المغني لابن قدامةصفحات 370-409
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 370-409
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

هَذَا لَمْ يَجِدْهَا، لِكَوْنِهَا فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الدِّيَةَ مِنْ الدَّرَاهِمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَأَلْفَ دِينَارٍ.
(6777) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْإِبِلِ، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ، وَجَبَ أَخْذُهَا، قَلَّتْ قِيمَتُهَا أَوْ كَثُرَتْ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَنْ تُؤْخَذَ مِائَةٌ، قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِنْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، أَدَّى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ مِثْقَالٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ إبْدَالُ مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَسَاوَى فِي الْقِيمَةِ، كَالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ فِي بَدَلِ الْقَرْضِ، وَالْمُتْلَفِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» . وَهَذَا مُطْلَقٌ فَتَقْيِيدُهُ يُخَالِفُ إطْلَاقَهُ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِدَلِيلِ؛ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْخَذُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَقَوْلُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ: إنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ.
فَقَوْمهَا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي حَالِ رُخْصِهَا أَقَلُّ قِيمَة مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَتْ تُؤْخَذُ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ وِلَايَةِ عُمَرَ، مَعَ رُخْصِهَا وَقِلَّةِ قِيمَتِهَا وَنَقْصِهَا عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِيجَابُ ذَلِكَ فِيهَا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ، فَغَلَّظَ دِيَةَ الْعَمْدِ، وَخَفَّفَ دِيَةَ الْخَطَأِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَاعْتِبَارُهَا بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمَا، وَجَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَهُ الشَّارِعُ، وَإِزَالَةٌ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّغْلِيظِ جَمِيعًا، بَلْ هُوَ تَغْلِيظٌ لِدِيَةِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ابْنِ مَخَاضٍ بِقِيمَةِ ثَنِيَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ،

يَشُقُّ جِدًّا، فَيَكُونُ تَغْلِيظًا لِلدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، وَتَخْفِيفًا لِدِيَةِ الْعَمْدِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، وَوَرَدَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ نَقْصُ قِيمَةِ بَنَاتِ الْمَخَاضِ عَنْ قِيمَةِ الْحِقَاقِ وَالْجَذَعَاتِ، فَلَوْ كَانَتْ تُؤَدَّى عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهَا لَنُقِلَ، وَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ، وَجَبَ بَيَانُهُ وَإِيضَاحُهُ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَلْبِيسًا فِي الشَّرِيعَةِ وَإِيهَامَهُمْ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ خِلَافُ مَا هُوَ حُكْمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ لِلْبَيَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] . فَكَيْفَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْإِلْبَاسِ وَالْإِلْغَازِ، هَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ.
ثُمَّ لَوْ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الْأَسْنَانُ عَبَثًا غَيْرَ مُفِيدٍ، فَإِنَّ فَائِدَة ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ اخْتِلَافِ أَسْنَانِهَا مَظِنَّةَ اخْتِلَافِ الْقِيَمِ، فَأُقِيمَ مُقَامَهُ؛ وَلِأَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا بِغَيْرِهَا، كَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَلِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا، كَالْإِبِلِ فِي السِّلْمِ وَشَاةِ الْجُبْرَانِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تُؤْخَذُ قَبْلَ أَنْ تَغْلُوَ وَيُقَوِّمَهَا عُمَرُ، وَقِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ قِيمَتَهَا كَانَتْ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ.
وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: دِيَةُ الْكِتَابِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا أَبْدَالُ مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ، وَنَقُولَ: الْبَدَلُ إنَّمَا هُوَ الْإِبِلُ، وَغَيْرُهَا مُعْتَبَرٌ بِهَا.
وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَهُوَ مُنْتَقِضٌ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَسَاوِيهِمَا، وَيَنْتَقِضُ أَيْضًا بِشَاةِ الْجُبْرَانِ مَعَ الدَّرَاهِمِ.
وَأَمَّا بَدَلُ الْقَرْضِ وَالْمُتْلَفِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْمِثْلُ خَاصَّةً، وَالْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنْهُ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ لِقَوْلِكُمْ: إنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْأَصْلُ، وَغَيْرُهَا بَدَلٌ عَنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يُسَاوِيَهَا كَالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ.
قُلْنَا: إذَا ثَبَتَ لَنَا هَذَا، يَنْبَغِي أَنْ يُقَوَّمَ غَيْرُهَا بِهَا، وَلَا تُقَوَّمُ هِيَ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَتْبَعُ الْأَصْلَ، وَلَا يَتْبَعُ الْأَصْلُ الْبَدَلَ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا صَيَّرَ إلَى التَّقْدِيرِ بِهَذَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوَّمَهَا فِي وَقْتِهِ بِذَلِكَ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، كَيْلًا يُؤَدِّيَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فِي قِيمَةِ الْإِبِلِ الْوَاجِبَةِ، كَمَا قُدِّرَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ بِصَاعٍ مِنْ التَّمْرِ، نَفْيًا لِلتَّنَازُعِ فِي قِيمَتِهِ، فَلَا يُوجِبُ هَذَا أَنْ يُرَدَّ الْأَصْلَ إلَى التَّقْوِيمِ، فَيُفْضِيَ إلَى عَكْسِ حِكْمَةِ الشَّرْعِ، وَوُقُوعِ التَّنَازُعِ فِي قِيمَةِ الْإِبِلِ مَعَ وُجُوبِهَا بِعَيْنِهَا، عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَدَلَيْ الْقَرْضِ مُسَاوَاةُ الْمَحَلِّ الْمُقْرَضِ، فَاعْتُبِرَ مُسَاوَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ بَدَلَيْهِ لَهُ.
وَالدِّيَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِقِيمَةِ الْمُتْلَفِ؛ وَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ صِفَاتُهُ.
وَهَكَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي تَقْوِيمِ الْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالْحُلَلِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْلَغُ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَتَكُونُ قِيمَةُ كُلِّ بَقَرَةٍ أَوْ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا، وَقِيمَةُ كُلِّ شَاةٍ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، لِتَتَسَاوَى الْأَبْدَالُ كُلُّهَا، وَكُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَتَانِ، فَيَكُونَ أَرْبَعمِائَةِ بُرْدٍ.

[فَصْلٌ مَا لَا يَقْبَل فِي الْأَبِل]

(6778) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ فِي الْإِبِلِ مَعِيبٌ، وَلَا أَعْجَفُ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إبِلِهِ، وَلَا إبِلِ بَلَدِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ إبِلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلَ أَوْ الْعَاقِلَةَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَيَجِبُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ مَالِهِمْ، كَالزَّكَاةِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ عِرَابٌ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَخَاتِي، أُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ وَاحِدٍ صِنْفَانِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِقِسْطِهِ.
وَالثَّانِي، يُؤْخَذُ مِنْ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا، دَفَعَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.
فَإِنْ دَفَعَ مِنْ غَيْرِ إبِلِهِ خَيْرًا مِنْ إبِلِهِ أَوْ مِثْلَهَا، جَازَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ خَيْرًا مِنْ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ أَدْوَنَ، لَمْ يُقْبَلْ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُسْتَحِقُّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبِلٌ، فَمِنْ غَالِبِ إبِلِ الْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إبِلٌ، وَجَبَ مِنْ غَالِبِ إبِلِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَتْ إبِلُهُ عِجَافًا أَوْ مِرَاضًا، كُلِّفَ تَحْصِيلَ صِحَاحٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَا تُؤْخَذُ فِيهِ مَعِيبَةٌ، كَقِيمَةِ الثَّوْبِ الْمُتْلَفِ، وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» . أَطْلَقَ الْإِبِلَ، فَمَنْ قَيَّدَهَا احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ وَلِأَنَّهَا بَدَلُ الْمُتْلَفِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِجِنْسِ مَالِهِ، كَبَدَلِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لَيْسَ سَبَبُهُ الْمَالَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُهُ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَالْقَرْضِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدِّيَةِ جَبْرُ الْمَفُوتِ، وَالْجَبْرُ لَا يَخْتَصُّ بِجِنْسِ مَالِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَفَارَقَ الزَّكَاةَ؛ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، لِيُشَارِكَ الْفُقَرَاءُ الْأَغْنِيَاءَ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ، فَاقْتَضَى كَوْنَهُ مِنْ جِنْسِ أَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمَالِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا مُوَاسَاةٌ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ جَبْرًا لِلْفَائِتِ كَبَدَلِ الْمَالِ الْمُتْلَفِ، وَإِنَّمَا الْعَاقِلَةُ تُوَاسِي الْقَاتِلَ فِيمَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ مِنْ جِنْسِ أَمْوَالِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا ذَوِي إبِلٍ، وَالْوَاجِبُ بِجِنَايَتِهِ إبِلٌ مُطْلَقَةٌ، فَتُوَاسِيه فِي تَحَمُّلِهَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ مِنْ جِنْسِ مَالِهِمْ، لَوَجَبَتْ الْمَرِيضَةُ مِنْ الْمِرَاضِ، وَالصَّغِيرَةُ مِنْ الصِّغَارِ، كَالزَّكَاةِ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْقَتْل عَمْدًا فَالدِّيَة عَلَى مَال الْقَاتِل]

(6779) مَسْأَلَةٌ: (قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، فَهِيَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، حَالَّةً أَرْبَاعًا؛ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً)

أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ تَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ.
وَهَذَا قَضِيَّةُ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ بَدَلَ الْمُتْلَفِ، يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ» . وَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابه، حِينَ رَأَى مَعَهُ وَلَدَهُ: " ابْنُك هَذَا؟ ". قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: «أَمَّا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ أَثَرُ فِعْلِ الْجَانِي، فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ بِضَرَرِهَا، كَمَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهَا، فَإِنَّهُ لَوْ كَسَبَ كَانَ كَسْبُهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ حُكْمُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ وَالْأَكْسَابِ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي قَتْلِ الْمَعْذُورِ فِيهِ، لِكَثْرَةِ الْوَاجِبِ، وَعَجْزِ الْجَانِي فِي الْغَالِبِ عَنْ تَحَمُّلِهِ، مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، وَقِيَامِ عُذْرِهِ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، وَرِفْقًا بِهِ، وَالْعَامِدُ لَا عُذْرَ لَهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمُوَاسَاةِ فِي الْخَطَأِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تَجِبُ حَالَّةً.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ، فَكَانَتْ مُؤَجَّلَةً، كَدِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا وَجَبَ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ كَانَ حَالًّا، كَالْقِصَاصِ، وَأَرْشُ أَطْرَافِ الْعَبْدِ، وَلَا يُشْبِهُ شِبْهَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ مَعْذُورٌ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ، وَإِنَّمَا أَفْضَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الْخَطَأَ؛ وَلِهَذَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ التَّخْفِيفُ عَلَى الْعَاقِلَة الَّذِينَ لَمْ تَصْدُرْ مِنْهُمْ جِنَايَةٌ، وَحَمَلُوا أَدَاءَ مَالٍ مُوَاسَاةً، فَالْأَرْفَقُ بِحَالِهِمْ التَّخْفِيفُ عَنْهُمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى السَّوَاءِ، وَأَمَّا الْعَمْدُ، فَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ الْجَانِي فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِبَدَلِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، وَيُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ مَعَهُ، فِيمَا إذَا قَتَلَ ابْنَهُ، أَوْ قَتَلَ أَجْنَبِيًّا، وَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ، لِعَفْوِ بَعْضِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي مِقْدَارِهَا، فَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا أَرْبَاعٌ، كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَالْمُغِيرَةِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّ: «مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا، دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» . وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ الْقَتْلِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ

حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَأِ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُمْ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: قَتَادَةَ حَذَفَ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلَهُ فَأَخَذَ عُمَرُ مِنْهُ الدِّيَةَ؛ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً رَوَاهُ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَاعًا خَمْسًا وَعُشْرِينَ جَذَعَةً، وَخَمْسًا وَعُشْرِينَ حِقَّةً، وَخَمْسًا وَعُشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسًا وَعُشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ الْحَيَوَانِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَمْلُ، كَالزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ.
(6780) فَصْلٌ: وَالْخَلِفَةُ: الْحَامِلُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» تَأْكِيدٌ، وَقَلَّمَا تَحْمِلُ إلَّا ثَنِيَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ، وَأَيُّ نَاقَةٍ حَمَلَتْ فَهِيَ خَلِفَةً، تُجْزِئُ فِي الدِّيَةِ، وَقَدْ قِيلَ: لَا تُجْزِئُ إلَّا ثَنِيَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ: «أَرْبَعُونَ خَلِفَةً، مَا بَيْنَ ثَنِيَّةِ عَامِهَا إلَى بَازِلٍ» . وَلِأَنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْإِبِلِ مُقَدَّرَةُ السِّنِّ، فَكَذَلِكَ الْخَلِفَةُ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي هُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْلَقَ الْخَلِفَةَ، وَالْخَلِفَةُ هِيَ الْحَامِلُ، فَيَقْتَضِي أَنْ تُجْزِئَ كُلُّ حَامِلٍ.
وَلَوْ أَحْضَرَهَا خَلِفَةً، فَأَسْقَطَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا، فَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ قَبْضِهَا أَجْزَأَتْ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْهَا بِدَفْعِهَا.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي حَمَلَهَا الدِّيَة فِي الْقَتْل الْعَمْد]

