الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْقَاضِي: مَا ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ لِعِيدِهِ أَوْ نَجْمٍ أَوْ صَنَمٍ أَوْ نَبِيٍّ، فَسَمَّاهُ عَلَى ذَبِيحَتِهِ، حَرُمَ؛ ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] . وَإِنْ سَمَّى اللَّهَ وَحْدَهُ، حَلَّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118] . لَكِنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِقَصْدِهِ بِقَلْبِهِ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُؤْكَلُ مَا قُتِلَ بِالْبُنْدُقِ أَوْ الْحَجَرِ]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ مَا قُتِلَ بِالْبُنْدُقِ أَوْ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوذٌ) يَعْنِي الْحَجَرَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، فَأَمَّا الْمُحَدَّدُ كَالصَّوَّانِ، فَهُوَ كَالْمِعْرَاضِ، إنْ قُتِلَ بِحَدِّهِ أُبِيحَ، وَإِنْ قُتِلَ بِعَرْضِهِ أَوْ ثِقَلِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ لَا يُبَاحُ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقِ: تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ.
وَكَرِهَ ذَلِكَ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَرَخَّصَ فِيمَا قُتِلَ بِهَا ابْنُ الْمُسَيِّبِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَمَّارٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3]
وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقَةِ إلَّا مَا ذَكَّيْت» . وَقَالَ فِي الْمِعْرَاضِ: «إذَا أُصِيبَ بِعَرْضِهِ، فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» . وَقَالَ عُمَرُ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَحْذِفَ الْأَرْنَبَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلْيُذَكِّ لَكُمْ الْأَسَلُ؛ الرِّمَاحُ وَالنَّبْلُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَسَوَاءٌ شَدَخَهُ أَوْ لَمْ يَشْدَخْهُ، حَتَّى لَوْ رَمَاهُ بِبُنْدُقَةٍ فَقَطَعَتْ حُلْقُومَ طَائِرٍ وَمَرِيئَهُ، أَوْ أَطَارَتْ رَأْسَهُ، لَمْ يَحِلَّ.
وَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِحَجَرٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَذَبِيحَتُهُ]
(7752) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَذَبِيحَتُهُ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ حُوتٍ فَإِنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ وَذَبِيحَتِهِ، إلَّا مَا لَا ذَكَاةَ لَهُ، كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى إبَاحَتِهِ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا، وَاللَّيْثَ، وَأَبَا ثَوْرٍ، شَذُّوا عَنْ الْجَمَاعَةِ، وَأَفْرَطُوا؛ فَأَمَّا مَالِكٌ وَاللَّيْثُ فَقَالَا: لَا نَرَى أَنْ يُؤْكَلَ الْجَرَادُ إذَا صَادَهُ الْمَجُوسِيُّ.
وَرَخَّصَا فِي السَّمَكِ وَأَبُو ثَوْرٍ أَبَاحَ صَيْدَهُ وَذَبِيحَتَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . وَلِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، فَيُبَاحُ صَيْدُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَهَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: خَرَقَ أَبُو ثَوْرٍ الْإِجْمَاعَ.
قَالَ أَحْمَدُ: هَاهُنَا قَوْمٌ لَا يَرَوْنَ بِذَبَائِحِ الْمَجُوسِ بَأْسًا، مَا أَعْجَبَ هَذَا يُعَرِّضُ
بِأَبِي ثَوْرٍ.
وَمِمَّنْ رُوِيَتْ عَنْهُ كَرَاهِيَةُ ذَبَائِحِهِمْ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو بُرْدَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِخِلَافِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] فَمَفْهُومُهُ تَحْرِيمُ طَعَامِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، فَلَمْ تَحِلَّ ذَبَائِحُهُمْ كَأَهْلِ الْأَوْثَانِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّكُمْ نَزَلْتُمْ بِفَارِسَ مِنْ النَّبَطِ، فَإِذَا اشْتَرَيْتُمْ لَحْمًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا، وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيحَةَ مَجُوسِيٍّ فَلَا تَأْكُلُوا» . وَلِأَنَّ كُفْرَهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ أَهْلِ كِتَابٍ، يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، بِدَلِيلِ، سَائِرِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْكِتَابِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِدِمَائِهِمْ، فَلَمَّا غُلِّبَتْ فِي التَّحْرِيمِ لِدِمَائِهِمْ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ عَدَمُ الْكِتَابِ فِي تَحْرِيمِ الذَّبَائِحِ وَالنِّسَاءِ، احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ، فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، وَلَا فِي مَنْ بَعْدَهُمْ، إلَّا رِوَايَةً عَنْ سَعِيدٍ، رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهَا.
وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ مَا صَادُوهُ مِنْ الْحِيتَانِ.
حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت سَبْعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَأْكُلُونَ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ مَنْ لَا يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَالْجَرَادُ كَالْحِيتَانِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ، وَلِأَنَّهُ تُبَاحُ مَيْتَتُهُ، فَلَمْ يَحْرُمْ بِصَيْدِ الْمَجُوسِيِّ، كَالْحُوتِ.
(7753) فَصْلٌ: وَحُكْمُ سَائِرِ الْكُفَّارِ، مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالزَّنَادِقَةِ وَغَيْرِهِمْ، حُكْمُ الْمَجُوسِيِّ، فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَصَيْدِهِمْ، إلَّا الْحِيتَانَ وَالْجَرَادَ وَسَائِرَ مَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ، فَإِنَّ مَا صَادُوهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ بِذَلِكَ عَنْ مَوْتِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ؛ السَّمَكُ، وَالْجَرَادُ» . وَقَالَ فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ.» (7754) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: وَطَعَامُ الْمَجُوسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ أَنْ يُؤْكَلَ، وَإِذَا أُهْدِيَ إلَيْهِ أَنْ يُقْبَلَ، إنَّمَا تُكْرَهُ ذَبَائِحُهُمْ،
أَوْ شَيْءٌ فِيهِ دَسَمٌ.
يَعْنِي مِنْ اللَّحْمِ.
وَلَمْ يَرَ بِالسَّمْنِ وَالْخُبْزِ بَأْسًا.
وَسُئِلَ عَمَّا يَصْنَعُ الْمَجُوسُ لِأَمْوَاتِهِمْ، وَيُزَمْزِمُونَ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا عَشْرًا، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ ذَلِكَ فِي الْجِيرَانِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: كُلْ مَعَ الْمَجُوسِيِّ وَإِنْ زَمْزَمَ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَوَامِيخِ الْمَجُوسِ، وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ.
وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِطَعَامِ الْمَجُوسِ فِي الْمِصْرِ، وَلَا بِشَوَارِيزِهِمْ، وَلَا بِكَوَامِيخِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ مَا مَاتَ مِنْ الْحِيتَان فِي الْمَاءِ]
(7755) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَاتَ مِنْ الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ وَإِنْ طَفَا) قَوْلُهُ طَفَا: يَعْنِي ارْتَفَعَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السَّمَكَ وَغَيْرَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَاءِ الَّتِي لَا تَعِيشُ إلَّا فِيهِ، إذَا مَاتَتْ فَهِيَ حَلَالٌ، سَوَاءٌ مَاتَتْ بِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِ سَبَبٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ.
وَأَمَّا مَا مَاتَ بِسَبَبٍ، مِثْلُ أَنْ صَادَهُ إنْسَانٌ، أَوْ نَبَذَهُ الْبَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى إبَاحَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا حُبِسَ فِي الْمَاءِ بِحَظِيرَةٍ حَتَّى يَمُوتَ، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي حِلِّهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الطَّافِي يُؤْكَلُ، وَمَا جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ أَجْوَدُ، وَالسَّمَكُ الَّذِي نَبَذَهُ الْبَحْرُ لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّافِي، وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وَمِمَّنْ أَبَاحَ الطَّافِيَ مِنْ السَّمَكِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو أَيُّوبَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَمِمَّنْ أَبَاحَ مَا وُجِدَ مِنْ الْحِيتَانِ عَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ.
وَكَرِهَ الطَّافِيَ جَابِرٌ، وَطَاوُسٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَلْقَى الْبَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا، فَلَا تَأْكُلُوهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَا مَاتَ فِيهِ.
وَأَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الطَّافِي حَلَالٌ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ أُبِيحَ، فَإِذَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ أُبِيحَ، كَالْجَرَادِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الثِّقَاتُ فَأَوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ، وَقَدْ أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ.
وَإِنْ صَحَّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى نَهْيِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ رَسَبَ فِي أَسْفَلِهِ، فَإِذَا أَنْتَنَ طَفَا، فَكَرِهَهُ لِنَتْنِهِ، لَا لِتَحْرِيمِهِ.
[فَصْلٌ يُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ]
(7756) فَصْلٌ: يُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد.
. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ الْبَرْدُ، لَمْ يُؤْكَلْ.
وَعَنْهُ، لَا يُؤْكَلْ إذَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَيَرْوِي أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» فَالْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ ". وَلَمْ يُفَصِّلْ.
وَلِأَنَّهُ تُبَاحُ مَيْتَتُهُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ سَبَبٌ، كَالسَّمَكِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ افْتَقَرَ إلَى سَبَبٍ، لَافْتَقَرَ إلَى ذَبْحٍ وَذَابِحٍ وَآلَةٍ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
(7757) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِمَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ السَّمَكُ، يَجُوزُ أَنْ يُقْلَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهُ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي السَّمَكِ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ رَجْعِيَّهُ نَجِسٌ.
وَلَنَا، عُمُومُ النَّصِّ فِي إبَاحَتِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَإِنْ بَلَعَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْهُ حَيًّا كُرِهَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُ.
[فَصْلٌ حُكْم السَّمَكِ الْمُلْقَى فِي النَّارِ؟]
(7758) فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ السَّمَكِ يُلْقَى فِي النَّارِ؟ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي.
وَالْجَرَادُ أَسْهَلُ، فَإِنَّ هَذَا لَهُ دَمٌ.
وَلَمْ يَكْرَهْ أَكْلَ السَّمَكِ إذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، إنَّمَا كَرِهَ تَعْذِيبَهُ بِالنَّارِ.
وَأَمَّا الْجَرَادُ فَسَهَّلَ فِي إلْقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّمَكَ لَا حَاجَةَ إلَى إلْقَائِهِ فِي النَّارِ، لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ حَتَّى يَمُوتَ بِسُرْعَةٍ، وَالْجَرَادُ لَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ، بَلْ يَبْقَى مُدَّةً طَوِيلَةً.
وَفِي " مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ " أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا، فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَنَسِيَ، وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ، فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ، وَشَوَاهُمَا، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهُمَا فِي النَّارِ.
وَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ الْجَرَادُ يُقْلَى لَهُ.
فَقَالَ: إنَّمَا يُؤْخَذُ الْجَرَادُ فَتُقْطَعُ أَجْنِحَتُهُ، ثُمَّ يُلْقَى فِي الزَّيْتِ وَهُوَ حَيٌّ.
[مَسْأَلَةٌ ذَكَاة الْمَقْدُور عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ]
(7759) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَذَكَاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ، فَأَمَّا الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَتَفْتَقِرُ الذَّكَاةُ إلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛ ذَابِحٍ، وَآلَةٍ، وَمَحَلٍّ، وَفِعْلٍ، وَذِكْرٍ.
أَمَّا الذَّابِحُ فَيُعْتَبَرُ لَهُ شَرْطَانِ؛ دِينُهُ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، وَعَقْلُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَا عَقْلٍ يَعْرِفُ الذَّبْحَ لِيَقْصِدَ، فَإِنْ
كَانَ لَا يَعْقِلُ، كَالطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّكْرَانِ، لَمْ يَحِلَّ مَا ذَبَحَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ.
وَأَمَّا الْآلَةُ، فَلَهَا شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ مُحَدَّدَةً، تَقْطَعُ أَوْ تَخْرِقُ بِحَدِّهَا، لَا بِثِقَلِهَا.
وَالثَّانِي، أَنْ لَا تَكُونَ سِنًّا وَلَا ظُفْرًا.
فَإِذَا اجْتَمَعَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فِي شَيْءٍ، حَلَّ الذَّبْحُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حَدِيدًا، أَوْ حَجَرًا، أَوْ بَلْطَةً، أَوْ خَشَبًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت إنْ أَحَدُنَا أَصَابَ صَيْدًا، وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ، أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشَقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: اُمْرُرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» . وَالْمَرْوَةُ: الصَّوَّانُ.
وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، «أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً، فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ، فَأَخَذَ وَتَدًا، فَوَجَأَهَا بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهَا، ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا فِي السِّنِّ وَالظُّفْرِ، قَالَ: إذَا كَانَا مُتَّصِلَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الذَّبْحُ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ، جَازَ.
وَلَنَا، عُمُومُ حَدِيثِ رَافِعٍ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ تَجُزْ الذَّكَاةُ بِهِ مُتَّصِلًا، لَمْ تَجُزْ مُنْفَصِلًا، كَغَيْرِ الْمُحَدَّدِ.
وَأَمَّا الْعَظْمُ غَيْرُ السِّنِّ، فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُذَكَّى بِعَظْمِ الْحِمَارِ، وَلَا يُذَكَّى بِعَظْمِ الْقِرْدِ؛ لِأَنَّك تُصَلِّي عَلَى الْحِمَارِ وَتَسْقِيه فِي جَفْنَتِك.
وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يُذَكَّى بِعَظْمِ وَلَا ظُفْرٍ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَا يُذَكَّى بِالْعَظْمِ وَالْقَرْنِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» . فَعَلَّلَهُ بِكَوْنِهِ عَظْمًا، فَكُلُّ عَظْمٍ فَقَدْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْعَظْمَ دَخَلَ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ الْمُبِيحِ، ثُمَّ اُسْتُثْنِيَ السِّنُّ وَالظُّفْرُ خَاصَّةً، فَيَبْقَى سَائِرُ الْعِظَامِ دَاخِلًا فِيمَا يُبَاحُ الذَّبْحُ بِهِ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَلِهَذَا عَلَّلَ الظُّفْرَ بِكَوْنِهِ مِنْ مُدَى الْحَبَشَةِ، وَلَا يَحْرُمُ
الذَّبْحُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَتْ مُدْيَةً لَهُمْ، وَلِأَنَّ الْعِظَامَ يَتَنَاوَلُهَا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الْعَامَّةِ، وَيَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْآلَاتِ.
وَأَمَّا الْمَحِلُّ فَالْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ.
وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحِلِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» .
قَالَ أَحْمَدُ: الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ.
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ، وَهُوَ مَا رَوَى سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ الْفُرَافِصَةِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَنَادَى أَنَّ النَّحْرَ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ.
وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ الذَّكَاةَ اخْتَصَّتْ بِهَذَا الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ، فَتَنْفَسِخُ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ، وَيُسْرِعُ زُهُوقَ النَّفْسِ، فَيَكُونُ أَطْيَبَ لِلَّحْمِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ كَانَ حَدِيثُ أَبِي الْعُشَرَاءِ حَدِيثًا.
يَعْنِي مَا رَوَى أَبُو الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ سُئِلَ: أَمَّا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذِهَا، لَأَجْزَأَ عَنْك» . قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو الْعُشَرَاءِ هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ.
وَأَمَّا الذِّكْرُ فَالتَّسْمِيَةُ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهَا.
وَأَمَّا الْفِعْلُ فَيُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ هَذَا قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ» . وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَتَقْطَعُ الْجِلْدَ وَلَا تَفْرِي الْأَوْدَاجَ، ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ.
رَوَاهُ.
أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَكْمَلَ قَطْعُ الْأَرْبَعَةِ؛ الْحُلْقُومِ، وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ، فَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوَدَجَانِ، وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِخُرُوجِ رُوحِ الْحَيَوَانِ، فَيَخِفُّ عَلَيْهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، فَيَكُونُ أَوْلَى.
وَالْأَوَّلُ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ فِي مَحِلِّ الذَّبْحِ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الْأَرْبَعَةَ.
[مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَر الْبَعِير وَيُذْبَحَ مَا سِوَاهُ]
(7760) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْحَرَ، الْبَعِيرُ، وَيُذْبَحَ مَا سِوَاهُ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ نَحْرُ الْإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] . قَالَ مُجَاهِدٌ: أُمِرْنَا بِالنَّحْرِ، وَأُمِرَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِالذَّبْحِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ فِي قَوْمٍ مَاشِيَتُهُمْ الْإِبِلُ، فَسُنَّ النَّحْرُ، وَكَانَتْ
بَنُو إسْرَائِيلَ مَاشِيَتُهُمْ الْبَقَرُ، فَأُمِرُوا بِالذَّبْحِ.
«وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ بَدَنَةً، وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى النَّحْرِ، أَنْ يَضْرِبَهَا بِحَرْبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ عُنُقِهَا وَصَدْرِهَا.
(7761) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ الذَّبْحُ بِسِكِّينٍ حَادٍّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: «خَصْلَتَانِ سَمِعْتُهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» .
وَيُكْرَه أَنْ يَسُنَّ السِّكِّينَ وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ.
وَرَأَى عُمَرُ رَجُلًا قَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى شَاةٍ، وَهُوَ يَحُدُّ السِّكِّينَ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أَفْلَتَ الشَّاةَ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً وَالْأُخْرَى تَنْظُرُ إلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ.
وَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ أَكْلَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
وَقَالَ سَائِرُهُمْ: لَيْسَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَذْبَحُونَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ.
[فَصْلٌ لَا تُؤْكَل الْمَصْبُورَةُ وَلَا الْمُجَثَّمَةُ]
(7762) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا تُؤْكَلُ الْمَصْبُورَةُ، وَلَا الْمُجَثَّمَةُ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَالْمُجَثَّمَةُ: هِيَ الطَّائِرُ أَوْ الْأَرْنَبُ يُجْعَلُ غَرَضًا، ثُمَّ يُرْمَى حَتَّى يُقْتَلَ.
وَالْمَصْبُورَةُ مِثْلُهُ، إلَّا أَنَّ الْمُجَثَّمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الطَّائِرِ وَالْأَرْنَبِ وَأَشْبَاهِهَا، وَالْمَصْبُورَةُ كُلُّ حَيَوَانٍ.
وَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ.
وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ، وَقَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا.
» وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ مُجَثَّمَةٍ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُجَثَّمَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا، وَنَهَى عَنْ الْمَصْبُورَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا» وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ، كَالْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ.
[مَسْأَلَةٌ مَا حُكْم ذبح مَا يُنْحَرُ أَوْ نحر مَا يُذْبَحُ]
(7763) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ ذَبَحَ مَا يُنْحَرُ، أَوْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ فَجَائِزٌ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّ الْإِبِلَ لَا تُبَاحُ إلَّا بِالنَّحْرِ، وَلَا يُبَاحُ غَيْرُهَا إلَّا بِالذَّبْحِ؛
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] . وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ الْبُدْنَ، وَذَبَحَ الْغَنَمَ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ مِنْ جِهَتِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْإِبِلِ إلَّا النَّحْرُ؛ لِأَنَّ أَعْنَاقَهَا طَوِيلَةٌ، فَإِذَا ذُبِحَ تَعَذَّبَ بِخُرُوجِ رُوحِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إنَّمَا كَرِهَهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُمْرُرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت» . وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً» . وَلِأَنَّهُ ذَكَاةٌ فِي مَحِلِّ الذَّكَاةِ، فَجَازَ أَكْلُهُ، كَالْحَيَوَانِ الْآخَرِ.
[مَسْأَلَةٌ ذَبَحَ فَأَتَى عَلَى الْمَقَاتِل فَلَمْ تَخْرُج الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ]
(7764) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا ذَبَحَ فَأَتَى عَلَى الْمَقَاتِلَ، فَلَمْ تَخْرُجْ الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، لَمْ تُؤْكَلْ) . يَعْنِي إذَا وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ يَقْتُلُهَا مِثْلُهُ غَالِبًا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَحْرُمُ بِهَذَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهَا إذَا ذُبِحَتْ فَقَدْ صَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُبِينَ رَأْسُهَا بَعْدَ الذَّبْحِ، لَمْ تَحْرُمْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَلَوْ ذُبِحَ إنْسَانٌ ثُمَّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَهُ أَوْ غَرَّقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ» . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ رَمَى طَائِرًا فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ فِيهِ، فَلَا تَأْكُلْهُ.
وَلِأَنَّ الْغَرَقَ سَبَبٌ يَقْتُلُ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الذَّبْحِ، فَقَدْ اجْتَمَعَ مَا يُبِيحُ وَيُحَرِّمُ، فَيُغَلَّبُ الْحَظْرُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُعِينَ عَلَى خُرُوجِ الرُّوحِ، فَتَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ بِفِعْلَيْنِ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رَمَاهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فَمَاتَ.
[مَسْأَلَةٌ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا وَهُوَ مُخْطِئٌ فَأَتَتْ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ]
(7765) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا، وَهُوَ مُخْطِئٌ، فَأَتَتْ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا، وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ، أُكِلَتْ) قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى الْخَطَأِ أَنْ تَلْتَوِيَ الذَّبِيحَةُ عَلَيْهِ، فَتَأْتِيَ السِّكِّينُ عَلَى الْقَفَا؛ لِأَنَّهَا مَعَ الْتِوَائِهَا مَعْجُوزٌ عَنْ ذَبْحِهَا، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَحَلِّ، كَالْمُتَرَدِّيَةِ فِي بِئْرٍ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْتِوَائِهَا، فَلَا تُبَاحُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ فِي الْقَفَا سَبَبٌ لِلزَّهُوقِ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الذَّبْحِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الذَّبْحِ، مُنِعَ حِلُّهُ، كَمَا لَوْ بَقَرَ بَطْنَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ
عَنْ أَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْفَضْلَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَنْ ذَبَحَ فِي الْقَفَا؟ قَالَ: عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ؟ قُلْت: عَامِدًا.
قَالَ: لَا تُؤْكَلُ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَ عَامِدٍ، كَأَنْ الْتَوَى عَلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ.
(7766) فَصْلٌ: فَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا اخْتِيَارًا، فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ.
وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: تُسَمَّى هَذِهِ الذَّبِيحَةُ الْقَفِينَةُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ بَقِيَتْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ حَلَّتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ إذَا أَتَى عَلَى مَا فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، أَحَلَّهُ، كَأَكِيلَةِ السَّبُعِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ.
وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَهَا بِالسَّيْفِ فَأَطَارَ رَأْسَهَا، حَلَّتْ بِذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأْسَ بَطَّةٍ أَوْ شَاةٍ بِالسَّيْفِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الذَّبِيحَةَ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ قَالَ: تِلْكَ ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ.
وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا قَوْلَانِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ مَعَ الذَّبْحِ، فَأُبِيحَ، كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ.
(7767) فَصْلٌ: فَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا، فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ كَانَتْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ أَوْ لَا؟ نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاءَ ذَلِكَ، لِحِدَّةِ الْآلَةِ، وَسُرْعَةِ الْقَتْلِ، فَالْأَوْلَى إبَاحَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا قُطِعَتْ عُنُقَهُ بِضَرْبَةِ السَّيْفِ، وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ كَالَّةً، وَأَبْطَأَ قَطْعُهُ، وَطَالَ تَعْذِيبُهُ، لَمْ يُبَحْ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي وُجُودِ مَا يُحِلُّهُ، فَيَحْرُمُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ، فَوَجَدَ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لَا يَعْرِفُهُ.
[مَسْأَلَةٌ ذَكَاتُهَا ذَكَاةُ جَنِينِهَا أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ]
(7768) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَذَكَاتُهَا ذَكَاةُ جَنِينِهَا، أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ) يَعْنِي إذَا خَرَجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ ذَبْحِهَا، أَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا فِي بَطْنِهَا، أَوْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَهُوَ حَلَالٌ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ إذَا أَشْعَرَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ
أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: إذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ، فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ.
وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذَكَّى؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَنْفَرِدُ بِحَيَاتِهِ، فَلَا يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ غَيْرِهِ، كَمَا بَعْدَ الْوَضْعِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كَانَ النَّاسُ عَلَى إبَاحَتِهِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَالَفَ مَا قَالُوا، إلَى أَنْ جَاءَ النُّعْمَانُ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ ذَكَاةَ نَفْسٍ لَا تَكُونُ ذَكَاةَ نَفْسَيْنِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَحَدَنَا يَنْحَرُ النَّاقَةَ، وَيَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ، فَيَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ، أَنَأْكُلُهُ أَمْ نُلْقِيه؟ قَالَ «كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . وَعَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ، وَلِأَنَّ الْجَنِينَ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ خِلْقَةٍ، يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا، فَتَكُونُ ذَكَاتُهُ ذَكَاتَهَا، كَأَعْضَائِهَا، وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَيَوَانِ تَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ فِيهِ وَالْقُدْرَةِ، بِدَلِيلِ الصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ وَالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالْجَنِينُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَبْحِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَبْحِ أُمِّهِ، فَيَكُونُ ذَكَاةً لَهُ.
(7769) فَصْلٌ: وَاسْتَحَبَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَذْبَحَهُ وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا؛ لِيَخْرُجَ الدَّمُ الَّذِي فِي جَوْفِهِ، وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُرِيقُوا مِنْ دَمِهِ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا.
(7770) فَصْلٌ: فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، يُمْكِنُ أَنْ يُذَكَّى، فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ، فَلَيْسَ بِذَكِيٍّ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ خَرَجَ حَيًّا، فَلَا بُدَّ مِنْ ذَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ أُخْرَى.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُقْطَعُ عُضْوٌ مِمَّا ذكي حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ]
(7771) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُقْطَعُ عُضْوٌ مِمَّا ذُكِّيَ حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ) كَرِهَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ حَتَّى تُزْهَقَ.
فَإِنْ قُطِعَ عُضْوٌ قَبْلَ زُهُوقَ النَّفْسِ وَبَعْدَ الذَّبْحِ، فَالظَّاهِرُ إبَاحَتُهُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ذَبَحَ دَجَاجَةً، فَأَبَانَ رَأْسَهَا؟ قَالَ: يَأْكُلُهَا.
قِيلَ لَهُ: وَاَلَّذِي بَانَ مِنْهَا أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا قَطَعَ الرَّأْسَ.
فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَطْعَ ذَلِكَ الْعُضْوِ بَعْدَ حُصُولِ الذَّكَاةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
(7772) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ سَلْخُ الْحَيَوَانِ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ، فَهُوَ كَقَطْعِ الْعُضْوِ.
وَيُكْرَهُ النَّفْخُ فِي اللَّحْمِ الَّذِي يُرِيدُهُ لِلْبَيْعِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ.
(7773) فَصْلٌ: وَإِنْ قُطِعَ مِنْ الْحَيَوَانِ شَيْءٌ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَهُوَ مَيْتَةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو وَاقِدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ، وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهُوَ مَيْتَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ إبَاحَتَهُ إنَّمَا تَكُونُ بِالذَّبْحِ، وَلَيْسَ هَذَا بِذَبْحٍ.
[مَسْأَلَةٌ ذَبِيحَةُ مَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ]
(7774) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَذَبِيحَةُ مَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ، إذَا سَمَّوْا، أَوْ نَسُوا التَّسْمِيَةَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَهُ الذَّبْحُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، إذَا ذَبَحَ، حَلَّ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسِلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كُلُوهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ سَبْعٌ؛ أَحَدُهَا، إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالثَّانِيَةُ، إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْأَمَةِ.
وَالثَّالِثَةُ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ.
وَالرَّابِعَةُ، إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ.
وَالْخَامِسَةُ، إبَاحَةُ ذَبْحِ مَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ.
وَالسَّادِسَةُ، حِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَالسَّابِعَةُ، إبَاحَةُ ذَبْحِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ.
وَيَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، فَإِنْ كَانَ طِفْلًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الذَّبْحُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ الْعَقْلُ.
وَلَهُ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ الْمَجْنُونُ الْكَلْبَ عَلَى صَيْدٍ وَجْهَانِ.
وَلَنَا، أَنَّ الذَّكَاةَ يُعْتَبَرُ لَهَا الْقَصْدُ، فَيُعْتَبَرُ لَهَا الْعَقْلُ، كَالْعِبَادَةِ، فَإِنَّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ، فَيَصِيرُ ذَبْحُهُ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْحَدِيدَةُ بِنَفْسِهَا عَلَى حَلْقِ شَاةٍ فَذَبَحَتْهَا.
وَقَوْلُهُ: إذَا سَمَّوْا أَوْ نَسُوا التَّسْمِيَةَ.
فَالتَّسْمِيَةُ مُشْتَرَطَةٌ فِي كُلِّ ذَابِحٍ مَعَ الْعَمْدِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَإِنْ تَرَكَ الْكِتَابِيُّ التَّسْمِيَةَ عَنْ عَمْدٍ، أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ: إذَا ذَبَحَ النَّصْرَانِيُّ بِاسْمِ الْمَسِيحِ حَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ لَنَا ذَبِيحَتَهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقُولُ ذَلِكَ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] وَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا مَا ذَبَحُوهُ بِشَرْطِهِ كَالْمُسْلِمِ.
فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لَا؟ أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ فَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا أَكْلَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّنَا لَا نَقِفُ عَلَى كُلِّ ذَابِحٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ قَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
[فَصْلٌ ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ كُلِّ ذِي ظُفْرٍ]
(7775) فَصْلٌ: وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِثْلَ كُلِّ ذِي ظُفْرٍ.
قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْأَيْلُ وَالنَّعَامُ وَالْبَطُّ، وَمَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْأَصَابِعِ.
أَوْ ذَبَحَ دَابَّةً لَهَا شَحْمٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ إبَاحَتُهُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ حَكَى عَنْ مَالِكٍ، فِي الْيَهُودِيِّ يَذْبَحُ الشَّاةَ، قَالَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ شَحْمِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مَذْهَبٌ دَقِيقٌ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ صَحِيحًا.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ.
وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي، إلَى تَحْرِيمِهَا.
وَحَكَاهُ التَّمِيمِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَوَّارٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ.
وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْبَهِيمَةِ، لَمْ يُبَحْ لِذَابِحِهَا، فَلَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِ، كَالدَّمِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ «، قَالَ: دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ مِنْ قَصْرِ خَيْبَرَ، فَنَزَوْت لِآخُذَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَبَسَّمُ إلَيَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ أَبَاحَتْ اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ، فَأَبَاحَتْ الشَّحْمَ، كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ.
وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّ مَعْنَى طَعَامِهِمْ ذَبَائِحُهُمْ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِمَا ذَبَحَهُ الْغَاصِبُ.
(7776) فَصْلٌ: وَإِنْ ذَبَحَ شَيْئًا يَزْعُمُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ حَرَامٌ.
غَيْرُ مَقْبُولٍ.
[مَسْأَلَةٌ ذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ]
(7777) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَوْمَأَ إلَى السَّمَاءِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ؛ مِنْهُمْ اللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُشِيرُ إلَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ
إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، وَإِشَارَتُهُ إلَى السَّمَاءِ تَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَسْمِيَةَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ.
وَنَحْوِ هَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَفَأُعْتِقُ هَذِهِ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيْنَ اللَّهُ؟ . فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: مَنْ أَنَا؟ . فَأَشَارَتْ بِإِصْبَعِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَى السَّمَاءِ، أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْقَاضِي الْبِرْتِيُّ، فِي " مُسْنَدَيْهِمَا ".
فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِيمَانِهَا بِإِشَارَتِهَا إلَى السَّمَاءِ، تُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِيهَا، فَأَوْلَى أَنْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ عَلَمًا عَلَى التَّسْمِيَةِ.
وَلَوْ أَنَّهُ أَشَارَ إشَارَةً تَدُلُّ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَعُلِمَ ذَلِكَ، كَانَ كَافِيًا.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ جُنُبًا جَازَ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَذْبَحَ]
(7778) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، جَازَ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَذْبَحَ) وَذَلِكَ أَنَّ الْجُنُبَ تَجُوزُ لَهُ التَّسْمِيَةُ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْقُرْآنِ، لَا مِنْ الذِّكْرِ، وَلِهَذَا تُشْرَعُ لَهُ التَّسْمِيَةُ عِنْد اغْتِسَالِهِ، وَلَيْسَتْ الْجَنَابَةُ أَعْظَمَ مِنْ الْكُفْرِ، وَالْكَافِرُ يُسَمِّي وَيَذْبَحُ، وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَبْحِ الْجُنُبِ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
وَتُبَاحُ ذَبِيحَةُ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْجُنُبِ.
[فَصْلٌ تَحْرِيم الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَأَكِيلَةُ السَّبْعِ وَمَا أَصَابَهَا مَرَضٌ فَمَاتَتْ بِهِ]
(7779) فَصْلٌ: وَالْمُنْخَنِقَةُ، وَالْمَوْقُوذَةُ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ، وَالنَّطِيحَةُ، وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ، وَمَا أَصَابَهَا مَرَضٌ فَمَاتَتْ بِهِ، مُحَرَّمَةٌ، إلَّا أَنْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] . وَفِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبٍ «، أَنَّهَا أُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْ غَنَمِهَا، فَأَدْرَكَتْهَا، فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كُلُوهَا» . فَإِنْ كَانَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهَا إلَّا مِثْلُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ تُبَحْ بِالذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مَا ذَبَحَهُ الْمَجُوسِيُّ، لَمْ يُبَحْ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ ذَبْحُهَا، حَلَّتْ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ انْتَهَتْ إلَى حَالٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مَعَهُ أَوْ تَعِيشُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي ذِئْبٍ عَدَا عَلَى شَاةٍ، فَعَقَرَهَا، فَوَقَعَ قَصَبُهَا بِالْأَرْضِ، فَأَدْرَكَهَا، فَذَبَحَهَا بِحَجَرٍ، قَالَ: يُلْقِي مَا أَصَابَ الْأَرْضَ، وَيَأْكُلُ سَائِرَهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي بَهِيمَةٍ عَقَرَتْ بَهِيمَةً، حَتَّى تَبَيَّنَ فِيهَا آثَارُ الْمَوْتِ، إلَّا أَنَّ فِيهَا الرُّوحَ.
يَعْنِي فَذُبِحَتْ.
فَقَالَ: إذَا مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا، وَطَرَفَتْ بِعَيْنِهَا، وَسَالَ الدَّمُ، فَأَرْجُو إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
أَنْ لَا يَكُونَ بِأَكْلِهَا بَأْسٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَطَاوُسٍ.
وَقَالَا: تَحَرَّكَتْ.
وَلَمْ يَقُولَا: سَالَ الدَّمُ.
وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ شَاةٍ مَرِيضَةٍ، خَافُوا عَلَيْهَا الْمَوْتَ، فَذَبَحُوهَا، فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا، أَوْ حَرَّكَتْ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا أَوْ ذَنَبَهَا بِضَعْفٍ، فَنَهَرَ الدَّمُ؟ قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا انْتَهَتْ إلَى حَدٍّ لَا تَعِيشُ مَعَهُ، لَمْ تُبَحْ بِالذَّكَاةِ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إذَا شَقَّ الذِّئْبُ بَطْنَهَا، فَخَرَجَ قَصَبُهَا، فَذَبَحَهَا، لَا تُؤْكَلُ.
وَقَالَ: إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا تَمُوتُ مِنْ عَقْرِ السَّبُعِ، فَلَا تُؤْكَلُ وَإِنْ ذَكَّاهَا.
وَقَدْ يَخَافُ عَلَى الشَّاةِ الْمَوْتَ مِنْ الْعِلَّةِ وَالشَّيْءَ يُصِيبُهَا، فَيُبَادِرُهَا فَيَذْبَحُهَا، فَيَأْكُلُهَا.
وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ هَذِهِ، لَا يَدْرِي، لَعَلَّهَا تَعِيشُ، وَاَلَّتِي قَدْ خَرَجَتْ أَمْعَاؤُهَا، يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - انْتَهَى بِهِ الْجُرْحُ إلَى حَدٍّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَهُ، فَوَصَّى، فَقُبِلَتْ وَصَايَاهُ، وَوَجَبَتْ الْعِبَادَةُ عَلَيْهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ فِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبٍ، مَا يَرُدُّ هَذَا، وَتُحْمَلُ نُصُوصُ أَحْمَدَ، عَلَى شَاةٍ خَرَجَتْ أَمْعَاؤُهَا، وَبَانَتْ مِنْهَا، فَتِلْكَ لَا تَحِلُّ بِالذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، وَلَا تَبْقَى حَرَكَتُهَا إلَّا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَأَمَّا مَا خَرَجَتْ أَمْعَاؤُهَا، وَلَمْ تَبِنْ مِنْهَا، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ تُبَاحُ بِالذَّبْحِ، وَلِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيِّ، فِي مَنْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، فَأَخْرَجَ حَشْوَتَهُ، فَقَطَعَهَا فَأَبَانَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَلَوْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا كَانَتْ تَعِيشُ مُعْظَمَ الْيَوْمِ، حَلَّتْ بِالذَّكَاةِ.
وَهَذَا التَّحْدِيدُ بَعِيدٌ، يُخَالِفُ ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبٍ: فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَادَرَتْهَا بِالذَّكَاةِ حِينَ خَافَتْ مَوْتَهَا فِي سَاعَتِهَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَعِيشُ زَمَنًا يَكُونُ الْمَوْتُ بِالذَّبْحِ أَسْرَعَ مِنْهُ، حَلَّتْ بِالذَّبْحِ، وَأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ مِمَّا لَا يُتَيَقَّنُ مَوْتُهَا، كَالْمَرِيضَةِ، أَنَّهَا مَتَى تَحَرَّكَتْ، وَسَالَ دَمُهَا، حَلَّتْ وَاَللَّه أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُحَرَّمُ مِنْ الْحَيَوَانِ]
(7780) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْمُحَرَّمُ مِنْ الْحَيَوَانِ، مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، وَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيه طَيِّبًا فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا كَانَتْ تُسَمِّيه خَبِيثًا، فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.
قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] . وَمَا عَدَا هَذَا، فَمَا اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ، فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157] . يَعْنِي يَسْتَطِيبُونَهُ دُونَ الْحَلَالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] .
وَلَوْ أَرَادَ الْحَلَالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لَهُمْ.
وَمَا اسْتَخْبَثَتْهُ الْعَرَبُ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ؛
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] . وَاَلَّذِينَ تُعْتَبَرُ اسْتِطَابَتُهُمْ وَاسْتِخْبَاثُهُمْ هُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ، مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْكِتَابُ، وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ، فَرُجِعَ فِي مُطْلَقِ أَلْفَاظِهِمَا إلَى عُرْفِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ أَهْلُ الْبَوَادِي؛ لِأَنَّهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالْمَجَاعَةِ يَأْكُلُونَ مَا وَجَدُوا، وَلِهَذَا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا يَأْكُلُونَ؟ فَقَالَ: مَا دَبَّ وَدَرَجَ، إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ.
فَقَالَ: لِتَهْنَ أُمَّ حُبَيْنٍ الْعَافِيَةُ.
وَمَا وُجِدَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحِجَازِ، رُدَّ إلَى أَقْرَبِ مَا يُشْبِهُهُ فِي الْحِجَازِ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِنْهَا، فَهُوَ مُبَاحٌ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] .
الْآيَةَ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمِنْ الْمُسْتَخْبَثَاتِ الْحَشَرَاتُ، كَالدِّيدَانِ، وَالْجُعَلَانِ، وَبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَالْخَنَافِسِ، وَالْفَأْرِ، وَالْأَوْزَاغِ، وَالْحِرْبَاءِ، وَالْعَضَاةِ، وَالْجَرَاذِينَ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَيَّاتِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرَخَّصَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، فِي هَذَا كُلِّهِ، إلَّا الْأَوْزَاغَ، فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَيَّةُ حَلَالٌ إذَا ذُكِّيَتْ.
وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْآيَةِ الْمُبِيحَةِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . وَفِي حَدِيثٍ: " الْحَيَّةُ " مَكَانَ: " الْفَأْرَةِ ". وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ، لَمْ يُبَحْ قَتْلُهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] .
وَقَالَ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] . وَلِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ، فَحُرِّمَتْ، كَالْوَزَغِ أَوْ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْوَزَغَ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الْقُنْفُذِ]
(7781) فَصْلٌ: وَالْقُنْفُذُ حَرَامٌ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هُوَ حَرَامٌ.
وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَلَنَا، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «ذُكِرَ الْقُنْفُذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هُوَ خَبِيثٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَأْكُلُ الْحَشَرَاتِ، فَأَشْبَهَ الْجُرَذَ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ]
(7782) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهُوهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي تَحْرِيمِهَا وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145] وَتَلَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: مَا خَلَا هَذَا، فَهُوَ حَلَالٌ.
وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ الْفَأْرَةِ، فَقَالَتْ: مَا هِيَ بِحَرَامٍ.
وَتَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَلَمْ يَرَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو وَائِلٍ بِأَكْلِ الْحُمُرِ بَأْسًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَالِبِ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنَا سَنَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
فَقَالَ: «أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ حَوَالَيْ الْقَرْيَةِ»
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلِيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَجَابِرٌ، وَالْبَرَاءُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَأَنَسٌ، وَزَاهِرٌ الْأَسْلَمِيُّ، بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ حِسَانٍ، وَحَدِيثُ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ لَا يُعْرَجُ عَلَى مِثْلِهِ مَعَ مَا عَارَضَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لَهُمْ فِي مَجَاعَتِهِمْ، وَبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا الْمُطْلَقِ، لِكَوْنِهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَاتِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْبَتَّةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ.
مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ حُكْم أَكَلَ الْبِغَالُ]
(7783) فَصْلٌ: وَالْبِغَالُ حَرَامٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ حَرَّمَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهَا، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ.
وَهَكَذَا إنْ تَوَلَّدَ مِنْ بَيْنَ الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَلَدٌ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، وَالسِّمْعُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ بَيْنَ الذِّئْبِ
وَالضَّبُعِ، مُحَرَّمٌ.
قَالَ قَتَادَةُ: مَا الْبَغْلُ إلَّا شَيْءٌ مِنْ الْحِمَارِ.
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ الْخَيْلِ.
[فَصْلٌ حُكْم أَلْبَانُ الْحُمُر]
(7784) فَصْلٌ: وَأَلْبَانُ الْحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
وَرَخَّصَ فِيهَا عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَلْبَانِ حُكْمُ اللُّحْمَانِ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ]
(7785) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَهِيَ الَّتِي تَضْرِبُ بِأَنْيَابِهَا الشَّيْءَ وَتَفْرِسُ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ قَوِيٍّ مِنْ السِّبَاعِ، يَعْدُو بِهِ وَيَكْسِرُ، إلَّا الضَّبُعَ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: هُوَ مُبَاحٌ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] .
وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173] وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَاتِ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَسَدُ، وَالنَّمِرُ، وَالْفَهْدُ، وَالذِّئْبُ، وَالْكَلْبُ، وَالْخِنْزِيرُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَتَدَاوَى بِلَحْمِ الْكَلْبِ؟ فَقَالَ: لَا شَفَاهُ اللَّهُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى تَحْرِيمَهُ.
[فَصْلٌ حُكْم أَكْل الْقِرْدِ]
(7786) فَصْلٌ: وَلَا يُبَاحُ أَكْلُ الْقِرْدِ.
وَكَرِهَهُ عُمَرُ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ، وَالْحَسَنُ، وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا أَنَّ الْقِرْدَ لَا يُؤْكَلُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ.
وَلِأَنَّهُ سَبُعٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مَسْخٌ أَيْضًا، فَيَكُونُ مِنْ الْخَبَائِثِ الْمُحَرَّمَةِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ ابْنِ آوَى وَالنِّمْسِ وَابْنِ عُرْسٍ]
(7787) فَصْلٌ: وَابْنُ آوَى، وَالنِّمْسُ، وَابْنُ عِرْسٍ، حَرَامٌ.
سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ آوَى وَابْنِ عِرْسٍ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَنْهَشُ
بِأَنْيَابِهِ فَهُوَ مِنْ السِّبَاعِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ابْنُ عِرْسٍ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَابٌ قَوِيٌّ، فَأَشْبَهَ الضَّبَّ.
وَلِأَصْحَابِهِ فِي ابْنِ آوَى وَجْهَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ، وَلِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ، غَيْرُ مُسْتَطَابَةٍ، فَإِنَّ ابْنَ آوَى يُشْبِهُ الْكَلْبَ، وَرَائِحَتُهُ كَرِيهَةٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الثَّعْلَبِ]
(7788) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الثَّعْلَبِ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ تَحْرِيمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ إبَاحَتُهُ.
اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ.
وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ، وَاللَّيْثُ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَعَطَاءٌ: كُلُّ مَا يُودَى إذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي سِنَّوْرِ الْبَرِّ كَاخْتِلَافِهَا فِي الثَّعْلَبِ.
وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الثَّعْلَبِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي سِنَّوْرِ الْبَرِّ وَجْهَانِ.
فَأَمَّا الْأَهْلِيُّ، فَمُحَرَّمٌ فِي قَوْلِ إمَامِنَا، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ.
[فَصْلٌ حُكْم أَكَلَ الْفِيلُ]
(7789) فَصْلٌ: وَالْفِيلُ مُحَرَّمٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَسْخٌ.
وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرَخَّصَ فِي أَكْلِهِ الشَّعْبِيُّ.
وَلَنَا، نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ.
وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهَا نَابًا، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ الْمُحَرِّمَةِ.
[فَصْلٌ الِاخْتِلَاف فِي أَكَلَ الدُّبّ]
(7790) فَصْلٌ: فَأَمَّا الدُّبُّ، فَيُنْظَرُ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَا نَابٍ يَفْرِسُ بِهِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُبَاحٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَابٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ سَبُعٌ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالسِّبَاعِ، فَلَا يُؤْكَلُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ الْمُحَرِّمِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَشَبَهُهُ بِالسِّبَاعِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي
وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ ذَا نَابٍ يَصِيدُ بِهِ وَيَفْرِسُ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ النُّصُوصِ الْمُبِيحَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ]
(7791) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَهِيَ الَّتِي تُعَلِّقُ بِمَخَالِبِهَا الشَّيْءَ، وَتَصِيدُ بِهَا) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَا يَحْرُمُ مِنْ الطَّيْرِ شَيْءٌ.
قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ سِبَاعَ الطَّيْرِ.
وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْآيَاتِ الْمُبِيحَةِ، وَقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ: مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهُوَ مَا عَفَا عَنْهُ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَاتِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَا لَهُ مِخْلَبٌ يَعْدُو بِهِ، كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ وَالْبَاشَقِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ، وَأَشْبَاهِهَا.
(7792) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ مِنْهَا مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ، كَالنُّسُورِ وَالرَّخَمِ، وَغُرَابِ الْبَيْنِ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْغِرْبَانِ، وَالْأَبْقَعِ.
قَالَ عُرْوَةُ: وَمَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسِقًا، وَاَللَّهِ مَا هُوَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ.
وَلَعَلَّهُ يَعْنِي قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . فَهَذِهِ الْخَمْسُ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ قَتْلَهَا فِي الْحَرَمِ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ مَا يُؤْكَلُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ، عَنْ الْعَقْعَقِ، فَقَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجِيَفَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ يَأْكُلُ الْجِيَفَ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مُحَرَّمًا.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الْخُطَّافِ وَالْخُشَّافِ وَالْخُفَّاشِ]
(7793) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ الْخُطَّافُ وَالْخُشَافُ وَالْخُفَّاشُ وَهُوَ الْوَطْوَاطُ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى ... نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ
قَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَأْكُلُ الْخُشَّافَ؟ وَسُئِلَ عَنْ الْخُطَّافِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كُلُّ الطَّيْرِ حَلَالٌ
إلَّا الْخُفَّاشَ.
وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ، لَا تَسْتَطِيبُهَا الْعَرَبُ، وَلَا تَأْكُلُهَا.
وَيَحْرُمُ الزَّنَابِيرُ، وَالْيَعَاسِيبُ، وَالنَّحْلُ، وَأَشْبَاهُهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ، غَيْرُ مُسْتَطَابَةٍ.
(7794) فَصْلٌ: وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ مُبَاحٌ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، مِنْ ذَلِكَ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] .
وَمِنْ الصُّيُودِ الظِّبَاءُ، وَحُمُرُ الْوَحْشِ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا قَتَادَةَ وَأَصْحَابَهُ بِأَكْلِ الْحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ.
وَكَذَلِكَ بَقَرُ الْوَحْشِ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، مِنْ الْإِبِلِ، وَالتَّيْتَلِ، وَالْوَعْلِ، وَالْمَهَا، وَغَيْرِهَا مِنْ الصُّيُودِ، كُلُّهَا مُبَاحَةٌ، وَتُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ.
وَيُبَاحُ النَّعَامُ، وَقَدْ قَضَى الصَّحَابَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ إنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ إذَا أَنِسَ وَاعْتَلَفَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَهْلِيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا ظَنَنْت أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا شَيْءٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ.
وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الظِّبَاءَ إذَا تَأَنَّسَتْ لَمْ تَحْرُمْ، وَالْأَهْلِيُّ إذَا تَوَحَّشَ لَمْ يَحِلَّ، وَلَا يَتَغَيَّرُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ أَصْلِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ عَطَاءٌ، فِي حِمَارِ الْوَحْشِ: إذَا تَنَاسَلَ فِي الْبُيُوتِ، لَا تَزُولُ عَنْهُ أَسْمَاءُ الْوَحْشِ.
وَسَأَلُوا أَحْمَدَ عَنْ الزَّرَافَةِ تُؤْكَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَهِيَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ، إلَّا أَنَّ عُنُقَهَا أَطُولُ مِنْ عُنُقِهِ، وَجِسْمَهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ، وَأَعْلَى مِنْهُ، وَيَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ]
(7795) فَصْلٌ: وَتُبَاحُ لُحُومُ الْخَيْلِ كُلُّهَا عِرَابُهَا وَبَرَاذِينُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ.
وَبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا أَكَلْت شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ مَعْرَفَةِ بِرْذَوْنٍ.
وَحَرَّمَهَا أَبُو حَنِيفَةَ.
وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: 8] وَعَنْ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، وَخَيْلُهَا، وَبِغَالُهَا.
وَلِأَنَّهُ دُونِ حَافِرٍ، فَأَشْبَهَ الْحِمَارَ.» وَلَنَا، قَوْلُ جَابِرٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» . وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلْنَاهُ، وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ مُسْتَطَابٌ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ وَلَا مِخْلَبٍ، فَيَحِلُّ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْمُبِيحَةِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُونَ بِدَلِيلِ خِطَابِهَا، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ.
وَحَدِيثُ خَالِدٍ لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
قَالَهُ أَحْمَدُ.
قَالَ: وَفِيهِ رَجُلَانِ لَا يُعْرَفَانِ، يَرْوِيهِ ثَوْرٌ عَنْ رَجُلٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ.
وَقَالَ: لَا نَدَعُ أَحَادِيثَنَا لِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُنْكَرِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الْأَرْنَبِ]
(7796) فَصْلٌ: وَالْأَرْنَبُ مُبَاحَةٌ، أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَائِلًا بِتَحْرِيمِهَا، إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتهَا، فَجِئْت بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَالَ - فَخِذِهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبِلَهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ، أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، «أَنَّهُ قَالَ: صِدْت أَرْنَبَيْنِ، فَذَبَحْتهمَا بِمَرْوَةِ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ مُسْتَطَابٌ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ؛ فَأَشْبَهَ الظَّبْيَ.
(7797) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ الْوَبَرُ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُحَرَّمٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، إلَّا أَبَا يُوسُفَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَهُوَ مِثْلُ الْأَرْنَبِ، يَعْتَلِفُ النَّبَاتَ وَالْبُقُولَ، فَكَانَ مُبَاحًا كَالْأَرْنَبِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَعُمُومُ النُّصُوصِ يَقْتَضِيهَا، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْرِيمٌ، فَتَجِبُ إبَاحَتُهُ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الْيَرْبُوعِ]
(7798) فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْيَرْبُوعِ، فَرَخَّصَ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُحَرَّمٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْفَأْرَ.
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ حَكَمَ فِيهِ بِجِفْرَةٍ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْرِيمٌ.
وَأَمَّا السِّنْجَابُ، فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْهَشُ بِنَابِهِ، فَأَشْبَهَ الْجُرَذَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْيَرْبُوعَ، وَمَتَى تَرَدَّدَ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ، غَلَبَتْ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَعُمُومُ النُّصُوصِ يَقْتَضِيهَا.
[فَصْلٌ يُبَاحُ مِنْ الطُّيُور مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمُحَرَّمَاتِ]
(7799) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ مِنْ الطُّيُورِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، مِنْ ذَلِكَ الدَّجَاجُ.
قَالَ أَبُو مُوسَى: «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ الدَّجَاجَ.
وَالْحُبَارَى؛ لِمَا رَوَى سَفِينَةُ، قَالَ: أَكَلْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ حُبَارَى.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَيُبَاحُ الزَّاغُ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَيُبَاحُ غُرَابُ الزَّرْعِ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَأْكُلُ الزَّرْعَ، وَيَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ؛ لِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ وَالْحُبُوبُ، فَأَشْبَهَا الْحَجَلَ.
وَتُبَاحُ الْعَصَافِيرُ كُلُّهَا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ إنْسَانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، إلَّا سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا وَيَرْمِي بِهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَيُبَاحُ الْحَمَامُ كُلُّهُ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، مِنْ الجوازل وَالْفَوَاخِتِ، والرقاطي وَالْقَطَا وَالْحَجَلِ، وَغَيْرِهَا، وَتُبَاحُ الْكَرَاكِيُّ، وَالْإِوَزُّ، وَطَيْرُ الْمَاءِ كُلُّهُ، وَالْغَرَانِيقُ، وَالطَّوَاوِيسُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ فَعَنْهُ أَنَّهُمَا حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ ذَوَاتِ الْمِخْلَبِ، وَلَا يُسْتَخْبَثَانِ.
وَعَنْهُ تَحْرِيمُهُمَا «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِ الْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، وَالنَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ.
وَكُلُّ مَا كَانَ لَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ، وَلَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ، وَلَا يُسْتَخْبَثُ، فَهُوَ حَلَالٌ.»
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا]
(7800) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهْ لُحُومَ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانَهَا.
قَالَ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ ": هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْقَذَرَ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، حُرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا.
وَفِي بَيْضِهَا رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ، لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهَا وَلَا لَبَنُهَا.
وَتَحْدِيدُ الْجَلَّالَةِ بِكَوْنِ أَكْثَرِ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، لَمْ نَسْمَعْهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، لَكِنَّ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِمَا يَكُونُ كَثِيرًا فِي مَأْكُولِهَا، وَيُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: إنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ الْجَلَّالَةَ الَّتِي لَا طَعَامَ لَهَا إلَّا الرَّجِيعُ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي الْجَلَّالَةِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ لُحُومَهَا، وَالْعَمَلَ عَلَيْهَا حَتَّى تُحْبَسَ.
وَرَخَّصَ الْحَسَنُ فِي لُحُومِهَا وَأَلْبَانِهَا؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ لَا تَنْجُسُ بِأَكْلِ النَّجَاسَاتِ، بِدَلِيلِ أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ أَعْضَائِهِ، وَالْكَافِرَ الَّذِي يَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ وَالْمُحَرَّمَاتِ، لَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ نَجِسًا، وَلَوْ نَجُسَ لَمَا طَهُرَ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا الِاغْتِسَالِ، وَلَوْ نَجُسَتْ الْجَلَّالَة، لَمَا طَهُرَتْ بِالْحَبْسِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ، أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا، وَلَا يُحْمَلَ عَلَيْهَا إلَّا الْأُدْمُ، وَلَا يَرْكَبَهَا النَّاسُ حَتَّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.» رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
وَلِأَنَّ لَحْمَهَا يَتَوَلَّدُ، مِنْ النَّجَاسَةِ، فَيَكُونُ نَجِسًا، كَرَمَادِ النَّجَاسَةِ.
وَأَمَّا شَارِبُ الْخَمْرِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ أَكْثَرَ غِذَائِهِ، وَإِنَّمَا يَتَغَذَّى الطَّاهِرَاتِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ فِي الْغَالِبِ.
(7801) فَصْلٌ: وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا.
وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ؛ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلَاثًا، سَوَاءٌ كَانَتْ طَائِرًا أَوْ بَهِيمَةً.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَرَادَ أَكْلَهَا حَبَسَهَا ثَلَاثًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، لِأَنَّ مَا طَهَّرَ حَيَوَانًا طَهَّرَ الْآخَرَ، كَاَلَّذِي نَجُسَ ظَاهِرُهُ.
وَالْأُخْرَى، تُحْبَسُ الدَّجَاجَةُ ثَلَاثًا، وَالْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَنَحْوُهُمَا يُحْبَسُ أَرْبَعِينَ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، فِي النَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ جِسْمًا، وَبَقَاءُ عَلَفِهِمَا فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ بَقَائِهِ فِي الدَّجَاجَةِ وَالْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(7802) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ رُكُوبُ الْجَلَّالَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِحَدِيثِ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ رُكُوبِهَا» . وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا عَرِقَتْ، فَتَلَوَّثَ بِعَرَقِهَا.
[فَصْلٌ حُكْم الزُّرُوع وَالثِّمَار الَّتِي سُقِيَتْ بِالنَّجَاسَاتِ أَوْ سُمِّدَتْ بِهَا]
(7803) فَصْلٌ: وَتَحْرُمُ الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ الَّتِي سُقِيَتْ بِالنَّجَاسَاتِ، أَوْ سُمِّدَتْ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ، وَلَا يَحْرُمَ.
وَلَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِهَا، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِهَا، فَتُطَهَّرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ فِي أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ لَحْمًا، وَيَصِيرُ لَبَنًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَدْمُلُ أَرْضَهُ بِالْعُرَّةِ، وَيَقُولُ: مِكْتَلُ عُرَّةٍ مِكْتَلُ بُرٍّ.
وَالْعُرَّةُ: عَذِرَةُ النَّاسِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نُكْرِي أَرَاضِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَدْمُلُوهَا بِعَذِرَةِ النَّاسِ.
وَلِأَنَّهَا تَتَغَذَّى بِالنَّجَاسَاتِ، وَتَتَرَقَّى فِيهَا أَجْزَاؤُهَا، وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تُطَهِّرُ.
فَعَلَى هَذَا تَطْهُرُ إذَا سُقِيَتْ الطَّاهِرَاتِ، كَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ وَأُطْعِمَتْ الطَّاهِرَاتِ.
[مَسْأَلَةٌ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ]
(7804) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ، فَلَا يَأْكُلْ مِنْهَا إلَّا مَا يَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ حَالَ الِاخْتِيَارِ، وَعَلَى إبَاحَةِ الْأَكْلِ مِنْهَا فِي الِاضْطِرَارِ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] . وَيُبَاحُ لَهُ أَكْلُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَيَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ، بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا.
وَفِي الشِّبَعِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا، لَا يُبَاحُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ.
وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ.
قَالَ الْحَسَنُ: يَأْكُلُ قَدْرَ مَا يُقِيمُهُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَاسْتُثْنِيَ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ؛ لِلْآيَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ كَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرَّ.
وَثَمَّ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْأَكْلُ، كَذَا هَاهُنَا.
وَالثَّانِيَةُ، يُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، «أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّةَ، فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ نَاقَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اسْلَخْهَا، حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا، وَنَأْكُلَهُ.
فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَك غِنًى يُغْنِيك؟ . قَالَ: لَا.
قَالَ: فَكُلُوهَا» . وَلَمْ يُفَرِّقْ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ مَا جَازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنْهُ، جَازَ الشِّبَعُ مِنْهُ، كَالْمُبَاحِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً، وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الزَّوَالِ، فَمَا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً، كَحَالَةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ الشِّبَعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، عَادَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ الْمَيْتَةِ، مَخَافَةَ الضَّرُورَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَيُفْضِي إلَى ضَعْفِ بَدَنِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَلَفِهِ، بِخِلَافِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً، فَإِنَّهُ يَرْجُو الْغِنَى عَنْهَا بِمَا يَحِلُّ لَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ، هِيَ الَّتِي يَخَافُ التَّلَفَ بِهَا إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُوعٍ، أَوْ يَخَافُ إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ، وَانْقَطَعَ عَنْ الرُّفْقَةِ فَهَلَكَ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ الرُّكُوبِ فَيَهْلَكُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَحْصُورٍ.
[فَصْلٌ هَلْ يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمُضْطَرِّ]
(7805) فَصْلٌ: وَهَلْ يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمُضْطَرِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُضْطَرِّ يَجِدُ الْمَيْتَةَ، وَلَمْ يَأْكُلْ؟ فَذَكَرَ قَوْلَ مَسْرُوقٍ: مَنْ اُضْطُرَّ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، فَمَاتَ، دَخَلَ النَّارَ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] . وَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ إمْكَانِهِ فِي هَذَا الْحَالِ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] .
وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ حَلَالٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ طَاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ، وَجَعَلَ مَعَهُ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِمَاءٍ، وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٍّ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، حَتَّى مَالَ رَأْسُهُ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَخَشُوا مَوْتَهُ، فَأَخْرَجُوهُ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي؛ لِأَنِّي مُضْطَرٌّ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشْمِتَك بِدِينِ الْإِسْلَامِ.
وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ رُخْصَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الرُّخَصِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَالْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ، وَرُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ، وَفَارَقَ الْحَلَالَ فِي الْأَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
[فَصْلٌ تُبَاحُ أَكْلُ الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا]
(7806) فَصْلٌ: وَتُبَاحُ الْمُحَرَّمَاتُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ، غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِإِحْدَى الْحَالَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: 173] . لَفْظٌ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ مُضْطَرٍّ؛ وَلِأَنَّ الِاضْطِرَارَ يَكُونُ فِي الْحَضَرِ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ، وَسَبَبُ الْإِبَاحَةِ الْحَاجَةُ إلَى حِفْظِ النَّفْسِ عَنْ الْهَلَاكِ؛ لِكَوْنِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَةِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ، وَالصِّيَانَةِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُسْتَخْبَثَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى عَامٌّ فِي الْحَالَيْنِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَيْتَةَ لَا تَحِلُّ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ ضَرُورَتِهِ بِالْمَسْأَلَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: أَكْلُ الْمَيْتَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي السَّفَرِ.
يَعْنِي أَنَّهُ فِي الْحَضَرِ يُمْكِنُهُ السُّؤَالُ.
وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْحَضَرَ يُوجَدُ فِيهِ الطَّعَامُ الْحَلَالُ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرُورَةِ بِالسُّؤَالِ، وَلَكِنَّ الضَّرُورَةَ أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ بِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْمَظِنَّةِ، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ أَبَاحَتْ، سَوَاءٌ وُجِدَتْ الْمَظِنَّةُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ، وَمَتَى انْتَفَتْ، لَمْ يُبَحْ الْأَكْلُ لِوُجُودِ مَظِنَّتِهَا بِحَالٍ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ]
فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَالْآبِقِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] . قَالَ مُجَاهِدٌ: غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ
جُبَيْرٍ: إذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ، فَإِنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، حَلَّ لَهُ الْأَكْلُ.
(7808) فَصْلٌ: وَهَلْ لِلْمُضْطَرِّ التَّزَوُّدُ مِنْ الْمَيْتَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا، وَلَا فِي إعْدَادِهَا لِدَفْعِ ضَرُورَتِهِ وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ ضَرُورَتِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَوَسُّعٌ فِيمَا لَمْ يُبَحْ إلَّا لِلضَّرُورَةِ، فَإِنْ اسْتَصْحَبَهَا، فَلَقِيَهُ مُضْطَرٌّ آخَرُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مِنْهَا مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَيَلْزَمُهُ إعْطَاءُ الْآخَرِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مُضْطَرًّا فِي الْحَالِ إلَى مَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ ضَرُورَةَ الَّذِي لَقِيَهُ مَوْجُودَةٌ، وَحَامِلُهَا يَخَافُ الضَّرَرَ فِي ثَانِي الْحَالِ.
[مَسْأَلَةٌ مَرَّ بِثَمَرَةٍ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَلَا يَحْمِلَ]
(7809) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وَلَا يَحْمِلَ) هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَالِ الْجُوعِ وَالْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِيبَ مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ، يَأْكُلُ إذَا كَانَ جَائِعًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَائِعًا، فَلَا يَأْكُلُ.
وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَأْكُلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ شِبْهَ الْحَرِيمِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: إنَّمَا الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ.
إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَاهُنَا حَقِيقَةَ الِاضْطِرَارِ؛ لِأَنَّ الِاضْطِرَارَ يُبِيحُ مَا وَرَاءَ الْحَائِطِ.
وَرُوِيَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ جُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بُرْدَةَ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ، فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بُرْدَةَ.
قَالَ عُمَرُ: يَأْكُلُ، وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَأْكُلُ مِمَّا تَحْتَ الشَّجَرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الشَّجَرِ فَلَا يَأْكُلُ ثِمَارَ النَّاسِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ.
وَلَا يَضْرِبُ بِحَجَرٍ، وَلَا يَرْمِي؛ لِأَنَّ هَذَا يُفْسِدُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْت أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ، فَأَخَذُونِي، فَذَهَبُوا بِي إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَا رَافِعُ، لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ؟» . قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْجُوعُ.
قَالَ: «لَا تَرْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ، أَشْبَعَكَ اللَّهُ وَأَرْوَاكَ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يُبَاحُ الْأَكْلُ فِي الضَّرُورَةِ؛ لِمَا رَوَى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ، إذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ.»
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَا أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أَتَيْت عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَك، وَإِلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ» .
وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ،.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَبَى سَعْدٌ أَنْ يَأْكُلَ؟ قُلْنَا: امْتِنَاعُ سَعْدٍ مِنْ أَكْلِهِ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ غِنًى عَنْهُ، أَوْ تَوَرُّعًا، أَوْ تَقَذُّرًا، كَتَرْكِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْلَ الضَّبِّ.
فَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ، فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ كَانَتْ مَحُوطَةً، لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ إلَيْهَا؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَهُوَ حَرِيمٌ، فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ، فَلَا بَأْسَ.
وَلِأَنَّ إحْرَازَهُ بِالْحَائِطِ يَدُلُّ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ بِهِ، وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ فِيهِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَاطُورٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحُوطِ، فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَيْهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا فِي الضَّرُورَةِ.
[فَصْلٌ الْأَكْلُ مِنْ زَرْعِ الْغَيْرِ]
(7810) فَصْلٌ: وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْأَكْلِ مِنْ الزَّرْعِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: قَالَ لَا: يَأْكُلُ، إنَّمَا رُخِّصَ فِي الثِّمَارِ، لَيْسَ الزَّرْعِ.
وَقَالَ: مَا سَمِعْنَا فِي الزَّرْعِ أَنْ يُمَسَّ مِنْهُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الثِّمَارَ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَكْلِ رَطْبَةً، وَالنُّفُوسُ تَتُوقُ إلَيْهَا، وَالزَّرْعُ بِخِلَافِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: قَالَ: يَأْكُلُ مِنْ الْفَرِيكِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا، أَشْبَهَ الثَّمَرَ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَاقِلَا، وَالْحِمَّصِ، وَشِبْهِهِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا.
فَأَمَّا الشَّعِيرُ، وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ: فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ.
وَالْأَوْلَى فِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهَا أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ حَلْبِ لَبَنِ مَاشِيَةِ الْغَيْرِ]
(7811) فَصْلٌ: وَعَنْ أَحْمَدَ فِي حَلْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ رِوَايَتَانِ؛
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِبَ، وَيَشْرَبَ، وَلَا يَحْمِلَ؛ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ فَلْيَحْلِبْ، وَلْيَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلْيَحْلِبْ، وَلْيَشْرَبْ، وَلَا يَحْمِلْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِبَ وَلَا يَشْرَبَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْقَلَ طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ» . وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنَّ مَا فِي ضُرُوعِ مَوَاشِيهِمْ مِثْلَ مَا فِي مَشَارِبِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ اُضْطُرَّ فَأَصَابَ الْمَيْتَةَ وَخُبْزًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ اُضْطُرَّ، فَأَصَابَ الْمَيْتَةَ وَخُبْزًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ) وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانُوا يُصَدِّقُونَهُ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، أَكَلَ مِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، وَشَرِبَ اللَّبَنَ، وَإِنْ خَافَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، أَوْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَأْكُلُ الطَّعَامَ.
وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّعَامِ الْحَلَالِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، كَمَا لَوْ بَذَلَهُ لَهُ صَاحِبُهُ.
وَلَنَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَمَالَ الْآدَمِيِّ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَالْعُدُولُ إلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ وَحُقُوقَ الْآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشُّحِّ وَالتَّضْيِيقِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ، وَحَقَّ اللَّهِ لَا عِوَضَ لَهُ.
(7813) . فَصْلٌ: إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَلَا الْعُدُولُ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ، إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَسُمَّهُ فِيهِ، أَوْ يَكُونَ الطَّعَامُ الَّذِي يُطْعَمُهُ مِمَّا يَضُرُّهُ، وَيَخَافُ أَنْ يُهْلِكَهُ أَوْ يُمْرِضَهُ.
(7814) . فَصْلٌ: وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا مَعَ صَاحِبِهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ لَهُ، أَوْ بَيْعِهِ مِنْهُ، وَوَجَدَ ثَمَنَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مُكَابَرَتُهُ عَلَيْهِ، وَأَخْذُهُ مِنْهُ، وَعَدَلَ إلَى الْمَيْتَةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَوِيًّا يَخَافُ مِنْ مُكَابَرَتِهِ التَّلَفَ أَوْ لَمْ يَخَفْ، فَإِنْ بَذَلَهُ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الثَّمَنِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى طَعَامٍ حَلَالٍ.
وَإِنْ بَذَلَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، لَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ أَيْضًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الثَّمَنِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَادِمِ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ إلَّا
بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَاشْتَرَاهُ الْمُضْطَرُّ بِذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ أَحْوَجُ إلَى بَدَلِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَالْمُكْرَهِ.
[فَصْلٌ وَجَدَ الْمُحْرِمُ مَيْتَةً وَصَيْدًا]
(7815) فَصْلٌ: وَإِنْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ مَيْتَةً وَصَيْدًا، أَكَلَ الْمَيْتَةَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَأْكُلُ الصَّيْدَ، وَيَفْدِيهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُهُ، وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا تَحِلُّ الْمَيْتَةُ؛ لِغِنَاهُ عَنْهَا.
وَلَنَا أَنَّ إبَاحَةَ الْمَيْتَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَإِبَاحَةَ الصَّيْدِ مُجْتَهَدٌ فِيهَا، وَتَقْدِيمُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَيْتَةً، ذَبَحَ الصَّيْدَ وَأَكَلَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ عَيْنًا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِي الصَّيْدِ تَحْرِيمَاتٍ ثَلَاثًا؛ تَحْرِيمَ قَتْلِهِ، وَأَكْلِهِ، وَتَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ يَكُونُ مَيْتَةً، فَقَدْ سَاوَى الْمَيْتَةَ فِي هَذَا، وَفُضِّلَ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَالْأَكْلِ، وَلَكِنْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: إنَّ الشَّارِعَ إذَا أَبَاحَ لَهُ ذَبْحَهُ، لَمْ يَصِرْ مَيْتَةً.
وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَيْتَةَ فَذَبَحَهُ، كَانَ ذَكِيًّا طَاهِرًا، وَلَيْسَ بِنَجَسٍ وَلَا مَيْتَةٍ؛ وَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ فِي حِلِّ الذَّبْحِ، وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُ الذَّكَاةِ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَلَوْ كَانَ مَيْتَةً لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(7816) فَصْلٌ: وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَشْبَعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ ذَكِيٌّ لَا حَقَّ فِيهِ لِآدَمِيٍّ سِوَاهُ، فَأُبِيحَ لَهُ الشِّبَعُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ حَلَالٌ مِنْ أَجْلِهِ.
(7817) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُضْطَرُّ شَيْئًا، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ الْجُمْلَةَ بِقَطْعِ عُضْوٍ، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ الْأَكِلَةُ.
وَلَنَا أَنَّ أَكْلَهُ مِنْ نَفْسِهِ رُبَّمَا قَتَلَهُ، فَيَكُونُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ، وَلَا يُتَيَقَّنُ حُصُولُ الْبَقَاءِ بِأَكْلِهِ.
أَمَّا قَطْعُ الْأَكِلَةِ: فَإِنَّهُ يُخَافُ الْهَلَاكُ بِذَلِكَ الْعُضْوِ، فَأُبِيحَ لَهُ إبْعَادُهُ، وَدَفْعُ ضَرَرِهِ الْمُتَوَجِّهِ مِنْهُ بِتَرْكِهِ، كَمَا أُبِيحَ قَتْلُ الصَّائِلِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَحْ لَهُ قَتْلُهُ لِيَأْكُلَهُ.
[فَصْلٌ لَمْ يَجِدْ الْمُضْطَرُّ إلَّا آدَمِيًّا مَحْقُونَ الدَّمِ]
(7818) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مَحْقُونَ الدَّمِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ قَتْلُهُ إجْمَاعًا، وَلَا إتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْقِيَ نَفْسَهُ بِإِتْلَافِهِ.
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ، كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، فَذَكَرَ
الْقَاضِي أَنَّ لَهُ قَتْلَهُ وَأَكْلَهُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ مُبَاحٌ.
وَهَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ.
وَإِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا، أُبِيحَ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ مُبَاحٌ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَإِنْ وَجَدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا، لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ.
فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يُبَاحُ.
وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد: أَبَاحَ الشَّافِعِيُّ أَكْلَ لُحُومِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ، كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» . وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ أَكْلَهُ.
وَقَالَ: لَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْ اللَّحْمِ لَا مِنْ الْعَظْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْحُرْمَةِ، لَا فِي مِقْدَارِهَا؛ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الضَّمَانِ وَالْقِصَاصِ وَوُجُوبِ صِيَانَةِ الْحَيِّ بِمَا لَا يَجِبُ بِهِ صِيَانَةُ الْمَيِّتِ.
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يُصِبْ إلَّا طَعَامًا لَمْ يَبِعْهُ مَالِكُهُ الْمُضْطَرُّ]
(7819) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا طَعَامًا لَمْ يَبِعْهُ مَالِكُهُ، أَخَذَهُ قَهْرًا لِيُحْيِيَ بِهِ نَفْسَهُ، وَأَعْطَاهُ ثَمَنَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِصَاحِبِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ) .
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ، فَلَمْ يَجِدْ إلَّا طَعَامًا لِغَيْرِهِ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ، وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ حَالِ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَحَدٌ فَمَاتَ، لَزِمَهُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْيَاءُ نَفْسِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ، فَلَزِمَهُ بَذْلُهُ لَهُ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَنَافِعِهِ فِي إنْجَائِهِ مِنْ الْغَرَقِ وَالْحَرِيقِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ دُونَ مَالِكِهِ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُهُ، كَغَيْرِ مَالِهِ، فَإِنْ اُحْتِيجَ فِي ذَلِكَ إلَى قِتَالٍ، فَلَهُ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَعَلَى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ آلَ أَخْذُهُ إلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، فَهُوَ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقِتَالِهِ، فَأَشْبَهَ الصَّائِلَ، إلَّا أَنْ يُمْكِنَ أَخْذُهُ بِشِرَاءٍ أَوْ اسْتِرْضَاءٍ، فَلَيْسَ لَهُ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهِ، لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ دُونَهَا، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ قِتَالَهُ.
وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِدُونِهَا.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ثَمَنُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِقِيمَتِهِ، وَيَلْزَمُهُ عِوَضُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَخَذَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَلَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ أَخِيهِ، إلَّا مَا يُبَاحُ مِنْ الْمَيْتَةِ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِأَحَدِنَا مِنْ مَالِ أَخِيهِ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ؟ قَالَ: «يَأْكُلُ وَلَا يَحْمِلُ، وَيَشْرَبُ وَلَا يَحْمِلُ.»
[فَصْلٌ اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ]
(7820) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ، وَأَصَابَتْ الضَّرُورَةُ خَلْقًا كَثِيرًا، أَوْ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ
كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الضَّرُورَةِ بِهِ، وَلَا يَدْفَعُهَا عَنْهُمْ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُ مَا مَعَهُ لِلْمُضْطَرِّينَ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ هَذِهِ الْحَالِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ لَا يَتَضَرَّرُ بِدَفْعِ مَا مَعَهُ إلَيْهِمْ، فِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فِي الْحَالِ، وَالْآخَرُ مُضْطَرٌّ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ حَاجَةِ الْمُضْطَرِّ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا مُفْضٍ بِهِ إلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ، وَهَلَاكِ عِيَالِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ الْغَرِيقِ بِتَغْرِيقِ نَفْسِهِ.
وَلِأَنَّ فِي بَذْلِهِ إلْقَاءً بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ وَالضَّبُعِ لِلْمُضْطَرِّ]
(7821) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ وَالضَّبُعِ) أَمَّا الضَّبُّ: فَإِنَّهُ مُبَاحٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَنْ يُهْدَى إلَى أَحَدِنَا ضَبٌّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ دَجَاجَةٍ.
وَقَالَ عُمَرُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَكَانَ كُلِّ ضَبٍّ دَجَاجَةٌ سَمِينَةٌ، وَلَوَدِدْت أَنَّ فِي كُلِّ جُحْرِ ضَبٍّ ضَبَّيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ حَرَامٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْهَشُ، فَأَشْبَهَ ابْنَ عِرْسٍ.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْت أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَقِيلَ: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْت: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» . قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْته فَأَكَلْته، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضَّبَّ تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يُحَرِّمْ الضَّبَّ، وَلَكِنَّهُ قَذِرَهُ» ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَأَكَلْته.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، وَلَمْ يُوجَدْ الْمُحَرِّمُ، فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهْيٌ وَلَا تَحْرِيمٌ؛ وَلِأَنَّ الْإِبَاحَةَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ خِلَافُهُ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
(7822) فَصْلٌ: فَأَمَّا الضَّبُعُ: فَرُوِيَتْ الرُّخْصَةُ فِيهَا عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: مَازَالَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ الضَّبُعَ وَلَا تَرَى بِأَكْلِهَا بَأْسًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ: هُوَ حَرَامٌ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ.
وَهِيَ مِنْ السِّبَاعِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ، فَقَالَ: «وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» . وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْلِ الضَّبُعِ.
قُلْت: صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ.
فَقَالَ: «هُوَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ.
قُلْنَا: هَذَا تَخْصِيصٌ لَا مُعَارِضٌ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي التَّخْصِيصِ كَوْنُ الْمُخَصَّصِ فِي رُتْبَةِ الْمُخَصِّصِ؛ بِدَلِيلِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ: " وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟ " فَحَدِيثٌ طَوِيلٌ، يَرْوِيهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ، يَنْفَرِدُ بِهِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
وَلِأَنَّ الضَّبُعَ قَدْ قِيلَ: إنَّهَا لَيْسَ لَهَا نَابٌ.
وَسَمِعْت مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ جَمِيعَ أَسْنَانِهَا عَظْمٌ وَاحِدٌ كَصَفْحَةِ نَعْلِ الْفَرَسِ.
فَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ التِّرْيَاقِ]
(7823) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ التِّرْيَاقُ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ) التِّرْيَاقُ: دَوَاءٌ يُتَعَالَجُ بِهِ مِنْ السُّمِّ، وَيُجْعَلُ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ، فَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ؛ لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَّةِ حَرَامٌ.
وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ.
وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ يَرَى إبَاحَةَ لُحُومِ الْحَيَّاتِ.
وَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِإِبَاحَتِهِ التَّدَاوِيَ بِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَلَنَا أَنَّ لَحْمَ الْحَيَّاتِ حَرَامٌ، بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى.
وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا.»
[فَصْلٌ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ]
(7824) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ، وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ مُحَرَّمٌ، مِثْلِ أَلْبَانِ الْأُتُنِ، وَلَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا شُرْبِ
الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُكِرَ لَهُ النَّبِيذُ يُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: «إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» .
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي فِيهَا الدُّودُ وَالسُّوسُ]
(7825) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَكْلُ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي فِيهَا الدُّودُ وَالسُّوسُ، كَالْفَوَاكِهِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْحُبُوبِ، وَالْخَلِّ إذَا لَمْ تَقْذَرْهُ نَفْسُهُ، وَطَابَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ.
وَيَجُوزُ أَكْلُ الْعَسَلِ بِقَشِّهِ وَفِيهِ فِرَاخٌ؛ لِذَلِكَ، وَإِنْ نَقَّاهُ فَحَسَنٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أُتِيَ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ، فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ، وَيُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ، وَيُنَقِّيهِ.
وَهَذَا أَحْسَنُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ إذَا رُمِيَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ]
(7826) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ إذَا رُمِيَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ إذَا عُلِمَ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا قَتَلَهُ السُّمُّ مُحَرَّمٌ، وَمَا قَتَلَهُ السَّهْمُ وَحْدَهُ مُبَاحٌ، فَإِذَا مَاتَ بِسَبَبٍ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ، حَرُمَ، كَمَا لَوْ مَاتَ بِرَمْيَةِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ، أَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُهُ، أَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا لَا يَعْرِفُ، أَوْ رَمَى صَيْدًا بِسَهْمٍ، فَوَجَدَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ السُّمَّ لَمْ يُعِنْ عَلَى قَتْلِهِ؛ لِكَوْنِ السَّهْمِ أَوْحَى مِنْهُ، فَهُوَ مُبَاحٌ، لِانْتِفَاءِ الْمُحَرِّمِ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ مَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرُ وَهُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ]
(7827) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرُ، وَهُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ، لَمْ يُؤْكَلْ إذَا مَاتَ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ) كُلُّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ، لَا يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، كَطَيْرِ الْمَاءِ، وَالسُّلَحْفَاةِ، وَكَلْبِ الْمَاءِ، إلَّا مَا لَا دَمَ فِيهِ، كَالسَّرَطَانِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: السَّرَطَانُ لَا بَأْسَ بِهِ.
قِيلَ لَهُ: يُذْبَحُ؟ قَالَ: لَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الذَّبْحِ إنَّمَا هُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ مِنْهُ، وَتَطْيِيبُ اللَّحْمِ بِإِزَالَتِهِ عَنْهُ، فَمَا لَا دَمَ فِيهِ، لَا حَاجَةَ إلَى ذَبْحِهِ.
وَأَمَّا سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا، فَلَا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يُذْبَحَ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَلْبُ الْمَاءِ يَذْبَحُهُ، وَلَا أَرَى بَأْسًا بِالسُّلَحْفَاةِ إذَا ذَبَحَ، وَالرَّقُّ يَذْبَحُهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَلِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، فَأُبِيحَ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ كَالسَّمَكِ وَالسَّرَطَانِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ قَدْ ذَكَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُرَيْحٍ رَجُلٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ «كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ مَذْبُوحٌ.» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ ذَبَحَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ» .
وَلَنَا أَنَّهُ حَيَوَانٌ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ، لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِ ذَبْحٍ، كَالطَّيْرِ، وَلَا خِلَافَ فِي الطَّيْرِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ، وَالْأَخْبَارُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْبَحْرِ، كَالسَّمَكِ وَشِبْهِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ تَذْكِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذْبَحُ إلَّا بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْمَاءِ، وَإِذَا خَرَجَ مَاتَ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ]
(7828) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ، كَالسَّمَكِ وَشِبْهِهِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ» . وَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابَهُ وَجَدُوا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ دَابَّةً، يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ، مَيِّتَةً، فَأَكَلُوا مِنْهَا شَهْرًا حَتَّى سَمِنُوا، وَادَّهَنُوا، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(7829) فَصْلٌ: وَكُلُّ صَيْدِ الْبَحْرِ مُبَاحٌ، إلَّا الضُّفْدَعَ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَكَلَ أَهْلِي الضَّفَادِعَ لَأَطْعَمْتُهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ مَا فِي الْبَحْرِ قَدْ ذَكَّاهُ اللَّهُ لَكُمْ.
وَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96] . يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ جَمِيعِ صَيْدِهِ.
وَرَوَى عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُمَا بَلَغَهُمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ ذَبَحَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ» . فَأَمَّا الضُّفْدَعُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِهِ.
رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَأَمَّا التِّمْسَاحُ: فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ اشْتَهَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُؤْكَلُ التِّمْسَاحُ وَلَا الْكَوْسَجُ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ النَّاسَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ سِبَاعَ الْبَحْرِ، كَمَا يَكْرَهُونَ سِبَاعَ الْبَرِّ.
وَذَلِكَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ: مَا حَرُمَ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ، فَهُوَ حَرَامٌ فِي الْبَحْرِ، كَكَلْبِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِهِ وَإِنْسَانِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، إلَّا فِي كَلْبِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَرَى إبَاحَةَ كَلْبِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُبَاحُ إلَّا السَّمَكُ.
قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ مُبَاحٌ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ كَلْبِ الْمَاءِ]
(7830) فَصْلٌ: وَكَلْبُ الْمَاءِ مُبَاحٌ، وَرَكِبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَرْجًا عَلَيْهِ جِلْدٌ مِنْ جُلُودِ كِلَابِ الْمَاءِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ.
وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَلَا يُبَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ النَّجَّادِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْت أَبِي عَنْ كَلْبِ الْمَاءِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَا شُرَيْحًا - رَجُلٌ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ فَهُوَ مَذْبُوحٌ» . قَالَ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ، فَقَالَ: أَمَّا الطَّيْرُ فَنَذْبَحُهُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَلْبُ الْمَاءِ نَذْبَحُهُ.
(7831) فَصْلٌ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُكْرَهُ الْجَرْيُ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، وَكَيْفَ لَنَا بِالْجَرِيِّ؟ وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْجَرِّيُّ لَا تَأْكُلُهُ الْيَهُودُ.
وَوَافَقَهُمْ الرَّافِضَةُ، وَمُخَالَفَتُهُمْ صَوَابٌ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ السَّمَكَةِ تُوجَدُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ أُخْرَى]
(7832) فَصْلٌ: وَعَنْ أَحْمَدَ فِي السَّمَكَةِ تُوجَدُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ أُخْرَى، أَوْ حَوْصَلَةِ طَائِرٍ، أَوْ يُوجَدُ فِي حَوْصَلَتِهِ جَرَادٌ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: كُلُّ شَيْءٍ أُكِلَ مَرَّةً لَا يُؤْكَلُ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: الطَّافِي أَشَدُّ مِنْ هَذَا، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ، دُونَ مَا فِي حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ؛ لِأَنَّهُ كَالرَّجِيعِ، وَرَجِيعُ الطَّائِرِ عِنْدَهُ نَجِسٌ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» . وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ، لَا تُعْتَبَرُ لَهُ ذَكَاةٌ، فَأُبِيحَ، كَالطَّافِي فِي السَّمَكِ.
وَهَكَذَا يُخَرَّجُ فِي الشَّعِيرِ يُوجَدُ فِي بَعْرِ الْجَمَلِ، أَوْ خِثْيِ الْجَوَامِيسِ، وَنَحْوِهَا.
[مَسْأَلَةٌ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَائِعٍ]
(7833) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَائِعٍ، كَالدُّهْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ، نَجِسَ، وَاسْتَصْبَحَ بِهِ إنْ أَحَبَّ، وَلَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ وَلَا ثَمَنُهُ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ، نَجَّسَتْهُ وَإِنْ كَثُرَ.
وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ إذَا كَثُرَ.
قَالَ حَرْبٌ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ كَلْبٍ وَلَغَ فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ؟ قَالَ: إذَا كَانَ فِي آنِيَةٍ كَبِيرَةٍ، مِثْلِ حُبٍّ أَوْ نَحْوِهِ، رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، يُؤْكَلُ، وَإِذَا كَانَ فِي آنِيَةٍ صَغِيرَةٍ،
فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُؤْكَلَ.
وَسُئِلَ عَنْ كَلْبٍ وَقَعَ فِي خَلٍّ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ، فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ حَيٌّ؟ فَقَالَ: هَذَا أَسْهَلُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ.
وَعَنْهُ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْخَلِّ التَّمْرِيِّ، يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَثُرَ، وَمَا لَيْسَ أَصْلُهُ الْمَاءَ، لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي خَلٍّ أَوْ دِبْسٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْخَلُّ فَأَصْلُهُ الْمَاءُ، يَعُودُ إلَى أَنْ يَكُونَ مَاءً إذَا حُمِلَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ: إنَّمَا حَرُمَ مِنْ الْمَيْتَةِ لَحْمُهَا وَدَمُهَا.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، فَأَلْقُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَقْرَبُوهُ» .
وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَيْسَ بِطَهُورٍ، فَلَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، وَحُكْمُ الْجَامِدِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الِاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إبَاحَتُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُطْلَى بِهِ سَفِينَةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، لَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» . وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ زَيْتٌ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَجَازَ، كَالطَّاهِرِ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِمَاءٍ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ، أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ.
وَهَذَا الزَّيْتُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، وَلَا هُوَ مِنْ شُحُومِهَا، فَيَتَنَاوَلَهُ الْخَبَرُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَسْتَصْبِحُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمَسُّهُ، وَلَا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُهُ إلَيْهِ؛ إمَّا أَنْ يَجْعَلَ الزَّيْتَ فِي إبْرِيقٍ لَهُ بُلْبُلَةٌ، وَيَصُبَّ مِنْهُ فِي الْمِصْبَاحِ، وَلَا يَمَسَّهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَعَ عَلَى رَأْسِ الْجَرَّةِ الَّتِي فِيهَا الزَّيْتُ سِرَاجًا مَثْقُوبًا، أَوْ قِنْدِيلًا فِيهِ ثَقْبٌ، وَيُطَيِّنَهُ عَلَى رَأْسِ إنَاءِ الزَّيْتِ، أَوْ يُشَمِّعَهُ، وَكُلَّمَا نَقَصَ زَيْتُ السِّرَاجِ صَبَّ فِيهِ مَاءً، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ الزَّيْتُ، فَيَمْلَأُ السِّرَاجَ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ تُدْهَنَ بِهَا الْجُلُودُ، وَقَالَ: يُجْعَلُ مِنْهُ الْأَسْقِيَةُ وَالْقِرَبُ.
وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ تُدْهَنُ بِهِ الْجُلُودُ.
وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا، وَقَالَ: إنَّ فِي هَذَا لَعَجَبًا، شَيْءٌ يُلْبَسُ يُطَيَّبُ بِشَيْءٍ فِيهِ مَيْتَةٌ، فَعَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ، كُلُّ انْتِفَاعٍ يُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ إنْسَانٍ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَى ذَلِكَ جَازَ.
فَأَمَّا أَكْلُهُ: فَلَا إشْكَالَ فِي تَحْرِيمِهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَقْرَبُوهُ» .
وَلِأَنَّ النَّجِسَ خَبِيثٌ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْخَبَائِثَ.
وَأَمَّا بَيْعُهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَحْرِيمُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا، حَرَّمَ ثَمَنَهُ» . وَقَالَ أَبُو مُوسَى: لُتُّوهُ بِالسَّوِيقِ وَبِيعُوهُ، وَلَا تَبِيعُوهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَبَيِّنُوهُ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً، أَنَّهُ يُبَاعُ لِكَافِرٍ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، وَيَسْتَبِيحُونَ أَكْلَهُ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَمَّلُوهَا، وَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَوْنُهُمْ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، لَا يُجَوِّزُ لَنَا بَيْعَهُ لَهُمْ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ شُحُومِ الْمَيْتَةِ وَشَحْمِ الْخِنْزِيرِ]
(7834) فَصْلٌ: فَأَمَّا شُحُومُ الْمَيْتَةِ، وَشَحْمُ الْخِنْزِيرِ، فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِاسْتِصْبَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا أَنْ تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ وَلَا الْجُلُودُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْأَصْنَامَ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شُحُومُ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ النَّاسُ؟ قَالَ: لَا، هِيَ حَرَامٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (7835) .
فَصْلٌ: إذَا اُسْتُصْبِحَ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ، فَدُخَانُهُ نَجَسٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ، وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تُطَهِّرُ.
فَإِنْ عَلِقَ، بِشَيْءٍ، وَكَانَ يَسِيرًا، عُفِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ دَمَ الْبَرَاغِيثِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ.
[فَصْلٌ خَبَّازٌ خَبَزَ خُبْزًا فَبَاعَ مِنْهُ ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمَاءِ الَّذِي عَجَنَ مِنْهُ فَإِذَا فِيهِ فَأْرَةٌ]
فَصْلٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ خَبَّازٍ خَبَزَ خُبْزًا، فَبَاعَ مِنْهُ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمَاءِ الَّذِي عَجَنَ مِنْهُ، فَإِذَا فِيهِ فَأْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَا يَبِيعُ الْخُبْزَ مِنْ أَحَدٍ، وَإِنْ بَاعَهُ اسْتَرَدَّهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ، تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وَيُطْعِمُهُ مِنْ الدَّوَابِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَا يُطْعِمُ مَا يُؤْكَلُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إذَا أَطْعَمَهُ لَمْ يُذْبَحْ حَتَّى يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
عَلَى مَعْنَى الْجَلَّالَةِ.
قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ؟» . قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، إنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ.
قِيلَ لَهُ: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِ الْحَجَّامِ، يُطْعَمُ النَّاضِحَ وَالرَّقِيقَ؟ قَالَ: هَذَا أَشَدُّ عِنْدِي، لَا يُطْعَمُ الرَّقِيقَ، لَكِنْ يَعْلِفُهُ الْبَهَائِمَ.
قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ صَخْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِنْ آبَارِ الَّذِينَ مُسِخُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَطْعِمُوهُ النَّوَاضِحَ» .
(7837) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرَى أَنْ يُطْعِمَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ الْمَيْتَةَ، وَلَا الطَّيْرَ الْمُعَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ يَضْرِيهِ عَلَى الْمَيْتَةِ، فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ، فَلَا أَرَى صَاحِبَهُ حَرِجًا.
وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ إذَا صَادَ وَقَتَلَ أَكَلَ مِنْهُ، لِتَضْرِيَتِهِ بِإِطْعَامِهِ الْمَيْتَةَ.
وَلَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ إطْعَامَ كَلْبِهِ وَطَيْرِهِ الْمَيْتَةَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ، إذَا كَانَ لَا يَشْرَبُ فِي إنَائِهِ.
[فَصْلٌ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ الطِّينِ]
(7838) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ أَكْلَ الطِّينِ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ حَدِيثٌ، إلَّا أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْبَدَنِ، وَيُقَالُ: إنَّهُ رَدِيءٌ، وَتَرْكُهُ خَيْرٌ مِنْ أَكْلِهِ.
وَإِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ لِأَجْلِ مَضَرَّتِهِ.
فَإِنْ كَانَ مِنْهُ مَا يُتَدَاوَى بِهِ كَالطِّينِ، الْأَرْمَنِيِّ، فَلَا يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ، كَالشَّيْءِ الْيَسِيرِ، جَازَ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كُرِهَ مَا يَضُرُّ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هَاهُنَا، فَلَمْ يُكْرَهْ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ وَالْفُجْلِ]
(7839) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَكْلُ الْبَصَلِ، وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ، وَالْفُجْلِ، وَكُلِّ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، مِنْ أَجْلِ رَائِحَتِهِ، سَوَاءٌ أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ يُرِدْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَإِنْ أَكَلَهُ لَمْ يَقْرَبْ مِنْ الْمَسْجِدِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلَيْسَ أَكْلُهَا مُحَرَّمًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ إلَيْهِ بِطَعَامٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فِيهِ الثُّومُ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ: «كُلْ الثُّومَ، فَلَوْلَا أَنَّ الْمَلَكَ يَأْتِينِي لَأَكَلْته» .
وَإِنَّمَا مُنِعَ أَكْلُهَا لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ بِرَائِحَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنْ أَتَى الْمَسَاجِدَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: «أَكَلْت ثُومًا، وَأَتَيْت مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سُبِقْت بِرَكْعَةٍ، فَلَمَّا دَخَلْت الْمَسْجِدَ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِيحَ الثُّومِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا.
فَجِئْت، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِتُعْطِنِي يَدَك.
قَالَ: فَأَدْخَلْت يَدَهُ فِي كُمِّ قَمِيصِي إلَى صَدْرِي، فَإِذَا أَنَا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ، فَقَالَ: إنَّ لَك عُذْرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَلِأَنَّ أَذَى الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ وَهَذَا فِيهِ أَذَاهُمْ.
[فَصْلٌ حُكْمُ أَكْلِ الْغُدَّةِ وَأُذُنِ الْقَلْبِ]
فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَكْلُ الْغُدَّةِ، وَأُذُنِ الْقَلْبِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الشَّاةِ سِتًّا.
وَذَكَرَ هَذَيْنِ.
وَلِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُمَا وَتَسْتَخْبِثُهُمَا، وَلَا أَظُنُّ أَحْمَدَ كَرِهَهُمَا إلَّا لِذَلِكَ، لَا لِلْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَلِأَنَّ فِي الْخَبَرِ ذِكْرَ الطِّحَالِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا أَكْرَهُ مِنْهُ شَيْئًا.
(7841) فَصْلٌ: وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُبْنُ؟ قَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلٍّ.
وَسُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ؟ فَقَالَ مَا أَدْرِي، إلَّا أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ عَنْ الْجُبْنِ، وَقِيلَ لَهُ: يُعْمَلُ فِيهِ الْإِنْفَحَةُ الْمَيِّتَةُ.
فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا.
رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ.
وَقَالَ أَلَيْسَ الْجُبْنُ الَّذِي نَأْكُلُهُ عَامَّتُهُ يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ؟ .
(7842) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَوْزَ الَّذِي يَتَقَامَرُ بِهِ الصِّبْيَانُ، وَلَا الْبَيْضَ الَّذِي يَتَقَامَرُونَ بِهِ يَوْمَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
[فَصْلٌ الضِّيَافَةُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا]
(7843) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: وَالضِّيَافَةُ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ، كُلُّ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ضَيْفٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُضِيفَهُ.
قِيلَ إنْ ضَافَ الرَّجُلَ ضَيْفٌ كَافِرٌ يُضِيفُهُ؟ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ بَيِّنٌ، وَلَمَّا أَضَافَ الْمُشْرِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُشْرِكَ يُضَافُ، وَأَنَا أَرَاهُ كَذَلِكَ.
وَالضِّيَافَةُ مَعْنَاهَا مَعْنَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
وَالْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى طَعَامِهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَذْلُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُضِفْهُ.
وَلَنَا مَا رَوَى الْمِقْدَامُ أَبُو كَرِيمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، إنْ شَاءَ اقْتَضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» . حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِي لَفْظٍ: «أَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإِنَّ نَصْرَهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ، يَأْخُذُ بِحَقِّهِ مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَالْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالْكَمَالُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ " كَأَنَّهُ أَوْكَدُ مِنْ سَائِرِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يُرِدْ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَقَدْ قَالَ: " وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ ". فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إضَافَتِهِ، فَلِلضَّيْفِ بِقَدْرِ ضِيَافَتِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِحَقِّهِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا بِعِلْمِ أَهْلِهِ.
وَعَنْهُ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّك تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا.
قَالَ: «إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ، فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» . يَعْنِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْضِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَضَرْعِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ، بِغَيْرِ إذْنِهِمْ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الضِّيَافَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى دُونَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الضِّيَافَةِ، أَيَّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِيهَا؟ قَالَ هِيَ مُؤَكَّدَةٌ، وَكَأَنَّهَا عَلَى أَهْلِ الطُّرُقِ وَالْقُرَى الَّذِينَ يَمُرُّ بِهِمْ النَّاسُ أَوْكَدُ، فَأَمَّا مِثْلُنَا الْآنَ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ أُولَئِكَ.