باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مَاتَ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ، فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِيَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِعَقْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِيهِنَّ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ، وَحَالَ ثُبُوتِهِ كُنَّ أَحْيَاءَ
وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ: اخْتَرْتهَا.
جَازَ، فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي.
وَإِنْ قَالَ لِلْمُسْلِمَةِ: اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَالِاخْتِيَارُ لِلْأَرْبَعِ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ، فَيَقَعُ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَيَكُونُ طَلَاقُهُ لَهَا اخْتِيَارًا لَهَا
وَإِنْ قَالَ: اخْتَرْت فُلَانَةَ.
قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلِاخْتِيَارِ، لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَيَّ بَيْنُونَةٍ، فَلَا يَصِحُّ إمْسَاكُهَا.
وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا، لَمْ يَنْفَسِخْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ الِاخْتِيَارُ، لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ.
وَإِنْ نَوَى بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
فَهُوَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعٍ، أَوْ أَسْلَمَ زِيَادَةٌ فَاخْتَارَهَا، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا
(5449) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتهَا.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا؛ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا.
لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ، وَلَا يَمْلِكُهُ فِي وَاحِدَةٍ حَتَّى يَزِيدَ عَدَدُ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَهِيَ طَالِقُ.
وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، وَيَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ لَهَا، فَكُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا، وَتَطْلُقُ بِطَلَاقِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ، وَالِاخْتِيَارُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ
(5450) فَصْلٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَتَعْيِينٌ لِلْمَنْكُوحَةِ، وَلَيْسَ بِابْتِدَاءٍ لَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا أَنَّهُ اسْتِدَامَةُ نِكَاحٍ، لَا يُشْتَرَطُ لَهُ رِضَاءُ الْمَرْأَةِ، وَلَا وَلِيُّ، وَلَا شُهُودٌ، وَلَا يَتَجَدَّدُ بِهِ مَهْرٌ، فَجَازَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ، كَالرَّجْعَةِ
(5451) فَصْلٌ: وَإِذَا أَسْلَمْنَ مَعَهُ، ثُمَّ مُتْنَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، فَيَكُونَ لَهُ مِيرَاثُهُنَّ، وَلَا يَرِثُ الْبَاقِيَاتُ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِزَوْجَاتٍ لَهُ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْأَحْيَاءِ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَيِّتَاتِ
وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فَمُتْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْجَمِيعِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمَيِّتَاتِ، فَلَهُ مِيرَاثُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ مُتْنَ وَهُنَّ نِسَاؤُهُ، وَإِنْ اخْتَارَ غَيْرَهُنَّ، فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ.
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي، لَزِمَ النِّكَاحُ فِي الْمَيِّتَاتِ، وَلَهُ مِيرَاثُهُنَّ
فَإِنْ وَطِئَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، فَلَيْسَ لَهُنَّ إلَّا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ، وَلَسَائِرُهُنَّ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ لِلْوَطْءِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ.
وَإِنْ وَطِئَهُنَّ بَعْدَ إسْلَامِهِنَّ، فَالْمَوْطُوآت أَوَّلَاهُنَّ الْمُخْتَارَاتُ، وَالْبَوَاقِي أَجْنَبِيَّاتُ، وَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَة أسلم وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ]
(5452) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ، كَقَوْلِهِ فِي عَشْرِ نِسْوَةٍ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «إنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ قَالَ: طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْت» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا.
وَلِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْجَمْعُ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَزَالَهُ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا قَبْلَ إسْلَامِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْأُخْرَى فِي حِبَالِهِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ
(5453) فَصْلٌ: وَلَوْ تَزَوَّجَ وَثَنِيَّةً، فَأَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَ فِي شِرْكِهِ أُخْتَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا فِي عِدَّةِ الْأُولَى، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مُسْلِمَتَانِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ قَبْلَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا.
فَإِنْ فَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّانِي.
وَإِذَا أَسْلَمْت الْأُولَى فِي عِدَّتِهَا، فَنِكَاحُهَا لَازِمٌ؛ لِأَنَّهَا انْفَرَدَتْ بِهِ
(5454) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ، وَدَخَلَ بِهِمَا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ، فَاخْتَارَ إحْدَاهُمَا، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا لِئَلَّا يَكُونَ وَاطِئًا لِإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى.
وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ،
فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكُنَّ ثَمَانِيَا، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَفَارَقَ أَرْبَعًا، لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارِقَاتِ، لِئَلَّا يَكُونَ وَاطِئًا لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ.
فَإِنْ كُنَّ خَمْسًا، فَفَارَقَ إحْدَاهُنَّ، فَلَهُ وَطْءُ ثَلَاثٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ، وَلَا يَطَأُ الرَّابِعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ.
وَإِنْ كُنَّ سِتًّا، فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ، فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ وَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلَاثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ، وَلَا يَطَأُ الْبَاقِيَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَارِقَاتِ، فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ.
هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ
(5455) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَاخْتَارَ أَحَدَاهُمَا، فَلَا مَهْرَ لِلْأُخْرَى؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِإِسْلَامِهِمْ جَمِيعًا، فَلَا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا، كَمَا لَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ لِعَيْبِ فِي إحْدَاهُمَا، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجِبُ بِهِ مَهْرٌ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ أُخْتَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ إذَا أَسْلَمُوا جَمِيعًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، فَلَا مَهْرَ لَهُنَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا فَأَسْلَمَ الزَّوْجُ وَأَسْلَمَتَا مَعًا]
(5456) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصَلَّيْنَ: (5457) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ إسْلَامُهُمْ جَمِيعًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ نِكَاحُ الْأُمِّ، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْبِنْتِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارِ الْمُزَنِيّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَخْتَارُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الشِّرْكِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الِاخْتِيَارُ، فَإِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى الْبِنْتِ
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَهَذِهِ أُمُّ زَوْجَتِهِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ابْنَتَهَا فِي حَالِ شِرْكِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَحْدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا إذَا أَسْلَمَ، فَإِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَتَمَسَّك بِنِكَاحِهَا أَوْلَى.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِانْضِمَامِ الِاخْتِيَارِ إلَيْهِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ
وَكَذَلِكَ لَوْ انْفَرَدَتْ كَانَ نِكَاحُهَا صَحِيحًا لَازِمًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَلِهَذَا فُوِّضَ إلَيْهِ الِاخْتِيَارُ هَاهُنَا.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَيْسَ نِكَاحُهَا صَحِيحًا،
وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْأُمُّ بِفَسَادِ نِكَاحِهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَمْ يُمْكِنْ اخْتِيَارُهَا، وَالْبِنْتُ لَا تَحْرُمُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا، فَتَعَيَّنَ النِّكَاحُ فِيهَا بِخِلَافِ الْأُخْتَيْنِ
(5458) الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا دَخَلَ بِهِمَا، حَرُمَتَا عَلَى التَّأْبِيدِ، الْأُمُّ لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ، وَالْبِنْتُ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا قَالَ.
ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعْ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ.
وَإِنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَحْدَهَا، فَكَذَلِكَ؛ أَنَّ الْبِنْتَ تَكُونُ رَبِيبَتَهُ مَدْخُولًا بِأُمِّهَا، وَالْأُمُّ حَرُمَتْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا
وَإِنْ دَخَلَ بِالْبِنْتِ وَحْدَهَا، ثَبَتَ نِكَاحُهَا، وَفَسَدَ نِكَاحُ أُمِّهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا.
وَلَوْ لَمْ تُسْلِمْ مَعَهُ إلَّا إحْدَاهُمَا، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتَا مَعَهُ مَعًا؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ هِيَ الْأُمَّ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتَ، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِأُمِّهَا، ثَبَتَ نِكَاحُهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِأُمِّهَا، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَهُ جَارِيَتَانِ، إحْدَاهُمَا أُمُّ الْأُخْرَى، وَقَدْ وَطِئَهُمَا جَمِيعًا حَرُمَتَا عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا، حَرُمْت الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَمْ تَحْرُمْ الْمَوْطُوءَةُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَلَهُ وَطْءُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، فَإِذَا وَطِئَهَا، حَرُمَتْ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيد.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة أسلم عَبْدٌ وَتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ قَدْ دَخَلَ بِهِمَا فَأَسْلَمَتَا فِي الْعِدَّةِ]
(5459) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ، وَتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ، قَدْ دَخَلَ بِهِمَا، فَأَسْلَمَتَا فِي الْعِدَّةِ، فَهُمَا زَوْجَتَاهُ، وَلَوْ كُنَّ أَكْثَرَ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ فِيمَا زَادَ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ حُكْمُ الْحُرِّ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ، فَأَسْلَمَتَا مَعَهُ، أَوْ فِي عِدَّتِهِمَا، لَزِمَ نِكَاحُهُمَا، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ، أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً؛ لِأَنَّ لَهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِهِ، فَكَذَلِكَ فِي اخْتِيَارِهِ
وَإِنْ كُنَّ أَكْثَرَ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ، أَيَّتَهُنَّ شَاءَ، عَلَى مَا مَضَى فِي الْحُرِّ، فَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْحُرَّتَيْنِ أَوْ الْأَمَتَيْنِ، أَوْ حُرَّةً، وَأَمَةً، وَلَيْسَ لِلْحُرَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ مَعَهُ الْخِيَارُ فِي فِرَاقِهِ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِنِكَاحِهِ وَهُوَ عَبْدٌ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ رِقُّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا تَجَدَّدَتْ حُرِّيَّتُهَا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مَعِيبًا تَعْلَمُ عَيْبَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ عَيْبٌ تَجَدَّدَتْ أَحْكَامُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَكَأَنَّهُ عَيْبٌ حَادِثٌ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الرِّقَّ لَمْ يَزُلْ عَيْبًا وَنَقْصًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ نَقْصُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ
(5460) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ حَرَائِرَ، فَأُعْتِقَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ، أَوْ أَسْلَمْنَ قَبْلَهُ، ثُمَّ أُعْتِقَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَرْبَعُ فِي وَقْتِ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِمْ، فَإِنَّهُ حُرُّ.
فَأَمَّا إنْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، ثُمَّ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إلَّا اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا حِينَ ثَبَتَ لَهُ الِاخْتِيَارُ، وَهُوَ حَالُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَتَغَيُّرُ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ، كَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، ثُمَّ أَيْسَرَ.
وَلَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ اثْنَتَانِ، ثُمَّ أَعْتَقَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ لَمْ يَخْتَرْ إلَّا اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِإِسْلَامِ الْأُولَيَيْنِ
(5461) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا، فَأَسْلَمْنَ، وَأَعْتَقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهِ، فَلَهُنَّ فَسْخُ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُنَّ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ، وَإِنَّمَا مَلَكْنَ الْفَسْخَ وَإِنْ كُنَّ جَارِيَاتٍ إلَى بَيْنُونَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْلِمُ فَيَقْطَعُ جَرَيَانَهُنَّ إلَى الْبَيْنُونَةِ، فَإِذَا فَسَخْنَ وَلَمْ يُسْلِمْ الزَّوْجُ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ مِنْ حِينَ أَسْلَمْنَ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ، بِنَّ لِفَسْخِ النِّكَاحِ، وَعَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْحَرَائِرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُنَّ هَاهُنَا وَجَبَتْ عَلَيْهِنَّ الْعِدَّةُ وَهُنَّ حَرَائِرُ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا عَتَقْنَ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَلَافِيَ النِّكَاحِ فِيهَا، فَأَشْبَهْنَ الرَّجْعِيَّةَ
فَإِنْ أَخَّرْنَ الْفَسْخَ حَتَّى أَسْلَمَ الزَّوْجُ، لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ حَقُّهُنَّ فِي الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُنَّ لِلْفَسْخِ اعْتِمَادٌ عَلَى جَرَيَانِهِنَّ لِبَيْنُونَةٍ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الرِّضَى بِالنِّكَاحِ كَالرَّجْعِيَّةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَأَخَّرَتْ الْفَسْخَ، وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ، ثُمَّ أَعْتَقْنَ، فَاخْتَرْنَ الْفَسْخَ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُنَّ إمَاءٌ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا خِيَارَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِنَّ إلَى الْفَسْخِ، لِكَوْنِهِ يَحْصُلُ بِإِقَامَتِهِنَّ عَلَى الشِّرْكِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ فَإِنَّ السَّبَبَ مُتَحَقِّقٌ، وَقَدْ يَبْدُو لَهُنَّ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِنَّ
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا أَسْلَمْنَ اخْتَرْنَ الْفَسْخَ.
قُلْنَا: يَتَضَرَّرْنَ بِطُولِ الْعِدَّةِ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ الْفَسْخِ، وَلِذَلِكَ مَلَكْنَ الْفَسْخَ فِيمَا إذَا أَسْلَمْنَ وَعَتَقْنَ قَبْلَهُ.
