المغني لابن قدامةصفحات 450-489
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 450-489
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لِأَنَّ الْعُضْوَ مَتَى كَانَ فِيهِ بَعْضُ النَّفْعِ، لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ أَشَلَّ، كَالْعَيْنِ إذَا كَانَ بَصَرُهَا ضَعِيفًا، وَالْيَدِ إذَا كَانَ بَطْشُهَا نَاقِصًا.
وَإِنْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ، فَذَهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَتِهِ، فَإِنْ قَطَعَ الْآخَرُ بَقِيَّتَهُ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْآخَرُ، عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ إلَّا نِصْفَ لِسَانِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ذَهَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ، فَلَزِمَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَتِهِ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ بِقَطْعِ نِصْفِ اللِّسَانِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَذْهَبَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، فَلَأَنْ تَجِبَ بِقَطْعِ نِصْفِ اللِّسَانِ فِي الْأَوَّلِ أَوْلَى، وَلَوْ لَمْ يَقْطَعْ الثَّانِي نِصْفَ اللِّسَانِ، لَكِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً أَذْهَبَتْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ مَعَ بَقَاءِ لِسَانِهِ، لَكَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مَا فِيهِ الدِّيَةُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى صَحِيحٍ، فَذَهَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ كَلَامِهِ، مَعَ بَقَاءِ لِسَانِهِ.

[فَصْل قَطَعَ بَعْض لِسَانِهِ عَمْدًا]

(6928) فَصْلٌ: وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ عَمْدًا، فَاقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ مِثْلِ مَا جَنَى عَلَيْهِ بِهِ، فَذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْجَانِي مِثْلُ مَا ذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَأَكْثَرُ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَلَا شَيْءَ فِي الزَّائِدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سِرَايَةِ الْقَوَدِ، وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.
وَإِنْ ذَهَبَ أَقَلُّ، فَلِلْمُقْتَصِّ دِيَةُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ.

[فَصْلٌ قَطَعَ لِسَان صَغِير لَمْ يَتَكَلَّم لِطُفُولِيَّتِهِ]

(6929) فَصْلٌ: وَإِذَا قَطَعَ لِسَانَ صَغِيرٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ لِطُفُولِيَّتِهِ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لِسَانٌ لَا كَلَامَ فِيهِ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ.
وَلَنَا، أَنَّ ظَاهِرَهُ السَّلَامَةُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْكَلَامَ فَوَجَبَتْ بِهِ الدِّيَةُ كَالْكَبِيرِ، وَيُخَالِفُ الْأَخْرَسَ؛ فَإِنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ أَشَلُّ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَعْضَاءَهُ لَا يَبْطِشُ بِهَا، وَتَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ.
وَإِنْ بَلَغَ حَدًّا يَتَكَلَّمُ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ، وَيَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ.
وَإِنْ كَبِرَ فَنَطَقَ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، وَجَبَ فِيهِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْحُرُوفِ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ نَاطِقًا.
وَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّك بِالْبُكَاءِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَقَطَعَهُ قَاطِعٌ، فَلَا دِيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَتَحَرَّكَ.
وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّكُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَتُهُ.
وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَ كَبِيرٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَسَ، فَفِيهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي شَلَلِ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.

[فَصْلٌ جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ كَلَامه أَوْ ذَوْقه ثُمَّ عَادَ]

(6930) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ، فَذَهَبَ كَلَامُهُ أَوْ ذَوْقُهُ، ثُمَّ عَادَ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ، وَلَوْ ذَهَبَ لَمْ يَعُدْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ الدِّيَةَ رَدَّهَا.
وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ، فَعَادَ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِعَوْدِهِ، وَاخْتِصَاصُ هَذَا بِعَوْدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هِبَةٌ مُجَدَّدَةٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَادَ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، فَوَجَبَ رَدُّ الدِّيَةِ، كَالْأَسْنَانِ وَسَائِرِ مَا يَعُودُ.
وَإِنْ قَطَعَ إنْسَانٌ نِصْفَ لِسَانِهِ، فَذَهَبَ كَلَامُهُ كُلُّهُ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ، فَعَادَ كَلَامُهُ، لَمْ يَجِبْ رَدُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ بِاللِّسَانِ قَدْ ذَهَبَ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى اللِّسَانِ، وَإِنَّمَا عَادَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ، فَذَهَبَ كَلَامُهُ، ثُمَّ عَادَ اللِّسَانُ دُونَ الْكَلَامِ، لَمْ يَرُدَّ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ مَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِيهِ بِانْفِرَادِهِ.
وَإِنْ عَادَ كَلَامُهُ دُونَ لِسَانِهِ، لَمْ يَرُدَّهَا أَيْضًا؛ لِذَلِكَ.

[فَصْلٌ كَانَ لِلِسَانِهِ طَرَفَانِ فَقَطَعَ أَحَدُهُمَا فَذَهَبَ كَلَامه]

(6931) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلِسَانِهِ طَرَفَانِ، فَقَطَعَ أَحَدَهُمَا، فَذَهَبَ كَلَامُهُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْكَلَامِ بِمُفْرَدِهِ يُوجِبُ الدِّيَةَ.
وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الطَّرَفَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَكَانَ مَا قَطَعَهُ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْكَلَامِ، وَجَبَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ، وَجَبَ الْأَكْثَرُ، عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ، وَجَبَ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ اللِّسَانِ مِنْ الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْحَرِفًا عَنْ سَمْتِ اللِّسَانِ، فَهُوَ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ، وَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَإِنْ قَطَعَ جَمِيعَ اللِّسَانِ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّرَفَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْحَرِفًا عَنْ سَمْتِ اللِّسَانِ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَحُكُومَةٌ فِي الْخِلْقَةِ الزَّائِدَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ يُرَدُّ بِهَا الْمَبِيعُ، وَيَنْقُصُ مِنْ ثَمَنِهِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ كَالسِّلْعَةِ فِي الْيَدِ.
وَرُبَّمَا عَادَ الْقَوْلَانِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْحُكُومَةَ لَا يَخْرُجُ بِهَا شَيْءٌ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَيْبًا.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْأَسْنَانِ]

(6932) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، إذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ أَثْغَرَ، وَالْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ فِي كُلِّ سِنٍّ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ

الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَأَمَّا الْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا مِثْلُ الْأَسْنَانِ؛ وَمِنْهُمْ عُرْوَةُ وَطَاوُسٌ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَضَى فِي الْأَضْرَاسِ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كُنْت أَنَا، لَجَعَلْت فِي الْأَضْرَاسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْنِ، فَتِلْكَ الدِّيَةُ سَوَاءٌ.
وَرَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ " وَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ، أَنَّ فِي جَمِيعِ الْأَسْنَانِ وَالْأَضْرَاسِ الدِّيَةَ.
فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِ سَعِيدٍ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، وَوُرُودِ الْحَدِيثِ بِهِ، فَيَكُونُ فِي الْأَسْنَانِ سِتُّونَ بَعِيرًا؛ لِأَنَّ فِيهِ اثْنَيْ عَشَرَ سِنًّا، أَرْبَعُ ثَنَايَا، وَأَرْبَعُ رُبَاعِيَّاتٍ، وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ، فِيهَا خَمْسٌ خَمْسٌ، وَفِيهِ عِشْرُونَ ضِرْسًا، فِي كُلِّ جَانِبٍ عَشَرَةٌ، خَمْسَةٌ مِنْ فَوْقُ، وَخَمْسَةٌ مِنْ أَسْفَلَ، فَيَكُونُ فِيهَا أَرْبَعُونَ بَعِيرًا، فِي كُلِّ ضِرْسٍ بَعِيرَانِ، فَتَكْمُلُ الدِّيَةُ.
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا، أَنَّهُ ذُو عَدَدٍ يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، فَلَمْ تَزِدْ دِيَتُهُ عَلَى دِيَةِ الْإِنْسَانِ، كَالْأَصَابِعِ، وَالْأَجْفَانِ، وَسَائِرِ مَا فِي الْبَدَنِ، وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِل عَلَى مَنْفَعَةِ جِنْسٍ، فَلَمْ تَزِدْ دِيَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ، كَسَائِرِ مَنَافِعِ الْجِنْسِ، وَلِأَنَّ الْأَضْرَاسَ تَخْتَصُّ بِالْمَنْفَعَةِ دُونَ الْجَمَالِ، وَالْأَسْنَانُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَجَمَالٌ، فَاخْتَلَفَا فِي الْأَرْشِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ» ، هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ ". وَهَذَا نَصٌّ.
وَقَوْلُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ: فِي «الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ.» وَلَمْ يُفَصِّلْ، يَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الْأَضْرَاسُ؛ لِأَنَّهَا أَسْنَانٌ، وَلِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ فِي جُمْلَةٍ كَانَتْ مَقْسُومَةً عَلَى الْعَدَدِ دُونَ الْمَنَافِعِ، كَالْأَصَابِعِ، وَالْأَجْفَانِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَقَدْ أَوْمَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى هَذَا، فَقَالَ: لَا أَعْتَبِرُهَا بِالْأَصَابِعِ فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى، فَلَا بُدَّ مِنْ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ فِيهِ، فَمَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِنَا، خَالَفَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِهِمْ، خَالَفَ التَّسْوِيَةَ الثَّابِتَةَ، بِقِيَاسِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ مُوَافَقَةِ الْأَخْبَارِ وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ، أَنَّ فِي كُلِّ ضِرْسٍ بَعِيرًا، فَيُخَالِفُ الْقِيَاسَيْنِ جَمِيعًا، وَالْأَخْبَارَ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ ثَمَانِينَ بَعِيرًا، وَيُخَالِفُ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمُتَجَانِسَةِ.
وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا الضَّمَانُ فِي سِنِّ مَنْ قَدْ ثُغِرَ، وَهُوَ الَّذِي أَبْدَلَ أَسْنَانَهُ، وَبَلَغَ حَدًّا إذَا قُلِعَتْ سِنُّهُ لَمْ يَعُدْ بَدَلُهَا.
وَيُقَالُ: ثُغِرَ، وَاثَّغَرَ، وَاتَّغَرَ.
إذَا

كَانَ كَذَلِكَ.
فَأَمَّا سِنُّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُثْغَرْ، فَلَا يَجِبُ بِقَلْعِهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ.
هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُ سِنِّهِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ، كَنَتْفِ شَعْرِهِ، وَلَكِنْ يُنْتَظَرُ عَوْدُهَا؛ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَيْأَسُ مِنْ عَوْدِهَا، وَجَبَتْ دِيَتُهَا.
قَالَ أَحْمَدُ، يَتَوَقَّفُ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ فِي نَبَاتِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا سَقَطَتْ أَخَوَاتُهَا وَلَمْ تَعُدْ هِيَ، أُخِذَتْ الدِّيَةُ.
وَإِنْ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى، لَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ نُتِفَ شَعْرُهُ فَعَادَ مِثْلُهُ.
لَكِنْ إنْ عَادَتْ قَصِيرَةً أَوْ مُشَوَّهَةً فَفِيهَا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا.
وَإِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ نَقْصِهَا عَنْ نَظِيرَتِهَا، فَفِيهَا مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ مَا نَقَصَ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِيهَا ثُلْمَةٌ أَمْكَنَ تَقْدِيرُهَا، فَفِيهَا بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْهَا، كَمَا لَوْ كَسَرَ مِنْ سِنِّهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ.
وَإِنْ نَبَتَتْ أَكْبَرَ مِنْ أَخَوَاتِهَا، فَفِيهَا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ.
وَقِيلَ فِيهَا وَجْهٌ آخَرُ، لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْنٌ حَصَلَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ، فَأَشْبَهَ نَقْصَهَا.
وَإِنْ نَبَتَتْ مَائِلَةً عَنْ صَفِّ الْأَسْنَانِ، بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فَفِيهَا دِيَتُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَهَابِهَا، وَإِنْ كَانَتْ يُنْتَفَعُ بِهَا، فَفِيهَا حُكُومَةٌ؛ لِلشَّيْنِ الْحَاصِلِ بِهَا، وَنَقْصِ نَفْعِهَا.
وَإِنْ نَبَتَتْ صَفْرَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ أَوْ مُتَغَيِّرَةً، فَفِيهَا حُكُومَةٌ؛ لِنَقْصِ جَمَالِهَا.
وَإِنْ نَبَتَتْ سَوْدَاءَ أَوْ خَضْرَاءَ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي؛ إحْدَاهُمَا، فِيهَا دِيَتُهَا.
وَالثَّانِيَةُ، فِيهَا حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ سَوَّدَهَا مِنْ غَيْرِ قَلْعِهَا.
وَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ عَوْدِ سِنِّهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَعَادَتْ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ نُتِفَ شَعْرُهُ.
وَالثَّانِي: فِيهَا الدِّيَةُ لِأَنَّهُ قَلَعَ سِنًّا وَأَيِسَ مِنْ عَوْدِهَا، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ مَضَى زَمَنٌ تَعُودُ فِي مِثْلِهِ فَلَمْ تَعُدْ.
وَإِنْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ قَدْ ثُغِرَ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ، فَإِنْ عَادَتْ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرُدُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ، فَمَتَى عَادَتْ كَانَتْ هِبَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مُجَدَّدَةً، فَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ مَا وَجَبَ لَهُ بِقَلْعِ سِنِّهِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَادَ لَهُ فِي مَكَانِهَا مِثْلُ الَّتِي قُلِعَتْ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ، كَاَلَّذِي لَمْ يُثْغَرْ.
وَإِنْ عَادَتْ نَاقِصَةً، أَوْ مُشَوَّهَةً، فَحُكْمُهَا حُكْمُ سِنِّ الصَّغِيرِ إذَا عَادَتْ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ لَمْ يُثْغَرْ، فَمَضَتْ مُدَّةٌ يَيْأَسُ

مِنْ عَوْدِهَا، وَحُكِمَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ، فَعَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، سَقَطَتْ الدِّيَةُ، وَرُدَّتْ إنْ كَانَتْ أُخِذَتْ، كَسِنِّ الْكَبِيرِ إذَا عَادَتْ.

[فَصْلٌ دِيَة السِّنّ فِيمَا ظُهْر مِنْهَا مِنْ اللِّثَة]

(6933) فَصْلٌ: وَتَجِبُ دِيَةُ السِّنِّ فِيمَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ اللَّثَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُسَمَّى سِنًّا، وَمَا فِي اللِّثَةِ مِنْهَا يُسَمَّى سِنْخًا، فَإِذَا كُسِرَ السِّنُّ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَلَعَ السِّنْخَ، فَفِي السِّنِّ دِيَتُهَا، وَفِي السِّنْخِ حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إنْسَانٌ أَصَابِعَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ كَفَّهُ.
وَإِنْ قَلَعَهَا الْآخَرُ بِسِنْخِهَا، لَمْ يَجِبْ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ كُوعِهَا.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَّتَيْنِ، فَكَسَرَ السِّنَّ، ثُمَّ عَادَ فَقَلَعَ السِّنْخَ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا وَحُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ دِيَتَهَا وَجَبَتْ بِالْأَوَّلِ، ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالثَّانِي حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ، ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ.
وَإِنْ كَسَرَ بَعْضَ الظَّهْرِ، فَفِيهِ مِنْ دِيَةِ السِّنِّ بِقَدْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ النِّصْفُ، وَجَبَ نِصْفُ الْأَرْشِ، وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ الثُّلُثَ، وَجَبَ الثُّلُثُ.
وَإِنْ جَاءَ آخَرُ فَكَسَرَ بَقِيَّتَهَا، فَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَرْشِ.
فَإِنْ قَلَعَ الثَّانِي بَقِيَّتَهَا بِسِنْخِهَا، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَسَرَهَا عَرْضًا، فَلَيْسَ عَلَى الثَّانِي لِلسِّنْخِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا قَلَعَهُ مِنْ ظَاهِرِ السِّنِّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ مِنْ كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِهِ أُنْمُلَةً، ثُمَّ قَطَعَ الثَّانِي يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَسَرَ نِصْفَ السِّنِّ طُولًا دُونَ سِنْخِهِ، فَجَاءَ الثَّانِي فَقَطَعَ الْبَاقِيَ بِالسِّنْخِ كُلِّهِ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ النِّصْفِ الْبَاقِي، وَحُكُومَةٌ لِنِصْفِ السِّنْخِ الَّذِي بَقِيَ لَمَّا كَسَرَهُ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ إصْبَعَيْنِ مِنْ يَدٍ، ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي: فَقَطَعَ الْكَفَّ كُلَّهُ.
فَإِنْ اخْتَلَفَ الثَّانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِيمَا قَلَعَهُ الْأَوَّلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ السِّنِّ.
وَإِنَّ انْكَشَفَتْ اللِّثَةُ عَنْ بَعْضِ السِّنِّ فَالدِّيَةُ فِي قَدْرِ الظَّاهِرِ عَادَةً، دُون مَا انْكَشَفَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الظَّاهِرِ، اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بِأَخَوَاتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ يُعْتَبَرُ بِهِ، وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.

[فَصْلٌ قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَة لِكِبَرٍ أَوْ مَرَض وَكَانَتْ مَنَافِعهَا بَاقِيَة]

(6934) فَصْلٌ: وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَةً لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا بَاقِيَةً؛ مِنْ الْمَضْغِ، وَضَغْطِ الطَّعَامِ وَالرِّيقِ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنَافِعِهَا، وَبَقِيَ بَعْضُهَا؛ لِأَنَّ جَمَالَهَا وَبَعْضَ مَنَافِعِهَا بَاقٍ، فَكَمَلَ دِيَتُهَا، كَالْيَدِ الْمَرِيضَةِ، وَيَدِ الْكَبِيرِ.
وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهَا كُلُّهَا، فَهِيَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ.
عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا فِيهَا دَاءٌ أَوْ أَكَلَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَجَبَ فِيهَا دِيَةُ السِّنِّ الصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالْيَدِ الْمَرِيضَةِ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ أَجْزَائِهَا شَيْءٌ، سَقَطَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ الذَّاهِبِ مِنْهَا، وَوَجَبَ الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ قَصِيرَةً، نَقَصَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ نَقْصِهَا، كَمَا لَوْ نَقَصَتْ بِكَسْرِهَا.

[فَصْلٌ جَنَى عَلَى سِنّه جَانّ فَاضْطَرَبَتْ وَطَالَتْ]

(6935) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ جَانٍ، فَاضْطَرَبَتْ، وَطَالَتْ عَلَى الْأَسْنَانِ، وَقِيلَ: إنَّهَا تَعُودُ إلَى مُدَّةٍ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
اُنْتُظِرَتْ إلَيْهَا، فَإِنْ ذَهَبَتْ وَسَقَطَتْ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا، وَإِنْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، فَلَا شَيْءَ فِيهَا، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى يَدِهِ فَمَرِضَتْ ثُمَّ بَرِئَتْ، وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا اضْطِرَابٌ فَفِيهَا حُكُومَةٌ.
وَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا كَامِلَةً، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ حُكُومَةٌ لِجِنَايَتِهِ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ تَعُدْ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ.
وَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ قَالُوا: يُرْجَى عَوْدُهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، وَجَبَتْ الْحُكُومَةُ فِيهَا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إهْدَارِ الْجِنَايَةِ.
فَإِنْ عَادَتْ، سَقَطَتْ الْحُكُومَةُ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِهَا.

[فَصْلٌ قَلَعَ قَالِع سِنّه فَرَدَّهَا صَاحِبهَا فَنَبَتَتْ فِي مَوْضِعهَا]

(6936) فَصْلٌ: فَإِنْ قَلَعَ قَالِعٌ سِنَّهُ، فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا، فَنَبَتَتْ فِي مَوْضِعِهَا، لَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، تَجِبُ دِيَتُهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَهُمَا فِيمَا إذَا قُطِعَ أَنْفُهُ فَرَدَّهُ، فَالْتَحَمَ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، يَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ؛ لِنَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ، أَوْ ضَعْفِهَا إنَّ ضَعُفَتْ.
وَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا؛ لِأَنَّهَا سِنٌّ ذَاتُ جَمَالٍ وَمَنْفَعَةٍ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَنْقَلِعْ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يَنْبَنِي حُكْمُهَا عَلَى وُجُوبِ قَلْعِهَا، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ قَلْعُهَا.
فَلَا شَيْءَ عَلَى قَالِعِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ بِقَلْعِهِ مَا يَجِبُ قَلْعُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ قَلْعُهَا.
احْتَمَلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِدِيَتِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِدِيَتِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ دِيَتُهَا مَرَّةً، فَلَا تَجِبُ ثَانِيَةً، وَلَكِنْ فِيهَا حُكُومَةٌ.
فَأَمَّا إنْ جَعَلَ مَكَانَهَا سِنًّا أُخْرَى، أَوْ سِنَّ حَيَوَانٍ، أَوْ عَظْمًا، فَنَبَتَتْ، وَجَبَ دِيَتُهَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ سِنَّهُ ذَهَبَتْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَكَانَهَا شَيْئًا.
وَإِنْ قُلِعَتْ هَذِهِ الثَّانِيَةُ لَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سِنًّا لَهُ، وَلَا هِيَ مِنْ بَدَنِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ أَزَالَتْ جَمَالَهُ وَمَنْفَعَتَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَ جُرْحَهُ بِخَيْطِ، فَالْتَحَمَ، فَقَطَعَ إنْسَانٌ الْخَيْطَ، فَانْفَتَحَ الْجُرْحُ، وَزَالَ الْتِحَامُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا لَيْسَ مِنْ بَدَنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ الْأَنْفَ الذَّهَبَ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَجْدُوعُ مَكَانَ أَنْفِهِ.

[فَصْلٌ جَنَى عَلَى سِنّه فَسُودهَا]

(6937) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ فَسَوَّدَهَا، فَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجِبُ دِيَتُهَا كَامِلَةً.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَشُرَيْحٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَالنَّخَعِيُّ

وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إنْ أَذْهَبَ مَنْفَعَتَهَا مِنْ الْمَضْغِ عَلَيْهَا وَنَحْوِهِ، فَفِيهَا دِيَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ نَفْعَهَا، فَفِيهَا حُكُومَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهَا، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ اصْفَرَّتْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَ الْأَصَمِّ وَأَنْفَ الْأَخْشَمِ.
فَأَمَّا إنْ اصْفَرَّتْ أَوْ احْمَرَّتْ، لَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْهِبْ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ.
وَإِنْ اخْضَرَّتْ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَتَسْوِيدِهَا؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِجَمَالِهَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجِبَ فِيهَا إلَّا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ جَمَالِهَا بِتَسْوِيدِهَا أَكْثَرُ، فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ حَمَّرَهَا.
فَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ دِيَتَهَا، مَتَى قُلِعَتْ بَعْدَ تَسْوِيدِهَا، فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا أَوْ حُكُومَةٌ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ فِيهَا إلَّا حُكُومَةً، يَجِبُ فِي قَلْعِهَا دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ صَفَّرَهَا.

[فَصْل جَنَى عَلَى سِنّه فَذَهَبَتْ حِدَتهَا]

(6938) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ، فَذَهَبَتْ حِدَّتُهَا وَكَّلَتْ، فَفِي ذَلِكَ حُكُومَةٌ، وَعَلَى قَالِعِهَا بَعْدَ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا سِنٌّ صَحِيحَةٌ، كَامِلَةٌ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا، كَالْمُضْطَرِبَةِ، وَإِنْ ذَهَبَ مِنْهَا جُزْءٌ، فَفِي الذَّاهِبِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ، نَقَصَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ، كَمَا لَوْ كُسِرَ مِنْهَا جُزْءٌ.

[فَصْلٌ دِيَة اللَّحْيَيْنِ]

(6939) فَصْلٌ: وَفِي اللَّحْيَيْنِ الدِّيَةُ، وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا الْأَسْنَانُ السُّفْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعًا وَجَمَالًا، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا، فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَسَائِرِ مَا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ شَيْئَانِ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْوَاحِدِ مِمَّا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ شَيْئَانِ.
وَإِنْ قَلَعَهُمَا بِمَا عَلَيْهِمَا مِنْ الْأَسْنَانِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ، وَلَمْ تَدْخُلْ دِيَةُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَتِهِمَا، كَمَا تَدْخُلُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ فِي دِيَةِ الْوَجْهِ؛ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ الْأَسْنَانَ مَغْرُوزَةٌ فِي اللَّحْيَيْنِ، غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهِمَا، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالْأَسْنَانِ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي اسْمِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ، فَإِنَّ اسْمَ الْيَدِ يَشْمَلُهُمَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّحْيَيْنِ يُوجَدَانِ قَبْلَ وُجُودِ الْأَسْنَانِ فِي الْخِلْقَةِ، وَتَبْقَيَانِ بَعْدَ ذَهَابِهَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ،

وَمَنْ تَقَلَّعَتْ أَسْنَانُهُ عَادَتْ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْيَدَيْنِ]

(6940) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي الْيَدَيْنِ، وَوُجُوبِ نِصْفِهَا فِي إحْدَاهُمَا.
رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ» . وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ» . وَلِأَنَّ فِيهَا جَمَالًا ظَاهِرًا، وَمَنْفَعَةً كَامِلَةً، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِنْ جِنْسِهِمَا غَيْرُهُمَا، فَكَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَالْعَيْنَيْنِ.
وَالْيَدُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ مِنْ الْكُوعِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] . كَانَ الْوَاجِبُ قَطْعَهُمَا مِنْ الْكُوعِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ يَجِبُ فِيهِ مَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ.
فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَهَا مِنْ الْمَرْفِقِ، أَوْ نِصْفِ السَّاعِدِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دِيَةُ الْيَدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، أَنَّهُ يَجِبُ مَعَ دِيَةِ الْيَدِ حُكُومَةٌ لِمَا زَادَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ لَهَا إلَى الْكُوعِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ فِي الْيَدِ، مِنْ الْبَطْشِ وَالْأَخْذِ وَالدَّفْعِ بِالْكَفِّ، وَمَا زَادَ تَابِعٌ لِلْكَفِّ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ فِي قَطْعِهَا مِنْ الْكُوعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَتَجِبُ فِي الزَّائِدِ حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ بَعْدَ قَطْعِ الْكَفِّ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي.
وَلَنَا، أَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ إلَى الْمَنْكِبِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] . وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ مَسَحَتْ الصَّحَابَةُ إلَى الْمَنَاكِبِ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الْيَدُ إلَى الْمَنْكِبِ.
وَفِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يُسَمَّى يَدًا، فَإِذَا قَطَعَهَا مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ، فَمَا قَطَعَ إلَّا يَدًا، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا، فَأَمَّا قَطْعُهَا فِي السَّرِقَةِ؛ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ، وَقَطْعُ بَعْضِ الشَّيْءِ يُسَمَّى قَطْعًا لَهُ، كَمَا يُقَالُ: قَطَعَ ثَوْبَهُ.
إذَا قَطَعَ جَانِبًا مِنْهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي قَطْعِهَا مِنْ الْكُوعِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ تَجِبُ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ مُنْفَرِدَةً، وَلَا يَجِبُ بِقَطْعِهَا مِنْ الْكُوعِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ، وَالذَّكَرُ يَجِبُ فِي قَطْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ مِثْلُ مَا يَجِبُ بِقَطْعِ حَشَفَتِهِ.
فَأَمَّا إذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهَا مِنْ الْمَرْفِقِ، وَجَبَ فِي الْمَقْطُوعِ ثَانِيًا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَتْ

عَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ، فَوَجَبَتْ بِالثَّانِي حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ، أَوْ قَطَعَ حَشَفَةَ الذَّكَرِ ثُمَّ قَطَعَ بَقِيَّتَهُ، أَوْ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ اثْنَانِ (6941) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَشَلَّهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهَا، فَلَزِمَتْهُ دِيَتُهَا، كَمَا لَوْ أَعْمَى عَيْنَهُ مَعَ بَقَائِهَا، أَوْ أَخْرَسَ لِسَانَهُ.
وَإِنْ جَنَى عَلَى يَدِهِ فَعَوَجَهَا، أَوْ نَقَصَ قُوَّتَهَا، أَوْ شَانَهَا، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِنَقْصِهَا.
وَإِنْ كَسَرَهَا ثُمَّ انْجَبَرَتْ مُسْتَقِيمَةً، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ لِشَيْنِهَا إنْ شَانَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ عَادَتْ مُعْوَجَّةً، فَالْحُكُومَةُ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ شَيْنَهَا أَكْثَرُ.
وَإِنْ قَالَ الْجَانِي: أَنَا أَكْسِرُهَا ثُمَّ أَجْبُرُهَا مُسْتَقِيمَةً.
لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ.
فَإِنْ كَسَرَهَا تَعَدِّيًا ثُمَّ جَبَرَهَا فَاسْتَقَامَتْ، لَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ مِنْ الْحُكُومَةِ فِي اعْوِجَاجِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حِينَ انْجَبَرَتْ عَوْجَاءَ، وَهَذِهِ جِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ، وَالْجَبْرُ الثَّانِي لَهَا دُونَ الْأُولَى، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا إذَا ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ ثُمَّ عَادَ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الضَّوْءَ لَمْ يَذْهَبْ، وَإِنَّمَا حَالَ دُونَهُ حَائِلٌ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ، وَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِي الْكَسْرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ ضَرَرَ الْعِوَجِ مِنْهَا، فَكَانَ نَفْعًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ بِقَطْعِ سِلْعَةٍ أَزَالَهَا عَنْهُ.

[فَصْلٌ كَانَ لَهُ كَفَّانِ فِي ذِرَاع أَوْ يَدَانِ عَلَى عَضُد وَإِحْدَاهُمَا بَاطِشَة دُون الْأُخْرَى]

(6942) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ فِي ذِرَاعٍ، أَوْ يَدَانِ عَلَى عَضُدٍ، وَإِحْدَاهُمَا بَاطِشَةٌ دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرُ بَطْشًا، أَوْ فِي سَمْتِ الذِّرَاعِ وَالْأُخْرَى مُنْحَرِفَةٌ عَنْهُ، أَوْ إحْدَاهُمَا تَامَّةٌ وَالْأُخْرَى نَاقِصَةٌ، فَالْأُولَى هِيَ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ، فَفِي الْأَصْلِيَّةِ دِيَتُهَا وَالْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا عَمْدًا، وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ فِيهَا حُكُومَةٌ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا مُفْرَدَةً أَوْ قَطَعَهَا مَعَ الْأَصْلِيَّةِ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عَيْبٌ، فَهِيَ كَالسِّلْعَةِ فِي الْيَدِ.
وَإِنْ اسْتَوَيَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ بَاطِشَتَيْنِ، فَفِيهِمَا ثُلُثُ دِيَةِ الْيَدِ أَوْ حُكُومَةٌ، وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُمَا لَا نَفْعَ لَهُ فِيهِمَا، فَهُمَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَإِنْ كَانَتَا بَاطِشَتَيْنِ، فَفِيهِمَا جَمِيعًا دِيَةُ الْيَدِ.
وَهَلْ تَجِبُ حُكُومَةٌ مَعَ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّائِدَةَ هَلْ فِيهَا حُكُومَةٌ أَمْ لَا؟ وَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا، فَلَا قَوَدَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الزَّائِدَةَ، فَلَا تُقْطَعَ الْأَصْلِيَّةُ بِهَا، وَفِيهَا نِصْفُ مَا فِيهِمَا إذَا قُطِعَتَا لِتَسَاوِيهِمَا.
وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ إحْدَاهُمَا، وَجَبَ أَرْشُ نِصْفِ إصْبَعٍ، وَفِي الْحُكُومَةِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ قَطَعَ ذُو الْيَدِ الَّتِي لَهَا طَرَفَانِ يَدًا مُفْرَدَةً، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا، عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا نَقْصٌ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَالسِّلْعَةِ فِي الْيَدِ.
وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ: لَا يَجِبُ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ يَدَيْنِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تُقْطَعُ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ

الْأَصْلِيَّةَ فَنَأْخُذَهَا، وَلَا نَأْخُذُ زَائِدَةً بِأَصْلِيَّةٍ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ قَدَمَانِ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْيَدَيْنِ.
فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الْقَدَمَيْنِ أَطْوَلَ مِنْ الْأُخْرَى، وَكَانَ الطَّوِيلُ مُسَاوِيًا لِلرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ الْأَصْلِيُّ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَنْهَا، وَالْآخَرُ مُسَاوٍ لِلرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ الْأَصْلِيُّ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ رِجْلٍ قَدَمَانِ، يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَى الطَّوِيلَتَيْنِ مَشْيًا مُسْتَقِيمًا، فَهُمَا الْأَصْلِيَّانِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَقُطِعَا، وَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَصِيرَتَيْنِ، فَهُمَا الْأَصْلِيَّانِ، وَالْآخَرَانِ زَائِدَانِ.
وَإِنْ أَشَلَّ الطَّوِيلَتَيْنِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا الْأَصْلِيَّانِ، فَإِنْ قَطَعَهُمَا قَاطِعٌ، فَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَصِيرَتَيْنِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا الْأَصْلِيَّانِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَالطَّوِيلَانِ هُمَا الْأَصْلِيَّانِ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة ثَدْيِ الرَّجُل وَالْمَرْأَة]

(6943) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَفِي الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) أَمَّا ثَدْيَا الْمَرْأَةِ، فَفِيهِمَا دِيَتُهُمَا.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَفِي الْوَاحِدِ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ فِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَفِي الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةَ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِمَا، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ.
وَفِي قَطْعِ حَلَمَتَيْ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَرَوَى نَحْوَ هَذَا الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ: إنْ ذَهَبَ اللَّبَنُ، وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا، وَإِلَّا وَجَبَتْ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ شَيْنِهِ.
وَنَحْوَهُ قَالَ قَتَادَةُ: إذَا ذَهَبَ الرَّضَاعُ بِقَطْعِهِمَا، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ذَهَبَ مِنْهُمَا مَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ بِذَهَابِهِ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهُمَا، كَالْأَصَابِعِ مَعَ الْكَفِّ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَبَيَانُ ذَهَابِ الْمَنْفَعَةِ أَنَّ بِهِمَا يَشْرَبُ الصَّبِيُّ وَيَرْتَضِعُ فَهُمَا كَالْأَصَابِعِ فِي الْكَفِّ.
وَإِنْ قَطَعَ الثَّدْيَيْنِ كُلَّهُمَا، فَلَيْسَ فِيهِمَا إلَّا دِيَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ كُلَّهُ.
وَإِنْ حَصَلَ مَعَ قَطْعِهِمَا جَائِفَةٌ، وَجَبَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ مَعَ دِيَتِهِمَا.
وَإِنْ حَصَلَ جَائِفَتَانِ، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَثُلُثَانِ.
وَإِنْ ضَرَبَهُمَا فَأَشَلَّهُمَا، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا، فَأَذْهَبَ لَبَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُلَّهُمَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِيهِمَا حُكُومَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ دِيَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِنَفْعِهِمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَشَلَّهُمَا؛ وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا مِنْ صَغِيرَةٍ ثُمَّ وَلَدَتْ، فَلَمْ يَنْزِلْ لَهَا لَبَنٌ، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْجِنَايَةَ سَبَبُ قَطْعِ اللَّبَنِ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى مَنْ ذَهَبَ بِاللَّبَنِ بَعْدَ وُجُودِهِ.
وَإِنْ قَالُوا: يَنْقَطِعُ بِغَيْرِ الْجِنَايَةِ.
لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَرْشُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ بِالشَّكِّ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا، فَنَقَصَ لَبَنُهُمَا، أَوْ جَنَى عَلَى ثَدْيَيْنِ نَاهِدَيْنِ فَكَسَرَهُمَا، أَوْ صَارَ بِهِمَا مَرَضٌ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِنَقْصِهِ الَّذِي نَقَصَهُمَا

(6944) فَصْلٌ: فَأَمَّا ثَدْيَا الرَّجُلِ، وَهُمَا الثُّنْدُوَتَانِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ.
وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: فِيهِمَا حُكُومَةٌ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْجَمَالِ مِنْ غَيْر مَنْفَعَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ وَالْيَدَ الشَّلَّاءَ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فِي حَلَمَةِ الرَّجُلِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: فِيهِ ثُمُنُ الدِّيَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الدِّيَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَجَبَ فِيهِ مِنْ الرَّجُلِ، كَالْيَدَيْنِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِي الْبَدَنِ، يَحْصُلُ بِهِمَا الْجَمَالُ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، فَوَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ، كَالشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَأُذُنَيْ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَيُفَارِقُ الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا جَمَالٌ كَامِلٌ، وَلِأَنَّهَا عُضْوٌ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ، كَالْيَدَيْنِ إذَا شَلَّتَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْأَلْيَتَيْنِ]

(6945) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم يَقُولُونَ: فِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا.
مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ مِنْ جِنْسٍ، فِيهِمَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ، وَمَنْفَعَةٌ كَامِلَةٌ، فَإِنَّهُ يُجْلَسُ عَلَيْهِمَا كَالْوِسَادَتَيْنِ، فَوَجَبَ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ.
وَالْأَلْيَتَانِ: هُمَا مَا عَلَا وَأَشْرَفَ مِنْ الظَّهْرِ عَنْ اسْتِوَاءِ الْفَخِذَيْنِ.
وَفِيهِمَا الدِّيَةُ إذَا أُخِذَتَا إلَى الْعَظْمِ الَّذِي تَحْتَهُمَا، وَفِي ذَهَابِ بَعْضِهِمَا بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ، فَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يُعْرَفْ قَدْرُهُ.

[فَصْلٌ دِيَة الصُّلْب إذَا كَسِرِّ فَلَمْ يَنْجَبِر]

(6946) فَصْلٌ: وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ إذَا كُسِرَ فَلَمْ يَنْجَبِرْ؛ لِمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ» . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ.
وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ فِي كَسْرِ الصُّلْبِ دِيَةٌ؛ إلَّا أَنْ يُذْهِبَ مَشْيَهُ أَوْ جِمَاعَهُ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَمْ تَذْهَبْ مَنْفَعَتُهُ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
وَلَنَا، الْخَبَرُ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ، فِيهِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِ بِمُفْرَدِهِ، كَالْأَنْفِ.
وَإِنْ ذَهَبَ مَشْيُهُ بِكَسْرِ صُلْبِهِ، فَفِيهِ، الدِّيَةُ فِي قَوْلِ الْجَمِيع.
وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تَلْزَمُ كَسْرَ

الصُّلْبِ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ مَشْيُهُ، لَكِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ أَيْضًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ، فَأَشْبَهَ ذَهَابَ مَشْيِهِ.
وَإِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ وَمَشْيُهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي رِوَايَة ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ بِذَهَابِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا وَجَبَتْ دِيَتَانِ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا نَفْعُ عُضْوٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ كَلَامُهُ وَذَوْقُهُ.
وَإِنْ جَبَرَ صُلْبُهُ، فَعَادَتْ إحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ، إلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأُخْرَى، فَتَجِبَ حُكُومَةٌ لِنَقْصِهَا، أَوْ تَنْقُصَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَيَكُونَ فِيهِ حُكُومَةٌ لِذَلِكَ.
وَإِنْ ادَّعَى ذَهَابَ جِمَاعِهِ، وَقَالَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجِنَايَةِ يَذْهَبُ بِالْجِمَاعِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ، فَشَلَّ ذَكَرُهُ، اقْتَضَى كَلَامُ أَحْمَدَ، وُجُوبَ دِيَتَيْنِ؛ لِكَسْرِ الصُّلْبِ وَاحِدَةٌ وَلِلذَّكَرِ أُخْرَى.
وَفِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، يَجِبُ فِي الذَّكَرِ دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ لِكَسْرِ الصُّلْبِ.
وَإِنْ أَشَلَّ رِجْلَيْهِ، فَفِيهِمَا دِيَةٌ أَيْضًا.
وَإِنْ أَذْهَبَ مَاءَهُ دُونَ جِمَاعِهِ، احْتَمَلَ وُجُوبَ الدِّيَةِ.
وَهَذَا يُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِمَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ بِجِمَاعِهِ، أَوْ كَمَا لَوْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رَضَّهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِالْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الذَّكَر]

(6947) مَسْأَلَة؛ قَالَ: (وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الذَّكَرِ الدِّيَةَ.
«وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» . وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ فِيهِ الْجَمَالُ وَالْمَنْفَعَةُ، فَكَمَلَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، كَالْأَنْفِ وَاللِّسَانِ، وَفِي شَلَلِهِ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِنَفْعِهِ وَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَشَلَّ لِسَانَهُ.
وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي ذَكَرِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ.
فَأَمَّا ذَكَرُ الْعِنِّينِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ جِمَاعِهِ.
وَهُوَ عُضْوٌ سَلِيمٌ فِي نَفْسِهِ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهُ، كَذَكَرِ الشَّيْخِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ؛ لِذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ؛ لَا تَكْمُلُ دِيَتُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ قَتَادَةَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ الْإِنْزَالُ وَالْإِحْبَالُ وَالْجِمَاعُ، وَقَدْ عُدِمَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ كَالْأَشَلِّ، وَبِهَذَا فَارَقَ ذَكَرَ الصَّبِيِّ وَالشَّيْخِ.

وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ، فَعَنْهُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الذَّكَرِ الْجِمَاعُ، وَهُوَ بَاقٍ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا تَجِبُ فِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَتَادَةَ وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَحْصِيلُ النَّسْلِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ، كَالْأَشَلِّ، وَالْجِمَاعُ يَذْهَبُ فِي الْغَالِبِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَهَائِمَ يَذْهَبُ جِمَاعُهَا بِخِصَائِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَكَرِ الْعِنِّينِ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ، أَنَّ الْجِمَاعَ فِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ أَبْعَدُ مِنْهُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ، وَالْيَأْسُ مِنْ الْإِنْزَالِ مُتَحَقِّقٌ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ دُونَ ذَكَرِ الْعِنِّينِ.
فَعَلَى قَوْلِنَا: لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ؛ إنْ قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ، ثُمَّ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ، لَزِمَتْهُ دِيَتَانِ، وَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأُنْثَيَيْنِ، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرُ خَصِيٍّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا.
وَإِنْ قَطَعَ نِصْفَ الذَّكَرِ بِالطُّولِ، فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
وَالْأَوْلَى أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِمَنْفَعَةِ الْجِمَاعِ بِهِ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهُ، كَمَا لَوْ أَشَلَّهُ أَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ جِمَاعُهُ.
وَإِنْ قَطَعَ قِطْعَةً مِنْهُ مِمَّا دُونَ الْحَشَفَةِ، وَكَانَ الْبَوْلُ يَخْرُجُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَجَبَ بِقَدْرِ الْقِطْعَة مِنْ جَمِيعِ الذَّكَرِ مِنْ الدِّيَةِ.
وَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَجَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ حِصَّةِ الْقِطْعَةِ مِنْ الدِّيَةِ، أَوْ الْحُكُومَةِ.
وَإِنْ ثَقَبَ ذَكَرَهُ فِيمَا دُونَ الْحَشَفَةِ، فَصَارَ الْبَوْلُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّقْبِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِذَلِكَ.

[مَسْأَلَة دِيَة الْأُنْثَيَيْنِ]

(6948) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ» . وَلِأَنَّ فِيهِمَا الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَإِنَّ النَّسْلَ يَكُونُ بِهِمَا، فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَالْيَدَيْنِ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ.
وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ فِي الْيُسْرَى ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثَهَا؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْيُسْرَى أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ النَّسْلَ يَكُونُ بِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ مَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي شَيْئَيْنِ مِنْهُ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ، وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّهُمَا ذَوَا عَدَدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، فَاسْتَوَتْ دِيَتُهُمَا، كَالْأَصَابِعِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْأَصَابِعِ وَالْأَجْفَانِ، تَسْتَوِي دِيَاتُهَا مَعَ اخْتِلَافِ نَفْعِهَا، ثُمَّ يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
وَإِنْ رَضَّ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ أَشَلَّهُمَا، كَمَلَتْ دِيَتُهُمَا، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ.
وَإِنْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ، فَذَهَبَ نَسْلُهُ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعُهُمَا، فَلَمْ تَزْدَدْ الدِّيَةُ بِذَهَابِهِ مَعَهُمَا، كَالْبَصَرِ مَعَ ذَهَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَالْبَطْشِ مَعَ ذَهَابِ الرِّجْلَيْنِ.
وَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا، فَذَهَبَ النَّسْلُ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْف الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الرِّجْلَيْنِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةَ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفَهَا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ وَالْمَعْنَى فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي تَفْصِيلِهَا مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْيَدَيْنِ، سَوَاءً، وَمَفْصِلُ الْكَعْبَيْنِ هَاهُنَا مِثْلُ مَفْصِلِ الْكُوعَيْنِ فِي الْيَدَيْنِ.

[فَصْل دِيَة قَدِمَ الْأَعْرَج وَيَد الْأَعْسَم]

(6950) فَصْلٌ: وَفِي قَدَمِ الْأَعْرَجِ وَيَدِ الْأَعْسَمِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الْعَرَجَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْقَدَمِ، وَالْعَسَمُ: الِاعْوِجَاجُ فِي الرُّسْغِ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي قَدَمٍ وَلَا كَفٍّ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ كَمَالَ الدِّيَةِ فِيهِمَا.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ، أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ مَنْفَعَتُهُمَا، فَلَمْ تَنْقُصْ دِيَتُهُمَا، بِخِلَافِ الْيَدِ الشَّلَّاءِ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ]

(6951) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْهَا ثُلُثُ عَقْلِهَا، إلَّا الْإِبْهَامَ، فَإِنَّهَا مَفْصِلَانِ، فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم؛ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ وَعُرْوَةُ وَمَكْحُولٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
إلَّا رِوَايَةً عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِبْهَامِ بِثُلُثِ غُرَّةٍ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرٍ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أُخْبِرَ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِآلِ حَزْمٍ: «وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» . أَخَذَ بِهِ وَتَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ: فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرٌ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَمَانٍ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا سَبْعٌ.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ.» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» . يَعْنِي الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد.
وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» . وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ ذُو عَدَدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، فَكَانَ سَوَاءً فِي الدِّيَةِ، كَالْأَسْنَانِ، وَالْأَجْفَانِ، وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
وَدِيَةُ كُلِّ إصْبَعٍ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَنَامِلِهَا، وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ ثَلَاثُ أَنَامِلَ إلَّا الْإِبْهَامَ، فَإِنَّهَا أُنْمُلَتَانِ، فَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ غَيْرِ الْإِبْهَامِ ثُلُثُ عَقْلِ الْإِبْهَامِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ، وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ الْإِبْهَامِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، نِصْفُ دِيَتِهَا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: الْإِبْهَامُ أَيْضًا ثَلَاثُ أَنَامِلَ، إحْدَاهَا بَاطِنَةٌ.
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِالظَّاهِرِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» . يَقْتَضِي وُجُوبَ الْعَشْرِ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْإِصْبَعُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الِاسْمُ دُونَ مَا بَطَنَ مِنْهَا، كَمَا أَنَّ السِّنَّ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبُ دِيَتِهَا هِيَ الظَّاهِرَةُ مِنْ لَحْمِ اللِّثَةِ دُونَ سِنْخِهَا.
وَالْحُكْمُ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِيهِمَا، وَحُصُولِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِمَا.

[فَصْلٌ دِيَة الْإِصْبَع الزَّائِدَة]

(6952) فَصْلٌ: وَفِي الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ فِيهَا ثُلُثَ دِيَةِ الْإِصْبَعِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، عَلَى رِوَايَةِ إيجَابِ الثُّلُثِ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ، أَوْ بِمُمَاثَلَتِهِ لِمَا فِيهِ تَوْقِيفٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هَاهُنَا، لِأَنَّ الْيَدَ الشَّلَّاءَ يَحْصُلُ بِهَا الْجَمَالُ، وَالْإِصْبَعُ الزَّائِدَةُ لَا جَمَالَ فِيهَا فِي الْغَالِبِ، وَلِأَنَّ جَمَالَ الْيَدِ الشَّلَّاءِ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ، وَالْإِصْبَعُ الزَّائِدَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا وَصِفَتِهَا وَحُسْنِهَا وَقُبْحِهَا، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْيَدِ؟ ،.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْبَطْنِ إذَا ضَرَبَ فَلَمْ يَسْتَمْسِك الْغَائِط]

(6953) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْبَطْنِ إذَا ضُرِبَ فَلَمْ يَسْتَمْسِكْ الْغَائِطُ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَثَانَةِ إذَا لَمْ يَسْتَمْسِكْ الْبَوْلُ الدِّيَةُ) وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى ذَكَرَ فِي الْمَثَانَةِ رِوَايَةً أُخْرَى، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ عُضْوٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَبِيرَةٌ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ، فَوَجَبَ فِي تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ نَفْعَ الْمَثَانَةِ حَبْسُ الْبَوْلِ، وَحَبْسُ الْبَطْنِ الْغَائِطَ مَنْفَعَةٌ مِثْلُهَا، وَالنَّفْعُ بِهِمَا كَثِيرٌ، وَالضَّرَرُ بِفَوَاتِهِمَا عَظِيمٌ، فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدِّيَةُ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
وَإِنْ فَاتَتْ الْمَنْفَعَتَانِ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتَانِ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ.

[مَسْأَلَة دِيَة ذَهَاب الْعَقْلِ]

(6954) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَفِي ذَهَابِ الْعَقْلِ الدِّيَةُ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
«وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ» . وَلِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْمَعَانِي قَدْرًا، وَأَعْظَمُ الْحَوَاسِّ نَفْعًا.
فَإِنَّ بِهِ يَتَمَيَّزُ مِنْ الْبَهِيمَةِ، وَيَعْرِفُ بِهِ حَقَائِقَ الْمَعْلُومَاتِ، وَيَهْتَدِي إلَى مَصَالِحِهِ، وَيَتَّقِي مَا يَضُرُّهُ، وَيَدْخُلُ بِهِ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَاتِ، وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، فَكَانَ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ أَحَقَّ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ، فَإِنْ نَقَصَ عَقْلُهُ نَقْصًا مَعْلُومًا، مِثْلُ أَنْ صَارَ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا، فَعَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، وَجَبَ بَعْضُهَا فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ، كَالْأَصَابِعِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ، مِثْلُ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا، أَوْ يَفْزَعُ مِمَّا لَا يُفْزَعُ مِنْهُ، وَيَسْتَوْحِشُ إذَا خَلَا، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ، فَتَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ.

[فَصْلٌ أَذْهَب عَقْله بِجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ أَرَشًّا]

(6955) فَصْلٌ: فَإِنْ أَذْهَبَ عَقْلَهُ بِجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ أَرْشًا، كَاللَّطْمَةِ، وَالتَّخْوِيفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِيهِ الدِّيَةُ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ أَذْهَبَهُ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ أَرْشًا، كَالْجِرَاحِ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَأَرْشُ الْجُرْحِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: يَدْخُلُ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا فِي الْأَكْثَرِ، فَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْجُرْحِ، وَجَبَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجُرْحِ أَكْثَرَ، كَأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْجُرْحِ، وَدَخَلَتْ دِيَةُ الْعَقْلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْعَقْلِ تَخْتَلُّ مَعَهُ مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ، فَدَخَلَ أَرْشُهَا فِيهِ، كَالْمَوْتِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَذْهَبَتْ مَنْفَعَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّهَا مَعَ بَقَاءِ النَّفْسِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ الْأَرْشَانِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَوْ سَمْعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ شَمُّهُ، لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُهُمَا فِي دِيَةِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، مَعَ قُرْبِهِمَا مِنْهُمَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ أَرْشُ الْجُرْحِ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ، لَمْ يَجِبْ أَرْشُهُ إذَا زَادَ عَلَى دِيَةِ الْعَقْلِ، كَمَا أَنَّ دِيَةَ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَعَ الْقَتْلِ لَا يَجِبُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ.
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَنَافِعَ الْأَعْضَاءِ تَبْطُلُ بِذَهَابِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ بَعْدَ ذَهَابِ عَقْلِهِ بِمَا تُضْمَنُ بِهِ مَنَافِعُ الصَّحِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ، وَلَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ، لَمْ تُضْمَنْ، كَمَا لَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْمَيِّتِ وَأَعْضَاؤُهُ، وَإِذَا جَازَ أَنْ تُضْمَنَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، جَازَ ضَمَانُهَا مَعَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِرَاحَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.

[فَصْلٌ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ عَقْله وَسَمِعَهُ وَبَصَره وَكَلَامه]

(6956) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَكَلَامَهُ، وَجَبَ أَرْبَعُ دِيَاتٍ مَعَ أَرْشِ الْجُرْحِ.
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَبَصَرُهُ وَسَمْعُهُ وَلِسَانُهُ، فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ.
وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ مَنَافِعَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا دِيَةٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهَا بِجِنَايَاتٍ.
فَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ دِيَاتِ الْمَنَافِعِ كُلَّهَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، كَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة صَعَّرَ الْوَجْه]

(6957) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ، وَالصَّعَرُ: أَنْ يَضْرِبَهُ، فَيَصِيرَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ) أَصْلُ الصَّعَرِ، دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فِي عُنُقِهِ، فَيَلْتَوِي عُنُقُهُ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18] . أَيْ: لَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ بِوَجْهِك تَكَبُّرًا، كَإِمَالَةِ وَجْهِ الْبَعِيرِ الَّذِي بِهِ الصَّعَرُ، فَمَنْ جَنَى عَلَى إنْسَانٍ جِنَايَةً، فَعَوِجَ عُنُقَهُ، حَتَّى صَارَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذْهَابُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ.
وَلَنَا مَا رَوَى مَكْحُولٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُ قَالَ: وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ.
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَوَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ أَمَامَهُ، وَاتِّقَاءِ مَا يَحْذَرُهُ إذَا مَشَى، وَإِذَا نَابَهُ أَمْرٌ، أَوْ دَهَمَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَا اتِّقَاؤُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ لَيُّ عُنُقِهِ لِيَعْرِفَ مَا يُرِيدُ نَظَرَهُ، وَيَتَعَرَّفَ مَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرّهُ.

[فَصْلٌ جَنَى عَلَيْهِ فَصَارَ الِالْتِفَات عَلَيْهِ شَاقًّا أَوْ ابْتِلَاع الْمَاء أَوْ غَيْره]

(6958) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ، فَصَارَ الِالْتِفَاتُ عَلَيْهِ شَاقًّا، أَوْ ابْتِلَاعُ الْمَاءِ، أَوْ غَيْرُهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِالْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا.
وَإِنْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ ازْدِرَادُ رِيقِهِ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَبْقَى، فَإِنْ بَقِيَ مَعَ ذَلِكَ، فَفِيهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ لَيْسَ لَهَا مِثْلٌ فِي الْبَدَنِ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْيَد الشَّلَّاء]

(6959) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ، وَالسِّنُّ السَّوْدَاءُ) الْيَدُ الشَّلَّاء: الَّتِي ذَهَبَ مِنْهَا مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ.
وَالْعَيْنُ الْقَائِمَةُ: الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا وَصُورَتُهَا بَاقِيَةٌ كَصُورَةِ الصَّحِيحَةِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ، فَعَنْهُ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثُ دِيَتِهَا.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمُجَاهِدٍ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ مِائَةُ دِينَارٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ حُكُومَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ،

وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالنُّعْمَانِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ دِيَةٍ كَامِلَةٍ، لِكَوْنِهَا قَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَلَا مُقَدَّرَ فِيهَا، فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيهَا، كَالْيَدِ الزَّائِدَةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إذَا قُطِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إذَا قُلِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْعَيْنِ وَحْدَهَا مُخْتَصَرًا.
وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُرَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخِطَابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إذَا خَسَفَتْ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ إذَا قُطِعَتْ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ إذَا كُسِرَتْ، ثُلُثَ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
وَلِأَنَّهَا كَامِلَةُ الصُّورَةِ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ كَالصَّحِيحَةِ، وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ إيجَابُ مُقَدَّرٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا التَّقْدِيرَ وَبَيَّنَّاهُ.
(6960) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ، ثُلُثُ دِيَتِهَا.
مَحْمُولٌ عَلَى سِنٍّ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعَضَّ بِهَا الْأَشْيَاءَ، أَوْ كَانَتْ تَفَتَّتَتْ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهَا بَاقِيَةً، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا إلَّا لَوْنُهَا، فَفِيهَا كَمَالُ دِيَتِهَا، سَوَاءٌ قَلَّتْ مَنْفَعَتُهَا، بِأَنْ عَجَزَ عَنْ عَضِّ الْأَشْيَاءِ الصُّلْبَةِ بِهَا أَوْ لَمْ يَعْجِزْ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةُ الْمَنْفَعَةِ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَوَّدَهَا إلَّا حُكُومَةٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ؛ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَقَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ ذَهَبَ جَمَالُهَا بِتَسْوِيدِهَا، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا عَلَى مَنْ سَوَّدَهَا، كَمَا لَوْ سَوَّدَ وَجْهَهُ.
وَلَمْ يَجِبْ عَلَى مُتْلِفِهَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَكَالسِّنِّ إذَا كَانَتْ بَيْضَاءَ فَانْقَلَعَتْ، وَنَبَتَ مَكَانَهَا سَوْدَاءُ، لِمَرَضٍ فِيهَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ وَأَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ، سَلَّمُوا أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ دِيَتُهَا.

[فَصْلٌ نَبَتَتْ أَسْنَان صَبِيّ سَوْدَاء ثُمَّ ثُغِرَ ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاء]

(6961) فَصْلٌ: فَإِنْ نَبَتَتْ أَسْنَانُ صَبِيٍّ سَوْدَاءَ ثُمَّ ثُغِرَ ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ، فَدِيَتُهَا تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا جِنْسٌ خُلِقَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَأَشْبَهَ مَنْ خُلِقَ أَسْوَدَ الْجِسْمِ وَالْوَجْهِ جَمِيعًا.
وَإِنْ نَبَتَتْ أَوَّلًا بَيْضَاءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ السَّوَادُ لِعِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ، فَفِيهَا أَيْضًا كَمَالُ دِيَتِهَا، وَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ لِمَرَضٍ فِيهَا.
فَعَلَى قَالِعِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا، أَوْ حُكُومَةٌ.
وَقَدْ سَلَّمَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا خَالَفُوا فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ سَوْدَاءَ مِنْ ابْتِدَاءِ

الْخِلْقَةِ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ قَدْ يَكُونُ فِي فِيهِ مِنْ ابْتِدَاءِ خِلْقَتِهِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي بَعْضِ دِيَتِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ طَارِئًا.

[فَصْلٌ دِيَة لِسَانِ الْأَخْرَس]

فَصْل: وَفِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ، وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ، كَالرِّجْلِ الشَّلَّاءِ، وَالْإِصْبَعِ وَالذَّكَرِ إذَا كَانَ أَشَلَّ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ إذَا قُلْنَا: لَا تَكْمُلُ دِيَتُهُمَا.
وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَكُلُّهُ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا؛ فِيهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ.
وَالْأُخْرَى، حُكُومَةٌ.

[فَصْلٌ دِيَة الْيَدِ أَوْ الرَّجُل أَوْ الْإِصْبَعِ أَوْ السِّنِّ الزَّوَائِدِ]

(6963) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْيَدُ أَوْ الرِّجْلُ أَوْ الْإِصْبَعُ أَوْ السِّنُّ الزَّوَائِدُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا فِي مَعْنَى الْيَدِ الشَّلَّاءِ، فَتَكُونُ عَلَى قِيَاسِهَا، يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي هَذَا، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمُقَدَّرِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَ جَمَالُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزَّوَائِدَ لَا جَمَالَ فِيهَا، إنَّمَا هِيَ شَيْنٌ فِي الْخِلْقَةِ، وَعَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ، وَتَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْجَمَالُ؟ ثُمَّ لَوْ حَصَلَ بِهِ جَمَالٌ مَا، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ جَمَالَ الْعُضْوِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَمَامُ الْخِلْقَةِ، وَيَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَوَجَبَتْ فِيهِ الْحُكُومَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ دِيَة قَطَعَ الذَّكَرِ بَعْدَ حَشَفَته وَقَطَعَ الْكَفّ بَعْد أَصَابِعه]

(6964) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ بَعْدَ حَشَفَتِهِ، وَقَطْعِ الْكَفِّ بَعْدَ أَصَابِعِهِ؛ فَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ، فِيهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ شَحْمَةُ الْأُذُنِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حُكُومَةٌ.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا، أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً؛ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ فِيهِ، وَامْتِنَاعِ قِيَاسِهِ عَلَى مَا فِيهِ تَقْدِيرٌ، لِأَنَّ الْأَشَلَّ بَقِيَتْ صُورَتُهُ، وَهَذَا لَمْ تَبْقَ صُورَتُهُ، إنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ، أَوْ أَصْلُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ.
فَأَمَّا قَطْعُ الذِّرَاعِ بَعْدَ قَطْعِ الْكَفِّ، وَالسَّاقِ بَعْدَ قَطْعِ الْقَدَمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْحُكُومَةُ فِيهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ ثُلُثِ دِيَةِ الْيَدِ فِيهِ، يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ وَذَهَابِهِمَا وَاحِدًا، مَعَ تَفَاوُتِهِمَا وَعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة إسْكَتَيْ الْمَرْأَة]

(6965) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي إسْكَتَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ) الْإِسْكَتَانِ: هُمَا اللَّحْمُ الْمُحِيطُ بِالْفَرْجِ مِنْ جَانِبَيْهِ، إحَاطَةَ الشَّفَتَيْنِ بِالْفَمِ.
وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: الشُّفْرَانِ حَاشِيَتَا الْإِسْكَتَيْنِ، كَمَا أَنَّ أَشْفَارَ الْعَيْنِ أَهْدَابُهَا.
وَفِيهِمَا دِيَةُ الْمَرْأَةِ إذَا قُطِعَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى جِمَاعِهَا.
وَقَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ إذَا بَلَغَ الْعَظْمَ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، فَوَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَسَائِرِ مَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِهِمَا.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَأَشَلَّهُمَا، وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى شَفَتَيْهِ فَأَشَلَّهُمَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمَا غَلِيظَتَيْنِ أَوْ دَقِيقَتَيْنِ، قَصِيرَتَيْنِ أَوْ طَوِيلَتَيْنِ، مِنْ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ، أَوْ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ، مَخْفُوضَةٍ أَوْ غَيْرِ مَخْفُوضَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا الدِّيَةُ، فَاسْتَوَى فِيهِمَا جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا، كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّتْقَاءِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الرَّتَقَ عَيْبٌ فِي غَيْرِهِمَا، فَلَمْ يَنْقُصْ دِيَتَهُمَا، كَمَا أَنَّ الصَّمَمَ لَمْ يَنْقُصْ دِيَةَ الْأُذُنَيْنِ.
وَالْخَفْضُ: هُوَ الْخِتَانُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ.

[فَصْل دِيَة رَكِّبْ الْمَرْأَة]

(6966) فَصْلٌ: وَفِي رَكَبِ الْمَرْأَةِ حُكُومَةٌ، وَهُوَ عَانَةُ الْمَرْأَةِ، وَكَذَلِكَ فِي عَانَةِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ، وَلَا هُوَ نَظِيرٌ لِمَا قُدِّرَ فِيهِ، فَإِنْ أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ مَعَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ أَوْ ذَكَرِ الرَّجُلِ، فَفِيهِ الْحُكُومَةُ مَعَ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ أُخِذَ مَعَ الْأَنْفِ وَالشَّفَتَيْنِ شَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي حَوْلَهُمَا.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة مُوضِحَة الْحَرّ]

(6967) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَفِي مُوضِحَةِ الْحُرِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَالْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ، وَهِيَ الَّتِي تُبْرِزُ الْعَظْمَ) هَذِهِ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ، وَلَيْسَ فِي الشِّجَاجِ مَا فِيهِ قِصَاصٌ سِوَاهَا، وَلَا يَجِبُ الْمُقَدَّرُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْعَظْمِ، سُمِّيَتْ مُوضِحَةً؛ لِأَنَّهَا أَبْدَتْ وَضَحَ الْعَظْمِ، وَهُوَ بَيَاضُهُ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» . وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:

فِي مُوضِحَةِ الْحُرِّ.
يَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ مُوضِحَةِ الْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.
يَعْنِي أَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِيمَا زَادَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مُوضِحَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ مُوضِحَةِ الرَّجُلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ جِرَاحَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ جِرَاحِ الرَّجُلِ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ.
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعُمُومُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ هَاهُنَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ كِفَايَةٌ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَمَكْحُولٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: تُضَعَّفُ مُوضِحَةُ الْوَجْهِ عَلَى مُوضِحَةِ الرَّأْسِ، فَيَجِبُ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ شَيْنَهَا أَكْثَرُ.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ.
وَمُوضِحَةُ الرَّأْسِ يَسْتُرُهَا الشَّعْرُ وَالْعِمَامَةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ فِي الْأَنْفِ أَوْ فِي اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَبْعُدُ عَنْ الدِّمَاغِ، فَأَشْبَهَتْ مُوضِحَةَ سَائِرِ الْبَدَنِ.
وَلَنَا عُمُومُ الْأَحَادِيثِ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: الْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ.
وَلِأَنَّهَا مُوضِحَةٌ، فَكَانَ أَرْشُهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، كَغَيْرِهَا مِمَّا سَلَّمُوهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الشَّيْنِ، بِدَلِيلِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لِمَالِكٍ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الصَّدْرِ أَكْثَرُ ضَرَرًا، وَأَقْرَبُ إلَى الْقَلْبِ، وَلَا مُقَدَّرَ فِيهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ قَالَ: مُوضِحَةُ الْوَجْهِ أَحْرَى أَنْ يُزَادَ فِي دِيَتِهَا.
وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا أَكْثَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا أَوْلَى بِإِيجَابِ الدِّيَةِ، فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ مَعَ قِلَّةِ شَيْنِهَا وَاسْتِتَارِهَا بِالشَّعْرِ وَغِطَاءِ الرَّأْسِ، خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَلَأَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الظَّاهِرِ، الَّذِي هُوَ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ، وَعُنْوَانُ الْجَمَالِ أَوْلَى.
وَحَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى هَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْخَبَرَ وَالْأَثَرَ وَقَوْلَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَصِيرُهُ إلَى التَّقْدِيرِ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ.
(6968) فَصْلٌ: وَيَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَالْبَارِزَةِ وَالْمَسْتُورَةِ بِالشَّعْرِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ.
وَحَدُّ الْمُوضِحَةِ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ، وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالْقَاضِي.
فَإِنْ شَجَّهُ فِي رَأْسِهِ شَجَّةً، بَعْضُهَا مُوضِحَةٌ، وَبَعْضُهَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ الْجَمِيعَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشُ مُوضِحَةٍ، فَلَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ فِي الْإِيضَاحِ فِي الْبَعْضِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَهَكَذَا لَوْ شَجَّهُ شَجَّةً بَعْضُهَا هَاشِمَةٌ، وَبَاقِيهَا دُونَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ هَاشِمَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُنَقِّلَةً وَمَا دُونَهَا، أَوْ مَأْمُومَةً.
وَمَا دُونَهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُنَقِّلَةٍ أَوْ مَأْمُومَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

(6969) فَصْلٌ: وَلَيْسَ فِي مُوضِحَةِ غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ مُقَدَّرٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ إمَامُنَا، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا يَكُونُ فِي الْبَدَنِ مُوضِحَةٌ.
يَعْنِي لَيْسَ فِيهَا مُقَدَّرٌ.
قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ إلَّا اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ، قَالَ: الْمُوضِحَةُ تَكُونُ فِي الْجَسَدِ أَيْضًا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي جِرَاحَةِ الْجَسَدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ جِرَاحَةِ الرَّأْسِ.
وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، قَالَ: فِي الْمُوضِحَةِ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا.
وَلَنَا، أَنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِرَاحَةِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَقَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ: الْمُوضِحَةُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ سَوَاءٌ.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَاقِيَ الْجَسَدِ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ الشَّيْنَ فِيمَا فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ أَكْثَرُ وَأَخْطَرُ مِمَّا فِي سَائِرِ الْبَدَنِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، ثُمَّ إيجَابُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ يُفْضِي إلَى أَنْ يَجِبَ فِي مُوضِحَةِ الْعُضْوِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ، مِثْلُ أَنْ يُوضِحَ أُنْمُلَةً دِيَتُهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ، وَدِيَةُ الْمُوضِحَةِ خَمْسَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، فَتَحَكُّمٌ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيهِ، فَيَجِبُ اطِّرَاحُهُ.

[فَصْلٌ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسَهُ وَجَرّ السِّكِّين إلَى قَفَاهُ]

(6970) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ، وَجَرَّ السِّكِّينَ إلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا؛ لِأَنَّ الْقَفَا لَيْسَ بِمَوْقِعٍ لِلْمُوضِحَةِ.
وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ، وَمَدَّهَا إلَى وَجْهِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ سَوَاءٌ فِي الْمُوضِحَةِ، فَصَارَ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي؛ هُمَا مُوضِحَتَانِ؛ لِأَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي عُضْوَيْنِ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَنَزَلَ إلَى الْقَفَا.

[فَصْلٌ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسَهُ مُوضِحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِز]

(6971) فَصْلٌ: وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُوضِحَتَانِ.
فَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَجَبَ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْجَمِيعُ بِفِعْلِهِ مُوضِحَةً، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُلَّ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ يَبْقَى بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ انْدَمَلَتَا، ثُمَّ أَزَالَ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ ثَلَاثِ مَوَاضِحَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأُولَيَيْنِ بِالِانْدِمَالِ، ثُمَّ لَزِمَتْهُ دِيَةُ الثَّالِثَةِ.
وَإِنْ تَآكَلَ مَا بَيْنَهُمَا قَبْلَ انْدِمَالِهِمَا فَزَالَ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ.
وَإِنْ انْدَمَلَتْ إحْدَاهُمَا وَزَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ، أَوْ سِرَايَةِ الْأُخْرَى، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ.
وَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ، فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ.
وَإِنْ أَزَالَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَجَبَ عَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا،

فَقَالَ الْجَانِي: أَنَا شَقَقْت مَا بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ أَنَا.
أَوْ: أَزَالَهَا آخَرُ سِوَاكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ أَرْشِ مُوضِحَتَيْنِ قَدْ وُجِدَ.
وَالْجَانِي يَدَّعِي زَوَالَهُ، وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ.
وَإِنْ أَوْضَحَ مُوضِحَتَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ اللَّحْمَ الَّذِي بَيْنَهُمَا فِي الْبَاطِنِ، وَتَرَكَ الْجِلْدَ الَّذِي فَوْقَهُمَا فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لِانْفِصَالِهِمَا فِي الظَّاهِرِ.
وَالثَّانِي: أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لِاتِّصَالِهِمَا فِي الْبَاطِنِ.
وَإِنْ جَرَحَهُ جِرَاحًا وَاحِدَةً، وَأَوْضَحَهُ فِي طَرَفَيْهَا، وَبَاقِيهَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، فَفِيهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِمُوضِحَةٍ.

[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي الْهَاشِمَة]

(6972) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ) الْهَاشِمَةُ: هِيَ الَّتِي تَتَجَاوَزُ الْمُوضِحَةَ، فَتَهْشِمُ الْعَظْمَ، سُمِّيَتْ هَاشِمَةً؛ لَهَشْمِهَا الْعَظْمَ.
وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا تَقْدِيرٌ، وَأَكْثَرُ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ بِعَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ.
رَوَى ذَلِكَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَنَحْوَهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّهُمْ قَدَّرُوهَا بِعُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يُوَقِّتُ فِيهَا شَيْئًا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْهَاشِمَةَ، لَكِنْ فِي الْإِيضَاحِ خَمْسٌ، وَفِي الْهَشْمِ حُكُومَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: النَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ؛ إذْ لَا سُنَّةَ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقْدِيرٌ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْحُكُومَةُ، كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ زَيْدٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ، وَلِأَنَّهُ لَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهَا شَجَّةٌ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ تَخْتَصُّ بِاسْمٍ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ كَالْمَأْمُومَةِ.
(6973) فَصْلٌ: وَالْهَاشِمَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوضِحَةِ.
وَإِنْ هَشَمَهُ هَاشِمَتَيْنِ.
بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَفِيهِمَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوضِحَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ.
وَتَسْتَوِي الْهَاشِمَةُ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ.
وَإِنْ شَجَّهُ شَجَّةً، بَعْضُهَا مُوضِحَةٌ، وَبَعْضُهَا هَاشِمَةٌ، وَبَعْضهَا سِمْحَاقٌ، وَبَعْضُهَا مُتَلَاحِمَةٌ، وَجَبَ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا هَاشِمَةً، أَجْزَأَ أَرْشُهَا، وَلَوْ انْفَرَدَ الْقَدْرُ الْمَهْشُومُ، وَجَبَ أَرْشُهَا، فَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ بِمَا إذَا زَادَ مِنْ الْأَرْشِ فِي غَيْرِهَا.
وَإِنْ ضَرَبَ رَأْسَهُ، فَهَشَمَ الْعَظْمَ، وَلَمْ يُوضِحْهُ، لَمْ تَجِبْ دِيَةُ الْهَاشِمَةِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ الْمُقَدَّرَ وَجَبَ فِي هَاشِمَةٍ يَكُونُ مَعَهَا مُوضِحَةٌ، وَفِي الْوَاجِبِ فِيهَا وَجْهَانِ؛

أَحَدُهُمَا؛ فِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ وَكَسَرَ، لَوَجَبَتْ عَشْرٌ؛ خَمْسٌ فِي الْإِيضَاحِ، وَخَمْسٌ فِي الْكَسْرِ، فَإِذَا وُجِدَ الْكَسْرُ دُونَ الْإِيضَاحِ، وَجَبَ خَمْسٌ.
وَالثَّانِي: تَجِبُ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَسْرُ عَظْمٍ لَا جُرْحَ مَعَهُ، فَأَشْبَهَ كَسْرَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ.
(6974) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ، هَشَمَ الْعَظْمَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَاتَّصَلَ الْهَشْمُ فِي الْبَاطِنِ، فَهُمَا هَاشِمَتَانِ؛ لِأَنَّ الْهَشْمَ إنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْإِيضَاحِ، فَإِذَا كَانَتَا مُوضِحَتَيْنِ، كَانَ الْهَشْمُ هَاشِمَتَيْنِ، بِخِلَافِ الْمُوضِحَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا، فَافْتَرَقَا.

[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي الْمُنَقِّلَة]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ وَتَهْشِمُ وَتَسْطُو حَتَّى تَنْقُلَ عِظَامَهَا) الْمُنَقِّلَةُ: زَائِدَةٌ عَلَى الْهَاشِمَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعِظَامَ وَتُزِيلُهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا، فَيُحْتَاجُ إلَى نَقْلِ الْعَظْمِ لِيَلْتَئِمَ.
وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ.
بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ.» وَفِي تَفْصِيلِهَا مَا فِي تَفْصِيلِ الْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ، عَلَى مَا مَضَى.

[مَسْأَلَة الدِّيَة فِي الْمَأْمُومَة]

(6976) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِي الْآمَّةِ مِثْلُ مَا فِي الْمَأْمُومَةِ) الْمَأْمُومَةُ وَالْآمَّةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ لَهَا: الْآمَّةُ.
وَأَهْلُ الْحِجَازِ: الْمَأْمُومَةُ.
وَهِيَ الْجِرَاحَةُ الْوَاصِلَةُ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ؛ سُمِّيَتْ أُمَّ الدِّمَاغِ؛ لِأَنَّهَا تَحُوطُهُ وَتَجْمَعُهُ، فَإِذَا وَصَلَتْ الْجِرَاحَةُ إلَيْهَا سُمِّيَتْ آمَّةً وَمَأْمُومَةً.
يُقَالُ: أَمَّ الرَّجُلَ آمَّةً وَمَأْمُومَةً، وَأَرْشُهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا مَكْحُولًا.
فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ عَمْدًا.
فَفِيهَا ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَفِيهَا ثُلُثُهَا.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ.
وَلِأَنَّهَا شَجَّةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَرْشُهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فِي الْمِقْدَارِ، كَسَائِرِ الشِّجَاجِ.
(6977) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَقَ جِلْدَةَ الدِّمَاغِ، فَهِيَ الدَّامِغَةُ.، وَفِيهَا مَا فِي الْمَأْمُومَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الدَّامِغَةَ،

لِمُسَاوَاتِهَا الْمَأْمُومَةَ فِي أَرْشِهَا، وَقِيلَ: فِيهَا مَعَ ذَلِكَ حُكُومَةٌ؛ لِخَرْقِ جِلْدَةِ الدِّمَاغِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا ذِكْرَهَا لِكَوْنِهَا لَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا فِي الْغَالِبِ.

[فَصْل أَوْضَحَهُ رَجُل ثُمَّ هَشَمَهُ الثَّانِي ثُمَّ جَعَلَهَا الثَّالِثُ مُنَقِّلَة ثُمَّ جَعَلَهَا الرَّابِعُ مَأْمُومَة]

(6978) فَصْل: فَإِنْ أَوْضَحَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ هَشَمَهُ الثَّانِي، ثُمَّ جَعَلَهَا الثَّالِثُ مُنَقِّلَةً، ثُمَّ جَعَلَهَا الرَّابِعُ مَأْمُومَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتِهِ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسٌ تَمَامُ أَرْشِ الْهَاشِمَةِ، وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسٌ، تَمَامُ أَرْشِ الْمُنَقِّلَةِ، وَعَلَى الرَّابِعِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ، تَمَامُ أَرْشُ الْمَأْمُومَةِ.

[مَسْأَلَةٌ الدِّيَة فِي الْجَائِفَة]

(6979) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ) وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا مَكْحُولًا، قَالَ فِيهَا: فِي الْعَمْدِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّهَا جِرَاحَةٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَدْرُ أَرْشِهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، كَالْمُوضِحَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جِرَاحِ الْبَدَنِ الْخَالِيَةِ عَنْ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ مُقَدَّرًا غَيْرَ الْجَائِفَةِ، وَالْجَائِفَةُ: مَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرٍ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ ثُغْرَةِ نَحْرٍ، أَوْ وَرِكٍ، أَوْ غَيْرِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، أَنَّ مَالِكًا، وَأَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ، وَالْبَتِّيَّ، وَأَصْحَابَهُمْ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَائِفَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَوْفِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْجَائِفَةُ مَا أَفْضَى إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ بِمَغْرِزِ إبْرَةٍ، فَأَمَّا إنْ خَرَقَ شِدْقَهُ.
فَوَصَلَ إلَى بَاطِنِ الْفَمِ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ؛ لِأَنَّ دَاخِلَ الْفَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ، لَا حُكْمُ الْبَاطِنِ.
وَإِنْ طَعَنَهُ فِي وَجْنَتِهِ، فَكَسَرَ الْعَظْمَ.
وَوَصَلَ إلَى فِيهِ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: هُوَ جَائِفَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى جَوْفٍ.
وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا خَرَقَ شِدْقَهُ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَيْهِ دِيَةُ هَاشِمَةٍ، لِكَسْرِ الْعَظْمِ، وَفِيمَا زَادَ حُكُومَةٌ.
وَإِنْ جَرَحَهُ فِي أَنْفِهِ فَأَنْفَذَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ فِي وَجْنَتِهِ فَأَنْقَذَهُ إلَى فِيهِ، فِي الْحُكْمِ وَالْخِلَافِ.
وَإِنْ جَرَحَهُ فِي ذَكَرِهِ، فَوَصَلَ إلَى مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْفٍ يُخَافُ التَّلَفُ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ أُجَافِهِ جَائِفَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِز]

(6980) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَ جَائِفَةً وَاحِدَةً، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ، أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَعَلَى

الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا لِلْمُدَاوَاةِ، فَخَرَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، أَوْ خَرَقَهَا وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، أَوْ الطَّبِيبُ بِأَمْرِهِ، فَلَا شَيْءَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
وَإِنْ أَجَافَهُ رَجُلٌ، فَوَسَّعَهَا آخَرُ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُ جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ كَانَ جَائِفَةً، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ وَسَّعَهَا الطَّبِيبُ بِإِذْنِهِ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَسَّعَهَا جَانٍ آخَرُ، فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، أَوْ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغْ الْجَائِفَةَ.
وَإِنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي الْجَائِفَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، عُزِّرَ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ خَاطَهَا، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَطَعَ الْخُيُوطَ، وَأَدْخَلَ السِّكِّينَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِمَ، عُزِّرَ أَشَدَّ مِنْ التَّعْزِيرِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَغَرَّمَهُ ثَمَنَ الْخُيُوطِ وَأُجْرَةَ الْخَيَّاطِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِفْهُ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْتِحَامِهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَثَمَنُ الْخُيُوطِ؛ لِأَنَّهُ بِالِالْتِحَامِ عَادَ إلَى الصِّحَّةِ، فَصَارَ كَاَلَّذِي لَمْ يُجْرَحْ.
وَإِنْ الْتَحَمَ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ، فَفَتَقَ مَا الْتَحَمَ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ جَائِفَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ فَتَقَ غَيْرَ مَا الْتَحَمَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِمَ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَإِنْ فَتَقَ بَعْضَ مَا الْتَحَمَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، أَوْ الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ وَسَّعَ جُرْحَهُ كَذَلِكَ.

[فَصْلٌ جُرْح فَخُذْهُ وَمَدّ السِّكِّين حَتَّى بَلَغَ الْوَرِك فَأُجَافِ فِيهِ]

(6981) فَصْلٌ: وَإِنْ جَرَحَ فَخِذَهُ، وَمَدَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الْوَرِكَ، فَأَجَافَ فِيهِ، أَوْ جَرَحَ الْكَتِفَ، وَجَرَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الصَّدْرَ، فَأَجَافَهُ فِيهِ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَحُكُومَةٌ فِي الْجِرَاحِ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَائِفَةِ، فَانْفَرَدَتْ بِالضَّمَانِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَجَرَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا.

[فَصْلٌ أَدْخُل حَدِيدَة أَوْ خَشَبَة أَوْ يَده فِي دُبُر إنْسَان فَخُرِقَ حَاجِزًا فِي الْبَاطِنِ.]

(6982) فَصْلٌ: فَإِنْ أَدْخَلَ حَدِيدَةً أَوْ خَشَبَةً أَوْ يَدَهُ، فِي دُبُرِ إنْسَانٍ، فَخَرَقَ حَاجِزًا فِي الْبَاطِنِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ مَا خَرَقَتْ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى الْجَوْفِ، وَهَذِهِ بِخِلَافِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي جَائِفَةٍ إنْسَانٍ، فَخَرَقَ شَيْئًا فِي الْبَاطِنِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِفَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[مَسْأَلَةٌ جُرْحه فِي جَوْفه فَخَرَجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخِر]

(6983) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ جَرَحَهُ فِي جَوْفِهِ، فَخَرَجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَهُمَا جَائِفَتَانِ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ

ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: هِيَ جَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ هِيَ الَّتِي تَنْفُذُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إلَى الْجَوْفِ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ إنَّمَا نَفَذَتْ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ، فَأَنْفَذَهُ، فَقَضَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ.
وَلَا مُخَالِفَ لَهُ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " سُنَنِهِ ". وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الْجَائِفَةِ إذَا نَفَذَتْ الْجَوْفَ، بِأَرْشِ جَائِفَتَيْنِ.
لِأَنَّهُ أَنْفَذَهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، فَكَانَ جَائِفَتَيْنِ كَمَا لَوْ أَنْفَذَهُ بِضَرْبَتَيْنِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إلَى الْجَوْفِ، لَا بِكَيْفِيَّةِ إيصَالِهِ، إذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْكَيْفِيَّةِ لَيْسَ بِمَذْكُورِ فِي خَبَرٍ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي الْغَالِبِ وُقُوعُ الْجَائِفَةِ هَكَذَا، فَلَا يُعْتَبَرُ، كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْغَالِبِ حُصُولُهَا بِالْحَدِيدِ، وَلَوْ حَصَلَتْ بِغَيْرِهِ لَكَانَتْ جَائِفَةً.
ثُمَّ يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَائِفَةٍ إنْسَانٍ، فَخَرَقَ بَطْنَهُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَنْ أَوْضَحَ إنْسَانًا فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ رَأْسَ السِّكِّينِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَهِيَ مُوضِحَتَانِ.
فَإِنْ هَشَمَهُ هَاشِمَةً لَهَا مَخْرَجَانِ، فَهِيَ هَاشِمَتَانِ.
وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.

[فَصْلٌ أَدْخَلَ إصْبَعه فِي فَرْج بِكْر فَأَذْهَب بَكَارَتهَا]

(6984) فَصْلٌ: فَإِنْ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي فَرْجِ بِكْرٍ، فَأَذْهَبَ بَكَارَتَهَا، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَوْفٍ.

[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ زَوْجَته وَهِيَ صَغِيرَة فَفَتْقهَا]

(6985) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَفَتَقَهَا، لَزِمَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ) . مَعْنَى الْفَتْقِ، خَرْقُ مَا بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ.
وَقِيلَ: بَلْ مَعْنَاهُ خَرْقُ مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، إلَّا أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ بِالْوَطْءِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَاجِزِ، فَإِنَّهُ حَاجِزٌ غَلِيظٌ قَوِيٌّ.
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فِي فَصْلَيْنِ؛ (6986) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، فِي أَصْلِ وُجُوبِ الضَّمَانِ.
وَالثَّانِي: فِي قَدْرِهِ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ أَوْ النَّحِيفَةِ الَّتِي لَا تَحَمَّلُ الْوَطْءَ، دُونَ الْكَبِيرَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَطْءٌ مُسْتَحَقٌّ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْبَكَارَةِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِمَّنْ يَصِحُّ إذْنُهُ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَا تَلِفَ بِسِرَايَتِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي مُدَاوَاتِهَا بِمَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ، وَكَقَطْعِ السَّارِقِ، أَوْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَعَكْسُهُ الصَّغِيرَةُ وَالْمُكْرَهَةُ عَلَى الزِّنَا.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ، مَعَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَيَكُونُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ، إنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَا تُطِيقُهُ، وَأَنَّ وَطْأَهُ يُفْضِيهَا.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، وَكَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُفْضِيَ إلَيْهِ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، فَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَمْدَ الْخَطَإِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مَالِهِ.
(6987) الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ، فَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إسْكَتَيْهَا.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِفْضَاءِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ.
وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا.
وَلِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تَخْرِقُ الْحَاجِزَ بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالذَّكَرِ، فَكَانَ مُوجَبُهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَالْجَائِفَةِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَمْنَعُ الْوَطْءَ، وَأَمَّا قَطْعُ الْإِسْكَتَيْنِ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ عُضْوَيْنِ فِيهِمَا نَفْعٌ وَجَمَالٌ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ الشَّفَتَيْنِ.
(6988) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُهَا مَعَ ذَلِكَ، لَزِمَتْهُ دِيَةٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَيْنِ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُمَا، كَمَا لَوْ فَوَّتَ كَلَامَهُ وَذَوْقَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَتْلَفَ عُضْوًا وَاحِدًا، فَلَمْ يَفُتْ غَيْرُ مَنَافِعِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ وَكَلَامُهُ.
وَمَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ دِيَةَ الْمَنْفَعَتَيْنِ، لَأَوْجَبَ دِيَتَيْنِ؛ لِأَنَّ اسْتِطْلَاقَ الْبَوْلِ مُوجِبٌ الدِّيَةَ، وَالْإِفْضَاءُ عِنْدَهُ مُوجِبٌ الدِّيَةَ مُنْفَرِدًا، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْحُكُومَةَ، وَلَمْ يُوجَدْ مُقْتَضِيهَا، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِي الْإِفْضَاءِ حُكُومَةً.
(6989) فَصْلٌ: وَإِنْ انْدَمَلَ الْحَاجِزُ، وَانْسَدَّ، وَزَالَ الْإِفْضَاءُ، لَمْ يَجِبْ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَوَجَبَتْ حُكُومَةٌ، لِجَبْرِ مَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ.

[فَصْلٌ أَكْرَه امْرَأَة عَلَى الزِّنَى فَأَفْضَاهَا]

(6990) فَصْلٌ: وَإِنْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَى، فَأَفْضَاهَا، لَزِمَهُ ثُلُثُ دِيَتِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِوَطْءٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ، وَلَا مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِهِ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ مَعَ ذَلِكَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْبَكَارَةِ دَاخِلٌ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الثَّيِّبِ،

فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا هُوَ عِوَضُ أَرْشِ الْبَكَارَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ مَرَّتَيْنِ، كَمَا فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ أَتْلَفَهُ بِعُدْوَانِهِ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِإِصْبَعِهِ.
فَأَمَّا الْمُطَاوِعَةُ عَلَى الزِّنَى، إذَا كَانَتْ كَبِيرَةً فَفَتَقَهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي فَتْقِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ الْوَطْءُ دُونَ الْفَتْقِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا، وَمَهْرِ مِثْلِهَا، وَكَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهَا.
وَفَارَقَ مَا إذَا أَذِنَتْ فِي وَطْئِهَا، فَقَطَعَ يَدَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلَا مِنْ ضَرُورَتِهِ.

[فَصْلٌ وَطِئَ امْرَأَة بِشُبْهَةِ فَأَفْضَاهَا]

(6991) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةِ فَأَفْضَاهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ إفْضَائِهَا، مَعَ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا أُذِنَ فِيهِ اعْتِقَادًا أَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِمَا أَتْلَفَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ، فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَرْشِ إفْضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ لِإِتْلَافِ الْعُضْوِ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ، كَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تُنْقَلُ عَنْ الْوَطْءِ، فَلَمْ يَدْخُلُ بَدَلُهُ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَسَرَ صَدْرَهَا.
وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَالْأَرْشُ يَجِبُ لِإِتْلَافِ الْحَاجِزِ، فَلَا تَدْخُلُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ.

[فَصْلٌ اسْتَطْلَقَ بَوْل الْمُكْرَهَة عَلَى الزِّنَى وَالْمَوْطُوءَة بِشُبْهَةِ مَعَ إفْضَائِهِمَا.]

(6992) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، مَعَ إفْضَائِهِمَا، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَالْمَهْرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَجِبُ أَكْثَرُهُمَا.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ.

[مَسْأَلَة دِيَة الضِّلْع وَالتَّرْقُوَة]

(6993) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرَيْنِ، فَيَكُونُ فِي التَّرْقُوَتَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَالتَّرْقُوَةُ: هُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعُنُقِ مِنْ النَّحْرِ إلَى الْكَتِفَ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَرْقُوَتَانِ، فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوَتَانِ مَعًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ

لِإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حُكُومَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ بَاطِنٌ، لَا يَخْتَصُّ بِجَمَالِ وَمَنْفَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَوْقِيفٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَوْقِيفٌ وَلَا قِيَاسٌ.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ فِي التَّرْقُوَةِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: فِي التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، فَكَمَلَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَالْيَدَيْنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْهَاشِمَةِ؛ فَإِنَّهَا كَسْرُ عِظَامٍ بَاطِنَةٍ، وَفِيهَا مُقَدَّرٌ.
وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِجَمَالٍ وَمَنْفَعَةٍ.
فَإِنَّ جَمَالَ هَذِهِ الْعِظَامِ وَنَفْعِهَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، وَلَا مُشَارَكَ لَهَا فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَمُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَافَقَهُ فِيهِ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الزَّنْد]

(6994) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الزَّنْدِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَظْمَانِ) قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي بِهِ الزَّنْدَيْنِ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا أَرْبَعَةَ عِظَامٍ، فَفِي كُلِّ عَظْمٍ بَعِيرٌ.
وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: فِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إذَا كُسِرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: إنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَيْنِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَهَذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا.

[فَصْل دِيَة الْعِظَام]

(6995) فَصْلٌ: وَلَا مُقَدَّرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْعِظَامِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِي عَظْمِ السَّاقِ بَعِيرَانِ، وَفِي السَّاقَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَفِي عَظْمِ الْفَخِذِ بَعِيرَانِ، وَفِي الْفَخِذَيْنِ أَرْبَعَةٌ، فَهَذِهِ تِسْعَةُ عِظَامٍ فِيهَا مُقَدَّرٌ؛ الضِّلَعُ، وَالتَّرْقُوَتَانِ؛ وَالزَّنْدَانِ، وَالسَّاقَانِ، وَالْفَخِذَانِ، وَمَا عَدَاهَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْقَاضِي: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ بَعِيرَانِ.
وَزَادَ أَبُو الْخَطَّابِ عَظْمَ الْقَدَمِ؛ لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالزَّنْدِ إذَا كُسِرَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَجُبِرَ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ دُحُورٌ يَعْنِي عِوَجًا بِعَيْرٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا دُحُورٌ،

فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْخَبَرُ، إنْ صَحَّ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ، فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي غَيْرِ الْخَمْسَةِ؛ الضِّلَعِ، وَالتَّرْقُوَتَيْنِ، وَالزَّنْدَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْحُكُومَةِ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ الْبَاطِنَةِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ لِقَضَاءِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَفِيمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْعِظَامَ، كَعَظْمِ الظَّهْرِ وَغَيْرِهِ، فَفِيهِ الْحُكُومَةُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَإِنْ خَالَفَ فِيهَا مُخَالِفٌ، فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الشِّجَاج الَّتِي لَا تَوْقِيت فِيهَا]

(6996) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالشِّجَاجُ الَّتِي لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ) يَعْنِي تَشُقُّهُ قَلِيلًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْحَارِصَةُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، ثُمَّ الْمُوضِحَةُ.
هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الَّتِي وَصَلَتْ إلَيْنَا: الْحَارِصَةُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ.
ثُمَّ الْبَازِلَةُ.
وَلَعَلَّهُ مِنْ غَلَطِ الْكَاتِبِ، وَالصَّوَابُ: الْحَارِصَةُ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، هَكَذَا رَتَّبَهَا سَائِرُ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَلِأَنَّ الْبَاضِعَةَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، فَلَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا قَبْلَ الْبَازِلَةِ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، وَتُسَمَّى الدَّامِعَةَ، لِقِلَّةِ سَيَلَانِ دَمِهَا، تَشْبِيهًا لَهُ بِخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ، وَاَلَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ يَسِيلُ مِنْهَا دَمٌ كَثِيرٌ فِي الْغَالِبِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ جَعْلُهَا سَابِقَةً عَلَى مَا لَا يَسِيلُ مِنْهَا إلَّا دَمٌ يَسِيرٌ كَدَمْعِ الْعَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، جَعَلَ فِي الْبَازِلَةِ بَعِيرًا، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَيْنِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: وَالشِّجَاجُ.
يَعْنِي: جِرَاحَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ؛ فَإِنَّهُ يُسَمَّى شِجَاجًا خَاصَّةً، دُونَ جِرَاحِ سَائِرِ الْبَدَنِ.
وَالشِّجَاجُ الْمُسَمَّاةُ عَشْرٌ؛ خَمْسٌ مِنْهَا أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَخَمْسٌ لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ قَلِيلًا.
يَعْنِي تَقْشِرُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْجِلْدِ، لَا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ، وَمِنْهُ: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ.
إذَا شَقَّهُ قَلِيلًا.
ثُمَّ الْبَازِلَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَنْزِلُ مِنْهَا الدَّمُ.
أَيْ يَسِيلُ.
وَتُسَمَّى الدَّامِيَةَ أَيْضًا، وَالدَّامِعَةَ ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ.
ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، يَعْنِي دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا كَثِيرًا يَزِيدُ عَلَى الْبَاضِعَةِ، وَلَمْ تَبْلُغْ السِّمْحَاقَ.
ثُمَّ السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى قِشْرَةٍ رَقِيقَةٍ فَوْقَ الْعَظْمِ، تُسَمَّى تِلْكَ الْقِشْرَةُ سِمْحَاقًا، وَسُمِّيَتْ الْجِرَاحُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهَا بِهَا، وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمِلْطَا وَالْمِلْطَاةُ، وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ اللَّحْمَ كُلَّهُ حَتَّى تَخْلُصَ مِنْهُ.
ثُمَّ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَقْشُرُ تِلْكَ الْجِلْدَةَ، وَتُبْدِي وَضَحَ الْعَظْمِ، أَيْ بَيَاضَهُ، وَهِيَ أَوَّلُ الشِّجَاجِ الْمُوَقَّتَةِ، وَمَا قَبْلَهَا

مِنْ الشِّجَاجِ الْخَمْسِ فَلَا تَوْقِيتَ فِيهَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ فِي الدَّامِيَةِ بَعِيرًا، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَيْنِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةً، وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةَ أَبْعِرَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي السِّمْحَاقِ مِثْلُ ذَلِكَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْهُمَا.
وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، فِيهَا نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا جِرَاحَاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا تَوْقِيتٌ فِي الشَّرْعِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا حُكُومَةً، كَجِرَاحَاتِ الْبَدَنِ.
رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُوضِحَةِ بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَهَا» ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا مُقَدَّرٌ بِتَوْقِيفٍ، وَلَا لَهُ قِيَاسٌ يَصِحُّ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْحُكُومَةِ، كَالْحَارِصَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ مِنْ الْمُوضِحَةِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُوضِحَةٌ إلَى جَانِبِهَا، قُدِّرَتْ هَذِهِ الْجِرَاحَةُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ النِّصْفِ، وَجَبَ نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، إنْ كَانَتْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَجَبَ ثُلُثُ الْأَرْشِ.
وَعَلَى هَذَا، إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْحُكُومَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، فَتُوجِبَ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ، فَإِذَا كَانَتْ الْجِرَاحَةُ قَدْرَ نِصْفِ الْمُوضِحَةِ، وَشَيْنُهَا يَنْقُصُ قَدْرَ ثُلُثَيْهَا، أَوْجَبْنَا ثُلُثَيْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْحُكُومَةُ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، أَوْجَبْنَا النِّصْفَ، فَنُوجِبُ الْأَكْثَرَ مِمَّا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ، أَوْ قَدْرَهَا مِنْ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ مُوجِبَانِ؛ الشَّيْنُ وَقَدْرُهَا مِنْ الْمُوضِحَةِ، فَوَجَبَ بِهَا أَكْثَرُهُمَا؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى إيجَابِ الْمِقْدَارِ، أَنَّ هَذَا اللَّحْمَ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَكَانَ فِي بَعْضِهِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ دِيَتِهِ، كَالْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ وَالشَّفَةِ وَالْجَفْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا لَا نَعْلَمُهُ مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ وَلَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا مُقَدَّرٌ.
كَجِرَاحَاتِ الْبَدَنِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ، وَلَا نَعْلَمُ لِمَا ذَكَرُوهُ نَظِيرًا.

[مَسْأَلَةٌ الْجِرَاح الَّتِي لَمْ تُوَقِّت]

(6997) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْجِرَاحِ تَوْقِيتٌ، وَلَمْ يَكُنْ نَظِيرًا لِمَا وُقِّتَتْ دِيَتُهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ) أَمَّا الَّذِي فِيهِ تَوْقِيتٌ، فَهُوَ الَّذِي نَصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَرْشِهِ، وَبَيَّنَ قَدْرَ دِيَتِهِ، كَقَوْلِهِ: «فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ» . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا نَظِيرُهُ، فَهُوَ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَمَقِيسًا عَلَيْهِ، كَالْأَلْيَتَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالْحَاجِبَيْنِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ أَيْضًا، فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُوَقَّتِ، وَلَا مِمَّا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، كَالشِّجَاجِ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَجِرَاحِ الْبَدَنِ سِوَى الْجَائِفَةِ، وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ، وَكَسْرِ الْعِظَامِ الْمَذْكُورَةِ؛ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْحُكُومَةُ.

[مَسْأَلَةٌ مَا هِيَ الْحُكُومَة فِي الْجِنَايَة]

(6998) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ، فَلَهُ مِثْلُهُ مِنْ الدِّيَةِ، كَأَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ وَهُوَ عَبْدٌ صَحِيحٌ عَشَرَةً، وَقِيمَتُهُ وَهُوَ عَبْدٌ بِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةً، فَيَكُونَ فِيهِ عُشْرُ دِيَتِهِ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي تَفْسِيرِ الْحُكُومَةِ، قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: حُكُومَةٌ، أَنْ يُقَالَ إذَا أُصِيبَ الْإِنْسَانُ بِجُرْحٍ لَا عَقْلَ لَهُ مَعْلُومٌ: كَمْ قِيمَةُ هَذَا الْمَجْرُوحِ؟ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يُجْرَحْ هَذَا الْجُرْحَ، فَإِذَا قِيلَ: مِائَةُ دِينَارٍ.
قِيلَ: وَكَمْ قِيمَتُهُ وَقَدْ أَصَابَهُ هَذَا الْجُرْحُ، وَانْتَهَى بُرْؤُهُ؟ قِيلَ: خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ.
فَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى الْجَانِي نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قَالُوا: تِسْعُونَ.
فَعُشْرُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ، فَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ، فَأَجْزَاؤُهُ مَضْمُونَةٌ مِنْهَا، كَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، كَانَ أَرْشُ عَيْبِهِ مُقَدَّرًا مِنْ الثَّمَنِ، فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَتُهُ لَا عِيبَ فِيهِ؟ فَقَالُوا: عَشَرَةٌ.
فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَتُهُ وَفِيهِ الْعَيْبُ؟ فَإِذَا قِيلَ: تِسْعَةٌ، عُلِمَ أَنَّهُ نَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهِ، فَيَجِبُ أَنَّ نَرُدَّ مِنْ الثَّمَنِ عُشْرَهُ، أَيَّ قَدْرٍ كَانَ، وَنُقَدِّرَهُ عَبْدًا لِيُمْكِنَ تَقْوِيمُهُ، وَنَجْعَلَ الْعَبْدَ أَصْلًا لِلْحُرِّ فِيمَا لَا مُوَقَّتَ فِيهِ، وَالْحُرَّ أَصْلًا لِلْعَبْدِ فِيمَا فِيهِ تَوْقِيتٌ.

[مَسْأَلَة مَا زَادَ فِي الْحُكُومَة أَوْ نَقَصَ]

(6999) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَعَلَى هَذَا مَا زَادَ مِنْ الْحُكُومَةِ أَوْ نَقَصَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ، فَيَكُونَ أَسْهَلَ مِمَّا وُقِّتَ فِيهِ، فَلَا يُجَاوَزُ بِهِ أَرْشُ الْمُوَقَّتِ) يَعْنِي لَوْ نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ عُشْرِ قِيمَتِهِ، لَوَجَبَ أَكْثَرُ مِنْ عُشْرِ دِيَتِهِ، وَلَوْ نَقَصَتْهُ أَقَلَّ مِنْ الْعُشْرِ، مِثْلُ أَنْ نَقَصَتْهُ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهِ؛ لَوَجَبَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ، إلَّا إذَا شَجَّهُ دُونَ الْمُوضِحَةِ، فَبَلَغَ أَرْشُ الْجِرَاحِ بِالْحُكُومَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، لَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ، فَلَوْ جَرَحَهُ فِي وَجْهِهِ سِمْحَاقًا، فَنَقَصَتْهُ عُشْرَ قِيمَتِهِ، فَمُقْتَضَى الْحُكُومَةِ وُجُوبُ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَدِيَةُ الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ، فَهَاهُنَا يُعْلَمُ غَلَطُ الْمُقَوِّمِ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ لَوْ كَانَتْ مُوضِحَةً، لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسٍ، مَعَ أَنَّهَا سِمْحَاقٌ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا؛ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى خَمْسٍ أَوْلَى.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ يَجِبُ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ، كَائِنًا مَا كَانَ؛ لِأَنَّهَا جِرَاحَةٌ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، فَوَجَبَ فِيهَا مَا نَقَصَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا بَعْضُ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَهُ، لَقَطَعَ مَا قَطَعَتْهُ هَذِهِ الْجِرَاحَةُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ فِي بَعْضِ

الشَّيْء أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْمُوضِحَةِ أَكْثَرُ، وَالشَّيْنَ أَعْظَمُ، وَالْمَحَلَّ وَاحِدٌ، فَإِذَا لَمْ يَزِدْ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ عَلَى خَمْسٍ، كَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ مَا دُونَهَا عَلَيْهَا.
وَأَمَّا سَائِرُ الْبَدَنِ، فَمَا كَانَ فِيهِ مُوَقَّتٌ، كَالْأَعْضَاءِ، وَالْعِظَامِ الْمَعْلُومَةِ، وَالْجَائِفَةِ، فَلَا يُزَادُ جُرْحُ عَظْمٍ عَلَى دِيَتِهِ، مِثَالُهُ، جَرَحَ أُنْمُلَةً، فَبَلَغَ أَرْشُهَا بِالْحُكُومَةِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى دِيَةِ الْأُنْمُلَةِ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فِي جَوْفِهِ دُونَ الْجَائِفَة، لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْشِ الْجَائِفَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَجَبَ مَا أَخْرَجَتْهُ الْحُكُومَةُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُخْتَلِفٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَجَبَ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ أَكْثَرُ مِمَّا وَجَبَ فِي جَمِيعِهِ، وَوَجَبَ فِي مَنَافِعِ اللِّسَانِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاجِبِ فِيهِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا وَجَبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ عِوَضًا عَنْ الرُّوحِ، وَلَيْسَتْ الْأَطْرَافُ بَعْضَهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ يَخْتَصَّ امْتِنَاعُ الزِّيَادَةِ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ؛ لِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ، فَلَا يُجَاوَزُ بِهِ أَرْشُ الْمُوَقَّتِ.
فَصْلٌ: وَإِذَا أَخْرَجَتْ الْحُكُومَةُ فِي شِجَاجِ الرَّأْسِ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ قَدْرَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ أَنْ تَنْقُصَ عَنْهَا شَيْئًا، عَلَى حَسَبِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِئَلَّا يَجِبَ فِي بَعْضِهَا مَا يَجِبُ فِي جَمِيعِهَا.
وَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ مَا أَخْرَجَتْهُ الْحُكُومَةُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الزَّائِدُ عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ، أَوْ تَنْبِيهَ النَّصِّ، فَفِيمَا لَمْ يَزِدْ، يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالتَّنْبِيهِ، يَجُوزُ أَنْ يُسَاوِيَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ فِدْيَةِ الْأَذَى فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ، وَلَمْ تَلْزَمْ زِيَادَتُهَا فِي حَقِّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ فِي الْبَعْضِ مَا يَجِبُ فِي الْكُلِّ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ دِيَةِ الْأَصَابِعِ؛ مِثْلُ دِيَةِ الْيَدِ كُلِّهَا، وَفِي حَشَفَةِ الذَّكَرِ مِثْلُ مَا فِي جَمِيعِهِ.
فَإِنَّ هَذَا وَجَبَ بِالتَّقْدِيرِ الشَّرْعِيِّ، لَا بِالتَّقْوِيمِ.
قُلْنَا: إذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِنَصِّ الشَّارِعِ، لَمْ يَمْتَنِعْ ثُبُوتُ مِثْلِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَالِاجْتِهَادِ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ، فَالْحُكُومَةُ دَلِيلُ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهَا فِي الزَّائِدِ لِمَعْنًى مَفْقُودٍ فِي الْمُسَاوِي، فَيَجِبُ الْعَمَلُ فِيهِ بِهَا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ ثَمَّ، وَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْقُصَ أَدْنَى مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُسَاوَاةُ الْمَحْذُورَةُ، وَيَجِبُ الْبَاقِي، عَمَلًا بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ كَيْفِيَّة التَّقْوِيم فِي الْجُرُوح]

(7001) فَصْلٌ: وَلَا يَكُون التَّقْوِيمُ إلَّا بَعْدَ بُرْءِ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ الْمُقَدَّرَ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ بَعْدَ بُرْئِهِ، فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْهُ الْجِنَايَةُ شَيْئًا بَعْدَ الْبُرْءِ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ إصْبَعًا أَوْ يَدًا زَائِدَةً، أَوْ قَلَعَ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ، فَلَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ، بَلْ زَادَهُ حُسْنًا،

فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْحُكُومَةَ لِأَجْلِ جَبْرِ النَّقْصِ، وَلَا نَقْصَ هَاهُنَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَطَمَ وَجْهَهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ زَادَتْهُ الْجِنَايَةُ حُسْنًا، فَالْجَانِي مُحْسِنٌ بِجِنَايَتِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ قَطَعَ سِلْعَةً أَوْ ثُؤْلُولًا، وَبَطَّ خُرَّاجًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ.
قَالَ الْقَاضِي: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ مَضْمُونٍ، فَلَمْ يَعْرَ عَنْ ضَمَانٍ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مُقَدَّرَ الْأَرْشِ فَازْدَادَ بِهِ جَمَالًا، أَوْ لَمْ يَنْقُصْهُ شَيْئًا، فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ فِي هَذَا أَقْرَبُ الْأَحْوَالِ إلَى الْبُرْءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ بَعْدَ بُرْئِهِ، قُوِّمَ فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَالِ إلَيْهِ، كَوَلَدِ الْمَغْرُورِ، لَمَّا تَعَذَّرَ تَقْوِيمُهُ فِي الْبَطْنِ، قُوِّمَ عِنْدَ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَحْوَالِ الَّتِي أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ إلَى كَوْنِهِ فِي الْبَطْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ فِي تِلْكَ الْحَالِ، قُوِّمَ وَالدَّمُ جَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْصٍ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَتُقَوَّمُ لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ كَأَنَّهَا لِحْيَةُ رَجُلٍ فِي حَالٍ يَنْقُصُهُ ذَهَابُ لِحْيَتِهِ.
وَإِنْ أَتْلَفَ سِنًّا زَائِدَةً، قُوِّمَ وَلَيْسَ لَهُ سِنٌّ، وَلَا خَلْفَهَا أَصْلِيَّةٌ، ثُمَّ يُقَوَّمُ وَقَدْ ذَهَبَتْ الزَّائِدَةُ.
فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا قَدَّرْنَاهَا ابْنَ عِشْرِينَ نَقَصَهَا ذَهَابُ لِحْيَتِهَا يَسِيرًا، وَإِنْ قَدَّرْنَاهَا ابْنَ أَرْبَعِينَ نَقَصَهَا كَثِيرًا، قَدَّرْنَاهَا ابْنَ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَحْوَالِ إلَى حَالِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ تَقْوِيمَ الْجُرْحِ الَّذِي لَا يَنْقُصُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَإِنَّا نُقَوِّمُهُ فِي أَقْرَبِ أَحْوَالِ النَّقْصِ إلَى حَالِ الِانْدِمَالِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ هَذَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ، وَلَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ، وَتَضْمِينُ النَّقْصِ الْحَاصِلِ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ، إنَّمَا هُوَ تَضْمِينُ الْخَوْفِ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَالَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَطَمَهُ فَاصْفَرَّ لَوْنُهُ حَالَ اللَّطْمَةِ، أَوْ احْمَرَّ، ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ.
وَتَقْدِيرُ الْمَرْأَةِ رَجُلًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنٌ لِلرَّجُلِ، وَعَيْبٌ فِيهَا، وَتَقْدِيرُ مَا يَعِيبُ بِمَا يَزِينُ لَا يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ تَقْدِيرُ السِّنِّ فِي حَالَةِ إيرَادِ زَوَالِهَا، بِحَالَةٍ تُكْرَهُ، لَا يَجُوزُ؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ يُقَدَّرُ بِنَظِيرِهِ، وَيُقَاسُ عَلَى مِثْلِهِ، لَا عَلَى ضِدِّهِ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّمَا يُوجِبُ أَدْنَى مَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ، وَهُوَ أَقَلُّ نَقْصٍ يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ.

[فَصْلٌ لَطَمَهُ عَلَى وَجْهه فَلَمْ يُؤْثِرْ فِي وَجْهه]

(7002) فَصْلٌ: وَإِنْ لَطَمَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي وَجْهِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ جَمَالٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالٌ يَنْقُصُ فِيهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ شَتَمَهُ.
وَإِنْ سَوَّدَ وَجْهَهُ أَوْ خَضَّرَهُ، ضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ، فَضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَيْ الْأَصَمِّ، وَأَنْفَ الْأَخْشَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ، وَلَا هُوَ نَظِيرٌ لِمُقَدَّرٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ نَظِيرٌ لِقَطْعِ الْأُذُنَيْنِ فِي ذَهَابِ الْجَمَالِ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ أَوْلَى.
وَإِنْ زَالَ السَّوَادُ، يَرُدُّ مَا أَخَذَهُ؛ لِزَوَالِ سَبَبِ الضَّمَانِ.
وَإِنْ زَالَ بَعْضُهُ، وَجَبَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ، وَرَدَّ الْبَاقِيَ.
وَإِنْ صَفَّرَ وَجْهَهُ أَوْ حَمَّرَهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ لَمْ يَذْهَبْ عَلَى الْكَمَالِ، وَهَذَا يُشْبِهُ مَا لَوْ سَوَّدَ سِنَّهُ، أَوْ غَيَّرَ لَوْنَهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهَا.

[مَسْأَلَةٌ كَانَتْ الْجِنَايَة عَلَى الْعَبْدِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شَيْء مُوَقَّتٌ فِي الْحَرّ]

(7003) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ فِي الْحُرِّ، فَفِيهِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ الْتِئَامِ الْجُرْحِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَنَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ فِي الْحُرِّ، فَهُوَ مُوَقَّتٌ فِي الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَكَذَا الْأَمَةُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ يَجِبُ ضَمَانُهَا بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا وَجَبَ جَبْرًا لِمَا فَاتَ بِالْجِنَايَةِ، وَلَا يَنْجَبِرُ إلَّا بِإِيجَابِ مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ، فَيَجِبُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَسَائِرِ الْمَالِ، وَلَا يَجِبُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَدْ انْجَبَرَ، فَلَا يَجِبُ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فَوَّتَهُ الْجَانِي عَلَيْهِ.
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مُقَدَّرٌ شَرْعِيٌّ.
فَإِنْ كَانَ الْفَائِتُ بِالْجِنَايَةِ مُوَقَّتًا فِي الْحُرِّ، كَيَدِهِ، وَمُوضِحَتِهِ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّ فِيهِ أَيْضًا مَا نَقَصَهُ، بَالِغًا مَا بَلَغَ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ.
وَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ مَا نَقَصَ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، فِيمَا عَدَا مُوضِحَتَهُ، وَمُنَقِّلَتَهُ، وَهَاشِمَتَهُ، وَجَائِفَتَهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ الْأَمْوَالِ، فَيَجِبُ فِيهِ مَا نَقَصَ كَالْبَهَائِمِ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْقِيمَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، ضُمِنَ بَعْضُهُ بِمَا نَقَصَ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ضَمَانُ الْفَائِتِ بِمَا نَقَصَ، خَالَفْنَاهُ فِيمَا وُقِّتَ فِي الْحُرِّ، كَمَا خَالَفْنَاهُ فِي ضَمَانِ بَقِيَّتِهِ بِالدِّيَةِ الْمُؤَقَّتَةِ، فَفِي الْعَبْدِ يَبْقَى فِيهِمَا عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَا كَانَ مُوَقَّتًا فِي الْحُرِّ، فَهُوَ مُوَقَّتٌ فِي الْعَبْدِ؛ فَفِي يَدِهِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ شَفَتِهِ، نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي الْحُرِّ، كَالْأَنْفِ، وَاللِّسَانِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ، وَالْأُذُنَيْنِ، أَوْجَبَ قِيمَةَ الْعَبْدِ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ؛ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَا أُصِيبَ بِهِ الْعَبْدُ فَهُوَ عَلَى مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ قَوْلَ عَلِيٍّ لَمَا احْتَجَّ أَحْمَدُ فِيهِ إلَّا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيَّ قَالَا: مَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ مِنْ الْحُرِّ، يَتَخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ فِيهِ، بَيْنَ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَتَهُ، وَيَصِيرَ مِلْكًا لِلْجَانِي وَبَيْنَ أَنْ لَا يُضَمِّنَهُ شَيْئًا، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَرُوِيَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فِي مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ عَمْدًا، أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ، هُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ.
وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ يُضْمَنُ بِالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ، فَكَانَ فِي أَطْرَافِهِ مُقَدَّرٌ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّ أَطْرَافَهُ فِيهَا مُقَدَّرٌ مِنْ الْحُرِّ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ مِنْ الْعَبْدِ، كَالشِّجَاجِ الْأَرْبَعِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَمَا وَجَبَ فِي شِجَاجِهِ مُقَدَّرٌ، وَجَبَ فِي أَطْرَافِهِ مُقَدَّرٌ كَالْحُرِّ.
وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، قَوْلُ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ

هَذِهِ الْأَعْضَاءَ فِيهَا مُقَدَّرٌ، فَوَجَبَ ذَلِكَ فِيهَا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ، كَالْيَدِ الْوَاحِدَةِ، وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّ مَنْ ضُمِنَتْ يَدُهُ بِمُقَدَّرٍ، ضُمِنَتْ يَدَاهُ بِمِثْلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْلِكَهُ كَالْحُرِّ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ اجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ لِوَاحِدٍ.
لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ هَاهُنَا بَدَلُ الْعُضْوِ وَحْدَهُ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْجُمْلَةِ، لَكَانَ بَدَلُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ بَدَلًا عَنْ نِصْفِهِ، وَبَدَلُ تِسْعِ أَصَابِعَ بَدَلًا عَنْ تِسْعَةِ أَعْشَارِهِ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ.
وَالْأَمَةُ مِثْلُ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهَا تُشَبَّهُ بِالْحُرَّةِ، وَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ قِيمَتِهَا، احْتَمَلَ أَنَّ جِنَايَتَهَا تُرَدُّ إلَى النِّصْفِ، فَيَكُونُ فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ قِيمَتِهَا، وَفِي أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ خُمْسُهَا، كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الرَّجُلَ فِي الْجِرَاحِ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ، رُدَّتْ إلَى النِّصْفِ، وَالْأَمَةُ امْرَأَةٌ، فَيَكُونُ أَرْشُهَا مِنْ قِيمَتِهَا كَأَرْشِ الْحُرَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَدَّ إلَى النِّصْفِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْحُرَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِكَوْنِ الْأَصْلِ زِيَادَةُ الْأَرْشِ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ نَقْصُهَا وَضَرَرُهَا، زَادَ فِي ضَمَانِهَا، فَإِذَا خُولِفَ هَذَا فِي الْحُرَّةِ، بَقِينَا فِي الْأَمَةِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ.
(7004) فَصْلٌ: وَإِذَا جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ دُونَ الْمُوضِحَةِ، فَنَقَصَتْهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِهَا، وَجَبَ مَا نَقَصَتْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ إلَى نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ، كَالْحُرِّ إذَا زَادَ أَرْشُ شَجَّتِهِ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ عَلَى نِصْفِ عُشْرِ دِيَتِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ لَا مُوَقَّتَ فِيهَا، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مَا نَقَصَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ رَأْسِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ مَا نَقَصَ، خُولِفَ فِي الْمُقَدَّرِ، فَفِي هَذَا يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَقْتُول خُنْثَى مُشْكِلًا]

(7005) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ خُنْثَى مُشْكِلًا، فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ، وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى) وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ دِيَةُ أُنْثَى؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، فَلَا يَجِبُ الزَّائِدَةُ بِالشَّكِّ.
وَلَنَا: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الذُّكُورِيَّةَ وَالْأُنُوثِيَّةَ احْتِمَالًا وَاحِدًا، وَقَدْ يَئِسْنَا مِنْ انْكِشَافِ حَالِهِ، فَيَجِبُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بِكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ.
(7006) فَصْلٌ: فَأَمَّا جِرَاحُهُ، فَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فَفِيهِ دِيَةُ جُرْحِ الذَّكَرِ؛ لِاسْتِوَاءِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَةِ يَدِ الذَّكَرِ، سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَنِصْفٌ، وَيُقَادُ بِهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْقَوَدِ، وَيُقَادُ هُوَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ نِصْفه حُرّ وَنِصْفِهِ عَبْد]

(7007) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ نِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ عَبْدٌ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَى الْجَانِي إنْ كَانَ عَمْدًا نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ، وَهَكَذَا فِي جِرَاحِهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً، فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ)

يَعْنِي لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ إذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ، كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ رَقِيقًا.
وَإِنْ كَانَ قَاتِلُهُ عَبْدًا، قُتِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْجَانِي.
وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْقَاتِلِ حُرًّا، وَجَبَ الْقَوَدُ؛ لِتَسَاوِيهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْقَاتِلِ أَكْثَرَ، لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ؛ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاتِلُ عَبْدًا فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ، وَنِصْفُ قِيمَتِهِ، إذَا كَانَ عَمْدًا؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَفِي مَالِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا دِيَةُ حُرٍّ فِي الْخَطَإِ، وَالْعَاقِلَةُ تَحْمِلُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي جِرَاحِهِ إذَا كَانَ قَدْرُ الدِّيَةِ مِنْ أَرْشِهَا يَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَهُ أَوْ يَدَيْهِ.
وَإِنْ قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ، فَعَقْلُ جَمِيعِهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ دِيَةِ الْيَدِ، وَهُوَ رُبْعُ دِيَتِهِ؛ لِأَجْلِ حُرِّيَّةِ نِصْفِهِ، وَذَلِكَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَعَلَيْهِ رُبْعُ قِيمَتِهِ.

[فَصْلٌ دِيَة الْأَعْضَاء]

(7008) فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْأَعْضَاءِ كَدِيَةِ النَّفْسِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ، لَمْ يَخْتَلِفْ بِعَمْدٍ وَلَا خَطَإٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِبِلِ، وَجَبَ فِي الْعَمْدِ أَرْبَاعًا، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَجِبُ خَمْسٌ وَعَشْرٌ مِنْهَا حِقَاقٌ، وَخَمْسٌ وَعَشْرٌ جِذَاعٌ، وَخُمْسَاهَا خَلِفَاتٌ، وَفِي الْخَطَإِ يَجِبُ أَخْمَاسًا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، مِثْلُ أَنْ يُوضِحَهُ عَمْدًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْبَعَةً أَرْبَاعًا، وَالْخَامِسُ مِنْ أَحَدِ الْأَجْنَاسِ الْأَرْبَعَةِ، قِيمَتُهُ رُبْعُ قِيمَةِ الْأَرْبَعِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَجَبَ خَلِفَتَانِ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ، وَبَعِيرٌ قِيمَتُهُ نِصْفُ قِيمَةِ حِقَّةٍ وَنِصْفُ قِيمَةِ جَذَعَةٍ.
وَإِنْ كَانَ خَطَأً، وَجَبَ الْخُمْسُ مِنْ الْأَجْنَاسِ الْخَمْسَةِ.
مِنْ كُلِّ جِنْسٍ بَعِيرٌ.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ، وَقُلْنَا: يَجِبُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ، وَجَبَ بَعِيرٌ وَثُلُثٌ مِنْ الْخَلِفَاتِ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: أَرْبَاعًا، وَجَبَ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ، قِيمَتُهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ وَثُلُثِهَا.
وَإِنْ كَانَ خَطَأً، فَقِيمَتُهَا ثُلُثَا قِيمَةِ الْخَمْسِ.
وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا، قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، أَوْ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ.
وَلَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ أَسْنَانِهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، مِثْلُ أَنْ كَانَتْ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ تُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِمْ، أَنَّهُ إذَا جَاءَ بِمَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، لَزِمَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَاءَهُ بِالدَّنَانِيرِ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا، فَيَلْزَمُهُ قَبُولُ مَا يُسَاوِيهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَاب الْقَسَامَة]

ِ الْقَسَامَةُ: مَصْدَرُ أَقْسَمَ قَسَمًا وَقَسَامَةً.
وَمَعْنَاهُ حَلَفَ حَلِفًا.
وَالْمُرَادُ بِالْقَسَامَةِ هَاهُنَا الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ.
قَالَ الْقَاضِي: هِيَ الْأَيْمَانُ إذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ.
قَالَ: وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ؛ سُمُّوا بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ زُورٌ وَعَدْلٌ وَرِضًى.
وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ، فَهُوَ مِنْ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ الْحَلِفُ.
وَالْأَصْلُ فِي الْقَسَامَةِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ،

وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، «أَنَّ مُحَيِّصَةُ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخِيلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَبِّرْ كَبِّرْ.
أَوْ قَالَ: لِيَبْدَأ الْأَكْبَرُ.
فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ فَقَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ.
قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِهِ.
قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْت مِرْبَدًا لَهُمْ، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[مَسْأَلَةٌ وَجَدَ قَتِيل فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى قَوْم لَا عَدَاوَة بَيْنَهُمْ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ]

(7009) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى قَوْمٍ لَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُمْ بِيَمِينٍ، وَلَا غَيْرِهَا) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (7010) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى رَجُلٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، وَلَا لَوْثٌ، فَهِيَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، إنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُمْ بِهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إذَا ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ، أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْمَوْضِعِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ.
فَإِنْ

نَقَصُوا عَلَى الْخَمْسِينَ، كُرِّرَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَتِمَّ، فَإِذَا حَلَفُوا، وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى بَاقِي الْخِطَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، وَجَبَتْ عَلَى سُكَّانِ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا، حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا؛ لِمَا رُوِيَ، أَنَّ رَجُلًا وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ حَيَّيْنِ، فَحَلَّفَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَقْرَبِهِمَا.
يَعْنِي أَقْرَبَ الْحَيَّيْنِ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا وَقَتْ أَيْمَانُنَا أَمْوَالَنَا، وَلَا أَمْوَالُنَا أَيْمَانَنَا، فَقَالَ عُمَرُ: حَقَنْتُمْ بِأَمْوَالِكُمْ دِمَاءَكُمْ.
وَلَنَا، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَقَوْلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ وَالْغُرْمُ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِنْ قَوْلِ عُمَرَ، وَأَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ، ثُمَّ قِصَّةُ عُمَرَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ اعْتَرَفُوا بِالْقَتْلِ خَطَأً، وَأَنْكَرُوا الْعَمْدَ، فَأُحْلِفُوا عَلَى الْعَمْدِ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِخَبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ، وَقَدْ صَارُوا هَاهُنَا إلَى ظَاهِرِ قَوْلِ عُمَرَ الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ، وَهُوَ إيجَابُ الْأَيْمَانِ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلْزَامُهُمْ الْغُرْمَ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ تَحْلِيفِهِمْ وَتَغْرِيمِهِمْ وَحَبْسِهِمْ عَلَى الْأَيْمَانِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: سَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ بِخَيْبَرَ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ السُّنَنِ.

[فَصْلٌ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْر الْمُعِين]

(7011) فَصْلٌ: وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، فَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ أَوْ مُحَلَّةٍ، أَوْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ، لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تُسْمَعُ، وَيُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ ادَّعَوْا الْقَتْلَ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، وَلَمْ يُعَيِّنُوا الْقَاتِلَ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْوَاهُمْ.
وَلَنَا، أَنَّهَا دَعْوَى فِي حَقٍّ، فَلَمْ تُسْمَعْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
فَأَمَّا الْخَبَرُ، فَإِنَّ دَعْوَى الْأَنْصَارِ الَّتِي سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى الَّتِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَإِنَّ تِلْكَ مِنْ شَرْطِهَا حُضُورُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، أَوْ تَعَذُّرُ حُضُورِهِ عِنْدَنَا، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الدَّعْوَى

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل