المغني لابن قدامةصفحات 592-12
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 592-12
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ النَّهْرُ يُضَافُ إلَى ذَلِكَ النَّهْرِ، لَا إلَى الْفُرَاتِ، وَيَزُولُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْفُرَاتِ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ، كَغَيْرِ الْفُرَاتِ.

[مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَاَللَّهِ لَا فَارَقْتُكِ حَتَّى أَسْتَوْفِي حَقِّي مِنْك فَهَرَبَ مِنْهُ]

(8122) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا فَارَقْتُك حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك.
فَهَرَبَ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ قَالَ: لَا افْتَرَقْنَا.
فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ) أَمَّا إذَا حَلَفَ: لَا فَارَقْتُك.
فَفِيهِ مَسَائِلُ عَشْرٌ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُفَارِقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا، فَيَحْنَثُ، بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ أَوْ فَارَقَهُ، وَالْحَقُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ.
الثَّانِيَةُ، فَارَقَهُ مُكْرَهًا، فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ حُمِلَ مُكْرَهًا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَحْنَثُ.
وَفِي النَّاسِي تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
الثَّالِثَةُ، هَرَبَ مِنْهُ الْغَرِيمُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَا يَحْنَثُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ لَا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْفُرْقَةِ، وَمَا فَعَلَ، وَلَا فَعَلَ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا قُمْت.
فَقَامَ غَيْرُهُ.
الرَّابِعَةُ، أَذِنَ لَهُ الْحَالِفُ فِي الْفُرْقَةِ، فَفَارَقَهُ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ يَحْنَثُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْفُرْقَةَ الَّتِي حَلَفَ إنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا.
وَلَنَا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ لَأُلْزِمَنَّك.
وَإِذَا فَارَقَهُ بِإِذْنِهِ فَمَا لَزِمَهُ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا هَرَبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْخِرَقِيِّ؛ وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ: فَهَرَبَ مِنْهُ.
فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا فَارَقَهُ بِغَيْرِ هَرَبٍ، أَنَّهُ يَحْنَثُ.
الْخَامِسَةُ، فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، وَلَا هَرَبَ، عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ مُلَازَمَتُهُ، وَالْمَشْيُ مَعَهُ، وَإِمْسَاكُهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
السَّادِسَةُ، قَضَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ وَفَّاهُ، فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ بَعْضُهُ، فَيُخَرَّجُ فِي الْحِنْثِ رِوَايَتَانِ؛ بِنَاءً عَلَى النَّاسِي.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مُخْتَارًا.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ إذَا وَجَدَهَا زُيُوفًا، وَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَهَا نُحَاسًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ.
وَإِنْ وَجَدَهَا مُسْتَحَقَّةً، فَأَخَذَهَا صَاحِبُهَا، خُرِّجَ أَيْضًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ ظَانٌّ أَنَّهُ مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهَا رَدِيئَةً.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ.
وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ عِلْمَ بِالْحَالِ فَفَارَقَهُ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ.

السَّابِعَةُ، فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، فَفَارَقَهُ، نَظَرْت؛ فَإِنْ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ، وَإِنْ لَمْ يُلْزِمْهُ مُفَارَقَتَهُ، لَكِنَّهُ فَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَصَلَّاهَا.
الثَّامِنَةُ، أَحَالَهُ الْغَرِيمُ بِحَقِّهِ، فَفَارَقَهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَحْنَثُ.
لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ وَلَنَا، أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ لَمْ يُحِلْهُ.
فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ بِذَلِكَ، فَفَارَقَهُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ هَذَا جَهْلٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحِنْثُ، كَمَا لَوْ جَهِلَ كَوْنَ هَذِهِ الْيَمِينِ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُك وَلِي قِبَلَك حَقٌّ.
فَأَحَالَهُ بِهِ، فَفَارَقَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ.
وَإِنْ أَخَذَ بِهِ ضَمِينًا أَوْ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا، فَفَارَقَهُ، حَنِثَ، بِلَا إشْكَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْغَرِيمِ.
التَّاسِعَةُ، قَضَاهُ عَنْ حَقِّهِ عِوَضًا عَنْهُ، ثُمَّ فَارَقَهُ.
فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ.
حَقَّهُ وَبَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ بِالْقَضَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ، وَهَذَا بَدَلُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُك حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ حَقِّي، أَوْ: لِي قِبَلَك حَقٌّ.
لَمْ يَحْنَثْ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ.
الْعَاشِرَةُ، وَكَّلَ وَكِيلًا يَسْتَوْفِي لَهُ حَقَّهُ، فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَكِيلِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ.
وَإِنْ اسْتَوْفَى الْوَكِيلُ، ثُمَّ فَارَقَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ وَكِيلِهِ اسْتِيفَاءٌ لَهُ، يَبْرَأُ بِهِ غَرِيمُهُ، وَيَصِيرُ فِي ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ.

[فَصْلٌ: قَالَ: لَا فَارَقْتنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك فَأُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ]

(8123) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَا فَارَقْتنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك.
نَظَرْت؛ فَإِنْ فَارَقَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُخْتَارًا، حَنِثَ.
وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا، حَنِثَ، إلَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ تَأْتِي هَاهُنَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلٌ: كَانَتْ يَمِينُهُ لَا افْتَرَقْنَا فَهَرَبَ مِنْهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ]

(8124) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا افْتَرَقْنَا فَهَرَبَ مِنْهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَقْتَضِي أَلَّا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ بِوَجْهٍ، وَقَدْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِهَرَبِهِ.
وَإِنْ أُكْرِهَا عَلَى الْفُرْقَةِ، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ الْإِكْرَاهَ عُذْرًا.

[فَصْلٌ: حَلَفَ لَا فَارَقَتْك حَتَّى أُوفِيك حَقّك فَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ]

(8125) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُك حَتَّى أُوَفِّيَك حَقَّك.
فَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا، فَوَهَبَهَا لَهُ الْغَرِيمُ، فَقَبِلَهَا، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ إيفَاءَهَا لَهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَإِنْ قَبَضَهَا مِنْهُ، ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُك وَلَك قِبَلِي حَقٌّ.
لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَبْرَأهُ، أَوْ وَهَبَ الْعَيْنَ لَهُ.

(8126) فَصْلٌ: وَالْفُرْقَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ، مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا فِي الْعَادَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفُرْقَةَ فِي الْبَيْعِ، وَمَا نَوَاهُ بِيَمِينِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة: حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ]

(8127) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مَرَّةً) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك.
فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ، أَنَّهَا مَتَى خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " أَنْ " لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا، فَإِذَا حَنِثَ مَرَّةً، انْحَلَّتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت.
وَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا وُجِدَ.
وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ.
وَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، فَمَتَى خَرَجَتْ بَعْدَ هَذَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، طَلُقَتْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَنْحَلُّ، فَلَا يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ، بِحَرْفٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَإِذَا وُجِدَ بِغَيْرِ إذْنٍ، حَنِثَ، وَإِنْ وُجِدَ بِإِذْنٍ، بَرَّ؛ لِأَنَّ الْبَرَّ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِنْثُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي قَوْلِهِ: إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي.
كَقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ بِإِذْنِهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك.
مَتَى أَذِنَ لَهَا، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَلَمْ يَحْنَثْ بَعْدَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِذْنَ فِيهَا غَايَةً لِيَمِينِهِ، وَجَعَلَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ إذْنِهِ، فَمَتَى أَذِنَ انْتَهَتْ غَايَةُ يَمِينِهِ، وَزَالَ حُكْمُهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَوْ إلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ بَعْدَ طُلُوعِهَا، وَلِأَنَّ حَرْفَ " إلَى " " وَحَتَّى " لِلْغَايَةِ، لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ، وَقَدْ وُجِدَ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَخْرُجْ بِإِذْنِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: قَدْ بَرَّ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ، غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهَا، فَكَيْفَ يَبَرُّ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْت رَجُلًا إلَّا أَخَاكِ، أَوْ غَيْرَ أَخِيك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَكَلَّمَتْ أَخَاهَا، ثُمَّ كَلَّمَتْ رَجُلًا آخَرَ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، وَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِتَكْلِيمِهَا أَخَاهَا؟ وَالثَّانِي، أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الصِّفَةُ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَاهُ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت عُرْيَانَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إنْ خَرَجْت رَاكِبَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً مَاشِيَةً، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَاسِقًا، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَكْلِيمِهَا لِغَيْرِ مَنْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ.
وَقَوْلُهُمْ:

تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ.
قُلْنَا: قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ آذَنَ لَك.
مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَاللَّفْظَتَانِ الْأُخْرَيَانِ فِي مَعْنَاهُ، فِي إخْرَاجِ الْمَأْذُونِ مِنْ يَمِينِهِ، فَكَانَ حُكْمُهُمَا كَحُكْمِهِ.
هَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ، فَإِنْ نَوَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى خُرُوجٍ وَاحِدٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَنَوَى الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى.
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ، إذَا حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ: إذَا أَذِنَ لَهَا مَرَّةً، فَهُوَ إذْنٌ لِكُلِّ مَرَّةٍ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى.
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا خَرَجْت، فَهُوَ بِإِذْنِي.
أَجْزَأَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: إلَى أَنْ آذَنَ لَك، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك، الْغَايَةَ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ، دُونَ مَا بَعْدَهَا، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ بِالْإِذْنِ؛ لِنِيَّتِهِ، فَإِنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ.

[فَصْلٌ: قَالَ إنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأُذُن لَهَا ثُمَّ نَهَاهَا فَخَرَجَتْ]

(8128) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَذِنَ لَهَا، ثُمَّ نَهَاهَا، فَخَرَجَتْ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَّا بِإِذْنِي.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ قَدْ أَبْطَلَ إذْنَهُ، فَصَارَتْ خَارِجَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ فِي بَيْعٍ، ثُمَّ نَهَاهُ عَنْهُ، فَبَاعَهُ، كَانَ بَاطِلًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي، لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ، ثُمَّ تَشَاغَلَتْ بِغَيْرِهِ، أَوْ قَالَ: إنْ خَرَجْت إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ عَدَلَتْ إلَى غَيْرِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَلَا إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
الثَّانِي، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ فِي الْغَالِبِ أَنْ لَا تَذْهَبَ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إلَى غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِدَامَةِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا الْحَمَّامَ وَغَيْرَهُ، أَوْ الْعِيَادَةَ وَغَيْرَهَا، حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ لِغَيْرِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت لَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِنْ قَصَدَتْ مَعَهُ غَيْرَهُ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ، فَخَرَجَتْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَطْلُقُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بَعْدَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَزَلَ وَكِيلَهُ انْعَزَلَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَزْلِ، فَكَذَلِكَ تَصِيرُ مَأْذُونًا لَهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْإِذْنَ إعْلَامٌ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: 109] . أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ فَاسْتَوَيَا فِي

الْعِلْمِ.
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3] . أَيْ إعْلَامٌ.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279] . فَاعْلَمُوا بِهِ.
وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْإِذْنِ، يَعْنِي أَوْقَعْته فِي إذْنِك، وَأَعْلَمْتُك بِهِ.
وَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ إعْلَامًا، فَلَا يَكُونُ إذْنًا، وَلِأَنَّ إذْنَ الشَّارِعِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا، كَذَلِكَ إذْنُ الْآدَمِيِّ، وَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ وُجُودُ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ.