(6781) فَصْلٌ: فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي حَمْلِهَا، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، كَمَا يُرْجَعُ فِي حَمْلِ الْمَرْأَةِ إلَى الْقَوَابِلِ.
وَإِنْ تَسَلَّمْهَا الْوَلِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ تَكُنْ حَوَامِلَ، وَقَدْ ضَمَرَتْ أَجْوَافُهَا، فَقَالَ الْجَانِي بَلْ قَدْ وَلَدَتْ عِنْدَك.
نَظَرْت؛ فَإِنْ قَبَضَهَا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إصَابَتُهُمْ، وَإِنْ قَبَضَهَا بِغَيْرِ قَوْلِهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْقَوْل فِي أَسْنَان دِيَة شَبَه الْعَمْد]

(6782) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ شِبْهَ عَمْدٍ فَكَمَا وَصَفْت فِي أَسْنَانِهَا، إلَّا أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي أَسْنَانِ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، كَالْقَوْلِ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ، سَوَاءٌ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهَا، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهَا تُخَالِفُ الْعَمْدَ فِي أَمْرَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: هِيَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهَا مُوجِبُ فِعْلٍ قَصَدَهُ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ، وَلِأَنَّهَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَأَشْبَهَتْ دِيَةَ الْعَمْدِ.
وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْعَمْدِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ نَوْعُ قَتْلٍ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، كَالْخَطَأِ، وَيُخَالِفُ الْعَمْدَ الْمَحْضَ؛ لِأَنَّهُ يُغَلَّظُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِقَصْدِهِ الْفِعْلَ، وَإِرَادَتِهِ الْقَتْلَ، وَعَمْدُ الْخَطَأِ يُغَلَّظُ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ قَصْدُهُ الْفِعْلَ، وَيُخَفَّفُ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَمْ يُرِدْ الْقَتْلَ، فَاقْتَضَى تَغْلِيظَهَا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْأَسْنَانُ، وَتَخْفِيفَهَا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا وَتَأْجِيلُهَا.
وَلَا أَعْلَمُ فِي أَنَّهَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو هَاشِمٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْخَوَارِجِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الدِّيَةُ حَالَّةٌ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ.
وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا ذَلِكَ عَنْ مَنْ يُعَدُّ خِلَافُهُ خِلَافًا.
وَتُخَالِفُ الدِّيَةُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاة لَهُ فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ تَخْفِيفهَا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَضَيَا بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي عَصْرِهِمَا، فَكَانَ إجْمَاعًا.

[فَصْلٌ يَجِب فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ثُلُثُهَا الدِّيَة]

(6783) فَصْلٌ: وَيَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ثُلُثُهَا، وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ مِنْ حِينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ حَكَمَ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ حَكَمَ الْحَاكِمُ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ.

وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ مُؤَجَّلٌ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ أَجَلِهِ مِنْ حِينِ وُجُوبِهِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالسَّلَمِ، وَلَا نُسَلِّمُ الْخِلَافَ فِيهَا، فَإِنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةَ نَفْسٍ، فَابْتِدَاءُ حَوْلِهَا مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، سَوَاءٌ كَانَ قَتْلًا مُوجِبًا، أَوْ عَنْ سِرَايَةِ جُرْحٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةَ جُرْحٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ عَنْ جُرْحٍ انْدَمَلَ مِنْ غَيْرِ سِرَايَةٍ، مِثْلَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فَبَرَأَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَهُوَ ذِمِّيٌّ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ انْدَمَلَتْ، وَجَبَ نِصْفُ دِيَةِ يَهُودِيٍّ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْجُرْحُ سَارِيًا، مِثْلَ أَنْ قَطَعَ إصْبَعَهُ فَسَرَى ذَلِكَ إلَى كَفِّهِ، ثُمَّ انْدَمَلَ، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الِانْدِمَالِ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَرَتْ، فَمَا اسْتَقَرَّ الْأَرْشُ إلَّا عِنْدَ الِانْدِمَالِ.
هَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ: أَبُو الْخَطَّابِ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ الِانْدِمَالِ فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِالِانْدِمَالِ فِيهِمَا.

[فَصْلٌ تُقْسَمُ الدِّيَةُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ]

(6784) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةً فَإِنَّهَا تُقْسَمُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ دِيَةَ النَّفْسِ أَوْ دِيَةَ الطَّرَفِ، كَدِيَةِ جَدْعِ الْأَنْفِ أَوْ الْأُذُنَيْنِ، أَوْ قَطْعِ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَدِيَةِ الْمَأْمُومِ أَوْ الْجَائِفَةِ، وَجَبَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يَجِبُ مِنْهُ شَيْءٌ حَالًّا لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ حَالًّا وَإِنْ كَانَ نِصْفَ الدِّيَة أَوْ ثُلُثَهَا، كَدِيَةِ الْيَدِ أَوْ دِيَةِ الْمَنْخِرَيْنِ، وَجَبَ الثُّلُثُ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى، وَالْبَاقِي فِي آخِرِ السَّنَةِ الثَّانِيَة.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ كَدِيَةِ ثَمَانِ أَصَابِعَ، وَجَبَ الثُّلُثَانِ فِي السَّنَتَيْنِ، وَالْبَاقِي فِي آخِرِ الثَّالِثَةِ.
وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ مِثْلَ أَنْ ذَهَبَ سَمْعُ إنْسَانٍ وَبَصَرُهُ، فَفِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ، لَمْ يَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنْ الثُّلُثِ، فَكَذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ الْجِنَايَةِ عَلَى اثْنَيْنِ، وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ دِيَةٌ، فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَهَا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ حَقُّهُ.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، كَدِيَةِ الْإِصْبَعِ، لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَيَجِبُ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ لَا تَحْمِلُهُ، فَكَانَ حَالًّا؛ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ.

[فَصْلٌ الدِّيَة النَّاقِصَة]

(6785) فَصْلٌ: وَفِي الدِّيَةِ النَّاقِصَةِ، كَدِيَةِ الْمَرْأَةِ وَالْكِتَابِيِّ، وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: تُقْسَمُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ النَّفْسِ، فَأَشْبَهْت الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ.
وَالثَّانِي، يَجِبُ مِنْهَا فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ قَدْرُ ثُلُثِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَبَاقِيهَا فِي الْعَامِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَنْقُصُ عَنْ الدِّيَةِ، فَلَمْ تُقْسَمْ

فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، كَأَرْشِ الطَّرَفِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِلشَّافِعِي كَالْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ لَا تَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، كَدِيَةِ الْمَجُوسِيِّ، وَهُوَ ثَمَانمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةِ الْجَنِينِ، وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، لَمْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ، فَأَشْبَهَ دِيَةَ السِّنِّ وَالْمُوضِحَةِ، إلَّا أَنْ يُقْتَلَ الْجَنِينُ مَعَ أُمِّهِ، فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَكُونُ دِيَةُ الْأُمِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ فِي عَامَيْنِ.
كَانَتْ دِيَةُ الْجَنِينِ وَاجِبَةً مَعَ ثُلُثِ دِيَةِ الْأُمِّ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا دِيَةٌ أُخْرَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ مَعَ بَاقِي دِيَةِ الْأُمِّ فِي الْعَامِ الثَّانِي.
وَإِنْ قُلْنَا دِيَةُ الْأُمِّ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
فَهَلْ يَجِبُ دِيَةُ الْجَنِينِ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ فَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَجَبَتْ فِي السِّنِينَ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا دِيَةُ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُمَا دِيَتَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ دِيَتِهَا وَثُلُثُ دِيَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أُخْرَى؛ لِأَنَّ تَلَفَهَا مُوجِبُ جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ.
.

[مَسْأَلَةٌ الْقَتْل الْخَطَأِ]

(6786) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، كَانَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَخْمَاسًا، عِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا، كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ أَخْمَاسٌ، إلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَكَانِ بَنِي مَخَاضٍ بَنِي لَبُونٍ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ "، عَنْ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ: الْخَطَّابِيُّ رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَى الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَة.
وَلَيْسَ فِي أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ» . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيُّ وَإِسْحَاقَ، أَنَّهَا أَرْبَاعٌ، كَدِيَةِ الْعَمْدِ سَوَاءً.
وَعَنْ زَيْدٍ، أَنَّهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ «رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً، فَدِيَتُهُ مِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةٌ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الدِّيَاتُ كُلُّهَا أَخْمَاسٌ، كَدِيَةِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَا تَخْتَلِفُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ، أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ، وَدِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ أَخْمَاسٌ؛ لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، فَكَانَ أَخْمَاسًا، كَدِيَةِ الْخَطَأِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ ابْنَ لَبُونٍ يَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ عَنْ ابْنَةِ مَخَاضٍ فِي الزَّكَاةِ إذَا لَمْ يَجِدْهَا، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي وَاجِبٍ، وَلِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ أَوْجَبَ أَرْبَعِينَ ابْنَةَ مَخَاضٍ؛ وَلِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ الْأَقَلُّ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، يَجِبُ عَلَى مِنْ ادَّعَاهُ الدَّلِيلُ، فَأَمَّا دِيَةُ قَتِيلِ خَيْبَرَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ قَتْلَهُ إلَّا عَمْدًا، فَتَكُونُ دِيَتُهُ دِيَةَ الْعَمْدِ، وَهِيَ مِنْ أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ، وَالْخِلَافُ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ.
وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ يُخَالِفُ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ الدِّيَة الْخَطَأ عَلَى الْعَاقِلَة]

فَصْلٌ: وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَضَى بِدِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ.
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةَ عَمْدِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ، وَدِيَةَ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ إيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ، وَالْإِعَانَةِ لَهُ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، إذْ كَانَ مَعْذُورًا فِي فِعْلِهِ، وَيَنْفَرِدُ هُوَ بِالْكَفَّارَةِ.

[فَصْلٌ كُلُّ دِيَةٍ تَحْمِلهَا الْعَاقِلَةُ مُؤَجَّلَةٍ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ]

(6788) فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهَا مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، جَعَلَا دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَلَمْ يَجِبْ حَالًّا كَالزَّكَاةِ، وَكُلُّ دِيَةٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، تَجِبُ مُؤَجَّلَةً؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَمَا لَا تَحْمِلُهُ

الْعَاقِلَةُ يَجِبُ حَالًّا، لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَزِمَ الْمُتْلِفَ حَالًّا، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَفَارَقَ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ مُوَاسَاةً، فَأُلْزِمَ التَّأْجِيلُ تَخْفِيفًا عَلَى مُتَحَمِّلِهِ، وَعَدَلَ بِهِ عَنْ الْأَصْلِ فِي التَّأْجِيلِ، كَمَا عَدَلَ بِهِ عَنْ الْأَصْلِ فِي إلْزَامِهِ غَيْرِ الْجَانِي.

[فَصْلٌ لَا يَلْزَمُ الْقَاتِلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ]

(6789) فَصْلٌ: وَلَا يَلْزَمُ الْقَاتِلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ إعَانَةً لَهُ، فَلَا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَضَى بِجَمِيعِهَا عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ تَلْزَمْهُ الدِّيَةُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَعْضُهَا، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِقَتْلِ رَجُلٍ، فَقَتَلَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بِحَقٍّ، فَبَانَ مَظْلُومًا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ الْقَاتِلَ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إيجَابِ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ الْكَفَّارَة فِي مَال الْقَاتِل]

(6790) فَصْلٌ: وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لَا يَدْخُلُهَا تَحَمُّلٌ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا تَكْثُرُ، فَإِيجَابُهَا فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهَا، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ صَوْمًا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ شُرِعَتْ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ الْجَانِي، وَلَا يُكَفَّرُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَيُفَارِقُ الدِّيَةَ، فَإِنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِجَبْرِ الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهَا كَيْفَمَا كَانَ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْقَاتِلَةِ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الدِّيَةِ لَوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَجِبْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ.
الثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ كَثِيرَةٌ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْقَاتِلِ يُجْحِفُ بِهِ، وَالْكَفَّارَةُ بِخِلَافِهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْقَاتِلِ، وَجُعِلَ حَظُّ الْقَاتِلِ مِنْ الْوَاجِبِ الْكَفَّارَةَ، فَإِيجَابُهَا عَلَى غَيْرِهِ يَقْطَعُ الْمُوَاسَاةَ، وَيُوجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

[فَصْلٌ الدِّيَة تَغْلُظ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاء]

(6791) فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ إذَا قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، وَالشُّهُورِ الْحُرُمِ، وَإِذَا قَتَلَ مُحْرِمًا.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُحْرِمًا فِي الْحَرَمِ وَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَمَّا إنْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ، مَحْرَمٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَغْلُظ دِيَتُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تُغَلَّظُ بِالْحَرَمِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَفِي التَّغْلِيظِ بِالْإِحْرَامِ وَجْهَانِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّغْلِيظُ؛ عُثْمَانُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسَّعِيدَانِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّغْلِيظِ فِي صِفَتِهِ؛ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تُغَلَّظُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُرُمَاتِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعْت الْحُرُمَاتُ الثَّلَاثُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فِي مَنْ قَتَلَ مُحْرِمًا فِي الْحَرَمِ، وَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ: فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا.
وَهَذَا قَوْلُ التَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِالتَّغْلِيظِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: صِفَةُ التَّغْلِيظِ، إيجَابُ دِيَةِ الْعَمْدِ فِي الْخَطَأِ لَا غَيْرُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّغْلِيظُ فِي غَيْرِ الْخَطَأِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ تَغْلِيظَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّهُ يُغَلَّظُ فِي الْعَمْدِ، فَإِذَا قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَتَغْلِيظُهَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ أَنْ نَنْظُرَ قِيمَةَ أَسْنَانِ الْإِبِلِ غَيْرَ مُغَلَّظَةٍ، وَقِيمَتَهَا مُغَلَّظَةً، ثُمَّ يُحْكَمُ بِزِيَادَةِ مَا بَيْنَهُمَا، كَانَ قِيمَتُهَا مُخَفَّفَةً سِتُّمِائَةٍ، وَفِي الْعَمْدِ ثَمَانُمِائَةٍ، وَذَلِكَ ثُلُثُ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ تُغَلَّظُ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْجَدِّ، دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَاحْتَجَّا عَلَى صِفَةِ التَّغْلِيظِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ قَتَادَةَ الْمُدْلِجِي دِيَةَ ابْنِهِ حِينَ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي الْعَدَدِ شَيْئًا.
وَهَذِهِ قِصَّةٌ اشْتَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ مَا أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ أَوْجَبَهُ فِي الْأَسْنَانِ دُونَ الْقَدْرِ، كَالضَّمَانِ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ تَغْلِيظَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ بِالضَّمَانِ إذَا اجْتَمَعَ سَبَبَانِ تَدَاخَلَا، كَالْحُرِّ وَالْإِحْرَامِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ بِالْإِحْرَامِ، أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِتَغْلِيظِهِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّ امْرَأَةً وَطِئَتْ فِي الطَّوَافِ فَقَضَى عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهَا بِسِتَّةِ آلَافٍ وَأَلْفَيْنِ تَغْلِيظًا لِلْحَرَمِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ ذَا رَحِمٍ، أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ.
فَقَالَ: دِيَتُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَلِلشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلِلْبَلَدِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ.
وَهَذَا مِمَّا

يَظْهَرُ وَيَنْتَشِرُ.
وَلَمْ يُنْكَرْ، فَيَثْبُتُ إجْمَاعًا.
وَهَذَا فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَغْلِيظَاتٍ ثَلَاثٍ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ التَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِالتَّغْلِيظِ.
وَاحْتَجُّوا عَلَى التَّغْلِيظِ فِي الْعَمْدِ، أَنَّهُ إذَا غُلِّظَ الْخَطَأُ مَعَ الْعُذْرِ فِيهِ، فَفِي الْعَمْدِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَوْلَى.
وَكُلُّ مَنْ غَلَّظَ الدِّيَةَ أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ فِي بَدَلِ الطَّرَفِ، بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ النَّفْسِ، أَوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ الطَّرَفِ، كَالْعَمْدِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الدِّيَةَ لَا تُغَلَّظُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْجُورْجَانِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» . لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ.
(وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقَالٍ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَأَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاَللَّهِ عَاقِلُهُ، مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» . وَهَذَا الْقَتْلُ كَانَ بِمَكَّةَ فِي حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَزِدْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الدِّيَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] يَقْتَضِي أَنَّ الدِّيَةَ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ مَكَان، وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَلِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخَذَ مِنْ قَتَادَةَ الْمُدْلِجِيِّ دِيَةَ ابْنِهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مِائَةٍ.
وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبَى الزِّنَادِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْد الْعَزِيزِ، كَانَ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءِ، فَكَانَ مِمَّا أُحْيِي مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ بُقُولِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَنُظَرَائِهِمْ، أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَتَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَلْغَى عُمَرُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ذَلِكَ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ، وَأَثْبَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَيْسَ بِثَابِتٍ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا.
وَلَوْ صَحَّ فَقَوْلُ عُمَرَ يُخَالِفُهُ، وَقَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ، وَهُوَ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ، مَعَ مُوَافَقَتِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْقِيَاسَ.

[فَصْلٌ لَا تَغْلُظ الدِّيَة بِمَوْضِعِ غَيْر الْحَرَم]

(6792) فَصْلٌ: وَلَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بِمَوْضِعٍ غَيْرِ الْحَرَمِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بِالْقَتْلِ فِي الْمَدِينَةِ.
عَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهَا مَكَانٌ يَحْرُمُ صَيْدُهُ، فَأَشْبَهْت الْحَرَمَ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلْمَنَاسِكِ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ

الْبُلْدَانِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْحَرَمِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ أَلَيْسَتْ الْبَلْدَةَ الْحَرَامَ؟ قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ الْبِلَادِ حُرْمَةً، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ رَجُلٌ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، وَرَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَرَجُلٌ قَتَلَ بِدَخْلِ الْجَاهِلِيَّةِ» . وَتَحْرِيمُ الصَّيْدِ لَيْسَ هُوَ الْعِلَّةَ فِي التَّغْلِيظِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَثِّرِ فَقَدْ خَالَفَ تَحْرِيمُهُ تَحْرِيمَ الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَ فِيهِ صَيْدًا.
وَلَا يَحْرُمُ الرَّعْيُ فِيهِ، وَلَا الِاحْتِشَاشُ مِنْهُ، وَلَا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الرَّحْلِ وَالْعَارِضَةِ وَالْقَائِمَةِ وَشِبْهِهِ.

[مَسْأَلَةٌ فِي تَحْمِل الْعَاقِلَة الدِّيَة خَمْسُ مَسَائِل]

[الْمَسْأَلَة الْأُولَى الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ]

(6793) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ، وَلَا الْعَمْدَ، وَلَا الصُّلْحَ، وَلَا الِاعْتِرَافَ، وَمَا دُونَ الثُّلُثِ.
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسُ مَسَائِلَ: (6794) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ.
يَعْنِي إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ قَاتِلٌ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْبَتِّيِّ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ وَالْكَفَّارَةُ، فَحَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ بَدَلَهُ، كَالْحُرِّ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي دِيَةِ أَطْرَافِهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا.» وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ قِيمَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، كَسَائِرِ الْقِيَمِ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ قِيمَةَ أَطْرَافِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِهِ، كَالْفَرَسِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ الْحُرَّ.

[الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةَ دِيَة مَا يَجِبُ فِي الْقِصَاصِ]

(6795) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ، أَوْ لَا يَجِبُ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ دِيَةَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ بِكُلِّ حَالٍ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهَا تَحْمِلُ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا، كَالْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا، أَشْبَهَتْ جِنَايَةَ الْخَطَأِ.

وَلَنَا، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةُ عَمْدٍ، فَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، كَالْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ، وَجِنَايَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ، وَلِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْخَطَأِ، لِكَوْنِ الْجَانِي مَعْذُورًا، تَخْفِيفًا عَنْهُ، وَمُوَاسَاةً لَهُ، وَالْعَامِدُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ وَلَا الْمُعَاوَنَةَ، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الْمُقْتَضِي.
وَبِهَذَا فَارَقَ الْعَمْدُ الْخَطَأَ.
ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ، فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.

[فَصْلٌ اقْتَصَّ بِحَدِيدَةِ مَسْمُومَة فَسَرَّى إلَى النَّفْسِ]

(6796) فَصْلٌ: وَإِنْ اقْتَصَّ بِحَدِيدَةٍ مَسْمُومَةٍ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ مَحْضٍ، أَشْبَهَ عَمْدَ الْخَطَأِ.
وَالثَّانِي: لَا تَحْمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِآلَةٍ يَقْتُلُ مِثْلُهَا غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا قِصَاصَ لَهُ.
وَلَوْ وَكَّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، فَقَتَلَهُ الْوَكِيلُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَفْوِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ عَمَدَ قَتْلَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد الْجِنَايَةَ، وَمِثْلُ هَذَا يُعَدُّ خَطَأً، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، فَإِنَّهُ عَمَدَ قَتْلَهُ، وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَأِ.
وَهَذَا أَصَحُّ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.

[فَصْلٌ عَمْد الصَّبِيّ وَالْمَجْنُون خَطَأ تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ]

(6797) فَصْلٌ: وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا تَحْمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ يَجُوزُ تَأْدِيبُهُمَا عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ مِنْ الْبَالِغِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا كَمَالُ الْقَصْدِ، فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، لِأَجْلِ الْعُذْرِ، فَأَشْبَهَ الْخَطَأَ وَشِبْهَ الْعَمْدِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ.

[الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ]

(6798) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الصُّلْحَ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ، فَيُنْكِرَهُ وَيُصَالِحَ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِمُصَالَحَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، كَاَلَّذِي ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يُصَالِحَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إلَى الدِّيَةِ.
وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا عَمْدٌ، فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ بِذِكْرِ الْعَمْدِ.
وَمِمَّنْ قَالَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ.
ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ، أَدَّى إلَى أَنْ يُصَالِحَ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا بِقَوْلِهِ.

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الِاعْتِرَافَ]

(6799) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَتْلِ خَطَأٍ، أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ، لَوَجَبَ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِمْ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ شَخْصٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي أَنْ يُوَاطِئَ مَنْ يُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ لِيَأْخُذَ الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَتِهِ، فَيُقَاسِمَهُ إيَّاهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ حَالَّةً فِي مَالِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مُوجِبُ إقْرَارِهِ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] . وَلِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ مَالٍ، أَوْ بِمَا لَا تَحْمِلُ دِيَتَهُ الْعَاقِلَةُ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مَضْمُونٌ، فَيَضْمَنُ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ، كَسَائِرِ الْمَحَالِّ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ عَنْهُ الدِّيَةُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ لِتَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ لَهَا، فَإِذَا لَمْ تَحْمِلْهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، كَجِنَايَةِ الْمُرْتَدِّ.

[الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة لَا تَحْمِل الْعَاقِلَة مَا دُونَ الثُّلُث]

(6800) الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ.
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَعَبْدُ الْعَزِيز، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَالَ: لَا تَحْمِلُ الثُّلُثَ أَيْضًا.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: تَحْمِلُ السِّنَّ، وَالْمُوضِحَةَ، وَمَا فَوْقَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْغُرَّةَ الَّتِي فِي الْجَبِينِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَلَا تَحْمِلُ مَا دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ.
وَالصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهَا تَحْمِلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ؛ لِأَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَثِيرَ حَمَلَ الْقَلِيلَ، كَالْجَانِي فِي الْعَمْدِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي الدِّيَةِ أَنْ لَا يُحْمَلَ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَقْلَ الْمَأْمُومَةِ.
وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَصْلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ، وَبَدَلُ مُتْلَفِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْجِنَايَاتِ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي الثُّلُثِ فَصَاعِدًا، تَخْفِيفًا عَنْ الْجَانِي، لِكَوْنِهِ كَثِيرًا يُجْحَفُ بِهِ، قَالَ

النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الثُّلُثُ كَثِيرٌ.
فَفِي مَا دُونَهُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْأَصْلِ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الثُّلُثَ كَثِيرًا، فَأَمَّا دِيَةُ الْجَنِينِ، فَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، إلَّا إذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ مِنْ الضَّرْبَةِ؛ لِكَوْنِ دِيَتِهِمَا، جَمِيعًا مُوجَبُ جِنَايَةٍ، تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ فَلِأَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ كَامِلَةٌ.

[فَصْلٌ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الطَّرَفِ إذَا بَلَغَ الثُّلُثَ]

(6801) فَصْلٌ: وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الطَّرَفِ إذَا بَلَغَ الثُّلُثَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى ضَمَانِ الْأَمْوَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ.
وَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ جِنَايَةٍ عَلَى حُرٍّ تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ فَحَمَلَتْهَا الْعَاقِلَةُ، كَدِيَةِ النَّفْسِ، وَلِأَنَّهُ كَثِيرٌ يَجِبُ ضَمَانًا لَحُرٍّ أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا جَنَى عَلَى الْأَطْرَافِ بِمَا يُوجِبُ الدِّيَةَ، أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهَا.

[فَصْلٌ تَحْمِل الْعَاقِلَة دِيَة الْمَرْأَة]

(6802) فَصْلٌ: وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْمَرْأَةِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهَا.
وَتَحْمِلُ مِنْ جِرَاحِهَا مَا بَلَغَ أَرْشُهُ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ كَدِيَةِ أَنْفِهَا، وَمَا دُونَ ذَلِكَ كَدِيَةِ يَدِهَا، لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي دِيَةِ الْكِتَابِيِّ.
وَلَا تَحْمِلُ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ؛ لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلُثِ، وَلَا دِيَةَ الْجَنِينِ إنَّ مَاتَ مُنْفَرِدًا، أَوْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ دُونَ الثُّلُثِ.
وَإِنْ مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، حَمَلَتْهُمَا الْعَاقِلَةُ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ دِيَتِهِمَا حَصَلَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ زِيَادَتِهِمَا عَلَى الثُّلُثِ، فَحَمَلَتْهُمَا الْعَاقِلَةُ كَالدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ.

[فَصْلٌ كَانَ الْجَانَّيْ ذِمِّيًّا فَعَقَلَتْهُ عَلَى مِنْ]

(6803) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْجَانِي ذِمِّيًّا، فَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ مِنْ أَهْلِ دِيَتِهِ الْمُعَاهَدِينَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي الْأُخْرَى، لَا يَتَعَاقَلُونَ؛ لِأَنَّ الْمُعَاقَلَةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، وَمَعُونَةً لَهُ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْكَافِرُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَعْظَمُ حُرْمَةً، وَأَحَقُّ بِالْمُوَاسَاةِ وَالْمَعُونَةِ مِنْ الذِّمِّيِّ، وَلِهَذَا

وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاةً لِفُقَرَائِهِمْ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِفُقَرَائِهِمْ، فَتَبْقَى فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ عَلَى الْأَصْلِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ، كَعَصَبَةِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ عَصَبَتُهُ الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ، وَلَا الْحَرْبِيُّونَ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ وَالنُّصْرَةَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَهُمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ؛ إذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ يَرِثُونَهُ.
لِأَنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَلَا يَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، عَنْ يَهُودِيٍّ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنهمْ، وَهُمْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَاقَلَا، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَوَارُثِهِمَا.

[فَصْلٌ تَنْصُر يَهُودِيٌّ أَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ عَقَلَتْهُ عَلَى مِنْ]

(6804) فَصْلٌ: وَإِنْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ، أَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ، وَقُلْنَا: إنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ.
عَقَلَ عَنْهُ عَصَبَتُهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ.
وَهَلْ يَعْقِلُ عَنْهُ الَّذِينَ انْتَقَلَ عَنْ دِينِهِمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقَرُّ.
لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ فَيَعْقِلَ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَا ذِمِّيٍّ فَيَعْقِلَ عَنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَتَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي مَالِهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا تَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ جِنَايَتَهُ، يَكُونُ مُوجَبُهَا فِي مَالِهِ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ.

[فَصْلٌ رَمَى ذِمِّيٌّ صَيْدًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ أَصَابَ السَّهْم آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ]

(6805) فَصْلٌ: وَلَوْ رَمَى ذِمِّيٌّ صَيْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ، لَمْ يَعْقِلْهُ الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَالَ رَمْيِهِ، وَلَا الْمُعَاهَدُونَ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَيَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي.
وَهَكَذَا لَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إنْسَانًا، لَمْ يَعْقِلْهُ أَحَدٌ.
وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ، وَكَانَ أَرْشُ جِرَاحِهِ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، فَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمَا زَادَ عَلَى أَرْشِ الْجُرْحِ لَا يَحْمِلُهُ أَحَدٌ، وَيَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرْشُ الْجُرْحِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، فَجَمِيعُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا جُرِحَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَحْمِلَ الدِّيَةَ كُلَّهَا الْعَاقِلَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وُجِدَتْ وَهُوَ مِمَّنْ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَتَهُ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا كَانَ عَمْدًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَحْمِلَ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ بِانْدِمَالِ الْجُرْحِ أَوْ سِرَايَتِهِ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً فَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا]

(6806) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً، فَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا، فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوْلَى أُمِّهِمْ، فَإِنْ جَنَى أَحَدُهُمْ، فَالْعَقْلُ عَلَى مَوْلَى أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُ وَوَارِثُهُ، فَإِنْ أُعْتِقْ أَبُوهُ ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ، أَوْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَقَعْ السَّهْمُ حَتَّى أُعْتِقَ أَبُوهُ، لَمْ

يَحْمِلْ عَقْلَهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ مَوَالِيَ الْأُمِّ قَدْ زَالَ وَلَاؤُهُمْ عَنْهُ قَبْلَ قَتْلِهِ، وَمَوَالِي الْأَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ حَالَ جِنَايَتِهِ، فَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْشُ الْجُرْحِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ مُنْفَرِدًا، فَيُخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.

[فَصْلٌ جَنَى الرَّجُلُ عَلَى نَفْسه خَطَأ أَوْ عَلِيّ أَطْرَافه]

(6807) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ خَطَأً، أَوْ عَلَى أَطْرَافِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
قَالَ الْقَاضِي: أَظْهَرُهُمَا أَنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ إنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوْ أَرْشَ جُرْحِهِ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَاقَ حِمَارًا فَضَرَبَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، فَطَارَتْ مِنْهَا شَظِيَّةٌ، فَأَصَابَتْ عَيْنَهُ فَفَقَأَتْهَا فَجَعَلَ عُمَرُ، دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقَالَ: هِيَ يَدٌ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُصِبْهَا اعْتِدَاءٌ عَلَى أَحَدٍ.
وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِ.
وَلِأَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ، فَكَانَ عَقْلُهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ الْوَرَثَةَ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا، سَقَطَ عَنْهُ مَا يُقَابِلُ نَصِيبَهُ، وَعَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى نَصِيبِهِ، وَلَهُ مَا بَقِيَ إنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، جِنَايَتُهُ هَدْرٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَاتَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهِ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ، كَالْعَمْدِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنَّمَا كَانَ مُوَاسَاةً لِلْجَانِي، وَتَخْفِيفًا عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي هَاهُنَا شَيْءٌ يَحْتَاجُ إلَى الْإِعَانَةِ وَالْمُوَاسَاةِ فِيهِ، فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهِ.
وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، لَأَجْحَفَ بِهِ وُجُوبُ الدِّيَةِ لِكَثْرَتِهَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ شِبْهَ عَمْدٍ، فَهَلْ تَجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ كَالْخَطَأِ؛ لِأَنَّهَا تُسَاوِيه فِيمَا إذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي، لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْعَمْدَ الْمَحْضَ.

[فَصْلٌ خَطَأ الْإِمَام وَالْحَاكِم فِي غَيْر الْحَكَم وَالِاجْتِهَاد]

(6808) فَصْلٌ: وَأَمَّا، خَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ وَالِاجْتِهَادِ، فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ، إذَا كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَمَا حَصَلَ بِاجْتِهَادِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ أَيْضًا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ بَعَثَ إلَى امْرَأَةٍ ذُكِرَتْ بِسُوءٍ،

فَأَجْهَضَتْ جَنِينَهَا، فَقَالَ عُمَرُ لَعَلِيٍّ: عَزَمْت عَلَيْك، لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَقْسِمَهَا عَلَى قَوْمِك.
وَلِأَنَّهُ جَانٍ، فَكَانَ خَطَؤُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، هُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ يَكْثُرُ فِي أَحْكَامِهِ وَاجْتِهَادِهِ، فَإِيجَابُ عَقْلِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ يُجْحِفُ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَكَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فِي مَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.

[مَسْأَلَة جِنَايَة الْعَبْد]

(6809) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ، فَعَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يَفْدِيَهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ) . هَذَا فِي الْجِنَايَةِ الَّتِي تُودَى بِالْمَالِ، إمَّا لِكَوْنِهَا لَا تُوجِبُ إلَّا الْمَالَ، وَإِمَّا لِكَوْنِهَا مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَعَفَا عَنْهَا إلَى الْمَالِ، فَإِنَّ، جِنَايَةَ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ إذْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، أَوْ ذِمَّتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ، أَوْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ، وَلَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهَا؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ آدَمِيٍّ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا كَجِنَايَةِ الْحُرِّ، وَلِأَنَّ جِنَايَةَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ غَيْرُ مُلْغَاةٍ، مَعَ عُذْرِهِ، وَعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، فَجِنَايَةُ الْعَبْدِ أَوْلَى، وَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَيَّ إلْغَائِهَا، أَوْ تَأْخِيرِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَلَا بِذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ، فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ، فَتَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، كَالْقِصَاصِ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو أَرْشُ الْجِنَايَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَا دُونَ، أَوْ أَكْثَرَ؛ فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِهَا فَمَا دُونَ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُرْوَةَ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَحَمَّادٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَفَعَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، فَهُوَ الَّذِي وَجَبَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ سَلَّمَ الْعَبْدَ، فَقَدْ أَدَّى الْمَحَلَّ الَّذِي تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرَ مِنْ الرَّقَبَةِ وَقَدْ أَدَّاهَا.
وَإِنْ طَالَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، وَأَبَى ذَلِكَ سَيِّدُهُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ دَفَعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ، فَأَبَى الْجَانِي قَبُولَهُ، وَقَالَ: بِعْهُ، وَادْفَعْ إلَيَّ ثَمَنَهُ.
فَهَلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: أَنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدَّى

قِيمَتَهُ، فَقَدْ أَدَّى قَدْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَبْدِ، فَإِذَا أَدَّى قِيمَتَهُ، فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا إذَا عُرِضَ لِلْبَيْعِ رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِذَا أَمْسَكَهُ فَقَدْ فَوَّتَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَعَلَ لَهُ فِدَاءَهُ، فَكَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ، فَكَانَ الْوَاجِبُ قَدْرَ قِيمَتِهِ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ.

[فَصْل كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ]

(6810) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَعَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ عَلَى أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدَ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْجِنَايَةِ فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَهُ بِالْعَفْوِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْعَفْوِ، كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ إذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ.
انْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الْمَالِ، فَصَارَ كَالْجَانِي جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ اسْتَحَقَّ إتْلَافَهُ، فَاسْتَحَقَّ إبْقَاءَهُ عَلَى مِلْكِهِ، كَعَبْدِهِ الْجَانِي عَلَيْهِ.

[فَصْل أَمَرَ غُلَامه بِجِنَايَةِ]

فَصْلٌ: قَالَ أَبُو طَالِبٍ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إذَا أَمَرَ غُلَامَهُ فَجَنَى، فَعَلَيْهِ مَا جَنَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، إنْ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ يَدِ الْحُرِّ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ، وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَجْرَحَ رَجُلًا، فَمَا جَنَى، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ.
وَكَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولَانِ: إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ، فَإِنَّمَا هُوَ سَوْطُهُ، وَيُقْتَلُ الْمَوْلَى، وَيُحْبَسُ الْعَبْدُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ خِلَاسٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: إذَا أَمَرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَقَتَلَ، إنَّمَا هُوَ كَسَوْطِهِ أَوْ كَسَيْفِهِ، يُقْتَلُ الْمَوْلَى، وَالْعَبْدُ يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ.
وَلِأَنَّهُ فَوَّتَ شَيْئًا بِأَمْرِهِ، فَكَانَ عَلَى السَّيِّدِ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَ بِأَمْرِهِ.

[فَصْلٌ: جَنَى جِنَايَات بَعْضهَا بَعْدَ بَعْضٍ]

(6812) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى جِنَايَاتٍ، بَعْضَهَا بَعْدَ بَعْضٍ، فَالْجَانِي بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَاتِ بِالْحِصَصِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَرَبِيعَةُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ: يُقْضَى بِهِ لِآخِرِهِمْ.
وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَرَدَتْ عَلَى مَحَلٍّ مُسْتَحِقٍّ، فَقُدِّمَ صَاحِبُهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ قَبْلَهُ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَمْ يَجْنِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ، فِي عَبْدٍ شَجَّ رَجُلًا، ثُمَّ آخَرَ، ثُمَّ آخَرَ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: يُدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الثَّانِي، ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الثَّالِثِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْأَوْسَطُ.

وَلَنَا، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ، فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ لَوْ قُدِّمَ بَعْضُهُمْ، كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِلْكِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقْوَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ وَجَدَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ عِوَضًا، وَحَقُّ الْمَالِكِ ثَبَتَ بِرِضَاهُ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَافْتَرَقَا.

[فَصْل أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي]

(6813) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي، عَتَقَ، وَضَمِنَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ، فَلَزِمَهُ غَرَامَتُهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ.
وَيَنْبَنِي قَدْرُ الضَّمَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا إذَا اخْتَارَ إمْسَاكَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِإِعْتَاقِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِاخْتِيَارِ فِدَائِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إنْ أَعْتَقَهُ، عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، يَعْنِي دِيَةَ الْمَقْتُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ مَعَ الْعِلْمِ، كَانَ مُخْتَارًا لِفِدَائِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ الْفِدَاءَ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ مَا فَوَّتَهُ.

[فَصْلٌ بَاعَ الْعَبْد أَوْ وَهَبَهُ]

(6814) فَصْلٌ: فَإِنْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يَزُلْ تَعَلُّقُ الْجِنَايَةِ عَنْ رَقَبَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِحَالِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيَنْتَقِلُ الْخِيَارُ فِي فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، كَالسَّيِّدِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَرَدِّهِ، كَسَائِرِ الْمَعِيبَاتِ.

[مَسْأَلَةٌ مِنْ هُمْ الْعَاقِلَةُ]

(6815) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْعَاقِلَةُ الْعُمُومَةُ، وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَالْإِخْوَةُ، وَكُلُّ الْعَصَبَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ) . الْعَاقِلَةُ: مَنْ يَحْمِلُ الْعَقْلَ.
وَالْعَقْلُ: الدِّيَةُ، تُسَمَّى عَقْلًا؛ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ.
وَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ عَنْ الْقَاتِلِ، وَالْعَقْلُ: الْمَنْعُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ بَعْضُ الْعُلُومِ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَضَارِّ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ الْعَصَبَاتُ، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ، وَسَائِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَالزَّوْجِ، وَكُلِّ مَنْ عَدَا الْعَصَبَاتِ، لَيْسَ هُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْآبَاءِ وَالْبَنِينَ، هَلْ هُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ أَوْ لَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ كُلَّ الْعَصَبَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ، يَدْخُلُ فِيهِ آبَاءُ الْقَاتِلِ، وَأَبْنَاؤُهُ، وَإِخْوَتُهُ، وَعُمُومَتُهُ، وَأَبْنَاؤُهُمْ.
وَهَذَا

اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا، مَنْ كَانُوا، لَا يَرِثُونَ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا، وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ، فَأَشْبَهُوا الْإِخْوَةَ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعَقْلَ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّ الْعَصَبَةَ فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ كَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ، فِي تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَآبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ أَحَقُّ الْعَصَبَاتِ بِمِيرَاثِهِ، فَكَانُوا أَوْلَى بِتَحَمُّلِ عَقْلِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَ آبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَقَتَلَتْهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ مَاتَتْ الْقَاتِلَةُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا، وَالْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ: «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا.
قَالَ: فَقَالَتْ عَاقِلَةُ الْمَقْتُولَةِ: مِيرَاثُهَا لَنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَوْلَادِ، قِسْنَا عَلَيْهِ الْوَالِدَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ مَالَ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ كَمَالِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لَهُ، وَلَا شَهَادَتُهُ لَهُمَا، وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِنْفَاقُ عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا، وَالْآخَرُ مُوسِرًا، وَعَتَقَ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ، فَلَا تَجِبُ فِي مَالِهِ دِيَةٌ، كَمَا لَمْ يَجِبْ فِي مَالِ الْقَاتِلِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ فِي الْإِخْوَةِ رِوَايَتَيْنِ، كَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَهُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافًا.

[فَصْلٌ يَعْقِل الْوَلَد ابْن ابْن عَمَّ]

(6816) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ابْنَ ابْنِ عَمٍّ، أَوْ كَانَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ مَوْلَى أَوْ عَصَبَةُ مَوْلًى، فَإِنَّهُ يَعْقِلُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ قَالَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ وَالِدٌ أَوْ وَلَدٌ، فَلَمْ يَعْقِلْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ابْنُ ابْنِ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى، فَيَعْقِلُ، كَمَا لَوْ يَكُنْ وَلَدًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرَابَةَ أَوْ الْوَلَاءَ سَبَبٌ

يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ مُنْفَرِدًا، فَإِذَا وُجِدَ مَعَ مَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ أَثْبَتَهُ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مَعَ الرَّحِمِ الْمُجَرَّدِ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مَعَ الْقَرَابَةِ الْأُخْرَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلِي نِكَاحَهَا، مَعَ أَنَّ الِابْنَ لَا يَلِي النِّكَاحَ عِنْدَهُمْ.

[فَصْلٌ سَائِرُ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْعَاقِلَةِ بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا مِنْ النَّسَبِ]

(6817) فَصْلٌ: وَسَائِرُ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْعَاقِلَةِ بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا مِنْ النَّسَبِ، وَالْمَوْلَى وَعَصَبَتُهُ، وَمَوْلَى الْمَوْلَى وَعَصَبَتُهُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يَرِثُونَ الْمَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَقْرَبَ مِنْهُمْ، فَيَدْخُلُونَ فِي الْعَقْلِ كَالْقَرِيبِ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونُوا وَارِثِينَ فِي الْحَالِ، بَلْ مَتَى كَانُوا يَرِثُونَ لَوْلَا الْحَجْبُ عَقَلُوا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدِّيَةِ بَيْنَ عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ مَنْ كَانُوا، لَا يَرِثُونَ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا؛ وَلِأَنَّ الْمَوَالِيَ مِنْ الْعَصَبَاتِ، فَأَشْبَهُوا الْمُنَاسِبِينَ.

[فَصْل لَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْل مِنْ لَيْسَ بِعَصَبَةِ وَلَا يَعْقِل الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَل]

(6818) فَصْلٌ: وَلَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ، وَلَا يَعْقِلُ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ يَعْقِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيَعْقِلُ الْآخَرُ عَنْهُ، كَالْأَخَوَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ لَهُ وَلَا وَارِثٍ، فَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالذَّكَرِ مَعَ الْأُنْثَى، وَالْكَبِيرِ مَعَ الصَّغِيرِ، وَالْعَاقِلِ مَعَ الْمَجْنُونِ.

[فَصْلٌ لَا يَعْقِل مَوْلَى الْمُوَالَاة]

(6819) فَصْلٌ: وَلَا يَعْقِلُ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ، وَهُوَ الَّذِي يُوَالِي رَجُلًا يَجْعَلُ لَهُ وَلَاءَهُ وَنُصْرَتَهُ، وَلَا الْحَلِيفُ، وَهُوَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الْآخَرَ عَلَى أَنْ يَتَنَاصَرَا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ، وَيَتَضَافَرَا عَلَى مَنْ قَصَدَهُمَا أَوْ قَصَدَ أَحَدَهُمَا، وَلَا الْعَدِيدُ، وَهُوَ الَّذِي لَا عَشِيرَةَ لَهُ، يَنْضَمُّ إلَى عَشِيرَةٍ، فَيَعُدُّ نَفْسَهُ مَعَهُمْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَعْقِلُ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ وَيَرِثُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي غَيْرِ عَشِيرَتِهِ، فَعَقْلُهُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِي هُوَ مَعَهُمْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْعَصَبَةِ، فَلَا يُسْتَحَقُّ بِذَلِكَ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ.

[فَصْلٌ لَا مَدْخَل لِأَهْلِ الدِّيوَانِ فِي الْمُعَاقَلَة]

(6820) فَصْلٌ: وَلَا مَدْخَلَ لِأَهْلِ الدِّيوَانِ فِي الْمُعَاقَلَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَحَمَّلُونَ جَمِيعَ الدِّيَةِ،

فَإِنْ عَدِمُوا فَالْأَقَارِبُ حِينَئِذٍ يَعْقِلُونَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ فِي الْأُعْطِيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَعْنًى لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ، فَلَمْ يُحْمَلْ بِهِ الْعَقْلُ كَالْجِوَارِ وَاتِّفَاقُ الْمَذَاهِبِ، وَقَضَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ، عَلَى أَنَّهُ إنْ صَحَّ مَا ذُكِرَ عَنْهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَشِيرَةَ الْقَاتِلِ.

[فَصْلٌ يَشْتَرِك فِي الْعَقْل الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ]

(6821) فَصْلٌ: وَيَشْتَرِكُ فِي الْعَقْلِ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَخْتَصُّ بِهِ الْحَاضِرُ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ بِالنُّصْرَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ بَيْن الْحَاضِرِينَ، وَلِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ عَلَى الْجَمِيعِ مَشَقَّةٌ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، الْخَبَرُ، وَأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ، فَاسْتَوَوْا فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ، كَالْحَاضِرِينَ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْصِيبِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ، كَالْمِيرَاثِ وَالْوِلَايَةِ.

[فَصْل الْقِسْمَة بَيْنَ الْعَاقِلَة]

(6822) فَصْلٌ: وَيَبْدَأُ فِي قِسْمَتِهِ بَيْن الْعَاقِلَةِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، يُقْسَمُ عَلَى الْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، ثُمَّ أَعْمَامِ الْأَبِ ثُمَّ بَنِيهِمْ، ثُمَّ أَعْمَامِ الْجَدِّ، ثُمَّ بَنِيهِمْ، كَذَلِكَ أَبَدًا، حَتَّى إذَا انْقَرَضَ الْمُنَاسِبُونَ، فَعَلَى الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ، ثُمَّ عَلَى عَصَبَاته، ثُمَّ عَلَى مَوْلَى الْمَوْلَى، ثُمَّ عَلَى عَصَبَاته، الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، كَالْمِيرَاثِ سَوَاءً.
وَإِنْ قُلْنَا: الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ مِنْ الْعَاقِلَةِ، بُدِئَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ.
وَمَتَى اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ قَوْمٍ لِلْعَقْلِ، لَمْ يَعْدُهُمْ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ، فَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، كَالْمِيرَاثِ وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ.
وَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ يُدْلِي بِالْأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِالْأَبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي الْمِيرَاثِ، فَقُدِّمَ فِي الْعَقْلِ، كَتَقْدِيمِ الْأَخِ عَلَى ابْنِهِ.
وَالثَّانِي، يَسْتَوِيَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ، وَلَا أَثَرَ لِلْأُمِّ فِي التَّعْصِيبِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ تُؤَثِّرُ فِي التَّرْجِيحِ وَالتَّقْدِيمِ وَقُوَّةِ التَّعْصِيبِ، لِاجْتِمَاعِ

الْقَرَابَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِحُكْمٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرَابَتَيْنِ تَنْقَسِمُ إلَى مَا تَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِحُكْمٍ، كَابْنِ الْعَمِّ إنْ كَانَ أَخًا مِنْ أُمٍّ، فَإِنَّهُ يَرِثُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَرَابَتَيْنِ مِيرَاثًا مُنْفَرِدًا، يَرِثُ السُّدُسَ بِالْأُخُوَّةِ، وَيَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ بِبُنُوَّةِ الْعَمِّ، وَحَجْبُ إحْدَى الْقَرَابَتَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَجْبِ الْأُخْرَى، فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي قُوَّةٍ وَلَا تَرْجِيحٍ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَا لَا يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمٍ، كَابْنِ الْعَمِّ مِنْ أَبَوَيْنِ مَعَ ابْنِ عَمٍّ مِنْ أَبٍ، لَا تَنْفَرِدُ إحْدَى الْقَرَابَتَيْنِ بِمِيرَاثٍ عَنْ الْأُخْرَى، فَتُؤَثِّرُ فِي التَّرْجِيحِ وَقُوَّةِ التَّعْصِيبِ؛ وَلِذَلِكَ أَثَّرَتْ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْمِيرَاثِ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ.
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسَوَّى بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَيُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ» . وَلَنَا، أَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالتَّعْصِيبِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ فِيهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، كَالْمِيرَاثِ، وَالْخَبَرُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّنَا نَقْسِمُهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَفِ بِهِ الْأَقْرَبُ، فَنَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ.

[فَصْلٌ لَا يَحْمِل الْعَقْل إلَّا مِنْ يَعْرِفُ نَسُبّهُ مِنْ الْقَاتِل]

(6823) فَصْلٌ: وَلَا يَحْمِلُ الْعَقْلَ إلَّا مَنْ يُعْرَفُ نَسَبُهُ مِنْ الْقَاتِلِ، أَوْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ كُلُّهُمْ فِي الْعَقْلِ، وَمَنْ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْهُ لَا يَحْمِلُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلَتِهِ، فَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ قُرَشِيًّا، لَمْ يَلْزَمْ قُرَيْشًا كُلَّهُمْ التَّحَمُّلُ، فَإِنَّ قُرَيْشًا وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّ قَبَائِلَهُمْ تَفَرَّقَتْ، وَصَارَ كُلُّ قَوْمٍ يَنْتَسِبُونَ إلَى أَبٍ يَتَمَيَّزُونَ بِهِ، فَيَعْقِلُ عَنْهُمْ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي نَسَبِهِمْ إلَى الْأَبِ الْأَدْنَى، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ بَنُو آدَمَ، فَهُمْ رَاجِعُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ إنْ كَانَ مِنْ فَخِذٍ وَاحِدٍ، يُعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَهُمْ يَتَحَمَّلُونَ، وَجَبَ أَنْ يَحْمِلَ جَمِيعُهُمْ، سَوَاءٌ عَرَفَ أَحَدُهُمْ نَسَبَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُتَحَمِّلٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْقَاتِلِ مِنْ أَحَدٍ، فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ يَعْقِلُونَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَنْ يَحْمِلُ بَعْضَ الْعَقْلِ، فَالْبَاقِي فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَلِكَ.

[فَصْلٌ عَدَم الْإِجْحَاف عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْمَالِ]

(6824) فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تُكَلَّفُ مِنْ الْمَالِ مَا يُجْحِفُ بِهَا، وَيَشُقُّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَهَا مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ، فَلَا يُخَفِّفُ عَنْ الْجَانِي بِمَا يُثْقِلُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُجْحِفُ بِهِ، كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِجْحَافُ مَشْرُوعًا، كَانَ الْجَانِي أَحَقَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ، وَجَزَاءُ فِعْلِهِ، فَإِذَا لَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّهِ، فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَحْمِلُونَ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَيَفْرِضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ وَلَا يُؤْذِي.
وَهَذَا

مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ، وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، كَمَقَادِيرِ النَّفَقَاتِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَفْرِضُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ مِثْقَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَالٍ يَتَقَدَّرُ فِي الزَّكَاةِ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعُ مِثْقَالٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ تَافِهٌ، لِكَوْنِ الْيَدِ لَا تُقْطَعُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ، وَمَا دُونَ رُبْعِ دِينَارٍ لَا قَطْعَ فِيهِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَرُ مَا يُجْعَلُ عَلَى الْوَاحِدِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَرَابَةِ، فَلَمْ يَتَقَدَّرْ أَقَلُّهُ، كَالنَّفَقَةِ.
قَالَ: وَيُسَوَّى بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ لِذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ بِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ، وَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْغِنَى وَالتَّوَسُّطِ، كَالزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ كَذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّقْدِيرِ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَرُبْعِهِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَكَرَّرُ الْوَاجِبُ فِي الْأَعْوَامِ الثَّلَاثَةِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهَا عَلَى الْغَنِيِّ دِينَارًا وَنِصْفًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ، كَالزَّكَاةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّ فِي إيجَابِ زِيَادَةٍ عَلَى النِّصْفِ، إيجَابًا لَزِيَادَةٍ عَلَى أَقَلِّ الزَّكَاةِ، فَيَكُونُ مُضِرًّا.
وَيُعْتَبَرُ الْغِنَى وَالتَّوَسُّطُ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْوُجُوبِ، فَاعْتُبِرَ الْحَالُ عِنْدَهُ، كَالزَّكَاةِ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْ عَدَدِ الْعَاقِلَةِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ عَدَدٌ كَثِيرٌ، قُسِمَ الْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
فَيُلْزِمُ الْحَاكِمُ كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى حَسْبِ مَا يَرَاهُ وَإِنْ قَلَّ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، يَجْعَلُ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ نِصْفَ مَا عَلَى الْغَنِيِّ، وَيَعُمُّ بِذَلِكَ جَمِيعَهُمْ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَخُصُّ الْحَاكِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ، لِئَلَّا يَنْقُصَ عَنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَيَصِيرَ إلَى الشَّيْءِ التَّافِهِ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ، فَرُبَّمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدٍ قِيرَاطٌ، فَيَشُقُّ جَمْعُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ فَكَانُوا سَوَاءً، كَمَا لَوْ قَلُّوا، وَكَالْمِيرَاثِ.
وَأَمَّا التَّعَلُّقُ بِمَشَقَّةِ الْجَمْعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَشَقَّةَ زِيَادَةِ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقَّةِ الْجَمْعِ، ثُمَّ هَذَا تَعَلُّقٌ بِالْحِكْمَةِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهَا، فَلَا يُتْرَكُ لَهَا الدَّلِيلُ، ثُمَّ هِيَ مُعَارَضَةٌ بِخِفَّةِ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَسُهُولَةِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَخُصَّ الْحَاكِمُ بَعْضَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، فَإِنْ خَصَّهُ بِالِاجْتِهَادِ فَعَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَرُبَّمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَعْرِفَةُ الْأَوْلَى مِنْهُمْ بِذَلِكَ، فَيَتَعَذَّرُ الْإِيجَابُ، وَإِنْ خَصَّهُ بِالتَّحَكُّمِ أَفْضَى إلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُوجِبَ عَلَى إنْسَانٍ شَيْئًا بِشَهْوَتِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُوجِبَ عَلَيْهِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَرُبَّمَا ارْتَشَى مِنْ بَعْضِهِمْ وَاتُّهِمَ، وَرُبَّمَا امْتَنَعَ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَدَائِهِ؛ لِكَوْنِهِ يَرَى مِثْلَهُ لَا يُؤَدِّي شَيْئًا مَعَ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ.

[فَصْلٌ مَاتَ مِنْ الْعَاقِلَةِ أَوْ افْتَقَرَ أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ]

(6825) فَصْلٌ: وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْعَاقِلَةِ، أَوْ افْتَقَرَ، أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَأَشْبَهَ الزَّكَاةَ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ يَسْقُطْ الْوَاجِبُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهَ الدُّيُونَ، وَفَارَقَ مَا قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ، وَلَمْ يَسْتَمِرَّ الشَّرْطُ إلَى حِينِ الْوُجُوبِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ فَقِيرًا حَالَ الْقَتْلِ، فَاسْتَغْنَى عِنْدَ الْحَوْلِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ.
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَنْ كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ، أَوْ مَجْنُونًا فَأَفَاقَ، عِنْدَ الْحَوْلِ، وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ حَالَةَ السَّبَبِ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ فِيهِ حَالَةَ الشَّرْطِ، كَالْكَافِرِ إذَا مَلَكَ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمَ عِنْدَ الْحَوْلِ، لَمْ تَلْزَمْهُ الزَّكَاةُ فِيهِ.

[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ لَا يَعْقِلَانِ مَعَ الْعَاقِلَةِ]

(6826) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ، وَالصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، لَا يَعْقِلَانِ مَعَ الْعَاقِلَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ لِلْفَقِيرِ مَدْخَلًا فِي التَّحَمُّلِ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، فَكَانَ مِنْ الْعَاقِلَةِ كَالْغَنِيِّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْ الْقَاتِلِ، فَلَا يَجُوزُ التَّثْقِيلُ بِهَا عَلَى مَنْ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ، وَفِي إيجَابِهَا عَلَى الْفَقِيرِ تَثْقِيلٌ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيفٌ لَهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّنَا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْعَاقِلَةِ مَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَيُجْحِفُ بِهِ، وَتَحْمِيلُ الْفَقِيرِ شَيْئًا مِنْهَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَيُجْحِفُ بِمَالِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَالِهِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ أَصْلًا.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَرْأَةُ، فَلَا يَحْمِلُونَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّنَاصُرِ، وَلَيْسَ هُمْ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ.

[فَصْل يَعْقِل الْمَرِيض إذَا لَمْ يَبْلُغ حَدّ الزَّمَانَةِ]

(6827) فَصْلٌ: وَيَعْقِلُ الْمَرِيضُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمَانَةِ، وَالشَّيْخُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْهَرَمِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْمُوَاسَاةِ، وَفِي الزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يَعْقِلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْجِهَادُ، وَلَا يُقْتَلَانِ إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَالثَّانِي، يَعْقِلُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ؛ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ.
وَهَذَا يُنْتَقَضُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا.

[مَسْأَلَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَة الْقَاتِل]

(6828) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ، أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فَصْلَيْنِ: (6829) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، هَلْ يُؤَدِّي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا، يُؤَدَّى عَنْهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَى الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي زِحَامٍ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لَعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُطَلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.
فَأَدَّى دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ عَاقِلَتِهِ، كَعَصَبَاتِهِ وَمَوَالِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ فِيهِ حَقٌّ لِلنِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَلَا عَقْلَ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ فِيمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَاتِ، وَلَيْسَ بَيْتُ الْمَالِ عَصَبَةً، وَلَا هُوَ كَعَصَبَةِ هَذَا، فَأَمَّا قَتِيلُ الْأَنْصَارِ، فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَتِيلُ الْيَهُودِ، وَبَيْتُ الْمَالِ لَا يَعْقِلُ عَنْ الْكُفَّارِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُمْ يَرِثُونَهُ.
قُلْنَا: لَيْسَ صَرْفُهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مِيرَاثًا، بَلْ هُوَ فَيْءٌ، وَلِهَذَا يُؤْخَذُ مَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ لَا يَجِبُ الْعَقْلُ عَلَى الْوَارِثِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةً، وَيَجِبُ عَلَى الْعَصَبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ، أُدِّيَتْ الدِّيَةُ عَنْهُ كُلُّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ لَا تَحْمِلُ الْجَمِيعَ، أُخِذَ الْبَاقِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

وَهَلْ تُؤَدَّى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، عَلَى حَسْبِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْعَاقِلَةِ.
وَالثَّانِي، يُؤَدِّي دَفْعَةً وَاحِدَةً.
وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَّى دِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ عُمَرُ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ لَا تُؤَدِّيه الْعَاقِلَةُ، فَيَجِبُ كُلُّهُ فِي الْحَالِ، كَسَائِرِ بَدَلِ الْمُتْلَفَاتِ، وَإِنَّمَا أَجَّلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْهُمْ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلِهَذَا يُؤَدَّى الْجَمِيعُ (6830) الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْأَخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتْ الْعَاقِلَةَ ابْتِدَاءً، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُمْ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهُمْ وَلَا رِضَاهُمْ بِهَا، وَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ عَدِمَ الْقَاتِلُ، فَإِنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ، كَذَا هَاهُنَا.
فَعَلَى هَذَا، إنَّ وُجِدَ بَعْضُ الْعَاقِلَةِ، حُمِّلُوا بِقِسْطِهِمْ، وَسَقَطَ الْبَاقِي، فَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهَا عَنْهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] . وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ الدَّلِيلِ وُجُوبُهَا عَلَى الْجَانِي جَبْرًا لِلْمَحَلِّ الَّذِي فَوَّتَهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْ الْقَاتِلِ لِقِيَامِ الْعَاقِلَةِ مَقَامَهُ فِي جَبْرِ الْمَحَلِّ، فَإِذَا لَمْ يُؤْخَذْ ذَلِكَ، بَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يُطَلَّ دَمُ الْمَقْتُولِ، وَبَيْنَ إيجَابِ دِيَتِهِ عَلَى الْمُتْلِفِ، لَا يَحُوزُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقِيَاسِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَلِأَنَّ إهْدَارَ الدَّمِ الْمَضْمُونِ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَإِيجَابُ الدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ لَهُ نَظَائِرُ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَالذِّمِّيَّ الَّذِي لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ، وَمَنْ رَمَى سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمَوَالِي أُمِّهِ فَانْجَرَّ إلَى مَوَالِي أَبِيهِ، ثُمَّ أَصَابَ بِسَهْمٍ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ، كَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَنُحَرِّرُ مِنْهُ قِيَاسًا فَنَقُولُ: قَتِيلٌ مَعْصُومٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ، فَوَجَبَ عَلَى قَاتِلِهِ، كَهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَهَذَا أَوْلَى مِنْ إهْدَارِ دِمَاءِ الْأَحْرَارِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كُلَّهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَخْذِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَتَضِيعُ الدِّمَاءُ، وَيَفُوتُ حُكْمُ إيجَابِ الدِّيَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً.
مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ، ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ عَنْهُ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءً، لَكِنَّ مَعَ وُجُودِهِمْ، أَمَّا مَعَ عَدَمِهِمْ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مَنْقُوضٌ بِمَا أَبْدَيْنَاهُ مِنْ الصُّوَرِ.
فَعَلَى هَذَا، تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ إنْ تَعَذَّرَ حَمْلُ جَمِيعِهَا، أَوْ بَاقِيهَا إنْ حَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ بَعْضَهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ]

(6831) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَدِيَةُ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَنِسَاؤُهُمْ، عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ)

هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُرْوَةَ، وَمَالِكٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
إلَّا أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا، فَإِنَّ صَالِحًا رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَقُولُ: دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَأَنَا الْيَوْمَ أَذْهَبُ إلَى نِصْفِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ الَّذِي يَرْوِيه الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرُّجُوعِ عَنْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، أَنَّ دِيَتَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ؛ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ» . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَدِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.» وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ دِيَةَ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] . وَقَالَ فِي الذِّمِّيِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ حُرٌّ مَعْصُومٌ، فَتَكْمُلُ دِيَتُهُ كَالْمُسْلِمِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» . وَفِي لَفْظٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ عَقْلَ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِم» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ: «دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ فِي دِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ شَيْءٌ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ.
وَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ نَقْصٌ مُؤَثِّرٌ فِي الدِّيَةِ، فَأَثَّرَ فِي تَنْصِيفِهَا كَالْأُنُوثَةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حِينَ كَانَتْ الدِّيَةُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، فَأَوْجَبَ فِيهِ نِصْفَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ.
فَهَذَا بَيَانٌ وَشَرْحٌ مُزِيلٌ لِلْإِشْكَالِ، فَفِيهِ جَمْعٌ لِلْأَحَادِيثِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا لَنَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، بِغَيْرِ إشْكَالٍ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ، تَرَكَ قَوْلَهُ، وَعَمِلَ بِهَا، فَكَيْفَ، يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي تَرْكِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْآخَرُونَ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ

مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَا رَوَيْنَاهُ، أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ فِي كُتُبِهِمْ، دُونَ مَا رَوَوْهُ.
وَأَمَّا مَا رَوَوْهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ فَنَحْمِلُ قَوْلَهُمْ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ كَامِلَةً عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا غَلَّظَ عُثْمَانُ الدِّيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَمْدًا، فَلَمَّا تَرَكَ الْقَوَدَ غَلَّظَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ، وَمِثْلُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ نَحَرَ رَقِيقُ حَاطِبٍ نَاقَةً لَرَجُلٍ مُزَنِيٍّ، فَقَالَ لَحَاطِبٍ: إنِّي أَرَاك تُجِيعُهُمْ، لَأُغَرِّمَنَّك غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك.
فَأَغْرَمَهُ مِثْلَيْ قِيمَتِهَا.
فَأَمَّا دِيَاتُ نِسَائِهِمْ، فَعَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ دِيَةُ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ، كَذَلِكَ نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ.

[فَصْلٌ جِرَاحَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ]

(6832) فَصْلٌ: وَجِرَاحَاتُهُمْ مِنْ دِيَاتِهِمْ كَجِرَاحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَاتِهِمْ، وَتُغَلَّظُ دِيَاتُهُمْ بِاجْتِمَاعِ الْحُرُمَاتِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى تَغْلِيظَ دِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ، بِهَا كَتَغْلِيظِ دِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ حَرْبٌ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: يُزَادُ أَيْضًا عَلَى قَدْرِهِ، كَمَا يُزَادُ عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدَ اللَّهِ: جَنَى عَلَى مَجُوسِيٍّ فِي عَيْنِهِ وَفِي يَدِهِ؟ قَالَ: يَكُونُ بِحِسَابِ دِيَتِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْخَذُ بِالْحِسَابِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
قِيلَ: قَطَعَ يَدَهُ؟ قَالَ: بِالنِّصْفِ مِنْ دِيَتِهِ.

[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ مُسْلِم رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَمْدًا]

(6833) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ قَتَلُوهُ عَمْدًا، أُضْعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُسْلِمِ؛ لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ) هَكَذَا حَكَمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. هَذَا يُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَرُفِعَ إلَى عُثْمَانَ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَغَلَّظَ عَلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ.
فَصَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ اتِّبَاعًا وَلَهُ.
نَظَائِرُ فِي مَذْهَبِهِ؛ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْأَعْوَرِ لَمَّا قَلَعَ عَيْنَ الصَّحِيحِ دِيَةً كَامِلَةً، حِينَ دَرَأَ الْقِصَاصَ عَنْهُ، وَأَوْجَبَ عَلَى سَارِقِ التَّمْرِ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ، حِينَ دَرَأَ عَنْهُ الْقَطْعَ.
وَهَذَا حُكْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَارِقِ التَّمْرِ.
فَيَثْبُتُ مِثْلُهُ هَاهُنَا.
وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا، أَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا، لَمْ تُضَعَّفْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ لَا تُضَاعَفُ بِالْعَمْدِ؛ لِعُمُومِ الْأَثَرِ فِيهَا، وَلِأَنَّهَا دِيَةٌ وَاجِبَةٌ، فَلَمْ تُضَاعَفْ، كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا.
وَلَا فَرْقَ فِي الدِّيَةِ بَيْن الذِّمِّيِّ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمِنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كِتَابِيٌّ مَعْصُومُ الدَّمِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ، فَلَا دِيَةَ لَهُمَا؛ لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ فِيهِمَا.

[مَسْأَلَةٌ دِيَة الْمَجُوسِيّ]

(6834) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ) وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَقَلَّ مَا اُخْتُلِفَ فِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ قَالَ: دِيَتُهُ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ حُرٌّ مَعْصُومٌ، فَأَشْبَهَ الْمُسْلِمَ.
وَلَنَا، قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَقَوْلُهُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . يَعْنِي فِي أَخْذِ جِزْيَتِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهُ بِالْمُسْلِمِ وَلَا الْكِتَابِيِّ، لِنُقْصَانِ دِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ عَنْهُمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْقُصَ دِيَتُهُ، كَنَقْصِ الْمَرْأَةِ عَنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَجُوسِيُّ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمِنًا؛ لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ.
وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ بِإِجْمَاعٍ.
وَجِرَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ دِيَتِهِ.
وَإِنْ قُتِلُوا عَمْدًا، أُضْعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ الْمُسْلِمِ؛ لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قِيَاسًا عَلَى الْكِتَابِيِّ.

[فَصْلٌ دِيَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ مِنْ لَا كِتَابَ لَهُ]

(6835) فَصْلٌ: فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَسَائِرِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، كَالتُّرْكِ، وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ، فَلَا دِيَةَ لَهُمْ وَإِنَّمَا تُحْقَنُ دِمَاؤُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُمْ، فَدِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدِّيَاتِ، فَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ ذُو عَهْدٍ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ، فَأَشْبَهَ الْمَجُوسِيَّ.

[فَصْلٌ دِيَةُ مَنْ لَمْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ مِنْ الْكُفَّارِ]

(6836) فَصْلٌ: وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ الْكُفَّارِ إنْ وُجِدَ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ حَتَّى يُدْعَى، فَإِنْ قُتِلَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطَى أَمَانًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَيْمَانَ، فَأَشْبَهَ امْرَأَةَ الْحَرْبِيِّ وَابْنَهُ الصَّغِيرَ، وَإِنَّمَا حَرُمَ قَتْلُهُ لِتَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَضْمَنُ بِمَا يَضْمَنُ بِهِ أَهْلُ دِينِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ فَإِنَّ هَذَا يَنْتَقِضُ بِصِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَجَانِينِهِمْ، وَلِأَنَّهُ

كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ عَهْدٌ، فَلَهُ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ، فَفِيهِ دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ]

(6837) مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ: (وَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَحَكَى غَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْأَصَمِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: دِيَتُهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» . وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، يُخَالِفُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَسُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ» . وَهِيَ أَخَصُّ مِمَّا ذَكَرُوهُ، وَهُمَا فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ مَا ذَكَرْنَا مُفَسِّرًا لِمَا ذَكَرُوهُ، مُخَصَّصًا لَهُ، وَدِيَةُ نِسَاءِ كُلِّ أَهْلِ دِينٍ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوْضِعه.

[مَسْأَلَةٌ جِرَاح الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ فِي الدِّيَةِ]

(6838) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُسَاوِي جِرَاحُ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ، فَعَلَى النِّصْفِ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْرَجُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ يَسْتَوِيَانِ إلَى النِّصْفِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ تَخْتَلِفُ دِيَتُهُمَا، فَاخْتَلَفَ أَرْشُ أَطْرَافِهِمَا، كَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَكَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الرَّجُلِ، كَالْيَدِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَهِيَ عَلَى النِّصْفِ؛ لِأَنَّهَا تُسَاوِيه فِي الْمُوضِحَةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ.
وَهُوَ نَصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى مَا سِوَاهُ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَمْ فِي إصْبَعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ.
قُلْت: فَفِي إصْبَعَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ.
قُلْت: فَفِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ.
قُلْت: فَفِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ.
قَالَ: قُلْت: لَمَّا عَظُمَتْ

مُصِيبَتُهَا.
قَلَّ عَقْلُهَا، قَالَ: هَكَذَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي.
وَهَذَا مُقْتَضَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ، إلَّا عَنْ عَلِيٍّ، وَلَا نَعْلَمُ ثُبُوتَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ الثُّلُثِ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، بِدَلِيلِ الْجَنِينِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى.
فَأَمَّا الثُّلُثُ نَفْسُهُ، فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يَسْتَوِيَانِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ حَدَّ الْقِلَّةِ؛ وَلِهَذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ» . وَحَتَّى لِلْغَايَةِ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَا قَبْلَهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] . وَلِأَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ.»

[فَصْلٌ دِيَةُ نِسَاءِ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ]

(6839) فَصْلٌ: فَأَمَّا دِيَةُ نِسَاءِ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تُسَاوِي دِيَاتُهُنَّ دِيَاتِ رِجَالِهِمْ إلَى الثُّلُثِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» . وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ امْرَأَةٍ، فَسَاوَتْ دِيَةُ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا، كَالْمُسْلِمِينَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسَاوِيَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى قَدْرِ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ التَّنْصِيفُ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ دِيَةُ الْمُسْلِمِ.

[مَسْأَلَة دِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ]

(6840) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَدِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا، بَالِغَةً مَا بَلَغَ ذَلِكَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا مَضَى.
وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْقِنِّ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَجْمَعَ عَوَامُّ الْفُقَهَاءِ، عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فِي جِنَايَتِهِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، إلَّا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ: يُؤَدِّي بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةُ الْعَبْدِ.
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي " سُنَنِهِ "، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ "، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدّ ثِنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ " حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُكَاتَبِ يَقْتُلُ، أَنَّهُ يُؤَدَّى مَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةُ الْعَبْدِ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ، وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا أَوْ مُعَارِضًا بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ.

[مَسْأَلَةٌ دِيَةُ الْجَنِينِ إذَا سَقَطَ مِنْ الضَّرْبَةِ مَيِّتًا]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ]

(6841) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَدِيَةُ الْجَنِينِ إذَا سَقَطَ مِنْ الضَّرْبَةِ مَيِّتًا، وَكَانَ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا) يُقَالُ: غُرَّةُ عَبْدٍ بِالصِّفَةِ.
وَغُرَّةُ عَبْدٍ بِالْإِضَافَةِ.
وَالصِّفَةُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ اسْمٌ لِلْعَبْدِ نَفْسِهِ، قَالَ مُهَلْهَلٌ: كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ ... حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ: (6842) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ غُرَّةً.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
قَالَ: لِتَأْتِينَ بِمِنْ يَشْهَدُ مَعَك.
فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْغُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ؛ سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَصْلُ فِي الْغُرَّةِ الْخِيَارُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَثْبُتُ، رَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَوَهَمَ فِيهِ.
قَالَهُ أَهْلُ النَّقْلِ.
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ إنَّمَا فِيهِ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
فَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ.
فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ جَنِينَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ لَا يَكُونُ إلَّا حُرًّا مُسْلِمًا، فَمَتَى كَانَ الْجَنِينُ حُرًّا مُسْلِمًا، فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً، مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ كِتَابِيَّةً، فَإِنَّ جَنِينَهَا

مِنْهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، وَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَلَا يَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَوَلَدُ السَّيِّدِ مِنْ أَمَتِهِ وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ مِنْ أَمَةٍ حُرٌّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وُطِئَتْ الْأَمَةُ بِشُبْهَةٍ، فَوَلَدُهَا حُرٌّ، وَفِيهِ الْغُرَّةُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِرِقِّهِ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الْغُرَّةُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ.
وَأَمَّا جَنِينُ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَفِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَنِينَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مَضْمُونٌ بِعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، فَكَذَلِكَ جَنِينُ الْكَافِرَةِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ يَرَوْنَ أَنَّ دِيَةَ الْكَافِرَةِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمَةِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ، فَإِنْ كَانَ أَبَوَا الْجَنِينِ كَافِرَيْنِ مُخْتَلِفًا دِينُهُمَا، كَوَلَدِ الْكِتَابِيِّ مِنْ الْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيِّ مِنْ الْكِتَابِيَّةِ، اعْتَبَرْنَاهُ بِأَكْثَرِهِمَا دِيَةً، فَنُوجِبُ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ كِتَابِيَّةٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُسْلِمَةِ مِنْ الْكَافِرَةِ مُعْتَبَرٌ بِأَكْثَرِهِمَا دِيَةً، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ كَوْنِ الْجَنِينِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ كِتَابِيَّةٍ حَامِلًا مِنْ كِتَابِيٍّ، فَأَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ أَسْقَطَتْهُ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ.
فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ، وَالْجَنِينُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَ اسْتِقْرَارِهَا.
وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ: فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ كِتَابِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْغُرَّةِ.
وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ فَأُعْتِقَتْ، ثُمَّ أَلْقَتْ الْجَنِينَ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، فِيهِ غُرَّةٌ، وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ، فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ عَبْدًا.
وَيُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِهِ عَبْدًا وَيُمْكِنُ مَنْعَ كَوْنِهِ صَارَ حُرًّا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَلَفُهُ بِالْجِنَايَةِ، وَبَعْدَ تَلَفِهِ لَا يُمْكِنُ تَحْرِيرُهُ.
وَعَلَى قَوْلِ هَذَيْنِ، يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهِ لِسَيِّدِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْغُرَّةِ أَوْ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الزِّيَادَةَ، لِأَنَّهَا زَادَتْ بِالْحُرِّيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلِّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِإِعْتَاقِهِ، فَلَا يَضْمَنُ لَهُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجِنَايَةِ، كَانَ لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ أَوْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ حَقِّ السَّيِّدِ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ.
فَأَمَّا إنْ ضَرَبَ بَطْنَ الْأَمَةِ، فَأَعْتَقَ السَّيِّدُ جَنِينَهَا وَحْدَهُ، نَظَرْت؛ فَإِنْ أَسْقَطَتْهُ حَيًّا لَوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُهُ، فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَإِنْ كَانَ لَوَقْتٍ [لَا] يَعِيشُ مِثْلُهُ، فَفِيهِ غُرَّةٌ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، عَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ.
وَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ كَوْنَهُ حَيًّا حَالَ إعْتَاقِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْغُرَّةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ أُمَّهُ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي تَجِبُ الْغُرَّةُ إذَا سَقَطَ الْجَنِينُ مِنْ الضَّرْبَةِ]

(6843) الْفَصْلُ الثَّانِي: إنَّ الْغُرَّةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا سَقَطَ مِنْ الضَّرْبَةِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ يَسْقُطَ عَقِيبَ الضَّرْبِ، أَوْ بِبَقَائِهَا مُتَأَلِّمَةً

إلَى أَنْ يَسْقُطَ.
وَلَوْ قَتَلَ حَامِلًا لَمْ يَسْقُطْ جَنِينُهَا، أَوْ ضَرَبَ مَنْ [فِي] جَوْفِهَا حَرَكَةٌ أَوْ انْتِفَاخٌ، فَسَكَّنَ الْحَرَكَةَ وَأَذْهَبَهَا، لَمْ يَضْمَنْ الْجَنِينَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عَلَيْهِ الْغُرَّةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَتَلَ الْجَنِينَ، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ، كَمَا لَوْ أُسْقِطَتْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَلَدِ إلَّا بِخُرُوجِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةٌ وَلَا مِيرَاثٌ، وَلِأَنَّ الْحَرَكَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَرِيحٍ فِي الْبَطْنِ سَكَنَتْ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ.
وَأَمَّا إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا، فَقَدْ تَحَقَّقَ، وَالظَّاهِرُ تَلَفُهُ مِنْ الضَّرْبَةِ، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ، سَوَاءٌ أَلْقَتْهُ فِي حَيَاتِهَا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَلْقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى أَعْضَائِهَا، وَبِمَوْتِهَا سَقَطَ حُكْمُ أَعْضَائِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ جَنِينٌ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ، وَعُلِمَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ فِي حَيَاتِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ حَيًّا ضَمِنَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ مَيِّتًا، كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ فِي حَيَاتِهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ إذَا سَقَطَ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ، لَمْ يَضْمَنْهُ كَأَعْضَائِهَا، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَوْرُوثٌ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ أُمِّهِ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَيًّا.
فَأَمَّا إنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ بَاقِيه، فَفِيهِ الْغُرَّةُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا تَجِبُ الْغُرَّةُ حَتَّى تُلْقِيَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَوْجَبَ الْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ الَّذِي أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ؛ وَهَذِهِ لَمْ تُلْقِ شَيْئًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَنَا، أَنَّهُ قَاتِلٌ لِجَنِينِهَا، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ جَمِيعُهُ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ قَتْلَهُ وَلَا وُجُودَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَتْ يَدًا، أَوْ رِجْلًا، أَوْ رَأْسًا، أَوْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ، وَجَبَتْ الْغُرَّةُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مِنْ جَنِينٍ.
وَإِنْ أَلْقَتْ رَأْسَيْنِ، أَوْ أَرْبَعَ أَيْدٍ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ غُرَّةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينَيْنِ، فَلَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ مَعَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ؛ وَكَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ جَنِينٌ.
وَإِنْ أَلْقَتْ مُضْغَةً، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً، فَفِيهِ غُرَّةٌ، وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ تَصَوَّرَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ، كَالْعَلَقَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَا نَشْغَلُهَا بِالشَّكِّ.
وَالثَّانِي، فِيهِ غُرَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ.
وَهَذَا يَبْطُلُ بِالنُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ.،

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ غُرَّة الْعَبْد وَالْأَمَة]

(6844) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْغُرَّةَ عَبْدٌ أَوْ أُمَّةٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ عُرْوَةُ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ

أَوْ فَرَسٌ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ اسْمُ لِذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ» . وَجَعَلَ ابْنُ سِيرِينَ مَكَانَ الْفَرَسِ مِائَةَ شَاةٍ، وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَعَلَ فِي وَلَدِهَا مِائَةَ شَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَنِينِ إذَا أُمْلِصَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ مُضْغَةً، فَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَ عَظْمًا سِتِّينَ، فَإِذَا كَانَ الْعَظْمُ قَدْ كُسِيَ لَحْمًا فَثَمَانِينَ، فَإِنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَكُسِيَ شَعْرُهُ فَمِائَةَ دِينَارٍ.
قَالَ قَتَادَةُ: إذَا كَانَ عَلَقَةً فَثُلُثُ غُرَّةٍ، وَإِذَا كَانَ مُضْغَةً فَثُلُثَيْ غُرَّةٍ.
وَلَنَا، «قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاضِيَةٌ عَلَى مَا خَالَفَهَا.
وَذِكْرُ الْفَرَسِ وَالْبَغْلِ فِي الْحَدِيثِ وَهْمٌ انْفَرَدَ بِهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي الْبَغْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْفَرَسِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا خَالَفَهُ.
وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، تَحَكُّمٌ بِتَقْدِيرِ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَكَذَلِكَ قَتَادَةُ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ قَوْلِهِمَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْغُرَّةُ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ بَدَلِهَا وَرَضِيَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَأَيُّهُمَا امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْبَدَلِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا، فَلَا يُقْبَلُ بَدَلُهَا إلَّا بِرِضَاهُمَا.
وَتَجِبُ الْغُرَّةُ سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِنْ قَلَّ الْعَيْبُ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَجَبَ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ الْمَعِيبُ، كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ الْغُرَّةَ الْخِيَارُ، وَالْمَعِيبُ لَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ.
وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا هَرِمَةٌ، وَلَا ضَعِيفَةٌ، وَلَا خُنْثَى، وَلَا خَصِيٌّ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ.
وَلَا يَتَقَدَّرُ سِنُّهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ فِيهَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مِنْ يَكْفُلُهُ لَهُ وَيَحْضُنُهُ، وَلَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا غُلَامٌ بَلَغَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا ابْنَةُ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ.
وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْكَفَالَةِ بَاطِلٌ بِمَنْ لَهُ فَوْقَ السَّبْعِ، وَلِأَنَّ بُلُوغَهُ قِيمَةَ الْكَبِيرِ مَعَ صِغَرِهِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خِيَارٌ، وَلَمْ يَشْهَدْ لِمَا ذَكَرُوهُ نَصٌّ، وَلَا لَهُ نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالشَّابُّ الْبَالِغُ أَكْمَلُ مِنْ الصَّبِيِّ عَقْلًا وَبِنْيَةً، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَأَنْفَعُ فِي الْخِدْمَةِ، وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَكَوْنُهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ إنْ أُرِيدَ بِهِ النِّسَاءُ الْأَجْنَبِيَّاتُ، بِلَا حَاجَةٍ إلَى دُخُولِهِ عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ سَيِّدَتُهُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: 58] إلَى قَوْلِهِ:

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: 58] . ثُمَّ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى النِّسَاءِ، لَحَصَلَ مِنْ نَفْعِهِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ دُخُولِهِ، وَفَوَاتُ شَيْءٍ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ لَا يُعَدُّ فَوَاتًا، كَمَنْ اشْتَرَى بِدِرْهَمِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً، لَا يُعَدُّ فَوَاتًا وَلَا خُسْرَانًا، وَلَا يُعْتَبَرُ لَوْنُ الْغُرَّةِ.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، أَنَّ الْغُرَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَيْضَاءَ، وَلَا يُقْبَلُ عَبْدٌ أَسْوَدُ، وَلَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَأَطْلَقَ مَعَ غَلَبَةِ السَّوَادِ عَلَى عَبِيدِهِمْ وَإِمَائِهِمْ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجِبُ دِيَةً، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَوْنُهُ، كَالْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ.

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ قِيمَةُ الْغُرَّةُ]

(6845) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْغُرَّةَ قِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَزَيْدٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي الْجِنَايَاتِ، وَهُوَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ وَدِيَةُ السِّنِّ، فَرَدَدْنَاهُ إلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَجَبَ فِي الْأُنْمُلَةِ ثَلَاثُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ، وَذَلِكَ دُونَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ.
قُلْنَا: الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُرَّةً قِيمَتُهَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ، وَهُوَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَإِذَا كَانَ أَبَوَا الْجَنِينِ كِتَابِيَّيْنِ، فَفِيهِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْغُرَّةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْمُسْلِمِ.
وَفِي جَنِينِ الْمَجُوسِيَّةِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وَإِذَا تَعَذَّرَ وُجُودُ غُرَّةٍ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، وَجَبَتْ الدَّرَاهِمُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
وَإِذَا اتَّفَقَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ الْأُصُولِ كُلِّهَا، بِأَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ وَخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْإِبِلِ، فَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِهَا، مِثْلُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْإِبِلِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا أَوْ أَرْبَعمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تُقَوَّمُ بِالْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ.
وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، تُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ، فَجَعَلَ قِيمَتَهَا خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ اخْتَلَفَا، قُوِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِهِ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ جَمِيعًا، قَوَّمَهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ إلَى الْجَانِي فِي دَفْعِ مَا شَاءَ مِنْ الْأُصُولِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقَوَّمَ بِأَدْنَاهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِذَلِكَ.
وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْغُرَّةَ، انْتَقَلَ إلَى خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ.
عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، يَنْتَقِلُ إلَى خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ.

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ الْغُرَّةُ مَوْرُوثَة عَنْ الْجَنِينِ]

(6846) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْغُرَّةَ مَوْرُوثَةٌ عَنْ الْجَنِينِ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا؛ لِأَنَّهَا دِيَةٌ لَهُ، وَبَدَلٌ عَنْهُ، فَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ، كَمَا لَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا تُورَثُ، بَلْ تَكُونُ بَدَلَهُ لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، فَأَشْبَهَ يَدَهَا.

وَلَنَا، أَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ حُرٍّ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَوْرُوثَةً عَنْهُ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهَا.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عُضْوًا لَدَخَلَ بَدَلُهُ فِي دِيَةِ أُمِّهِ، كَيَدِهَا، وَلَمَّا مُنِعَ مِنْ الْقِصَاصُ مِنْ أُمِّهِ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِهِ، وَلَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ، وَلَمَا صَحَّ عِتْقُهُ دُونَهَا، وَلَا عِتْقُهَا دُونَهُ، وَلَا تَصَوُّرُ حَيَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُضْمَنُ بِالدِّيَةِ تُورَثُ، كَدِيَةِ الْحَيِّ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا أَسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، ثُمَّ مَاتَتْ، فَإِنَّهَا تَرِثُ نَصِيبَهَا مِنْ دِيَته، ثُمَّ يَرِثُهَا وَرَثَتُهُ.
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ، فَإِنَّهَا تَرِثُ نَصِيبَهَا مِنْ دِيَتِهِ، ثُمَّ يَرِثُهَا وَرَثَتُهَا.
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ، ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ، أَوْ مَاتَتْ ثُمَّ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، وَرِثَهَا، ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ وُرَّاثُهُمَا فِي أَوَّلِهِمَا مَوْتًا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَرْقَى.
عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا، أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَخْتَصُّوا بِمِيرَاثِهِ، وَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، ثُمَّ أَلْقَتْ آخَرَ حَيًّا، فَفِي الْمَيِّتِ غُرَّةٌ، وَفِي الْحَيِّ الْأَوَّلِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لَوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُهُ، وَيَرِثُهُمَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ إنْ مَاتَ.
وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ قَدْ مَاتَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ الثَّانِي، فَإِنَّ دِيَةَ الْأَوَّلِ تَرِثُ مِنْهَا الْأُمُّ وَالْجَنِينُ الثَّانِي، ثُمَّ إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ، وَرِثَهَا الثَّانِي ثُمَّ يَصِيرُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ.
وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَهُمَا، وَرِثَتْهُمَا جَمِيعًا.

[فَصْلٌ ضَرَبَ بَطْن امْرَأَة فَأَلْقَتْ أَجِنَّة]

(6847) فَصْلٌ: وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ أَجِنَّةً، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ غُرَّةٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
قَالَ: وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهِ، كَالدِّيَاتِ.
وَإِنْ أَلْقَتْهُمْ أَحْيَاءَ فِي وَقْتٍ يَعِيشُونَ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ مَاتُوا، فَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ حَيًّا فَمَاتَ، وَبَعْضُهُمْ مَيِّتًا، فَفِي الْحَيِّ دِيَةٌ، وَفِي الْمَيِّتِ غُرَّةٌ.

[فَصْلٌ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْجَنِينِ إذَا مَاتَ مَعَ أُمّه]

(6848) فَصْلٌ: وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْجَنِينِ إذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَتْلُ الْأُمِّ عَمْدًا، أَوْ مَاتَ الْجَنِينُ وَحْدَهُ، لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ.
وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْجَنِينِ لَيْسَتْ بِعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِالضَّرْبِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا دُونَ الثُّلُثِ.
وَإِذَا مَاتَ وَحْدَهُ أَوْ مِنْ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل