باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْلٌ التَّدْلِيس فِي الْبَيْع]
(2994) فَصْلٌ: وَكُلُّ تَدْلِيسٍ يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لِأَجْلِهِ، مِثْلُ أَنْ يُسَوِّدَ شَعْرَ الْجَارِيَةِ، أَوْ يُجَعِّدَهُ، أَوْ يُحَمِّرَ وَجْهَهَا، أَوْ يُضْمِرَ الْمَاءَ عَلَى الرَّحَا، وَيُرْسِلَهُ عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، يُثْبِتُ الْخِيَارَ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ بِمَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ، كَالتَّصْرِيَةِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَسْوِيدِ الشَّعْرِ.
وَقَالَ فِي تَجْعِيدِهِ: لَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ بِمَا لَيْسَ بِعَيْبٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَ الْعَبْدِ، لِيَظُنَّهُ كَاتِبًا أَوْ حَدَّادًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَدْلِيسٌ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ، أَشْبَهَ تَسْوِيدَ الشَّعْرِ، وَأَمَّا تَسْوِيدُ الْأَنَامِلِ، فَلَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِكَوْنِهِ كَاتِبًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَلَغَ بِالدَّوَاةِ، أَوْ كَانَ غُلَامًا لِكَاتِبٍ يُصْلِحُ لَهُ الدَّوَاةَ، فَظَنُّهُ كَاتِبًا، طَمَعٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ فَسْخًا، فَإِنْ حَصَلَ هَذَا مِنْ غَيْرِ تَدْلِيسٍ، مِثْلُ أَنْ يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ احْمَرَّ وَجْهُ الْجَارِيَةِ لِخَجَلٍ أَوْ تَعَبٍ، أَوْ تَسَوَّدَ شَعْرُهَا بِشَيْءِ وَقَعَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرَّدُّ أَيْضًا؛ لِدَفْعِ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِالْمُشْتَرِي، وَالضَّرَرُ وَاجِبُ الدَّفْعِ، سَوَاءٌ قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، فَأَشْبَهَ الْعَيْبَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِحُمْرَةِ وَجْهِهَا بِخَجَلٍ أَوْ تَعَبٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَيَتَعَيَّنُ ظَنُّهُ مِنْ خِلْقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ طَمَعًا، فَأَشْبَهَ سَوَادَ أَنَامِلِ الْعَبْدِ.
[فَصْلٌ عَلَف الشَّاة فَمَلَأ خَوَاصِرهَا وَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حَامِل]
فَصْلٌ: فَإِنْ عَلَفَ الشَّاةَ فَمَلَأَ خَوَاصِرَهَا، وَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حَامِلٌ، أَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَ الْعَبْدِ أَوْ ثَوْبَهُ، يُوهِمُ أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ حَدَّادٌ، أَوْ كَانَتْ الشَّاةُ عَظِيمَةَ الضَّرْعِ خِلْقَةً، فَظَنَّ أَنَّهَا كَثِيرَةَ اللَّبَنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ لِلْجِهَةِ الَّتِي ظَنَّهَا؛ فَإِنَّ امْتِلَاءَ الْبَطْنِ قَدْ يَكُونُ لَأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَسَوَادَ أَنَامِلِ الْعَبْدِ قَدْ يَكُونُ لِوَلَغٍ بِالدَّوَاةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ شَارِعًا فِي الْكِتَابَةِ، أَوْ غُلَامًا لِكَاتِبٍ، فَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ مِنْ بَابِ الطَّمَعِ، فَلَا يُثْبِتُ خِيَارًا.
[فَصْلٌ إذَا أَرَادَ إمْسَاك الْمُدَلِّس وَأَخَذَ الْأَرْش]
(2996) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ إمْسَاكَ الْمُدَلِّسِ، وَأَخْذَ الْأَرْشِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِي الْمُصَرَّاةِ أَرْشًا، وَإِنَّمَا خَيَّرَهُ فِي شَيْئَيْنِ، قَالَ: «إنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» . وَلِأَنَّ الْمُدَلِّسَ لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْ أَجْلِهِ عِوَضًا.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِتَلَفٍ، فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرَّدُّ فِيمَا لَا أَرْشَ لَهُ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُدَلِّسِ.
وَإِنْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالتَّدْلِيسِ، فَلَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ أَرْشِ الْعَيْبِ عِنْدَهُ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ.
وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَإِنْ عَلِمَ التَّدْلِيسَ، فَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ، بَطَلَ رَدُّهُ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ.
وَإِنْ أَخَّرَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ تَأَخُّرِ رَدِّ الْمَعِيبِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى أَمَة ثَيِّبًا فَأَصَابَهَا أَوْ اسْتَغَلَّهَا ثُمَّ ظُهْر عَلَى عَيْب]
(2997) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً ثَيِّبًا، فَأَصَابَهَا، أَوْ اسْتَغَلَّهَا، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ كَامِلًا؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، وَالْوَطْءَ كَالْخِدْمَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْعَيْبِ)
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ: (2998) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّ مَنْ عَلِمَ بِسِلْعَتِهِ عَيْبًا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، حَتَّى يُبَيِّنَهُ لِلْمُشْتَرِي.
فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ فَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا إلَّا بَيَّنَهُ لَهُ» . وَقَالَ: «مَنْ بَاعَ عَيْبًا لَمْ يُبَيِّنْهُ، لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ، وَلَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ» . رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْد أَهْل الْعِلْمِ، كَرِهُوا الْغِشَّ، وَقَالُوا: هُوَ حَرَامٌ.
فَإِنْ بَاعَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ التَّصْرِيَةِ، وَصَحَّحَ الْبَيْعَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْمُصَرَّاةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا.
[فَصْلٌ عِلْم بِالْمَبِيعِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ]
(2999) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفَسْخِ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ وَكَتَمَهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِثْبَاتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخِيَارَ بِالتَّصْرِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى ثُبُوتِهِ بِالْعَيْبِ.
وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ مِنْ الْعَيْبِ؛ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ اشْتَرَى مَمْلُوكًا فَكَتَبَ: هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا، أَوْ أَمَةً، لَا دَاءَ بِهِ، وَلَا غَائِلَةَ، بَيْعُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ» . فَثَبَتَ أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ اقْتَضَى السَّلَامَةَ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، وَالْعَيْبُ حَادِثٌ أَوْ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، فَمَتَى فَاتَتْ فَاتَ بَعْضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَخْذُهُ بِالْعِوَضِ، وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ كَامِلًا.
[فَصْلٌ خِيَار الرَّدّ بِالْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي]
(3000) فَصْلٌ: خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي، فَمَتَى عَلِمَ الْعَيْبَ، فَأَخَّرَ الرَّدَّ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ عَلَى التَّرَاخِي.
وَالثَّانِيَةُ، هُوَ عَلَى الْفَوْرِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَيْبَ، فَأَخَّرَ رَدَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ، بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ، فَأُسْقِطَ خِيَارُهُ، كَالتَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَالْقِصَاصِ، وَلَا نُسَلِّمُ دَلَالَةَ الْإِمْسَاكِ عَلَى الرِّضَا بِهِ.
(3001) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْمَبِيعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحَالِهِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ، أَوْ يَكُونَ قَدْ زَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ جُعِلَتْ لَهُ فَائِدَةٌ، فَذَلِكَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً، كَالسِّمَنِ، وَالْكِبَرِ، وَالتَّعَلُّمِ، وَالْحَمْلِ قَبْلَ الْوَضْعِ، وَالثَّمَرَةِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا بِنَمَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يُتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ عَيْنِ الْمَبِيعِ، كَالْكُسْبِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَوْ اسْتَغَلَّهَا ". يَعْنِي أَخَذَ غَلَّتَهَا، وَهِيَ مَنَافِعُهَا الْحَاصِلَةُ مِنْ جِهَتِهَا، كَالْخِدْمَةِ، وَالْأُجْرَةِ، وَالْكُسْبِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوهَبُ أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا، فَاسْتَغَلَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ اسْتَغَلَّ غُلَامِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالشَّافِعِيُّ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ مُسْلِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: «الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ» . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ عَيْنِ الْمَبِيعِ، كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ، وَاللَّبَنِ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا، وَيَرُدُّ الْأَصْلَ دُونَهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ النَّمَاءُ ثَمَرَةً لَمْ يَرُدَّهَا، وَإِنْ كَانَ وَلَدًا رَدَّهُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ حُكْمٌ، فَسَرَى إلَى وَلَدِهَا كَالْكِتَابَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّمَاءُ الْحَادِثُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ الْأَصْلِ بِدُونِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِهِ، فَلَا يُرْفَعُ الْعَقْدُ مَعَ بَقَاءِ مُوجِبِهِ، وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَادِثٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَكَالْكُسْبِ.
وَلِأَنَّهُ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ، فَجَازَ رَدُّ الْأَصْلِ بِدُونِهِ، كَالْكُسْبِ وَالثَّمَرَةِ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّمَاءَ مُوجَبُ الْعَقْدِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا مُوجَبُهُ الْمِلْكُ، وَلَوْ كَانَ مُوجَبًا لِلْعَقْدِ لَعَادَ إلَى الْبَائِعِ بِالْفَسْخِ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِمَبِيعٍ، فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِحُكْمِ رَدِّ الْأُمِّ.
وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ بِنَقْلِ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ، وَالْبَيْعِ، وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ بِوُجُودِهِ فِي الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَصَ، فَهَذَا نَذْكُرُ حُكْمَهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ كَانَ الْمَبِيع جَارِيَة ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ عِلْمه بِالْعَيْبِ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ، إنْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَلَهُ رَدُّهَا، وَلَيْسَ مَعَهَا شَيْءٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ
رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ أَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَجْرِي مَجْرَى الْجِنَايَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ عُقُوبَةٍ، أَوْ مَالٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِكْرًا.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَرُدُّهَا، وَمَعَهَا أَرْشٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَقَالَ شُرَيْحٌ وَالنَّخَعِيُّ: نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهَا.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حُكُومَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: عَشَرَةُ دَنَانِيرَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَحُكِيَ نَحْوُ قَوْلِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَخَ صَارَ وَاطِئًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، لِكَوْنِ الْفَسْخِ رَفْعًا لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَعْنَى لَا يُنْقِصُ عَيْنَهَا، وَلَا قِيمَتَهَا، وَلَا يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ، فَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ، كَالِاسْتِخْدَامِ، وَكَوَطْءِ الزَّوْجِ.
وَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ، وَوَطْءُ الْبِكْرِ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا.
وَقَوْلُهُمْ: يَكُونُ وَاطِئًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ، لَا مِنْ أَصْلِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ، وَلَا يُوجِبُ رَدَّ الْكُسْبِ، فَيَكُونُ وَطْؤُهُ فِي مِلْكِهِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى مُزَوِّجَة فَوَطِئَهَا الزَّوْج]
(3003) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى مُزَوَّجَةً، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الرَّدَّ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَإِنْ زَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ النِّكَاحُ بَاقِيًا فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ زَالَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ وَطْءِ السَّيِّدِ.
وَقَدْ اسْتَحْسَنَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ وَطْءِ السَّيِّدِ.
وَإِنْ زَنَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْهَا، فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَيْبًا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهَا حُكْمُ الزِّنَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
[فَصْلٌ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إمْسَاك الْمَعِيب وَأَخَذَ الْأَرْش]
(3004) الْفَصْلُ الْخَامِسُ؛ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إمْسَاكَ الْمَعِيبِ، وَأَخْذَ الْأَرْشِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِمْسَاكُ، أَوْ الرَّدُّ، وَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ رَدُّ الْمَبِيعِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِمُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ الْخِيَارَ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ، أَوْ الرَّدِّ.
وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّدَّ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ جُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ، كَاَلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَكَانَ لَهُ الْأَرْشُ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ.
وَلِأَنَّهُ فَاتَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، فَبَانَتْ تِسْعَةً، أَوْ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ؛ فَأَمَّا الْمُصَرَّاةُ فَلَيْسَ فِيهَا عَيْبٌ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الْخِيَارَ بِالتَّدْلِيسِ، لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ أَرْشًا إذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ عَلَيْهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَعْنَى أَرْشِ الْعَيْبِ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَبِيعُ صَحِيحًا، ثُمَّ يُقَوَّمَ مَعِيبًا، فَيُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَيْنَهُمَا
مِنْ الثَّمَنِ، فَنِسْبَتُهُ إلَى الثَّمَنِ نِسْبَةُ النُّقْصَانِ بِالْعَيْبِ مِنْ الْقِيمَةِ، مِثَالُهُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَعِيبُ صَحِيحًا بِعَشَرَةٍ، وَمَعِيبًا بِتِسْعَةِ، وَالثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَدْ نَقَصَهُ الْعَيْبُ عُشْرَ قِيمَتِهِ، فَيُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ، وَهُوَ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ.
وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ الْمَضْمُونَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ، فَفَوَاتُ جُزْءٍ مِنْهُ يُسْقِطُ عَنْهُ ضَمَانَ مَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ أَيْضًا.
وَلِأَنَّنَا لَوْ ضَمَّنَّاهُ نَقْصَ الْقِيمَةِ، أَفْضَى إلَى اجْتِمَاعِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْمُشْتَرِي، فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُنْقِصُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُنْقِصُهُ عَشَرَةً، فَأَخَذَهَا، حَصَلَ لَهُ الْمَبِيعُ، وَرَجَعَ بِثَمَنِهِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: " أَوْ يَأْخُذَ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْعَيْبِ ". وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَقَالَ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فِي الثَّمَنِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمَة الْبِكْر إذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ ظُهْر عَلَى عَيْب فَرَدَّهَا]
(3005) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَأَرَادَ رَدَّهَا، كَانَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا) يَعْنِي الْأَمَةَ الْبِكْرَ إذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّهَا، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا أَرْشَ النَّقْصِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ رَدِّهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَرُدُّهَا، وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعَيْبِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَرُدُّهَا، وَيَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا.
وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَالْوَاجِبُ رَدُّ مَا نَقَصَ قِيمَتَهَا بِالْوَطْءِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا بِكْرًا عَشَرَةً، وَثَيِّبًا ثَمَانِيَةً، رَدَّ دِينَارَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِفَسْخِ الْعَقْدِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، بِخِلَافِ أَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ: يَرُدُّ عُشْرَ ثَمَنِهَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: يَرُدُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ.
وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ رَدَّهَا بِأَنَّ الْوَطْءَ نَقَصَ عَيْنَهَا وَقِيمَتَهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ رَدَّهَا، كَمَا [إذَا] اشْتَرَى عَبْدًا فَخَصَاهُ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ عِنْدَ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا لِاسْتِعْلَامٍ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ، كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
[فَصْلٌ كُلّ مَبِيع كَانَ مَعِيبًا ثُمَّ حَدَّثَ بِهِ عِنْد الْمُشْتَرِي عَيْب آخَر قَبْلَ عِلْمه بِالْأَوَّلِ]
(3006) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَبِيعٍ كَانَ مَعِيبًا، ثُمَّ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ، قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْأَوَّلِ، فَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَفِي الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ إضْرَارٌ بِهِ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَهُ الرَّدُّ، يَرُدُّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ.
وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ، وَلَهُ الْأَرْشُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: يَرُدُّهُ وَنُقْصَانَ الْعَيْبِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ: يَرُدُّهُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ شَيْئًا.
وَلَنَا، حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِرَدِّهَا بَعْدَ حَلْبِهَا، وَرَدِّ عِوَضِ لَبَنِهَا.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الثَّوْبِ، إذَا كَانَ بِهِ عَوَارٌ، بِرَدِّهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ لَبِسَهُ.
وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّ الْمَبِيعِ وَأَرْشِهِ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، كَمَا لَوْ كَانَ حُدُوثُهُ لِاسْتِعْلَامِ الْمَبِيعِ.
وَلِأَنَّ الْعَيْبَيْنِ قَدْ اسْتَوَيَا، وَالْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ بِهِ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُدَلِّسْ، فَكَانَ رِعَايَةُ جَانِبِهِ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ الرَّدَّ كَانَ جَائِزًا قَبْلَ حُدُوثِ الْعَيْبِ الثَّانِي، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ، وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ، وَلَيْسَ لِمَا ذَكَرُوهُ أَصْلٌ، فَيَبْقَى الْجَوَازُ بِحَالِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَرُدُّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بِجُمْلَتِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ أَجْزَاؤُهُ.
وَإِنْ زَالَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، رَدَّهُ وَلَا أَرْشَ مَعَهُ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَانِعُ، مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلرَّدِّ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ.
وَلَوْ اشْتَرَى أَمَةً، فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا، فَالْحَمْلُ عَيْبٌ فِي الْآدَمِيَّاتِ دُونَ غَيْرِهِنَّ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَيُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ.
فَإِنْ وَلَدَتْ، فَالْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ، فَذَلِكَ عَيْبٌ أَيْضًا.
وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْهَا الْوِلَادَةُ وَمَاتَ الْوَلَدُ، جَازَ رَدُّهَا؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْعَيْبُ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهَا بَاقِيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا دُونَ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " مَسَائِلِهِمَا ": لَهُ الْفَسْخُ فِيهَا، دُونَ وَلَدِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَلَدَتْ حُرًّا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا دُونَ وَلَدِهَا.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ الضَّرَرِ بِأَخْذِ الْأَرْشِ، أَوْ بِرَدِّ وَلَدِهَا مَعَهَا، فَلَمْ يَجُزْ ارْتِكَابُ مَنْهِيِّ الشَّرْعِ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ أَرَادَ الْإِقَالَةَ فِيهَا دُونَ وَلَدِهَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ.
قُلْنَا: قَدْ انْدَفَعَتْ الْحَاجَةُ بِأَخْذِ الْأَرْشِ، أَمَّا إذَا وَلَدَتْ حُرًّا، فَلَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِهِ مَعَهَا بِحَالٍ.
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حَيَوَانًا غَيْرَ الْآدَمِيِّ، فَحَدَثَ بِهِ حَمْلٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ.
وَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَلَمْ تَنْقُصْهُ الْوِلَادَةُ، فَلَهُ إمْسَاكُ الْوَلَدِ وَرَدُّ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا جَائِزٌ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَمْلِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ بَعْدَهُ.
وَلَوْ اشْتَرَاهَا حَامِلًا، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ فَرَدَّهَا، رَدَّ الْوَلَدَ مَعَهَا؛
لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ بِالْمَبِيعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَمِنَتْ الشَّاةُ.
فَإِنْ تَلِفَ الْوَلَدُ، فَهُوَ كَتَعَيُّبِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الرَّدُّ.
فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، إنْ اخْتَارَ رَدَّ الْأُمِّ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِلْوَلَدِ.
وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ.
وَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ، فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ.
وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِي.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوَلَدُ حِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِي، فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَلَا قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ كَانَ الْمَبِيع كَاتِبًا أَوْ صَانِعًا فَنَسِيَ ذَلِكَ عِنْد الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا]
(3007) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ كَاتِبًا أَوْ صَانِعًا، فَنَسِيَ ذَلِكَ عِنْد الْمُشْتَرِي، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَذَلِكَ عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، حُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، يَرُدُّهُ، وَلَا يَرُدُّ، مَعَهُ شَيْئًا.
وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْعَيْنِ، وَيُمْكِنُ عَوْدُهُ بِالتَّذَكُّرِ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ سَمِينًا فَهَزِلَ.
وَالْقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِنَّ الصِّيَاغَةَ وَالْكِتَابَةَ مُتَقَوِّمَةٌ تَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ، وَتَلْزَمُ بِشَرْطِهَا فِي الْبَيْعِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَعْيَانَ وَالْمَنَافِعَ، مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْعَقْلِ، وَإِمْكَانُ الْعَوْدِ مُنْتَقِضٌ بِالسِّنِّ، وَالْبَصَرِ، وَالْحَمْلِ.
وَلَعَلَّ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَرَادَ بِهِ، إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ.
[فَصْلٌ تَعَيَّبَ الْمَبِيع فِي يَدِ الْبَائِع بَعْدَ الْعَقْد]
(3008) فَصْلٌ: وَإِذَا تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ ضَمَانِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ.
فَأَمَّا الْحَادِثُ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ، فَمَا أَصَابَهُ فِيهَا فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، إلَّا فِي الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، فَإِنْ ظَهَرَ إلَى سَنَةٍ ثَبَتَ الْخِيَارُ؛ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ، عَنْ عُقْبَةَ «؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ عُهْدَةَ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» . وَأَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَكُونُ فِيهِ الْعَيْبُ، ثُمَّ يَظْهَرُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ظَهَرَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخِيَارُ، كَسَائِرِ الْمَبِيعِ، أَوْ مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّنَةِ، وَحَدِيثُهُمْ لَا يَثْبُتُ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ فِي الْعُهْدَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ.
وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَالدَّاءُ الْكَامِنُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنَّمَا النَّقْصُ بِمَا ظَهَرَ لَا بِمَا كَمَنَ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبْقَ مِنْ يَده وَأَقَامَ الْبَيِّنَة أَنَّ إبَاقه كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْبَائِع]
(3009) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ دَلَّسَ الْعَيْبَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ، كَامِلًا.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَبِيعِ) مَعْنَى دَلَّسَ الْعَيْبَ: أَيْ كَتَمَهُ عَنْ الْمُشْتَرِي، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ.
أَوْ: غَطَّاهُ عَنْهُ، بِمَا يُوهِمُ الْمُشْتَرِيَ عَدَمَهُ.
مُشْتَقٌّ مِنْ الدُّلْسَةِ، وَهِيَ الظُّلْمَةُ.
فَكَأَنَّ الْبَائِعَ يَسْتُرُ الْعَيْبَ.
وَكِتْمَانُهُ جَعْلُهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَخَفِيَ عَنْ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ
يَرَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا عَلِمَ بِهِ فَكَتَمَهُ، وَمَا سَتَرَ، فَكُلَاهُمَا تَدْلِيسٌ حَرَامٌ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
فَإِذَا فَعَلَهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي حَتَّى تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، فَلَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ، وَأَخْذُ ثَمَنِهِ كَامِلًا، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَادِثُ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي، كَوَطْءِ الْبِكْرِ، وَقَطْعِ الثَّوْبِ، أَوْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ آخَرَ، مِثْلُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ جَانٍ، أَوْ بِفِعْلِ الْعَبْدِ كَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ، أَوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، سَوَاءٌ كَانَ نَاقِصًا لِلْمَبِيعِ، أَوْ مَذْهَبًا لَجَمِيعِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا، فَأَبَقَ مِنْ يَدِهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ إبَاقَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْبَائِعِ: يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ، وَيَتْبَعُ الْبَائِعُ عَبْدَهُ حَيْثُ كَانَ.
وَهَذَا يُحْكَى عَنْ الْحَكَمِ، وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ.
وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ، أَوْ لَمْ يُدَلِّسْهُ، فَإِنَّ التَّصْرِيَةَ تَدْلِيسٌ، وَلَمْ يُسْقِطْ عَنْ الْمُشْتَرِي ضَمَانَ اللَّبَنِ، بَلْ ضَمِنَهُ بِصَاعٍ مِنْ التَّمْرِ، مَعَ كَوْنِهِ قَدْ نَهَى عَنْ التَّصْرِيَةِ، وَقَالَ: «بَيْعُ الْمُحَفَّلَاتِ خَلَابَةٌ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلَابَةُ لِمُسْلِمٍ» .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ الْخَرَاجُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِكَوْنِهِ جَعَلَ الضَّمَانَ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْخَرَاجِ لَهُ.
فَلَوْ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ لَكَانَ الْخَرَاجُ لَهُ؛ لِوُجُودِ عِلَّتِهِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا، وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا أَصْلًا.
وَلَا يُشْبِهُ هَذَا التَّغْرِيرَ بِحُرِّيَّةِ الْأَمَةِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدَ الْأَمَةِ، وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ التَّدْلِيسُ مِنْ وَكِيلِ الْبَائِعِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
[فَصْلٌ النَّقَائِص الْمُوجِبَة لَنَقَصَ الْمَالِيَّة فِي عَادَاتِ التُّجَّار]
(3010) فَصْلٌ: فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ؛ وَهِيَ النَّقَائِصُ الْمُوجِبَةُ لِنَقْصِ الْمَالِيَّةِ فِي عَادَاتِ التُّجَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا صَارَ مَحَلًّا لِلْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، فَمَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهَا يَكُونُ عَيْبًا، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَادَةِ فِي عُرْفِ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، وَهُمْ التُّجَّارُ.
فَالْعُيُوبُ فِي الْخِلْقَةِ؛ كَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالْعَمَى، وَالْعَوَرِ، وَالْعَرَجِ، وَالْعَفَلِ، وَالْقَرْنِ، وَالْعِتْقِ، وَالرَّتَقِ، وَالْقَرَعِ، وَالصَّمَمِ، وَالطَّرَشِ، وَالْخَرَسِ، وَسَائِرِ الْمَرَضِ، وَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَالنَّاقِصَةِ، وَالْحَوَلِ،
وَالْخُوصِ، وَالسُّبُلِ، وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْفَانِ، وَالتَّخْنِيثِ، وَكَوْنِهِ خُنْثَى، وَالْخِصَاءِ، وَالتَّزَوُّجِ فِي الْأَمَةِ، وَالْبَخَرِ فِيهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْجَارِيَةِ تُشْتَرَى وَلَهَا زَوْجٌ أَنَّهُ عَيْبٌ.
وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُعْسِرًا، وَالْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْقَوَدِ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ صَارَتْ كَالْمُسْتَحِقَّةِ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ فِي الْجِنَايَةِ وَالْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ، وَمُسْتَحِقَّةً لِلْإِتْلَافِ بِالْقِصَاصِ، وَالزِّنَى وَالْبَخَرُ عَيْبٌ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ جَمِيعًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبِ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلْفِرَاشِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ وَمَالِيَّتَهُ، فَإِنَّهُ بِالزِّنَى يَتَعَرَّضُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَالتَّعْزِيرِ، وَلَا يَأْمَنُهُ سَيِّدُهُ عَلَى عَائِلَتِهِ وَحَرِيمِهِ، وَالْبَخَرُ يُؤْذِي سَيِّدَهُ، وَمَنْ جَالَسَهُ وَخَاطَبَهُ أَوْ سَارَّهُ.
وَأَمَّا السَّرِقَةُ، وَالْإِبَاقُ، وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ، فَهِيَ عُيُوبٌ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي جَاوَزَ الْعَشْرَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: فِي الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ: لَيْسَ بِعَيْبٍ فِيهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَعَلَّقُ بِهِ، مِنْ التَّكْلِيفِ، وَوُجُوبِ الْحُدُودِ، بِبُلُوغِهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ يَتَحَرَّزُ مِنْ هَذَا عَادَةً، كَتَحَرُّزِ الْكَبِيرِ، فَوُجُودُهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَوْلَ لِدَاءٍ فِي بَاطِنِهِ، وَالسَّرِقَةَ وَالْإِبَاقَ لِخُبْثٍ فِي طَبْعِهِ، وَحُدَّ ذَلِكَ بِالْعَشْرِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَأْدِيبِ الصَّبِيِّ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ عِنْدَهَا، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ لِبُلُوغِهَا.
فَأَمَّا مَنْ دُونَ ذَلِكَ فَتَكُونُ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْهُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ، وَعَدَمِ تَثَبُّتِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَوْ يَسْكَرُ مِنْ النَّبِيذِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَهُوَ كَالزِّنَى.
وَكَذَلِكَ الْحُمْقُ الشَّدِيدُ، وَالِاسْتِطَالَةُ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّأْدِيبِ، وَرُبَّمَا تَكَرَّرَ فَأَفْضَى إلَى تَلَفِهِ، وَلَا يَكُونُ عَيْبًا إلَّا فِي الْكَبِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى فِعْلِهِ.
وَعَدَمُ الْخِتَانِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ، وَلَا فِي الْأَمَةِ الْكَبِيرَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ عَيْبٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ أَلَمٍ، فَأَشْبَهَتْ الْعَبْدَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ فِي حَقِّهَا، وَالْأَلَمُ فِيهِ يَسِيرٌ لَا يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْكَبِير.
فَأَمَّا الْعَبْدُ الْكَبِيرُ، فَإِنْ كَانَ مَجْلُوبًا مِنْ الْكُفَّارِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَتِنُونَ، فَصَارَ
ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ كَدِينِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا مَوْلِدًا؛ فَهُوَ عَيْبٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْعَادَةِ.
(3011) فَصْلٌ: وَالثُّيُوبَةُ لَيْسَتْ عَيْبًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْجَوَارِي الثُّيُوبَةُ، فَالْإِطْلَاقُ لَا يَقْتَضِي خِلَافَهَا، وَكَوْنُهَا مُحَرَّمَةً عَلَى الْمُشْتَرِي بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، لَيْسَ بِعَيْبٍ، إذْ لَيْسَ فِي الْمَحَلِّ مَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْمَالِيَّةِ، وَلَا نَقْصًا، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ مُخْتَصٌّ بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ وَالصِّيَامُ؛ لِأَنَّهُمَا يَزُولَانِ قَرِيبًا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا.
وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْبَائِنِ.
وَأَمَّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فَهِيَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ، وَلَا يُؤْمَنُ ارْتِجَاعُهُ لَهَا.
وَمَعْرِفَةُ الْغِنَاءِ وَالْحِجَامَةِ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، فِي الْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ، أَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْغِنَاءَ مُحَرَّمٌ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي عَيْنِهَا، وَلَا قِيمَتِهَا، فَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا كَالصِّنَاعَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْغِنَاءَ مُحَرَّمٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَالْمُحَرَّمُ اسْتِعْمَالُهُ، لَا مَعْرِفَتُهُ، وَالْعُسْرُ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَرُدُّ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصِ، وَعَمَلُهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ عَمَلِهِ بِالْأُخْرَى، وَالْكُفْرُ لَيْسَ بِعَيْبٍ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221] .
وَلَنَا، أَنَّ الْعَبِيدَ يَكُونُ فِيهِمْ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالْأَصْلُ فِيهِمْ الْكُفْرُ، فَالْإِطْلَاقُ لَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَكَوْنُ الْمُؤْمِنِ خَيْرًا مِنْ الْكَافِرِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْكُفْرِ عَيْبًا، كَمَا أَنَّ الْمُتَّقِيَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] . وَلَيْسَ عَدَمُ ذَلِكَ عَيْبًا.
وَكَوْنُهُ وَلَدَ زِنًا لَيْسَ بِعَيْبٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلِافْتِرَاشِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ.
وَلَنَا أَنَّ النَّسَبَ فِي الرَّقِيقِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ يُشْتَرَوْنَ مَجْلُوبِينَ، غَيْرَ مَعْرُوفِي النَّسَبِ.
وَكَوْنُ الْجَارِيَةِ لَا تُحْسِنُ الطَّبْخَ أَوْ الْخَبْزَ أَوْ نَحْوَ هَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حِرْفَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ فَوَاتُهَا عَيْبًا، كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ، وَكَوْنُهَا لَا تَحِيضُ، لَيْسَ بِعَيْبٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ عَيْبٌ إذَا كَانَ لِكِبَرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ لَا تَحْمِلُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْإِطْلَاقَ لَا يَقْتَضِي الْحَيْضَ، وَلَا عَدَمَهُ، فَلَمْ يَكُنْ فَوَاتُهُ عَيْبًا، كَمَا لَوْ كَانَ لِغَيْرِ الْكِبَرِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْع صِفَة مَقْصُودَة مِمَّا لَا يَعُدْ فَقَدَهُ عَيْبًا]
(3012) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ صِفَةً مَقْصُودَةً مِمَّا لَا يُعَدُّ فَقْدُهُ عَيْبًا، صَحَّ اشْتِرَاطُهُ، وَصَارَتْ مُسْتَحَقَّةً، يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ عِنْدَ عَدَمِهَا، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مُسْلِمًا، فَيَبِينُ كَافِرًا، أَوْ يَشْتَرِطَ الْأَمَةَ بِكْرًا أَوْ جَعْدَةً أَوْ طَبَّاخَةً، أَوْ ذَاتَ صَنْعَةٍ، أَوْ لَبَنٍ، أَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ، أَوْ يَشْتَرِطَ فِي الدَّابَّةِ أَنَّهَا
هِمْلَاجَةٌ، أَوْ فِي الْفَهْدِ أَنَّهُ صَيُودٌ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا.
فَمَتَى بَانَ خِلَافَ مَا اشْتَرَطَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ، وَالرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ، أَوْ الرِّضَا بِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ، فَصَارَ بِالشَّرْطِ مُسْتَحِقًّا.
فَأَمَّا إنْ شَرَطَ صِفَةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ، فَبَانَتْ بِخِلَافِهَا، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَهَا سَبْطَةً فَبَانَتْ جَعْدَةً، أَوْ جَاهِلَةً، فَبَانَتْ عَالِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا.
وَإِنْ شَرَطَهَا كَافِرَةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، أَوْ ثَيِّبًا، فَبَانَتْ بِكْرًا، فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَصْدًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَنَّ طَالِبَ الْكَافِرَةِ أَكْثَرُ؛ لِصَلَاحِيَتِهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهَا، أَوْ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَكْلِيفهَا الْعِبَادَاتِ.
وَقَدْ يَشْتَرِطُ الثَّيِّبَ؛ لِعَجْزِهِ عَنْ الْبِكْرِ، أَوْ لِيَبِيعَهَا لِعَاجِزٍ عَنْ الْبِكْرِ.
فَقَدْ فَاتَ قَصْدُهُ.
وَقِيلَ: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ زِيَادَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبِكْرِ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي.
وَاسْتَبْعَدَ كَوْنَهُ يَقْصِدُ الثُّيُوبَةَ، لِعَجْزِهِ عَنْ الْبِكْرِ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ، وَالِاشْتِرَاطُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ بِالدَّلِيلِ قَرِيبًا.
وَإِنْ شَرَطَ الشَّاةَ لَبُونًا، صَحَّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، فَلَمْ يَجُزْ شَرْطُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَمْرٌ مَقْصُودٌ يَتَحَقَّقُ فِي الْحَيَوَانِ، وَيَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ، كَالصِّنَاعَةِ فِي الْأَمَةِ، وَالْهَمْلَجَةِ فِي الدَّابَّةِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَحُزْ بَيْعُهُ مُفْرَدًا؛ لِلْجَهَالَةِ، وَالْجَهَالَةُ تَسْقُطُ فِيمَا كَانَ بَيْعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، صَحَّ بَيْعُهَا مَعَهُ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ بَيْعُ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا مُفْرَدَيْنِ.
وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا تَحْلُبُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مَعْلُومًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.
وَإِنْ شَرَطَهَا غَزِيرَةَ اللَّبَنِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَإِنْ شَرَطَهَا حَامِلًا صَحَّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ عَلَى الْحَمْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رِيحٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهَا، فَصَحَّ شَرْطُهُ، كَالصِّنَاعَةِ، وَكَوْنِهَا لَبُونًا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا قَبْلُ أَنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا، وَلِذَلِكَ حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدِّيَةِ بِأَرْبَعِينَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا.
وَمَنَعَ أَخْذَ الْحَوَامِلِ فِي الزَّكَاةِ، وَمَنَعَ وَطْءَ الْحَبَالَى الْمَسْبِيَّاتِ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِدَّةَ الْحَامِلِ وَضْعَ حَمْلِهَا، وَأَرْخَصَ لَهَا الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا، وَمَنَعَ مِنْ الِاقْتِصَاصِ مِنْهَا، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ حَمْلِهَا.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي اللِّعَانِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَاعَنَهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَانْتَفَى عَنْهُ وَلَدُهَا، وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا تَضَعُ الْوَلَدَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ
شَرَطَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ فِي الْمُرْتَفِعَاتِ.
وَيَصِحُّ فِي غَيْرِهِنَّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَاعَهَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْمُرْتَفِعَاتِ.
وَإِنْ شَرَطَهَا حَائِلًا، فَبَانَتْ حَامِلًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ، فَهُوَ عَيْبٌ يَثْبُتُ الْفَسْخُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا، فَهُوَ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ فَسْخًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُهَا لِسَفَرٍ، أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ الْحَمْلِ.
وَإِنْ شَرَطَ الْبَيْضَ فِي الدَّجَاجَةِ، فَقَدْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ عَلَيْهِ، يُعْرَفُ بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْعَادَةِ، فَأَشْبَهَ اشْتِرَاطَ الشَّاةِ لَبُونًا.
وَإِنْ اشْتَرَطَ الْهَزَارَ أَوْ الْقُمْرِيَّ مُصَوِّتًا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَصِحُّ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّ صِيَاحَ الطَّيْرِ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ.
وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُوجَدَ.
وَالْأَوْلَى جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَقْصِدًا صَحِيحًا، وَهُوَ عَادَةٌ لَهُ وَخِلْقَةٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْهَمْلَجَةَ فِي الدَّابَّةِ، وَالصَّيْدَ فِي الْفَهْدِ.
وَإِنْ شَرَطَ فِي الْحَمَامِ أَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ مَسَافَةٍ ذَكَرَهَا.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَفِيهِ قَصْدٌ صَحِيحٌ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ وَحَمْلِ الْكُتُبِ، فَجَرَى مَجْرَى الصَّيْدِ فِي الْفَهْدِ، وَالْهَمْلَجَةِ فِي الدَّابَّةِ، وَإِنْ شَرَطَ فِي الْجَارِيَةِ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْغِنَاءَ مَذْمُومٌ فِي الشَّرْعِ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ، كَالزِّنَى.
وَإِنْ شَرَطَ فِي الْكَبْشِ كَوْنَهُ نَطَّاحًا، وَفِي الدِّيكِ كَوْنَهُ مُقَاتِلًا، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ، فَجَرَى مَجْرَى الْغِنَاءِ فِي الْجَارِيَةِ.
وَإِنْ شَرَطَ فِي الدِّيكِ أَنَّهُ يُوقِظُهُ لِلصَّلَاةِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ شَرَطَ كَوْنَهُ يَصِيحُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، جَرَى مَجْرَى اشْتِرَاطِ التَّصْوِيتِ فِي الْقُمْرِيِّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ لَا يُفْتَقَر الرَّدّ بِالْعَيْبِ إلَى رِضَى الْبَائِع وَلَا حُضُوره وَلَا حُكْم حَاكِمْ قَبْلَ الْقَبْض وَلَا بَعْده]
(3013) فَصْلٌ: وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إلَى رِضَى الْبَائِعِ، وَلَا حُضُورِهِ، وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ، قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا بَعْدَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ، افْتَقَرَ إلَى حُضُورِ صَاحِبِهِ دُونَ رِضَاهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، افْتَقَرَ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ، أَوْ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى الثَّمَنِ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِرِضَاهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ مُسْتَحِقٍّ لَهُ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ، وَلَا حُضُورِهِ كَالطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ، كَقَبْلِ الْقَبْضِ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى مَعِيبًا فَبَاعَهُ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ اشْتَرَى مَعِيبًا فَبَاعَهُ]
(3014) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ مِلْكَهُ مِنْهَا بِمِقْدَارِهِ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهَا) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: (3015) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَعِيبًا فَبَاعَهُ، سَقَطَ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ.
فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ، فَأَرَادَ رَدَّهُ
بِالْعَيْبِ الْأَوَّلِ، نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ عَالِمًا بِالْعَيْبِ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ رِضًا بِالْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي فَسَخَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرَّدِّ بِبَيْعِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ بِعَيْبِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُ ظَلَامَتِهِ بِرَدِّهِ، فَمَلَكَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ فَسْخَ الثَّانِيَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَلَا نُسَلِّمُ سُقُوطَ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَجْزِهِ عَنْ رَدِّهِ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ زَالَ الْمَانِعُ، فَظَهَرَ جَوَازُ الرَّدِّ، كَمَا لَوْ امْتَنَعَ الرَّدُّ لِغَيْبَةِ الْبَائِعِ، أَوْ لِمَعْنًى سِوَاهُ.
وَسَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالْعَيْبِ الْأَوَّلِ، أَوْ بِإِقَالَةٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ شِرَاءٍ ثَانٍ، أَوْ مِيرَاثٍ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ رَجَعَ بِغَيْرِ الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ الْأَوَّلِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ بِبَيْعِهِ، وَلَمْ يَزُلْ بِفَسْخِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ قَائِمٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِتَعَذُّرِهِ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ.
فَعَلَى هَذَا إذَا بَاعَهَا الْمُشْتَرِي لِبَائِعِهَا الْأَوَّلِ، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَلَهُ الرَّدُّ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي، ثُمَّ لِلثَّانِي رَدُّهُ.
وَفَائِدَةُ الرَّدِّ هَاهُنَا، اخْتِلَافُ الثَّمَنَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الثَّمَنُ الثَّانِي أَكْثَرُ.
[الْفَصْل الثَّانِي بَاعَ الْمَعِيبَ ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِهِ]
(3016) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْمَعِيبَ، ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِهِ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ سَوَاءٌ بَاعَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ كَانَ بِفِعْلِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ بِبَيْعِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ، كَمَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ بَاعَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَلَا أَرْشَ لَهُ؛ لِرِضَاهُ بِهِ مَعِيبًا، وَإِنْ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْعَيْبِ، فَلَهُ الْأَرْشُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوَفِّهِ مَا أَوْجَبَهُ لَهُ الْعَقْدُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا بِهِ نَاقِصًا، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ بَاعَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ أَوْ جَاهِلًا بِهِ؛ لِأَنَّنَا خَيَّرْنَاهُ ابْتِدَاءً بَيْنَ رَدِّهِ، وَإِمْسَاكِهِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، فَبَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ إمْسَاكِهِ، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ مِنْ الْمَبِيعِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِبَيْعِهِ، وَلَا رِضَاهُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَسَلَّمَ إلَيْهِ تِسْعَةً، فَبَاعَهَا الْمُشْتَرِي.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ.
لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ ظَلَامَتَهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْهَا مِنْهُ، وَإِنَّمَا ظُلِمَ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِذَلِكَ مِنْ الظَّالِمِ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رُجُوعِ بَائِعِ الْمَعِيبِ بِالْأَرْشِ، رِوَايَتَيْنِ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ عِلْمِ الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ وَجَهْلِهِ بِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَرْشَ، فَإِذَا عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَرَدَّهُ بِهِ، أَوْ أَخَذَ أَرْشَهُ مِنْهُ، فَلِلْأَوَّلِ أَخْذُ أَرْشِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إذَا امْتَنَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي رَدُّهُ بِعَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْض الْمَبِيع ثُمَّ ظُهْر عَلَى عَيْب فَلَهُ الْأَرْشُ]
(3017) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْمَبِيعِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَهُ الْأَرْشُ، لِمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَبِيعِ، وَفِي الْأَرْشِ لِمَا بَاعَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ، وَإِنْ أَرَادَ رَدَّ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً، أَوْ عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ، كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، وَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ، أَوْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَامْتِنَاعِ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ، كَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِخْدَامِ.
وَبِهَا قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَدُّ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ؛ وَفِيمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا فَتَعَيَّبَ عِنْدَهُ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَدَّهُ، إلَّا أَنْ يَرُدَّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ، أَوْ نَقْصِ الْقِيمَةِ، بِغَيْرِ شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ مَا إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا يُسْقِطُ عَنْ الْمُشْتَرِي ضَمَانَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْبِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى.
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ لَا يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ وَجَدَ بِالْأُخْرَى عَيْبًا، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا كَانَتَا مَعِيبَتَيْنِ، فَهَلْ لَهُ رَدُّ الْبَاقِيَةِ فِي مِلْكِهِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ عَيْنَيْنِ.
وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى.
(3018) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى عَيْنَيْنِ، فَوَجَدَ بِإِحْدَاهُمَا عَيْبًا، وَكَانَا مِمَّا لَا يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ، أَوْ مِمَّا لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَالْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّهُمَا جَمِيعًا، أَوْ إمْسَاكُهُمَا وَأَخْذُ الْأَرْشِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ، فَفِيهِمَا رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا، لَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّهُمَا، أَوْ أَخْذُ الْأَرْشِ مَعَ إمْسَاكِهِمَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ يُبَعِّضُ الصَّفْقَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَا مِمَّا يَنْقُصُهُ التَّفْرِيقُ.
وَالثَّانِيَةُ، لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ، وَإِمْسَاكُ الصَّحِيحِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْمَعِيبِ عَلَى وَجْهٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْبَائِعِ، فَجَازَ كَمَا لَوْ رَدَّ الْجَمِيعَ.
وَفَارَقَ مَا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ، فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا.
وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَبِيعَيْنِ، أَوْ تَعَيَّبَ، أَوْ وَجَدَ بِالْآخَرِ أَوْ بِهِمَا عَيْبًا، فَأَرَادَ رَدَّهُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِ، لِأَنَّ قِيمَةَ التَّالِفِ إذَا زَادَتْ، زَادَ قَدْرُ مَا يَغْرَمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ وَالْغَاصِبِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَبِيعَانِ بَاقِيَيْنِ
مَعِيبَيْنِ، لَمْ يُوجَدْ فِي أَحَدِهِمَا مَا يَمْنَعُ رَدَّهُ، فَأَرَادَ رَدَّ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سِوَى الْمَنْعِ مِنْ رَدِّ أَحَدِهِمَا.
وَالْقِيَاسُ، أَنَّهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، إذْ لَوْ كَانَ إمْسَاكُ أَحَدِهِمَا مَانِعًا مِنْ الرَّدِّ فِيمَا إذَا كَانَا مَعِيبَيْنِ، لَمَنَعَ مِنْهُ إذَا كَانَ صَحِيحًا.
[فَصْلٌ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا فَوَجَدَاهُ مَعِيبًا أَوْ اشْتَرَطَا الْخِيَار فَرَضِيَ أَحَدهمَا]
(3019) فَصْلٌ: إذَا اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا فَوَجَدَاهُ مَعِيبًا، أَوْ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا.
فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، حَكَاهُمَا أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى.
إحْدَاهُمَا، لِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً غَيْرَ مُتَشَقِّصٍ، فَإِذَا رَدَّهُ مُشْتَرِكًا، رَدَّهُ نَاقِصًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ.
وَوَجْهُ الْأُولَى، أَنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ مَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِشِرَائِهِ، وَالشَّرِكَةُ إنَّمَا حَصَلَتْ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا، فَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ مُشَقَّصَةً، بِخِلَافِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ.
[فَصْلٌ وِرْث اثْنَانِ عَنْ أَبِيهِمَا خِيَار عَيْب فَرَضِيَ أَحَدهمَا]
(3020) فَصْلٌ: وَإِذَا وَرِثَ اثْنَانِ عَنْ أَبِيهِمَا خِيَارَ عَيْبٍ، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا، سَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ مِنْ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ وَحْدَهُ، تَشَقَّصَتْ السِّلْعَةُ عَلَى الْبَائِعِ، فَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى وَاحِدٍ غَيْرَ مُشَقَّصَةٍ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّ بَعْضِهَا إلَيْهِ مُشَقَّصًا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَإِنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا مُنْفَرِدًا، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ مَا بَاعَهُ إيَّاهُ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا]
(3021) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَلَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِمَا.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا، رَدَّ عَلَى الْحَاضِرِ حِصَّتَهُ بِقِسْطِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيَبْقَى نَصِيبُ الْغَائِبِ فِي يَدِهِ حَتَّى يَقْدُمَ.
وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاعَ الْعَيْنَ كُلَّهَا بِوَكَالَةِ الْآخَرِ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَاضِرُ الْوَكِيلَ أَوْ الْمُوَكَّلَ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَذَا.
فَإِنْ أَرَادَ رَدَّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَإِمْسَاكَ نَصِيبِ الْآخَرِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ جَمِيعَ مَا بَاعَهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِرَدِّهِ تَشْقِيصٌ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ مُشَقَّصًا قَبْلَ الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى حِلِّي فِضَّةٍ بِوَزْنِهِ دَرَاهِمَ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا]
(3022) فَصْلٌ: فَإِنْ اشْتَرَى حُلِيَّ فِضَّةٍ بِوَزْنِهِ دَرَاهِمَ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَلَهُ رَدُّهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ فِيمَا يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ.
فَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَرُدُّهُ؛ وَيَرُدُّ، أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، يَأْخُذُ ثَمَنَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وَرَفْعٌ لَهُ، فَلَا تَبْقَى الْمُعَاوَضَةُ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْأَرْشَ عِوَضًا عَنْ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْر بَيْعٍ، وَكَمَا لَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَفْسَخُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَيُطَالِبُ بِقِيمَةِ الْحُلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إهْمَالُ الْعَيْبِ، وَلَا أَخْذُ الْأَرْشِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ تَلِفَ الْحَلْيُ، فَإِنَّهُ يَفْسَخُ الْعَقْدَ وَيَرُدُّ قِيمَتَهُ، وَيَسْتَرْجِعُ الثَّمَنَ؛ فَإِنَّ تَلَفَ الْمَبِيعِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْفَسْخِ.
وَعِنْدِي، أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا فَسَخَ، وَجَبَ رَدُّ الْحَلْيِ وَأَرْشِ نَقْصِهِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا فَسَخَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى قِيمَتِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّهِ بِتَلَفٍ أَوْ عَجْزٍ، وَلَيْسَ فِي رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِهِ تَفَاضُلٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ زَالَتْ بِالْفَسْخِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُقَابِلٌ، وَإِنَّمَا هَذَا الْأَرْشُ بِمَنْزِلَةِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ قِيمَتَهُ إذَا زَادَتْ عَلَى وَزْنِهِ أَوْ نَقَصَتْ عَنْهُ، أَفْضَى إلَى التَّفَاضُلِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ عِوَضٌ عَنْهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَلَوْ بَاعَ قَفِيزًا مِمَّا فِيهِ الرِّبَا بِمِثْلِهِ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا أَخَذَهُ عَيْبًا يَنْقُصُ قِيمَتَهُ دَوَّنَ كَيْلِهِ، لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ أَرْشِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّفَاضُلِ.
وَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَلْيِ بِالدَّرَاهِمِ.
[مَسْأَلَةٌ ظُهْر عَلَى عَيْب بَعْدَ إعْتَاقه لَهَا أَوْ مَوْتهَا فِي مِلْكه]
(3023) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ بَعْدَ إعْتَاقِهِ لَهَا أَوْ مَوْتِهَا فِي مِلْكِهِ، فَلَهُ الْأَرْشُ) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّهُ إذَا زَالَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي عَنْ الْمَبِيعِ بِعِتْقٍ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ قَتْلٍ، أَوْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ، لَاسْتِيلَادِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَلَهُ الْأَرْشُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ فِي الْمَقْتُولِ خَاصَّةً: لَا أَرْشَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَيْبٌ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ الْأَرْشُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ، وَالْبَيْعُ لَنَا فِيهِ مَنْعٌ، وَمَعَ تَسْلِيمِهِ فَإِنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ فِيهِ.
وَأَمَّا الْهِبَةُ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ إمْكَانِ الرَّدِّ؛ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ الْمَوْهُوبِ إلَيْهِ.
وَالثَّانِيَةُ لَهُ الْأَرْشُ وَهِيَ أَوْلَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي غَيْرهَا؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَهُ، وَإِمْكَانُ الرَّدِّ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ أَخْذِ الْأَرْشِ عِنْدَنَا؛ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ الْهِبَةِ.
وَإِنْ أَكَلَ الطَّعَامَ أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ، فَأَتْلَفَهُ، رَجَعَ بِأَرْشِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَهْلَكَ الْعَيْنَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَا اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ، وَلَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
(3024) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ بَاعَ الْمَعِيبَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ: لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ مَعِيبًا بِتَصَرُّفِهِ فِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ؛ لِأَنَّ لَهُ إمْسَاكَ الْمَبِيعِ، وَالْمُطَالَبَةَ بِأَرْشِهِ، وَهَذَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إمْسَاكِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِعَيْبِهِ.
وَلِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوفِهِ مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ،
فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ.
وَلِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ بِالْعَيْبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَصَرُّفِهِ فِيمَا سِوَاهُ؛ كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، فَأَقْبَضَهُ تِسْعَةً، فَتَصَرَّفَ فِيهَا.
[فَصْلٌ تَصْرِف فِي الْمَبِيع تَصْرِفَا دَالًا عَلَى الرِّضَا بِهِ قَبْلَ عِلْمه بِالْعَيْبِ]
(3025) فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَغَلَّ الْمَبِيعَ، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا دَالًّا عَلَى الرِّضَا بِهِ، قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ مَعِيبًا.
وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ، بَطَلَ خِيَارُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ الْحَسَنُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، يَقُولُونَ: إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً، فَعَرَضَهَا عَلَى الْبَيْعِ، لَزِمَتْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَأَمَّا الْأَرْشُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَسْتَحِقُّهُ أَيْضًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْشِ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَنَا أَقُولُ: إذَا اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ، وَأَرَادَ نُقْصَانَ الْعَيْبِ، فَلَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا إنْ احْتَلَبَ اللَّبَنَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ، لَمْ يَسْقُطْ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُ، فَمَلَكَ اسْتِيفَاءَهُ مِنْ الْمَبِيعِ الَّذِي يُرِيدُ رَدَّهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا، أَوْ لِيَسْقِيَهَا، أَوْ لِيَرُدَّهَا عَلَى بَائِعِهَا.
وَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْأَمَةَ لِيَخْتَبِرَهَا، أَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرِضًا بِالْمَبِيعِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ.
وَإِنْ اسْتَخْدَمَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ اسْتِخْدَامًا كَثِيرًا، بَطَلَ رَدُّهُ، فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَا تَخْتَصُّ الْمِلْكَ، لَمْ يَبْطُلْ الْخِيَارُ.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إذَا اشْتَرَى عَبْدًا، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَاسْتَخْدَمَهُ بِأَنْ يَقُولَ: نَاوِلْنِي هَذَا الثَّوْبَ.
يَعْنِي بَطَلَ خِيَارُهُ.
فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ هَذَا؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ أَخَذُوا هَذَا؟ لَيْسَ هَذَا بِرِضًى حَتَّى يَكُونَ شَيْءٌ يَبِينُ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي بُطْلَانِ الْخِيَارِ بِالِاسْتِخْدَامِ رِوَايَتَانِ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ هَاهُنَا.
[فَصْلٌ أَبَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ]
(3026) فَصْلٌ: وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، فَلَهُ أَخْذُ أَرْشِهِ.
فَإِنْ أَخَذَهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعَبْدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفَ الْإِبَاقِ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَقَدْ تَعَيَّبَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ يَمْلِكُ رَدَّهُ وَرَدَّ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَالْأَرْشُ الَّذِي أَخَذَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ آبِقًا، فَلَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْأَرْشِ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُ أَرْشِهِ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، إلَّا أَنْ يَهْلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ رَدِّهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَعِيبٌ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ أَرْشُهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ، وَفِي الْبَيْعِ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ]
(3027) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ، فَهُوَ لَهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي الرِّقَابِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّقَبَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ، فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَلِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا صَادَفَ الرَّقَبَةَ الْمَعِيبَةَ، وَالْجُزْءُ الَّذِي أَخَذَ بَدَلَهُ مَا تَنَاوَلَهُ عِتْقٌ، وَلَا كَانَ مَوْجُودًا، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْعَبْدِ، إنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، جُعِلَ مُقَابِلًا لِلْجُزْءِ الْفَائِتِ، فَلَمَّا لَمْ يُحَصِّلْ ذَلِكَ الْجُزْءَ مِنْ الْمَبِيعِ، رَجَعَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلِهَذَا رَجَعَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ، لَا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يُحْمَلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، لَا عَلَى وُجُوبِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَلِهَا، كَالْمُكَاتَبِ إذَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَرْشُ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ، فَكَانَ لَهُ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِعِتْقِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُتَبَايِعِينَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَيْب]
(3028) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ، أَوْ بَعْدَهُ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي، وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ أَوْ الْأَرْشُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ، هَلْ كَانَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ حَدَثَ عِنْد الْمُشْتَرِي؟ لَمْ يَخْلُ مِنْ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنْ لَا يَحْتَمِلَ إلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا، كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، وَالشَّجَّةِ الْمُنْدَمِلَةِ، الَّتِي لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ مِثْلِهَا، وَالْجُرْحِ الطَّرِيِّ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ قَدِيمًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مِنْ يَدَّعِي ذَلِكَ، بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ صِدْقَهُ، وَكَذِبَ خَصْمِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِحْلَافِهِ.
وَالثَّانِي، أَنْ يَحْتَمِلَ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَالْخَرْقِ فِي الثَّوْبِ وَالرَّفْوِ، وَنَحْوِهِمَا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هَذَا الْعَيْبُ، أَوْ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ وَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ، وَاسْتِحْقَاقُ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلُزُومُ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ.
وَالثَّانِيَةُ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، فَيَحْلِفُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ، إنْ أَجَابَ إنَّنِي بِعْتُهُ بَرِيئًا مِنْ الْعَيْبِ، حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ، عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الرَّدِّ، حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَمِينُهُ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا عَلَى الْبَتِّ، لَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ، وَصِحَّةُ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ فَسْخِ الْبَيْعِ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
[فَصْلٌ بَاعَ الْوَكِيلُ ثُمَّ ظُهْر الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهِ]
(3029) فَصْلٌ: وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهِ، فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ، عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ، فَأَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ، وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّدَّ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِهِ
عَلَى مُوَكِّلِهِ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِذَلِكَ.
وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ، لَمْ يَمْلِكْ الْوَكِيلُ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ بِإِقْرَارِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى غَيْرِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
فَإِنْ أَنْكَرَهُ الْوَكِيلُ فَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، فَنَكِلَ عَنْهَا، فَرُدَّ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى إقْرَارِهِ.
وَالثَّانِي، لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى جَارِيَة عَلَى أَنَّهَا بَكْر ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هِيَ ثَيِّب]
(3030) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّمَا هِيَ ثَيِّبٌ.
أَرَيْت النَّسَاءَ الثِّقَاتِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ.
فَإِنْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، وَقَالَ: مَا أَصَبْتهَا بِكْرًا.
خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ الْحَادِثِ.
[فَصْلٌ رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَة بِعَيْبِ فِيهَا فَأَنْكَرَ الْبَائِع كَوَّنَهَا سِلْعَته]
(3031) فَصْلٌ: وَإِنْ رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ فِيهَا، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ كَوْنَهَا سِلْعَتَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَنَحْوَهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ رَجَعَ بِدِرْهَمٍ، فَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: لَيْسَ هَذَا دِرْهَمِي يَحْلِفُ الصَّيْرَفِيُّ: بِاَللَّهِ لَقَدْ وَفَّيْتُكَهُ، وَيَبْرَأُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُنْكِرٌ كَوْنَ هَذِهِ سِلْعَتَهُ، وَمُنْكِرٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
فَأَمَّا إنْ جَاءَ لِيَرُدَّ السِّلْعَةَ بِخِيَارٍ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِهِ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى شَيْئًا مَأْكُوله فِي جَوْفه فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا]
(3032) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا، مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ، فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ، كَجَوْزِ الْهِنْدِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الرَّدِّ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْكَسْرِ، أَوْ يَأْخُذُ مَا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَا لَا يُطَّلَعُ عَلَى عَيْبِهِ إلَّا بِكَسْرِهِ، كَالْبِطِّيخِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ، فَكَسَرَهُ فَبَانَ عَيْبُهُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَائِعِ تَدْلِيسٌ، وَلَا تَفْرِيطٌ؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِعَيْبِهِ، وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ إلَّا بِكَسْرِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ اقْتَضَى السَّلَامَةَ مِنْ عَيْبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا بَانَ مَعِيبًا، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَ الْمَعِيبِ،
دُونَ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ صَحِيحًا، فَلَا مَعْنًى لِإِيجَابِ الثَّمَنِ كُلِّهِ، وَكَوْنُهُ لَمْ يُفَرِّطْ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ لَهُ ثَمَنُ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ؛ بِدَلِيلِ الْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ فِي الْعَبْدِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ مَكْسُورًا، كَبِيضِ الدَّجَاجِ الْفَاسِدِ، وَالرُّمَّانِ الْأَسْوَدِ، وَالْجَوْزِ الْخَرِبِ، وَالْبِطِّيخِ التَّالِفِ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَيَّنَ بِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِكَوْنِهِ وَقَعَ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، كَالْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مِمَّا لِمَعِيبِهِ قِيمَةٌ، كَجَوْزِ الْهِنْدِ، وَبَيْضِ النَّعَامِ، وَالْبِطِّيخِ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ، وَنَحْوِهِ، فَإِذَا كَسَرَهُ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ كَسْرًا لَا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ عَيْبِهِ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي لَا أَرْشَ عَلَيْهِ لِكَسْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا تُعْلَمُ لَهُ صِحَّتُهُ مِنْ فَسَادِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
أَنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ، فَلَزِمَ رَدُّ أَرْشِهِ، كَلَبَنِ الْمُصَرَّاةِ إذَا حَلَبَهَا، وَالْبِكْرِ إذَا وَطِئَهَا، وَبِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ مِنْ الْبَائِعَ، وَالتَّصْرِيَةُ حَصَلَتْ بِتَدْلِيسِهِ، وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْلِفُ الْمَبِيعَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَيْضًا.
وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، وَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لَا يُبْقِي لَهُ قِيمَةً، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ، لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ، وَقَدْرُ أَرْشِ الْعَيْبِ قِسْطُ مَا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنْ الثَّمَنِ، فَيُقَوَّمُ الْمَبِيعُ صَحِيحًا، ثُمَّ يُقَوَّمُ مَعِيبًا غَيْرَ مَكْسُورٍ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ.
عَلَى مَا مَضَى شَرْحُهُ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى ثَوْبًا فَنَشَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا]
(3033) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَنَشَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقُصُهُ النَّشْرُ، رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهُ النَّشْرُ، كالهسنجاني، الَّذِي يُطْوَى طَاقَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ، جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى جَوْزِ الْهِنْدِ، عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، فِيمَا إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ، أَوْ زَادَ، كَنَشْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ.
وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ أَرْشِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْب]
(3034) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَهُ أَرْشُهُ لَا غَيْرُ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ رَدَّهُ.
وَأَخْذَ زِيَادَتِهِ بِالصَّبْغِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ، فَلَا تَمْنَعُ الرَّدَّ، كَالسَّمْنِ
وَالْكُسْبِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى قَبُولِهَا، كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَفَارَقَ السَّمْنَ وَالْكُسْبَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ عَنْ السَّمْنِ عِوَضًا، وَالْكُسْبُ لِلْمُشْتَرِي لَا يَرُدُّهُ، وَلَا يُعَاوَضُ عَنْهُ.
وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَنَا آخُذُهُ، وَأُعْطِي قِيمَةَ الصَّبْغِ.
لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ رَدُّهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ الْأَرْشِ، كَمَا لَوْ سَمِنَ عَبْدُهُ، أَوْ كَسَبَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهُ، إلَّا بِرَدِّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ رَدِّهِ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ، فَطَلَبَ الْبَائِعُ أَخْذَهُ مَعَ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ.
وَالْأَصْلُ لَا نُسَلِّمُهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْأَرْشِ إذَا أَرَادَهُ بِكُلِّ حَالٍ.
[فَصْلٌ بَيْعُ الْعَبْد الْجَانَّيْ]
(3035) فَصْلٌ: يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ، عَمْدًا أَوْ خَطَأً، عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَمَنَعَ صِحَّةَ بَيْعِهِ، كَالرَّهْنِ، بَلْ حَقُّ الْجِنَايَةِ آكَدُ؛ لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الْجَانِي، يَمْلِكُ أَدَاءَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْبَيْعَ، كَالزَّكَاةِ، أَوْ حَقٌّ يَثْبُتُ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ بَيْعَهُ، كَالدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ تَصَرُّفٌ فِي الْجَانِي، فَجَازَ، كَالْعِتْقِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ قِصَاصًا، فَهُوَ تُرْجَى سَلَامَتُهُ وَيُخْشَى تَلَفُهُ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ.
أَمَّا الرَّهْنُ، فَإِنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِيهِ، لَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إبْدَالَهُ، ثَبَتَ الْحَقُّ فِيهِ بِرِضَاهُ، وَثِيقَةً لِلدَّيْنِ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ بِالْبَيْعِ، سَقَطَ حَقُّ الْوَثِيقَةِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِرِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى بَاعَهُ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، أَوْ الْقَوَدِ، فَعُفِيَ عَنْهُ إلَى مَالٍ، فَعَلَى السَّيِّدِ فِدَاؤُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَيَزُولُ الْحَقُّ عَنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ الْخِيرَةَ، بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَفِدَائِهِ.
فَإِنْ بَاعَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ؛ لِإِخْرَاجِ الْعَبْدِ مِنْ مِلْكِهِ.
وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ، إذْ الرُّجُوعُ عَلَى غَيْرِهِ، هَذَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ فِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ الْتَزَمَ فِدَاءَهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: أَنَا أَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ الرَّهْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْجَانِي، فَلَزِمَهُ فِدَاؤُهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ رَقَبَةِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَمْلِكُ نَقْلَ حَقِّهِ عَنْ رَقَبَتِهِ بِفِدَائِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ، فَيَبْقَى الْحَقُّ فِي رَقَبَتِهِ بِحَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي.
وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ، إنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِبَقَاءِ الْحَقِّ فِي رَقَبَتِهِ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ مُسْتَوْعِبَةً لِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، فَأَخَذَ بِهَا، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ أَيْضًا، لِأَنَّ أَرْشَ مِثْلِ هَذَا جَمِيعُ ثَمَنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَوْعِبَةٍ لِرَقَبَتِهِ، رَجَعَ بِقَدْرِ أَرْشِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، رَاضِيًا بِتَعَلُّقِ الْحَقِّ
بِهِ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ.
فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي فِدَاءَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَالْبَيْعُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَائِعِ فِي الْخِيرَةِ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَفِدَائِهِ، وَحُكْمُهُ فِي الرُّجُوعِ بِمَا فَدَاهُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ حُكْمُ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ.
فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، بَيْنَ الرَّدِّ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، فَإِنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ تَعَيَّنَ الْأَرْشُ، وَهُوَ قِسْطُ قِيمَتِهِ مَا بَيْنَهُ جَانِيًا وَغَيْرَ جَانٍ، وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ مِنْ أَصْلِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ تَلَفَهُ كَانَ بِمَعْنًى اُسْتُحِقَّ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَجَرَى مَجْرَى إتْلَافِهِ إيَّاهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَلِفَ عِنْد الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، فَلَمْ يُوجِبْ الرُّجُوعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا، فَمَاتَ بِدَائِهِ، أَوْ مُرْتَدًّا، فَقُتِلَ بِرِدَّتِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَى إتْلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ، فَمَا اشْتَرَكَا فِي الْمُقْتَضِي.
وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِقَطْعِ يَدِهِ، فَقُطِعَتْ عِنْد الْمُشْتَرِي، فَقَدْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَطْعِ دُونَ حَقِيقَتِهِ، فَهَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ رَدَّهُ بِعَيْبِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَتَى اشْتَرَاهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ؛ وَلَا أَرْشٌ، كَسَائِرِ الْمَعِيبَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
(3036) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُرْتَدِّ حُكْمُ الْقَاتِلِ، فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، فَإِنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ؛ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ.
وَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ فِي الْمُحَارَبَةِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ حَتَّى قُدِرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْقَاتِلِ فِي غَيْرِ مُحَارَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ قِنٌّ، يَصِحُّ إعْتَاقُهُ، وَيَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ، فَصَحَّ بَيْعُهُ، كَغَيْرِ الْقَاتِلِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَى حَالِ قَتْلِهِ، وَيَعْتِقُهُ فَيَنْجَرُّ بِهِ وَلَاءُ أَوْلَادِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَالْمَرِيضِ الْمَأْيُوسِ مِنْ بُرْئِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ وَإِذْهَابُ مَالِيَّتِهِ، وَحَرُمَ إبْقَاؤُهُ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْ الْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ، وَهَذِهِ الْمَنْفَعَةُ الْيَسِيرَةُ مُفْضِيَةٌ بِهِ إلَى قَتْلِهِ لَا يَتَمَهَّدُ بِهَا مَحِلًّا لِلْبَيْعِ، كَالْمَنْفَعَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْمَيْتَةِ؛ لِسَدِّ بَثْقٍ، أَوْ إطْعَامِ كَلْبٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنَّهُ كَانَ مَحِلًّا لِلْبَيْعِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ ذَلِكَ فِيهِ، وَانْحِتَامُ إتْلَافِهِ لَا يَجْعَلُهُ تَالِفًا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ أَحْكَامَ الْحَيَاةِ، مِنْ التَّكْلِيفِ وَغَيْرِهِ، لَا تَسْقُطُ عَنْهُ، وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْمَوْتَى لَهُ، مِنْ إرْثِ مَالِهِ، وَنُفُوذِ وَصِيَّتِهِ وَغَيْرِهَا، وَلِأَنَّ خُرُوجَهُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ، فِيمَا مَضَى، وَلَا فِي الْحَالِ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا التَّحَتُّمَ يُمْكِنُ زَوَالُهُ؛ لِزَوَالِ مَا ثَبَتَ بِهِ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِهِ، أَوْ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ زَوَالُهُ، فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ تَحَقُّقُ تَلَفِهِ، وَذَلِكَ يَجْعَلُهُ كَالْمَرِيضِ الْمَأْيُوسِ مِنْ بُرْئِهِ، وَبَيْعُهُ جَائِزٌ.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ عَبْده أَوْ جَارِيَته وَلَهُ مَال مِلْكه إيَّاهُ مَوْلَاهُ أَوْ خَصَّهُ بِهِ]
(3037) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ، إذَا كَانَ قَصْدُهُ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَالِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ السَّيِّدَ إذَا بَاعَ عَبْدَهُ، أَوْ جَارِيَتَهُ، وَلَهُ مَالٌ مَلَّكَهُ إيَّاهُ مَوْلَاهُ، أَوْ خَصَّهُ بِهِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ لِلْبَائِعِ، فَإِذَا بَاعَ الْعَبْدَ اخْتَصَّ الْبَيْعُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا.
وَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ كَانَ لَهُ؛ لِلْخَبَرِ، وَرَوَى ذَلِكَ نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
قَالَ الْخِرَقِيِّ: إذَا كَانَ قَصْدُهُ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَالِ.
هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ.
وَمَعْنَاهُ، أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْبَيْعِ شِرَاءَ مَالِ الْعَبْدِ، إنَّمَا يَقْصِدُ بَقَاءَ الْمَالِ لِعَبْدِهِ، وَإِقْرَارَهُ فِي يَدِهِ، فَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ، صَحَّ اشْتِرَاطُهُ، وَدَخَلَ فِي الْبَيْعِ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
قَالَ الْبَتِّيُّ: إذَا بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمَعَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ رَغْبَةُ الْمُبْتَاعِ فِي الْعَبْدِ لَا فِي الدَّرَاهِمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَأَشْبَهَ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ، وَالتَّمْوِيهَ بِالذَّهَبِ فِي السُّقُوفِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَالُ مَقْصُودًا بِالشِّرَاءِ، جَازَ اشْتِرَاطُهُ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْبَيْعِ، مِنْ الْعِلْمِ بِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَنِ رَبًّا، كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْعَيْنَيْنِ الْمَبِيعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَقْصُودٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَمَّ إلَى الْعَبْدِ عَيْنًا أُخْرَى وَبَاعَهُمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ يَمْلِكُ أَوْ لَا يَمْلِكُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ.
فَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَالَهُ صَارَ مَبِيعًا مَعَهُ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ.
اُحْتُمِلَتْ فِيهِ الْجَهَالَةُ وَغَيْرُهَا مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِي الْبَيْعِ لَا أَصْلٌ، فَأَشْبَهَ طَيَّ الْآبَارِ.
وَهَذَا خِلَافُ نَصِّ أَحْمَدَ وَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا جَعَلَا الشَّرْطَ الَّذِي يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِهِ قَصْدَ الْمُشْتَرِي دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاحْتِمَالُ الْجَهَالَةِ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، كَاللَّبَنِ فِي ضَرْعِ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ، وَالْحَمْلِ فِي بَطْنِهَا، وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِهَا، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَبِيعٌ، وَيَحْتَمِلُ فِيهِ الْجَهَالَةَ وَغَيْرَهَا، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمَبِيعٍ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا اسْتِبْقَاءُ الْمُشْتَرِي عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ لَا يَزُولُ عَنْهُ إلَى الْبَائِعِ.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدًا وَاشْتَرَطَ مَاله ثُمَّ رَدَّ الْعَبْد بِعَيْبِ أَوْ خِيَار أَوْ إقَالَة]
(3038) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا، وَاشْتَرَطَ مَالُهُ، ثُمَّ رَدَّ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ، رَدَّ مَالَهُ مَعَهُ.
وَقَالَ دَاوُد: يَرُدُّ الْعَبْدَ دُونَ مَالِهِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ، فَأَشْبَهَ النَّمَاءَ الْحَادِثَ عِنْدَهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي، لَا تَحْصُلُ بِدُونِ الْبَيْعِ، فَيَرُدُّهَا بِالْفَسْخِ، كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ ذَا مَالٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ، فَأَخْذُ مَالِهِ يَنْقُصُ قِيمَتَهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا يُزِيلُ نَقْصَهُ.
فَإِنْ تَلِفَ مَالُهُ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْد الْمُشْتَرِي، هَلْ يَمْنَعُ الرَّدَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَرُدُّهُ.
فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِي رَجُلٍ اشْتَرَى أَمَةً مَعَهَا قِنَاعٌ، فَاشْتَرَطَهُ، وَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، وَقَدْ تَلِفَ الْقِنَاعُ: غَرِمَ قِيمَتَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
(3039) فَصْلٌ: وَمَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ الْجَارِيَةِ مِنْ الْحُلِيِّ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَالِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا الثِّيَابُ فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ يَلْبَسهُ عِنْد الْبَائِع، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا يَلْبَسُهَا فَوْقَ ثِيَابِهِ، أَوْ شَيْئًا يُزَيِّنُهُ بِهِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
يَعْنِي أَنَّ الثِّيَابَ الَّتِي يَلْبَسُهَا عَادَةً لِلْخِدْمَةِ وَالْبِذْلَةِ، تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، دَوَّنَ الثِّيَابِ الَّتِي يَتَجَمَّلُ بِهَا؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا مَعَهُ، وَلِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصْلَحَتُهُ وَحَاجَتُهُ، إذْ لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهَا، فَجَرَتْ مَجْرَى مَفَاتِيحِ الدَّارِ، بِخِلَافِ ثِيَابِ الْجَمَالِ، فَإِنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا حَاجَةُ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُلْبِسُهَا إيَّاهُ لِيُنْفِقَهُ بِهَا، وَهَذِهِ حَاجَةُ السَّيِّدِ، لَا حَاجَةُ الْعَبْدِ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهَا، فَجَرَتْ مَجْرَى السُّتُورِ فِي الدَّارِ وَالدَّابَّةِ الَّتِي يَرْكَبُهُ عَلَيْهَا، مَعَ دُخُولِهَا فِي الْخَبَرِ، وَبَقَائِهَا عَلَى الْأَصْلِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَر: مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً، زَيَّنَهَا بِثِيَابٍ، فَلِلَّذِي اشْتَرَاهَا مَا عَلَيْهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الَّذِي بَاعَهَا.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ وَلَنَا، الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ.
وَلِأَنَّ الثِّيَابَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا لَفْظُ الْبَيْعِ، وَلَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا مَعَهُ، أَشْبَهَ سَائِرَ مَالِ الْبَائِعِ.
وَلِأَنَّهُ زِينَةٌ لِلْمَبِيعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَيَّنَ الدَّارَ بِبِسَاطٍ أَوْ سِتْرٍ.
[فَصْلٌ لَا يَمْلِك الْعَبْد شَيْئًا إذَا لَمْ يَمْلِكهُ سَيِّده]
(3040) فَصْلٌ: وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا، إذَا لَمْ يُمَلِّكْهُ سَيِّدُهُ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يَمْلِكُ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ» . فَأَضَافَ الْمَالَ إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] . وَلِأَنَّ سَيِّدَهُ يَمْلِكُ عَيْنَهُ وَمَنَافِعَهُ، فَمَا حَصَلَ بِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِهِ، كَبَهِيمَتِهِ.
فَأَمَّا إنَّ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ شَيْئًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَمْلِكُهُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالسَّيِّدُ يُزَكِّي عَمَّا فِي يَدِ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ.
وَقَالَ: وَالْعَبْدُ لَا يَرِثُ، وَلَا مَالَ لَهُ فَيُورَثُ عَنْهُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَلَمْ يَمْلِكْ، كَالْبَهِيمَةِ.
وَالثَّانِي، يَمْلِكُ.
وَهِيَ أَصَحُّ عِنْدِي.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ حَيٌّ، فَمَلَكَ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ فِي النِّكَاحِ، فَمَلَكَ فِي الْمَالِ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَعْلِيلٌ بِالْمَانِعِ، وَلَا يَثْبُتُ اعْتِبَارُهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضِي فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ
فِي الْبَهِيمَةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهَا، وَإِنَّمَا انْتَفَى مِلْكُهَا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لَهُ، لَا لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً، وَكَوْنُهَا مَمْلُوكَةً عَدِيمُ الْأَثَرِ، فَإِنَّ سَائِرَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً مِنْ الصَّيُودِ وَالْوُحُوشِ، لَا تُمَلَّكُ، وَكَذَلِكَ الْجَمَادَاتُ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ مَانِعًا، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمُقْتَضِي، لَزِمَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ.
وَاَللَّه أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ سِلْعَة بِثَمَنِ مُؤَجَّل ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا]
مَسْأَلَةٌ قَالَ وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا فَجَازَ مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا.
وَلَنَا، مَا رَوَى غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَتِهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ أَيْفَعَ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلْت أَنَا وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَامْرَأَتُهُ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَيْته مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ لَهَا: بِئْسَ مَا شَرَيْت، وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنْ يَتُوبَ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُ مِثْلَ هَذَا التَّغْلِيظِ وَتُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلَّا بِتَوْقِيفٍ سَمِعَتْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَرَى مَجْرَى رِوَايَتِهَا ذَلِكَ عَنْهُ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ السِّلْعَةَ، لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى مِائَةً بِخَمْسِينَ بَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ.
يَعْنِي خِرْقَةَ حَرِيرٍ جَعَلَاهَا فِي بَيْعِهِمَا.
وَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَأَمَّا بَيْعُهَا بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَرِيعَةً.
وَهَذَا إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تَنْقُصْ عَنْ حَالَةِ الْبَيْعِ، فَإِنْ نَقَصَتْ، مِثْلُ إنْ هَزَلَ الْعَبْدُ، أَوْ نَسِيَ صِنَاعَةً، أَوْ تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، أَوْ بَلِيَ جَازَ لَهُ شِرَاؤُهَا بِمَا شَاءَ لِأَنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ الْمَبِيعِ لَا لِلتَّوَسُّلِ إلَى الرِّبَا.
وَإِنْ نَقَصَ سِعْرُهَا، أَوْ زَادَ لِذَلِكَ أَوْ لِمَعْنًى حَدَثَ فِيهَا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ.
(3042) فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ كَانَ بَيْعُهَا الْأَوَّلُ بِعَرْضٍ، فَاشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ جَازَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا كَانَ لِشُبْهَةِ الرِّبَا، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ.
فَأَمَّا إنْ بَاعَهَا بِنَقْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهَا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا.
فَجَازَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلَى الرِّبَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا بِجِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا أَصَحُّ.
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(3043)
فَصْلٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ.
قَالَ الشَّاعِرُ
أَنِدَّانِ أَمْ نَعْتَانِ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا ... فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مُيِّزَتْ مَضَارِبُهُ
فَقَوْلُهُ: نَعْتَانِ.
أَيْ نَشْتَرِي عِينَةً مِثْلَمَا وَصَفْنَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ» . وَهَذَا وَعِيدٌ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ الْعِينَةُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الرَّجُلِ الْمَتَاعُ، فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا بِنَسِيئَةٍ، فَإِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ فَلَا بَأْسَ.
وَقَالَ: أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تِجَارَةٌ غَيْرُ الْعِينَةِ لَا يَبِيعُ بِنَقْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِهَا الرِّبَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْبَائِعَ بِنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيَادَةَ بِالْأَجَلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِينَةُ اسْمًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِلْبَيْعِ بِنَسِيئَةٍ جَمِيعًا، لَكِنَّ الْبَيْعَ بِنَسِيئَةٍ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ اتِّفَاقًا، وَلَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تِجَارَةٌ غَيْرُهُ.
.
[فَصْلٌ بَاعَ سِلْعَة بِنَقْدِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَر مِنْهُ نَسِيئَة]
(3044) فَصْلٌ وَإِنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَقْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسِيئَةً، فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُغَيِّرَ السِّلْعَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً إلَى الرِّبَا، فَأَشْبَهَ مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ، أَوْ بِسِلْعَةٍ أُخْرَى، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً، جَازَ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ شِرَاؤُهَا بِجِنْسِ الثَّمَنِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ، أَوْ حِيلَةٍ، فَلَا يَجُوزُ.
وَإِنْ
وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حِلُّ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ بِالْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ التَّوَسُّلَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ مَا دُونَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(3045) فَصْلٌ: وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ.
لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ أَبَاهُ، أَوْ ابْنَهُ، أَوْ غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْبَائِعِ وَيَشْتَرِي لِنَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ
[فَصْلٌ بَاعَ طَعَامًا إلَى أَجَل فَلَمَّا حَلَّ أَخَذَ مِنْهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي فِي ذِمَّته طَعَامًا قَبْلَ قَبَضَهُ]
(3046) فَصْلٌ وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مِنْهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ طَعَامًا قَبْلَ قَبْضِهِ، لَمْ يَجُزْ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَطَاوُسٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَجَازَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَك فِي ذَلِكَ رَأْيٌ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ: بِعْت تَمْرًا مِنْ التَّمَّارِينَ، كُلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ وَجَدْت عِنْدَ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَمْرًا يَبِيعُهُ أَرْبَعَةَ آصُعٍ بِدِرْهَمٍ، فَاشْتَرَيْت مِنْهُ، فَسَأَلْت عِكْرِمَةَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ، أَخَذْت أُنْقَصَ مِمَّا بِعْت.
ثُمَّ سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرْته بُقُولِ عِكْرِمَةَ فَقَالَ: كَذَبَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ مَا بِعْت مِنْ شَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ بِمِكْيَالٍ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ بِمِكْيَالٍ، إلَّا وَرِقًا أَوْ ذَهَبًا، فَإِذَا أَخَذْت وَرِقَك، فَابْتَعْ مِمَّنْ شِئْت مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَرَجَعْت، فَإِذَا عِكْرِمَةُ قَدْ طَلَبَنِي، فَقَالَ: الَّذِي قُلْت لَك هُوَ حَلَالٌ هُوَ حَرَامٌ.
فَقُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إنَّ فَضَلَ لِي عِنْدَهُ فَضْلٌ؟ قَالَ: فَأَعْطِهِ أَنْتَ الْكَسْرَ، وَخُذْ مِنْهُ الدِّرْهَمَ وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً، فَحَرُمَ كَمَسْأَلَةِ الْعِينَةِ، فَعَلَى هَذَا، كُلُّ شَيْئَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ أَحَدُهُمَا عِوَضًا عَنْ الْآخَرِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ، إذَا كَانَ الْبَيْعُ نِسَاءً.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا.
وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فِيمَا حَكَيْنَا عَنْهُ.
وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي جَوَازُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ حِيلَةً وَلَا قَصَدَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، فِيمَا يَرْوِي عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ قَدِمْت عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَقُلْت لَهُ: إنِّي أَجُذُّ نَخْلِي، وَأَبِيعُ مِمَّنْ حَضَرَنِي التَّمْرَ إلَى أَجَلٍ، فَيَقْدَمُونَ بِالْحِنْطَةِ، وَقَدْ حَلَّ ذَلِكَ الْأَجَلُ، فَيُوقِفُونَهَا بِالسُّوقِ، فَأَبْتَاعُ مِنْهُمْ وَأُقَاصُّهُمْ.
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْك عَلَى رَأْيٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الطَّعَامَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ أَوَّلَ لُزُومِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ الْأُوَلُ حَيَوَانًا أَوْ ثِيَابًا، وَلِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِالثَّمَنِ طَعَامًا، وَلَكِنْ اشْتَرَى
مِنْ الْمُشْتَرِي طَعَامًا بِدَرَاهِمَ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ وَفَاءً، أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهَا إلَيْهِ، لَكِنْ قَاصَّهُ بِهَا، كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْره بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلّ عَيْب]
(3047) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَنْ بَاعَ حَيَوَانًا، أَوْ غَيْرَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ يَبْرَأْ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ، فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: لَا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا سَمَّى.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا أَرَاهُ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ.
لِأَنَّهُ مُرْفَقٌ فِي الْبَيْعِ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْطِ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الْجَهْلِ، كَالْخِيَارِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ عَلِمَهُ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَنَحْوُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ عَبْدًا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ، بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَصَابَ بِهِ زَيْدٌ عَيْبًا، فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ، فَتَرَافَعَا إلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ: تَحْلِفُ أَنَّك لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ؟ فَقَالَ: لَا.
فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَبَاعَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اُشْتُهِرَتْ، فَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَجَازَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَجْهُولِ فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَهِمَا، وَتَوَخَّيَا، وَلْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ، وَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لَا تَسْلِيمَ فِيهِ، فَصَحَّ مِنْ الْمَجْهُولِ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ، فَمَا ثَبَتَ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ فِي الْآخَرِ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ قَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمُخَالِفُ لَا يَبْقَى حُجَّةً.
(3048)
فَصْلٌ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ.
فَشَرْطُهُ لَمْ يُفْسِدْ الْبَيْعَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَاعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُمْنَعُ الرَّدُّ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا تُفْسِدُ الْعَقْدَ، فَيَدْخُلُ فِيهَا هَذَا الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ بِهَذَا الثَّمَنِ عِوَضًا عَنْهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا فَسَدَ الشَّرْطُ فَاتَ الرِّضَى بِهِ، فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ لِعَدَمِ التَّرَاضِي بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْع الْمُرَابَحَة]
(3049) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَنْ بَاعَ شَيْئًا مُرَابَحَةً، فَعَلِمَ أَنَّهُ زَادَ فِي رَأْسِ مَالِهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ وَحَطَّهَا مِنْ الرِّبْحِ مَعْنَى بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، هُوَ الْبَيْعُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحٍ مَعْلُومٍ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُمَا بِرَأْسِ الْمَالِ فَيَقُولُ: رَأْسُ مَالِي فِيهِ أَوْ هُوَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ بِعْتُك بِهَا، وَرِبْحُ عَشَرَةٍ، فَهَذَا جَائِزٌ لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ كَرَاهَةً.
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك بِرَأْسِ مَالِي فِيهِ وَهُوَ مِائَةٌ، وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا، أَوْ قَالَ: ده يازده.
أَوْ ده داوزده.
فَقَدْ كَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ لَا يَجُوزُ.
لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ حَالَ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ فِي الْحِسَابِ.
وَرَخَّصَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَشُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ مَعْلُومٌ وَالرِّبْحَ مَعْلُومٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَرِبْحُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ.
وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَرِهَاهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْجَهَالَةِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْهَا أَوْلَى.
وَهَذِهِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْجَهَالَةُ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِالْحِسَابِ، فَلَمْ تَضُرَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ صُبْرَةً كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ بِهِ فِي الْحِسَابِ، فَمَجْهُولٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، فَنَقُولُ: مَتَى بَاعَ شَيْئًا بِرَأْسِ مَالِهِ، وَرِبْحِ عَشَرَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ بِتَنْبِيهٍ أَوْ إقْرَارٍ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ تِسْعُونَ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ، كَالْعَيْبِ وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا زَادَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ عَشَرَةٌ، وَحَطَّهَا مِنْ الرِّبْحِ، وَهُوَ دِرْهَمٌ، فَيَبْقَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَخْذِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ يَتْرُكُ قِيَاسًا عَلَى الْمَعِيبِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَمَا قَدَّرَهُ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِذَا بَانَ رَأْسُ مَالِهِ قَدْرًا مَبِيعًا بِهِ وَبِالزِّيَادَةِ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا، وَالْمَعِيبُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا، فَإِنَّ لَهُ أَخْذَ الْأَرْشِ، ثُمَّ الْمَعِيبُ لَمْ يَرْضَ بِهِ، إلَّا بِالثَّمَنِ الْمَذْكُورِ، وَهَاهُنَا رَضِيَ فِيهِ بِرَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ الْمُقَرَّرِ.
وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ؟ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ.
نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَأْمَنُ الْجِنَايَةَ فِي هَذَا الثَّمَنِ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ بِعَيْنِهِ؛ لِكَوْنِهِ حَالِفًا، أَوْ وَكِيلًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَهُ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ، فَإِذَا حَصَلَ لَهُ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ، فَبَانَ صَحِيحًا، أَوْ أُمِّيٌّ، فَبَانَ صَانِعًا أَوْ كَاتِبًا أَوْ وُكِّلَ فِي شِرَاءٍ مُعَيَّنٍ بِمِائَةٍ،
فَاشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ.
وَأَمَّا الْبَائِعُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ.
(3050) فَصْلٌ وَإِذَا أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِثَمَنِ السِّلْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، لَمْ تَتَغَيَّرْ، أَخْبَرَ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، لَمْ يُجَزِّئْهُ، وَيُخْبِرُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، لَا غَيْرُ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، لَا يَكُونُ عِوَضًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ، وَيُخْبِرُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَحِقَ بِالْعَقْدِ، وَأَخْبَرَ بِهِ فِي الثَّمَنِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
فَإِنْ تَغَيَّرَ سِعْرُهَا دُونَهَا، فَإِنْ غَلَتْ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِيهَا وَإِنْ رَخُصَتْ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِدُونِ الْإِخْبَارِ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِخْبَارُ بِالْحَالِ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ، لَمْ يَرْضَهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَكِتْمَانُهُ تَغْرِيرٌ بِهِ.
فَإِنْ أَخْبَرَ بِدُونِ ثَمَنِهَا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالتَّغْرِيرِ.
فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ السِّلْعَةُ فَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا، أَنْ تَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ، وَهِيَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ تَزِيدَ لِنَمَائِهَا، كَالسَّمْنِ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أَوْ يَحْصُلُ مِنْهَا نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ، كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ، وَالْكَسْبِ، فَهَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً، أَخْبَرَ بِالثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ.
وَإِنْ أَخَذَ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِلَ، أَوْ اسْتَخْدَمَ الْأَمَةَ، أَوْ وَطِئَ الثَّيِّبَ، أَخْبَرَ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَبْيِينُ الْحَالِ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَبْيِينُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الْغَلَّةِ يَأْخُذُهَا: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ مُرَابَحَةً، وَفِي الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ لَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ، وَلِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِ الْعَقْدِ.
وَلَنَا أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ بِالْمُشْتَرِي، فَجَازَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزِدْ وَلِأَنَّ الْوَلَدَ وَالثَّمَرَةَ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ بِدُونِ ذِكْرِهِ، كَالْغَلَّةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُوجَبَاتِ الْعَقْدِ.
النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَمَلًا، مِثْلُ أَنْ يَقْصُرَهَا، أَوْ يَرْفُوَهَا، أَوْ يُجَمِّلَهَا أَوْ يَخِيطَهَا، فَهَذِهِ مَتَى أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً أَخْبَرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ، سَوَاءٌ عَمِلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ عَمِلَهُ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يُبَيِّنُ مَا اشْتَرَاهُ وَمَا لَزِمَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: تَحَصَّلَتْ عَلَيَّ بِكَذَا.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ فِيمَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ الْأُجْرَةَ إلَى الثَّمَنِ، وَيَقُولَ: تَحَصَّلَتْ عَلَيَّ بِكَذَا.
لِأَنَّهُ صَادِقٌ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ لَوْ عَلِمَ أَنَّ بَعْضَ مَا تَحَصَّلَتْ بِهِ لِأَجْلِ الصِّنَاعَةِ، لَا يَرْغَبُ فِيهِ؛ لِعَدَمِ رَغْبَتِهِ فِي ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا يَنْقُصُ الْحَيَوَانَ فِي مُؤْنَتِهِ، وَكِسْوَتِهِ، وَعَلَى الْمُبْتَاعِ فِي خَزْنِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَتَغَيَّرَ بِنَقْصٍ، كَنَقْصِهِ بِمَرَضٍ، أَوْ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ تَلَفِ بَعْضِهِ، أَوْ بِوِلَادَةٍ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي بَعْضَهُ، كَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ الْمَوْجُودِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يُخْبِرُ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَإِنْ أَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ، أَوْ الْجِنَايَةِ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَحُطُّ أَرْشَ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيُخْبِرُ بِالْبَاقِي، لِأَنَّ أَرْشَ الْعَيْبِ عِوَضُ مَا فَاتَ بِهِ، فَكَانَ ثَمَنُ الْمَوْجُودِ هُوَ مَا بَقِيَ.
وَفِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحُطُّهُ مِنْ الثَّمَنِ، كَأَرْشِ الْعَيْبِ.
وَالثَّانِي، لَا يَحُطُّهُ كَالنَّمَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحُطُّهُمَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيَقُولُ: تَقَوَّمَ عَلَيَّ بِكَذَا؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْبَرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ، وَأَقْرَبُ إلَى الْبَيَانِ وَنَفْيِ التَّغْرِيرِ بِالْمُشْتَرِي وَالتَّدْلِيسِ عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، وَقَسَّطَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا.
وَقِيَاسُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ عَلَى النَّمَاءِ وَالْكَسْبِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضُ نَقْصِهِ الْحَاصِلِ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ثَمَنِ جُزْءٍ مِنْهُ بَاعَهُ، وَكَقِيمَةِ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ إذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَالنَّمَاءُ وَالْكَسْبُ زِيَادَةٌ لَمْ يَنْقُصْ بِهَا الْمَبِيعُ وَلَا هِيَ عِوَضٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَأَمَّا إنْ جَنَى الْمَبِيعُ، فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَلْحَقْ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ هَذَا الْأَرْشَ لَمْ يَزِدْ بِهِ الْمَبِيعُ قِيمَةً وَلَا ذَاتًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُزِيلٌ لِنَقْصِهِ بِالْجِنَايَةِ وَالْعَيْبِ الْحَاصِلِ بِتَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ، فَأَشْبَهَ الدَّوَاءَ الْمُزِيلَ لِمَرَضِهِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي.
فَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ، وَالْمُؤْنَةُ، وَالْكِسْوَةُ، وَعَمَلُهُ فِي السِّلْعَةِ بِنَفْسِهِ، أَوْ عَمَلُ غَيْرِهِ لَهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ فِي الثَّمَنِ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَخْبَرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ، فَحَسَنٌ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ صَفْقَة وَاحِدَة ثُمَّ أَرَادَ بَيْع أَحَدهمَا مُرَابَحَة]
فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا مُرَابَحَةً، أَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا، فَتَقَاسَمَاهُ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا بَيْعَ نَصِيبِهِ مُرَابَحَةً، بِالثَّمَنِ الَّذِي أَدَّاهُ فِيهِ، فَذَلِكَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ الَّتِي لَا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا بِالْأَجْزَاءِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ مُرَابَحَةً، حَتَّى يُخْبِرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
فَقَالَ: كُلُّ بَيْعٍ اشْتَرَاهُ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ، لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمْ مُرَابَحَةً، إلَّا أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْنَاهُ جَمَاعَةً، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَبِيعِ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا وَسَيْفًا، أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ
بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ، فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا مَعِيبًا رَدَّهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِيمَا اشْتَرَاهُ اثْنَانِ فَتَقَاسَمَاهُ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً بِمَا اشْتَرَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَمَنُهُ، فَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ قِسْمَةَ الثَّمَنِ عَلَى الْمَبِيعِ طَرِيقُهُ الظَّنُّ وَالتَّخْمِينُ، وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِيهِ كَثِيرٌ وَبَيْعُ الْمُرَابَحَةِ أَمَانَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ هَذَا فِيهِ، فَصَارَ هَذَا كَالْخَرْصِ الْحَاصِلِ بِالظَّنِّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ مَا يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ، وَكَوْنِهِ لَا طَرِيقَ لَهُ سِوَى التَّقْوِيمِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ بِالشُّفْعَةِ لَاتَّخَذَهُ النَّاسُ طَرِيقًا لِإِسْقَاطِهَا، فَيُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَاهُنَا لَهُ طَرِيقٌ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ بَيْعُهُ مُسَاوِمَةً.
الْقَسَمُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِنْ الْمُتَمَاثِلَاتِ الَّتِي يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا بِالْأَجْزَاءِ، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ الْمُتَسَاوِي، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ مُرَابَحَةً بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْجُزْءِ مَعْلُومٌ يَقِينًا، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ قَفِيزٍ مِنْ الصُّبْرَةِ.
وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبَيْنِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَخَذَهُمَا عَلَى الصِّفَةِ، وَأَرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا مُرَابَحَةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، لَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَالَهُ فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ، كَانَ لَهُ نِصْفُ الثَّمَنِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمَا، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا.
وَلِأَنَّ الثَّمَنَ وَقَعَ عَلَيْهِمَا مُتَسَاوِيًا لِتَسَاوِي صِفَتِهِمَا فِي الذِّمَّةِ، فَهُمَا كَقَفِيزَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ.
وَإِنْ حَصَلَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى الصِّفَةِ، جَرَتْ مَجْرَى الْحَادِثِ بَعْدَ الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنِ مُؤَجَّل لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً]
(3053) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً، حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ ابْنِهِ، أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً، حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا اشْتَرَاهُ عَقْدًا صَحِيحًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُمْ؛ لِكَوْنِهِ يُحَابِيهِمْ وَيَسْمَحُ لَهُمْ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْ مُكَاتَبِهِ، وَفَارَقَ الْأَجْنَبِيَّ؛ فَإِنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي حَقِّهِ.
وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالشِّرَاءِ مِنْ مُكَاتَبِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ مُرَابَحَةً، حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْ غُلَامِ دُكَّانِهِ الْحُرِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: إذَا بَاعَهُ سِلْعَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لَمْ يَجُزْ.
وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ إذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً.
وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ هَذَا بِغُلَامِ دُكَّانِهِ، بَلْ مَتَى فَعَلَ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ حَرَامًا وَتَدْلِيسًا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ]
(3054) فَصْلٌ: فَإِنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُخْبِرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ، جَازَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ تُهْمَةٌ، وَلَا تَغْرِيرٌ بِالْمُشْتَرِي فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْبَحْ فِيهِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ يَطْرَحُ الرِّبْحَ مِنْ الثَّمَنِ وَيُخْبِرُ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ.
وَأَعْجَبَ أَحْمَدَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: فَإِنْ بَاعَهُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ، يُبَيِّنُ أَمْرَهُ.
يَعْنِي يُخْبِرُ أَنَّهُ رَبِحَ فِيهِ مَرَّةً ثُمَّ اشْتَرَاهُ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَمْرَهُ، أَوْ يُخْبِرَ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَابَحَةَ تُضَمُّ فِيهَا الْعُقُودُ فَيُخْبِرُ بِمَا تَقُومُ عَلَيْهِ، كَمَا تُضَمُّ أُجْرَةُ الْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ.
وَقَدْ اسْتَفَادَ بِهَذَا الْعَقْدِ الثَّانِي تَقْرِيرَ الرِّبْحِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَمِنَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الرِّبْحَ أَحَدُ نَوْعَيْ النَّمَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا طَرَحَ الرِّبْحَ مِنْ الثَّمَنِ الثَّانِي يَقُولُ: تَقُومُ عَلَى بِخَمْسَةٍ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْته بِخَمْسَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، وَالْكَذِبُ حَرَامٌ وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ ضَمَّ أُجْرَةَ الْقِصَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ إلَى الثَّمَنِ وَأَخْبَرَ بِهِ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ ضَمِّ الْقِصَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ فَشَيْءٌ بَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمْ لَا نُسَلِّمُهُ، ثُمَّ لَا يُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ وَالنَّمَاءَ لَزِمَاهُ فِي هَذَا الْبَيْعِ الَّذِي يَلِي الْمُرَابَحَةَ وَهَذَا الرِّبْحُ فِي عَقْدٍ آخَرَ قَبْلَ هَذَا الشِّرَاءِ فَأَشْبَهَ الْخَسَارَةَ فِيهِ، وَأَمَّا تَقْرِيرُ الرِّبْحِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ قَدْ لَزِمَ، وَلَمْ يَظْهَرْ الْعَيْبُ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُهُ ثُمَّ قَدْ ذَكَرْنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ إذَا ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ طَرْحُ النَّمَاءِ وَالْغَلَّةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِعِشْرِينَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ فَإِنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّهَا حَصَلَتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ أَخْبَرَ أَنَّهَا تَقَوَّمَتْ عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ، أَخْبَرَ أَنَّهَا تَقَوَّمَتْ عَلَيْهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَظِيرِ هَذَا.
وَعَلَى هَذَا يَطْرَحُ الرِّبْحَ مِنْ الثَّمَنِ الثَّانِي كَيْفَمَا كَانَ، فَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ، وَلَكِنْ اشْتَرَاهَا ثَانِيَةً بِخَمْسَةٍ أَخْبَرَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا ثَمَنُ الْعَقْدِ الَّذِي يَلِي الْمُرَابَحَةَ.
وَلَوْ خَسِرَ فِيهَا، مِثْلُ إنْ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ بَاعَهَا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، أَخْبَرَ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَضُمَّ الْخَسَارَةَ إلَى الثَّمَنِ الثَّانِي فَيُخْبِرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(3055) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا قُلْنَا: إنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ وَيُبَيِّنَهُ.
فَلَمْ يَفْعَلْ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَفْسُدُ بِهِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَخْذِ بِهِ وَبَيْنَ الرَّدِّ، إلَّا فِي الْخَبَرِ بِزِيَادَةِ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَمْرَهُ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ حَالًا وَبَيْنَ الْفَسْخِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ تَكُونُ ذِمَّتُهُ دُونَ ذِمَّةِ الْبَائِعِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الرِّضَى بِذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، كَانَ لَهُ ذَلِكَ إلَى الْأَجَلِ يَعْنِي وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ كَانَ قَدْ اُسْتُهْلِكَ، حَبَسَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ بِقَدْرِ الْأَجَلِ.
وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ وَقَعَ عَلَى الْبَائِعِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ بِذَلِكَ عَلَى صِفَتِهِ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ، وَكَوْنُهُ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْبَيْعِ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ بِزِيَادَةٍ لَمْ يَرْضَ بِبَيْعِهِ إلَّا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى رِضَاهُ، بَلْ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ.
كَذَا هَاهُنَا (3056) فَصْلٌ: فَإِنْ ابْتَاعَهُ بِدَنَانِيرَ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ، أَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ، أَوْ بِثَمَنٍ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ، وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ الرِّضَى بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي تَبَايَعَا بِهِ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا ذَلِكَ.
(3057) فَصْلٌ وَإِنْ ابْتَاعَ اثْنَانِ ثَوْبًا بِعِشْرِينَ، وَبُذِلَ لَهُمَا فِيهِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ فِيهِ بِذَلِكَ السِّعْرِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُ فِي الْمُرَابَحَةِ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ يَبِيعُهُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ الَّذِي كَانَ أُعْطِيَهُ قَدْ كَانَ أَحْرَزَهُ.
ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى قَوْلِ إبْرَاهِيمَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَهُ الْأَوَّلَ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَى نِصْفَهُ الثَّانِي بِأَحَدَ عَشَرَ، فَصَارَ مَجْمُوعُهُمَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ.
[فَصْلٌ فِي مِنْ يَبِيع بِالرَّقْمِ]
(3058) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ.
بِالرَّقْمِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِرَقْمِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمَا حَالَ الْعَقْدِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَكَرِهَهُ طَاوُسٌ.
وَلَنَا أَنَّهُ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَكَرَ مِقْدَارَهُ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِمَا اشْتَرَيْته بِهِ وَقَدْ عَلِمَا قَدْرَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ.
قَالَ أَحْمَدُ وَالْمُسَاوَمَةُ عِنْدِي أَسْهَلُ مِنْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ تَعْتَرِيهِ أَمَانَةٌ وَاسْتِرْسَالٌ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَبْيِينِ الْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلَا يُؤْمَنُ هَوَى النَّفْسِ فِي نَوْعِ تَأْوِيلٍ أَوْ غَلَطٍ فَيَكُونُ عَلَى خَطَرٍ وَغَرَرٍ وَتَجَنُّبُ ذَلِكَ أَسْلَمُ وَأَوْلَى.
[فَصْلٌ بَيْع التَّوْلِيَة]
فَصْلٌ (3059) وَبَيْعُ التَّوْلِيَةِ هُوَ الْبَيْعُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ مِنْ غَيْر نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَحُكْمُهُ فِي الْإِخْبَارِ
بِثَمَنِهِ وَتَبْيِينُ مَا يَلْزَمُهُ تَبْيِينُهُ حُكْمُ الْمُرَابَحَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَلَفْظِ التَّوْلِيَةِ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ فِي الْمُرَابَحَة رَأْس مَالِيّ فِيهِ مِائَة وَأَرْبَح عَشَرَة ثُمَّ عَادَ فَقَالَ غَلِطَتْ رَأْس مَالِيّ فِيهِ مِائَة وَعَشَرَة]
(3060) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَإِنْ أَخْبَرَ بِنُقْصَانٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّهُ، أَوْ إعْطَاؤُهُ مَا غَلِطَ بِهِ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَنَّ وَقْتَ مَا بَاعَهَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ شِرَاءَهَا بِأَكْثَرَ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ فِي الْمُرَابَحَةِ: رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ، وَأَرْبَحُ عَشَرَةً.
ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: غَلِطْت، رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْغَلَطِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ ثَانِيًا.
وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا كَانَ الْبَائِعُ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدُوقًا، جَازَ الْبَيْعُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَعَهُ فِي الْمُرَابَحَةِ فَقَدْ ائْتَمَنَهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ يَمِينِهِ، كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ مَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ فِي إثْبَاتِ دَعْوَاهُ؛ لِكَوْنِهِ يَقْبَلُ مُجَرَّدَ دَعْوَاهُ، بَلْ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا، فَعَلِمَ أَنَّهُ زَادَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِبَيِّنَةِ أَوْ إقْرَارٍ، كَذَلِكَ عِلْمُ غَلَطِهِ هَاهُنَا يَحْصُلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَكَوْنُ الْبَائِعِ مُؤْتَمَنًا لَا يُوجِبُ قَبُولَ دَعْوَاهُ فِي الْغَلَطِ، كَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ إذَا أَقَرَّا بِرِبْحٍ ثُمَّ قَالَا: غَلِطْنَا أَوْ نَسِينَا.
وَالْيَمِينُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، إنَّمَا هِيَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ بِغَلَطِ نَفْسِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ، لَا عَلَى إثْبَاتِ غَلَطِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً حَتَّى يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالثَّمَنِ وَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ.
فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ؛ لِإِقْرَارِهِ بِكَذِبِهَا وَلَنَا أَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، شَهِدَتْ بِمَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، فَتُقْبَلُ، كَسَائِرِ الْبَيِّنَاتِ.
وَلَا يُسَلَّمُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِخِلَافِهَا؛ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ يَكُونُ لِغَيْرِ الْمُقِرِّ وَحَالَةَ إخْبَارِهِ بِثَمَنِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارٌ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَقُلْنَا: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، فَادَّعَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْلَمُ غَلَطَهُ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ فَيَسْتَغْنِي بِالْإِقْرَارِ عَنْ الْيَمِينِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ بِهِ رَدُّ السِّلْعَةِ أَوْ زِيَادَةٌ فِي ثَمَنِهَا فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، كَمَوْضِعِ الْوِفَاقِ.
وَلَيْسَ هُوَ هَاهُنَا مُدَّعِيًا، إنَّمَا هُوَ مُدَّعَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ الْخِرَقِيِّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَنَّ وَقْتَ مَا بَاعَهَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ شِرَاءَهَا أَكْثَرُ.
وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَهَا بِهَذَا الثَّمَنِ عَالِمًا بِأَنَّ ثَمَنَهَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ، لَزِمَهُ الْبَيْعُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَاطَى شَيْئًا عَالِمًا بِالْحَالِ، فَلَزِمَهُ، كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ عَالِمًا بِعَيْبِهِ، وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ يَلْزَمُهُ بِالْعِلْمِ فَادَّعَى عَلَيْهِ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ.
فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ حَلَفَ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ قَبُولِهِ بِالثَّمَنِ وَالزِّيَادَةِ الَّتِي غَلِطَ بِهَا وَحَطِّهَا مِنْ
الرِّبْحِ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَرِبْحِ عَشَرَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ غَلِطَ بِعَشَرَةٍ، لَا يَلْزَمُهُ حَطُّ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّبْحِ لِأَنَّ الْبَائِعَ رَضِيَ بِرِبْحِ عَشَرَةٍ فِي هَذَا الْمَبِيعِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ زَادَ فِي رَأْسِ مَالِهِ، لَا يَنْقُصُ الرِّبْحَ مِنْ عَشَرَةٍ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِرِبْحِ عَشَرَةٍ، فَأَمَّا إنْ قَالَ: وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا.
أَوْ قَالَ: ده يازده.
لَزِمَهُ حَطُّ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّبْحِ فِي الْغَلَطِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا لَهُ الْخِيَارَ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ، فَإِذَا بَانَ أَكْثَرَ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الْتِزَامِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَالْمَعِيبِ.
وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَهَا بِمِائَةٍ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَادَهُ خَيْرًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ كَبَائِعِ الْمَعِيبِ إذَا رَضِيَهُ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ إسْقَاطَ الزِّيَادَةِ عَنْ الْمُشْتَرِي، فَلَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَذَلَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَتَرَاضَيَا بِهِ.
[فَصْلٌ بَيْع الْمُوَاضَعَة]
(3061) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُوَاضَعَةِ وَهُوَ أَنْ يُخْبِرَ بِرَأْسِ مَالِهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِعْتُك هَذَا بِهِ وَأَضَعُ عَنْك كَذَا فَإِنْ قَالَ: بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ كُرِهَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُرَابَحَةِ وَصَحَّ وَيَطْرَحُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا.
فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِائَةً لَزِمَهُ تِسْعُونَ، وَيَكُونُ الْحَطُّ عَشَرَةً.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَكُونُ الْحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ وَجُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ، وَتَبْقَى تِسْعُونَ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ.
وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ حَطًّا مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ، وَهُوَ غَيْرُ مَا قَالَهُ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ، كَانَ الْوَضِيعَةُ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَيَكُونُ الْبَاقِي تِسْعِينَ وَعَشَرَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَطُّ هَاهُنَا عَشَرَةٌ مِثْلُ الْأُولَى.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: لِكُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مِنْ غَيْرِهَا.
فَكَأَنَّهُ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَإِذَا قَالَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا.
كَانَ الدِّرْهَمُ مِنْ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: آخُذُ مِنْ الْعَشَرَةِ تِسْعَةً، وَأَحُطُّ مِنْهَا دِرْهَمًا.
[فَصْلٌ اشْتَرَى رَجُل نِصْف سِلْعَة بِعَشَرَةِ وَاشْتَرَى آخَر نِصْفهَا بِعَشَرَيْنِ ثُمَّ بَاعَاهَا مُسَاوِمَة بِثَمَنِ وَاحِد]
(3062) فَصْلٌ إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ سِلْعَةٍ بِعَشَرَةٍ، وَاشْتَرَى آخَرُ نِصْفَهَا بِعِشْرِينَ، ثُمَّ بَاعَاهَا مُسَاوَمَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضٌ عَنْهَا، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مِلْكَيْهِمَا فِيهَا.
وَإِنْ بَاعَاهَا مُرَابَحَةً أَوْ مُوَاضَعَةً أَوْ تَوْلِيَةً، فَكَذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَالْحَكَمِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذَا بَاعَهَا، فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ قُلْت: أَعْطَى أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى الْآخَرُ؟ فَقَالَ: وَإِنْ أُلْبِسَ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا السَّاعَةَ سَوَاءً فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ مِثْلَ الَّذِي يَمْلِكُ صَاحِبُهُ.
وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَحْمَدَ.
رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّ الثَّمَنَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ فِي مُقَابَلَةِ رَأْسِ الْمَالِ،
فَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا.
وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ.
وَقِيلَ: هَذَا وَجْهٌ خَرَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ بِرِوَايَةٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ الْمَبِيعِ وَمِلْكُهُمَا مُتَسَاوٍ فِيهِ فَكَانَ مِلْكُهُمَا كَعِوَضِهِ مُتَسَاوِيًا.
كَمَا لَوْ بَاعَاهُ مُسَاوَاةً.
(3063) فَصْلٌ: وَمَتَى بَاعَاهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا، وَلَا يَعْلَمَانِهِ أَوْ جَهِلَا رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمُرَابَحَةِ، أَوْ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ التَّوْلِيَةِ أَوْ جَهِلَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا أَوْ جَهِلَ قَدْرَ الرِّبْحِ أَوْ قَدْرَ الْوَضِيعَةِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالثَّمَنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ، فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ.
وَلَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ وَيَكُونُ نِصْفَيْنِ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، كَالْإِقْرَارِ.
وَلَنَا أَنَّ قَدْرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِمِائَةٍ بَعْضُهَا ذَهَبٌ وَقَوْلُهُ: إنَّهُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ لَوْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، صَحَّ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمِائَةٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ شَيْئًا وَاخْتَلَفَا فِي ثَمَنه]
(3064) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا بَاعَ شَيْئًا وَاخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ، تَحَالَفَا، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ وَإِلَّا انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَالْمُبْتَدِئُ بِالْيَمِينِ الْبَائِعُ.
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ.
(3065) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِعِشْرِينَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ بِعَشَرَةٍ وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالُفًا.
وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ.
وَعَنْهُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَزُفَرُ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَشَرَةً زَائِدَةً، يُنْكِرُهَا الْمُشْتَرِي، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدًا، وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِذَا حَلَفَ فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ أَخَذَ بِهِ وَإِنْ أَبَى حَلَفَ أَيْضًا وَفُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا، تَحَالَفَا وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَقْدًا بِعِشْرِينَ، يُنْكِرُهُ الْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَقْدًا بِعَشَرَةٍ يُنْكِرُهُ الْبَائِعُ، وَالْعَقْدُ بِعَشَرَةٍ غَيْرُ الْعَقْدِ بِعِشْرِينَ فَشُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِمَا، وَهَذَا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ.
(3066)
الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالْيَمِينِ الْبَائِعُ، فَيَحْلِفُ مَا بِعْتُهُ بِعَشَرَةٍ، وَإِنَّمَا بِعْته بِعِشْرِينَ.
فَإِنْ شَاءَ
الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، وَإِلَّا يَحْلِفُ مَا اشْتَرَيْته بِعِشْرِينَ وَإِنَّمَا اشْتَرَيْته بِعَشَرَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْتَدِئُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْيَمِينُ فِي جَنْبَتِهِ أَقْوَى وَلِأَنَّهُ يُقْضَى بِنُكُولِهِ وَيَنْفَصِلُ الْحُكْمُ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ كَانَ أَوْلَى وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ» وَفِي لَفْظٍ «فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَعْنَاهُ: إنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ حَلَفَ وَلِأَنَّ الْبَائِعَ أَقْوَى جَنْبَةً لِأَنَّهُمَا إذَا تَحَالَفَا عَادَ الْمَبِيعُ إلَيْهِ، فَكَانَ أَقْوَى، كَصَاحِبِ الْيَدِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ، فَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَالْبَائِعُ إذَا نَكَلَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ نُكُولِ الْمُشْتَرِي، يَحْلِفُ الْآخَرُ، وَيُقْضَى لَهُ، فَهُمَا سَوَاءٌ.
(3067)
الْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْبَائِعُ فَنَكَلَ الْمُشْتَرِي عَنْ الْيَمِينِ، قُضِيَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي، وَقُضِيَ لَهُ.
وَإِنْ حَلَفَا جَمِيعًا، لَمْ يَنْفَسِخْ الْبَيْعُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، فَتَنَازُعُهُمَا، وَتَعَارُضُهُمَا لَا يَفْسَخُهُ كَمَا لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، لَكِنْ إنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ أُقِرَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْفَسْخُ عَلَى الْحَاكِمِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ وَأَحَدُهُمَا ظَالِمٌ، وَإِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ لِتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ فِي الْحُكْمِ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ إذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيَّانِ، وَجَهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ» وَظَاهِرُهُ اسْتِقْلَالُهُمَا بِذَلِكَ، وَفِي الْقِصَّةِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَاعَ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ رَقِيقًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بِعْتُك بِعِشْرِينَ أَلْفًا.
قَالَ الْأَشْعَثُ اشْتَرَيْت مِنْك بِعَشَرَةِ آلَافٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا اخْتَلَفَ الْبَيْعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ» قَالَ: فَإِنِّي أَرُدُّ الْبَيْعَ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى أَيْضًا حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ اسْتَحْلَفَ الْبَائِعُ ثُمَّ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُفْسَخُ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ أَوْ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ لِاسْتِدْرَاكِ
الظُّلَامَةِ، فَأَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَلَا يُشْبِهُ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الِاسْتِقْلَالَ بِالطَّلَاقِ وَإِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ، فَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْفَسْخَ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِاسْتِدْرَاكِ الظُّلَامَةِ، فَهُوَ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ فَسْخُ عَقْدٍ بِالتَّحَالُفِ فَوَقَعَ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَالْفَسْخِ بِاللِّعَانِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْبَاطِنِ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إمْضَاءُ الْعَقْدِ، وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ، فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْبَاطِنِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ظَالِمًا، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِعَجْزِ الْبَائِعِ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ فِي الْبَاطِنِ بِحَالٍ.
وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْبَاطِنِ بِحَالٍ، لَمَا أَمْكَنَ فَسْخُهُ فِي الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ وَمَتَى عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ مُنِعَ مِنْهُ.
وَلِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُمَا الْفَسْخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَانْفَسَخَ بِفَسْخِهِ فِي الْبَاطِنِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ إنْ فَسَخَهُ الصَّادِقُ مِنْهُمَا، انْفَسَخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ فَسَخَهُ الْكَاذِبُ عَالِمًا بِكَذِبِهِ، لَمْ يَنْفَسِخْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَسْخُ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَيَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِهِ فَيُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِدَعْوَى الْعَيْبِ، وَلَا عَيْبَ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَا فِي صِفَة السِّلْعَة]
(3068) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً تَحَالَفَا وَرَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَنَ عَلَى مَا قَالَ الْبَائِعُ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، مَعَ يَمِينِهِ فِي الصِّفَةِ وَجُمْلَتُهُ؛ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ بَعْدَ تَلَفِهَا فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَتَحَالَفَانِ، مِثْلُ مَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأُخْرَى، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ «وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ» فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ التَّحَالُفُ عِنْدَ تَلَفِهَا وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِ السِّلْعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَاسْتِحْقَاقِ عَشَرَةٍ فِي ثَمَنِهَا، وَاخْتَلَفَا فِي عَشَرَةٍ زَائِدَةٍ الْبَائِعُ يَدَّعِيهَا وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَتَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْقِيَاسِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عُمُومُ قَوْلِهِ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ» وَقَالَ أَحْمَدُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ إلَّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ أَخْطَأَ رُوَاةُ الْحَلِفِ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ لَمْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَلَكِنَّهَا فِي حَدِيثِ مَعْنٍ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ فَيُشْرَعُ الْيَمِينُ، كَحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى يَبْطُلُ بِحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ وَتَلَفِهَا وَقَوْلُهُمْ: تَرَكْنَاهُ لِلْحَدِيثِ قُلْنَا: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَحَالَفَا،
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.
وَعَلَى أَنَّهُ إذَا خُولِفَ الْأَصْلُ لِمَعْنًى، وَجَبَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِتَعَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ بَلْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّ التَّحَالُفَ إذَا ثَبَتَ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثَمَنِهَا لِلْمَعْرِفَةِ بِقِيمَتِهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ، فَمَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ أَوْلَى.
فَإِذَا تَحَالَفَا، فَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ الْآخَرُ، لَمْ يُفْسَخْ الْعَقْدُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى فَسْخِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ، كَمَا لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ بَقَاءِ السِّلْعَةِ، وَيَرُدُّ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضَهُ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَيَدْفَعُ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ السِّلْعَةِ إلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَتُسَاوَيَا بَعْدَ التَّقَابُضِ، تَقَاصَّا.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ التَّحَالُفُ وَلَا الْفَسْخُ، فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي يَمِينِ الْبَائِعِ وَلَا فَسْخِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِذَلِكَ الرُّجُوعُ إلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ، فَلَا فَائِدَةَ لِلْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُشْرَعَ لَهُ الْيَمِينُ وَلَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشْرَعَ لِتَحْصِيلِ الْفَائِدَةِ لِلْمُشْتَرِي.
وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ، رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا، مَوْصُوفًا بِصِفَاتِهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ.
[فَصْلٌ تَقَايُلًا الْمَبِيع أَوْ رَدَّ بِعَيْبِ بَعْدَ قَبَضَ الْبَائِع الثَّمَن ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قَدْره]
(3069) فَصْلٌ: وَإِنْ تَقَايَلَا الْمَبِيعَ، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ.
[فَصْلٌ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْعَبْد بِأَلْفِ فَقَالَ بَلْ هُوَ وَالْعَبْد الْآخِر بِأَلْفِ]
(3070) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ.
فَقَالَ: بَلْ هُوَ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ بِأَلْفٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ عِوَضَيْ الْعَقْدِ، فَيَتَحَالَفَانِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ بَيْعَ الْعَبْدِ الزَّائِدِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى شِرَاءَهُ مُنْفَرِدًا.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي عَيْن الْمَبِيع]
(3071) فَصْلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ، فَقَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ.
قَالَ: بَلْ بِعْتنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يُنْكِرُهُ، مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا عَلَى عَيْنٍ يُنْكِرُهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
فَإِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ: مَا بِعْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ.
أُقِرَّتْ فِي يَدِهِ، إنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُدَّعِيهَا قَدْ قَبَضَهَا.
وَأَمَّا الْعَبْدُ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي طَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ طَلَبُهُ إذَا بَذَلَ لَهُ ثَمَنَهُ، لِاعْتِرَافِهِ بِبَيْعِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ ثَمَنَهُ، فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