[فَصْلٌ: حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَصَعِدَتْ سَطْحهَا]

(8129) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَصَعِدَتْ سَطْحَهَا، أَوْ خَرَجَتْ إلَى صَحْنِهَا، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الدَّارِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ، فَخَرَجَتْ إلَى الصَّحْنِ، أَوْ إلَى سَطْحِهِ، حَنِثَ.
وَهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَا تَخْرُجُ، ثُمَّ حَمَلَهَا فَأَخْرَجَهَا، فَإِنْ أَمْكَنَهَا الِامْتِنَاعُ فَلَمْ تَمْتَنِعْ، حَنِثَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ، إنَّمَا أُخْرِجَتْ.
وَلَنَا، أَنَّهَا خَرَجَتْ مُخْتَارَةً، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهَا، أَنَّ الْخُرُوجَ الِانْفِصَالُ مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ.
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا، فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الِامْتِنَاعُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا غَيْرُ الْحَالِفِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ لِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ، فَمَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَأْذَنْ، فَخَرَجَتْ، حَنِثَ الْحَالِفُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُ الْمَشْرُوطِ.

[مَسْأَلَةٌ: حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ تَمْرًا]

(8130) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرُّطَبَ، فَأَكَلَهُ تَمْرًا، حَنِثَ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ الرُّطَبِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ عَيَّنَهُ بِالْإِشَارَةِ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَأْكُلَهُ رُطَبًا، فَيَحْنَثَ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْجَمِيعِ؛ لِكَوْنِهِ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ صَرِيحًا.
الثَّانِي: أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهُ، وَذَلِكَ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَسْتَحِيلَ أَجْزَاؤُهُ.
وَيَتَغَيَّرَ اسْمُهُ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ: لَا أَكَلْت هَذِهِ الْبَيْضَةَ.
فَصَارَتْ فَرْخًا.
أَوْ لَا أَكَلْت هَذِهِ الْحِنْطَةَ.
فَصَارَتْ زَرْعًا فَأَكَلَهُ، فَهَذَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ وَاسْتَحَالَتْ أَجْزَاؤُهُ.
وَعَلَى قِيَاسِهِ، إذَا حَلَفَ: لَا شَرِبْت هَذَا الْخَمْرَ.
فَصَارَتْ خَلًّا، فَشَرِبَهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، وَزَالَ اسْمُهُ، مَعَ بَقَاءِ أَجْزَائِهِ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ: لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ.
فَصَارَ تَمْرًا، وَلَا أُكَلِّمُ

هَذَا الصَّبِيَّ.
فَصَارَ شَيْخًا، وَلَا آكُلُ هَذَا الْحَمَلَ.
فَصَارَ كَبْشًا.
أَوْ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ.
فَصَارَ دِبْسًا، أَوْ خَلًّا، أَوْ نَاطِفًا، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحَلْوَاءِ.
وَلَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ، فَصَارَتْ دَقِيقًا، أَوْ سَوِيقًا، أَوْ خُبْزًا، أَوْ هَرِيسَةً.
أَوْ: لَا أَكَلْت هَذَا الْعَجِينَ، أَوْ هَذَا الدَّقِيقَ.
فَصَارَ خُبْزًا.
أَوْ: لَا أَكَلْت هَذَا اللَّبَنَ.
فَصَارَ سَمْنًا، أَوْ جُبْنًا، أَوْ كُشْكًا.
أَوْ: لَا دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ.
فَصَارَتْ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ فَضَاءً، ثُمَّ دَخَلَهَا أَوْ أَكَلَهُ، حَنِثَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِيمَا إذَا حَلَفَ: لَا كَلَّمْت هَذَا الصَّبِيَّ.
فَصَارَ شَيْخًا.
وَلَا أَكَلْت هَذَا الْحَمَلَ.
فَصَارَ كَبْشًا.
وَلَا: دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ.
فَدَخَلَهَا بَعْدَ تَغَيُّرِهَا.
وَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ، فِي الْحِنْطَةِ إذَا صَارَتْ دَقِيقًا.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الرُّطَبِ إذَا صَارَ تَمْرًا، وَالصَّبِيِّ إذَا صَارَ شَيْخًا، وَالْحَمَلِ إذَا صَارَ كَبْشًا، وَجْهَانِ.
وَقَالُوا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَصُورَتَهُ زَالَتْ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْبَيْضَةَ، فَصَارَتْ فَرْخًا.
وَلَنَا، أَنَّ عَيْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ، فَحَنِثَ بِهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا أَكَلَتْ هَذَا الْحَمَلَ.
فَأَكَلَ لَحْمَهُ.
أَوْ: لَا لَبِسْت هَذَا الْغَزْلَ.
فَصَارَ ثَوْبًا، فَلَبِسَهُ.
أَوْ: لَا لَبِسْت هَذَا الرِّدَاءَ.
فَلَبِسَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ.
وَفَارَقَ الْبَيْضَةَ إذَا صَارَتْ فَرْخًا؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا اسْتَحَالَتْ، فَصَارَتْ عَيْنًا أُخْرَى، وَلَمْ تَبْقَ عَيْنُهَا، وَلِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالِاسْمِ مَعَ التَّعْيِينِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا كَلَّمْت زَيْدًا هَذَا.
فَغَيَّرَ اسْمَهُ.
أَوْ: لَا كَلَّمْت صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ.
فَكَلَّمَهُ بَعْدَ بَيْعِهِ.
وَلِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ التَّعْيِينُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْإِضَافَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، تَبَدَّلَتْ الْإِضَافَةُ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ: لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ زَيْدٍ هَذِهِ، وَلَا عَبْدَهُ هَذَا، وَلَا دَخَلْت دَارِهِ هَذِهِ.
فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ، فَكَلَّمَهُمَا، وَدَخَلَ الدَّارَ، حَنِثَ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدٌ، وَزُفَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَحْنَثُ، إلَّا فِي الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُوَالَى وَلَا تُعَادَى، وَإِنَّمَا الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِ مَالِكِهَا، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِهَا، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي الْغَالِبِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ التَّعْيِينُ وَالْإِضَافَةُ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ فُلَانٍ، وَلَا صَدِيقَهُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يُوَالِي وَيُعَادِي، وَيَلْزَمُهُ فِي الدَّارِ إذَا أَطْلَقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكَهَا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا بَعْدَ بَيْعِ مَالِكِهَا إيَّاهَا.

الْقِسْمُ الرَّابِعُ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهُ ثُمَّ عَادَتْ، كَمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثُمَّ أُعِيدَ، وَقَلَمٍ انْكَسَرَ ثُمَّ بُرِيَ، وَسَفِينَةٍ تَفَصَّمَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ، وَدَارٍ هُدِمَتْ ثُمَّ بُنِيَتْ، وَأُسْطُوَانَةٍ نُقِضَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا وَاسْمَهَا مَوْجُودٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا لَمْ يُزِلْ اسْمَهُ، كَلَحْمٍ شُوِيَ أَوْ طُبِخَ، وَعَبْدٍ بِيعَ، وَرَجُلٍ مَرِضَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ لَمْ يَزُلْ، وَلَا زَالَ التَّغَيُّرُ، فَحَنِثَ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ.

[فَصْلٌ: قَالَ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمَتْ سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ وَطَلْق الزَّوْج فَفَعَلَ]

(8131) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ أَوْ سَيِّدَ صُبَيْحٍ، أَوْ صَدِيقَ عَمْرٍو، أَوْ مَالِكَ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ.
أَوْ: لَا كَلَّمْت هِنْدَ امْرَأَةَ سَعْدٍ، أَوْ صُبَيْحًا عَبْدَهُ، أَوْ عَمْرًا صَدِيقَهُ.
فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ وَالطَّيْلَسَانَ، وَعَادَى عَمْرًا، وَكَلَّمَهُمْ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَالْإِضَافَةُ، غَلَبَ الِاسْمُ؛ بِجَرَيَانِهِ مَجْرَى التَّعْيِينِ لِتَعْرِيفِ الْمَحَلِّ.
(8132) فَصْلٌ: وَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ الْإِضَافَةِ، أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَإِنَّمَا لِامْرِئِ مَا نَوَى ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ تَمْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا]

(8133) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ تَمْرًا، فَأَكَلَ رُطَبًا، لَمْ يَحْنَثْ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْوِ بِيَمِينِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ، وَلَا صَرَفَهُ السَّبَبُ عَنْهُ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ يَمِينَهُ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ، فَإِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ تَمْرًا، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ رُطَبًا وَلَا بُسْرًا وَلَا بَلَحًا.
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا وَلَا بَلَحًا، وَلَا سَائِرَ مَا لَا يُسَمَّى رُطَبًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

[فَصْلٌ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَبًا فَأَكَلَ زَبِيبًا]

(8134) فَصْلٌ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَبًا، فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا أَوْ نَاطِفًا، أَوْ لَا يُكَلِّمُ شَابًّا، فَكَلَّمَ شَيْخًا، أَوْ

لَا يَشْتَرِيَ جَدْيًا، فَاشْتَرَى تَيْسًا، أَوْ لَا يَضْرِبَ عَبْدًا، فَضَرَبَ عَتِيقًا، لَمْ يَحْنَثْ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِالصِّفَةِ دُونَ الْعَيْنِ، وَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: لَا أَكَلْت هَذِهِ التَّمْرَةَ.
فَأَكَلَ غَيْرَهَا.

[فَصْلٌ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلَ مُنَصَّفًا]

(8135) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا، وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ بُسْرٌ وَبَعْضُهُ تَمْرٌ، أَوْ مُذَنَّبًا، وَهُوَ الَّذِي بَدَأَ فِيهِ الْإِرْطَابُ مِنْ ذَنَبِهِ وَبَاقِيهِ بُسْرٌ، أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا، فَأَكَلَ ذَلِكَ، حَنِثَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُطَبًا وَلَا تَمْرًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَكَلَ رُطَبًا وَبُسْرًا، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ أَكَلَ نِصْفَ رُطَبَةٍ وَنِصْفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَتَيْنِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطُبْ رُطَبٌ، وَالْبَاقِيَ بُسْرٌ، وَلَوْ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّطَبَ، فَأَكَلَ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطَبُ مِنْ النِّصْفِ، حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبُسْرَ، فَأَكَلَ الْبُسْرَ الَّذِي فِي النِّصْفِ حَنِثَ.
وَإِنْ أَكَلَ الْبُسْرَ مَنْ يَمِينُهُ عَلَى الرُّطَبِ، وَأَكَلَ الرُّطَبَ مَنْ يَمِينُهُ عَلَى الْبُسْرِ، لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
وَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا، وَآخَرُ لَيَأْكُلَنَّ بُسْرًا، فَأَكَلَ الْحَالِفُ عَلَى أَكْلِ الرُّطَبِ مَا فِي الْمُنَصَّفِ مِنْ الرُّطَبَةِ، وَأَكَلَ الْآخَرُ بَاقِيَهَا، بَرَّا جَمِيعًا.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أَوْ بُسْرَةً، أَوْ لَا يَأْكُلُ ذَلِكَ، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا، لَمْ يَبَرَّ وَلَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُطَبَةٌ وَلَا بُسْرَةٌ.

[فَصْلٌ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَأَكَلَ مِنْ لَبَنِ الْأَنْعَامِ أَوْ الصَّيْدِ أَوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ]

(8136) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ مِنْ لَبَنِ الْأَنْعَامِ، أَوْ الصَّيْدِ، أَوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حَلِيبًا أَوْ رَائِبًا، أَوْ مَائِعًا أَوْ مُجَمَّدًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَبَنٌ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالْمَصْلِ وَالْأَقِطِ وَالْكُشْكِ وَنَحْوِهِ.
وَإِنْ أَكَلَ زُبْدًا، لَمْ يَحْنَثْ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي الزُّبْدِ: إنْ ظَهَرَ فِيهِ لَبَنٌ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا، فَأَكَلَ سَمْنًا أَوْ لَبَنًا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الزُّبْدُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ كَانَ الزُّبْدُ ظَاهِرًا فِيهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ أَكَلَ جُبْنًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبَنِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَبَنًا، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبَنِ سِوَى السَّمْنِ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ أَكَلَ السَّمْنَ مُنْفَرِدًا، أَوْ فِي عَصِيدَةٍ،

أَوْ حَلْوَاءَ أَوْ طَبِيخٍ، فَظَهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ، حَنِثَ.
وَلِذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ لَبَنٌ، أَوْ لَا يَأْكُلُ خَلًّا، فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ خَلٌّ، يَظْهَرُ طَعْمُهُ فِيهِ، حَنِثَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْرِدْهُ بِالْأَكْلِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَأَضَافَ إلَيْهِ غَيْرَهُ، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ أَكَلَهُ ثُمَّ أَكَلَ غَيْرَهُ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ]

(8137) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ شَعِيرًا فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَهْلَكُ فِي الْحِنْطَةِ، فَأَشْبَهَ السَّمْنَ فِي الْخَبِيصِ.
وَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ الشَّعِيرَ مُنْفَرِدًا، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، أَوْ يَقْتَضِي أَكْلَ شَعِيرٍ يُظْهِرُ أَثَرَ أَكْلِهِ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَلِكَ، لِمَا قَدَّمْنَا.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَة]

(8138) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُسَمَّى فَاكِهَةً، وَهِيَ كُلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرَةِ يُتَفَكَّهُ بِهَا، مِنْ الْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، وَالرُّمَّانِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْخَوْخِ، وَالْمِشْمِشِ، وَالْأُتْرُجِّ، وَالتُّوتِ، وَالنَّبْقِ، وَالْمَوْزِ، وَالْجَوْزِ، وَالْجُمَّيْزِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] . وَالْمَعْطُوفُ يُغَايِرُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهِمَا، فَكَانَا مِنْ الْفَاكِهَةِ، كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُمَا فِي عُرْفِ النَّاسِ فَاكِهَةٌ، وَيُسَمَّى بَائِعُهُمَا فَاكِهَانِيًّا.
وَمَوْضِعُ بَيْعِهِمَا دَارَ الْفَاكِهَةِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعُرْفِ الْحَقِيقَةُ، وَالْعَطْفُ لِشَرَفِهِمَا وَتَخْصِيصِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] . وَهُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَأَمَّا يَابِسُ هَذِهِ الْفَوَاكِهِ، كَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ الْيَابِسِ وَالْإِجَّاصِ وَنَحْوِهَا، فَهُوَ مِنْ الْفَاكِهَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ، وَمِنْهُ مَا يُقْتَاتُ، فَأَشْبَهَ الْحُبُوبَ.
وَالزَّيْتُونُ لَيْسَ بِفَاكِهَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِأَكْلِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ زَيْتُهُ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ يُقْصَدُ بِهِ التَّأَدُّمُ لَا التَّفَكُّهُ.
وَالْبُطْمُ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زَيْتُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَاكِهَةٌ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ شَجَرٍ يُؤْكَلُ غَضًّا وَيَابِسًا عَلَى جِهَتِهِ، فَأَشْبَهَ التُّوتَ.
وَالْبَلُّوطُ لَيْسَ بِفَاكِهَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ، أَوْ التَّدَاوِي.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ ثَمَرِ شَجَرِ الْبَرِّ الَّذِي لَا يُسْتَطَابُ،

كَالزُّعْرُورِ الْأَحْمَرِ، وَثَمَرِ الْقَيْقَبِ، وَالْعَفْصِ، وَحَبِّ الْآسِ، وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُسْتَطَابُ، كَحَبِّ الصَّنَوْبَرِ، فَهُوَ فَاكِهَةٌ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهِ.
(8139) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْقِثَّاءُ، وَالْخِيَارُ، وَالْقَرْعُ، وَالْبَاذِنْجَانُ، فَهُوَ مِنْ الْخُضَرِ، وَلَيْسَ بِفَاكِهَةٍ.
وَفِي الْبِطِّيخِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هُوَ مِنْ الْفَاكِهَةِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِأَنَّهُ يَنْضَجُ وَيَحْلُو، أَشْبَهَ ثَمَرَ الشَّجَرِ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ مِنْ الْفَاكِهَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ بَقْلَةٍ، أَشْبَهَ الْخِيَارَ وَالْقِثَّاءَ.
وَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ، كَالْجَزَرِ، وَاللِّفْتِ، وَالْفُجْلِ، وَالْقُلْقَاسِ، وَالسَّوْطَلِ، وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاكِهَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بِهَا، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أُدْمًا]

(8140) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أُدْمًا، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى التَّأَدُّمِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا يُصْطَبَغُ، كَالطَّبِيخِ وَالْمَرَقِ وَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجِ وَاللَّبَنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّيْتِ: ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» . وَقَالَ: «ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ، وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
أَوْ مِنْ الْجَامِدَاتِ، كَالشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْبَاقِلَاءِ وَالزَّيْتُونِ وَالْبَيْضِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: مَا لَا يُصْطَبَغُ بِهِ فَلَيْسَ بِأُدْمٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرْفَعُ إلَى الْفَمِ مُنْفَرِدًا.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَيِّدُ الْإِدَامِ اللَّحْمُ» . وَقَالَ: «سَيِّدُ إدَامِكُمْ الْمِلْحُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِهِ الْخُبْزُ عَادَةً، فَكَانَ أُدْمًا، كَاَلَّذِي يُصْطَبَغُ بِهِ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرْنَا لَا يُؤْكَلُ

فِي الْعَادَةِ وَحْدَهُ، إنَّمَا يُعَدُّ لِلتَّأَدُّمِ بِهِ، وَأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ، فَكَانَ أُدْمًا، كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُرْفَعُ إلَى الْفَمِ وَحْدَهُ مُفْرَدًا.
عَنْهُ جَوَابَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ مِنْهُ مَا يُرْفَعُ مَعَ الْخُبْزِ، كَالْمِلْحِ وَنَحْوِهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْفَمِ وَالْمَضْغِ وَالْبَلْعِ، الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْأَكْلِ، فَلَا يَضُرُّ افْتِرَاقُهُمَا قَبْلَهُ، فَأَمَّا التَّمْرُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هُوَ أُدْمٌ؛ لِمَا رَوَى يُوسُفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ، وَقَالَ: هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ بِأُدْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَدَمُ بِهِ عَادَةً، إنَّمَا يُؤْكَلُ قُوتًا أَوْ حَلَاوَةً.
وَإِنْ أَكَلَ الْمِلْحَ مَعَ الْخُبْزِ فَهُوَ إدَامٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِهِ الْخَبَرُ، وَلَا يُؤْكَلُ مُنْفَرِدًا عَادَةً، أَشْبَهَ الْجُبْنَ وَالزَّيْتُونَ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا فَأَكَلَ مَا يُسَمَّى طَعَامًا]

(8141) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، فَأَكَلَ مَا يُسَمَّى طَعَامًا؛ مِنْ قُوتٍ، وَأُدْمٍ، وَحَلْوَاءَ، وَتَمْرٍ، وَجَامِدٍ، وَمَائِعٍ حَنِثَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] . يَعْنِي عَلَى مَحَبَّةِ الطَّعَامِ؛ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145] . «وَسَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّبَنَ طَعَامًا، فَقَالَ: إنَّمَا يَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهمْ أَطْعِمَتَهُمْ» . وَفِي الْمَاءِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هُوَ طَعَامٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] . وَالطَّعَامُ مَا يُطْعَمُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّى اللَّبَنَ طَعَامًا، وَهُوَ مَشْرُوبٌ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ بِطَعَامٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى طَعَامًا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ، وَلِهَذَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ: طَعَامٌ وَشَرَابٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَا أَعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَّا اللَّبَنَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَيُقَالُ: بَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.
وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ طَعَامًا فِي الْحَقِيقَةِ، فَلَيْسَ بِطَعَامٍ فِي الْعُرْفِ،

فَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ، لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ، لِكَوْنِ الْحَالِفِ فِي الْغَالِبِ لَا يُرِيدُ بِلَفْظِهِ إلَّا مَا يَعْرِفُهُ، وَإِنْ أَكَلَ دَوَاءً، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يُطْعَمُ حَالَ الِاخْتِيَارِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ، وَلَا يُؤْكَلُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
فَإِنْ أَكَلَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ أَكَلَ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، كَوَرَقِ الشَّجَرِ، وَنُشَارَةِ الْخَشَبِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَهُ، فَأَشْبَهَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابِعَ سَبْعَةٍ، مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا» . وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الطَّعَامِ فِي الْعُرْفِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ قُوَّتَا فَأَكَلَ خُبْزًا أَوْ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ لَحْمًا أَوْ لَبَنًا]

(8142) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ قُوتًا، فَأَكَلَ خُبْزًا، أَوْ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا، أَوْ لَحْمًا، أَوْ لَبَنًا، حَنِثَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ يُقْتَاتُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا بِأَكْلِ مَا يَقْتَاتُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى الْقُوتِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ فِي بَلَدِهِمْ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.
وَإِنْ أَكَلَ سَوِيقًا، أَوْ اسْتَفَّ دَقِيقًا، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَاتُ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ: لَا تَخْبِزَا خُبْزًا وَبُسَّابَسَّا ... وَلَا تُطِيلَا بِمُقَامٍ حَبْسَا

وَإِنْ أَكَلَ حَبًّا يُقْتَاتُ خُبْزُهُ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى قُوتًا، وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ لِسَنَةٍ.
وَإِنَّمَا يُدَّخَرُ الْحَبُّ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَاتُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ أَكَلَ عِنَبًا، أَوْ حِصْرِمًا، أَوْ خَلًّا، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ قُوتًا.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ مَالًا]

(8143) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ مَالًا، حَنِثَ بِمِلْكِ كُلِّ مَا يُسَمَّى مَالًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعَقَارِ وَالْأَثَاثِ وَالْحَيَوَانِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ نَذْرُهُ الصَّامِتَ مِنْ مَالِهِ.
ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَالِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ إلَّا إنْ مَلَكَ مَالًا زَكَوِيًّا، اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19] . فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الزَّكَوِيَّةَ.
وَلَنَا، أَنَّ غَيْرَ الزَّكَوِيَّةِ أَمْوَالٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَهِيَ مِمَّا يَجُوزُ ابْتِغَاءُ النِّكَاحِ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ.
يَعْنِي حَدِيقَةً.
وَقَالَ عُمَرُ: أَصَبْت مَالًا بِأَرْضِ خَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: اشْتَرَيْت مَخْرَفًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، أَوْ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» . وَيُقَال: خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ خَرَّارَةٌ، فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ.
وَلِأَنَّهُ

يُسَمَّى مَالًا، فَحَنِثَ بِهِ، كَالزَّكَوِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ [الذاريات: 19] . فَالْحَقُّ هَاهُنَا غَيْرُ الزَّكَاةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحَقُّ الزَّكَاةَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، فَإِنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْمَالِ، فَهُوَ فِي الْمَالِ، كَمَا أَنَّ مَنْ هُوَ فِي بَيْتٍ مِنْ دَارٍ، أَوْ فِي بَلْدَةٍ، فَهُوَ فِي الدَّارِ وَالْبَلْدَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22] . وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَقْطَارِهَا.
ثُمَّ لَوْ اقْتَضَى هَذَا الْعُمُومَ، لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ، فَإِنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ مَالٌ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
فَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ دَيْنٌ، حَنِثَ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ، وَيَصِحُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ، وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالْمُعَاوَضَةِ عَنْهُ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَالتَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَائِهِ، فَيَحْنَثُ بِهِ، كَالْمُودَعِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ضَائِعٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ.
وَإِنْ ضَاعَ عَلَى وَجْهٍ قَدْ يَئِسَ مِنْ عَوْدِهِ، كَاَلَّذِي يَسْقُطُ فِي بَحْرٍ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ، كَالْمَجْحُودِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَاَلَّذِي عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ، فِي جَوَازِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَانْتِفَاءِ وُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَيْهِ عَنْهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ لَيْسَ بِمَالٍ.
وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقُّ شُفْعَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ بِهِ.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَالِكًا لِمَالٍ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ لَا يَأْكُل لَحْمًا فَأَكَلَ الشَّحْمَ أَوْ الْمُخَّ أَوْ الدِّمَاغِ]

(8144) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أَوْ الْمُخَّ، أَوْ الدِّمَاغَ، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الشَّحْمِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ، لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا لَيْسَ بِلَحْمٍ، مِنْ الشَّحْمِ وَالْمُخِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْعِظَامِ، وَالدِّمَاغِ، وَهُوَ الَّذِي فِي الرَّأْسِ فِي قِحْفِهِ، وَلَا الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ، وَالرِّئَةِ، وَالْقَلْبِ، وَالْكَرِشِ، وَالْمُصْرَانِ، وَالْقَانِصَةِ، وَنَحْوِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ اللَّحْمِ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا، وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، وَلَوْ أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ لَحْمٍ، فَاشْتَرَى هَذَا، لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ، وَلَا يَنْفُذُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ، كَالْبَقْلِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَيْسَتَا بِلَحْمٍ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ أَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» . وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعَ اللَّحْمِ، كَالْعَظْمِ وَالدَّمِ.
فَأَمَّا إنْ قَصَدَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ، حَنِثَ بِأَكْلِ الشَّحْمِ؛ لِأَنَّ لَهُ دَسَمًا، وَكَذَلِكَ الْمُخُّ، وَكُلُّ مَا فِيهِ دَسَمٌ.
(8145) فَصْلٌ: وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْأَلْيَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِي اللَّحْمِ، وَتُشْبِهُهُ فِي الصَّلَابَةِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى لَحْمًا، وَلَا يُقْصَدُ بِهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ، وَتُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالذَّوْبِ وَالطَّعْمِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهَا، كَشَحْمِ الْبَطْنِ.
فَأَمَّا الشَّحْمُ الَّذِي عَلَى الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ وَفِي تَضَاعِيفِ اللَّحْمِ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
فَإِنَّهُ قَالَ: اللَّحْمُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ.
يُشِيرُ إلَى مَا يُخَالِطُ اللَّحْمَ مِمَّا تُذِيبُهُ النَّارُ، وَهَذَا كَذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ طَلْحَةَ الْعَاقُولِيِّ.
وَمِمَّنْ قَالَ: هَذَا شَحْمٌ.
أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ لَحْمٌ، يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا، وَلَا بَائِعُهُ شَحَّامًا، وَلَا يُفْرَدُ عَنْ اللَّحْمِ مَعَ الشَّحْمِ، وَيُسَمَّى بَائِعُهُ لَحَّامًا، وَيُسَمَّى لَحْمًا سَمِينًا، وَلَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ، فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ، لَزِمَهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ فِي شِرَاءِ الشَّحْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: 146] . وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي صِفَتِهِ وَذَوْبِهِ، وَيُسَمَّى دُهْنًا، فَكَانَ شَحْمًا كَاَلَّذِي فِي الْبَطْنِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا، وَلَا أَنَّهُ يُسَمَّى بِمُفْرَدِهِ لَحْمًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى اللَّحْمُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لَحْمًا سَمِينًا، وَلَا يُسَمَّى بَائِعُهُ شَحَّامًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ بِمُفْرَدِهِ، وَإِنَّمَا يُبَاعُ تَبَعًا لِلَّحْمِ، وَهُوَ تَابِعٌ لَهُ فِي الْوُجُودِ وَالْبَيْعِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَائِعُهُ لَحَّامًا، وَلَمْ يُسَمَّ شَحَّامًا، لِأَنَّهُ سُمِّيَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ، دُونَ التَّبَعِ.
(8146) فَصْلٌ: وَإِنْ أَكَلَ الْمَرَقَ، لَمْ يَحْنَثْ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي الْأَكْلُ مِنْ الْمَرَقِ.
وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَرَقَ لَا يَخْلُو مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ الذَّائِبَةِ، وَقَدْ قِيلَ: الْمَرَقُ أَحَدُ اللَّحْمَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِلَحْمٍ حَقِيقَةً، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ، كَالْكَبِدِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَجْزَاءَ اللَّحْمِ فِيهِ، وَإِنَّمَا

فِيهِ مَاءُ اللَّحْمِ وَدُهْنُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَحْمٍ.
وَأَمَّا الْمِثْلُ، فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: الدُّعَاءُ أَحَدُ الصَّدَقَتَيْنِ.
وَقِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَحْمٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا غَيْرَ اللَّحْمِ الْحَقِيقِيِّ.
(8147) فَصْلٌ: وَإِنْ أَكَلَ رَأْسًا، أَوْ كَارِعًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا، فَاشْتَرَى رَأْسًا أَوْ كَارِعًا، لَا يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ مِنْ الشَّاةِ شَيْئًا.
قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ اللَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ الرُّءُوسَ وَالْكَوَارِعَ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ، فَاشْتَرَى رَأْسًا أَوْ كَارِعًا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيُسَمَّى بَائِعُ ذَلِكَ رَآَّسًا، وَلَا يُسَمَّى لَحَّامًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِالْيَمِينِ.
وَإِنْ أَكَلَ اللِّسَانَ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ عَنْ اللَّحْمِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَأَشْبَهَ الْقَلْبَ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلُ الشَّحْمَ فَأَكَلَ اللَّحْم]

(8148) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ الشَّحْمَ، فَأَكَلَ اللَّحْمَ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ الشَّحْمَ كُلُّ مَا يَذُوبُ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ وَالْعُرْفِ يَشْهَدُ لِقَوْلِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَطَلْحَةَ، وَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يَكَادُ لَحْمٌ يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ قَلَّ، فَيَحْنَثُ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الشَّحْمُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَوْفِ، مِنْ شَحْمِ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الشَّاةِ، مِنْ لَحْمِهَا الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ، وَالْأَلْيَةِ، وَالْكَبِدِ، وَالطِّحَالِ، وَالْقَلْبِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: لَا يَحْنَثُ - يَعْنِي ابْنَ حَامِدٍ - لِأَنَّ اسْمَ الشَّحْمِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ شَحْمٌ، فَيَحْنَثُ بِهِ.
وَأَمَّا إنْ أَكَلَ لَحْمًا أَحْمَرَ وَحْدَهُ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الشَّحْمِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ وَإِنْ قَلَّ، وَيَظْهَرُ فِي الطَّبْخِ، فَإِنَّهُ يَبِينُ عَلَى وَجْهِ الْمَرَقِ، وَإِنْ قَلَّ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَظْهَرُ الدُّهْنُ فِيهِ.
وَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَرَقِ قَدْ فَارَقَ اللَّحْمَ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
(8149) فَصْلٌ: وَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْ الْأَلْيَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمُوَافِقِيهِ؛ لِأَنَّهَا دُهْنٌ يَذُوبُ بِالنَّارِ، وَيُبَاعُ مَعَ الشَّحْمِ، وَلَا يُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمُوَافِقِيهِ: لَيْسَتْ شَحْمًا وَلَا لَحْمًا، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِهَا.

[مَسْأَلَة حَلَفَ أَلَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلَمْ يُرِدْ لَحْمًا بِعَيْنِهِ]

(8150) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا، وَلَمْ يُرِدْ لَحْمًا بِعَيْنِهِ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ، أَوْ الطُّيُورِ، أَوْ السَّمَكِ، حَنِثَ) أَمَّا إذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ أَوْ الصَّيْدِ أَوْ الطَّائِرِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَأَمَّا السَّمَكُ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي " الْإِرْشَادِ ": لَا يَحْنَثُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ اسْمِ اللَّحْمِ، وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ اللَّحْمِ، فَاشْتَرَى لَهُ سَمَكًا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الِاسْمَ، فَيَقُولَ: مَا أَكَلْت لَحْمًا، وَإِنَّمَا أَكَلْت سَمَكًا.
فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحِنْثُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا قَعَدْت تَحْتَ سَقْفٍ.
فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْقُعُودِ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] لِأَنَّهُ مَجَازٌ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] . وَقَالَ: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12] . وَلِأَنَّهُ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ، وَيُسَمَّى لَحْمًا، فَحَنِثَ بِأَكْلِهِ، كَلَحْمِ الطَّائِرِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِلَحْمِ الطَّائِرِ.
وَأَمَّا السَّمَاءُ، فَإِنَّ الْحَالِفَ أَلَّا يَقْعُدَ تَحْتَ سَقْفٍ، لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ الْقُعُودِ تَحْتَهَا، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِيَمِينِهِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجَازٌ، وَهَا هُنَا هِيَ حَقِيقَةٌ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ، فَكَانَ الِاسْمُ فِيهِ حَقِيقَةً، كَلَحْمِ الطَّائِرِ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21] . (8151) فَصْلٌ: وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمُحَرَّمِ، كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَغْصُوبِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْمُحَرَّمِ بِأَصْلِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَحِلُّ لَا إلَى مَا يَحْرُمُ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِمَا لَا يَحِلُّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَحْمٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، كَالْمَغْصُوبِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَحْمًا، فَقَالَ: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: 173] . وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، فَلَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ فِي الْحَقِيقَةِ.

[فَصْلٌ وَالْأَسْمَاء فِي كِتَاب الْأَيْمَان تَنْقَسِم إلَى سِتَّةِ أَقْسَام الْيَمِين]

(8152) فَصْلٌ: وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ؛

أَحَدُهَا، مَا لَهُ مُسَمًّى وَاحِدٌ، كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، فَهَذَا تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى مُسَمَّاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
الثَّانِي، مَا لَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ، وَمَوْضُوعٌ لُغَوِيٌّ، كَالْوُضُوءِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
الثَّالِثُ، مَا لَهُ مَوْضُوعٌ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازٌ لَمْ يَشْتَهِرْ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِيقَةِ، كَالْأَسَدِ وَالْبَحْرِ، فَيَمِينُ الْحَالِفِ تَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ إذَا وَرَدَ فِي مِثْلِ هَذَا، حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ، كَذَلِكَ الْيَمِينُ.
الرَّابِعُ، الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ، وَهِيَ مَا يَشْتَهِرُ مَجَازُهُ حَتَّى تَصِيرَ الْحَقِيقَةُ مَغْمُورَةً فِيهِ، فَهَذَا عَلَى ضُرُوبٍ؛ أَحَدُهَا، مَا يَغْلِبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، كَالرَّاوِيَةِ، هِيَ فِي الْعُرْفِ اسْمُ الْمَزَادَةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا يُسْتَقَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، وَالظَّعِينَةِ فِي الْعُرْفِ الْمَرْأَةُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ النَّاقَةُ الَّتِي يُظْعَنُ عَلَيْهَا، وَالْعَذِرَةِ وَالْغَائِطِ فِي الْعُرْفِ الْفَضْلَةُ الْمُسْتَقْذَرَةُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْعَذِرَةُ فِنَاءُ الدَّارِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لِقَوْمٍ: مَا لَكُمْ لَا تُنَظِّفُونَ عَذِرَاتِكُمْ؟ يُرِيدُ أَفْنِيَتَكُمْ.
وَالْغَائِطُ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ.
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ تَنْصَرِفُ يَمِينُ الْحَالِفِ إلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُهُ بِيَمِينِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَقِيقَةَ فِي غَيْرِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَخُصَّ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بَعْضَ الْحَقِيقَةِ بِالِاسْمِ، وَهَذَا يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا؛ فَمِنْهُ مَا يَشْتَهِرُ التَّخْصِيصُ فِيهِ، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ، هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 55] . وَفِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِلْبِغَالِ وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَصَّى إنْسَانٌ لِرَجُلٍ بِدَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّهِ، كَانَ لَهُ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ تَنْصَرِفُ إلَى الْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَتَنَاوَلَ يَمِينُهُ الْحَقِيقَةَ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِيمَا سَنَذْكُرُهُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ: إنَّ يَمِينَهُ تَتَنَاوَلُ السَّمَكَ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ إذَا حَلَفَ لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ، فَإِنَّهُ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِكُلِّ نَبْتٍ أَوْ زَهْرٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، مِثْلِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالنِّرْجِسِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِشَمِّ الرِّيحَانِ الْفَارِسِيِّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَا يُرِيدُ بِيَمِينِهِ فِي الظَّاهِرِ سِوَاهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ بِشَمِّ مَا يُسَمَّى فِي الْحَقِيقَةِ رَيْحَانًا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً.
وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ الْفَاكِهَةِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى رَيْحَانًا حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا.
وَمِنْ هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ وَرْدًا، وَلَا بَنَفْسَجًا، فَشَمَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ، وَمَاءَ الْوَرْدِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشُمّ وَرْدًا وَلَا بَنَفْسَجًا.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الشَّمَّ إنَّمَا هُوَ لِلرَّائِحَةِ دُونَ الذَّاتِ، وَرَائِحَةُ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ بِشَمِّ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بَنَفْسَجًا، وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ مَاءِ الْوَرْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَرْدًا.
وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ شَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ الْيَابِسَ، حَنِثَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ تَمْرًا.
وَلَنَا، أَنَّ حَقِيقَتَهُ بَاقِيَةٌ، فَحَنِثَ بِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ قَدِيدًا، وَفَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ التَّمْرَ لَيْسَ رُطَبًا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شِوَاءً، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْبَيْضِ الْمَشْوِيِّ وَمَا عَدَاهُ.
وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُشْوَى؛ لِأَنَّهُ شِوَاءٌ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى شِوَاءً، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ، كَالْمَطْبُوخِ، وَقَوْلُهُمْ: هُوَ شِوَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ.
قُلْنَا: لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى شِوَاءً فِي الْعُرْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ الْمُسَمَّى شِوَاءً فِي عُرْفِهِمْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا فِي الْعُرْفِ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُمَا بَيْتَانِ حَقِيقَةً، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا، فَقَالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96] . وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ: «الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ» . وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ: " بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ ". وَإِذَا كَانَ بَيْتًا فِي الْحَقِيقَةِ، وَيُسَمِّيهِ الشَّارِعُ بَيْتًا، حَنِثَ بِدُخُولِهِ، كَبَيْتِ الْإِنْسَانِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ، فَإِنَّ هَذَا يُسَمَّى بَيْتًا فِي الْعُرْفِ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، حَنِثَ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ حَضَرِيًّا أَوْ بَدَوِيًّا، فَإِنَّ اسْمَ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: 80] . فَأَمَّا مَا لَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ بَيْتًا، كَالْخَيْمَةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ بِدُخُولِهِ مَنْ لَا يُسَمِّيهِ بَيْتًا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
وَإِنْ دَخَلَ دِهْلِيزَ دَارٍ أَوْ صِفَتَهَا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ بَيْتٌ.

وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَا دَخَلْت الْبَيْتَ، إنَّمَا وَقَفْت فِي الصَّحْنِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ رُكُوبٌ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: 41] . وَقَالَ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: 65] . الضَّرْبُ الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَامًّا، لَكِنْ أَضَافَ إلَيْهِ فِعْلًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ، إلَّا فِي بَعْضِهِ، أَوْ اُشْتُهِرَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رَأْسًا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ رَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ مِنْ النَّعَمِ وَالصَّيُودِ وَالطُّيُورِ وَالْحِيتَانِ وَالْجَرَادِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ لِلْأَكْلِ مُنْفَرِدًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رُءُوسِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ تَكْثُرُ فِيهِ الصَّيُودُ، وَتُمَيَّزُ رُءُوسُهَا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُءُوسِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِبَيْعِهَا مُفْرَدَةً.
وَقَالَ صَاحِبَاهُ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رُءُوسِ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ دُونَ غَيْرِهَا، فَيَمِينُهُ تَنْصَرِفُ إلَيْهَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ هَذِهِ رُءُوسٌ - حَقِيقَةً وَعُرْفًا - مَأْكُولَةٌ، فَحَنِثَ بِأَكْلِهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ النَّعَامِ وَالزَّرَافَةِ، وَمَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ وَبَيْعُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ بَيْضِ كُلِّ حَيَوَانٍ، سَوَاءٌ كُثْرَ وُجُودُهُ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ، أَوْ قَلَّ وُجُودُهُ كَبَيْضِ النَّعَامِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَيْضِ النَّعَامِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ بَيْضِ الدَّجَاجِ، وَمَا يُبَاعُ فِي السُّوقِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْضٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، وَهُوَ مَأْكُولٌ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، فَشَرِبَ مَاءَ الْبَحْرِ، أَوْ مَاءً نَجِسًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا، فَأَكَلَ الْأُرْزَ أَوْ الذُّرَةَ، فِي مَكَان لَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ فِيهِ، حَنِثَ.
فَأَمَّا إنْ أَكَلَ بَيْضَ السَّمَكِ أَوْ الْجَرَادِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ بَيْضُ حَيَوَانٍ، أَشْبَهَ بَيْضَ النَّعَامِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ بَيْضٍ يُزَايَلُ بَائِضُهُ فِي الْحَيَاةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَيْضِ، وَلَا يُذْكَرُ إلَّا مُضَافًا إلَى بَائِضِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى بَيْضًا غَيْرَ بَيْضِ الْحَيَوَانِ، وَلَا بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غَيْرَ رُءُوسِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَأْسٍ وَلَا بِيضٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَلَا يَأْكُل سَوِيقًا فَشَرَّبَهُ أَوْ لَا يُشْرِبهُ فَأَكَلَهُ]

(8153) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ سَوِيقًا، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبَهُ، فَأَكَلَهُ، حَنِثَ، إلَّا أَنْ تَكُونُ لَهُ نِيَّةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛

إحْدَاهُمَا، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ شَيْءٍ أَوْ شُرْبِهِ يُقْصَدُ بِهَا فِي الْعُرْفِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2] وَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: 10] لَمْ يُرِدْ بِهِ الْأَكْلَ عَلَى الْخُصُوصِ؟ وَلَوْ قَالَ طَبِيبٌ لِمَرِيضٍ: لَا تَأْكُلْ الْعَسَلَ.
لَكَانَ نَاهِيًا لَهُ عَنْ شُرْبِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَحْنَثُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ أَنْوَاعٌ كَالْأَعْيَانِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْأَعْيَانِ، لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ، فِيمَنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، مِثْلَ مَنْ حَلَفَ: لَا أَكَلْت هَذَا السَّوِيقَ.
فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، أَمَّا إذَا أَطْلَقَ، فَقَالَ: لَا أَكَلْت سَوِيقًا، فَشَرِبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ، وَلَيْسَ لِلتَّعْيِينِ أَثَرٌ فِي الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْحِنْثَ فِي الْمُعَيَّنِ إنَّمَا هُوَ لِتَنَاوُلِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِجْرَاءِ مَعْنَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى التَّنَاوُلِ الْعَامِّ فِيهِمَا، وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْحِنْثِ يُتَعَلَّلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْفِعْلَ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ غَيْرَهُ، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ كَهُوَ فِي الْمُطْلَقِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمُعَيَّنِ رِوَايَتَانِ، كَانَتَا فِي الْمُطْلَقِ؛ لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِي الْحِنْثِ أُخِذَتْ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ، وَرِوَايَةُ عَدَمِ الْحِنْثِ، أُخِذَتْ مِنْ رِوَايَةِ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ هَذَا النَّبِيذَ، فَأَكَلَهُ، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شُرْبًا، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ، فَإِنْ عَدَّيْت كُلَّ رِوَايَةٍ إلَى مَحَلِّ الْأُخْرَى، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ، وَإِنْ قَصَرْت كُلَّ رِوَايَةٍ عَلَى مَحَلِّهَا، كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ الْقَاضِي، وَهُوَ أَنْ يَحْنَثَ فِي الْمُطْلَقِ، وَلَا يَحْنَثَ فِي الْمُعَيَّنِ.
فَأَمَّا إنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ شَيْئًا فَشَرِبَهُ.
أَوْ لَيَشْرَبَنَّهُ فَأَكَلَهُ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ عَلَى التَّرْكِ، وَمَتَى تَقَيَّدَتْ يَمِينُهُ بِنِيَّةٍ، أَوْ سَبَبٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا، كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ السَّبَبُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَشْرَب شَيْئًا فَمَصَّهُ وَرَمَى بِهِ]

(8154) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَيْئًا، فَمَصَّهُ وَرَمَى بِهِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكْرِ: لَا يَحْنَثُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ، لَا يَحْنَثُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ فَإِنَّهُمْ: قَالُوا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ، فَمَصَّ حَبَّ رُمَّانٍ، وَرَمَى بِالثُّفْلِ، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: إنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَنَاوَلَهُ، وَوَصَلَ إلَى بَطْنِهِ وَحَلْقِهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، عَلَى مَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا، فَتَرَكَهُ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ، وَابْتَلَعَهُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُ شَيْئًا، حَنِثَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمَصِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طُعْمٌ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى فِي النَّهْرِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: 249] . وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ،

فَذَاقَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ بِهِ الصَّائِمُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَذُوقُهُ، فَأَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ، أَوْ مَصَّهُ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَإِنْ مَضَغَهُ وَرَمَى بِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَهُ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً بِالْفَتْحِ]

(8155) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً، بِالْفَتْحِ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَأْكُلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ أَكْلَةً، وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ الْأَكْلِ، وَالْأُكْلَةُ، بِالضَّمِّ، اللُّقْمَةُ، وَمِنْهُ: " فَلْيُنَاوِلْهُ فِي يَدِهِ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَيْنِ ".

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَا يَأْكُل تَمْرَة فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَة]

(8156) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يَأْكُلَ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ الَّتِي وَقَعَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَالِفَ هَذِهِ الْيَمِينِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَكْلَ التَّمْرَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا، فَأَمَّا أَنْ يَعْرِفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِصِفَتِهَا، أَوْ يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ، أَوْ الْجَانِبَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ كُلَّهُ، فَهَذَا يَحْنَثُ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ التَّمْرَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا.
الثَّانِي، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهَا؛ إمَّا بِأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا، أَوْ أَكَلَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُهَا، فَلَا يَحْنَثُ أَيْضًا، بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُ زَوْجَتِهِ.
الثَّالِثُ، أَكَلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا؛ إمَّا وَاحِدَةً، أَوْ أَكْثَرَ، إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَدْرِ هَلْ أَكَلَهَا أَمْ لَا؟ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، وَيَقِينُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
فَعَلَى هَذَا، يَكُونُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيًا، فِي لُزُومِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَمَسْكَنِهَا، وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا، إلَّا الْوَطْءَ؛ فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ: يُمْنَعُ وَطْأَهَا؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي حِلِّهَا، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، كَسَائِرِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ حُكْمًا، فَأَثْبَتَ الْحِلَّ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِرُّهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ أَكَلَهَا.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبهُ عَشَرَة أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَة وَاحِدَة]

(8157) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ)

وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَبَرُّ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي الْمَرِيضِ عَلَيْهِ الْحَدُّ: يُضْرَبُ بِعِثْكَالِ النَّخْلِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مَسَّتْهُ كُلُّهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَمَسَّهُ كُلُّهَا، لَمْ يَبَرَّ.
وَإِنْ شَكَّ، لَا يَحْنَثْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44] . «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَرِيضِ الَّذِي زَنَى: خُذُوا لَهُ عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً» . وَلِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الضَّرْبَ.
وَلَنَا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَبَرَّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ بِسَوْطٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ، يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَوْ عَادَ الْعَدَدُ إلَى السَّوْطِ، لَمْ يَبَرَّ بِالضَّرْبِ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، وَلِأَنَّ السَّوْطَ هَاهُنَا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ، فَمَعْنَى كَلَامِهِ، لَأَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ.
وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ يَمِينِهِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لُغَةً، فَلَا يَبَرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرْخَصَ لَهُ رِفْقًا بِامْرَأَتِهِ، لِبِرِّهَا بِهِ، وَإِحْسَانِهَا إلَيْهِ، لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ بِرِّهِ فِي يَمِينِهِ وَرِفْقِهِ بِامْرَأَتِهِ، وَلِذَلِكَ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِهَذَا، وَذَكَرَهُ فِي جُمْلَةِ مَا مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ، مِنْ مُعَافَاتِهِ إيَّاهُ مِنْ بَلَائِهِ، وَإِخْرَاجِ الْمَاءِ لَهُ، فَيَخْتَصُّ هَذَا بِهِ، كَاخْتِصَاصِهِ بِمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ عَامًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ لَمَا اُخْتُصَّ أَيُّوبُ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي يُخَافُ تَلَفُهُ، أُرْخِصَ لَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّهُ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فِيهِ، فَلِئَلَّا يَتَعَدَّاهُ إلَى الْيَمِينِ أَوْلَى، وَلَوْ خُصَّ بِالْبِرِّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْعُدُولَ فِي الْحَدِّ إلَى الضَّرْبِ بِالْعُثْكَالِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.
وَأَمَّا تَعْدِيَتُهُ إلَى غَيْرِهِ فَبَعِيدَةٌ جِدًّا.
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا، بَرَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَبَرَّ بِضَرْبِهِ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، دَفْعَةً وَاحِدَة، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ، فَكَذَلِكَ، إلَّا وَجْهًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَبَرُّ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَسْوَاطٍ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَا ضَرَبْتُهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَفَعَلَ هَذَا، لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ.
(8158) فَصْلٌ: وَلَا يَبَرُّ حَتَّى يَضْرِبَهُ ضَرْبًا يُؤْلِمُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبَرُّ بِمَا لَا يُؤْلِمُ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، فَوَقَعَ الْبِرُّ بِهِ.
كَالْمُؤْلِمِ،

وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يُقْصَدُ بِهِ فِي الْعُرْفِ التَّأْلِيمُ، فَلَا يَبَرُّ بِغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّرْبُ فِي الشَّرْعِ، فِي حَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ، كَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْلِيمُ، كَذَا هَاهُنَا.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا]

(8159) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا، حَنِثَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يُشَافِهَهُ) أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا، فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا، قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ؟ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ، وَلِمَ حَلَفَ إنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ، وَالْكِتَابُ قَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْكِتَابِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ، وَتَرْكَ صِلَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ بِكِتَابٍ وَلَا رَسُولٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهَذَا يَصِحُّ نَفْيُهُ، فَيُقَالُ: مَا كَلَّمْتُهُ، وَإِنَّمَا كَاتَبْتُهُ أَوْ رَاسَلْتُهُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: 253] . وَقَالَ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: 144] . وَقَالَ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] . وَلَوْ كَانَتْ الرِّسَالَةُ تَكْلِيمًا، لَشَارَكَ مُوسَى غَيْرُهُ مِنْ الرُّسُلِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِكَوْنِهِ كَلِيمَ اللَّهِ وَنَجِيَّهُ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، حِينَ مَاتَ بِشْرٌ الْحَافِي: لَقَدْ كَانَ فِيهِ أُنْسٌ، وَمَا كَلَّمْته قَطُّ.
وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُرَاسَلَةٌ، وَمِمَّنْ قَالَ: لَا يَحْنَثُ بِهَذَا.
الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ﴾ [الشورى: 51] . فَاسْتَثْنَى الرَّسُولَ مِنْ التَّكَلُّمِ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِفْهَامِ الْآدَمِيِّينَ، أَشْبَهَ الْخِطَابَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] . وَالرَّمْزُ لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ، لَكِنْ إنْ نَوَى تَرْكَ مُوَاصَلَتِهِ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ، حَنِثَ؛ لِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: إنَّ الْكِتَابَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ.
فَلَمْ يَجْعَلْهُ كَلَامًا، إنَّمَا قَالَ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إذَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَإِذَا أَطْلَقَ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْحَالِفِ هَذِهِ الْيَمِينَ قَصْدُ تَرْكِ الْمُوَاصَلَةِ، فَتَعَلَّقَ يَمِينُهُ بِمَا يُرَادُ فِي الْغَالِبِ، كَقَوْلِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(8160) فَصْلٌ: وَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ قَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ فِي الْإِفْهَامِ،

وَالثَّانِي لَا يَحْنَثُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَرْيَمَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29] . وَقَالَ فِي زَكَرِيَّا ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] . وَلِأَنَّ الْكَلَامَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِشَارَةِ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ شَيْءٌ مَسْمُوعٌ، وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» وَالْإِشَارَةُ بِخِلَافِ هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] . قُلْنَا: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، وَصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْهُ، فَيُقَالُ: مَا كَلَّمَهُ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إلَيْهِ.

[فَصْلٌ كَلَّمَ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِقَصْدِ إسْمَاعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ]

(8161) فَصْلٌ: فَإِنْ كَلَّمَ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، بِقَصْدِ إسْمَاعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ زِيَادًا، فَلَمَّا أَرَادَ زِيَادٌ الْحَجَّ، جَاءَ أَبُو بَكْرَةَ إلَى قَصْرِ زِيَادٍ فَدَخَلَ فَأَخَذَ بُنَيًّا لِزِيَادٍ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي؛ إنَّ أَبَاكَ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَلَعَلَّهُ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ، فَيَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا النَّسَبِ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ.
ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ تَكْلِيمًا لَهُ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ قَاصِدًا لِإِسْمَاعِهِ وَإِفْهَامِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَبَهُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ: إيَّاكِ أَعْنِي فَاسْمَعِي يَا جَارَة

[فَصْلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّم فُلَانًا فَنَادَاهُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا يَسْمَعُ]

(8162) فَصْلٌ: فَإِنْ نَادَاهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ، فَلَمْ يَسْمَعُ، لِتَشَاغُلِهِ، أَوْ غَفْلَتِهِ، حَنِثَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا، فَنَادَاهُ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا يَسْمَعُ؟ قَالَ: يَحْنَثُ.
لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ، وَهَذَا لِكَوْنِ ذَلِكَ يُسَمَّى تَكْلِيمًا، يُقَالُ: كَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَسْمَعْ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، أَوْ غَائِبًا، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ أَصَمَّ لَا يَعْلَمُ بِتَكْلِيمِهِ إيَّاهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِنِدَاءِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَّمَهُمْ وَنَادَاهُمْ، وَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» . وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22] . وَلِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ حَوَاسُّهُ، وَذَهَبَتْ نَفْسُهُ، فَكَانَ أَبْعَدَ مِنْ السَّمَاعِ مِنْ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ، لِبَقَاءِ الْحَوَاسِّ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرَامَةً لَهُ، وَأَمْرًا اخْتَصَّ بِهِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.

[فَصْلٌ سَلَّمَ عَلَى مِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ أَلَا يُكَلِّمهُ]

فَصْلٌ: وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ.
وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ، أَوْ كَلَّمَهُمْ، فَإِنْ قَصَدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُمْ دُونَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، فَإِذَا نَوَاهُ بِهِ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، حَنِثَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُكَلِّمٌ لِجَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الْعُمُومُ، فَيُحْمَلُ عَلَى مُقْتَضَاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ يَصْلُحُ لِلْخُصُوصِ، فَلَا يَحْنَثُ بِالِاحْتِمَالِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَرْجُوحٌ، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ، كَمَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَجَازَ الَّذِي لَيْسَ بِمُشْتَهِرٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِيهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ.
وَالثَّانِيَةُ، يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَهُمْ بِسَلَامِهِ، وَهُوَ مِنْهُمْ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي.
وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَحْنَثُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ بِنَاءً عَلَى النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ ثُمَّ وَصَلَ يَمِينَهُ بِكَلَامِهِ]

(8164) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ.
ثُمَّ وَصَلَ يَمِينَهُ بِكَلَامِهِ، مِثْلَ أَنْ قَالَ: فَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، أَوْ فَاذْهَبْ.
فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْنَثُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ بِالْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ يَمِينُهُ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذَا الْقَلِيلَ كَلَامٌ مِنْهُ لَهُ حَقِيقَةً، وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ يَمِينِهِ، فَيَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ، وَلِأَنَّ مَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا فَصَلَهُ، يَحْنَثُ بِهِ إذَا وَصَلَهُ، كَالْكَثِيرِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْيَمِينَ يَقْتَضِي خِطَابًا مُسْتَأْنَفًا.
قُلْنَا: هَذَا الْخِطَابُ مُسْتَأْنَفٌ، غَيْرُ الْأَوَّلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ حَنِثَ بِهِ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ صِلَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ بِيَمِينِهِ، تَدُلُّ عَلَى إرَادَة كَلَامٍ يَسْتَأْنِفُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذَا الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ حَقِيقَةً.
وَإِنْ نَوَى كَلَامًا غَيْرَ هَذَا، لَمْ يَحْنَثْ بِهَذَا فِي الْمَذْهَبَيْنِ.

[فَصْلٌ صَلَّى بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَلَا يُكَلِّمهُ إمَامًا ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاة]

(8165) فَصْلٌ: وَإِنْ صَلَّى بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إمَامًا، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ، لَمْ يَحْنَثْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَحْنَثُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ السَّلَامَ عَلَى الْحَاضِرِينَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ، كَتَكْبِيرِهَا، وَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْحَاضِرِينَ بِسَلَامِهِ وَاجِبَةً فِي السَّلَامِ.
وَإِنْ اُرْتُجَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، فَفَتَحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ، لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ]

(8166) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَرَأَ خَارِجًا مِنْهَا، حَنِثَ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ اللَّهِ.
وَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ - تَعَالَى، لَمْ يَحْنَثْ.
وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» . وَقَالَ «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» . وَلَنَا، أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» . لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ.

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] . فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ.
وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: 41] فَأَمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ.
وَلِأَنَّ مَا لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَا يَحْنَثُ بِهِ خَارِجًا مِنْهَا، كَالْإِشَارَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا.
وَإِنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، فَقَالَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46] . يَقْصِدُ الْقُرْآنَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَوْ ثَلَاثَة أَيَّامٍ]

(8167) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي بَيْنَ اللَّيَالِي، وَلَا فِي اللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ الْأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10] . فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ عِبَارَةً عَنْ الزَّمَانَيْنِ جَمِيعًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] . فَدَخَلَ فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.

[فَصْلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ بِمَالِ فَكَفَلَ بِبَدَنِ إنْسَانُ]

(8168) فَصْلٌ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ، فَكَفَلَ بِبَدَنِ إنْسَانٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَلْزَمُهُ بِكَفَالَتِهِ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَكْفُولِ بِهِ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ بِتَعَذُّرِ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُهُ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى كَفَالَةً بِالْمَالِ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهَا عَنْهُ، فَيُقَالُ: مَا تَكَفَّلَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا تَكَفَّلَ بِالْبَدَنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ لَمْ يَأْمُرهُ وَلَمْ يَنْهَهُ]

(8169) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ عَبْدَهُ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عَبْدَهُ يَخْدِمُهُ عِبَادَةً بِحُكْمِ اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى يَمِينِهِ: لَا مَنَعَتْك خِدْمَتِي.
فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَمْنَعْهُ، فَيَحْنَثُ، وَعَبْدُ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ؛

لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى الْخِدْمَةِ اسْتِخْدَامٌ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْتَخْدِمُ عَبْدَهُ إذَا خَدَمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ، وَلِأَنَّ مَا حَنِثَ بِهِ فِي عَبْدِهِ، حَنِثَ بِهِ فِي غَيْرِهِ، كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ رَجُلٌ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِكَ]

(8170) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ رَجُلٌ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِك.
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ يَمِينَ الْأَوَّلِ لَيْسَتْ ظَرْفًا لِيَمِينِ الثَّانِي.
وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينِ مَا يَلْزَمُك، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهَا.
قَالَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْكَفَّارَةِ بِهَا لِحُرْمَةِ اللَّفْظِ بِاسْمِ اللَّهِ الْمُحْتَرَمِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ، وَإِنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ، فَقَالَ آخَرُ: يَمِينِي فِي يَمِينِك.
يَنْوِي بِهِ، أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينَ مَا يَلْزَمُك، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: وَأَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينِك؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَالَهُ الَّذِي حَلَفَ.
لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَعْمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَرِيحٍ.
وَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ لَمْ يَحْلِفْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ مِنْ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا، فَحَلَفَ الْمَقُولُ لَهُ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُ الْقَائِلِ، وَإِنْ كَانَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ، وَلَيْسَ هَاهُنَا مَا يُكَنَّى عَنْهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فِيمَنْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي.
أَنَّهُ إنْ عَرَفَهَا، وَنَوَى جَمِيعَ مَا فِيهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا.
وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَكُونُ فِيهَا وَجْهَانِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي]

(8171) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ: كُنْت عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ، فَقَالَ: لَسْت أُفْتِي فِيهَا بِشَيْءٍ، وَلَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ شُيُوخِنَا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْيَمِينِ.
قَالَ: وَكَانَ أَبِي، - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي أَبَا عَلِيِّ - يَهَابُ الْكَلَامَ فِيهَا.
ثُمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْحَالِفُ بِهَا جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَيْمَانِ.
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: عَرَفَهَا أَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
وَأَيْمَانُ الْبَيْعَةِ هِيَ الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ يَسْتَحْلِفُ بِهَا عِنْدَ الْبَيْعَةِ وَالْأَمْرِ الْمُهِمِّ لِلسُّلْطَانِ.
«وَكَانَتْ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ» ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْحَجَّاجُ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ الْمَالِ.
فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ، وَالْكِنَايَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَصِحّ أَنْ يَنْوِيَهُ.
وَإِنْ عَرَفَهَا، وَلَمْ يَنْوِ عَقْدَ الْيَمِينِ بِمَا فِيهَا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَمَنْ عَرَفَهَا، وَنَوَى الْيَمِينَ بِمَا فِيهَا، صَحَّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِهَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَمَا عَدَا الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ، فَقَالَ الْقَاضِي

هَاهُنَا: تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَتَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ الْمَنْوِيَّةِ، كَيَمِينِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ بِالْكِنَايَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِيهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ اسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الْمُحْتَرَمِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَاب النُّذُور]

ِ الْأَصْلُ فِي النَّذْرِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] . وَقَالَ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] . وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ.
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . . وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ.» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ.
(8172) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَدَحَ الْمُوفِينَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا، لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفَاضِلُ أَصْحَابِهِ.

[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ]

(8173) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، لَمْ يَعْصِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) ، وَنَذْرُ الطَّاعَةِ؛ الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَالْعِتْقُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالِاعْتِكَافُ، وَالْجِهَادُ، وَمَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا.
أَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ عِلَّتِي، أَوْ شَفَى فُلَانًا، أَوْ سَلِمَ مَالِي الْغَائِبُ.
أَوْ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَأَدْرَكَ مَا أَمَّلَ بُلُوغَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ.

وَنَذْرُ الْمَعْصِيَةِ،، أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَشْرَبَ الْخَمْرَ، أَوْ أَقْتُلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ.
وَمَا أَشْبَهَهُ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ؛ وَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، أَوْ أَسْكُنَ دَارِي، أَوْ أَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِي.
وَمَا أَشْبَهَهُ، لَمْ يَكُنْ هَذَا نَذْرَ طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ.
وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا، وَيُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ النَّذْرَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ، غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذْرِ، وَلَا الْقُرْبَةِ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي، نَذْرُ طَاعَةٍ وَتُبَرَّرُ؛ مِثْلُ الَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ.
فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِلْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، الْتِزَامُ طَاعَةٍ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا، أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا، كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَانِي اللَّهُ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ.
فَتَكُونُ الطَّاعَةُ الْمُلْتَزَمَةُ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ بِالشَّرْعِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ، فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
النَّوْعُ الثَّانِي، الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ.
فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا عُمَرَ غُلَامَ ثَعْلَبٍ قَالَ: النَّذْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعْدٌ.
بِشَرْطٍ.
وَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ الْآدَمِيُّ بِعِوَضٍ، يَلْزَمُهُ بِالْعَقْدِ، كَالْمَبِيعِ وَالْمُسْتَأْجَرِ، وَمَا الْتَزَمَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْهِبَةِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ، نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ، كَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ، فَلَا يَجِبُ بِهِ مَا لَا يَجِبُ لَهُ نَظِيرٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
وَلَنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . وَذَمُّهُ الَّذِينَ يَنْذُرُونَ

وَلَا يُوفُونَ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: 75] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: 76] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] . وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِك» . وَلِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ قُرْبَةً عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّرِ، فَتَلْزَمُهُ، كَمَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَكَمَا لَوْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أُضْحِيَّةً، أَوْ أَوْجَبَ هَدْيًا، وَكَالِاعْتِكَافِ، وَكَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَلَّمُوهَا، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عِنْدَهُمْ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ أَبِي عُمَرَ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمُلْتَزَمَ نَذْرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، قَالَ جَمِيلٌ: فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي ... وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقَوْنِي وَالْجَعَالَةُ وَعْدٌ بِشَرْطٍ، وَلَيْسَتْ بِنَذْرٍ.

[الْقَسَم الثَّالِث النَّذْرُ الْمُبْهَمُ]

ُ. وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَى نَذْرٌ.
فَهَذَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّافِعِيَّ، قَالَ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّذْرِ مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَلِأَنَّهُ نَصٌّ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.

[الْقَسَم الرَّابِع نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ]

ِ، فَلَا يَحِلُّ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ.» وَلِأَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَحِلُّ فِي حَالٍ، وَيَجِبُ عَلَى النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ، فِيمَنْ نَذَرَ لَيَهْدِمَنَّ دَارَ غَيْرِهِ لَبِنَةً لَبِنَةً: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالشَّعْبِيِّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ

رَسُولِ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ «لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: «لَا نَذْرَ إلَّا مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . وَلَمْ يَأْمُرْ بِكَفَّارَةٍ.
«وَلَمَّا نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْكُفَّارِ، فَنَجَتْ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْحَرَهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ أَنْجَانِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ أَنْحَرَهَا؟ قَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا، لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِكَفَّارَةٍ «. وَقَالَ لِأَبِي إسْرَائِيلَ حِينَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَجْلِسْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ.» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ.
لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ، وَهَذَا الْتِزَامُ مَعْصِيَةٍ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا، كَالْيَمِينِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدَةِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ "، وَأَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ.
رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «النَّذْرُ نَذْرَانِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ لِلَّهِ، وَفِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ.» وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ، بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «النَّذْرُ حَلْفَةٌ» «. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُخْتِ عُقْبَةَ، لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَلَمْ تُطِقْهُ: تُكَفِّرُ يَمِينَهَا.» صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي رِوَايَةٍ: " وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ". قَالَ أَحْمَدُ: إلَيْهِ أَذْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِهَا: كَفِّرِي يَمِينَك.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، فَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَهَا.

فَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ، فَمَعْنَاهَا لَا وَفَاءَ بِالنَّذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا أَنَّ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ: «وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ» . يَعْنِي لَا يَبَرُّ فِيهَا.
وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْكَفَّارَةَ فِي أَحَادِيثِهِمْ، فَقَدْ بَيَّنَهَا فِي أَحَادِيثِنَا فَإِنْ فَعَلَ مَا نَذَرَهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً، فَفَعَلَهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ حَتْمًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَيَّنَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، وَنَهَى عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ.

[الْقَسَم الْخَامِس الْمُبَاح مِنْ أَقْسَام النَّذْر]

الْقِسْمُ الْخَامِسُ، الْمُبَاحُ؛ كَلُبْسِ الثَّوْبِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَهَذَا يَتَخَيَّرُ النَّاذِرُ فِيهِ، بَيْنَ فِعْلِهِ فَيَبَرُّ بِذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِك.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ بَرَّ بِفِعْلِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَهُ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ.
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا، قَالُوا فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَوْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ: كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَتْهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ بِلَا كَفَّارَةٍ.
وَهَذَا مِثْلُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، إذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ، وَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَذَرَتْ امْرَأَةٌ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَسُئِلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَلَمْ يَأْمُرْ بِكَفَّارَةٍ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا.
فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفِعْلِ مَا نَذَرَهُ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً، كَنَذْرِ الْمُسْتَحِيلِ.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ الَّتِي نَذَرَتْ الْمَشْيَ، فَقَدْ أَمَرَ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، أَنَّ «أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا.» صَحِيحٌ، أَخْرُجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ رَوَى الْبَعْضَ وَتَرَكَ الْبَعْضَ أَوْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ ذِكْرَ الْكَفَّارَةِ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ، إحَالَةً عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ إذَا نَذَرَ فِعْلَ مَكْرُوهٍ، كَطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» . فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفِيَ، وَيُكَفِّرَ، فَإِنْ وَفَى بِنَذْرِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.

[الْقَسَم السَّادِس نَذْرُ الْوَاجِبِ]

ِ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ.
لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ؛ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمِينًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيُكَفِّرُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ.

[الْقَسَم السَّابِع نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ]

ِ، كَصَوْمِ أُمْسِ، فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ، وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ، وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، فَالنَّذْرُ أَوْلَى، وَعَقْدُ الْبَابِ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ، أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَمُوجَبُهُ مُوجَبُهَا، إلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ، إذَا كَانَ قُرْبَةً وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ؛ وَدَلِيلُ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُخْتِ عُقْبَةَ، «لَمَّا نَذَرْت الْمَشْيَ فَلَمْ تُطِقْهُ وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: " فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ". قَالَ أَحْمَدُ: إلَيْهِ أَذْهَبُ.
وَعَنْ عُقْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ وَلَدِهَا: كَفِّرِي يَمِينَك.
وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ، وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ، فَكَذَلِكَ سَائِرُهُ، فِي سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ.

[فَصْل نَذْرَ فَعَلَ طَاعَةٍ وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةِ]

(8174) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ، وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ، لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ، كَمَا فِي خَبَرِ أَبِي إسْرَائِيلَ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ، وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ.
وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِمَا تَرَكَهُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَقَدْ رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ.
قَالَ: «نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُقْبَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مُرْ أُخْتَك فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ خِصَالًا كَثِيرَةً، أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَاحِدٌ، فَتَكُونُ

كَفَّارَتُهُ وَاحِدَةً، كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ عَلَى أَفْعَالٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي تَرْكِ الْتَّحَفِّي وَالِاخْتِمَارِ، بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ.

[مَسْأَلَةٌ: نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ]

(8175) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي لُبَابَةَ، حِينَ قَالَ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ» ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ.
وَرَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْخِرَقِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ.
قَالَ: كَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ.
قَالَ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ مَا يَرِثُ عَنْ فُلَانٍ، فَهُوَ لِلْمَسَاكِينِ.
فَذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ: يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ، وَلَا يَجِبُ فِي الشَّرْعِ إلَّا قَدْرُ الزَّكَاةِ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: قَالَ: إنْ كَانَ كَثِيرًا، وَهُوَ أَلْفَانِ، تَصَدَّقَ بِعَشَرَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا وَهُوَ أَلْفٌ، تَصَدَّقَ بِسَبْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ، تَصَدَّقَ بِخَمْسَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَصَدَّقُ بِالْمَالِ الزَّكَوِيِّ كُلِّهِ.
وَعَنْهُ فِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَتَصَدَّقُ بِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . وَلِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَلَنَا، «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي لُبَابَةَ، حِينَ قَالَ: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ.
فَقَالَ: يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ» . وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِكَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَبِي دَاوُد: «يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ» . فَإِنْ قَالُوا: هَذَا لَيْسَ بِنَذْرٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثُلُثِهِ، كَمَا أَمَرَ سَعْدًا حِينَ أَرَادَ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ النِّزَاعِ، إنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِهِ.
قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ؛

أَحَدُهُمَا، أَنَّ قَوْلَهُ: «يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ» . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْوَاجِبَاتِ، وَلَوْ كَانَ مُخَيَّرًا بِإِرَادَةِ الصَّدَقَةِ، لَمَا لَزِمَهُ شَيْءٌ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْضُهُ.
الثَّانِي، أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمْنَعُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْقُرَبِ، وَنَذْرُ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَمَا قَالَهُ رَبِيعَةُ، لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَكَاةٍ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَجَبَتْ لِإِغْنَاءِ الْفُقَرَاءِ وَمُوَاسَاتِهِمْ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ تَبَرَّعَ بِهَا صَاحِبُهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى، ثُمَّ إنَّ الْمَحْمُولَ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ الْمُطْلَقُ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ، ثُمَّ تَبْطُلُ بِمَا لَوْ نَذَرَ صِيَامًا، فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ.
وَمَا ذَكَرَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.

[فَصْلٌ نَذْرَ الصَّدَقَةَ بِمُعِينِ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِمُقَدَّرِ كَأَلْفِ]

(8176) فَصْلٌ: وَإِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ بِمُقَدَّرٍ، كَأَلْفٍ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِهِ، فَأَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ، كَجَمِيعِ الْمَالِ.
وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ لُزُومُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْذُورٌ، وَهُوَ قُرْبَةٌ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] . وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِلْأَثَرِ فِيهِ، وَلِمَا فِي الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ مِنْ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ هَاهُنَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ، فَيَكُونَ كَنَذْرِ ذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْذُورُ ثُلُثَ الْمَالِ فَمَا دُونُ، لَزِمَهُ وَفَاءُ نَذْرِهِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ الثُّلُثُ، فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِهِ.

[فَصْلٌ نَذْر الصَّدَقَة بِقَدْرِ مِنْ الْمَالِ فَأَبْرَأ غَرِيمَهُ مِنْ قَدْره يَقْصِد بِهِ وَفَاء النَّذْر]

(8177) فَصْلٌ: وَإِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ، فَأَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ قَدْرِهِ، يَقْصِدُ بِهِ وَفَاءَ النَّذْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَهَذَا إسْقَاطٌ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا فِي الزَّكَاةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ، وَفِي نَفْسِهِ أَنَّهُ أَلْفٌ: أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَا شَاءَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا نَوَاهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ.
وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ كَالْيَمِينِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِيمَنْ نَوَى صَوْمًا أَوْ صَلَاةً، وَفِي نَفْسِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهُ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَهَذَا كَذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ]

(8178) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لَا يُطِيقُهَا، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا، فَعَجَزَ عَنْهَا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: «نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَيْته، فَقَالَ: لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَبِي دَاوُد: وَتُكَفِّرْ يَمِينَهَا.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» . وَعَنْ عَائِشَة، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
قَالَ: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: وَقَفَهُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُهُ، فَلْيَفِ اللَّهَ بِمَا نَذَرَ.
فَإِذَا كَفَّرَ، وَكَانَ الْمَنْذُورُ غَيْرَ الصِّيَامِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ.
وَإِنْ كَانَ صِيَامًا.
فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُ لِكُلِّ يَوْمٍ إطْعَامُ مِسْكِينٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجَابِهِ عَيْنًا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، كَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ، أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ إطْعَامٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ جَمِيعَ كَفَّارَتِهِ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ عَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ بِهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، كَسَائِرِ النُّذُورِ، وَلِأَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ الْيَمِينِ، إلَّا مَعَ إمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ قُرْبَةً، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ؛ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ صَوْمِ رَمَضَانَ آكَدُ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِيهِ، وَعِظَمِ إثْمِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَالثَّانِي، أَنَّ قِيَاسَ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْمَفْرُوضِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ، فَأَجْزَأَتْ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمَشْرُوعِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ.

قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِمُطْلَقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْذُورٌ مُعَيَّنٌ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ، كَمَا فِي الْعَجْزِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ.
(8179) فَصْلٌ: وَإِنْ عَجَزَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ نَحْوِهِ انْتَظَرَ زَوَالَهُ، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ، فَيُشْبِهُ الْمَرِيضَ فِي شَهْرِ رَمَضَانِ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَجْزُهُ إلَى أَنْ صَارَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، صَارَ إلَى الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ الْمَرْجُوُّ الزَّوَالِ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ، فَاتَ وَقْتُهُ، انْتَظَرَ الْإِمْكَانَ لِيَقْضِيَهُ.
وَهَلْ تَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَعَجَزَ، وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ هَذَا الشَّهْرَ، فَأَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ.
لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، كَذَا هَاهُنَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصِيَامٍ أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا لَوْ صَامَ مَا عَيَّنَهُ.
(8180) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ غَيْرَ الصِّيَامِ، فَعَجَزَ عَنْهُ، كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْ لِذَلِكَ بَدَلًا يُصَارُ إلَيْهِ، فَوَجَبْت الْكَفَّارَةُ؛ لِمُخَالَفَتِهِ نَذْرَهُ فَقَطْ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لِعَارِضٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصِّيَامِ سَوَاءً، فِيمَا فَصَّلْنَاهُ.

[مَسْأَلَة نَذَرَ صِيَامًا وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا وَلَمْ يَنْوِهِ]

(8181) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا نَذَرَ صِيَامًا، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، وَلَمْ يَنْوِهِ، فَأَقَلُّ ذَلِكَ صِيَامُ يَوْمٍ، وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ) أَمَّا إذَا نَذَرَ صِيَامًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ ذَلِكَ يَقُومُ صِيَامُ يَوْمٍ، لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ، فَيَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ.
نَقْلَهَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ فَإِنَّ الْوِتْرَ صَلَاةٌ مَشْرُوعَةٌ، وَهِيَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ تَطَوَّعَ بِرَكْعَةِ وَاحِدَةٍ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا رَكْعَتَانِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ صَلَاةٍ وَجَبَتْ بِالشَّرْعِ رَكْعَتَانِ، فَوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْوِتْرُ، فَهُوَ نَفْلٌ، وَالنَّذْرُ فَرْضٌ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَفْرُوضِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ، فَلَا تُجْزِئُ فِي النَّفْلِ كَالسَّجْدَةِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ عَدَدًا، لَزِمَهُ، قَلَّ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل