الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِيَدِهِ.
وَلِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَاءُوا مُجْتَمِعِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِذَا تَفَرَّقُوا فِي مَجَالِسَ، فَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بِالزِّنَا، وَلَمْ يُكْمِلْ الشَّهَادَةَ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] .
[فَصْلٌ لَمْ تَكْمُلْ شُهُودُ الزِّنَا]
(7185) فَصْلٌ: وَاذَا لَمْ تَكْمُلْ شُهُودُ الزِّنَا، فَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِمْ رِوَايَتَيْنِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِمْ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ شُهُودٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَحَدُهُمَا فَاسِقٌ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . وَهَذَا يُوجِبُ الْجَلْدَ عَلَى كُلِّ رَامٍ لَمْ يَشْهَدْ بِمَا قَالَ أَرْبَعَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ وَأَصْحَابَهُ حِينَ لَمْ يُكْمِلْ الرَّابِعُ شَهَادَتَهُ، بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.
وَرَوَى صَالِحٌ فِي " مَسَائِلِهِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ، فَشَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ، فَاسْتَكْبَرَ ذَلِكَ عُمَرُ، ثُمَّ جَاءَ شَابٌّ يَخْطِرُ بِيَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا عِنْدَك يَا سُلَحَ الْعُقَابِ؟ وَصَاحَ بِهِ عُمَرُ صَيْحَةً، فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كِدْت يُغْشَى عَلَيَّ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْت أَمْرًا قَبِيحًا.
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْ الشَّيْطَانَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: فَأَمَرَ بِأُولَئِكَ النَّفَرِ فَجُلِدُوا.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا شُهِدَ عِنْدَهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ، شَهِدَ ثَلَاثَةٌ، وَبَقِيَ زِيَادٌ، فَقَالَ عُمَرُ أَرَى شَابًّا حَسَنًا، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ: يَا أَمِيرُ، رَأَيْت اسْتًا تَنْبُو، وَنَفَسًا يَعْلُو، وَرَأَيْت رِجْلَيْهَا فَوْقَ عُنُقِهِ، كَأَنَّهُمَا أُذُنَا حِمَارٍ، وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَأَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَضُرِبُوا.
وَقَوْلُ عُمَرَ: يَا سُلَحَ الْعُقَابِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُشْبِهُ سُلَحَ الْعُقَابِ، الَّذِي يُحَرِّقُ كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ، وَكَذَلِكَ هَذَا، تُوقَعُ الْعُقُوبَةُ بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لَا مَحَالَةَ، إنْ كَمَلَتْ شَهَادَتُهُ حُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ، حُدَّ أَصْحَابُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَالَفَهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ شَهِدُوا.
قُلْنَا: لَمْ يُخَالِفُوا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، إنَّمَا خَالَفُوهُمْ فِي صِحَّةِ مَا شَهِدُوا بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ رَامٍ بِالزِّنَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِأَحَدٍ.
[فَصْلٌ كَمَلَ شُهُودُ الزِّنَا أَرْبَعَةً غَيْرَ مَرْضِيِّينَ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ]
(7186) فَصْلٌ: وَإِنْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً غَيْرَ مَرْضِيِّينَ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، كَالْعَبِيدِ وَالْفُسَّاقِ وَالْعُمْيَانِ، فَفِيهِمْ ثَلَاثُ؛ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِمْ الْحَدُّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَمْ تَكْمُلْ، فَوَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ، كَمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً.
وَالثَّانِيَةُ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَدَخَلُوا فِي عُمُومِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ عَدَدَهُمْ قَدْ كَمَلَ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ لِمَعْنًى غَيْرِ تَفْرِيطِهِمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مَسْتُورُونَ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ وَلَا فِسْقُهُمْ.
الثَّالِثَةُ: إنْ كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ بَعْضُهُمْ، جُلِدُوا، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ فُسَّاقًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ الْعُمْيَانَ مَعْلُومٌ كَذِبُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِمَا لَمْ يَرَوْهُ يَقِينًا، وَالْآخَرُونَ يَجُوزُ صِدْقُهُمْ، وَقَدْ كَمَلَ عَدَدُهُمْ، فَأَشْبَهُوا مَسْتُورِي الْحَالِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ رَدُّ الشَّهَادَةِ لِمَعْنًى ظَاهِرٍ، كَالْعَمَى، وَالرِّقِّ، وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ فَفِيهِمْ قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ لِمَعْنًى خَفِيٍّ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَا يَخْفَى يَخْفَى عَلَى الشُّهُودِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ.
وَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ، حَدُّ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ كَعَدَمِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْأَوَّلِينَ، وَيُنَبِّهُ عَلَى إيجَابِ الْحَدِّ فِيمَا إذَا كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ أَحَدُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يُحْتَمَلُ صِدْقُهُمَا، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْأَعْمَى كَاذِبٌ يَقِينًا، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ، فَوُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ مَعَهُمْ أَوْلَى.
[فَصْلٌ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا عَنْ الشَّهَادَةِ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ]
(7187) فَصْلٌ: وَإِنْ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَعَلَى جَمِيعِهِمْ الْحَدُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ دُونَ الرَّاجِعِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْحَدِّ، فَهُوَ كَالتَّائِبِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ؛ وَلِأَنَّ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الرُّجُوعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَفِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ زَجْرٌ لَهُ عَنْ الرُّجُوعِ، خَوْفًا مِنْ الْحَدِّ، فَتَفُوتُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ، وَتَتَحَقَّقُ الْمَفْسَدَةُ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ نَفْيَ الْحَدِّ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ دُونَ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ فِي قَذْفِهِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا سَقَطَ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِرُجُوعِ الرَّاجِعِ، وَمَنْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ، لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، فَلَمْ يُحَدَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
وَلَنَا أَنَّهُ نَقَصَ الْعَدَدُ بِالرُّجُوعِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ، وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنْ الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ.
يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَجَعُوا كُلُّهُمْ، وَبِالرَّاجِعِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ الْحَدَّ وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ، وَوَجَبَ
الْحَدُّ عَلَيْهِمْ بِسُقُوطِهِ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إذَا وَجَبَ عَلَى الرَّاجِعِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ فِي رُجُوعِهِ، وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَإِحْيَائِهِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ إشْرَافِهِ عَلَى التَّلَفِ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ]
(7188) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ، أَوْ شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فِي بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبَاهُمَا، أَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْيَوْمِ فَالْجَمِيعُ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً.
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ اثْنَانِ وَحْدَهُمَا، فَأَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَحَكَى قَوْلًا لِأَحْمَدَ.
وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنَا وَاحِدٍ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبَيِّنَةُ، يُعْتَبَرُ كَمَالُهَا فِي حَقِّ وَاحِدٍ، فَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهُ، وَيَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّهُ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ بَيْضَاءَ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِسَوْدَاءَ، فَهُمْ قَذَفَةٌ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْهُ، وَهَذَا يَنْقُضُ قَوْلَهُ.
[فَصْلٌ اخْتِلَافُ شُهُودُ الزِّنَا فِي الْمَكَانِ]
(7189) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةٍ مِنْهُ أُخْرَى، وَكَانَتْ الزَّاوِيَتَانِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ، فَالْقَوْلُ فِيهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتَا مُتَقَارِبَتَيْنِ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَحُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَمْ تَكْمُلْ؛ وَلِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْتَيْنِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتْ الزَّاوِيَتَانِ أَوْ تَبَاعَدَتَا.
وَلَنَا أَنَّهُمَا إذَا تَقَارَبَتَا أَمْكَنَ صِدْقُ الشُّهُودِ، بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ فِي إحْدَاهُمَا، وَتَمَامُهُ فِي الْأُخْرَى، أَوْ يَنْسُبُهُ كُلُّ اثْنَيْنِ إلَى إحْدَى الزَّاوِيَتَيْنِ لِقُرْبِهِ مِنْهَا، فَيَجِبُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ، كَمَا لَوْ اتَّفَقُوا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا مُتَبَاعِدَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ فِعْلًا وَاحِدًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ فِعْلَيْنِ، فَلِمَ أَوْجَدْتُمْ الْحَدَّ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ؟ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِشُبْهَةٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ فِيهِ وَالْحَدُّ وَاجِبٌ.
وَالْقَوْلُ فِي الزَّمَانِ كَالْقَوْلِ فِي هَذَا، وَإِنَّهُ مَتَى كَانَ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ مُتَبَاعِدٌ، لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فِي جَمِيعِهِ، كَطَرَفَيْ النَّهَارِ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، وَمَتَى تَقَارَبَا كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الشُّهُودِ فِي لَوْنِ ثِيَابِ الزَّانِي]
(7190) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ
أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي ثَوْبِ كَتَّانٍ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي ثَوْبِ خَزٍّ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَكْمُلُ؛ لِتَنَافِي الشَّهَادَتَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ، فَذَكَرَ كُلُّ اثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَتَرَكَا ذِكْرَ الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَبْيَضُ وَعَلَيْهَا قَمِيصٌ أَحْمَرُ، وَإِذَا أَمْكَنَ التَّصْدِيقُ، لَمْ يَجُزْ التَّكْذِيبُ.
[فَصْلٌ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً]
(7191) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا إجْمَاعًا؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ.
وَفِي الرَّجُلِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ فِعْلَ الْمُطَاوِعَةِ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكْرَهَةِ، وَلَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ مِنْهُمَا يُكَذِّبَانِ الْآخَرَيْنِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، أَوْ يَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبًا لِلْآخَرِ، إلَّا بِتَقْدِيرِ فِعْلَيْنِ تَكُونُ مُطَاوِعَةً فِي أَحَدِهِمَا، مُكْرَهَةً فِي الْآخَرِ، وَهَذَا يَمْنَعُ كَوْنَ الشَّهَادَةِ كَامِلَةً عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ؛ وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْمُطَاوِعَةِ قَاذِفَانِ لَهَا، وَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى غَيْرِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَوَجْهٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَمَلَتْ عَلَى وُجُودِ الزِّنَا مِنْهُ، وَاخْتِلَافُهُمَا إنَّمَا هُوَ فِعْلُهَا، لَا فِعْلُهُ، فَلَا يَمْنَعُ كَمَالَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
وَفِي الشُّهُودِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى الرَّجُلِ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِمْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزِّنَا وَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهُمْ.
وَالثَّالِثُ: يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى شَاهِدَيْ الْمُطَاوِعَةِ؛ لِأَنَّهُمَا قَذَفَا الْمَرْأَةَ بِالزِّنَا وَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقْذِفَا الْمَرْأَةَ وَقَدْ كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا انْتَفَى عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ.
[فَصْلٌ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ بِالزِّنَا فَصَدَّقَهُمْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا]
(7192) فَصْلٌ: وَإِذَا تَمَّتْ الشَّهَادَةُ بِالزِّنَا فَصَدَّقَهُمْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا، لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْبَيِّنَةِ الْإِنْكَارُ، وَمَا كَمَلَ الْإِقْرَارُ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: 15] . وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّبِيلَ بِالْحَدِّ، فَتَجِبُ إقَامَتُهُ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَمَّتْ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ؛
وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَحَدُ حُجَّتَيْ الزِّنَا، فَلَمْ يَبْطُلْ بِوُجُودِ الْحُجَّةِ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضِهَا، كَالْإِقْرَارِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ وُجُودَ الْإِقْرَارِ يُؤَكِّدُ الْبَيِّنَةَ، وَيُوَافِقُهَا، وَلَا يُنَافِيهَا، فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا، كَتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُسَلِّمُ اشْتِرَاطَ الْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِالْإِقْرَارِ فِي غَيْرِ الْحَدِّ إذَا وُجِدَ بِكَمَالِهِ، وَهَا هُنَا لَمْ يَكْمُلْ، فَلَمْ يَجُزْ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَوَجَبَ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ، وَالْعَمَلُ بِهَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ مَرَّةً، أَوْ دُونَ الْأَرْبَعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَمَّتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ، وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارًا تَامًّا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ بِرُجُوعِهِ، وَقَوْلُهُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ شَهِدَ شَاهِدَانِ وَاعْتَرَفَ هُوَ مَرَّتَيْنِ بِالزِّنَا]
(7193) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ، وَاعْتَرَفَ هُوَ مَرَّتَيْنِ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ، وَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ مَنْ اعْتَبَرَ إقْرَارَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ لَمْ تَكْمُلْ، وَلَا تُلَفَّقُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَإِقْرَارِ بَعْضٍ مَرَّةً.
[فَصْلٌ كَمَلَتْ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا]
(7194) فَصْلٌ: وَإِنْ كَمَلَتْ الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا، جَازَ الْحُكْمُ بِهَا، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا رَجَعُوا وَهَذِهِ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ.
وَلَنَا أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ جَازَ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ حُضُورِ الشُّهُودِ، جَازَ مَعَ غَيْبَتِهِمْ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَاحْتِمَالُ رُجُوعِهِمْ لَيْسَ بِشُبْهَةٍ كَمَا لَوْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ.
[فَصْلٌ شَهِدُوا بِزِنًا قَدِيمٍ أَوْ أَقَرَّ بِهِ]
(7195) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدُوا بِزِنًا قَدِيمٍ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ، وَجَبَ الْحَدُّ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَى زِنًا قَدِيمٍ، وَأَحُدُّهُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا شُهُودٍ شَهِدُوا بِحَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ، فَإِنَّمَا هُمْ شُهُودُ ضِغْنٍ؛ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لِلشَّهَادَةِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ يَدُلُّ عَلَى التُّهْمَةِ، فَيَدْرَأُ ذَلِكَ الْحَدَّ.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ عَلَى الْفَوْرِ، فَيَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْحَسَنُ مُرْسَلًا، وَمَرَاسِيلُ الْحَسَنِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ، وَالتَّأْخِيرُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوَغَيْبَةً، وَالْحَدُّ لَا يَسْقُطُ بِمُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ، فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ بِكُلِّ احْتِمَالٍ، لَمْ يَجِبْ حَدٌّ أَصْلًا.
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ بِالْحَدِّ مِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ]
(7196) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالْحَدِّ مِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرَةَ، حِينَ شَهِدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى، وَشَهِدَ الْجَارُودُ وَصَاحِبُهُ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ دَعْوَى.
وَلِأَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَفْتَقِرْ الشَّهَادَةُ بِهِ إلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى، كَالْعِبَادَاتِ،
يُبَيِّنُهُ أَنَّ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَا لَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَيَدَّعِيَهُ، فَلَوْ وَقَعَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الدَّعْوَى لَامْتَنَعَتْ إقَامَتُهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى حَدٍّ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُقِيمَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَتَجُوزُ إقَامَتُهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] . وَلِأَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْحَدِّ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، لَمْ تُنْكَرْ عَلَيْهِمْ شَهَادَتُهُمْ بِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ التَّعْرِيضُ بِالْوُقُوفِ عَنْ الشَّهَادَةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ لِزِيَادٍ: إنِّي لَأَرَى رَجُلًا أَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّ تَرْكَهَا أَفْضَلُ، فَلَمْ يَكُنْ بَأْسٌ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْفَضْلِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، فَقَالَ إنَّ لِي جِيرَانًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، أَفَأَرْفَعُهُمْ إلَى السُّلْطَانِ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.»
[فَصْلٌ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ]
(7197) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى الشُّهُودِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحُدُودِ، فَلَا تَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِنَّ.
وَلَنَا أَنَّ الْبَكَارَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَوُجُودُهَا يَمْنَعُ مِنْ الزِّنَا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الزِّنَا، لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِيلَاجِ فِي الْفَرْجِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ هِيَ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ فِي قُبُلِهَا، وَإِذَا انْتَفَى الزِّنَا، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا مَجْبُوبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِكَمَالِ عِدَّتِهِمْ، مَعَ احْتِمَالِ صِدْقِهِمْ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ عُذْرَتُهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُمْ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَيَجِبُ أَنْ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا مَقْبُولَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ.
فَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهَا رَتْقَاءُ، أَوْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَجْبُوبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ.
[فَصْلٌ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمْ الزُّنَاةُ]
(7198) فَصْلٌ: إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمْ الزُّنَاةُ بِهَا، لَمْ يَجِبْ
الْحَدُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ قَدْ جَرَحَهُمْ الْآخَرُونَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَالْآخَرُونَ تَتَطَرَّقُ إلَيْهِمْ التُّهْمَةُ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْآخَرِينَ صَحِيحَةٌ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا مَعْنَاهُ: لَا يُحَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَّ الزِّنَا.
وَهَلْ يُحَدُّ الْأَوَّلُونَ حَدَّ الْقَذْفِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْقَاذِفِ إذَا جَاءَ مَجِيءَ الشَّاهِدِ هَلْ يُحَدُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[فَصْلٌ كُلُّ زِنًا أَوْجَبَ الْحَدَّ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ]
فَصْلٌ: وَكُلُّ زِنًا أَوْجَبَ الْحَدَّ، لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . وَيَدْخُلُ فِيهِ اللِّوَاطُ، وَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا؛ لِأَنَّهُ زِنًا.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، بِنَاءٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ الْحَدِّ بِهِ، وَيُخَصُّ هَذَا بِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] . فَإِذَا وُطِئَتْ فِي الدُّبُرِ، دَخَلَتْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ.
وَوَطْءُ الْبَهِيمَةِ إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِهِ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشُهُودٍ أَرْبَعَةٍ.
وَإِنْ قُلْنَا لَا يُوجِبُ إلَّا التَّعْزِيرَ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَيَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَالثَّانِي: لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ فَاحِشَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ، فَأَشْبَهَ الزِّنَا.
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا، كُلُّ وَطْءٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ، كَوَطْءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَأَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطْئًا كَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَنَحْوِهَا، ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَطْءٍ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْحُقُوقِ.
[فَصْلٌ إقَامَةُ الْإِمَامِ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ]
(7200) فَصْلٌ: وَلَا يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَهُ إقَامَتُهُ بِعِلْمِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَتْ لَهُ إقَامَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَالِاعْتِرَافِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، فَبِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْلَى،
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] . وَقَالَ عُمَرُ: أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، وَلَوْ رَمَاهُ بِمَا عَلِمَهُ مِنْهُ لَكَانَ قَاذِفًا، يَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ، فَلَمْ تَجُزْ إقَامَةُ الْحَدِّ بِهِ، كَقَوْلِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا
حَرُمَ النُّطْقُ بِهِ، فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى.
فَأَمَّا السَّيِّدُ إذَا عَلِمَ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهِ، فَهَلْ لَهُ إقَامَتُهُ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُ إقَامَتَهُ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِمَامِ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ إقَامَتَهُ بِعِلْمِهِ، مَعَ قُوَّةِ وِلَايَتِهِ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى تَفْوِيضِ الْحَدِّ إلَيْهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
الثَّانِي: يَمْلِكُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ عَبْدِهِ بِعِلْمِهِ، وَهَذَا يَجْرِي مَجْرَى التَّأْدِيبِ؛ وَلِأَنَّ السَّيِّدَ أَخَصُّ بِعَبْدِهِ، وَأَتَمُّ وِلَايَةً عَلَيْهِ، وَأَشْفَقُ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ.
[فَصْلٌ أُحْبِلَتْ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ]
(7201) فَصْلٌ: وَإِذَا أُحْبِلَتْ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، وَلَا سَيِّدَ، لَمْ يَلْزَمْهَا الْحَدُّ بِذَلِكَ، وَتُسْأَلُ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ لَمْ تَعْتَرِفْ بِالزِّنَا، لَمْ تُحَدَّ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهَا الْحَدُّ إذَا كَانَتْ مُقِيمَةً غَيْرَ غَرِيبَةٍ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُ الْإِكْرَاهِ، بِأَنْ تَأْتِيَ مُسْتَغِيثَةً أَوْ صَارِخَةً؛ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَالرَّجْمُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَى مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا كَانَ مُحْصَنًا، إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُرْجَمَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ لَك عَلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرْجُمُهَا بِحَمْلِهَا، وَعَنْ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الزِّنَا زِنَاءَانِ؛ زِنَا سِرٍّ وَزِنَا عَلَانِيَةٍ، فَزِنَا السِّرِّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ، فَيَكُونَ الشُّهُودُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي، وَزِنَا الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ، فَيَكُونَ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي، وَهَذَا قَوْلُ سَادَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وَلَنَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ وَطْءِ إكْرَاهٍ أَوْ شُبْهَةٍ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَرْأَةَ تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ بِأَنْ يَدْخُلَ مَاءُ الرَّجُلِ فِي فَرْجِهَا، إمَّا بِفِعْلِهَا أَوْ فِعْلِ غَيْرِهَا.
وَلِهَذَا تُصُوِّرَ حَمْلُ الْبِكْرِ، فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابَةِ: فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ، فَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، أَنَّ امْرَأَةً رُفِعَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ، وَقَدْ حَمَلَتْ، فَسَأَلَهَا عُمَرُ، فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ، وَقَعَ عَلَيَّ رَجُلٌ وَأَنَا نَائِمَةٌ، فَمَا اسْتَيْقَظْت حَتَّى فَرَغَ.
فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ صَبِرَةَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ حَامِلٍ، فَادَّعَتْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ، فَقَالَ: خَلِّ سَبِيلَهَا.
وَكَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، أَنْ لَا يُقْتَلَ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا كَانَ فِي الْحَدِّ لَعَلَّ وَعَسَى، فَهُوَ مُعَطَّلٌ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك الْحَدُّ، فَادْرَأْ مَا اسْتَطَعْت.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ هَاهُنَا.
[فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِعَمَلِ شَيْءٍ فَزَنَى بِهَا أَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْنِيَ بِهَا]
(7202) فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِعَمَلِ شَيْءٍ، فَزَنَى بِهَا، أَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْنِيَ بِهَا، وَفَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ اشْتَرَاهَا، فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ.
وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لِمَنْفَعَتِهَا شُبْهَةٌ دَارِئَةٌ، وَلَا يُحَدُّ بِوَطْءِ امْرَأَةٍ هُوَ مَالِكٌ لَهَا.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ، وَوُجُودُ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْحَدِّ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ مِلْكَهُ مَنْفَعَتَهَا شُبْهَةٌ.
لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ بِبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ، وَمُطَاوَعَتِهَا إيَّاهُ، فَلَأَنْ لَا يَسْقُطَ بِمِلْكِهِ نَفْعُ مَحَلٍّ آخَرَ أَوْلَى، وَمَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِوَطْءِ مَمْلُوكَتِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ، فَتَغَيُّرُ حَالِهَا لَا يُسْقِطُهُ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ.
[فَصْلٌ وَطِئَ امْرَأَةً لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ]
(7203) فَصْلٌ: وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهَا، فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ، كَالدَّيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ رُجِمَ بِإِقْرَارٍ فَرَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَوْ رُجِمَ بِإِقْرَارٍ، فَرَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، كُفَّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ جُلِدَ، وَقَبْلَ كَمَالِ الْحَدِّ خُلِّيَ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمُقِرَّ بِالْحَدِّ مَتَى رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ تُرِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ، مِثْلِ الْهَرَبِ، لَمْ يُطْلَبْ؛ «لِأَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ؟» . وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَ رُجُوعُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَدِّ، قُبِلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، كَالْبَيِّنَةِ.
[فَصْلٌ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ]
(7205) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ، أَوْ الْحَاكِمِ، الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ، التَّعْرِيضُ لَهُ بِالرُّجُوعِ إذَا تَمَّ، وَالْوُقُوفُ عَنْ إتْمَامِهِ إذَا لَمْ يُتِمَّ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ مَاعِزٍ، حِينَ أَقَرَّ عِنْدَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى تَمَّمَ إقْرَارَهُ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّك قَبَّلْت، لَعَلَّك لَمَسْت» .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ: «مَا إخَالُك فَعَلْت» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَصِيفَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ أُتِيَ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ سَرَقَتْ، فَقَالَ لَهَا: أَسَرَقْت؟ قُولِي: لَا.
فَقَالَتْ: لَا.
فَخَلَّى سَبِيلَهَا.
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ لَهُ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِأَنْ لَا يُقِرَّ.
وَرَوَيْنَا عَنْ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَسَرَقْت؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الشُّرْطَةِ: اُصْدُقْ الْأَمِيرَ.
فَقَالَ الْأَحْنَفُ: الصِّدْقُ فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ مُعْجِزَةٌ.
فَعَرَّضَ لَهُ بِتَرْكِ الْإِقْرَارِ وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْطَعُ ظَرِيفٌ.
يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، ادَّعَى شُبْهَةً تَدْفَعُ عَنْهُ الْقَطْعَ.
فَلَا يُقْطَعُ.
وَيُكْرَهُ لِمَنْ عَلِمَ، أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الْإِقْرَارِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ لِهَزَّالٍ، وَقَدْ كَانَ قَالَ لِمَاعِزٍ: بَادِرْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيك قُرْآنٌ: أَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِك كَانَ خَيْرًا لَك» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: إنَّهُ أَصَابَ فَاحِشَةً.
فَقَالَ لَهُ: أَخْبَرْت بِهَذَا أَحَدًا قَبْلِي.
قَالَ: لَا.
قَالَ: فَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، وَتُبْ إلَى اللَّهِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ، وَاَللَّهُ يُغَيِّرُ وَلَا يُعَيِّرُ، فَتُبْ إلَى اللَّهِ، وَلَا تُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا.
فَانْطَلَقَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمْ تُقِرَّهُ نَفْسُهُ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ.»
[مَسْأَلَةٌ زَنَى مِرَارًا وَلَمْ يُحَدَّ]
(7206) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ زَنَى مِرَارًا وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، إذَا تَكَرَّرَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ، أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ حَدَثَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ أُخْرَى، فَفِيهَا حَدُّهَا.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَمَّنْ يَحْفَظُ عَنْهُ.
وَقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْأَمَةِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ تُحْصِنَ فَقَالَ: إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا.» وَلِأَنَّ تَدَاخُلَ الْحُدُودِ، إنَّمَا يَكُونُ مَعَ اجْتِمَاعِهَا، وَهَذَا الْحَدُّ الثَّانِي وَجَبَ بَعْدَ سُقُوطِ الْأَوَّلِ بِاسْتِيفَائِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْحُدُودُ مِنْ أَجْنَاسٍ، مِثْلِ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، أُقِيمَتْ كُلُّهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ، اُكْتُفِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ مَعَهُ إلَى الزَّجْرِ بِغَيْرِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا كَانَتْ حُدُودٌ فِيهَا قَتْلٌ، إلَّا أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ، اُسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا، وَبُدِئَ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ، فَيُبْدَأُ بِالْجَلْدِ، ثُمَّ بِالْقَطْعِ، وَيُقَدَّمُ الْأَخَفُّ فِي الْجَلْدِ عَلَى الْأَثْقَلِ، فَيُبْدَأُ فِي الْجَلْدِ بِحَدِّ الشُّرْبِ، ثُمَّ بِحَدِّ الْقَذْفِ، إنْ قُلْنَا: إنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ بِحَدِّ الزِّنَا وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ قَدَّمْنَاهُ، ثُمَّ بِحَدِّ الشُّرْبِ، ثُمَّ بِحَدِّ الزِّنَا.
[مَسْأَلَةٌ تَحَاكَمَ إلَيْنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ]
(7207) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا تَحَاكَمَ إلَيْنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، حَكَمْنَا عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَحَاكَمَ إلَيْنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، أَوْ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إحْضَارِهِمْ
وَالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ أَهْلِ أَدْيَانٍ.
هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] . وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ مَنْ قَصَدَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، كَالْمُسْلِمِينَ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] . فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ وَادَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ؛ وَلِأَنَّهُمَا كَافِرَانِ، فَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا كَالْمُعَاهَدَيْنِ، وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ اخْتَارَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] . جَمْعًا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَارُ إلَى النَّسْخِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ إلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ؛ لِلْآيَتَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ، إلَّا بِالْقِسْطِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَمَتَى حَكَمَ بَيْنَهُمَا، أَلْزَمَهُمَا حُكْمُهُ، وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا، أَجْبَرَهُ عَلَى قَبُولِ حُكْمِهِ، وَأَخْذِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ فِي الْعَهْدِ بِشَرْطِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُبْحَثُ عَنْ أَمْرِهِمْ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ أَمْرِهِمْ، إلَّا أَنْ يَأْتُوا هُمْ، فَإِنْ ارْتَفَعُوا إلَيْنَا، أَقَمْنَا عَلَيْهِمْ الْحَدَّ، عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَيْضًا: حُكْمُنَا يَلْزَمُهُمْ، وَحُكْمُنَا جَائِزٌ عَلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ، وَلَا يَدْعُوهُمَا الْحَاكِمُ، فَإِنْ جَاءُوا، حَكَمْنَا بِحُكْمِنَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، يُوجِبُ عُقُوبَةً، مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ، كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَالْقَتْلِ، فَعَلَيْهِ إقَامَةُ حَدِّهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَ زَنَى جُلِدَ إنْ كَانَ بِكْرًا وَغُرِّبَ عَامًا، وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ.
لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِيَهُودِيَّيْنِ، فَجَرَا بَعْدَ إحْصَانِهِمَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا.» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا لَهُ: إنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ . فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ.
فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَك.
فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ.
فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَنَسٌ، «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ حَجَرَيْنِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عُقُوبَتُهُ، كَالْكُفْرِ.
وَإِنْ تَظَاهَرَ بِهِ، عُزِّرَ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ مُنْكَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَعُزِّرَ عَلَيْهِ، كَالْمُسْلِمِ.
[فَصْلٌ تَحَاكَمَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ]
(7208) فَصْلٌ: وَإِنْ تَحَاكَمَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ، وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ ظُلْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ.
[مَسْأَلَةٌ قَذَفَ بَالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً مُسْلِمَةً]
(7209) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَذَفَ بَالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا، أَوْ حُرَّةً مُسْلِمَةً، جُلِدَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ) الْقَذْفُ: هُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] . وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ.
قَالُوا: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْمُحْصَنَاتُ هَاهُنَا الْعَفَائِفُ.
وَالْمُحْصَنَاتُ فِي الْقُرْآنِ جَاءَتْ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ؛ أَحَدُهَا هَذَا.
وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْمُزَوَّجَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: 25] . وَالثَّالِثُ: بِمَعْنَى الْحَرَائِرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] . وَالرَّابِعُ: بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: 25] . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إحْصَانُهَا إسْلَامُهَا.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَ، إذَا كَانَ مُكَلَّفًا.
وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ الَّذِي يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ صَاحِبِهِ، خَمْسَةٌ: الْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، وَأَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ.
وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ.
وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالُوا: إذَا قَذَفَ ذِمِّيَّةً، وَلَهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ، يُحَدُّ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، لَا يُحَدُّ وَلَهُ وَلَدٌ، كَالْمَجْنُونَةِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، فَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ شَرْطٌ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ التَّكْلِيفِ، فَأَشْبَهَ الْعَقْلَ؛ وَلِأَنَّ زِنَا الصَّبِيِّ لَا يُوجِبُ حَدًّا، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْقَذْفِ بِهِ، كَزِنَا الْمَجْنُونِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ عَفِيفٌ يَتَعَيَّرُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُمْكِنِ صِدْقُهُ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْغُلَامِ عَشْرٌ، وَلِلْجَارِيَةِ تِسْعٌ.
(7210) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ، وَالْمَجْبُوبِ، وَالْمَرِيضِ الْمُدْنِفِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْقَرْنَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ مَجْبُوبٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَذَلِكَ الرَّتْقَاءُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَارَ مُنْتَفٍ عَنْ الْمَقْذُوفِ بِدُونِ الْحَدِّ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ، وَالْحَدُّ إنَّمَا يَجِبُ لِنَفْيِ الْعَارِ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . وَالرَّتْقَاءُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ هَذَا؛ وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِمُحْصَنٍ، فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، كَقَاذِفِ الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ؛ وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْوَطْءِ أَمْرٌ خَفِيٌّ، لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَلَا يَنْتَفِي الْعَارُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِدُونِ الْحَدِّ، فَيَجِبُ، كَقَذْفِ الْمَرِيضِ.
[فَصْلٌ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ]
(7211) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارٍ لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِهَا.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: 4] . الْآيَةَ.
وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، قَذَفَ مُحْصَنًا، فَأَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
[فَصْلٌ قَدْرُ حَدِّ الْقَاذِفِ]
(7212) فَصْلٌ: وَقَدْرُ الْحَدِّ ثَمَانُونَ، إذَا كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا؛ لِلْآيَةِ وَالْإِجْمَاعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُشْتَرَطَةٌ لِكُلِّ حَدٍّ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ طَالَبَ الْمَقْذُوفُ بِالْحَدِّ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاذِفِ بَيِّنَةٌ]
(7213) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إذَا طَالَبَ الْمَقْذُوفُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاذِفِ بَيِّنَةٌ.) وَجُمْلَتُهُ أَنْ يُعْتَبَرَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بَعْدَ تَمَامِ الْقَذْفِ بِشُرُوطِهِ شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ طَلَبِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: 4] . فَيُشْتَرَطُ فِي جَلْدِهِمْ عَدَمُ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْإِقْرَارِ مِنْ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ.
إنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا، اُعْتُبِرَ شَرْطٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ امْتِنَاعُهُ مِنْ اللِّعَانِ.
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي هَذَا كُلِّهِ.
وَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ، فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفَا عَنْ الْحَدِّ، سَقَطَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَفْوِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّ بِاسْتِيفَائِهِ، فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ، كَالْقِصَاصِ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي إقَامَتِهَا الطَّلَبُ بِاسْتِيفَائِهَا، وَحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْمَسْرُوقِ، لَا بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ؛ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَيَسْتَحْلِفُ فِيهِ، وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ.
[فَصْلٌ حَدُّ قَذْفِ الْغَائِبِ]
(7214) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِقَذْفِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُطَالِبَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَتَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي، فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ، كَالْقِصَاصِ، فَإِذَا بَلَغَ وَطَالَبَ، أُقِيمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.
وَلَوْ قَذَفَ غَائِبًا، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَقْدَمَ وَيُطَالِبَ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ طَالَبَ فِي غَيْبَتِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَجُوزَ إقَامَتُهُ فِي غَيْبَتِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ؛ لِكَوْنِهِ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَلَوْ قَذَفَ عَاقِلًا، فَجُنَّ بَعْدَ قَذْفِهِ وَقَبْلَ طَلَبِهِ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يُفِيقَ وَيَطْلُبَ، وَكَذَلِكَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَبَ بِهِ قَبْلَ جُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ، جَازَتْ إقَامَتُهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً]
(7215) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، جُلِدَ أَرْبَعِينَ، بِأَدْوَنَ مِنْ السَّوْطِ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ الْحُرُّ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ إذَا قَذَفَ الْحُرَّ الْمُحْصَنَ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ،
وَعُثْمَانَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْخُلَفَاءِ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ إذَا قَذَفَ إلَّا أَرْبَعِينَ.
وَرَوَى خِلَاسٌ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي عَبْدٍ قَذَفَ حُرًّا: نِصْفُ الْجَلْدِ.
وَجَلَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا ثَمَانِينَ.
وَبِهِ قَالَ قَبِيصَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَلَعَلَّهمْ ذَهَبُوا إلَى عُمُومِ الْآيَةِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِلْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ، فَكَانَ الْعَبْدُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، كَحَدِّ الزِّنَا، وَهُوَ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ، وَقَدْ عِيبَ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ جَلْدُهُ الْعَبْدَ ثَمَانِينَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا قَبْلَهُ جَلَدَ الْعَبْدَ ثَمَانِينَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَضَرْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، جَلَدَ عَبْدًا ثَمَانِينَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ النَّاسِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: إنِّي رَأَيْت وَاَللَّهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، مَا رَأَيْت أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ فَوْقَ أَرْبَعِينَ.
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِأَدْوَنَ مِنْ السَّوْطِ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ الْحُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خُفِّفَ فِي قَدْرِهِ، خُفِّفَ فِي سَوْطِهِ، كَمَا أَنَّ الْحُدُودَ فِي أَنْفُسِهَا كَمَا قَلَّ مِنْهَا، كَانَ سَوْطُهُ أَخَفَّ، فَالْجَلْدُ فِي الشُّرْبِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْقَذْفِ، وَفِي الْقَذْفِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الزِّنَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَاوِيَ الْعَبْدُ الْحُرَّ فِي السَّوْطِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ إلَّا مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي السَّوْطِ.
[فَصْلٌ قَذَفَ وَلَدَهُ وَإِنْ نَزَلَ]
(7216) فَصْلٌ: وَإِذَا قَذَفَ وَلَدَهُ، وَإِنْ نَزَلَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ، فَلَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِهِ قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ، كَالزِّنَا.
وَلَنَا أَنَّهُ عُقُوبَةٌ تَجِبُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، فَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ، كَالْقِصَاصِ، أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِالْمُطَالَبَةِ بِاسْتِيفَائِهِ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ.
وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا يَجِبُ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ كَالْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ الْأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ الْقِصَاصَ، فَمَنَعَتْ الْحَدَّ، كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ
يُنْتَقَضُ بِالسَّرِقَةِ، فَإِنَّ الْأَبَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَالزِّنَا: أَنَّ حَدَّ الزِّنَا خَالِصٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَا حَقَّ لِلْآدَمِيِّ فِيهِ، وَحَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَلَا يَثْبُتُ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ، كَالْقِصَاصِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِجَارِيَةِ ابْنِهِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ قَذَفَ أُمَّ ابْنِهِ، وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، فَمَاتَتْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، لَمْ يَكُنْ لِابْنِهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَدِّ؛ لِأَنَّ مَا مَنَعَ ثُبُوتَهُ ابْتِدَاءً، أَسْقَطَهُ طَارِئًا كَالْقِصَاصِ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا ابْنٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِهِ، كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ إذَا مَاتَتْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَمْلِكُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ اسْتِيفَاءَهُ كُلَّهُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا قَذْفُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ، فَيُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لَهُ يَا لُوطِيُّ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّل قَذف رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ]
(7217) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لَهُ: يَا لُوطِيُّ.
سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ.
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ أَرَدْت أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَهُوَ كَمَنْ قَذَفَ بِالزِّنَا) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ (7218) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، إمَّا فَاعِلًا وَإِمَّا مَفْعُولًا، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا، أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، فَأَمَّا إنْ قَذَفَهُ بِإِتْيَانِ بَهِيمَةٍ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى فَاعِلِهِ، فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى فَاعِلِهِ، أَوْجَبَ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ، وَمَنْ لَا فَلَا.
وَكُلُّ مَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِفِعْلِهِ، لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ، كَمَا لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، أَوْ قَذَفَ امْرَأَةً بِالْمُسَاحَقَةِ، أَوْ بِالْوَطْءِ مُسْتَكْرَهَةً، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ؛ وَلِأَنَّهُ رَمَاهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: يَا كَافِرُ، يَا فَاسِقُ، يَا سَارِقُ، يَا مُنَافِقُ، يَا فَاجِرُ، يَا خَبِيثُ، يَا أَعْوَرُ، يَا أَقْطَعُ، يَا أَعْمَى ابْنَ الزَّمَنِ الْأَعْمَى الْأَعْرَجِ.
فَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَلَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ قَالَ يَا كَاذِبُ.
يَا نَمَّامُ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِسَبِّ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَ مَنْ لَا يُوجِبُ قَذْفُهُ الْحَدَّ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي قَالَ أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَمَا قَالَ لَهُ يَا لُوطِيُّ]
(7219) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ.
فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ
الْحَدُّ، بِقَوْلِهِ: يَا لُوطِيُّ.
وَلَا يُسْمَعُ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُحِيلُ الْقَذْفَ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَنَحْوُهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ.
وَنَحْوُ هَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ.
قَالَ الْحَسَنُ: إذَا قَالَ: نَوَيْت أَنَّ دِينَهُ دِينُ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ: قَالَ أَرَدْت أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ.
فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِهِ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي غَضَبٍ، قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْقَذْفِ.
بِخِلَافِ حَالِ الرِّضَا.
وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا إلَّا الْقَذْفُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، فَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، كَقَوْلِهِ: يَا زَانِي.
وَلِأَنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ.
(7220) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّك عَلَى دِينِ لُوطٍ، أَوْ أَنَّك تُحِبُّ الصِّبْيَانَ، أَوْ تُقَبِّلَهُمْ، أَوْ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ، أَوْ أَنَّك تَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ، غَيْرَ إتْيَانِ الْفَاحِشَةِ، أَوْ أَنَّك تَنْهَى عَنْ الْفَاحِشَةِ كَنَهْيِ لُوطٍ عَنْهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، خُرِّجَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْصُوصَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِرَجُلٍ يَا مَعْفُوجُ]
(7221) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: يَا مَعْفُوجُ) الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ قَالَ: يَا مَعْفُوجُ.
أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى تَفْسِيرِهِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْفَاحِشَةِ، مِثْلِ أَنْ قَالَ: أَرَدْت يَا مَفْلُوجُ أَوْ يَا مُصَابًا دُونَ الْفَرْجِ.
وَنَحْوَ هَذَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَا لَا حَدَّ فِيهِ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ شَرْطُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ]
(7222) فَصْلٌ: وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ إلَّا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: يَا زَانِي.
أَوْ يَنْطِقَ بِاللَّفْظِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْجِمَاعِ، فَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى تَفْسِيرِهِ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا مُخَنَّثُ.
أَوْ لِامْرَأَةٍ: يَا قَحْبَةُ.
وَفَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ، مِثْلِ أَنْ يُرِيدَ بِالْمُخَنَّثِ أَنَّ فِيهِ طِبَاعَ التَّأْنِيثِ وَالتَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ، وَبِالْقَحْبَةِ أَنَّهَا تَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا فَاجِرَةُ، يَا خَبِيثَةُ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي هَذَا رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ قَذْفٌ صَرِيحٌ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا أَرَى الْحَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِالْقَذْفِ وَالشَّتِيمَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْحَدُّ عَلَى مَنْ نَصَبَ الْحَدَّ نَصْبًا.
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ الزِّنَا، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي الْقَذْفِ، كَقَوْلِهِ: يَا فَاسِقُ.
وَإِنْ فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالزِّنَا، فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا.
[فَصْلٌ التَّعْرِيضُ بِالْقَذْفِ]
(7223) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: مَا أَنْتَ بِزَانٍ، مَا يَعْرِفُك النَّاسُ بِالزِّنَا، يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ.
أَوْ يَقُولَ: مَا أَنَا بِزَانٍ، لَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ.
فَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ حَدٌّ وَلَا غَيْرُهُ.
وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ وَالتَّصْرِيحِ بِهَا، فَأَبَاحَ التَّعْرِيضَ فِي الْعِدَّةِ، وَحَرَّمَ التَّصْرِيحَ، فَكَذَلِكَ فِي الْقَذْفِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، كَقَوْلِهِ: يَا فَاسِقُ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ حِينَ شَاوَرَهُمْ فِي الَّذِي قَالَ لِصَاحِبِهِ: مَا أَنَا بِزَانٍ، وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ.
فَقَالُوا: قَدْ مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَّضَ بِصَاحِبِهِ.
فَجَلَدَهُ الْحَدَّ.
وَقَالَ مَعْمَرٌ: إنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْلِدُ الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، أَنَّ عُثْمَانَ جَلَدَ رَجُلًا قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ شَامَّةِ الْوَذْرِ.
يُعَرِّضُ لَهُ بِزِنَا أُمِّهِ.
وَالْوَذْرُ: قِدْرُ اللَّحْمِ.
يُعَرِّضُ لَهُ بِكَمَرِ الرِّجَالِ وَلِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهَا، كَالصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالْكِنَايَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ، وَلَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلَى الْقَذْفِ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَذْفًا.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ صُوَرِ التَّعْرِيضِ، أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَةِ آخَرَ: قَدْ فَضَحْته، وَغَطَّيْت رَأْسَهُ، وَجَعَلْت لَهُ قُرُونًا، وَعَلَّقْت عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَفْسَدْت فِرَاشَهُ، وَنَكَّسْت رَأْسَهُ.
وَذَكَرَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ فِي التَّعْرِيضِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِرَجُلٍ يَا دَيُّوثُ يَا كَشْخَانُ]
(7224) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا دَيُّوثُ، يَا كَشْخَانُ.
فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعَزَّرُ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: الدَّيُّوثُ الَّذِي يُدْخِلُ الرِّجَالَ عَلَى امْرَأَتِهِ.
وَقَالَ ثَعْلَبُ: الْقَرْطَبَانُ الَّذِي يَرْضَى أَنْ يَدْخُلَ الرِّجَالُ عَلَى امْرَأَتِهِ.
وَقَالَ: الْقَرْنَانُ وَالْكَشْحَانُ، لَمْ أَرَهُمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمَعْنَاهُمَا عِنْدَ الْعَامَّةِ مِثْلُ مَعْنَى الدَّيُّوثِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.
فَعَلَى الْقَاذِفِ بِهِ التَّعْزِيرُ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الدَّيُّوثِ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهُ بِمَا لَا حَدَّ فِيهِ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا قَرْنَانُ: إذَا كَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ أَوْ بَنَاتٌ فِي الْإِسْلَامِ، ضُرِبَ الْحَدَّ.
يَعْنِي أَنَّهُ قَاذِفٌ لَهُنَّ.
وَقَالَ خَالِدٌ، عَنْ أَبِيهِ الْقَرْنَانُ عِنْدَ الْعَامَّةِ: مَنْ لَهُ بَنَاتٌ.
وَالْكَشْحَانُ: مَنْ لَهُ أَخَوَاتٌ.
يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا كَانَ يُدْخِلُ الرِّجَالَ عَلَيْهِنَّ.
وَالْقَوَّادُ عِنْدَ الْعَامَّةِ: السِّمْسَارُ فِي الزِّنَا.
وَالْقَذْفُ بِذَلِكَ كُلِّهِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
[فَصْلٌ نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ]
(7225) فَصْلٌ: وَإِذَا نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَكَذَلِكَ إذَا نَفَاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، إذَا نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ أُمُّهُ مُسْلِمَةً، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ رَقِيقَةً، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَهَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «لَا أُوتَى بِرَجُلٍ يَقُولُ: إنَّ كِنَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ.
إلَّا جَلَدْتُهُ» وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ لَا جَلْدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ؛ رَجُلٍ قَذَفَ مُحْصَنَةً أَوْ نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ.
وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا.
فَأَمَّا إنْ نَفَاهُ عَنْ أُمِّهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أَحَدًا بِالزِّنَا.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا، فَلَسْت بِابْنِ فُلَانٍ.
فَلَا حَدَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ بِنَفْيِ الرَّجُلِ عَنْ قَبِيلَتِهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّمْيُ بِالزِّنَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِلْأَعْجَمِيِّ: إنَّك عَرَبِيُّ.
وَلَوْ قَالَ لِلْعَرَبِيِّ: أَنْتَ نَبَطِيٌّ.
أَوْ فَارِسِيٌّ.
فَلَا حَدَّ فِيهِ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّك نَبَطِيُّ اللِّسَانِ أَوْ الطَّبْعِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ احْتِمَالًا كَثِيرًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ.
وَمَتَى فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ، فَهُوَ قَاذِفٌ.
[فَصْلٌ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فَقَالَ آخَرُ صَدَقْت]
(7226) فَصْلٌ: وَإِذَا قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا، فَقَالَ آخَرُ: صَدَقْت، فَالْمُصَدِّقُ قَاذِفٌ أَيْضًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ
يَنْصَرِفُ إلَى مَا قَالَهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ، فَقَالَ: صَدَقْت.
كَانَ إقْرَارًا بِهَا.
وَلَوْ قَالَ: أَعْطِنِي ثَوْبِي هَذَا.
فَقَالَ: صَدَقْت.
كَانَ إقْرَارًا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا يَكُونُ قَاذِفًا.
وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِتَصْدِيقِهِ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ.
وَلَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّك زَنَيْت.
لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، سَوَاءٌ كَذَّبَهُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ أَوْ صَدَّقَهُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَكُونُ قَاذِفًا إذَا كَذَّبَهُ الْآخَرُ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ.
وَنَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِزِنَاهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ قُذِفَ، فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَدْ قَذَفَ رَجُلًا.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتَ أَزْنَى مِنْ فُلَانٍ أَوْ أَزْنَى النَّاسِ]
(7227) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلَانٍ، أَوْ أَزْنَى النَّاسِ، فَهُوَ قَاذِفٌ لَهُ.
وَهَلْ يَكُونُ قَاذِفًا لِلثَّانِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَكُونُ قَاذِفًا لَهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الزِّنَا إلَيْهِمَا، وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا فِيهِ أَبْلَغَ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ لِلتَّفْضِيلِ، فَيَقْتَضِي اشْتِرَاكَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ، وَتَفْضِيلَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: أَجْوَدُ مِنْ حَاتِمٍ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ قَاذِفًا لِلْمُخَاطَبِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمُنْفَرِدِ بِالْفِعْلِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: 35] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: 81] . وَقَالَ لُوطٌ: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: 78] . أَيْ: مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ، وَلَا طَهَارَةَ فِيهِمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ بِقَذْفٍ لِلْأَوَّلِ وَلَا لِلثَّانِي، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ.
وَلَنَا أَنَّ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتَ زَانٍ.
[فَصْلٌ قَالَ لِرَجُلٍ زَنَأْت مَهْمُوزًا]
(7228) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: زَنَأْت.
مَهْمُوزًا.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ قَذْفٌ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْقَذْفَ، فَكَانَ قَذْفًا، كَمَا لَوْ قَالَ: زَنَيْت.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ عَامِّيًّا، فَهُوَ قَذْفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ إلَّا الْقَذْفَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ قَذْفًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، طَلَعْت، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ مَوْضُوعَهُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا وَجْهَانِ.
وَإِنْ قَالَ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ.
فَالْحُكْمُ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ:
زَنَأْت.
وَلَمْ يَقُلْ: فِي الْجَبَلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، لَيْسَ بِقَذْفٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَامِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَوْضُوعَهُ فِي اللُّغَةِ، تَعَيَّنَ مُرَادُهُ فِي الْقَذْفِ، وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ سِوَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِالْقَذْفِ، أَوْ لَحَنَ لَحْنًا غَيْرَ هَذَا.
[فَصْلٌ قَالَ لِرَجُلٍ يَا زَانِيَةُ أَوْ لِامْرَأَةٍ يَا زَانٍ]
(7229) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ.
أَوْ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانٍ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَذْفِهِمَا.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ، إلَّا أَنْ يُفَسِّرَهُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: يَا زَانِيَةُ أَيْ: يَا عَلَّامَةُ فِي الزِّنَا، كَمَا يُقَالُ لِلْعَالِمِ: عَلَّامَةٌ.
وَلِكَثِيرِ الرِّوَايَةِ: رَاوِيَةٌ.
وَلِكَثِيرِ الْحِفْظِ: حَفَظَةٌ.
وَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ قَذْفًا لِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ، كَانَ قَذْفًا لِلْآخَرِ، كَقَوْلِهِ: زَنَيْت.
بِفَتْحِ التَّاءِ وَبِكَسْرِهَا لَهُمَا جَمِيعًا؛ وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ خِطَابٌ لَهُمَا، وَإِشَارَةٌ إلَيْهِمَا بِلَفْظِ الزِّنَا، وَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ التَّمْيِيزِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَحَذْفِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: يَا شَخْصًا زَانِيًا: أَوْ لِلرَّجُلِ: يَا نَسَمَةً زَانِيَةً.
كَانَ قَاذِفًا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّامَةٌ فِي الزِّنَا، لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ مَا كَانَ اسْمًا لِلْفِعْلِ إذَا دَخَلَتْهُ الْهَاءُ كَانَتْ لِلْمُبَالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: حَفَظَةٌ.
لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحِفْظِ، وَرَاوِيَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الرِّوَايَةِ.
وَكَذَلِكَ هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ وَصُرَعَةٌ.
وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يُذَكِّرُ الْمُؤَنَّثَ، وَيُؤَنِّثُ الْمُذَكَّرَ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ بِهِ مُرَادًا بِمَا يُرَادُ بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِرَجُلٍ زَنَيْت بِفُلَانَةَ]
(7230) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: زَنَيْت بِفُلَانَةَ.
كَانَ قَاذِفًا لَهُمَا.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا نَاكِحَ أُمِّهِ.
مَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ أُمُّهُ حَيَّةً، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلرَّجُلِ.
وَلِأُمِّهِ حَدٌّ.
وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِي.، قَالَ عَلَيْهِ حَدَّانِ قُلْت: أَبَلَغَك فِي هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ: مَكْحُولٌ قَالَ: فِيهِ حَدَّانِ.
وَإِنْ أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَهُوَ قَاذِفٌ لَهَا، سَوَاءٌ أَلَزِمَهُ حَدُّ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ أَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الزِّنَا بِهَا مِنْ غَيْرِ زِنَاهَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مُكْرَهَةً، أَوْ مَوْطُوءَةً بِشُبْهَةٍ.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ، أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَجَلَدَهُ مِائَةً، وَكَانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَقَالَتْ: كَذَبَ وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ» . وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَنْفِي الْحَدَّ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ: يَا نَائِكَ أُمِّهِ.
فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ بِشُبْهَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ جُلِدَ رَجُلٌ قَالَ لِرَجُلٍ ذَلِكَ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ.
فَقَالَتْ: بِك زَنَيْت.
فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: لَا حَدَّ
عَلَيْهَا فِي قَوْلِهَا: بِك زَنَيْت؛ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الزِّنَا بِهِ مَعَ كَوْنِهِ وَاطِئًا بِشُبْهَةٍ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ؛ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا، وَلَيْسَ هَذَا بِإِقْرَارٍ صَحِيحٍ.
وَلَنَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: صَدَقْت.
وَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ.
قَالَتْ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ.
وَيَلْزَمُهَا لَهُ هَاهُنَا حَدُّ الْقَذْفِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا أَضَافَتْ إلَيْهِ الزِّنَا، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا أَضَافَتْهُ إلَى نَفْسِهَا.
[مَسْأَلَةٌ قَذَفَ رَجُلًا فَلَمْ يُقَمْ الْحَدُّ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ]
(7231) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا، فَلَمْ يُقَمْ الْحَدُّ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ، لَمْ يَزُلْ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ) وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ، وَدَاوُد.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى حَالَةِ إقَامَةِ الْحَدِّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ أَوْ جُنَّ، لَمْ يُقَمْ الْحَدُّ؛ وَلِأَنَّ وُجُودَ الزِّنَا مِنْهُ يُقَوِّي قَوْلَ الْقَاذِفِ، وَيَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ إذَا طَرَأَ الْفِسْقُ بَعْدَ أَدَائِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا.
وَلَنَا أَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَجَبَ وَتَمَّ بِشُرُوطِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِزَوَالِ شَرْطِ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ زَنَى بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، أَوْ سَرَقَ عَيْنًا، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا أَوْ مَلَكَهَا، وَكَمَا لَوْ جُنَّ الْمَقْذُوفُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهَا.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الشُّرُوطَ لِلْوُجُوبِ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا إلَى حِينِ الْوُجُوبِ، وَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ، وَيَبْطُلُ بِالْأُصُولِ الَّتِي قِسْنَا عَلَيْهَا.
وَأَمَّا إذَا جُنَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْحَدُّ، فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ اسْتِيفَاؤُهُ؛ لِتَعَذُّرِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَابَ مَنْ لَهُ الْحَدُّ.
وَإِنْ ارْتَدَّ مَنْ لَهُ الْحَدُّ لَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُ وَأَمْلَاكَهُ تَزُولُ أَوْ تَكُونُ مَوْقُوفَةً.
وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ، فَإِنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ بِهَا، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا إلَى حِينِ الْحُكْمِ بِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْعِفَّةَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، فَلَا تُعْتَبَرُ إلَّا إلَى حِينِ الْوُجُوبِ.
[فَصْلٌ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى ذِمِّيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ]
(7232) فَصْلٌ: وَلَوْ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى ذِمِّيٍّ، أَوْ مُرْتَدٍّ، فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ عَادَ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ.
وَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا دَخَلَ بِأَمَانٍ.
[مَسْأَلَةٌ قَذَفَ مُشْرِكًا أَوْ عَبْدًا أَوْ مُسْلِمًا لَهُ دُونَ الْعَشْرِ سِنِينَ أَوْ مُسْلِمَةً لَهَا دُونَ التِّسْعِ سِنِينَ]
(7233) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَذَفَ مُشْرِكًا أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا لَهُ دُونَ الْعَشْرِ سِنِينَ، أَوْ مُسْلِمَةً لَهَا دُونَ التِّسْعِ سِنِينَ، أُدِّبَ، وَلَمْ يُحَدَّ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْحُرِّيَّةَ، وَإِدْرَاكَ سِنٍّ يُجَامِعُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهِ شُرُوطٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِهِ، فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهَا، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَكِنْ يَجِبُ تَأْدِيبُهُ، رَدْعًا لَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَعْصُومِينَ، وَكَفًّا لَهُ عَنْ أَذَاهُمْ، وَحَدُّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ، أَنْ يَبْلُغَ الْغُلَامُ عَشْرًا، وَالْجَارِيَةُ تِسْعًا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْقَاذِفُ وَالْمَقْذُوفُ]
(7234) فَصْلٌ: فَإِنْ اخْتَلَفَ الْقَاذِفُ وَالْمَقْذُوفُ، فَقَالَ الْقَاذِفُ: كُنْت صَغِيرًا حِينَ قَذَفْتُك.
وَقَالَ الْمَقْذُوفُ: كُنْت كَبِيرًا.
فَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْحَدِّ.
فَإِنْ أَقَامَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَذَفَهُ صَغِيرًا، وَأَقَامَ الْمَقْذُوفُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَذَفَهُ كَبِيرًا، وَكَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ مُؤَرَّخَتَيْنِ تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَهُمَا قَذْفَانِ؛ مُوجَبُ أَحَدِهِمَا التَّعْزِيرُ، وَالثَّانِي الْحَدُّ، وَإِنْ بَيَّنَتَا تَارِيخًا وَاحِدًا، وَقَالَتْ إحْدَاهُمَا: وَهُوَ صَغِيرٌ.
وَقَالَتْ الْأُخْرَى: وَهُوَ كَبِيرٌ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ تَارِيخُ بَيِّنَةِ الْمَقْذُوفِ قَبْلَ تَارِيخِ بَيِّنَةِ الْقَاذِفِ.
[مَسْأَلَةٌ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا]
(7235) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا، وَقَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُشْرِكٌ.
لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، وَحُدَّ الْقَاذِفُ، إذَا طَلَبَ الْمَقْذُوفُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَبْدًا) . إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا مُحْصَنًا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَوُجُودِ الْمَعْنَى، فَإِذَا ادَّعَى مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ قَذَفَ كَبِيرًا، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ صَغِيرٌ، فَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ: زَنَيْت فِي شِرْكِك.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى.
وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ يُحَدُّ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ وُجِدَ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُحْصَنًا.
وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الْقَذْفَ إلَى حَالٍ نَاقِصَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ فِي حَالِ الشِّرْكِ؛ وَلِأَنَّهُ قَذَفَهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْمَقْذُوفِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَذَفَ مَنْ كَانَ رَقِيقًا، فَقَالَ: زَنَيْت فِي حَالِ رِقِّك.
أَوْ قَالَ زَنَيْت وَأَنْتَ طِفْلٌ.
وَإِنْ قَالَ: زَنَيْت وَأَنْتَ صَبِيٌّ أَوْ صَغِيرٌ.
سُئِلَ عَنْ الصِّغَرِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِصِغَرٍ لَا يُجَامِعُ فِي مِثْلِهِ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِصِغَرٍ يُجَامِعُ فِي مِثْلِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: زَنَيْت إذْ كُنْت مُشْرِكًا.
أَوْ: إذْ كُنْت
رَقِيقًا.
فَقَالَ الْمَقْذُوفُ: مَا كُنْت مُشْرِكًا وَلَا رَقِيقًا.
نَظَرْنَا، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا أَوْ رَقِيقًا، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا كَذَلِكَ، وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ وَالرِّقِّ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَإِسْلَامُ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْقَاذِفِ.
وَإِنْ قَالَ: زَنَيْت وَأَنْتَ مُشْرِكٌ.
فَقَالَ الْمَقْذُوفُ أَرَدْت قَذْفِي بِالزِّنَا وَالشِّرْكِ مَعًا.
وَقَالَ الْقَاذِفُ: بَلْ أَرَدْت قَذْفَك بِالزِّنَا إذْ كُنْت مُشْرِكًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي بَيِّنَتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَأَنْتَ مُشْرِكٌ، مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَهُوَ حَالٌ لِقَوْلِهِ: زَنَيْت.
كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2] .
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ الْحَدُّ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: زَنَيْت.
خِطَابٌ فِي الْحَالِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ زِنَاهُ فِي الْحَالِ.
وَهَكَذَا إنْ قَالَ: زَنَيْت وَأَنْتَ عَبْدٌ.
وَإِنْ قَذَفَ مَجْهُولًا، وَادَّعَى أَنَّهُ رَقِيقٌ أَوْ مُشْرِكٌ.
فَقَالَ الْمَقْذُوفُ: بَلْ أَنَا حُرٌّ مُسْلِمٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْحَدِّ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَمَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ، كَالْوَجْهَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَا خَالَفَهُ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ صَرِيحَ الْقَذْفِ بِمَا يُحِيلُهُ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مُشْرِكٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِسْلَامُ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ: أَنَا مُسْلِمٌ.
بِخِلَافِ الْحُرِّيَّةِ.
قُلْنَا: إنَّمَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ بِقَوْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا الْمَاضِي، فَلَا يَثْبُتُ بِمَا جَاءَ بَعْدَهُ، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا حَالَ الْقَذْفِ بِقَوْلِهِ فِي حَالِ النِّزَاعِ، فَاسْتَوَيَا.
[مَسْأَلَةٌ قَذَفَ الْمُلَاعِنَةَ]
(7236) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلَاعِنَةَ) . نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْمُلَاعِنَةِ، أَنْ لَا تُرْمَى، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا.، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ حَصَانَتَهَا لَمْ تَسْقُطْ بِاللِّعَانِ، وَلَا يُبَتُّ الزِّنَا بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا بِهِ حَدٌّ.
وَمَنْ قَذَفَ ابْنَ الْمُلَاعِنَةِ، فَقَالَ: هُوَ وَلَدُ زِنًا.
فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: هُوَ مِنْ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَيْسَ هُوَ ابْنُ فُلَانٍ.
يَعْنِي الْمُلَاعِنَ، وَأَرَادَ أَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ.
[فَصْلٌ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ حَدٍّ]
(7237) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ، أَوْ حَدٍّ بِالزِّنَا، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ؛ وَلِأَنَّ إحْصَانَ الْمَقْذُوفِ قَدْ زَالَ بِالزِّنَا.
وَلَوْ قَالَ لِمَنْ زَنَى فِي شِرْكِهِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بِذَاتِ مَحْرَمِهِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: يَا زَانِي.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، إذَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ مُسْلِمًا لَمْ يَثْبُتْ زِنَاهُ فِي إسْلَامِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ زِنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّهُ صَادِقٌ.
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: وَمَنْ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا، وَقَالَ أَرَدْت أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُشْرِكٌ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَحُدَّ.
[مَسْأَلَةٌ مُطَالَبَةُ الِابْنِ بِحَدِّ الْقَذْفِ عَنْ أُمِّهِ]
(7238) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قُذِفَتْ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ، إذَا كَانَتْ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ) . وَإِنْ قُذِفَتْ أُمُّهُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، حُدَّ الْقَاذِفُ إذَا طَالَبَ الِابْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا.
أَمَّا إذَا قُذِفَتْ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ، فَلَيْسَ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَلَا يُطَالِبُ بِهِ غَيْرُهَا، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لِلتَّشَفِّي، فَلَا يَقُومُ فِيهِ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ مَقَامَهُ، كَالْقِصَاصِ، وَتُعْتَبَرُ حَصَانَتُهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَتُعْتَبَرُ حَصَانَتُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ.
وَأَمَّا إنْ قُذِفَتْ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، فَإِنَّ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِي نَسَبِهِ؛ وَلِأَنَّهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ يَنْسُبُهُ إلَى أَنَّهُ مِنْ زِنًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَلِذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْحَصَانَةُ فِيهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْحَصَانَةُ فِي أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ بِحَالٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمَنْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ، فَأَشْبَهَ قَذْفَ الْمَجْنُونِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ، وَيَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِ الْمِيرَاثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَقْذِفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحَدَّ بِقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ إذَا كَانَ حَيًّا، فَلَأَنْ لَا يُحَدَّ بِقَذْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْلَى.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُلَاعِنَةِ: «وَمَنْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ» . يَعْنِي: مَنْ رَمَاهُ بِأَنَّهُ وَلَدُ زِنًا.
وَإِذَا وَجَبَ بِقَذْفِ ابْنِ الْمُلَاعِنَةِ بِذَلِكَ، فَبِقَذْفِ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَوْجَبُوا الْحَدَّ عَلَى مَنْ نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ، إذَا كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ، وَالْحَدُّ إنَّمَا وَجَبَ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُورَثُ عِنْدَهُمْ.
فَأَمَّا إنْ قُذِفَتْ أُمُّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَهُوَ مُشْرِكٌ أَوْ عَبْدٌ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُمُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا قَالَ لِكَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ: لَسْت لِأَبِيكَ، وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ
مُسْلِمَانِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَإِنْ قَالَ لِعَبْدٍ، أُمُّهُ حُرَّةٌ وَأَبُوهُ عَبْدٌ: لَسْت لِأَبِيك.
فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِلْقَاذِفِ عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ أَنْ يُحَدَّ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا قَذْفٌ لِأُمِّهِ، فَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهَا دُونَ إحْصَانِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً، كَانَ الْقَذْفُ لَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مَيِّتَةً؛ وَلِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ أُمَّك زَنَتْ، فَأَتَتْ بِك مِنْ الزِّنَا، فَإِذَا كَانَ مِنْ الزِّنَا مَنْسُوبًا إلَيْهَا، كَانَتْ هِيَ الْمَقْذُوفَةَ دُونَ وَلَدِهَا.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَذْفُ لَهَا، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ، وَالْعَبْدَ لَا يَرِثُ الْحُرَّ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ الْحَدَّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ بِحَالٍ، فَيَثْبُتُ أَنَّ الْقَذْفَ لَهُ، فَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهُ دُونَ إحْصَانِهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[فَصْلٌ مُطَالَبَةُ الِابْنِ بِحَدِّ الْقَذْفِ عَنْ جَدَّتِهِ]
(7239) فَصْلٌ: وَإِنْ قُذِفَتْ جَدَّتُهُ، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ كَقَذْفِ أُمِّهِ، إنْ كَانَتْ حَيَّةً، فَالْحَقُّ لَهَا، وَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهَا، وَلَيْسَ لِغَيْرِهَا الْمُطَالَبَةُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ إذَا كَانَ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي نَسَبِهِ.
فَأَمَّا إنْ قَذَفَ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ بِقَذْفِ أُمِّهِ حَقًّا لَهُ، لِنَفْيِ نَسَبِهِ، لَا حَقًّا لِلْمَيِّتِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ إحْصَانُ الْمَقْذُوفَةِ، وَاعْتُبِرَ إحْصَانُ الْوَلَدِ، وَمَتَى كَانَ الْمَقْذُوفُ مِنْ غَيْرِ أُمَّهَاتِهِ، لَمْ يَتَضَمَّنْ نَفْيَ نَسَبِهِ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَيَنْقَسِمُ انْقِسَامَ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ، كَالْحَيِّ.
وَلَنَا أَنَّهُ قَذْفُ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ، كَالْمَجْنُونِ، أَوْ نَقُولُ: قَذَفَ مَنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ، كَقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَفَارَقَ قَذْفَ الْحَيِّ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ]
(7240) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا) يَعْنِي أَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
أَحْمَدُ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ رِدَّةٌ، وَالْمُرْتَدُّ يُسْتَتَابُ، وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا حَدُّ قَذْفٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، كَقَذْفِ غَيْرِ أُمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَسَقَطَ حَدُّهُ، لَكَانَ أَخَفَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحَادِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ قَذْفَ غَيْرِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا إذَا كَانَ الْقَاذِفُ كَافِرًا فَأَسْلَمَ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ حَدُّ
قَذْفٍ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ، كَقَذْفِ غَيْرِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُفْرِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، فَسَبُّ نَبِيِّهِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالْخِلَافُ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ عَنْهُ، فَأَمَّا تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَقْبُولَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، وَالْحُكْمُ فِي قَذْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْحُكْمِ فِي قَذْفِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ قَذْفَ أُمِّهِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْقَتْلَ؛ لِكَوْنِهِ قَذْفًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْحًا فِي نَسَبِهِ.
(7241) فَصْلٌ: وَقَذْفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَذْفُ أُمِّهِ، رِدَّةٌ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَخُرُوجٌ عَنْ الْمِلَّةِ، وَكَذَلِكَ سَبُّهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، إلَّا أَنَّ سَبَّهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، فَسَبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ «، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي، أَمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ إنِّي اتَّخَذْت وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ» . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ إسْلَامَ النَّصْرَانِيِّ الْقَائِلِ لِهَذَا الْقَوْلِ يَمْحُو ذَنْبَهُ.
[مَسْأَلَةٌ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ]
(7242) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ إذَا طَالَبُوا، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) وَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ كَامِلٌ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَلَزِمَهُ لَهُ حَدٌّ كَامِلٌ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَذْفِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ؛ وَلِأَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ قَذَفُوا امْرَأَةً، فَلَمْ يَحُدَّهُمْ عُمَرُ إلَّا حَدًّا وَاحِدًا؛ وَلِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ قَذَفَ وَاحِدًا؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ بِإِدْخَالِ الْمَعَرَّةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ، وَبِحَدٍّ وَاحِدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هَذَا الْقَاذِفِ، وَتَزُولُ الْمَعَرَّةُ، فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا، فَإِنَّ كَذِبَهُ فِي قَذْفٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَذِبُهُ فِي آخَرَ، وَلَا تَزُولُ الْمَعَرَّةُ عَنْ أَحَدِ الْمَقْذُوفِينَ بِحَدِّهِ لِلْآخَرِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُمْ إنْ طَلَبُوهُ جُمْلَةً، حُدَّ لَهُمْ، وَإِنْ طَلَبَهُ وَاحِدٌ، أُقِيمَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَأَيُّهُمْ طَالَبَ بِهِ اسْتَوْفَى وَسَقَطَ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الطَّلَبُ بِهِ، كَحَقِّ الْمَرْأَةِ، عَلَى أَوْلِيَائِهَا تَزْوِيجُهَا، إذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ.
وَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمْ، فَلِغَيْرِهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَاسْتِيفَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ عَنْهُ لَمْ تَزُلْ بِعَفْوِ صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي الطَّلَبُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُمْ إنْ طَلَبُوهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبُوهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُقَمْ حَتَّى طَلَبَهُ الْكُلُّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ وَإِنْ طَلَبَهُ وَاحِدٌ، فَأُقِيمَ لَهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ آخَرُ أُقِيمَ لَهُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى طَلَبِهِ، وَقَعَ اسْتِيفَاؤُهُ بِجَمِيعِهِمْ، وَإِذَا طَلَبَهُ وَاحِدٌ مُنْفَرِدًا كَانَ اسْتِيفَاؤُهُ لَهُ وَحْدَهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْبَاقِينَ بِغَيْرِ اسْتِيفَائِهِمْ وَلَا إسْقَاطِهِمْ.
[فَصْلٌ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَاتٍ]
(7243) فَصْلٌ: وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَاتٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ حَمَّادٌ، وَمَالِكٌ: لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ زَنَى بِنِسَاءٍ، أَوْ شَرِبَ أَنْوَاعًا مِنْ الْمُسْكِرِ.
وَلَنَا أَنَّهَا حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ.
وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ.
فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
[فَصْلٌ قَالَ لِرَجُلٍ يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ]
(7244) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ.
فَهُوَ قَاذِفٌ لَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ، ثَبَتَ الْحَقُّ لِوَلَدِهِمَا، وَلَمْ يَجِبْ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ قَالَ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِي.
فَهُوَ قَذْفٌ لَهُمَا بِكَلِمَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدٌّ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، فَالظَّاهِرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ.
وَإِنْ قَالَ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِيَةِ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ فِي الْحَيَاةِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً، فَالْقَذْفَانِ جَمِيعًا لَهُ.
وَإِنْ قَالَ: زَنَيْت بِفُلَانَةَ.
فَهُوَ قَذْفٌ لَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا نَاكِحَ أُمِّهِ.
وَيُخَرَّجُ فِيهِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[فَصْلٌ قَذَفَ رَجُلًا مَرَّاتٍ]
(7245) فَصْلٌ: وَإِنْ قَذَفَ رَجُلًا مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ قَذَفَهُ بِزِنًا وَاحِدٍ، أَوْ بِزَنْيَاتٍ.
وَإِنْ قَذَفَهُ فَحُدَّ، ثُمَّ أَعَادَ قَذْفَهُ، نَظَرْت، فَإِنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَا الَّذِي حُدَّ مِنْ أَجْلِهِ، لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهُ أَوْجَبَ حَدًّا ثَانِيًا.
وَهَذَا يُخَالِفُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمَّا حُدَّ بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ، أَعَادَ قَذْفَهُ فَلَمْ يَرَوْا عَلَيْهِ حَدًّا ثَانِيًا، فَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ أَنَّهُ زَانٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَكَبُرَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: شَاطَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَجَاءَ زِيَادٌ، فَقَالَ: مَا عِنْدَك؟ فَلَمْ يَثْبُتْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَجُلِدُوا، وَقَالَ: شُهُودُ زُورٍ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَلَيْسَ تَرْضَى أَنْ أَتَاك رَجُلٌ عَدْلٌ يَشْهَدُ بِرَجْمِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ زَانٍ.
فَأَرَادَ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ الْجَلْدَ، فَقَالَ عَلِيٌّ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّك إنْ أَعَدْت عَلَيْهِ الْجَلْدَ، أَوْجَبْت عَلَيْهِ الرَّجْمَ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: فَلَا يُعَادُ فِي فِرْيَةٍ جَلْدٌ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قَوْلَ عَلِيٍّ: إنْ جَلَدْتَهُ فَارْجُمْ صَاحِبَك؟ قَالَ: كَأَنَّهُ جَعَلَ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكُنْت أَنَا أُفَسِّرُهُ عَلَى هَذَا، حَتَّى رَأَيْته فِي الْحَدِيثِ، فَأَعْجَبَنِي.
ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ إذَا جَلَدْتَهُ ثَانِيَةً، فَكَأَنَّك جَعَلْتَهُ شَاهِدًا آخَرَ فَأَمَّا إنْ حُدَّ لَهُ، ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًا ثَانٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ قَذَفَهُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ، فَحَدٌّ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَقْذُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاذِفِ أَبَدًا، بِحَيْثُ يُمَكَّنُ مِنْ قَذْفِهِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنْ قَذَفَهُ عَقِيبَ حَدِّهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: يُحَدُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ فِيهِ بِحَدٍّ، فَيَلْزَمُ فِيهِ حَدٌّ، كَمَا لَوْ طَالَ الْفَصْلُ؛ وَلِأَنَّ سَائِرَ أَسْبَابِ الْحَدِّ إذَا تَكَرَّرَتْ بَعْدَ أَنْ حُدَّ لِلْأَوَّلِ، ثَبَتَ لِلثَّانِي حُكْمُهُ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَسْبَابِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ لَهُ مَرَّةً، فَلَمْ يُحَدَّ لَهُ بِالْقَذْفِ عَقِبَهُ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا الْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ قَالَ مَنْ رَمَانِي فَهُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ]
(7246) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: مَنْ رَمَانِي فَهُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ.
فَرَمَاهُ رَجُلٌ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: الْكَاذِبُ هُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا بِالْقَذْفِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا.
وَلَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ صِدْقُهُ فِي قَذْفِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يَقْذِفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ كَثِيرَةٍ بِالزِّنَا كُلَّهُمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلْحِقْ الْعَارَ بِأَحَدٍ غَيْرِ نَفْسِهِ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ.
[فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَهُ فَأَنْكَرَ]
(7247) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَهُ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ، حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالدَّيْنِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى: أَنَّهُ حَدٌّ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ]
(7248) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ، أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ، لَمْ يُبَايَعْ وَلَمْ يُشَارَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ قَتْلًا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْقَتْلِ مِنْ الْحُدُودِ كُلِّهَا وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛
إحْدَاهُمَا: لَا يُسْتَوْفَى مِنْ الْمُلْتَجِئِ إلَى الْحَرَمِ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: يُسْتَوْفَى.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيُ عَنْ الْقَتْلِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَلَا يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ.» وَحُرْمَةُ النَّفْسِ أَعْظَمُ، فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهَا عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ بِالْجَلْدِ جَرَى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَتَأْدِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ.
وَالْأَوْلَى ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ وَجَدْتهَا مُفْرَدَةً لِحَنْبَلٍ عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ الْحُدُودَ كُلَّهَا تُقَامُ فِي الْحَرَمِ، إلَّا الْقَتْلَ.
وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَانٍ دَخَلَ الْحَرَمَ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَدُّ جِنَايَتِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ.
وَإِنْ هَتَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ بِالْجِنَايَةِ فِيهِ، هُتِكَتْ حُرْمَتُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِيهِ؛ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِجَلْدِ الزَّانِي، وَقَطْعِ السَّارِقِ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْحَرَمُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ وَلَا دَمٍ» «. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ ابْنِ حَنْظَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ أُبِيحَ دَمُهُ لِعِصْيَانِهِ، فَأَشْبَهَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] . يَعْنِي الْحَرَمَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] . وَالْخَبَرُ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ، لَأَفْضَى إلَى وُقُوعِ الْخَبَرِ خِلَافَ الْمُخْبَرِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ.
وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا، فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فَالْحُجَّةُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَخْصِيصُ مَكَّةَ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ، لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ مَكَّةَ، فَلَا يَكُونُ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: «وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا.» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا أُحِلَّ لَهُ سَفْكُ دَمٍ حَلَالٍ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، فَحَرَّمَهَا الْحَرَمُ، ثُمَّ أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً، ثُمَّ عَادَتْ الْحُرْمَةُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا بِمَنْعِهِ قِيَاسَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ.» وَهَذَا يَدْفَعُ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَتْلِ ابْنِ حَنْظَلٍ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ فِيهَا، وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ، وَمَا رَوَوْهُ مِنْ الْحَدِيثِ، فَهُوَ مِنْ كَلَامِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ يَرُدُّ بِهِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَوَى لَهُ أَبُو شُرَيْحٍ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ.
وَأَمَّا جَلْدُ الزَّانِي، وَقَطْعُ السَّارِقِ، وَالْأَمْرُ بِالْقِصَاصِ، فَإِنَّمَا هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَكَانًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَكَان، فَيُمْكِنُ إقَامَتُهُ فِي مَكَان غَيْرِ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ عُمُومًا، فَإِنَّ مَا رَوَيْنَاهُ خَاصٌّ يُخَصُّ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ خُصَّ مِمَّا ذَكَرُوهُ الْحَامِلُ، وَالْمَرِيضُ الْمَرْجُوُّ بُرْؤُهُ، فَتَأَخَّرَ الْحَدُّ عَنْهُ، وَتَأَخَّرَ قَتْلُ الْحَامِلِ، فَجَازَ أَنْ يُخَصَّ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالْقِيَاسُ عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ طَبْعُهُ الْأَذَى، فَلَمْ يُحَرِّمْهُ الْحَرَمُ لِيُدْفَعَ أَذَاهُ عَنْ أَهْلِهِ، فَأَمَّا الْأَذَى، فَالْأَصْلُ فِيهِ الْحُرْمَةُ، وَحُرْمَتُهُ عَظِيمَةٌ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِعَارِضٍ، فَأَشْبَهَ الصَّائِلَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْمُبَاحَةِ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ، فَإِنَّ الْحَرَمَ يَعْصِمُهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُؤْوَى، وَيُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَاخْرُجْ إلَى الْحِلِّ؛ لِيُسْتَوْفَى مِنْك الْحَقُّ الَّذِي قِبَلَك.
فَإِذَا خَرَجَ اُسْتُوْفِيَ حَقُّ اللَّهِ مِنْهُ.
وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُطْعِمَ وَأُوِيَ، لَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِقَامَةِ دَائِمًا، فَيَضِيعَ الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَإِذَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، كَانَ وَسِيلَةً إلَى خُرُوجِهِ، فَيُقَامَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَيْسَ عَلَيْنَا إطْعَامُهُ، كَمَا أَنَّ الصَّيْدَ لَا يُصَادُ فِي الْحَرَمِ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا الْقِيَامُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَنْ أَصَابَ حَدًّا، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ، وَلَا يُبَايَعُ، وَلَا يُؤْوَى، وَيَأْتِيهِ مَنْ يَطْلُبُهُ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلَانُ، اتَّقِ اللَّهَ.
فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
فَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْحَرَمِ، وَأَقَامَ حَدًّا بِجَلْدٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ، أَسَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَّ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ أَوْ أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ قَتَلَ، أَوْ أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ.) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ، بِجِنَايَةٍ فِيهِ تُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّهَا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ فِي الْحَرَمِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] . فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْدَ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَغَيْرِهِمْ، حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْحَدُّ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ، لَتَعَطَّلَتْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ، وَفَاتَتْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الْجَانِيَ فِي الْحَرَمِ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ، فَلَا يَنْتَهِضُ الْحَرَمُ لِتَحْرِيمِ ذِمَّتِهِ وَصِيَانَتِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي فِي دَارِ الْمَلِكِ، لَا يُعْصَمُ لِحُرْمَةِ الْمَلِكِ، بِخِلَافِ الْمُلْتَجِئِ إلَيْهَا بِجِنَايَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا.
[فَصْلٌ حَرَمُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ هَلْ يَمْنَعُ إقَامَةَ الْحَدِّ]
(7250) فَصْلٌ: فَأَمَّا حَرَمُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَمْنَعُ إقَامَةَ حَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ دُونَهُ فِي الْحُرْمَةِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْبِقَاعِ، لَا تَمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقٍّ، وَلَا إقَامَةِ حَدٍّ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ مُطْلَقٌ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، خَرَجَ مِنْهَا الْحَرَمُ لِمَعْنًى لَا يَكْفِي فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْأَنْسَاكِ وَقِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ بَيْتُ اللَّهِ الْمَحْجُوجُ، وَأَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، وَمَقَامُ، إبْرَاهِيمَ، وَآيَاتٌ بَيِّنَاتٌ، فَلَا يُلْتَحَقُ بِهِ سِوَاهُ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ]
ِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] . وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ، نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهَا، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ لَا يَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ]
(7251) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، أَوْ قِيمَةَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ، قُطِعَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَطْعِ لَا يَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا: السَّرِقَةُ، وَمَعْنَى السَّرِقَةِ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْخِفْيَةِ وَالِاسْتِتَارِ.
وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، وَمُسَارَقَةُ النَّظَرِ، إذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِذَلِكَ، فَإِنْ اخْتَطَفَ أَوْ اخْتَلَسَ، لَمْ يَكُنْ سَارِقًا، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَاهُ غَيْرَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: أَقْطَعُ الْمُخْتَلِسَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي بِأَخْذِهِ، فَيَكُونُ سَارِقًا، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَلَا الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ» . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.
وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَهَذَا غَيْرُ سَارِقٍ؛ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاسَ نَوْعٌ مِنْ الْخَطْفِ وَالنَّهْبِ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْفِي فِي ابْتِدَاءِ اخْتِلَاسِهِ، بِخِلَافِ السَّارِقِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ، فَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَطْعِ يَدِهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا أَرَاك تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا، فَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَطَعْت يَدَهَا.
قَالَتْ: فَقَطَعَ يَدَهَا» . قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ عَلَى الْخَائِنِ» .
وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وَالْجَاحِدُ غَيْرُ سَارِقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ، فَأَشْبَهَ جَاحِدَ الْوَدِيعَةِ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ إنَّمَا قُطِعَتْ لِسَرِقَتِهَا، لَا بِجَحْدِهَا، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: «إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ» . وَقَوْلَهُ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْت يَدَهَا» . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَذَكَرَتْ
الْقِصَّةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي حَدِيثٍ أَنَّهَا سَرَقَتْ قَطِيفَةً، فَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «لَمَّا سَرَقَتْ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمْنَا ذَلِكَ، وَكَانَتْ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَجِئْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً.
قَالَ: تُطَهَّرَ خَيْرٌ لَهَا.
فَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، أَتَيْنَا أُسَامَةَ، فَقُلْنَا: كَلِّمْ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ سِيَاقِ عَائِشَةَ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهَا سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ بِسَرِقَتِهَا، وَإِنَّمَا عَرَّفَتْهَا عَائِشَةُ بِجَحْدِهَا لِلْعَارِيَّةِ؛ لِكَوْنِهَا مَشْهُورَةً بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا، كَمَا لَوْ عَرَّفَتْهَا بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَمُوَافَقَةٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالْقِيَاسِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، فَيَكُونُ أَوْلَى.
فَأَمَّا جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا، وَلَا قَطْعَ فِي الْقَلِيلِ، فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ، إلَّا الْحَسَنَ، وَدَاوُد، وَابْنَ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَالْخَوَارِجَ، قَالُوا: يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ سَارِقٌ مِنْ حِرْزٍ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، كَسَارِقِ الْكَثِيرِ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ، وَالْحَبْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسَاوِيَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْبَيْضَةُ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا بَيْضَةُ السِّلَاحِ، وَهِيَ تُسَاوِي ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِ النِّصَابِ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، أَنَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.
وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، أَنَّهُ إنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ.
فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ غَيْرُ الْأَثْمَانِ بِأَدْنَى الْأَمْرَيْنِ، مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْأَصْلَ الْوَرِقُ، وَيُقَوَّمُ الذَّهَبُ بِهِ، فَإِنْ نَقَصَ رُبْعُ دِينَارٍ عَنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ.
وَهَذَا يُحْكَى عَنْ اللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.» وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي دِرْهَمٍ، فَمَا فَوْقَهُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ الْيَدَ تُقْطَعُ فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا.
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ الْخَمْسَ لَا تُقْطَعُ إلَّا فِي الْخَمْسِ.
وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِينَارٍ، أَوْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِمَا رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ إلَّا فِي عَشْرَةِ دَرَاهِمَ» . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ: «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ دِينَارٌ، أَوْ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ» . وَعَنْ النَّخَعِيِّ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ، لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ.
وَحَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ يَرْوِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاَلَّذِي يَرْوِيهِ عَنْ الْحَجَّاجِ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِمَا دُونَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْجَبَهُ بِعَشْرَةٍ، وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَرْضَ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ الْمِجَنَّ قُوِّمَ بِهَا؛ وَلِأَنَّ مَا كَانَ الذَّهَبُ فِيهِ أَصْلًا، كَانَ الْوَرِقُ فِيهِ أَصْلًا، كَنُصُبِ الزَّكَاةِ، وَالدِّيَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ، أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ مِجَنًّا مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُ لِي بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَقَطَعَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَأُتِيَ عُثْمَانُ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ فَأُقِيمَتْ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، فَأَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ فَقُطِعَ.
[فَصْلٌ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ الْخَالِصِ]
(7252) فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ الْخَالِصِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ غِشٌّ أَوْ تِبْرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَصْفِيَةٍ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ حَتَّى يَبْلُغَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ رُبْعَ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ السَّبْكَ يَنْقُصُهُ.
وَإِنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ قُرَاضَةً، أَوْ تِبْرًا خَالِصًا، أَوْ حُلِيًّا، فَفِيهِ الْقَطْعُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجُوزَجَانِيِّ، قَالَ قُلْت لَهُ: كَيْفَ يَسْرِقُ رُبْعَ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: قِطْعَةَ ذَهَبٍ، أَوْ خَاتَمًا، أَوْ حُلِيًّا.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ احْتِمَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدِّينَارَ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ.
وَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ رُبْعُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: دِينَارٌ قُرَاضَةٌ، وَمُكَسَّرٌ، أَوْ دِينَارٌ خَالِصٌ.
وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ سَرِقَةُ رُبْعِ دِينَارٍ مُفْرَدٍ فِي الْغَالِبِ إلَّا مَكْسُورًا.
وَقَدْ أُوجِبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى تَعَلَّقَ بِالْمَضْرُوبِ، فَتَعَلَّقَ بِمَا لَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، كَالزَّكَاةِ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْمَكْسُورِ وَالتِّبْرِ مَا لَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَطْعُ.
وَالدِّينَارُ هُوَ الْمِثْقَالُ مِنْ مَثَاقِيلِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَهُوَ الَّذِي كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْلَهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُخْتَلِفَةً، فَجُمِعَتْ وَجُعِلَتْ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ، فَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ خَالِصَةً، مَضْرُوبَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الذَّهَبِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النِّصَابَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَضْرُوبِ مِنْهَا، وَقَدْ ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ فِي الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَتَنَاوَلُ الصِّحَاحَ الْمَضْرُوبَةَ، بِخِلَافِ رُبْعِ الدِّينَارِ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا احْتِمَالًا مُتَقَدِّمًا، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَمَا قُوِّمَ مِنْ غَيْرِهِمَا بِهِمَا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ صِحَاحًا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَضْرُوبِ دُونَ الْمُكَسَّرِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا، فَإِنْ سَرَقَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْحُرِّ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا.
وَبِهَذَا قَالَ، الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْحُرِّ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمَيِّزٍ، أَشْبَهَ الْعَبْدَ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، كَالْكَبِيرِ النَّائِمِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ أَوْ ثِيَابٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، لَمْ يُقْطَعْ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ أ
صْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ يُقْطَعُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ وَلِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ الْحَلْيِ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ سَرَقَهُ مُنْفَرِدًا.
وَلَنَا أَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِي سَرِقَتِهِ، أَشْبَهَ ثِيَابَ الْكَبِيرِ؛ وَلِأَنَّ يَدَ الصَّبِيِّ عَلَى مَا عَلَيْهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا يُوجَدُ مَعَ اللَّقِيطِ يَكُونُ لَهُ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْكَبِيرُ نَائِمًا عَلَى مَتَاعٍ، فَسَرَقَهُ وَمَتَاعَهُ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا]
(7253) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَالصَّغِيرُ الَّذِي يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، هُوَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِمًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الطَّاعَةِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ كَبِيرًا، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ صَغِيرًا، كَالْحُرِّ.
وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَمْلُوكًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
وَفَارَقَ الْحُرَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ.
وَفَارَقَ الْكَبِيرَ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ لَا يُسْرَقُ، وَإِنَّمَا يُخْدَعُ بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ، بِنَوْمٍ، أَوْ جُنُونٍ، فَتَصِحُّ سَرِقَتُهُ، وَيُقْطَعُ سَارِقُهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ فِي حَالِ نَوْمِهِ أَوْ جُنُونِهِ أُمَّ وَلَدٍ، فَفِي قَطْعِ سَارِقِهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا، وَلَا نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ.
وَالثَّانِي: يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْقِنَّ.
وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ حُكْمُ الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ.
فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ: فَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ، وَلَا أَخْذَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ لَهُ الْأَرْشُ، وَلَوْ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ كَرْهًا، لَزِمَهُ عِوَضُهَا، وَلَوْ حَبَسَهُ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ حَبْسِهِ، أَوْ إنْظَارُهُ مِقْدَارَ مُدَّةِ حَبْسِهِ.
وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ لِأَجْلِ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ.
وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ ثَابِتٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ سَيِّدَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِهِ حَقًّا وَشُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ لَمْ يُحَدَّ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مَاءً]
فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ مَاءً، فَلَا قَطْعَ فِيهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً وَلَا
أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ سَرَقَ كَلَأً أَوْ مِلْحًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً، فَأَشْبَهَ التِّبْنَ وَالشَّعِيرَ.
وَأَمَّا الثَّلْجُ: فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ، فَأَشْبَهَ الْجَلِيدَ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ كَالْمِلْحِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً، فَهُوَ كَالْمِلْحِ الْمُنْعَقِدِ مِنْ الْمَاءِ.
وَأَمَّا التُّرَابُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِيهِ، كَاَلَّذِي يُعَدُّ لِلتَّطْيِينِ وَالْبِنَاءِ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، الَّذِي يُعَدُّ لِلدَّوَاءِ، أَوْ الْمُعَدِّ لِلْغَسْلِ بِهِ، أَوْ الصَّبْغِ كَالْمَغْرَةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَتَمَوَّلُ، أَشْبَهَ الْمَاءَ.
وَالثَّانِي: فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً، وَيُحْمَلُ إلَى الْبُلْدَانِ لِلتِّجَارَةِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ.
وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ السِّرْجِينِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَجِسًا فَلَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، فَلَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً، وَلَا تَكْثُرُ الرَّغَبَاتُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ التُّرَابَ الَّذِي لِلْبِنَاءِ، وَمَا عُمِلَ مِنْ التُّرَابِ كَاللَّبِنِ وَالْفَخَّارِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً.
[فَصْلٌ الْأَمْوَالُ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ إذَا سُرِقَتْ]
(7255) فَصْلٌ: وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ الْأَمْوَالِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ، سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا، أَوْ ثِيَابًا، أَوْ حَيَوَانًا، أَوْ أَحْجَارًا، أَوْ قَصَبًا، أَوْ صَيْدًا، أَوْ نُورَةً، أَوْ جِصًّا، أَوْ زِرْنِيخًا، أَوْ تَوَابِلَ، أَوْ فَخَّارًا، أَوْ زُجَاجًا، أَوْ غَيْرَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الطَّعَامِ الرَّطْبِ الَّذِي يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، كَالْفَوَاكِهِ، وَالطَّبَائِخِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ هَذَا مُعَرِّضٌ لِلْهَلَاكِ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يُحْرَزْ.
وَلَا قَطْعَ فِيمَا كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَالصَّيُّودِ، وَالْخَشَبِ، إلَّا فِي السَّاجِ وَالْآبُنُوسِ، وَالصَّنْدَلِ، وَالْقَنَا، وَالْمَعْمُولِ مِنْ الْخَشَبِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ.
وَمَا عَدَا هَذَا لَا يُقْطَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرًا مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَشْبَهَ التُّرَابَ.
وَلَا قَطْعَ فِي الْقُرُونِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْمُولَةً؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ لَا تَكُونُ غَالِبَةً عَلَيْهَا، بَلْ الْقِيمَةُ لَهَا، بِخِلَافِ مَعْمُولِ الْخَشَبِ.
وَلَا قَطْعَ عِنْدَهُ فِي التَّوَابِلِ، وَالنُّورَةِ، وَالْجِصِّ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْمِلْحِ وَالْحِجَارَةِ، وَاللَّبِنِ، وَالْفَخَّارِ، وَالزُّجَاجِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَا يَفْسُدُ فِي يَوْمِهِ، كَالثَّرِيدِ وَاللَّحْمِ، لَا قَطْعَ فِيهِ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَفِيهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ فَأُقِيمَتْ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، فَأَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ فَقُطِعَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ، وَيُرْغَبُ فِيهِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ إذَا اجْتَمَعْت الشُّرُوطُ، كَالْمُجَفَّفِ؛ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ الْقَطْعُ فِي مَعْمُولِهِ، وَجَبَ فِيهِ قَبْلَ الْعَمَلِ، كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ الثَّمَرَ الْمُعَلَّقَ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُ مُفَسِّرٌ لَهُ، وَتَشْبِيهُهُ بِغَيْرِ الْمُحْرَزِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُحْرَزِ مُضَيَّعٌ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ، وَلِهَذَا افْتَرَقَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ بِالْحِرْزِ وَعَدَمِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: يُوجَدُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
يُنْتَقَضُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ.
وَالتُّرَابُ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مُصْحَفًا]
(7256) فَصْلٌ: فَإِنْ سَرَقَ مُصْحَفًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي: لَا قَطْعَ فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَ قَطْعِهِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ سَرَقَ كِتَابًا فِيهِ عِلْمٌ لِيَنْظُرَ فِيهِ، فَقَالَ: كُلُّ مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِيهِ الْقَطْعُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِي كُلِّ سَارِقٍ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ، تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، كَكُتُبِ الْفِقْهِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُصْحَفُ مُحَلًّى بِحِلْيَةٍ تَبْلُغُ نِصَابًا، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ، عِنْدَ مَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ بِسَرِقَةِ الْمُصْحَفِ، أَحَدُهُمَا: لَا يُقْطَعُ.
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْحُلِيَّ تَابِعَةٌ لِمَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، أَشْبَهَتْ ثِيَابَ الْحُرِّ.
وَالثَّانِي: يُقْطَعُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ الْحُلِيِّ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ سَرَقَهُ مُنْفَرِدًا.
وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَنْ سَرَقَ صَبِيًّا عَلَيْهِ حَلْيٌ.
[فَصْلٌ سَرَقَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً]
(7257) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْطَعَ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُ: إنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَمْلِكُهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ، وَيُخْرِجَهُ مِنْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافَهُمْ، إلَّا قَوْلًا حُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ،
وَالنَّخَعِيِّ، فِيمَنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْحِرْزِ، عَلَيْهِ الْقَطْعُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَفْصِيلَ فِيهَا.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ، غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ ثَابِتٌ، وَلَا مَقَالٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «، أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثِّمَارِ، فَقَالَ: مَا أُخِذَ فِي غَيْرِ أَكْمَامِهِ فَاحْتُمِلَ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمَا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا.
وَهَذَا الْخَبَرُ يَخُصُّ الْآيَةَ، كَمَا خَصَّصْنَاهَا فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ.
إذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْحِرْزِ، وَالْحِرْزُ مَا عُدَّ حِرْزًا فِي الْعُرْفِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى بَيَانِهِ، عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ، كَمَا رَجَعْنَا إلَيْهِ، فِي مَعْرِفَةِ الْقَبْضِ وَالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مِنْ حِرْزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ الصَّنَادِيقُ تَحْتَ الْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ الْوَثِيقَةِ فِي الْعُمْرَانِ، وَحِرْزُ الثِّيَابِ، وَمَا خَفَّ مِنْ الْمَتَاعِ، كَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، فِي الدَّكَاكِينِ، وَالْبُيُوتِ الْمُقْفَلَةِ فِي الْعُمْرَانِ، أَوْ يَكُونُ فِيهَا حَافِظٌ، فَيَكُونُ حِرْزًا، وَإِنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغْلَقَةً وَلَا فِيهَا حَافِظٌ، فَلَيْسَتْ بِحِرْزٍ.
وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ، فَالْخَزَائِنُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا، وَمَا خَرَجَ عَنْهَا فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْبَيْتِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَلَقٌ، يُسْرَقُ مِنْهُ: أَرَاهُ سَارِقًا.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَهُ فِيهِ، فَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي فِي الْبَسَاتِينِ أَوْ الطُّرُقِ أَوْ الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلَيْسَتْ حِرْزًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغْلَقَةً أَوْ مَفْتُوحَةً؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مَتَاعَهُ فِي مَكَان خَالٍ مِنْ النَّاسِ وَالْعُمَرَانِ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ لَا يُعَدُّ حَافِظًا لَهُ، وَإِنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُهَا أَوْ حَافِظٌ، فَهِيَ حِرْزٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغْلَقَةً أَوْ مَفْتُوحَةً.
وَإِذَا كَانَ لَابِسًا لِلثَّوْبِ، أَوْ مُتَوَسِّدًا لَهُ، نَائِمًا، أَوْ مُسْتَيْقِظًا، أَوْ مُفْتَرِشًا لَهُ، أَوْ مُتَّكِئًا عَلَيْهِ، فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْبَلَدِ، أَوْ بَرِّيَّةٍ، فَهُوَ مُحْرَزٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ رِدَاءَ صَفْوَانَ سُرِقَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ لَهُ، فَقَطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَارِقَهُ.
وَإِنْ تَدَحْرَجَ عَنْ الثَّوْبِ، زَالَ الْحِرْزُ إنْ كَانَ نَائِمًا، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَتَاعِ، كَبَزِّ الْبَزَّازِينَ، وَقُمَاشِ الْبَاعَةِ، وَخُبْزِ الْخَبَّازِينَ، بِحَيْثُ يُشَاهِدُهُ، وَيَنْظُرُ إلَيْهِ، فَهُوَ مُحْرَزٌ، وَإِنْ نَامَ، أَوْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَوْضِعِ مُشَاهَدَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ.
وَإِنْ جَعَلَ الْمَتَاعَ فِي الْغَرَائِرِ، وَعَلَّمَ عَلَيْهَا، وَمَعَهَا حَافِظٌ يُشَاهِدُهَا، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِلَّا فَلَا.