصْدًا صَحِيحًا، فَأَشْبَهَ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ بِتَغَيُّرِ صِفَتِهِ، فَيَضْمَنُهُ، كَبَقِيَّةِ الصُّوَرِ.
[فَصْلٌ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ كَطَعَامِ ابْتَلَّ وَخِيفَ فَسَادُهُ]
(3949) فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، كَطَعَامٍ ابْتَلَّ.
وَخِيفَ فَسَادُهُ، أَوْ عَفِنَ وَخُشِيَ تَلَفُهُ.
فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ؛ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ نَقْصَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُ نَقْصِهِ، وَكُلَّمَا نَقَصَ شَيْئًا ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى السَّبَبِ الْمَوْجُودِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَكَانَ كَالْمَوْجُودِ فِي يَدِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَتَخَيَّرُ صَاحِبُهُ بَيْنَ أَخْذِ بَدَلِهِ، وَبَيْنِ تَرْكِهِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهُ، وَيَأْخُذَ أَرْشَ نَقْصِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ تَسْلِيمِهِ إلَى الْغَاصِب وَيَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ النَّقْصَ لَحَصَلَ لَهُ مِثْلُ كَيْلِهِ وَزِيَادَةٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ بَاعَ قَفِيزًا جَيِّدًا بِقَفِيزٍ رَدِيءٍ وَدِرْهَمٍ.
وَلَنَا، أَنَّ عَيْنَ مَالِهِ بَاقِيَةٌ، وَإِنَّمَا حَدَثَ فِيهِ نَقْصٌ، فَوَجَبَ فِيهِ مَا نَقَصَ، كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا فَمَرِضَ.
وَقَدْ وَافَقَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا فِي الْعَفَنِ.
وَقَالَ: يَضْمَنُ مَا نَقَصَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبَلَلَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ الْعَفَنُ بِسَبَبٍ مِنْهُ.
ثُمَّ إنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، لِوُجُودِهِ فِي يَدِهِ، فَلَا فَرْقَ.
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّعَامَ عَيْنُ مَالِهِ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْهُ.
وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ لَا بَأْسَ بِهِ.
[مَسْأَلَة زَرَعَ الْأَرْض الْمَغْصُوبَة فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ]
(3950) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ زَرَعَهَا، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ، كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ) قَوْلُهُ: " فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا " يَعْنِي اسْتَرْجَعَهَا مِنْ الْغَاصِبِ، أَوْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " اُسْتُحِقَّتْ ". يَعْنِي أَخَذَهَا مُسْتَحِقُّهَا.
فَمَتَى كَانَ هَذَا بَعْدَ حَصَادِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ، فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ وَضَمَانُ النَّقْصِ.
وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا، فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ، كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ، أَوْ نَقَصَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ضَمِنَ نَقْصَهَا أَيْضًا؛ لِمَا قَدَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا، لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يُقِرُّ
الزَّرْع فِي الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ، وَيَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ وَأَرْشَ نَقْصِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَيَكُونَ الزَّرْعُ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: يَمْلِكُ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْغَرْسِ سَوَاءٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» . وَلِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظُلْمًا، أَشْبَهَ الْغِرَاسَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ.
فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ.
قَالَ: فَخُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ.
قَالَ رَافِعٌ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ» .
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ، عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً، فَحَمَلَ فِيهَا مَالَهُ.
وَأَدْخَلَهَا الْبَحْرَ، أَوْ غَصَبَ لَوْحًا.
فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ فِي اللُّجَّةِ، وَيُنْتَظَرُ حَتَّى تُرْسَى، صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنْ التَّلَفِ.
كَذَا هَاهُنَا.
وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ.
كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً أَوْ مَشْفُوعَةً.
وَفَارَقَ الشَّجَرَ وَالنَّخْلَ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَتَطَاوَلُ، وَلَا يُعْلَمُ مَتَى يَنْقَطِعُ مِنْ الْأَرْضِ، فَانْتِظَارُهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ رَدِّ الْأَصْلِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الْغَرْسِ، وَحَدِيثُنَا فِي الزَّرْعِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ.
وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِتَرْكِ الزَّرْعِ لِلْغَاصِبِ.
وَيَأْخُذُ مِنْهُ أَجْرَ الْأَرْضِ.
فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ، فَمَلَكَ صَاحِبُهُ أَخْذَ أَجْرِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ فِي الدَّارِ طَعَامًا أَوْ أَحْجَارًا يَحْتَاجُ فِي نَقْلِهِ إلَى مُدَّةٍ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ، فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أَخْذَ شَجَرِ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ.
وَفِيمَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، قِيمَةُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الزَّرْعِ.
فَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
وَلِأَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ إلَى حِينِ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ، كَانَ مِلْكًا لَهُ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ لَمَا مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ.
فَيَكُونُ أَخْذُ الْمَالِكِ لَهُ تَمَلُّكًا لَهُ، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ.
وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إلَى حِينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ، وَقَدْ شَغَلَ بِهِ أَرْضَ غَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنْ الْبَذْرِ، وَمُؤْنَةِ الزَّرْعِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ، وَغَيْرِهِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ". وَقِيمَةُ الشَّيْءِ لَا تُسَمَّى نَفَقَةً لَهُ.
وَالْحَدِيثُ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا، عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ عَيْنِ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَحَضَنَتْ بَيْضًا لَهُ.
أَوْ طَعَامًا فَعَلَفَهُ دَوَابَّ لَهُ، كَانَ النَّمَاءُ لَهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ؛ لِلْأَثَرِ.
وَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ لِلْغَاصِبِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ لَهُ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، فَيَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ مَدْلُولُهُ.
(3951) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَبْقَى أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ، وَيُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ وَالنَّعْنَاعِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الزَّرْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَرْعٌ قَوِيٌّ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَرْسِ؛ لِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَتَكَرُّرِ أَخْذِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ زَرْعٍ مِثْلُ حُكْمِ الْغَرْسِ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِيمَا تَقِلُّ مُدَّتُهُ لِلْأَثَرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا]
(3952) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا، فَهِيَ لَهُ.
وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ، فَكَانَ لَهُ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا.
وَلَبَنِ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إنْ أَدْرَكَهَا فِي الْغِرَاسِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ مِنْ مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا فِيهَا، كَالزَّرْعِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَخْذَ رَبِّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ لِلْأَثَرِ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا، وَالثَّمَرَةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ.
فَكَانَ لِصَاحِبِهِ.
الثَّانِي، أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الَّذِي أَخَذَهُ، مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ، مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ]
(3953) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ، فَالثَّمَرُ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ الشَّجَرَ عَيْنُ مِلْكِهِ نَمَا وَزَادَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَتْ أَغْصَانُهُ.
وَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَرِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ.
وَإِنْ كَانَ رُطَبًا فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ عِنَبًا فَصَارَ زَبِيبًا، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ بِعَمَلِهِ فِيهِ، وَلَيْسَ لِلشَّجَرِ أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّ أُجْرَتَهَا لَا تَجُوزُ فِي الْعُقُودِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ، وَلِأَنَّ نَفْعَ الشَّجَرِ تَرْبِيَةُ الثَّمَرِ وَإِخْرَاجُهُ، وَقَدْ عَادَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ إلَى الْمَالِكِ.
وَلَوْ كَانَتْ مَاشِيَةً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا إنْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ، وَيَضْمَنُ لَبَنَهَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَيَضْمَنُ أَوْبَارَهَا وَأَشْعَارَهَا بِمِثْلِهِ، كَالْقُطْنِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ الْأَرْض الْمَغْصُوبَة فِي جَوَازِ دُخُولِ غَيْرِ الْغَاصِبِ إلَيْهَا]
(3954) فَصْلٌ: وَإِذَا غَصَبَ أَرْضًا، فَحُكْمُهَا فِي جَوَازِ دُخُولِ غَيْرِهِ إلَيْهَا حُكْمُهَا قَبْلَ الْغَصْبِ.
فَإِنْ كَانَتْ مُحَوَّطَةً، كَالدَّارِ وَالْبُسْتَانِ الْمُحَوَّطِ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ مَالِكِهَا دُخُولُهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَ مَالِكِهَا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا، فَلَمْ يَجُزْ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الضَّيْعَةِ تَصِيرُ غَيْضَةً فِيهَا سَمَكٌ: لَا يَصِيدُ فِيهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِمْ.
وَإِنْ كَانَتْ صَحْرَاءَ، جَازَ الدُّخُولُ فِيهَا وَرَعْيُ حَشِيشِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِرَعْيِ الْكَلَأِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَأَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ.
وَيَتَخَرَّجُ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ مِثْلُ حُكْمِ الْأُخْرَى.
قِيَاسًا لَهَا عَلَيْهَا.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ، فِي رَجُلٍ وَالِدَاهُ فِي دَارٍ طَوَابِيقُهَا غَصْبٌ.
لَا يَدْخُلُ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دُخُولَهُ عَلَيْهِمَا تَصَرُّفٌ فِي الطَّوَابِيقِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، فِي رَجُلٍ لَهُ إخْوَةٌ فِي أَرْضِ غَصْبٍ: يَزُورُهُمْ وَيُرَاوِدُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ، فَإِنْ أَجَابُوهُ، وَإِلَّا لَمْ يُقِمْ مَعَهُمْ، وَلَا يَدَعُ زِيَارَتَهُمْ.
يَعْنِي يَزُورُهُمْ بِحَيْثُ يَأْتِي بَابَ دَارِهِمْ، وَيَتَعَرَّفُ أَخْبَارَهُمْ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَيُكَلِّمُهُمْ، وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِمْ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ: أَكْرَهُ الْمَشْيَ عَلَى الْعَبَّارَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبَّارَةَ وُضِعَتْ لِعُبُورِ الْمَاءِ، لَا لِلْمَشْيِ عَلَيْهَا، وَرُبَّمَا كَانَ الْمَشْيُ عَلَيْهَا يَضُرُّ بِهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَدْفِنُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَرْضِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا مِنْ مَوْضِعِ غَصْبٍ، ثُمَّ عَلِمَ: رَجَعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ، فَرَدَّهُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَطْرَحُهُ.
يَعْنِي عَلَى مَنْ ابْتَاعَهُ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قُعُودَهُ فِيهِ حَرَامٌ،
مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِيهِ مُحَرَّمًا، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ مِمَّنْ يَقْعُدُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُحَرَّمِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقُعُودِ وَالْبَيْعِ فِيهِ، وَتَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْقُعُودِ.
وَقَالَ: لَا يَبْتَاعُ مِنْ الْخَانَاتِ الَّتِي فِي الطُّرُقِ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ.
كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ.
وَقَالَ فِي السُّلْطَانِ إذَا بَنَى دَارًا، وَجَمَعَ النَّاسَ إلَيْهَا: أَكْرَهُ الشِّرَاءَ مِنْهَا.
وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ عِبَادَةٌ، فَمَا لَيْسَ بِعِبَادَةِ أَوْلَى.
وَقَالَ فِي مَنْ غَصَبَ ضَيْعَةً، وَغُصِبَتْ مِنْ الْغَاصِبِ، فَأَرَادَ الثَّانِي رَدَّهَا: جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
يَعْنِي بَيْنَ مَالِكِهَا وَالْغَاصِبِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ، جَمَعَ وَرَثَتَهُ.
إنَّمَا قَالَ هَذَا احْتِيَاطًا، خَوْفَ التَّبِعَةِ مِنْ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا طَالَبَ بِهَا، وَادَّعَاهَا مِلْكًا بِالْيَدِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ رَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فِي رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفًا، فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ، فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا غَصَبَنِي الْأَلْفَ الَّذِي اسْتَوْدَعَكَهُ.
وَصَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْتَوْدَعِ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ التَّبِعَةَ، وَهُوَ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَيْهِ، دَفَعَهُ إلَيْهِ.
"
[مَسْأَلَة غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَة فَزَادَتْ قِيمَتُهُ حَتَّى صَارَتْ مِائَتَيْنِ ثُمَّ نَقَصَتْ حَتَّى صَارَتْ مِائَةً]
(3955) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا، أَوْ أَمَةً، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَزَادَ فِي بَدَنِهِ، أَوْ بِتَعَلُّمٍ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَقَصَ بِنُقْصَانِ بَدَنِهِ، أَوْ نِسْيَانِ مَا عُلِّمَ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً، أَخَذَهُ السَّيِّدُ، وَأَخَذَ مِنْ الْغَاصِبِ مِائَةً) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِوَضُ الزِّيَادَةِ، إلَّا أَنْ يُطَالِبَ بِرَدِّهَا زَائِدَةً، فَلَا يَرُدُّهَا؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ كَمَا أَخَذَهَا، فَلَمْ يَضْمَنْ نَقْصَ قِيمَتِهَا، كَنَقْصِ سِعْرِهَا، وَلَنَا، أَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الْمَغْصُوبِ، فَلَزِمَ الْغَاصِبَ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِرَدِّهَا فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَفَارَقَ زِيَادَةَ السِّعْرِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَالصِّنَاعَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، فَهِيَ صِفَةٌ فِيهِ، وَلِذَلِكَ يَضْمَنُهَا إذَا طُولِبَ بِرَدِّ الْعَيْنِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فَلَمْ يَرُدَّهَا، وَأَجْرَيْنَاهَا هِيَ وَالتَّعَلُّمَ مَجْرَى السِّمَنِ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ تَتْبَعُ الْعَيْنَ، وَأَجْرَيْنَا الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَجْرَى الزِّيَادَةِ الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَتَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْعَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ غَصَبَ الْعَيْنَ سَمِينَةً، أَوْ ذَاتَ صِنَاعَةٍ، أَوْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ، فَهَزَلَتْ وَنَسِيَتْ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ عَنْ حَالِ غَصْبِهَا نَقْصًا أَثَّرَ فِي قِيمَتِهَا، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا.
(3956) فَصْلٌ: إذَا غَصَبَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ فَسَمِنَتْ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ صِنَاعَةً، فَبَلَغَتْ أَلْفَيْنِ، ثُمَّ هَزَلَتْ وَنَسِيَتْ، فَعَادَتْ قِيمَتُهَا إلَى مِائَةٍ، رَدَّهَا وَرَدَّ أَلْفًا وَتِسْعَمِائَةٍ.
وَإِنْ بَلَغَتْ بِالسِّمَنِ أَلْفًا، ثُمَّ هَزَلَتْ فَبَلَغَتْ مِائَةً، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ فَبَلَغَتْ أَلْفًا، ثُمَّ نَسِيَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ، رَدَّهَا وَرَدَّ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِالْهُزَالِ تِسْعَمِائَةٍ، وَبِالنِّسْيَانِ تِسْعَمِائَةٍ.
وَإِنْ سَمِنَتْ فَبَلَغَتْ أَلْفًا، ثُمَّ هَزَلَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ فَعَادَتْ إلَى أَلْفٍ، رَدَّهَا وَتِسْعَمِائَةٍ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى أَوْجَبَ الضَّمَانَ، ثُمَّ حَدَثَتْ زِيَادَةٌ أُخْرَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَلَا يَنْجَبِرُ مِلْكُ الْإِنْسَانِ بِمُلْكِهِ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ بِالسِّمَنِ أَلْفًا، ثُمَّ هَزَلَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ، ثُمَّ سَمِنَتْ فَعَادَتْ إلَى أَلْفٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَرُدُّهَا زَائِدَةً، وَيَضْمَنُ نَقْصَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ، فَإِنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْجَبِرُ بِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى.
فَعَلَى هَذَا إنْ هَزَلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ، ضَمِنَ النَّقْصَيْنِ بِأَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّهُ إذَا رَدَّهَا سَمِينَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ مَا ذَهَبَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَرِضَتْ فَنَقَصَتْ، ثُمَّ عُوفِيَتْ، أَوْ نَسِيَتْ صِنَاعَةً ثُمَّ تَعَلَّمَتْهَا، أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ عَادَ.
وَفَارَقَ مَا إذَا زَادَتْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَا ذَهَبَ.
وَهَذَا الْوَجْهُ، أَقْيَسُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ سَمِنَتْ بَعْدَ الْهُزَالِ، وَلَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا إلَى مَا بَلَغَتْ فِي السِّمَنِ الْأَوَّلِ، أَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ، ضَمِنَ أَكْثَرَ الزِّيَادَتَيْنِ، وَتَدْخُلُ الْأُخْرَى فِيهَا.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَضْمَنُهُمَا جَمِيعًا.
فَأَمَّا إنْ زَادَتْ بِالتَّعْلِيمِ أَوْ الصِّنَاعَةِ، ثُمَّ نَسِيَتْ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ مَا نَسِيَتْهُ، فَعَادَتْ الْقِيمَةُ الْأُولَى، لَمْ يَضْمَنْ النَّقْصَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ عَادَ مَا ذَهَبَ.
وَإِنْ تَعَلَّمَتْ عِلْمًا آخَرَ، أَوْ صِنَاعَةً أُخْرَى، فَهُوَ كَعَوْدِ السِّمَنِ، فِيهِ وَجْهَانِ.
ذَكَرَ هَذَا الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَتَى زَادَتْ، ثُمَّ نَقَصَتْ، ثُمَّ زَادَتْ مِثْلَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ كَالسِّمَنِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالسِّمَنِ وَالتَّعْلِيمِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
[فَصْلٌ مَرِضَ الْمَغْصُوبُ ثُمَّ بَرَّأَ أَوْ ابْيَضَّتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ذَهَبَ بَيَاضُهَا]
(3957) فَصْلٌ: وَإِنْ مَرِضَ الْمَغْصُوبُ ثُمَّ بَرَأَ، أَوْ ابْيَضَّتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ذَهَبَ بَيَاضُهَا، أَوْ غَصَبَ جَارِيَةً حَسْنَاءَ فَسَمِنَتْ
سِمَنًا نَقَصَهَا، ثُمَّ خَفَّ سِمَنُهَا فَعَادَ حُسْنُهَا وَقِيمَتُهَا رَدَّهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَا لَهُ قِيمَةٌ، وَالْعَيْبُ الَّذِي أَوْجَبَ الضَّمَانَ زَالَ فِي يَدَيْهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَتْ فَنَقَصَتْ، ثُمَّ وَضَعَتْ فَزَالَ نَقْصُهَا، لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا.
فَإِنْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ نَاقِصًا بِمَرَضٍ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ سِمَنٍ مُفْرِطٍ، أَوْ حَمْلٍ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ، فَإِنْ زَالَ عَيْبُهُ فِي يَدَيْ مَالِكِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ أَرْشِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ الْمَغْصُوبَ دُونَ أَرْشِهِ، ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ أَخْذِ أَرْشِهِ، لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ؛ لِذَلِكَ.
[فَصْلٌ زَوَائِدُ الْغَصْبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ]
(3958) فَصْلٌ: زَوَائِدُ الْغَصْبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَضْمُونَةٌ ضَمَانَ الْغَصْبِ، مِثْلُ السِّمَنِ، وَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَةِ، وَغَيْرِهَا، وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ، مَتَى تَلِفَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ تَلِفَ مُنْفَرِدًا، أَوْ تَلِفَ مَعَ أَصْلِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَجِبُ ضَمَانُ زَوَائِدِ الْغَصْبِ، إلَّا أَنْ يُطَالَبَ بِهَا فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَغْصُوبَةٍ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهَا، كَالْوَدِيعَةِ، وَدَلِيلُ عَدَمِ الْغَصْبِ أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، وَثُبُوتُ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى وُجُودِ الزَّوَائِدِ فِي يَدِهِ، وَوُجُودُهَا لَيْسَ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، حَصَلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِالْغَصْبِ، فَيَضْمَنُهُ بِالتَّلَفِ، كَالْأَصْلِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إثْبَاتَ يَدِهِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ بِإِمْسَاكِ الْأُمِّ تَسَبَّبَ إلَى إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ، وَإِثْبَاتُ يَدِهِ عَلَى الْأُمِّ مَحْظُورٌ.
[فَصْلٌ لَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِ الْقِيمَةِ الْحَاصِلِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ]
(3959) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِ الْقِيمَةِ الْحَاصِلِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ، فَيَلْزَمُهُ إذَا رَدَّهَا، كَالسِّمَنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا، لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا عَيْنٌ وَلَا صِفَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ تَنْقُصْ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّهُ وَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَتُهَا، فَدَخَلَتْ فِي التَّقْوِيمِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهَا؛ فَإِنَّ الْقِيمَةَ لَا تَجِبُ، وَيُخَالِفُ السِّمَنَ، فَإِنَّهُ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَالْعِلْمُ بِالصِّنَاعَةِ صِفَةٌ فِيهَا، وَهَا هُنَا لَمْ تَذْهَبْ عَيْنٌ وَلَا صِفَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْقِيمَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي الْعَيْنِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ كُلُّهَا كَمَا كَانَتْ، وَلِأَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ مَا غَصَبَ، وَالْقِيمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَصْبِ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعَيْنِ، فَإِنَّهَا مَغْصُوبَةٌ وَقَدْ ذَهَبَتْ.
[فَصْلٌ غَصَبَ شَيْئًا فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ وَكَانَ ثَوْبًا يَنْقُصُهُ الْقَطْعُ]
(3960) فَصْلٌ: وَلَوْ غَصَبَ شَيْئًا فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَكَانَ ثَوْبًا يَنْقُصُهُ الْقَطْعُ، رَدَّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ، فَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ النِّصْفَيْنِ، رَدَّ الْبَاقِي وَقِيمَةَ التَّالِفِ، وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْهُ الْقَطْعُ، رَدَّ الْبَاقِيَ وَقِيمَةَ التَّالِفِ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ كَانَا بَاقِيَيْنِ، رَدَّهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى ذَلِكَ.
وَإِنْ غَصَبَ شَيْئَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ، كَزَوْجَيْ خُفٍّ، وَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، رَدَّ الْبَاقِيَ، وَقِيمَةَ التَّالِفِ وَأَرْشَ نَقْصِهِمَا.
فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سِتَّةَ دَرَاهِمَ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، فَصَارَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي دِرْهَمَيْنِ، رَدَّ الْبَاقِيَ وَأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا قِيمَةُ التَّالِفِ مَعَ رَدِّ الْبَاقِي.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْلَفْ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّ نَقْصَ الْبَاقِي نَقْصُ قِيمَةٍ، فَلَا يَضْمَنُهُ، كَالنَّقْصِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَشَقِّ الثَّوْبِ الَّذِي يَنْقُصُهُ الشَّقُّ إذَا أَتْلَفَ أَحَدَ شِقَّيْهِ، بِخِلَافِ نَقْصِ السِّعْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْمَغْصُوبِ عَيْنٌ وَلَا مَعْنَى، وَهَا هُنَا فَوَّتَ مَعْنَى، وَهُوَ إمْكَانُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَهُ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ بَصَرَهُ أَوْ سَمْعَهُ أَوْ عَقْلَهُ، أَوْ فَكَّ تَرْكِيبَ بَابٍ وَنَحْوِهِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَنَقَصَ نِصْفُ قِيمَتِهِ ثُمَّ عَادَتْ قِيمَتُهُ]
(3961) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَأَبْلَاهُ، فَنَقَصَ نِصْفُ قِيمَتِهِ، ثُمَّ غَلَتْ الثِّيَابُ، فَعَادَتْ لِذَلِكَ قِيمَتُهُ، كَمَا كَانَتْ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ، فَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَنَقَصَهُ لُبْسُهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً، ثُمَّ زَادَتْ قِيمَتُهُ فَصَارَتْ عَشَرَةً، رَدَّهُ وَرَدَّ خَمْسَةً؛ لِأَنَّ مَا تَلِفَ قَبْلَ غَلَاءِ الثَّوْبِ ثَبَتَتْ قِيمَتُهُ فِي الذِّمَّةِ خَمْسَةٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِغَلَاءِ الثَّوْبِ وَلَا رُخْصِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَخَّصَتْ الثِّيَابُ، فَصَارَتْ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةً، لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ إلَّا خَمْسَةٌ، مَعَ رَدِّ الثَّوْبِ.
وَلَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ كُلُّهُ، وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، ثُمَّ غَلَتْ الثِّيَابُ، فَصَارَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عِشْرِينَ، لَمْ يَضْمَنْ إلَّا عَشَرَةً؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ عَشَرَةً، فَلَا تَزْدَادُ بِغَلَاءِ الثِّيَابِ، وَلَا تَنْقُصُ بِرُخْصِهَا.
[فَصْلٌ غَصَبَ ثَوْبًا أَوْ زوليا فَذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ]
(3962) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا أَوْ زوليا، فَذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ، كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ، وزئبرة الثَّوْبِ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ.
وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، لَزِمَهُ أَجْرُهُ، سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ.
وَإِنْ اجْتَمَعَا، مِثْلُ أَنْ أَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً، فَذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُمَا مَعًا، الْأَجْرُ وَأَرْشُ النَّقْصِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَهَابُ الْأَجْزَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ نَقَصَ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ، كَثَوْبِ يَنْقُصُهُ النَّشْرُ، فَنَقَصَ بِنَشْرِهِ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ مُدَّةً، ضَمِنَ الْأَجْرَ وَالنَّقْصَ، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَثَوْبٍ لَبِسَهُ
وَأَبْلَاهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَضْمَنُهُمَا مَعًا.
وَالثَّانِي، يَجِبُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأَجْرِ وَأَرْشُ النَّقْصِ؛ لِأَنَّ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَجْزَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَجْرِ، وَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِالْإِيجَابِ عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَا، كَمَا لَوْ أَقَامَ فِي يَدِهِ مُدَّةً ثُمَّ تَلِفَ، وَالْأُجْرَةُ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَفُوتُ مِنْ الْمَنَافِعِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَجْزَاءِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ تَفُتْ الْأَجْزَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ أَجْرٌ، كَثَوْبٍ غَيْرِ مَخِيطٍ، فَلَا أَجْرَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ لَا غَيْرُ.
[فَصْلٌ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ بَاعَهُ فَتَلِفَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي]
فَصْلٌ: وَإِذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ، ثُمَّ بَاعَهُ فَتَلِفَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إلَى حِينِ التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ مِنْ حِينِ غَصْبِهِ إلَى يَوْمِ تَلِفَ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ قَبْضِهِ إلَى حِينِ تَلَفِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أُجْرَةٌ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِجَمِيعِهَا، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَجْرِ مُقَامِهِ فِي يَدِهِ، وَالْبَاقِي عَلَى الْغَاصِبِ.
وَالْكَلَامُ فِي رُجُوعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا]
(3964) فَصْلٌ: وَإِذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، أَوْ حَدِيدًا فَعَمِلَهُ سَكَاكِينَ أَوْ أَوَانِيَ، أَوْ خَشَبَةً فَنَجَرَهَا بَابًا أَوْ تَابُوتًا، أَوْ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ وَخَاطَهُ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَيَأْخُذُهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَتِهِ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا: يَنْقَطِعُ حَقُّ صَاحِبِهَا عَنْهَا، إلَّا أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بِالصَّدَقَةِ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهَا فَيَمْلِكَهَا وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُهَا بِالْقِيمَةِ، إلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا مَاتَ قَبْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَارَ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي دَارِهِمْ، فَقَدَّمُوا إلَيْهِ شَاةً مَشْوِيَّةً فَتَنَاوَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، فَجَعَلَ يَلُوكُهَا وَلَا يُسِيغُهَا، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الشَّاةَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا أُخِذَتْ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ.
فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَلَبْنَا فِي السُّوقِ فَلَمْ نَجِدْ، فَأَخَذْنَا شَاةً لِبَعْضِ جِيرَانِنَا، وَنَحْنُ نُرْضِيهِمْ مِنْ ثَمَنِهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَطْعِمُوهَا الْأَسْرَى.»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَقَّ أَصْحَابِهَا انْقَطَعَ عَنْهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَمَرَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِمْ.
وَلَنَا، أَنَّ عَيْنَ مَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ قَائِمَةٌ، فَلَزِمَ رَدُّهَا إلَيْهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ وَلَمْ يَشْوِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ بِمُلْكِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ، أَوْ ضَرَبَ النُّقْرَةَ دَرَاهِمَ، وَلِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، فَلَمْ يُزِلْهُ إذَا فَعَلَهُ آدَمِيٌّ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ كَمَا رَوَوْهُ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: " وَنَحْنُ نُرْضِيهِمْ مِنْ ثَمَنِهَا ".
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِعَمَلِهِ، سَوَاءٌ زَادَتْ الْعَيْنُ أَوْ لَمْ تَزِدْ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْغَاصِبَ يُشَارِكُ الْمَالِكَ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِمَنَافِعِهِ، وَمَنَافِعُهُ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ عَمِلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ لِذَلِكَ عِوَضًا، كَمَا لَوْ أَغْلَى زَيْتًا فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، أَوْ بَنَى حَائِطًا لِغَيْرِهِ، أَوْ زَرَعَ حِنْطَةَ إنْسَانٍ فِي أَرْضِهِ، وَسَائِرِ عَمَلِ الْغَاصِبِ.
فَأَمَّا صَبْغُ الثَّوْبِ، فَإِنَّ الصَّبْغَ عَيْنُ مَالٍ، لَا يَزُولُ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ بِجَعْلِهِ مَعَ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ صَبْغِهِ بِجَعْلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَجَعْلِهِ كَالصِّفَةِ، فَلَأَنْ لَا يَزُولَ مِلْكُ غَيْرِهِ بِعَمَلِهِ فِيهِ أَوْلَى، فَإِنْ احْتَجَّ بِأَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ، قُلْنَا: الزَّرْعُ مِلْكٌ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ تَزْدَادُ بِهِ قِيمَتُهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ مَالِكُ الْأَرْضِ، احْتَسَبَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مِلْكِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا عَمَلُهُ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَكَانَ لَاغِيًا، عَلَى أَنَّنَا نَقُولُ: إنَّمَا تَجِبُ قِيمَةُ الزَّرْعِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ دُونَ الْقِيمَةِ، رَدَّ الْمَوْجُودَ وَقِيمَةَ النَّقْصِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ وَالْقِيمَةُ، ضَمِنَهُمَا مَعًا، كَالزَّيْتِ إذَا غَلَاهُ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلٍّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ، مِثْلُ نُقْرَةٍ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا، أَوْ طِينًا جَعَلَهُ لَبَنًا، أَوْ غَزْلًا نَسَجَهُ، أَوْ ثَوْبًا قَصَرَهُ.
وَإِنْ جَعَلَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ عَيْنِ مَالِهِ، مِثْلُ أَنْ سَمَّرَ الرُّفُوفَ بِمَسَامِيرَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَهُ قَلْعُهَا وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَتْ الرُّفُوفُ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَامِيرُ مِنْ الْخَشَبِ الْمَغْصُوبَةِ، أَوْ مَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُهَا، إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمَالِكُ، بِذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَامِيرُ لِلْغَاصِبِ، فَوَهَبَهَا لِلْمَالِكِ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْهِبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ.
وَالْحُكْمُ فِي زِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ، كَمَا لَوْ وَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يُضَمِّنَ النَّقْصَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ قَصَّابًا فَذَبَحَ شَاةً، فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا، وَيُغَرِّمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَصَّابُ الْحَالَ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْقَصَّابَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ، لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَإِنْ عَلِمَ الْقَصَّابُ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ فَغَرَّمَهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ
غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَالِمًا بِالْحَالِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَى الْقَصَّابِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ مِنْهُ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَعَانَ بِمَنْ ذَبَحَ لَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ.
[فَصْل غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ فَصَارَ زَرْعًا أَوْ نَوَى فَصَارَ شَجَرًا أَوْ بَيْضًا فَحَضَنَهُ فَصَارَ فَرْخًا]
(3965) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ فَصَارَ زَرْعًا، أَوْ نَوًى فَصَارَ شَجَرًا، أَوْ بَيْضًا فَحَضَنَهُ فَصَارَ فَرْخًا، فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ نَمَا، فَأَشْبَهَ مَا تَقَدَّمَ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَمْلِكَهُ الْغَاصِبُ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ.
وَإِنْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ حَضَنَتْ بَيْضَهَا فَصَارَ فِرَاخًا، فَهُمَا لِمَالِكِهَا، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَلَفِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي طَيْرَةٍ جَاءَتْ إلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَفْرَخَتْ عِنْدَهُمْ: يَرُدُّ فُرُوخَهَا إلَى أَصْحَابِ الطَّيْرَةِ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيمَا عَمِلَ.
وَإِنْ غَصَبَ شَاةً، فَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحْلًا، فَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا.
وَإِنْ غَصَبَ فَحْلًا، فَأَنْزَاهُ عَلَى شَاتِه، فَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأُمَّ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ.
وَإِنْ نَقَصَهُ الضِّرَابُ ضَمِنَ نَقْصَهُ.
[فَصْلٌ غَصَبَ دَنَانِير أَوْ دَرَاهِم مِنْ رَجُلٍ وَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا لِآخَر فَلَمْ يَتَمَيَّزَا]
(3966) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ، وَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا لِآخَرَ، فَلَمْ يَتَمَيَّزَا، صَارَا شَرِيكَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَمْلِكُهَا الْغَاصِبُ، وَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلِهَا لَهُمَا، وَإِنْ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ مَالِهِ، مَلَكَهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا بِعَيْنِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَتْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فِعْلٌ فِي الْمَغْصُوبِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي، لَمْ يَذْهَبْ بِمَالِيَّتِهِ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، كَذَبْحِ الشَّاةِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ عَبْدًا فَصَادَ صَيْدًا أَوْ كَسَبَ شَيْئًا]
(3967) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَصَادَ صَيْدًا، أَوْ كَسَبَ شَيْئًا، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ غَصَبَ جَارِحًا كَالْفَهْدِ وَالْبَازِي، فَصَادَ بِهِ، فَالصَّيْدُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ صَيْدَ الْعَبْدِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ الصَّائِدُ، وَالْجَارِحَةُ آلَةٌ لَهُ، وَلِهَذَا يَكْتَفِي بِتَسْمِيَتِهِ عِنْدَ إرْسَالِهِ الْجَارِحَ.
وَإِنْ غَصَبَ قَوْسًا أَوْ سَهْمًا أَوْ شَبَكَةً، فَصَادَ بِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْقَوْسِ وَالسَّهْمِ وَالشَّبَكَةِ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ نَمَاءَ مِلْكِهِ وَكَسْبَ عَبْدِهِ.
وَالثَّانِي، لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، وَهَذِهِ آلَاتٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينِ غَيْرِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلْغَاصِبِ.
فَعَلَيْهِ أَجْرُ ذَلِكَ كُلُّهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلْمَالِكِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فِي مُدَّةِ اصْطِيَادِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهِ، وَمَنَافِعُهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَائِدَةٌ إلَى مَالِكِهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ زَرَعَ أَرْضَ إنْسَانِ، فَأَخَذَ الْمَالِكُ الزَّرْعَ بِنَفَقَتِهِ، وَالثَّانِي عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَصِدْ شَيْئًا.
[مَسْأَلَة غَصَبَ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا وَأُوَلِّدهَا]
(3968) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا، وَأَوْلَدَهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَأَخَذَهَا سَيِّدُهَا وَأَوْلَادَهَا وَمَهْرَ مِثْلِهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ، فَهُوَ زَانٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ مُطَاوِعَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا مَهْرَ لِلْمُطَاوِعَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مَعَ إكْرَاهِهَا، فَيَجِبُ مَعَ مُطَاوَعَتِهَا، كَأَجْرِ مَنَافِعِهَا، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرَّةِ، وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ يَدْخُلُ فِيهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ؛ وَلِهَذَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ عَادَةً، لِأَجْلِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَفْوِيتِ الْبَكَارَةِ.
وَإِنْ حَمَلَتْ، فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا وَأَجْزَائِهَا، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى.
فَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا، وَجَبَ رَدُّهُ مَعَهَا، وَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ حَيَاتَهُ قَبْلَ هَذَا.
هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا.
نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ لَوْ سَقَطَ بِضَرْبَتِهِ، وَمَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِالتَّلَفِ فِي يَدِهِ، كَأَجْرِ الْعَيْنِ.
وَالْأَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنْ يَضْمَنَهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَضْمَنُهُ بِهِ بِالْجِنَايَةِ، فَيَضْمَنُهُ بِهِ فِي التَّلَفِ، كَالْأَجْزَاءِ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا، حَصَلَ مَضْمُونًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ، كَالْأُمِّ.
فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ، ضَمِنَ نَقْصَهَا، وَلَمْ يَنْجَبِرْ بِالْوَلَدِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْجَبِرُ نَقْصُهَا بِوَلَدِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ وَلَدَهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَلَا يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، كَالنَّقْصِ الْحَاصِلِ
بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ.
وَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ الْجَنِينَ مَيِّتًا، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ.
وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَى الضَّارِبِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الضَّارِبَ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ وُجِدَ مِنْهُ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَنَقْصِ وِلَادَتِهَا، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا، وَلَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا حَالَةُ الْإِكْرَاهِ أَوْ الْمُطَاوَعَةِ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِسَيِّدِهَا، فَلَا تَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا.
وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحَدِّ عَلَيْهَا، وَالْإِثْمِ، وَالتَّعْزِيرِ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ، فَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً عَلَى الْوَطْءِ، عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَالْإِثْمُ، وَإِلَّا فَلَا.
(3969) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَاشِئًا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا، فَاعْتَقَدَ حِلَّ وَطْئِهَا، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ.
وَإِنْ حَمَلَتْ فَالْوَلَدُ حُرٌّ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ لِمَوْضِعِ الشُّبْهَةِ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَيَاتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَقْوِيمُهُ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ حَمْلًا، فَقُوِّمَ عَلَيْهِ أَوَّلَ حَالِ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالِ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ.
وَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، مَوْرُوثَةً عَنْهُ، لَا يَرِثُ الضَّارِبُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ جَنِينًا حُرًّا، وَعَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ لَمَّا اعْتَقَبَ الضَّرْبَ، فَالظَّاهِرُ حُصُولُهُ بِهِ، وَضَمَانُهُ لِلسَّيِّدِ ضَمَانُ الْمَمَالِيكِ، وَلِهَذَا لَوْ وَضَعَتْهُ حَيًّا قَوَّمْنَاهُ مَمْلُوكًا.
وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَجْنَبِيًّا، فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ دِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَتَكُونُ مَوْرُوثَةً عَنْهُ، وَعَلَى الْغَاصِبِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ، وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ.
وَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ، وَالْأَرْشِ، وَالْأَجْرِ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ، وَقِيمَتِهَا إنْ تَلِفَتْ، مَا مَضَى إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالْخَطَأِ، كَالدِّيَةِ.
[مَسْأَلَة الْغَاصِبُ لِلْجَارِيَةِ بَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي وَأَوْلَدَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ]
(3970) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ بَاعَهَا، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، وَأَوْلَدَهَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، رُدَّتْ الْجَارِيَةُ إلَى سَيِّدِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا، وَفَدَى أَوْلَادَهُ بِمِثْلِهِمْ، وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَرَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا بَاعَ الْجَارِيَةَ، فَبَيْعُهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ، وَيَنْفُذُ، لِأَنَّ الْغَصْبِ فِي الظَّاهِرِ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْغَاصِبِ، أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ بِالْمَالِكِ وَالْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَهَا، وَالْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُهَا.
وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَالْحُكْمُ فِي وَطْءِ الْمُشْتَرِي كَالْحُكْمِ فِي وَطْءِ الْغَاصِبِ، إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا ادَّعَى الْجَهَالَةَ، قُبِلَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِشَرْطٍ ذَكَرْنَاهُ.
وَيَجِبُ رَدُّ الْجَارِيَةِ إلَى سَيِّدِهَا، وَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» .
وَالْمُشْتَرِي أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَيْضًا، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَالَ غَيْرِهِ فِي يَدِهِ.
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ نِكَاحٍ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ.
وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَطَأُ مَمْلُوكَتَهُ، فَمَنَعَ ذَلِكَ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ رَقِيقًا، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ بِاعْتِقَادِهِ حِلَّ الْوَطْءِ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ فِدَاءُ أَوْلَادِهِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ بَدَلُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي حَالِ الْعُلُوقِ أَحْرَارًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قِيمَةٌ حِينَئِذٍ.
قَالَ الْخَلَّالُ أَحْسَبُهُ قَوْلًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَوَّلَ، وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ.
وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَيَفْدِيهِمْ بِبَدَلِهِمْ يَوْمَ الْوَضْعِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَضْمَنُهُ عِنْدَهُ إلَّا بِالْمَنْعِ، وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَحْصُلْ مَنْعٌ فَلَمْ يَجِبْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى، أَنَّهُ يَحْدُثُ مَضْمُونًا، فَيُقَوَّمُ يَوْمَ وَضْعِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالٍ أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَفْدِيهِمْ بِهِ، فَنَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمِثْلِهِمْ فِي السِّنِّ، وَالصِّفَاتِ، وَالْجِنْسِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ فِي الْقِيمَةِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِقِيمَتِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ، فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ
كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " رَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ ". يَعْنِي بِالْمَهْرِ، وَمَا فَدَى بِهِ الْأَوْلَادَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْأَوْلَادَ، وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْوَطْءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَدْ غَرَّهُ الْبَائِعُ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْجَارِيَةُ إذَا رَدَّهَا لَمْ يَرْجِعْ بِبَدَلِهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ رَجَعَتْ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا.
وَإِنْ اغْتَصَبَهَا بِكْرًا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا.
وَإِنْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ أَوْ غَيْرُهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهَا.
وَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا.
وَكُلُّ ضَمَانٍ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ سَبَبُ يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَمَا وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ، مِنْ أَجْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ، أَوْ نَقْصٍ حَدَثَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ يَدِ الْمُشْتَرِي.
فَإِذَا طَالَبَ الْمَالِكُ الْمُشْتَرِيَ بِمَا وَجَبَ فِي يَدِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ، فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حِينَ الشِّرَاءِ عَلِمَ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الضَّمَانِ وُجِدَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ قِيمَتُهَا إنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، وَأَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَبَدَلُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِذَلِكَ بِالثَّمَنِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ.
وَضَرْبٌ يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ بَدَلُ الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ جِهَتِهِ إتْلَافٌ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ بَيْعِ الْغَاصِبِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ نَقْصُ الْوِلَادَةِ.
وَضَرْبٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ مَهْرُ مِثْلِهَا وَأَجْرُ نَفْعِهَا، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَرْجِعُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُتْلِفَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِذَا غَرِمَ عِوَضَهُ رَجَعَ بِهِ، كَبَدَلِ الْوَلَدِ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ غَرِمَ مَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ، كَقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَبَدَلِ أَجْزَائِهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَإِنْ رَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَكُلُّ مَا لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، إذَا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ رَجَعَ بِهِ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَكُلُّ مَا لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ إذَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَمَتَى رَدَّهَا حَامِلًا فَمَاتَتْ مِنْ الْوَضْعِ، فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْوَاطِئِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ.
[فَصْل اسْتَكْرَهَ الْغَاصِب امْرَأَةً عَلَى الزِّنَى]
(3971) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَى، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً كَانَ الْمَهْرُ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ لِسَيِّدِهَا.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ طَاوَعَتْهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، سَقَطَ فِيهِ الْحَدَّ مِنْ الْمَوْطُوءَةِ.
فَإِذَا كَانَ الْوَاطِئُ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ فِي حَقِّهَا، وَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُهَا كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، وَأَمَّا الْمُطَاوِعَةُ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً، لَمْ يَجِبْ لَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا اقْتَرَنَ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ، فَلَمْ يُوجِبْ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْهُ فِي قَطْعِ يَدِهَا، أَوْ إتْلَافِ جُزْءٍ مِنْهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الثَّيِّبَ لَا مَهْرَ لَهَا وَإِنْ أُكْرِهَتْ.
نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ عَلَى الْوَطْءِ الْحَرَامِ، فَوَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ، كَالْبِكْرِ، وَيَجِبُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ مَعَ الْمَهْرِ، كَمَا قَدَّمْنَا.
[فَصْلٌ أَجَرَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ]
(3972) فَصْلٌ: إذَا أَجَرَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ، فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ، كَالْبَيْعِ، وَلِمَالِكِهِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَ مِثْلِهَا، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ، لَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَنْفَعَةَ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَيَرْجِعَ بِالزِّيَادَةِ وَيَسْقُطَ عَنْهُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْغَاصِبِ، رَجَعَ بِهِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلِمَالِكِهَا تَغْرِيمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قِيمَتَهَا، فَإِنْ غَرَّمَ الْمُسْتَأْجِرَ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا غَرِمَ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ، وَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ الْأَجْرَ وَالْقِيمَةَ، رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْفَصْلِ كُلِّهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَجْرَ لِلْغَاصِبِ دُونَ صَاحِبِ الدَّارِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الْمَنَافِعِ الْمَمْلُوكَةِ لِرَبِّ الدَّارِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغَاصِبُ، كَعِوَضِ الْأَجْزَاءِ.
[فَصْلٌ أَوْدَعَ الْمَغْصُوبَ أَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِهِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ]
(3973) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْدَعَ الْمَغْصُوبَ، أَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِهِ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ أَمَّا الْغَاصِبُ فَلِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ، وَأَثْبَتَ الْيَدَ الْعَادِيَةَ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ وَالْوَكِيلُ لِإِثْبَاتِهِمَا
أَيْدِيهِمَا عَلَى مِلْكٍ مَعْصُومٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.
فَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ، وَكَانَا غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ غَرَّمَهُمَا رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا غَرِمَا مِنْ الْقِيمَةِ وَالْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ لَا يَضْمَنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمَا بَدَلٌ عَمَّا ضَمِنَا.
وَإِنْ عَلِمَا أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ بِهِمَا، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ غَرِمَا شَيْئًا، لَمْ يَرْجِعَا بِهِ.
وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ، رَجَعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمَا.
وَإِنْ جَرَحَهَا الْغَاصِبُ، ثُمَّ أَوْدَعَهَا، أَوْ رَدَّهَا إلَى مَالِكِهَا، فَتَلِفَتْ بِالْجَرْحِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا بِالْإِتْلَافِ فِي يَدِهِ.
[فَصْل أَعَارَ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ]
فَصْلٌ: وَإِنْ أَعَارَ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ، فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَهَا وَقِيمَتَهَا، فَإِنْ غَرَّمَ الْمُسْتَعِيرَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْغَصْبِ، فَغَرَّمَهُ، لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ.
وَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ مِنْ الْأَجْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَهُ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهَا، فَقَدْ اسْتَوْفَى بَدَلَ مَا غَرِمَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْأَجْزَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ وَقْتَ الْقَبْضِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ التَّلَفِ، فَضَمِنَ الْأَكْثَرَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ.
فَإِنْ رَدَّهَا الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْغَاصِبِ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْمِلْكَ عَلَى مَالِكِهِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ.
وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ حَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُودَعِ وَغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ هِبَة الْمَغْصُوبَ لِعَالَمِ بِالْغَصْبِ]
(3975) فَصْلٌ: وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِعَالَمٍ بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَّهِبِ، فَمَهْمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ أَوْ أَجْزَائِهَا، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ مُدَّةِ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ، وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ حَصَلَ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُتَّهِبَ، رَجَعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيُّهُمَا ضُمِّنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ.
وَلَنَا أَنَّ الْمُتَّهِبَ دَخَلَ عَلَى أَنْ تُسَلَّمَ لَهُ الْعَيْنُ، فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَتِهَا، كَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ
فَإِنَّهُ وَافَقَنَا عَلَى الرُّجُوعِ بِضَمَانِهِ.
فَأَمَّا الْأُجْرَةُ وَالْمَهْرُ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ الْمُتَّهِبُ عَلَى الْوَاهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ ضَمَّنَهُ الْوَاهِبَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُتَّهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
[فَصْلٌ تَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ]
(3976) فَصْلٌ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ كَتَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، بُطْلَانُهَا.
وَالثَّانِيَةُ، صِحَّتُهَا وَوُقُوفُهَا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ فِي تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةِ رِوَايَةً، أَنَّهَا تَقَعُ صَحِيحَةً، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعِبَادَاتُ، كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، أَوْ الْعُقُودُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ.
وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ فِي الْعُقُودِ بِمَا لَمْ يُبْطِلْهُ الْمَالِكُ، فَأَمَّا مَا اخْتَارَ الْمَالِكُ إبْطَالَهُ وَأَخْذَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلَمْ نَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا، وَأَمَّا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْمَالِكُ، فَوَجْهُ التَّصْحِيحِ فِيهِ أَنَّ الْغَاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَتَكْثُرُ تَصَرُّفَاتُهُ، فَفِي الْقَضَاءِ بِبُطْلَانِهَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ، وَرُبَّمَا عَادَ الضَّرَرُ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهَا يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ لِلْمَالِكِ، وَالْعِوَضِ بِنَمَائِهِ وَزِيَادَتِهِ لَهُ، وَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ غَصَبَ أَثْمَانًا فَاتَّجَرَ بِهَا أَوْ عُرُوضًا فَبَاعَهَا وَاتَّجَرَ بِثَمَنِهَا]
(3977) فَصْلٌ: وَإِذَا غَصَبَ أَثْمَانًا فَاتَّجَرَ بِهَا، أَوْ عُرُوضًا فَبَاعَهَا وَاتَّجَرَ بِثَمَنِهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الرِّبْحُ لِلْمَالِكِ، وَالسِّلَعُ الْمُشْتَرَاةُ لَهُ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ إنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ فَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ.
قَالَ الشَّرِيفُ: وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ نَقَدَ الْأَثْمَانَ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ، فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بَدَلُ الْمَغْصُوبِ.
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ.
كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِ الْمَالِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ حَصَلَ خُسْرَانٌ، فَهُوَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي الْمَغْصُوبِ.
وَإِنْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى مَنْ يُضَارِبُ بِهِ، فَالْحُكْمُ فِي الرِّبْحِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَيْسَ عَلَى الْمَالِكِ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَمَلِ فِي مَالِهِ، وَأَمَّا الْغَاصِبُ، فَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ، فَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْعَمَلِ، وَلَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، فَلَزِمَهُ أَجْرُهُ، كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
[مَسْأَلَة غَصَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ]
(3978) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ، لَزِمَتْ الْغَاصِبَ الْقِيمَةُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، كَعَبْدٍ أَبَقَ، أَوْ دَابَّةٍ شَرَدَتْ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ، فَإِذَا أَخَذَهُ مَلَكَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ، بَلْ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ رَدُّهَا،
وَيَسْتَرِدُّ قِيمَتَهَا الَّتِي أَدَّاهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ الصَّبْرِ إلَى إمْكَانِ رَدِّهَا فَيَسْتَرِدُّهَا، وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إيَّاهَا فَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا، وَتَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَ دُونَ قِيمَتِهَا بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ الْبَدَلَ، فَلَا يَبْقَى مِلْكُهُ عَلَى الْمُبْدَلِ، كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ تَضْمِينٌ فِيمَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ، فَنَقَلَهُ، كَمَا لَوْ خَلَطَ زَيْتَهُ.
بِزَيْتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِالْبَيْعِ، فَلَا يَصِحُّ بِالتَّضْمِينِ كَالتَّالِفِ، وَلِأَنَّهُ غَرِمَ مَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مُدَبَّرًا، وَلَيْسَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْقِيمَةَ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ، وَلِهَذَا إذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ إلَيْهِ، رَدَّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْبِهُ الزَّيْتَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِهِ انْقَطَعَ عَنْهُ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ أَبَدًا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْمَغْصُوبِ رَدَّهُ، وَنَمَاءَهُ الْمُنْفَصِلَ وَالْمُتَّصِلَ، وَأَجْرَ مِثْلِهِ إلَى حِينِ دَفْعِ بَدَلِهِ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَجْرُهُ مِنْ حِينِ دَفْعِ بَدَلِهِ إلَى رَدِّهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ بِبَدَلِهِ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَهُ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ، وَبِمَا قَامَ مَقَامَهُ، كَسَائِرِ مَا عَدَاهُ.
وَالثَّانِي، لَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَالْمَنْفَعَةُ لَهُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ بَدَلًا عَنْهُ إلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِالْحَيْلُولَةِ، وَقَدْ زَالَتْ، فَيَجِبُ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ أَجْلِهَا إنْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ، وَرَدُّ زِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ، كَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ، وَهَذَا فَسْخٌ، وَلَا يَلْزَمُ رَدُّ زِيَادَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ فِي مِلْكِهِ، وَلَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ، فَأَشْبَهَتْ زِيَادَةَ الْمَبِيعِ الْمَرْدُودِ بِعَيْبٍ، وَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ تَالِفًا، رَدَّ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ.
[فَصْلٌ غَصَبَ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا]
(3979) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا، فَعَلَيْهِ مِثْلُ الْعَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ صَارَ خَلًّا، وَجَبَ رَدُّهُ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ، وَيَسْتَرْجِعُ مَا أَدَّاهُ مِنْ بَدَلِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَرُدُّ الْخَلَّ، وَلَا يَسْتَرْجِعُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ تَلِفَ بِتَخَمُّرِهِ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ وَإِنْ عَادَ خَلًّا، كَمَا لَوْ هَزَلَتْ الْجَارِيَةُ السَّمِينَةُ ثُمَّ عَادَ سِمَنُهَا، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْخَلَّ عَيْنُ الْعَصِيرِ، تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، وَقَدْ رَدَّهُ، فَكَانَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَدَّاهُ بَدَلًا عَنْهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فَغَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ غَصَبَ حَمَلًا فَصَارَ كَبْشًا.
أَمَّا السِّمَنُ الْأَوَّلُ فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ غَصَبَ شَيْئًا بِبَلَدِ فَلَقِيَهُ بِبَلَدِ آخَرَ فَطَالَبَهُ بِهِ]
(3980) فَصْلٌ: وَإِذَا غَصَبَ شَيْئًا بِبَلَدٍ، فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ، فَطَالَبَهُ بِهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ أَثْمَانًا، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَثْمَانَ قِيَمُ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ قِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا وَكَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتُهُ فِي الْبَلَدَيْنِ وَاحِدَةٌ، أَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ أَكْثَرَ، لَزِمَهُ أَدَاءُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مُخْتَلِفَةً إلَّا أَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ رَدُّ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ.
وَإِنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَقِيمَتُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ أَقَلَّ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَلَا رَدُّ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نُكَلِّفُهُ مُؤْنَةَ النَّقْلِ إلَى بَلَدٍ لَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهُ فِيهِ، وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْخِيرَةُ بَيْنَ الصَّبْرِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فِي بَلَدِهِ، وَبَيْنَ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ بِقِيمَتِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّهُ وَرَدُّ مِثْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ، وَمَتَى قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ، رَدَّهَا، وَاسْتَرْجَعَ بَدَلَهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا.
[مَسْأَلَة غَصَبَهَا حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي يَدِهِ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ]
(3981) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ غَصَبَهَا حَامِلًا، فَوَلَدَتْ فِي يَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ، أَخَذَهَا سَيِّدُهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَتُهُ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَمْرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ إذَا غَصَبَ حَامِلًا مِنْ الْحَيَوَانِ، أَمَةً أَوْ غَيْرَهَا، فَالْوَلَدُ مَضْمُونٌ، كَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ حَائِلًا، فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ، وَوَلَدَتْ، ضَمِنَ وَلَدَهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَجِبُ ضَمَانُ الْوَلَدِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَغْصُوبٍ، إذْ الْغَصْبُ فِعْلٌ مَحْظُورٌ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ ثُبُوتُ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى وُجُودِ الْوَلَدِ، وَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ ضَمِنَ خَارِجَ الْوِعَاءِ ضَمِنَ مَا فِيهِ، كَالدُّرَّةِ فِي الصَّدَفَةِ، وَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ؛ وَلِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَيَضْمَنُ، كَالْأُمِّ، فَإِنَّ الْوَلَدَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْدُوعًا فِي الْأُمِّ، كَالدُّرَّةِ فِي الْحُقَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَأَجْزَائِهَا، وَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ، الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الظَّرْفِ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْجُمْلَةِ اسْتِيلَاءٌ عَلَى الْجُزْءِ الْمَطْرُوقِ، فَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ، وَلَكِنْ يَجِبُ مَا نَقَصَتْ الْأُمُّ عَنْ كَوْنِهَا حَامِلًا، وَأَمَّا إذَا حَدَثَ الْحَمْلُ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَوْجُودِ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَقِيمَةُ التَّالِفِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ التَّالِفِ لَا تَخْتَلِفُ مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إلَى حِينِ الرَّدِّ، رَدَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا لِمَعْنًى فِيهِ، مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ، وَسِمَنٍ وَهُزَالٍ وَتَعَلُّمٍ وَنِسْيَانٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَزِيدُ بِهَا الْقِيمَةُ وَتَنْقُصُ،