فَأَمَّا إنْ اخْتَرْنَ الْمُقَامَ، وَقُلْنَ: قَدْ رَضِينَا بِالزَّوْجِ.
فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَسْقُطُ خِيَارُهُنَّ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ، فَصَحَّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْإِقَامَةِ، كَحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُنَّ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُنَّ لِلْإِقَامَةِ ضِدٌّ لِلْحَالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْهَا، وَهِيَ جَرَيَانُهُنَّ إلَى الْبَيْنُونَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ الرَّجْعِيَّةُ، فَرَاجَعَهَا الزَّوْجُ حَالَ رِدَّتِهَا.
وَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا إذَا قَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقُ.
ثُمَّ عَتَقَتْ، فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ الْحُرُّ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ فَأُعْتِقَتْ إحْدَاهُنَّ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي]
(5462) فَصْلٌ: إذَا أَسْلَمَ الْحُرُّ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ، فَأُعْتِقَتْ إحْدَاهُنَّ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِعِصْمَةِ حُرَّةٍ حِينَ اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَإِنْ أَسْلَمَتْ إحْدَاهُنَّ مَعَهُ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الِاخْتِيَارِ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ أَمَةً
(5463) فَصْلٌ: وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ إمَاءٍ، وَهُوَ عَادِمٌ لِلطُّولِ خَائِفٌ لِلْعَنَتِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْفُهُ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعْفُهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى لَا يَخْتَارُ إلَّا وَاحِدَةً.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَتَوْجِيهُهُمَا قَدْ مَضَى فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ.
وَإِنْ عَدَمَ فِيهِ الشَّرْطَانِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْكُلِّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْعَقْدِ، لَا ابْتِدَاءٌ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الرَّجْعَةَ
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا حَالَ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَمْلِكْ اخْتِيَارَهَا، كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ قَطْعُ جَرَيَانِ النِّكَاحِ إلَى الْبَيْنُونَةِ، وَهَذَا إثْبَاتُ النِّكَاحِ فِي امْرَأَةٍ.
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ لَهُ هَاهُنَا اخْتِيَارٌ، بَلْ يَبِنَّ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ، لِئَلَّا يُفْضِي إلَى اسْتِدَامَةِ نِكَاحِ مُسْلِمٍ فِي أَمَةٍ كَافِرَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّ إسْلَامَهُنَّ فِي الْعِدَّةِ بِمَنْزِلَةِ إسْلَامِهِنَّ مَعَهُ، وَلِهَذَا لَوْ كُنَّ حَرَائِرَ مَجُوسِيَّاتٍ أَوْ وَثَنِيَّاتٍ، فَأَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ، كَانَ ذَلِكَ كَإِسْلَامِهِنَّ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ، سَوَاءٌ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ أَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّاتٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ فِي أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ
(5464) فَصْلٌ: وَلَوْ أَسْلَمَ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلطُّولِ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ النِّكَاحِ تُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ وَقْتُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَادِمٌ لِلطُّولِ خَائِفُ لِلْعَنَتِ، فَكَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ.
وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَيْسَرَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي بَعْدَ إعْسَارِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ وَقْتَ
الِاخْتِيَارِ دَخَلَ بِإِسْلَامِ الْأُولَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا، كَانَ لَهُ اخْتِيَارُهَا، فَإِذَا كَانَ مُوسِرًا، بَطَلَ اخْتِيَارُهُ.
وَإِنْ أَسْلَمْت الْأُولَى وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي حَتَّى أَيْسَرِ، لَزِمَ نِكَاحُ الْأُولَى، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْبَوَاقِي؛ لِأَنَّ الْأُولَى اجْتَمَعَتْ مَعَهُ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، بِخِلَافِ الْبَوَاقِي
وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَمْ يَخْتَرْ حَتَّى أَيْسَرَ، كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ؛ لِأَنَّ حَالَ ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَتَغَيُّرُ حَالِهِ لَا يُسْقِطُ مَا ثَبَتَ لَهُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَوْ اخْتَارَ ثُمَّ أَيْسَرَ، لَمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ
(5465) فَصْلٌ: فَإِنْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا لَوْ أَسْلَمْنَ كُلُّهُنَّ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَتْ وَحْدَهَا.
وَإِنْ أَحَبَّ انْتِظَارَ الْبَوَاقِي جَازَ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُنَّ مَنْ هِيَ أَبَرُّ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ.
فَإِنْ انْتَظَرَهُنَّ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، تَبَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَ هَذِهِ كَانَ لَازِمًا، وَبَانَ الْبَوَاقِي مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ.
وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ حِينَ الِاخْتِيَارِ، وَعَدَدُهُنَّ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ دُونَ بَعْضٍ، بَانَ اللَّائِي لَمْ يُسْلِمْنَ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ، وَالْبَوَاقِي مِنْ حِينَ اخْتَارَهُ.
وَإِنْ اخْتَارَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مَعَهُ حِينَ أَسْلَمَتْ، انْقَطَعَتْ عِصْمَةُ الْبَوَاقِي، وَثَبَتَ نِكَاحُهَا
فَإِنْ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي فِي الْعِدَّةِ، تَبَيَّنَ أَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينَئِذٍ.
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَعِدَّتُهُنَّ مِنْهُ.
وَإِنْ طَلَّقَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مَعَهُ، طَلُقَتْ، وَكَانَ اخْتِيَارًا لَهَا.
وَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ مَا لَوْ اخْتَارَهَا صَرِيحًا؛ لِأَنَّ إيقَاعَ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارَهَا.
فَأَمَّا إنْ اخْتَارَ فَسْخَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ لَمْ يُسْلِمْنَ مَعَهُ، فَمَا زَادَ الْعَدَدُ عَلَى مَا لَهُ إمْسَاكُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، ثُمَّ نَنْظُرُ؛ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي، لَزِمَهُ نِكَاحُهَا، وَإِنْ أَسْلَمْنَ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، وَالْأُولَى مَعَهُنَّ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْأُولَى الَّتِي فَسَخَ نِكَاحَهَا، صَحَّ اخْتِيَارُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ لِنِكَاحِهَا لَمْ يَصِحَّ
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ لَهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ مَعَ إقَامَةِ الْبَوَاقِي عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ لَازِمًا، فَإِذَا أَسْلَمْنَ لَحِقَ إسْلَامُهُنَّ بِتِلْكَ الْحَالِ، وَصَارَ كَأَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِذَا فَسَخَ نِكَاحَ إحْدَاهُنَّ، صَحَّ الْفَسْخُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا.
وَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحَ إحْدَاهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَا يُجْعَلُ إسْلَامُهُنَّ الْمَوْجُودُ فِي الثَّانِي كَالْمَوْجُودِ سَابِقًا، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ وَحُرَّةٌ]
(5466) فَصْلٌ: فَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ وَحُرَّةٌ، فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ؛
إحْدَاهُنَّ، أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ كُلُّهُنَّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحُرَّةِ، فَلَا يَخْتَارُ أُمَّهُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَهُ أَنْ يَخْتَارَ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ.
الثَّانِيَةُ، أَسْلَمْت الْحُرَّةُ مَعَهُ دُونَ الْإِمَاءِ، فَقَدْ ثَبَتَ نِكَاحُهَا، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَةُ الْإِمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَابْتِدَاءُ عَدَدِهِنَّ مِنْ حِينَ أَسْلَمَ.
وَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي عَدَدِهِنَّ، بِنَّ مِنْ حِينِ إسْلَامِ الْحُرَّةِ، وَعَدَدِهِنَّ مِنْ حِينِ إسْلَامِهَا.
فَإِنْ مَاتَتْ الْحُرَّةُ بَعْدَ إسْلَامِهَا، لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ بِمَوْتِهَا؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ نِكَاحِهَا وَانْفِسَاخِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، لَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَتِهِنَّ.
الثَّالِثَةُ، أَسْلَمَ الْإِمَاءُ دُونَ الْحُرَّةِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا قَبْلَ إسْلَامِهَا، فَتَبِينُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحُرَّةِ، أَوْ تُسْلِمَ فِي عِدَّتِهَا فَيَثْبُتُ نِكَاحُهَا، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ قَبْلَ إسْلَامِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ، أَنَّهَا لَا تُسْلِمُ، فَإِنْ طَلَّقَ الْحُرَّةَ ثَلَاثًا قَبْلَ إسْلَامِهَا، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمْ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْإِمَاءِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا، بَانَ أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ ثَابِتًا، وَأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ فِيهِ، وَالْإِمَاءُ بِنَّ بِثُبُوتِ نِكَاحِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ
(5467) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ وَحُرَّةٌ، فَأَسْلَمْنَ، ثُمَّ عَتَقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ لَا يَجُوزُ لَقَادِرٍ عَلَى حُرَّةٍ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُنَّ حَالَ ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، ثُمَّ نَنْظُرُ؛ فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ الْحُرَّةُ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَلَا يَخْتَارُ إلَّا وَاحِدَةً، اعْتِبَارًا بِحَالَةِ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا، ثَبَتَ نِكَاحُهَا، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَتُهُنَّ، فَإِنْ كَانَ قَدْ اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْ الْمُعْتَقَاتِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمْ فَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا، فَأَمَّا إنْ عَتَقْنَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمْنَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ وَاجْتَمَعْنَ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُنَّ حَرَائِرُ، فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الزَّوْجَاتِ أَرْبَعًا فَمَا دُونَ، ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ، وَإِنْ كُنَّ زَائِدَاتٍ عَلَى أَرْبَعٍ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَتَبْطُلُ عِصْمَةُ الْخَامِسَةِ؛ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ حَرَائِرَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، فَصَارَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ الْحَرَائِرِ الْأَصْلِيَّاتِ، وَكَمَا لَوْ أُعْتِقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، وَلَوْ أَسْلَمْنَ قَبْلَهُ، ثُمَّ أُعْتِقْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَكَذَلِكَ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ فِي هَذَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ حَرَائِر أَوْ أَكْثَرُ، عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ حَرَائِرَ]
(5468) فَصْلٌ: وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ حَرَائِرَ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى اخْتِيَارِ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَلْزَمَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِ الْبَوَاقِي.
فَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً، وَلَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي، لَزِمَهُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ.
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ الْبَوَاقِي إلَّا اثْنَتَانِ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ الْجَمِيعُ فِي الْعِدَّةِ، كُلِّفَ أَنْ يَخْتَارَ ثَلَاثًا مَعَ الَّتِي اخْتَارَهَا أَوَّلًا، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَاقِيَةِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ ثَلَاثٌ، كُلِّفَ اخْتِيَارَ اثْنَتَيْنِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَعٌ، كُلِّفَ اخْتِيَارَ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ، إذْ لَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ الْخَامِسَةَ.
وَنِكَاحُ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ عَلَى أَرْبَعٍ، وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ الْإِمَاءِ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى اخْتِيَارِهَا، كَذَا هَاهُنَا.
وَالصَّحِيحُ هَاهُنَا أَنْ يُجْبَرُ عَلَى اخْتِيَارِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى.
وَأَمَّا الْأَمَةُ، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي اخْتِيَارِ غَيْرِهَا؛ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَهَا وَهُمَا كِتَابِيَّانِ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ]
(5469) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَهَا، وَهُمَا كِتَابِيَّانِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ أَسْلَمَا مَعًا، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ كِتَابِيَّةٍ، فَاسْتَدَامَتْهُ أَوْلَى
وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِإِجَازَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ.
فَأَمَّا إنْ أَسْلَمْت الْكِتَابِيَّةُ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ؛ إذْ لَا يَجُوزُ لَكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَإِنْ كَانَ إسْلَامُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْهَا.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا أَيْضًا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ كِتَابِيَّةً ثُمَّ تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ]
(5470) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ كِتَابِيَّةً، ثُمَّ تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
قِيلَ: مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْإِمَامُ وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْكَلَامُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا؛ لِأَنَّهَا أَعْلَى دِينًا مِنْهُ، فَيُمْنَعُ نِكَاحَهَا كَمَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ
وَإِنْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ وَثَنِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً، ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا، يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَعْلَى دِينًا مِنْهُ، فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا، كَمَا يُقَرُّ الْمُسْلِمُ عَلَى نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ.
وَالثَّانِي، لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا يُقَرُّ الْمُسْلِمُ عَلَى نِكَاحِهَا، فَلَا يُقَرُّ الذِّمِّيُّ عَلَى نِكَاحِهَا، كَالْمُرْتَدَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ سَمَّى لَهَا وَهُمَا كَافِرَانِ فَقَبَضَتْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا]
(5471) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَا سُمِّيَ لَهَا، وَهُمَا كَافِرَانِ، فَقَبَضَتْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا.
وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْ نِصْفُهُ، حَيْثُ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا أَسْلَمُوا، وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمَا فَعَلُوهُ، وَمَا قَبَضَتْ مِنْ الْمَهْرِ فَقَدْ نَفَذَ، وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] . فَأَمَرَ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ دُونَ مَا قُبِضَ
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] . وَلِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمَقْبُوضِ بِأَبْطَالِهِ يَشُقُّ، لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ، فَفِيهِ تَنْفِيرُهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَعُفِيَ عَنْهُ، كَمَا عُفِيَ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَلِأَنَّهُمَا تَقَابَضَا بِحُكْمِ الشِّرْكِ، فَبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَقَابَضَا.
وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا، فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى حَلَالًا، وَجَبَ مَا سَمَّيَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى صَحِيحٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَوَجَبَ، كَتَسْمِيَةِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، بَطَلَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا سَمَّيَاهُ لَا يَجُوزُ إيجَابُهُ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَمُسْلِمَةٍ، وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَنِصْفُهُ إنْ وَقَعْت الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: حَيْثُ أَوْجَبَ ذَلِكَ
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا مُعَيَّنَيْنِ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ، فَلَهَا فِي الْخَمْرِ الْقِيمَةُ، وَفِي الْخِنْزِيرِ مَهْرُ الْمِثْلِ، اسْتِحْسَانًا.
وَلَنَا أَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خِنْزِيرًا، وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا
(5472) فَصْلٌ: وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَ الْحَرَامِ دُونَ بَعْضٍ، سَقَطَ مِنْ الْمَهْرِ بِقَدْرِ مَا قُبِضَ، وَوَجَبَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ عَشْرَةَ زُقَاقِ خَمْرٍ مُتَسَاوِيَةً، فَقَبَضَتْ خَمْسًا مِنْهَا سَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَوَجَبَ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ،
وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْكَيْلِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ اعْتِبَارُهُ، اُعْتُبِرَ بِالْكَيْلِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ يَتَأَتَّى الْكَيْلُ فِيهِ.
وَالثَّانِي، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا، فَاسْتَوَى صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا
وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَشَرَةَ خَنَازِيرَ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي، يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا كَأَنَّهَا مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَمَا تُقَوَّمُ شِجَاجُ الْحُرِّ كَأَنَّهُ عَبْدُ.
وَإِنْ أَصْدَقَهَا كَلْبًا وَخِنْزِيرَيْنِ وَثَلَاثَةَ زُقَاقِ خَمْرٍ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، يُقَسَّمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا عِنْدَهُمْ.
وَالثَّانِي، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الْأَجْنَاسِ، فَيُجْعَلُ لِكُلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ الْمَهْرِ.
وَالثَّالِثُ، يُقَسَّمُ عَلَى الْعَدَدِ كُلِّهِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُ الْمَهْرِ، فَلِلْكَلْبِ سُدُسُهُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخِنْزِيرَيْنِ وَالزُّقَاقِ سُدُسُهُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا.
[فَصْلٌ نَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا فَأَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا]
(5473) فَصْلٌ: فَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا، وَهُوَ مَا لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمُوا، كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، فَأَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا أَوْ أَبِيهَا، فَيُطَلِّقُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا، فَتَرْتَفِعُ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِطَلَبِ مَهْرَهَا: لَا مَهْرَ لَهَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ، لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَحَصَلَ فِيهِ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَأَمَّا إنْ دَخَلَ بِهَا، فَهَلْ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُسْلِمِ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةِ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا]
(5474) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا، أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا، فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا مَهْرَ لَهَا.
وَالْأُخْرَى: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّهَا، وَقَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، وَالذِّمِّيُّ لَا يُطَالَبُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ خَلَا عَنْ تَسْمِيَةٍ، فَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسْلِمَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْمَهْرُ فِي حَقِّ الْمُفَوِّضَةِ لِئَلَّا تَصِيرَ كَالْمَوْهُوبَةِ وَالْمُبَاحَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ.
[فَصْلٌ إذَا ارْتَفَعَ أَهْل الشِّرْكِ إلَى الْحَاكِمِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إلَّا بِشُرُوطِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ]
(5475) فَصْلٌ: إذَا ارْتَفَعُوا إلَى الْحَاكِمِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إلَّا بِشُرُوطِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] . وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ
إلَى عَقْدِهِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ
وَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ، وَنَظَرْنَا فِي الْحَالِ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً، أَقَرَّهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَذَوَاتِ مَحْرَمِهِ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً وَأَسْلَمَا، أَوْ تَرَافَعَا فِي عِدَّتِهَا، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، أُقِرَّ لِجَوَازِ ابْتِدَاءِ نِكَاحِهَا.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحُ مُتْعَةٍ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهَا نِكَاحٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُدَّةِ، فَهُمَا لَا يَعْتَقِدَانِ تَأْبِيدَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدُ مُؤَبَّدٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إفْسَادَ الشَّرْطِ وَصِحَّةَ النِّكَاحِ مُؤَبَّدًا، فَيُقَرَّانِ عَلَيْهِ
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ مَتَى شَاءَا أَوْ شَاءَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْتَقِدَانِ لُزُومَهُ، إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَا فَسَادَ الشَّرْطِ وَحْدَهُ.
وَإِنْ كَانَ خِيَارَ مُدَّةٍ، فَأَسْلَمَا فِيهَا، لَمْ يُقَرَّا؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا أُقِرَّا؛ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ لُزُومَهُ.
وَكُلُّ مَا اعْتَقَدُوهُ، فَهُوَ نِكَاحٌ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَمَا لَا فَلَا، فَلَوْ مَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، فَوَطِئَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِمْ نِكَاحًا، أُقِرَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَهُمْ فِي مَنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، فَأُقِرَّا عَلَيْهِ، كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدَاهُ نِكَاحًا، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ]
(5476) فَصْلٌ: وَأَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَالْإِيلَاءِ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَالْقَسَمِ، وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ أَجَازَ طَلَاقَ الْكُفَّارِ، عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَمْ يُجَوِّزْهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَوَقَعَ، كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أَنْكِحَتِهِمْ.
قُلْنَا: دَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] . وَقَالَ: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: 9] . وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ» . وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا، ثَبَتَتْ أَحْكَامُهَا، كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا طَلَّقَ الْكَافِرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ، وَأَصَابَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ
وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا.
وَإِنْ نَكَحَهَا كِتَابِيٌّ وَأَصَابَهَا، حَلَّتْ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُطَلِّقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
وَإِنْ ظَاهَرَ الذِّمِّيُّ مِنْ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] وَإِنْ آلَى، ثَبَتَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] .
[فَصْلٌ يَحْرُمُ عَلَى الْكُفَّار فِي النِّكَاحِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ]
(5477) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ فِي النِّكَاحِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، إلَّا أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ لَا يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا.
وَالثَّانِي أَنْ يَعْتَقِدُوا إبَاحَةَ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: 42] فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ يُخَلَّوْنَ وَأَحْكَامَهُمْ إذَا لَمْ يَجِيئُوا إلَيْنَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِي أَحْكَامِهِمْ وَلَا فِي أَنْكِحَتِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً، قَالَ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
قِيلَ: مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ الْإِمَامُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ.
يَعْنِي بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا.
وَهَكَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَزْوِيجِ النَّصْرَانِيِّ الْمَجُوسِيَّةَ، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ؛ فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ، أَنْ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ.
فَإِنْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الضَّرَرِ.
[مَسْأَلَة ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا، وَهُمَا مُسْلِمَانِ، فَارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا.
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ قَبْلَهَا وَقَبْلَ الدُّخُولِ، فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الْمَهْرِ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالرِّدَّةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِصَابَةَ، فَأَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ،
كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ كَافِرٍ.
ثُمَّ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ جِهَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَ، وَإِنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةً، فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ.
[مَسْأَلَة ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ]
(5479) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.
وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ، حَسْبَ اخْتِلَافِهَا فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، فَفِي إحْدَاهُمَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَزُفَرَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ اسْتَوَى فِيهِ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، كَالرَّضَاعِ.
وَالثَّانِيَةِ، يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ، بَانَتْ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ، فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ الدُّخُولِ، جَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَلَا يُوجِبُ فَسْخَهُ فِي الْحَالِ، كَإِسْلَامِ الْحَرْبِيَّةِ تَحْتَ الْحَرْبِيِّ، وَقِيَاسُهُ، عَلَى إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الرَّضَاعِ.
فَأَمَّا النَّفَقَةُ، فَإِنْ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ
وَإِنْ قُلْنَا: يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَجْعَتِهَا، وَتَلَافِي نِكَاحِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةُ، كَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِلْعِدَّةِ، لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بِأَنْ يُسْلِمَ، وَيُمْكِنُهُ تَلَافِي نِكَاحِهَا، فَكَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، كَزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ.
[فَصْلٌ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا]
(5480) فَصْلٌ: فَإِنْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ مَا لَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا؛ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَهَلْ تَتَعَجَّلُ، أَوْ يَقِفُ عَلَى انْقِضَاء الْعِدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا ارْتَدَّا مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ تَابَا، أَوْ تَابَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهِمَا الدِّينُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَا.
وَلَنَا، أَنَّهَا رِدَّةٌ طَارِئَةٌ عَلَى النِّكَاحِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا فَسْخُهُ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا زَالَ عَنْهُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ إذَا ارْتَدَّ وَحْدَهُ، زَالَ إذَا ارْتَدَّ غَيْرُهُ مَعَهُ، كَمَالِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا انْتَقَلَ الْمُسْلِمُ وَالْيَهُودِيَّةُ إلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَإِنَّ نِكَاحَهُمَا يَنْفَسِخُ، وَقَدْ انْتَقَلَا إلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَا، فَقَدْ انْتَقِلَا إلَى دِينِ الْحَقِّ، وَيُقَرَّانِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ.
[فَصْلٌ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ ارْتَدَّا مَعًا]
(5481) فَصْلٌ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، أَوْ ارْتَدَّا مَعًا، مُنِعَ وَطْؤُهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَقُلْنَا: إنَّ الْفُرْقَةَ تَعَجَّلَتْ.
فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا لِهَذَا الْوَطْءِ، مَعَ الَّذِي يَثْبُتْ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً، فَيَكُونُ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْفُرْقَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
فَأَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا، أَوْ أَسْلَمَا جَمِيعًا فِي عِدَّتِهَا، وَكَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْهُمَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَطْءِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَزُلْ، وَأَنَّهُ وَطِئَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ.
وَإِنْ ثَبَتَا، أَوْ ثَبَتَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا عَلَى الرِّدَّةِ، حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ لِهَذَا الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ يُشْبِهُ النِّكَاحَ، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ
وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ إسْلَامِ الْآخَرِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ مِثْلُ الْحُكْمِ هَاهُنَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّعْلِيلِ فِيهِ.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ثُمَّ ارْتَدَّ]
(5482) فَصْلٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ ارْتَدَّ، نَظَرْت؛ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ كَانَ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ، وَعِدَّتُهَا مِنْ حِينَ أَسْلَمَ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَسْلَمَ الْأُخَرُ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ ارْتِدَادِ الْأَوَّلِ، اُعْتُبِرَ ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ مِنْ حِينَ ارْتَدَّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اخْتِلَافِ الدِّينِ بِإِسْلَامِ الْأَوَّلِ زَالَ بِإِسْلَامِ الثَّانِي فِي الْعِدَّةِ
وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْعَقْدَ عَلَيْهِنَّ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَدْنَ دُونَهُ أَوْ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ لِذَلِكَ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ الْكَافِرُ بِمَنْ لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهِ فِي الْإِسْلَامِ]
(5483) فَصْلٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الْكَافِرُ بِمَنْ لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهِ فِي الْإِسْلَامِ، مِثْلُ أَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، أَوْ بَيْنَ عَشْرِ نِسْوَةٍ، أَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّةً أَوْ مُرْتَدَّةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا؛ لِأَنَّنَا أَجْرَيْنَا أَحْكَامَهُمْ عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي النِّكَاحِ، فَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ، وَلِهَذَا جَازَ لَهُ إمْسَاكُ الثَّانِيَةِ مِنْ الْأُخْتَيْنِ، وَالْخَامِسَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا آخِرًا.
[مَسْأَلَة نِكَاحَ الشِّغَارِ]
(5484) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ سَمَّوْا مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا أَيْضًا) . هَذَا النِّكَاحُ يُسَمَّى الشِّغَارَ.
فَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَ شِغَارًا لِقُبْحِهِ، تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُولَ، فِي الْقُبْحِ.
يُقَالُ: شَغَرَ الْكَلْبُ: إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِيَبُولَ، وَحُكِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الشِّغَارُ: الرَّفْعُ.
فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِلْآخِرِ عَمَّا يُرِيدُ.
وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِدٌ.
رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُمَا فَرَّقَا فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَمَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، أَنَّهُ يَصِحُّ، وَتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ قِبَلِ الْمَهْرِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَهَذَا كَذَلِكَ
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الشِّغَارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا جَلَبَ، وَلَا جَنْبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» . وَلِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الْآخَرِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْنِي ثَوْبَك عَلَى أَنَّ أَبِيعَك ثَوْبِي.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ فَسَادَهُ مِنْ قِبَلِ التَّسْمِيَةِ.
قُلْنَا: لَا بَلْ فَسَادُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَمْلِيكَ الْبِضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا مَهْرًا لِلْأُخْرَى، فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهُ بِشَرْطِ انْتِزَاعِهِ مِنْهُ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بُضْعُ الْأُخْرَى.
أَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَلَا يُسَمِّي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقًا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الشِّغَارِ» ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَك.
وَيَكُونُ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرَ الْأُخْرَى
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ.» هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: « وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَك، وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَك، وَأُزَوِّجُك أُخْتِي.» رَوَاهُ مُسْلِمُ.
وَهَذَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِصِحَّتِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُعْمَلَ بِالْجَمِيعِ.
وَيَفْسُدُ النِّكَاحُ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ
وَلِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي نِكَاحِ إحْدَاهُمَا تَزْوِيجَ الْأُخْرَى، فَقَدْ جَعَلَ بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقَ الْأُخْرَى، فَفَسَدَ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِهِ، فَأَمَّا إنْ سَمَّوْا مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا، فَقَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي، عَلَى أَنْ تُزَوِّجُنِي ابْنَتَك، وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ، أَوْ مَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ وَمَهْرُ ابْنَتِك خَمْسُونَ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ، صِحَّتُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ سَمَّى صَدَاقًا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْخِرَقِيِّ: لَا يَصِحُّ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ الْأَعْرَجِ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ، وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى مَرْوَانَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّهُ شَرَطَ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا لِنِكَاحِ الْأُخْرَى، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَمِّيَا صَدَاقًا
يُحَقِّقُهُ أَنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِمُفْسِدِ لِلْعَقْدِ، بِدَلِيلِ نِكَاحِ الْمُفَوِّضَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ هُوَ الشَّرْطُ، وَقَدْ وُجِدَ، وَلِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي عَقْدٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك ثَوْبِي بِعَشْرَةِ، عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي ثَوْبَك بِعِشْرِينَ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّشْرِيكِ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك، وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ وَبُضْعُ الْأُخْرَى.
فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّشْرِيكِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ مُسَمًّى
(5485) فَصْلٌ: وَمَتَى قُلْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ إذَا سَمَّيَا صَدَاقًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَرْضَ بِالْمُسَمَّى إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَ وَلِيُّهُ صَاحِبَهُ، فَيَنْقُصَ الْمَهْرُ لِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِذَا احْتَجْنَا إلَى ضَمَانِ النَّقْصِ، صَارَ الْمُسَمَّى مَجْهُولًا، فَبَطَلَ.
وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي (الْجَامِعِ) ، أَنَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ قَدْرًا مَعْلُومًا يَصْحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَلَى أَلْفٍ، عَلَى أَنَّ لِي مِنْهَا مِائَةً.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ سَمَّى لِإِحْدَاهُمَا مَهْرًا دُونَ الْأُخْرَى]
(5486) فَصْلٌ: وَإِنْ سَمَّى لِإِحْدَاهُمَا مَهْرًا دُونَ الْأُخْرَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَفْسُدُ النِّكَاحُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ فَسَدَ فِي إحْدَاهُمَا، فَفَسَدَ فِي الْأُخْرَى.
وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَفْسُدُ فِي الَّتِي لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا خَلَا مِنْ صَدَاقٍ سِوَى نِكَاحِ
الْأُخْرَى، وَيَكُونُ فِي الَّتِي سَمَّى لَهَا صَدَاقًا رِوَايَتَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْمِيَةً وَشَرْطًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي هَكَذَا.
(5487) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك وَتَكُونُ رَقَبَتُهَا صَدَاقًا لِابْنَتِك.
لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا صَدَاقًا سِوَى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ
وَإِذَا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ رَقَبَةَ الْجَارِيَةِ صَدَاقًا لَهَا، صَحَّ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صَدَاقًا.
وَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً، وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقًا لَهَا، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ، فَيَفْسُدُ الصَّدَاقُ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
[مَسْأَلَة نِكَاحُ الْمُتْعَةِ]
(5488) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ) مَعْنَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ مُدَّةً، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي شَهْرًا، أَوْ سَنَةً، أَوْ إلَى انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ، أَوْ قُدُومِ الْحَاجِّ.
وَشِبْهَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً.
فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ حَرَامٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ حَرَامٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَنْصُورٍ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْهَا، فَقَالَ: يَجْتَنِبُهَا أَحَبُّ إلَى.
وَقَالَ فَظَاهِرُ هَذَا الْكَرَاهَةُ دُونَ التَّحْرِيمِ.
وَغَيْرُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُ هَذَا، وَيَقُولُ: فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ فِي تَحْرِيمِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ تَحْرِيمُهَا عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْآثَارِ
وَقَالَ زُفَرُ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهَا جَائِزَةٌ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ عَطَاءِ وَطَاوُسٍ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَجَابِرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشِّيعَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ فِيهَا، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفَأَنْهَى عَنْهُمَا، وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا؛ مُتْعَةُ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ.» وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَيَكُونُ مُؤَقَّتًا، كَالْإِجَارَةِ.
وَلَنَا مَا رَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي، أَنَّهُ حَدَّثَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» . وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ.» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.» رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي (الْمُوَطَّأِ) وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، فَقَالَ قَوْمُ: فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَنَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِيقَاتَ النَّهْيِ عَنْهَا، وَقَدْ بَيَّنَهُ الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ فِي حَدِيثِهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ قَوْمٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّهِ ثُمَّ حَرَّمَهُ، ثُمَّ أَحَلَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ، إلَّا الْمُتْعَةَ.
فَحَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ أَحَلَّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ، مِنْ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالتَّوَارُثِ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْبَاطِلَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، فَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَقَدْ كَثُرَتْ الْقَالَةُ فِي الْمُتْعَةِ، حَتَّى قَالَ فِيهَا الشَّاعِرُ:
أَقُولُ وَقَدْ طَالَ الثَّوَاءُ بِنَا مَعًا ... يَا صَاحِ هَلْ لَك فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسِ
هَلْ لَك فِي رُخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٌ ... تَكُونُ مَثْوَاك حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ
فَقَامَ خَطِيبًا، وَقَالَ: إنَّ الْمُتْعَةَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
فَأَمَّا إذْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا فَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ إنْ صَحَّ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْ تَحْرِيمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا، وَنَهْيِهِ عَنْهَا، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَمَّا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَهُ، وَبَقِيَ عَلَى إبَاحَتِهِ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ إلَّا أَنَّ فِي نِيَّتِهِ طَلَاقَهَا]
(5489) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، إلَّا أَنَّ فِي نِيَّتِهِ طَلَاقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ إذَا انْقَضَتْ حَاجَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَالنِّكَاحُ
صَحِيحٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا تَضُرُّ نِيَّتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِهِ وَحَسْبُهُ إنْ وَافَقَتْهُ، وَإِلَّا طَلَّقَهَا.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ]
(5490) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ) . يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ سَوَاءٌ كَانَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، مِثْلُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ طَلَاقُهَا إنْ قَدِمَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، قَالَهُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ شَرْطًا، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلَا يُسَافِرَ بِهَا
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا شَرْطٌ مَانِعٌ مِنْ بَقَاءِ النِّكَاحِ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكَاحِ.
[مَسْأَلَة نِكَاح الْمُحَلَّلِ]
(5491) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلّهَا لِزَوْجِ كَانَ قَبْلَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ حَرَامٌ بَاطِلٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَوَاءٌ قَالَ: زَوَّجْتُكَهَا إلَى أَنْ تَطَأَهَا.
أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ طَلَّقَهَا
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ: لَا يَصِحَّ.
وَفِي الثَّالِثَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثُ حَسَنُ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونٌ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ . قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ.
لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ.» وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أُوتَى بِمُحِلٍّ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا.
وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ إلَى مُدَّةٍ، أَوْ فِيهِ شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ.
[فَصْلٌ شَرَطَ عَلَيْهِ التَّحْلِيلَ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاح وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعَقْد وَنَوَاهُ فِيهِ]
(5492) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ التَّحْلِيلَ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعَقْدِ وَنَوَاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ نَوَى التَّحْلِيلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ أَيْضًا.
قَالَ.
إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ، وَفِي نَفْسِهِ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ.
قَالَ: هُوَ مُحَلِّلٌ، إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِحْلَالَ، فَهُوَ مَلْعُونٌ.
وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَرَوَى نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: امْرَأَةٌ تَزَوَّجْتُهَا، أُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا، لَمْ يَأْمُرْنِي، وَلَمْ يَعْلَمْ.
قَالَ: لَا، إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ، إنْ أَعْجَبَتْك أَمْسِكْهَا، وَإِنْ كَرِهْتَهَا فَارِقْهَا
قَالَ: وَإِنْ كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِفَاحًا.
وَقَالَ: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ، وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً، إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلّهَا.
وَهَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَجَاءَ رَجُلُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، أَيُحِلُّهَا لَهُ رَجُلٌ؟ قَالَ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَبَكْرٍ الْمُزَنِيّ، وَاللَّيْثِ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: الْعَقْدُ صَحِيحٌ.
وَذَكَرِ الْقَاضِي فِي صِحَّتِهِ وَجْهًا مِثْلَ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى طَلَاقَهَا لِغَيْرِ الْإِحْلَالِ، أَوْ مَا لَوْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا شُرِطَ لَا بِمَا قُصِدَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَشَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ، لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ، لَمْ يَبْطُلُ
وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، مَا يَدُلُّ عَلَى إجَازَتِهِ.
وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَدِمَ مَكَّةَ رَجُلٌ، وَمَعَهُ إخْوَةٌ لَهُ صِغَارٌ، وَعَلَيْهِ إزَارٌ، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ رُقْعَةٌ، وَمِنْ خَلْفِهِ رُقْعَةٌ، فَسَأَلَ عُمَرَ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ
فَطَلَّقَهَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَك أَنْ تُعْطِيَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ شَيْئًا، وَيُحِلُّك لِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ إنْ شِئْت فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ.
قَالَ: نَعَمْ، وَتَزَوَّجَهَا، وَدَخَلَ بِهَا.
فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَدْخَلَتْ إخْوَتَهُ الدَّارَ.
فَجَاءَ الْقُرَشِيُّ يَحُومُ حَوْلَ الدَّارِ، وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ، غُلِبَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَأَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، غُلِبْت عَلَى امْرَأَتِي.
قَالَ: مَنْ غَلَبَك؟ قَالَ: ذُو الرُّقْعَتَيْنِ.
قَالَ: أَرْسِلُوا إلَيْهِ.
فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ، قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: كَيْفَ مَوْضِعُك مِنْ قَوْمِك؟ قَالَ: لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ.
قَالَتْ: إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك: طَلِّقْ امْرَأَتَك.
فَقُلْ: لَا، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا.
فَإِنَّهُ لَا يُكْرِهُك.
وَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مِنْ بَعِيدٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ.
فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك؟ قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا.
قَالَ عُمَرُ: لَوْ طَلَّقْتَهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ.
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الشَّرْطُ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَمْ يَرَ بِهِ عُمَرُ بَأْسًا
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» . وَقَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْلِيلَ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ.
أَمَّا حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ، يَعْنِي أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَذْكُرْ إسْنَادَهُ إلَى عُمَرَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مُرْسَلٌ.
فَأَيْنَ هُوَ مِنْ الَّذِي سَمِعُوهُ يَخْطُبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ قَصَدَ التَّحْلِيلَ، وَلَا نَوَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
[فَصْلٌ شَرْط عَلَيْهِ أَنْ يُحِلّهَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَنَوَى بِالْعَقْدِ غَيْرَ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ وَقَصَدَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ]
(5493) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلَّهَا قَبْلَ الْعَقْدِ، فَنَوَى بِالْعَقْدِ غَيْرَ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ، وَقَصَدَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ، صَحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَشَرْطِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ.
وَإِنْ قَصَدَتْ الْمَرْأَةُ التَّحْلِيلَ أَوْ وَلِيُّهَا دُونَ الزَّوْجِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ: إذَا هَمَّ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ، فَسَدَ النِّكَاحُ
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالتَّابِعُونَ يُشَدِّدُونَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ ". وَنِيَّةُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِشَيْءِ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» . وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي إلَيْهِ الْمُفَارَقَةُ وَالْإِمْسَاكُ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَمْلِكُ رَفْعَ الْعَقْدِ، فَوُجُودُ نِيَّتِهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْعَقْدِ، وَلَا مِنْ رَفْعِهِ، فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَعَنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قُلْنَا: إنَّمَا لَعَنْهُ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا بِذَلِكَ التَّحْلِيلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ، فَكَانَ زَانِيًا، فَاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ لِذَلِكَ.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَاشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ وَزَوَّجَهَا إيَّاهُ]
(5494) فَصْلٌ: فَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ، ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ لِيَنْفَسِخ النِّكَاحُ بِمِلْكِهَا لَهُ، لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَأَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَاشْتَرَى عَبْدًا، فَأَعْتَقَهُ، وَزَوَّجَهَا إيَّاهُ، فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ عُمَرُ، يُؤَدَّبَانِ جَمِيعًا، وَهَذَا فَاسِدٌ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَهُوَ شِبْهُ الْمُحَلِّلِ.
وَعَلَّلَ أَحْمَدُ فَسَادَهُ بِشَيْئَيْنِ؛: أَحَدُهُمَا، شَبَهُهُ بِالْمُحَلِّلِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَهُ إيَّاهَا لِيُحِلَّهَا لَهُ
وَالثَّانِي، كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا، وَتَزْوِيجُهُ لَهَا فِي حَالِ كَوْنِهِ عَبْدًا أَبْلَغُ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي عَدَمِ الْكَفَاءَةِ أَشَدُّ مِنْ الْمَوْلَى، وَالسَّيِّدُ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إزَالَةِ نِكَاحِهِ مِنْ غَيْرِ إرَادَتِهِ، بِأَنْ يَهَبَهُ لِلْمَرْأَةِ، فَيَنْفَسِخَ نِكَاحُهُ بِمِلْكِهَا إيَّاهُ، وَالْمَوْلَى بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَبْدُ التَّحْلِيلَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْفَسَادِ نِيَّةُ الزَّوْجِ، لَا نِيَّةُ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَنْوِ.
وَإِذَا كَانَ مَوْلَى وَلَمْ يَنْوِ التَّحْلِيلَ، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِمُعْتِقِهِ إلَى فَسْخِ نِكَاحِهِ، فَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّتِهِ.
[فَصْلٌ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ فَاسِدٌ يَثْبُتُ فِيهِ سَائِرُ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ]
(5495) فَصْلٌ: وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ فَاسِدٌ، يَثْبُتُ فِيهِ سَائِرُ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ، وَلَا الْإِبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَلِّلًا، وَسَمَّى الزَّوْجَ مُحَلَّلًا لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْحِلُّ لَمْ يَكُنْ مُحَلِّلًا وَلَا مُحَلَّلًا لَهُ.
قُلْنَا: إنَّمَا سَمَّاهُ مُحَلِّلًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ التَّحْلِيلَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ الْحِلُّ، كَمَا قَالَ: «مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: 37] . وَلَوْ كَانَ مُحَلَّلًا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ مُحَلَّلًا لَهُ، لَمْ يَكُونَا مَلْعُونَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ]
(5496) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ عَقَدَ أَحَدٌ نِكَاحًا لِمُحْرِمٍ أَوْ عَلَى مُحْرِمَةٍ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا تَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ، أَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ لِغَيْرِهِ، كَكَوْنِهِ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا، فَإِنَّهُ
لَا يَصِحُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَإِنْ عَقَدَ الْحَلَالُ نِكَاحًا لَمُحْرِمٍ، بِأَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لَهُ، أَوْ وَلِيَّا عَلَيْهِ، أَوْ عَقَدَهُ عَلَى مُحْرِمَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ لَهُ وَكِيلُهُ فَقَدْ نَكَحَ
وَحَكَى الْقَاضِي فِي كَوْنِ الْمُحْرِمِ وَلِيًّا لِغَيْرِهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ.
وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالثَّانِيَةُ، تَصِحُّ.
وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ النِّكَاحَ حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ، لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِيهِ بِكَوْنِهِ وَلِيًّا فِيهِ لِغَيْرِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَصِحُّ لِلْمُحْرِمِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَشِرَاءِ الصَّيْدِ.
وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَجِّ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ.
[مَسْأَلَةٌ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ]
[فَصْلُ خِيَارَ الْفَسْخِ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِعَيْبِ يَجِدُهُ فِي صَاحِبِهِ]
(5497) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ وَجَدَ بِصَاحِبِهِ جُنُونًا، أَوْ جُذَامًا، أَوْ بَرَصًا، أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ، أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ عَفْلَاءَ، أَوْ فَتْقَاءَ، أَوْ الرَّجُلُ مَجْنُونًا، فَلِمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: (5498) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ خِيَارَ الْفَسْخِ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِعَيْبِ يَجِدُهُ فِي صَاحِبِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: لَا تُرَدُّ الْحُرَّةُ بِعَيْبِ.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِعَيْبِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةِ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعَيْبِ لَا يَقْتَضِي فَسْخَ النِّكَاحِ، كَالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ وَسَائِرِ الْعُيُوبِ
وَلَنَا أَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ، كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي عَقَدَ النِّكَاحِ، فَجَازَ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ، كَالصَّدَاقِ، أَوْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَجَازَ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ، أَوْ أَحَدُ
الزَّوْجَيْنِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ فِي الْآخَرِ كَالْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الْعُيُوبِ، فَلَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَهُوَ الْوَطْءُ، بِخِلَافِ الْعُيُوبِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا
فَإِنْ قِيلَ: فَالْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ.
قُلْنَا: بَلْ يَمْنَعُهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نَفْرَةً تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَسَّهُ، وَيُخَافُ مِنْهُ التَّعَدِّي إلَى نَفْسِهِ وَنَسْلِهِ، وَالْمَجْنُونُ يُخَافُ مِنْهُ الْجِنَايَةُ، فَصَارَ كَالْمَانِعِ الْحِسِّيِّ.
[فَصْلُ الْعُيُوبِ الْمُجَوِّزَةِ لِفَسْخِ النِّكَاح]
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي عَدَدِ الْعُيُوبِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْفَسْخِ، وَهِيَ فِيمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ثَمَانِيَةٌ: ثَلَاثَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الزَّوْجَانِ؛ وَهِيَ: الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ.
وَاثْنَانِ يَخْتَصَّانِ الرَّجُلَ؛ وَهُمَا الْجَبُّ، وَالْعُنَّةُ.
وَثَلَاثَةٍ تَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ؛ وَهِيَ الْفَتْقُ، وَالْقَرْنُ، وَالْعَفَلُ
وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ سَبْعَةٌ.
جَعَلَ الْقَرْنَ وَالْعَفَلَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ الرَّتْقُ أَيْضًا، وَذَلِكَ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْأَدَبِ، وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَرْنُ عَظْمٌ فِي الْفَرْجِ يَمْنَعُ الْوَطْءَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَكُونُ فِي الْفَرْجِ عَظْمٌ، إنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِيهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ، أَنَّ الْعَفَلَ كَالرَّغْوَةِ فِي الْفَرْجِ، يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَيْبًا نَامِيًا
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الرَّتْقُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ مَسْدُودًا.
يَعْنِي أَنْ يَكُونَ مُلْتَصِقًا لَا يَدْخُلُ الذَّكَرُ فِيهِ.
وَالْقَرْنُ وَالْعَفَلُ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ فَيَسُدّهُ، فَهُمَا فِي مَعْنَى الرَّتْقِ، إلَّا أَنَّهُمَا نَوْعٌ آخِرُ.
وَأَمَّا الْفَتْقُ فَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ مَجْرَى الْبَوْلِ وَمَجْرَى الْمَنِيِّ.
وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ.
وَذَكَرَهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ سَبْعَةً، أَسْقَطُوا مِنْهَا الْفَتْقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا سِتَّةً، جَعَلَ الْقَرْنَ وَالْعَفَلَ شَيْئًا وَاحِدًا.
وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْفَسْخُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّ الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ يُثِيرَانِ نَفْرَةً فِي النَّفْس تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى النَّفْسِ وَالنَّسْلِ، فَيَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَالْجُنُونُ يُثِيرُ نَفْرَةً وَيُخْشَى ضَرَرُهُ، وَالْجَبُّ وَالرَّتْقُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوَطْءُ، وَالْفَتْقُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ وَفَائِدَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْعَفَلُ، عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَهُ بِالرَّغْوَةِ
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعَيْبِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بِجَسَدِهِ بَيَاضٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَهَقًا أَوْ مِرَارًا، وَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ بَرَصًا، أَوْ كَانَتْ بِهِ عَلَامَاتُ الْجُذَامِ، مِنْ ذَهَابِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ، فَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ جُذَامًا، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالثِّقَةِ، يَشْهَدَانِ لَهُ بِمَا قَالَ، ثَبَتَ قَوْلُهُ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُنْكِرُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، أُرِيتَ
النِّسَاءَ الثِّقَاتِ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِمَا قَالَ الزَّوْجُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ
وَأَمَّا الْجُنُونُ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا أَوْ كَانَ يُجَنُّ فِي الْأَحْيَانِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَسْكُنُ إلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا يُغْمَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَزُولُ، فَذَلِكَ مَرَضٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ.
فَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ، وَدَامَ بِهِ الْإِغْمَاءُ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ، يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ، وَأَمَّا الْجَبُّ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَكَرِهِ مَقْطُوعًا، أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ، وَيَغِيبُ مِنْهُ فِي الْفَرْجِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُمْكِنُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ يَضْعُفُ بِالْقَطْعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوَطْءِ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعُنَّةِ، وَلِأَنَّ لَهُ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِمِثْلِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَهُ ذَكَرٌ قَصِيرٌ
(5500) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ، فَلَمْ يُفْسَخْ بِهِ النِّكَاحُ، كَالْعَمَى وَالْعَرَجِ، وَلِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَلَا نَصَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى هَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ.
وَأَبُو حَفْصٍ: إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَمْسِكُ بَوْلَهُ وَلَا خَلَاءَهُ فَلِلْآخَرِ الْخِيَارُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ بِهِ الْبَاسُورُ، وَالنَّاصُورُ، وَالْقُرُوحُ السَّيَّالَةُ فِي الْفَرْجَ، لِأَنَّهَا تُثِيرُ نَفْرَةً، وَتَتَعَدَّى نَجَاسَتُهَا، وَتُسَمَّى مَنْ لَا تَحْبِسُ نَجَوْهَا الشَّرِيمَ، وَمَنْ لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا الْمَشُولَةَ، وَمِثْلُهَا مِنْ الرِّجَالِ الْأَفِينُ
قَالَ أَبُو حَفْصٍ: وَالْخِصَاءُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا وَعَارًا، وَيَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ يُضْعِفُهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ ابْنَ سَنَدِرُّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ خَصِيٌّ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَعْلَمْتهَا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَعْلِمْهَا، ثُمَّ خَيِّرْهَا.
وَفِي الْبَخَرِ، وَكَوْنِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ خُنْثَى، وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْرَةً وَنَقْصًا وَعَارًا، وَالْبَخَرُ: نَتِنُ الْفَمِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هُوَ نَتِنُ فِي الْفَرْجِ، يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ.
وَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى أَيْضًا بَخَرًا وَيُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ نَتِنَ الْفَمِ يُسَمَّى بَخَرًا، وَيَمْنَعُ مُقَارَبَةَ صَاحِبِهِ إلَّا عَلَى كُرْهٍ
وَمَا عَدَا هَذِهِ فَلَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَجْهًا وَاحِدًا، كَالْقَرَعِ، وَالْعَمَى، وَالْعَرَجِ، وَقَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: إذَا وَجَدَ الْآخَرَ عَقِيمًا يُخَيَّرُ.
وَأَحَبَّ أَحْمَدُ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ،
وَقَالَ: عَسَى امْرَأَتُهُ تُرِيدُ الْوَلَدَ
وَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، فَأَمَّا الْفَسْخُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ بِذَلِكَ لَثَبَتَ فِي الْآيِسَةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ، فَإِنَّ رِجَالًا لَا يُولَدُ لَأَحَدِهِمْ وَهُوَ شَابٌّ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَهُوَ شَيْخٌ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا سَائِرُ الْعُيُوبِ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا فَسْخٌ عِنْدَهُمْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلُ أَصَابَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخِرِ عَيْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ]
(5501) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ عَيْبًا، وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَالْأَبْرَصِ يَجِدُ الْمَرْأَةَ مَجْنُونَةً أَوْ مَجْذُومَةً، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، إلَّا أَنْ يَجِدَ الْمَجْبُوبُ الْمَرْأَةَ رَتْقَاءَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّ عَيْبَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَانِعَ لَصَاحِبِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَيْبِ نَفْسِهِ
وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلُهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا خِيَارَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَلَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبهِ، فَأَشْبَهَا الصَّحِيحَيْنِ.
وَالثَّانِي، لَهُ الْخِيَارُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غُرَّ عَبْدٌ بِأَمَةٍ.
[فَصْلٌ حَدَثَ الْعَيْبُ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ]
(5502) فَصْلٌ: وَإِنْ حَدَثَ الْعَيْبُ بِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ الْخِيَارُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ جُبَّ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي النِّكَاحَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ مُقَارِنًا، فَأَثْبَتَهُ طَارِئًا، كَالْإِعْسَارِ وَكَالرِّقِّ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ إذَا قَارَنَ، مِثْلُ أَنْ تَغِرَّ الْأَمَةُ مِنْ عَبْدٍ، وَيُثْبِتُهُ إذَا طَرَأَتْ الْحُرِّيَّةُ، مِثْلُ إنْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَحُدُوثُ الْعَيْبِ بِهَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، كَالْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي، لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ الْحَادِثَ بِالْمَبِيعِ.
وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ فِي الْإِجَارَةِ
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ حَدَثَ بِالزَّوْجِ، أَثْبَتِ الْخِيَارَ، وَإِنْ حَدَثَ بِالْمَرْأَةِ، فَكَذَلِكَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرِ، لَا يُثْبِتُهُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ سَابِقًا، فَتَسَاوَيَا فِيهِ لَاحِقًا، كَالْمُتَبَايِعِينَ.
[فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِعُيُوبِ النِّكَاح أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَلَا يَرْضَى بِهَا بَعْدَهُ]
(5503) فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ، أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَا يَرْضَى بِهَا بَعْدَهُ، فَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ فَرَضِيَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ، فَأَشْبَهَ مُشْتَرِيَ الْمَعِيبِ.
وَإِنْ ظَنَّ الْعَيْبَ يَسِيرًا فَبَانَ كَثِيرًا، كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْبَرَصَ فِي قَلِيلٍ مِنْ جَسَدِهِ، فَبَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ، فَبَانَ بِهِ غَيْرُهُ،
فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلَا بِجِنْسِهِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَالْمَبِيعِ إذَا رَضِيَ بِعَيْبٍ فِيهِ، فَوَجَدَ بِهِ غَيْرَهُ.
وَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ، فَزَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ، كَأَنْ بِهِ
قَلِيلٌ مِنْ الْبَرَصِ، فَانْبَسَطَ فِي جِلْدِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ رِضًى بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ.
[فَصْلٌ خِيَارُ عَيْبِ النِّكَاح ثَابِتٌ عَلَى التَّرَاخِي]
(5504) فَصْلٌ: وَخِيَارُ الْعَيْبِ ثَابِتٌ عَلَى التَّرَاخِي، لَا يَسْقُطُ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى بِهِ، مِنْ الْقَوْلِ، أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ الزَّوْجِ، أَوْ التَّمْكِينِ مِنْ الْمَرْأَةِ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ، فَسَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَمَتَى أَخَّرَ الْفَسْخَ مَعَ الْعِلْمِ وَالْإِمْكَانِ، بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَاَلَّذِي فِي الْبَيْعِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَخِيَارِ الْقِصَاصِ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ يَمْنَعُهُ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ضَرَرَهُ فِي الْمَبِيعِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مَالِيَّتَهُ أَوْ خِدْمَتَهُ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ عَيْبِهِ.
وَهَاهُنَا الْمَقْصُودُ الِاسْتِمْتَاعُ، وَيَفُوتُ ذَلِكَ بِعَيْبِهِ.
وَأَمَّا خِيَارُ الْمُجْبَرَةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْمَجْلِسِ، فَهُوَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ غَيْرِ مُتَحَقِّقٍ
(5505) فَصْلٌ: وَيَحْتَاجُ الْفَسْخُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَهُوَ كَفَسْخِ الْعُنَّةِ، وَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ.
وَيُخَالِفُ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ؛ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَة إذَا فَسَخَ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مَهْرَ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْفَسْخَ إذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ]
(5506) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ مَا عَلِمَ، حَلَفَ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: (5507) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفَسْخَ إذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الْمَرْأَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْهَا، فَالْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا، فَسَقَطَ مَهْرُهَا، كَمَا لَوْ فَسَخَتْهُ بِرَضَاعِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ، فَإِنَّمَا فَسَخَ لَعَيْبٍ بِهَا دَلَّسَتْهُ بِالْإِخْفَاءِ، فَصَارَ الْفَسْخُ كَأَنَّهُ مِنْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ فَسْخَهَا لِعَيْبِهِ، كَأَنَّهُ مِنْهُ؛ لِحُصُولِهِ بِتَدْلِيسِهِ؟ قُلْنَا: الْعِوَضُ مِنْ الزَّوْجِ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهَا، فَإِذَا اخْتَارَتْ فَسْخَ الْعَقْدِ مَعَ سَلَامَةِ مَا عَقَدَتْ عَلَيْهِ، رَجَعَ الْعِوَضُ إلَى الْعَاقِدِ مَعَهَا، وَلَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ لِأَجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهَا، لَا لِتَعَذُّرِ مَا اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا، فَافْتَرَقَا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي الْفَسْخ إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاح]
(5508) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْفَسْخَ إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ، فَلَا يَسْقُطُ
بِحَادِثٍ بَعْدَهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا، وَلَا بِفَسْخٍ مِنْ جِهَتِهَا، وَيَجِبُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ " فِيهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يَجِبُ الْمُسَمَّى.
وَالْأُخْرَى، مَهْرُ الْمِثْلِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى الْعَقْدِ، فَصَارَ كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا فُرْقَةٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فِيهِ مُسَمًّى صَحِيحٌ، فَوَجَبَ الْمُسَمَّى، كَغَيْرِ الْمَعِيبَةِ، وَكَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، أَنَّهُ وُجِدَ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ، فَكَانَ صَحِيحًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْسَخْهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْسَخْهُ لَكَانَ صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ إذَا فَسَخَهُ، كَنِكَاحِ الْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَلِأَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصِّحَّةِ مِنْ ثُبُوتِ الْإِحْصَانِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَسَائِرُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمَا جَازَ إبْقَاؤُهُ وَتَعَيَّنَ فَسْخُهُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ حِينِهِ، غَيْرَ سَابِقٍ عَلَيْهِ، وَمَا وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا عَلَى غَيْرِهَا
وَكَذَلِكَ لَوْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، لَمْ يَصِرْ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَلَا يَكُونُ النَّمَاءُ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً، فَوَطِئَهَا، لَمْ يَجِبْ بِهِ مَهْرُهَا، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ.
[الْفَصْلُ الثَّالِث عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَقْتَ عَقْدِ النِّكَاح أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ وُجِدَ مِنْهُ رِضًى]
(5509) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ وُجِدَ مِنْهُ رِضًا، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، كَالدُّخُولِ بِالْمَرْأَةِ، أَوْ تَمْكِينِهَا إيَّاهُ مِنْ الْوَطْءِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَسَقَطَ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ فَرَضِيَهُ.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ الرُّجُوعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي عُيُوب النِّكَاح]
(5510) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَرْجِعُ بِهِ.
وَالْأُخْرَى: لَا يَرْجِعُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَذْهَبَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كُنْت أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فَهِبْتُهُ، فَمِلْت إلَى قَوْلِ عُمَرَ: إذَا تَزَوَّجَهَا، فَرَأَى جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، فَإِنَّ لَهَا الْمَهْرَ بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَوَلِيُّهَا ضَامِنٌ لِلصَّدَاقِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَرْجِعُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ، وَهُوَ الْوَطْءُ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا فَأَكَلَهُ.
وَلَنَا مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا، وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا.
وَلِأَنَّهُ غَرَّهُ
فِي النِّكَاحِ بِمَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، فَكَانَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ عَلِمَ غَرِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ فَالتَّغْرِيرُ مِنْ الْمَرْأَةِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ.
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي عِلْمِ الْوَلِيِّ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْعِلْمِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: إنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ غَرِمَ، وَإِلَّا اسْتَحْلَفَ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ؛ أَنَّهُ مَا عَلِمَ، ثُمَّ هُوَ عَلَى الزَّوْجِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ أَبًا، أَوْ جَدًّا، أَوْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرَاهَا، فَالتَّغْرِيرُ مِنْ جِهَتِهِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرَاهَا، كَابْنِ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى، وَعَلِمَ غَرِمَ، وَإِنْ أَنْكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَدَّتْ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْ، تَرَكَ لَهَا قَدْرَ مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ، لِئَلَّا تَصِيرَ كَالْمَوْهُوبَةِ.
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالْقَاضِي.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ لَا يَغْرَمُ، أَنَّ التَّغْرِيرَ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَغْرَمْ، كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ.
وَعَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ بِكُلِّ الصَّدَاقِ، أَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْهَا، فَرَجَعَ بِكُلِّ الصَّدَاقِ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ الْوَلِيُّ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَرَاهَا.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ عُيُوبَ الْفَرْجِ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ رُؤْيَتُهَا، وَكَذَلِكَ الْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ، فَصَارَ فِي هَذَا كَمَنْ لَا يَرَاهَا، إلَّا فِي الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى مَنْ يَرَاهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا.
وَأَمَّا الرُّجُوعُ بِالْمَهْرِ، فَإِنَّهُ لَسَبَبٍ آخِرَ، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَتْهُ إيَّاهُ، بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِهَا عَيْبٌ مِنْ عُيُوب النِّكَاح]
(5511) فَصْلٌ: إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِهَا عَيْبٌ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْتِزَامِ نِصْفِ الصَّدَاقِ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ مَاتَتْ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ الْفَسْخُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَهَاهُنَا اسْتَقَرَّ الصَّدَاقُ بِالْمَوْتِ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ.
[مَسْأَلَة الْمُطَلَّقَة قَبْلَ الدُّخُولِ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَة]
(5512) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِمَرْأَةٍ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْفَسْخِ، كَمَا تَبِينُ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ، وَلَا يَسْتَحِقُّ زَوْجُهَا عَلَيْهَا رَجْعَةً، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «إنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَهَذَا إذَا كَانَتْ حَائِلًا، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَكَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُخْتَلِعَةِ.
وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا نَفَقَةَ لَهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَكَذَلِكَ
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ، وَالْحَمْلُ لَاحِقٌ بِهِ، وَبَنَوْهُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّتَهُ فِيمَا مَضَى.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ وَسَيِّدِ الْأَمَةِ تَزْوِيجُهُمْ مِمَّنْ بِهِ أُحُد عُيُوبِ النِّكَاح]
(5513) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ وَسَيِّدِ الْأَمَةِ تَزْوِيجُهُمْ مِمَّنْ بِهِ أَحَدُ هَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْعَقْدِ
فَإِنْ زَوَّجَهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَقَارَهُ لِغَيْرِ غِبْطَةٍ وَلَا حَاجَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ، صَحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُمْ مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ النَّظَرَ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالْحَظُّ فِي الْفَسْخِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُمْ إيَّاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ.
[فَصْلٌ تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ بِمَعِيبِ بِغَيْرِ رِضَاهَا]
(5514) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ بِمَعِيبِ بِغَيْرِ رِضَاهَا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ إذَا عَلِمَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَالِامْتِنَاعُ أَوْلَى.
وَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَعِيبًا، فَلَهُ مَنْعُهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُزَوِّجَهَا بِعِنِّينٍ، وَإِنْ رَضِيت السَّاعَةَ تَكْرَهُهُ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِنَّ النِّكَاحَ، وَيُعْجِبُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْجِبُنَا
وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي هَذَا دَائِمٌ، وَالرِّضَى غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِدَوَامِهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخَلُّصِ إذَا كَانَتْ عَالِمَةً فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، فَيَتَضَرَّرُ وَلِيُّهَا وَأَهْلُهَا، فَمَلَكَ الْوَلِيُّ مَنْعَهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَتْ نِكَاحَ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا عَلَيْهَا خَاصَّةً.
وَفِي الْأَبْرَصِ وَالْمَجْذُومِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَالضَّرَرَ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَا الْمَجْبُوبَ وَالْعِنِّينَ.
وَالثَّانِي، لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُعَيَّرُ بِهِ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى الْوَلَدِ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ بِمَنْ لَا يُكَافِئُهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا فِيهِ ضَرَرًا دَائِمًا، وَعَارًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا، فَمَلَكَ مَنْعَهَا مِنْهُ، كَالتَّزْوِيجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ.
فَأَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَضِيَا بِهِ، جَازَ، وَصَحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا
وَيُكْرَهُ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مِنْ أَنَّهَا وَإِنْ رَضِيت الْآنَ، تَكْرَهُهُ فِيمَا بَعْدُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهَا وَمَنْعَهَا مِنْ هَذَا التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُهُمْ، وَيَنَالُهُمْ الضَّرَرُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ
فَأَمَّا إنْ حَدَثَ الْعَيْبُ بِالزَّوْجِ، وَرَضِيَتْهُ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَمْلِكْ وَلِيُّهَا إجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا فِي دَوَامِهِ،
وَلِهَذَا لَوْ دَعَتْ وَلِيَّهَا إلَى تَزْوِيجِهَا بِعَبْدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إجَابَتُهَا، وَلَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ.
[مَسْأَلَة عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ]
(5515) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ، وَزَوْجُهَا عَبْدٌ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ.
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَغَيْرُهُمَا
وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ بَرِيرَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَاتَبَتْ بَرِيرَةُ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا.» قَالَ عُرْوَةُ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " الْمُوَطَّأِ "، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.، وَلِأَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي كَوْنِهَا حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، فَبَانَ عَبْدًا، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا فِرَاقُهُ، وَإِنْ رَضِيت الْمُقَامَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا.
وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
[فَصْلٌ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ]
(5516) فَصْلٌ: وَإِنْ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ، فَلَا خِيَارَ لَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَقَالَ طَاوُسٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَهَا الْخِيَارُ؛ لِمَا رَوَى الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيَّرَ بَرِيرَةَ، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَلِأَنَّهَا كَمُلَتْ بِالْحُرِّيَّةِ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا
وَلَنَا، أَنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ مُسْلِمٍ.
فَأَمَّا خَبَرُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، فَقَدْ رَوَى عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا.
وَهُمَا أَخَصُّ بِهَا مِنْ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُمَا ابْنُ أَخِيهَا وَابْنُ أُخْتِهَا وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إبْرَاهِيم، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا.
فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ، يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدِ.
قَالَ أَحْمَدُ هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ قَالَا فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ: إنَّهُ عَبْدٌ.
رِوَايَةُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَعَمَلُهُمْ، وَإِذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ، فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ حُرٌّ عَنْ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِذَاكَ
قَالَ: وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَالْحُرُّ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالْعَبْدُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَيُخَالِفُ الْحُرُّ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ، فَإِذَا كَمُلَتْ تَحْتَهُ تَضَرَّرَتْ بِبَقَائِهَا عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الْحُرِّ.
[فَصْلٌ فُرْقَةُ الْخِيَارِ فِي النِّكَاح فَسْخ]
(5517) فَصْلٌ: وَفُرْقَةُ الْخِيَارِ فَسْخٌ، لَا يَنْقُصُ بِهَا عَدَدُ الطَّلَاقِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: لِمَ لَا يَكُونُ طَلَاقًا؟ قَالَ: لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّجُلُ.
وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَالْفَسْخِ لِعُنَّتِهِ أَوْ عَتَهِهِ.
[مَسْأَلَة أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ أَوْ وَطِئَهَا]
(5518) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: فَإِنْ أَعْتَقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ، أَوْ وَطِئَهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَمْ تَعْلَمْ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي، مَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ؛ عِتْقِ زَوْجِهَا، أَوْ وَطْئِهِ لَهَا، وَلَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا
وَمِمَّنْ قَالَ: إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي؛ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأُخْتِهِ حَفْصَةَ وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَنَافِعٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ وَحَكَاهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ: لَهَا الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ
وَلِلشَّافِعِي ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَظْهَرُهَا كَقَوْلِنَا.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ.
وَالثَّالِثُ، أَنَّهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: سَمِعْت رِجَالًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ، فَهِيَ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَطَأْهَا، إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، «أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ، عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لَهَا: إنْ قَرُبَك فَلَا خِيَارَ لَك» . وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ لِابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ، فَثَبَتَ، كَخِيَارِ الْقِصَاصِ، أَوْ خِيَارٍ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فَأَشْبَهَ مَا قُلْنَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى عَتَقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ، سَقَطَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالرِّقِّ، وَقَدْ زَالَ بِعِتْقِهِ، فَسَقَطَ، كَالْمَبِيعِ إذَا زَالَ عَيْبُهُ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ وَطِئَهَا بَطَلَ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ بِالْخِيَارِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ وَإِنْ أُصِيبَتْ،
مَا لَمْ تَعْلَمْ، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ عِلْمِهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهَا إذَا أَمْكَنَتْ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ عِلْمِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ تُصَبْ.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ، يُقَال لَهَا: زَبْرَاءُ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، فَعَتَقَتْ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَتْ إلَى حَفْصَةَ، فَدَعَتْنِي، فَقَالَتْ: إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسَّك زَوْجُك، فَإِنْ مَسَّك، فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ.
فَقُلْت: هُوَ الطَّلَاقُ، ثُمَّ الطَّلَاقُ [ثُمَّ الطَّلَاقُ] . فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: إنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا.
وَلِأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ، فَيَسْقُطُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مَعَ الْجَهَالَةِ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَإِذَا وَطِئَهَا، وَادَّعَتْ الْجَهَالَةَ بِالْعِتْقِ، وَهِيَ مِمَّنْ يَجُوزُ خَفَاءُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، مِثْلُ أَنْ يَعْتِقَهَا سَيِّدُهَا فِي بَلَدٍ آخِرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهَا، لِكَوْنِهِمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ اشْتَهَرَ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَإِنْ عَلِمَتْ الْعِتْقَ، وَادَّعَتْ الْجَهَالَةَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهَا فِيهِ.
وَلِلشَّافِعِي فِي قَبُولِ قَوْلِهَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
[فَصْلٌ عِتْقَ الزَّوْجَانِ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً]
(5519) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ أَوْ رَجُلَانِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَنْهُ: لَهَا الْخِيَارُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الطَّارِئَةَ بَعْدَ عِتْقِهَا تَمْنَعُ الْفَسْخَ، فَالْمُقَارِنَةُ أَوْلَى، كَإِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: إنْ عَتَقَا مَعًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذَا وَهَبَ لِعَبْدِهِ سُرِّيَّةً، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي بِهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا جَمِيعًا، صَارَا حُرَّيْنِ، وَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْعَبْدِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إصَابَتُهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ
هَكَذَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِي مَنْ وَهَبَ لِعَبْدِهِ سُرِّيَّةً، أَوْ اشْتَرَى لَهُ سُرِّيَّةً، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا، لَا يَقْرَبُهَا إلَّا بِنِكَاحِ جَدِيدٍ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، بِمَا رَوَى نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدًا لَهُ كَانَ لَهُ سُرِّيَّتَانِ، فَأَعْتَقَهُمَا وَأَعْتَقَهُ، فَنَهَاهُ أَنْ يَقْرَبَهُمَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ.
وَلِأَنَّهَا بِإِعْتَاقِهَا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا، كَالْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ، فَعَتَقَا، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْفَسِخْ بِإِعْتَاقِهَا وَحْدهَا.
فَلَأَنْ لَا يَنْفَسِخَ بِإِعْتَاقِهِمَا مَعًا أَوْلَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: انْفَسَخَ
نِكَاحُهُمَا.
أَنَّ لَهَا فَسْخَ النِّكَاحِ.
وَهَذَا تَخْرِيجٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِأَنَّ لَهَا الْفَسْخَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا قَبْلَ الْعِتْقِ.
[فَصْلٌ لَهُ عَبْدٌ وَأَمَةٌ مُتَزَوِّجَانِ فَأَرَادَ عِتْقَهُمَا]
(5520) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَهُ عَبْدٌ وَأَمَةٌ مُتَزَوِّجَانِ، فَأَرَادَ عِتْقَهُمَا، الْبِدَايَةُ بِالرَّجُلِ؛ لِئَلَّا يَثْبُتَ لِلْمَرْأَةِ خِيَارٌ عَلَيْهِ فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ «كَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ، فَتَزَوَّجَا، فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَهُمَا.
فَقَالَ لَهَا: فَابْدَئِي بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ» . وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ لِلرَّجُلِ: إنِّي بَدَأْت بِعِتْقِك لِئَلَّا يَكُونَ لَهَا عَلَيْك خِيَارٌ.
[فَصْلٌ إذَا عَتَقَتْ الْمُتَزَوِّجَةُ الْمَجْنُونَةُ وَالصَّغِيرَةُ فَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْحَالِ]
(5521) فَصْلٌ: إذَا عَتَقَتْ الْمَجْنُونَةُ وَالصَّغِيرَةُ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَقْلٌ لَهُمَا، وَلَا قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ، وَلَا يَمْلِكُ وَلِيُّهُمَا الِاخْتِيَارَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلَايَةِ كَالِاقْتِصَاصِ.
فَإِذَا بَلَغْت الصَّغِيرَةُ، وَعَقَلَتْ الْمَجْنُونَةُ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ؛ لِكَوْنِهِمَا صَارَتَا عَلَى صِفَةٍ لَكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ كَانَ بِزَوْجَيْهِمَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ، فَإِنْ كَانَ زَوْجَاهُمَا قَدْ وَطِئَاهُمَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُمَا، لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ انْقَضَتْ
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ: لَهُمَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُمَا، فَلَا يَكُونُ تَمْكِينُهُمَا مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلًا عَلَى الرِّضَى، بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجَاهُمَا مِنْ وَطْئِهِمَا.
[مَسْأَلَة إذَا كَانَتْ لِنَفْسَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا فَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعَسِّرًا]
(5522) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ لِنَفْسَيْنِ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا، إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا.
إنَّمَا شَرَطَ الْإِعْسَارَ فِي الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْمُوسِرَ يَسْرِي عِتْقُهُ إلَى جَمِيعِهَا، فَتَصِيرُ حُرَّةً، وَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ، وَالْمُعْسِرُ لَا يَسْرِي عِتْقُهُ، بَلْ يَعْتِقُ مِنْهَا مَا أَعْتَقَ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ، فَلَا تَكْمُلُ حُرِّيَّتُهَا، فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ.
حَكَاهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاخْتَارَهَا؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ مِنْهُ، فَإِنَّهَا تَرِثُ، وَتُورَثُ، وَتَحْجُبُ بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْحُرَّةِ الْكَامِلَةِ؛ لِأَنَّهَا كَامِلَةُ الْأَحْكَامِ، وَأَيْضًا مَا عَلَّلَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
[فَصْلٌ زَوَّجَ أَمَةً قِيمَتُهَا عَشْرَةٌ بِصَدَاقِ عِشْرِينَ ثُمَّ أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ مَاتَ]
فَصْلٌ: وَلَوْ زَوَّجَ أَمَةً قِيمَتُهَا عَشْرَةٌ بِصَدَاقٍ عِشْرِينَ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا، ثُمَّ مَاتَ، وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَغَيْرَ مَهْرِهَا بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ، عَتَقَتْ؛ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَهَا الْخِيَارُ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ، عَتَقَ ثُلُثُهَا فِي الْحَالِ.
وَفِي الْخِيَارِ لَهَا وَجْهَانِ، فَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ مَهْرِهَا شَيْءٌ عَتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ ثُلُثِهِ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ كُلُّهُ عَتَقَتْ كُلُّهَا، وَلَهَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ لَهَا الْخِيَارَ قَبْلَ ذَلِكَ
فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا قَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا، فَقَدْ بَطَلَ خِيَارُهَا عِنْدَ مَنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ بِتَمْكِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا.
وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهَا مَكَّنَتْ مِنْهُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَكَّنَتْ مِنْهُ قَبْلَ عِتْقِهَا.
فَأَمَّا إنْ عَتَقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّ فَسْخَهَا النِّكَاحَ يَسْقُطُ بِهِ صَدَاقُهَا، فَيَعْجِزُ الثُّلُثُ عَنْ كَمَالِ قِيمَتِهَا، فَيَرِقُّ ثُلُثَاهَا، وَيَسْقُطُ خِيَارُهَا، فَيُفْضِي إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا إلَى إسْقَاطِهِ، فَيَسْقُطُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، لَهَا الْخِيَارُ.
فَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ لِسَيِّدِهَا نِصْفَ الْمَهْرِ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ عَتَقَ ثُلُثَاهَا، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَسْقَطَهُ، يَعْتِقُ ثُلُثُهَا.
[مَسْأَلَة الْمُعْتَقَةَ إنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَ زَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ بَعْدَ الدُّخُولِ]
(5524) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ اخْتَارَتْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَقَةَ إنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَ زَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ، فَإِذَا اخْتَارَتْ الْمُقَامَ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مُسْقِطٌ، وَإِنْ فَسَخَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ، وَهُوَ لِلسَّيِّدِ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ، وَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْحَالَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الدُّخُولُ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ الدُّخُولُ قَبْلَ الْعِتْقِ، فَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَالْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى حَالَةِ الْعِتْقِ، فَصَارَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، فِيهِ مُسَمًّى صَحِيحٌ، اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ قَبْلَ الْفَسْخِ، فَأَوْجَبَ الْمُسَمَّى، كَمَا لَوْ لَمْ يُفْسَخْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْفَسْخِ، لَكَانَ الْمَهْرُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ حِينَئِذٍ
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْوَطْءَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ صَحِيحًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُفْسِدُهُ، وَيَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، مِنْ الْإِحْلَالِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَالْإِحْصَانِ، وَكَوْنِهِ حَلَالًا.
وَأَمَّا إنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لِلسَّيِّدِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، فَسَقَطَ مَهْرُهَا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ، أَوْ ارْتَدَّتْ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يَفْسَخُ نِكَاحَهَا رَضَاعُهُ.
وَقَوْلُهُ: وَجَبَ لِلسَّيِّدِ.
قُلْنَا: لَكِنَّ بِوَاسِطَتِهَا وَلِهَذَا سَقَطَ نِصْفُهُ بِفَسْخِهَا، وَجَمِيعُهُ بِإِسْلَامِهَا وَرِدَّتِهَا
(5525) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً، فَفُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَهُوَ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ لَا بِالْفَرْضِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَجَبَ، وَالْمَوْتُ لَا يُوجِبُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْضِ، فَلَا شَيْءَ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ مُسَمًّى وَجَبَ نِصْفُهُ.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ أُعْتِقَتْ]
(5526) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ أُعْتِقَتْ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي نِكَاحٍ، وَلَا نِكَاحَ هَاهُنَا.
وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا بَاقٍ، فَيُمْكِنُ فَسْخُهُ، وَلَهَا فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ لَهَا فِي آخِرِ عِدَّتِهَا، فَتَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عِدَّةٍ أُخْرَى إذَا فَسَخَتْ، فَإِذَا فَسَخَتْ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ، وَثَبَتَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَا تَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عِدَّةٍ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يَفْسَخْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَفْسَخُ حِينَئِذٍ؟ قُلْنَا: إذًا تَحْتَاجُ إلَى عِدَّةٍ أُخْرَى.
وَإِذَا فَسَخَتْ فِي عِدَّتِهَا، ثَبَتَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا، وَلَمْ تَحْتَجْ إلَى عِدَّةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْفَسْخُ لَا يُنَافِيهَا وَلَا يَقْطَعُهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أُخْرَى، وَيَنْبَنِي عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ.
فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ، بَطَلَ خِيَارُهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَ جَرَيَانِهَا إلَى الْبَيْنُونَةِ، وَذَلِكَ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْمَقَامِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ، فَصَحَّ اخْتِيَارُ الْمُقَامِ، كَصُلْبِ النِّكَاحِ.
وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلِأَنَّ سُكُوتَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ لِجَرَيَانِهَا إلَى الْبَيْنُونَةِ، اكْتِفَاءً مِنْهَا بِذَلِكَ
فَإِنْ ارْتَجَعَهَا، فَلَهَا الْفَسْخُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ فَسَخَتْ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، بَقِيَتْ مَعَهُ بِطَلْقَةِ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ أُعْتِقَ، رَجَعَتْ مَعَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا، فَمَلَكَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ، كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا وَقَبْلَ اخْتِيَارِهَا]
(5527) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا، وَقَبْلَ اخْتِيَارِهَا، أَوْ طَلَّقَ الصَّغِيرَةَ وَالْمَجْنُونَةَ بَعْدَ الْعِتْق، وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَبَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَنَفَذَ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: طَلَاقُهُ مَوْقُوفٌ.
فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّهَا مِنْ الْخِيَارِ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ وَقَعَ.
وَلِلشَّافِعِي
قَوْلَانِ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَبَنَوْا عَدَمَ الْوُقُوعِ عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى حَالَةِ الْعِتْقِ، فَيَكُونُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا فِي نِكَاحٍ مَفْسُوخٍ
وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ، فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ تَخْتَرْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَسْخَ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ مِنْ حِينِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفُرْقَةِ عَلَيْهِ، إذْ الْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تُبْتَدَأُ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ، لَا مِنْ حِينِ الْعِتْقِ، وَمَا سَبَقَهُ مِنْ الْوَطْءِ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، يُثْبِتُ الْإِحْصَانَ وَالْإِحْلَالَ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ الْفَسْخُ سَابِقًا عَلَيْهِ لَانْعَكَسَتْ الْحَالُ
وَقَوْلُ الْقَاضِي: إنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّهَا مِنْ الْفَسْخِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْفَسْخِ، مَعَ زِيَادَةِ وُجُوبِ نِصْفِ الْمَهْرِ، وَتَقْصِيرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ، لَا مِنْ حِينِ فَسْخِهِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ مُبْطِلًا لَحَقِّهَا، لَمْ يَقَعْ وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ الْفَسْخَ، كَمَا لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، سَوَاءٌ فَسَخَ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَفْسَخْ
وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، فَعَلَى قَوْلِهِمْ: إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ، سَقَطَ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالطَّلَاقِ.
وَهَكَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ أَوْ أَسْلَمْت الْكَافِرَةُ.
[فَصْلٌ لِلْمُعْتَقَةِ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ]
فَصْلٌ: وَلِلْمُعْتَقَةِ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حَاكِمٍ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَافْتَقَرَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ.
[فَصْلٌ إذَا اخْتَارَتْ الْمُعْتَقَةُ الْفِرَاقَ كَانَ فَسْخًا لَيْسَ بِطَلَاقِ]
(5529) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَارَتْ الْمُعْتَقَةُ الْفِرَاقَ، كَانَ فَسْخًا لَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، إلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ بَائِنٌ.
قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا.
وَاحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ زَبْرَاءَ حِينَ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفِرَاقَ، فَمَلَكْت الطَّلَاقَ كَالرَّجُلِ
وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» . وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ، وَفِعْلُ زَبْرَاءَ لَيْسَ بِحُجَّةِ، وَلَمْ يَثْبُت انْتِشَارُهُ فِي الصَّحَابَةِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي، أَوْ فَسَخْت النِّكَاحَ.
انْفَسَخَ.
وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي.
وَنَوَتْ الْمُفَارَقَةَ، كَانَ كِنَايَةً عَنْ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، فَصَارَ كِنَايَةً عَنْهُ، كَالْكِنَايَةِ بِالْفَسْخِ عَنْ الطَّلَاقِ.
[فَصْلٌ إنْ عَتَقَ زَوْجُ الْأَمَةِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ]
(5530) فَصْلٌ: وَإِنْ عَتَقَ زَوْجُ الْأَمَةِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْكَمَالِ فِي الزَّوْجَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ إلَّا فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُطْلَقًا، فَبَانَتْ أَمَةً، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ.
وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا مُطْلَقًا، فَبَانَ عَبْدًا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِدَامَةِ، لَكِنْ إنْ عَتَقَ وَوَجَدَ الطَّوْلَ لِحُرَّةٍ، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، تَقَدَّمَ ذَكَرُهُمَا.
[فَصْلٌ عَتَقَتْ الْأُمَّةُ فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا زِدْنِي فِي مَهْرِي]
(5531) فَصْلٌ: وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: زِدْنِي فِي مَهْرِي.
فَفَعَلَ، فَالزِّيَادَةُ لَهَا دُونَ سَيِّدهَا، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَسَوَاءٌ عَتَقَ مَعَهَا، أَوْ لَمْ يَعْتِقْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِيمَ إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ ثُمَّ عَتَقَا جَمِيعًا، فَقَالَتْ الْأَمَةُ: زِدْنِي فِي مَهْرِي.
فَالزِّيَادَةُ لِلْأَمَةِ لَا لِلسَّيِّدِ.
فَقِيلَ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الزَّوْجُ لِغَيْرِ السَّيِّدِ، لِمَنْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ؟ قَالَ: لِلْأَمَةِ
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا، لَوْ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا، ثُمَّ بَاعَهَا، فَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا، فَالزِّيَادَةُ لِلثَّانِي.
وَقَالَ الْقَاضِي: الزِّيَادَةُ لِلسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّدَاقِ تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَتَكُونُ كَالْمَذْكُورَةِ فِيهِ.
وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الزِّيَادَةِ إنَّمَا ثَبَتَ حَالَ وُجُودِهَا، بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ سَيِّدِهَا عَنْهَا، فَيَكُونُ لَهَا، كَكَسْبِهَا وَالْمَوْهُوبِ لَهَا
وَقَوْلُنَا: إنَّ الزِّيَادَةَ تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ.
مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَلْزَمُ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا، وَيَصِيرُ الْجَمِيعُ صَدَاقًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا فِيهَا، وَكَانَ لِسَيِّدِهَا، فَإِنَّ هَذَا مُحَالٌ، وَلِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وُجِدَ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَقَدُّمِ الْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْمُعْتَقِ فِيهِ حِينَ التَّزْوِيجِ لَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ، وَكَانَ لَهُ نَمَاؤُهُ.
وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ نُطِيلَ فِيهِ.
[بَاب أَجَلِ الْعِنِّينِ وَالْخَصِيِّ غَيْرِ الْمَجْبُوبِ]
ِ الْعِنِّينُ: هُوَ الْعَاجِزُ عَنْ الْإِيلَاجِ.
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَنَّ.
أَيْ: اعْتَرَضَ؛ لِأَنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذَا أَرَادَ إيلَاجَهُ، أَيْ يَعْتَرِضُ، وَالْعَنَنُ الِاعْتِرَاضُ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَعِنُّ لِقُبُلِ الْمَرْأَةِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَلَا يَقْصِدُهُ.
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ كَذَلِكَ فَهُوَ عَيْبٌ بِهِ، وَيُسْتَحَقُّ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ، بَعْدَ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ فِيهَا، وَيُعْلَمُ حَالُهُ بِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
وَعَلَيْهِ فَتْوَى فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ؛ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَشَذَّ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَدَاوُد، فَقَالَا: لَا يُؤَجَّلُ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ
امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْت بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّمَا لَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» . وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ مُدَّةً.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَجَّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً.
وَرَوَى ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ.
وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ عَلِيٍّ وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ، كَالْجَبِّ فِي الرَّجُلِ، وَالرَّتْقِ فِي الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا الْخَبَرُ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْمُدَّةَ إنَّمَا تُضْرَبُ لَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ، وَطَلَبِ الْمَرْأَةِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّجُلَ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنِّي لِأَعْرُكَهَا عَرْكَ الْأَدِيمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ طَلَاقِهِ، فَلَا مَعْنَى لِضَرْبِ الْمُدَّةِ.
وَصَحَّحَ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ) . وَلَوْ كَانَ قَبْلَ طَلَاقِهِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَيْهَا.
وَقِيلَ: إنَّهَا ذَكَرَتْ ضَعْفَهُ، وَشَبَّهَتْهُ بِهُدْبَةِ الثَّوْبِ مُبَالَغَةً، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) وَالْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَة ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ لَا يَصِلُ إلَيْهَا]
(5532) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ لَا يَصِلُ إلَيْهَا، أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تَرَافُعِهِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا فِيهَا، خُيِّرَتْ فِي الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا بِلَا طَلَاقٍ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ عَجْزَ زَوْجِهَا عَنْ وَطْئِهَا لِعُنَّةٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَالْمَرْأَةُ عَذْرَاءُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ
وَقَالَ الْقَاضِي: هَلْ يَسْتَحْلِف أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى دَعْوَى الطَّلَاقِ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَجْزِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ، أَوْ أَنْكَرَ وَطَلَبَتْ يَمِينَهُ فَنَكِلَ، ثَبَتَ عَجْزُهُ، وَيُؤَجَّلُ سَنَةً.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّهُ أَجَّلَ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ.
وَلَنَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَجْزَ قَدْ يَكُونُ لِعُنَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَرَضِ، فَضُرِبَتْ لَهُ سَنَةً لِتَمُرَّ بِهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ يُبْسٍ زَالَ فِي فَصْلِ الرُّطُوبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رُطُوبَةٍ زَالَ فِي فَصْلِ