الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَتْلِ الشُّيُوخِ يُسْتَثْنَى بِهَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] . وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا نَفْعَ فِي حَيَاتِهِ، فَيُقْتَلُ كَالشَّابِّ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأَةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فِي سُنَنِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ وَصَّى يَزِيدَ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى الشَّامِ، فَقَالَ: لَا تَقْتُلْ صَبِيًّا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا هَرِمًا.
وَعَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ وَصَّى سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ: لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا شَيْخًا هَرِمًا.
رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَلَا يُقْتَلْ، كَالْمَرْأَةِ.
وَقَدْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْمَرْأَةِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذِهِ قُتِلَتْ، وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ» . وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ عُمُومِهَا الْمَرْأَةُ، وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ فِي مَعْنَاهَا، فَنَقِيسُهُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَأَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَى الْقِتَالِ، أَوْ مَعُونَةٌ عَلَيْهِ، بِرَأْيِ أَوْ تَدْبِيرٍ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ أَحَادِيثَنَا خَاصَّةٌ فِي الْهَرِمِ، وَحَدِيثَهُمْ عَامٌّ فِي الشُّيُوخِ كُلِّهِمْ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْعَجُوزِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا.
[فَصْلٌ لَا يُقْتَلُ زَمِنٌ وَلَا أَعْمَى وَلَا رَاهِبٌ فِي دَار الْحَرْب]
(7612) فَصْلٌ: وَلَا يُقْتَلُ زَمِنٌ وَلَا أَعْمَى وَلَا رَاهِبٌ، وَالْخِلَافُ فِيهِمْ كَالْخِلَافِ فِي الشَّيْخِ، وَحُجَّتُهُمْ هَا هُنَا حُجَّتُهُمْ فِيهِ.
وَلَنَا، فِي الزَّمِنِ وَالْأَعْمَى، أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَأَشْبَهَا الْمَرْأَةَ، وَفِي الرَّاهِبِ، مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «وَسَتَمُرُّونَ عَلَى أَقْوَامٍ فِي الصَّوَامِعِ، قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعُوهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمْ اللَّهُ عَلَى ضَلَالِهِمْ» . وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ تَدَيُّنًا، فَأَشْبَهُوا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ.
[فَصْلٌ لَا يُقْتَلُ الْعَبِيدُ فِي دَار الْحَرْب]
(7613) فَصْلٌ: وَلَا يُقْتَلُ الْعَبِيدُ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَدْرِكُوا خَالِدًا، فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا» . وَهُمْ الْعَبِيدُ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ السَّبْيِ، فَأَشْبَهُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ.
[فَصْلٌ جَازَ قَتْلُ أَصْحَابِ الْعَاهَاتِ إذَا كَانَ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْب]
(7614) فَصْلٌ: وَمَنْ قَاتَلَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا جَمِيعِهِمْ، جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَتَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً أَلْقَتْ رَحًى عَلَى مَحْمُودِ بْنِ سَلَمَةَ» . وَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ ذَا رَأْيٍ يُعِينُ بِهِ فِي الْحَرْبِ، جَازَ قَتْلُهُ «؛ لِأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ شَيْخٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، وَكَانُوا خَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ، يَتَيَمَّنُونَ بِهِ، وَيَسْتَعِينُونَ بِرَأْيِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَهُ.» وَلِأَنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ فِي الْحَرْبِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ وَالْأَسْوَدِ: أَمْدَدْتُمَا عَلِيًّا بِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَبِرَأْيِهِ وَمُكَايَدَتِهِ، فَوَاَللَّهِ لَوْ أَنَّكُمَا أَمْدَدْتُمَاهُ بِثَمَانِيَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، مَا كَانَ بِأَغْيَظَ لِي مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَة قِتَال النِّسَاءِ أَوْ الْمَشَايِخِ أَوْ الرُّهْبَان فِي الْمَعْرَكَة]
مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَمَنْ قَاتَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ النِّسَاءِ أَوْ الْمَشَايِخِ أَوْ الرُّهْبَانِ فِي الْمَعْرَكَةِ قُتِلَ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي قَالَ: فَسَكَتَ» «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، فَقَالَ: مَا بَالُهَا قُتِلَتْ، وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ تُقَاتِلْ، وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا لَمْ يُقْتَلُوا لِأَنَّهُمْ فِي الْعَادَةِ لَا يُقَاتِلُونَ.
[فَصْل قِتَال الْمَرِيض فِي الْمَعْرَكَة]
(7616) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَرِيضُ، فَيُقْتَلُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَلَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ، لَا يُقْتَلُ، لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يُقَاتِلُ فِيهَا.
[فَصْلٌ قِتَال الْحَرَّاثُ فِي الْمَعْرَكَة]
(7617) فَصْلٌ فَأَمَّا الْفَلَّاحُ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْتَلَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ، الَّذِينَ لَا يَنْصِبُونَ لَكُمْ الْحَرْبَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يُقْتَلُ الْحَرَّاثُ، إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْتَلُ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْتُلُوهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ، فَأَشْبَهُوا الشُّيُوخَ وَالرُّهْبَانَ.
[فَصْلٌ حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا]
(7618) فَصْلٌ: إذَا حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَتْهُ مُصَابَرَتُهُ، وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِخُصْلَةٍ مِنْ خِصَالٍ خَمْسٍ أَحَدِهَا، أَنْ يُسْلِمُوا، فَيُحْرِزُوا بِالْإِسْلَامِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ، وَيَرِقُّونَ.
الثَّانِيَةُ، أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ، فَيَجُوزُ قَبُولُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ أَعْطَوْهُ جُمْلَةً أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ، فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَبَذَلُوهَا، لَزِمَهُ قَبُولُهَا مِنْهُمْ، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ، لِقَوْلِ اللَّهِ
تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وَإِنْ بَذَلُوا مَالًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْجِزْيَةِ، فَرَأَى
الْمَصْلَحَةَ
فِي قَبُولِهِ، قَبِلَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إذَا لَمْ يَرَ
الْمَصْلَحَةَ
فِيهِ.
الثَّالِثَةُ، أَنْ يَفْتَحَهُ.
الرَّابِعَةُ، أَنْ يَرَى
الْمَصْلَحَةَ
فِي الِانْصِرَافِ عَنْهُ، إمَّا لِضَرَرٍ فِي الْإِقَامَةِ، وَإِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ يَنْتَهِزُهَا تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ: إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: أَنَرْجِعُ عَنْهُ وَلَمْ نَفْتَحْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَصَابَهُمْ الْجِرَاحُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّا قَافِلُونَ غَدًا.
فَأَعْجَبَهُمْ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الْخَامِسَةُ، أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَجُوزُ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إلَى ذَلِكَ» وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا، صِفَةُ الْحَاكِمِ.
وَالثَّانِي، صِفَةُ الْحُكْمِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ، أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ حُرًّا، مُسْلِمًا، عَاقِلًا، بَالِغًا، ذَكَرًا، عَدْلًا، فَقِيهًا، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى، لِأَنَّ عَدَمَ الْبَصَرِ لَا يَضُرُّ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَأْيُهُ، وَمَعْرِفَةُ الْمَصْلَحَةِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ الْبَصَرِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْبَصَرِ، لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ وَيُعْتَبَرُ مِنْ الْفِقْهِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ، مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَلَا يُعْتَبَرُ فِقْهُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذَا لِهَذَا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَإِذَا حَكَّمُوا رَجُلَيْنِ جَازَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَإِنْ جَعَلُوا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ، جَازَ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا مَنْ يَصْلُحُ وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إلَيْهِمْ، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا مَنْ لَا يَصْلُحُ، وَإِنْ عَيَّنُوا رَجُلًا يَصْلُحُ، فَرَضِيَهُ الْإِمَامُ، جَازَ، لِأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَيَّنُوهُ، فَرَضِيَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجَازَ حُكْمَهُ.
وَقَالَ «لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ» وَإِنْ مَاتَ مَنْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ، قَامَ مُقَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مُقَامَهُ، أَوْ طَلَبُوا حَكَمًا لَا يَصْلُحُ، رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا، وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، جَازَ، وَإِلَّا رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ الشَّرَائِطُ فِيهِ، وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ، لَمْ يُحَكَّمْ، وَيُرَدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا.
وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ، فَإِنْ حَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، نُفِّذَ حُكْمُهُ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ»
وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ إلَيْهِ فِيمَا يَرَى
الْمَصْلَحَةَ
فِيهِ، فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ، كَالْإِمَامِ فِي الْأَسِيرِ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَهُ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلَا حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَمْلِكُ الْمَنَّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ إذَا سُبُوا فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَيَّنْ السَّبْيُ فِيهِمْ، بِخِلَافِ مَنْ سُبِيَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ جَازَ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ.
فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّرَاضِي، وَلِذَلِكَ لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ إجْبَارَ الْأَسِيرِ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ.
وَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ جَازَ لِلْإِمَامِ الْمَنُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، «لِأَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا، مِنْ قُرَيْظَةَ، وَمَالِهِ، رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَهُ» . وَيُخَالِفُ مَالَ الْغَنِيمَةِ إذَا حَازَهُ الْمُسْلِمُونَ، لِأَنَّ مِلْكَهُمْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَأَمْوَالُهُمْ لَهُمْ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ، بِخِلَافِ الْأَسِيرِ، فَإِنَّ الْأَسِيرَ قَدْ ثَبَتَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ، كَمَا تَثْبُتُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، فَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ.
وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ، سَقَطَ، لِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ عَصَمَ دَمَهُ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِمْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْأَسْرِ، وَيَكُونُ الْمَالُ عَلَى مَا حَكَمَ فِيهِ، وَإِنْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ، كَانَ غَنِيمَةً، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْقَهْرِ وَالْحَصْرِ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَسِيرَ إذَا خَلَّاهُ الْكُفَّارُ وَاسْتَحْلَفُوهُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ]
(7619) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَإِذَا خُلِّيَ الْأَسِيرُ مِنَّا، وَحَلَفَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ يُعَيِّنُهُ أَوْ يَعُودَ إلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا خَلَّيْهِ الْكُفَّارُ، وَاسْتَحْلَفُوهُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ أَوْ يَعُودَ إلَيْهِمْ، نَظَرْت، فَإِنْ أَكْرَهُوهُ بِالْعَذَابِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِرُجُوعٍ وَلَا فِدَاءٍ، لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْفِدَاءِ الَّذِي الْتَزَمَهُ، لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، أَيْضًا: لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّهُ حُرٌّ لَا يَسْتَحِقُّونَ بَدَلَهُ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: 91]
«وَلَمَّا صَالَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا وَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ: إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ» وَلِأَنَّ فِي الْوَفَاءِ مَصْلَحَةً لِلْأُسَارَى، وَفِي الْغَدْرِ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَمَّنُونَ بَعْدَهُ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْهُدْنَةِ، وَلِأَنَّهُ عَاهَدَهُمْ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالْمَشْرُوطُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ شَرْطُهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِمَا إذَا شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا، أَوْ شَرَطَ لَهُمْ مَالًا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ.
فَأَمَّا إنْ عَجَزَ عَنْ الْفِدَاءِ، نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ الْمُفَادَى امْرَأَةً، لَمْ تُرْجَعْ إلَيْهِمْ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهَا ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] وَلِأَنَّ فِي رُجُوعِهَا تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى وَطْئِهَا حَرَامًا، وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ رَدَّ النِّسَاءِ إلَى الْكُفَّارِ بَعْدَ صُلْحِهِ عَلَى رَدِّهِنَّ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَفِيهَا: فَجَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَنَهَاهُمْ اللَّهُ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ
وَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا، لَا يُرْجَعُ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ مَعْصِيَةٌ فَلَمْ يَلْزَمُ بِالشَّرْطِ، كَمَا لَوْ كَانَ امْرَأَةً، وَكَمَا لَوْ شَرَطَ قَتْلَ مُسْلِمٍ، أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي بَعْثِ الْفِدَاءِ «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَاهَدَ قُرَيْشًا عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ وَقَالَ: إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ» وَفَارَقَ رَدَّ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ، حِينَ صَالَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا، فَأَمْضَى اللَّهُ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ، وَنَسَخَهُ فِي النِّسَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَقَدَّمَتْ.
[فَصْلٌ أَطْلَقُوهُ وَآمَنُوهُ السَّبْي]
(7620) فَصْلٌ: فَإِنْ أَطْلَقُوهُ وَآمَنُوهُ، صَارُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُ لِأَنَّ أَمَانَهُمْ لَهُ يَقْتَضِي سَلَامَتَهُمْ مِنْهُ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَقَامَ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ أَخَذَ فِي الْخُرُوجِ، فَأَدْرَكُوهُ وَتَبِعُوهُ، قَاتَلَهُمْ، وَبَطَلَ الْأَمَانُ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْمُقَامَ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ، فَأَمَّا إنْ أَطْلَقُوهُ وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا قَدَرَ، عَلَيْهِ وَيَسْرِقَ وَيَهْرَبَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ، وَشَرَطُوا عَلَيْهِ الْمُقَامَ عِنْدَهُمْ، لَزِمَهُ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَلْزَمُهُ فَأَمَّا إنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ رَقِيقٌ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَنْ يَسْرِقَ وَيَهْرَبَ وَيَقْتُلَ، لِأَنَّ كَوْنَهُ رَقِيقًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَقْتَضِ أَمَانًا لَهُ مِنْهُمْ، وَلَا لَهُمْ مِنْهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ أَحَلَفُوا عَلَى هَذَا، فَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْيَمِينِ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَحَنِثَ، كَفَّرَ يَمِينَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِقَامَةُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُلْزِمُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ.
[فَصْلٌ شِرَاء الْأَسِير وَاقْتِرَاضه]
(7621) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى الْأَسِيرُ شَيْئًا مُخْتَارًا، أَوْ اقْتَرَضَهُ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْأَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ أَكْرَهُوهُ عَلَى قَبْضِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَيْهِمْ إنْ كَانَ بَاقِيًا، لِأَنَّهُمْ دَفَعُوهُ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَإِنْ قَبَضَهُ بِاخْتِيَارِهِ، ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَإِنْ بَاعَهُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ لَزِمَهُ رَدُّهَا، لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَإِنْ عَدِمَتْ الْعَيْنُ، رَدَّ قِيمَتَهَا.
[مَسْأَلَةٌ لِلْمُسْلِمِ الْهَرَبُ مِنْ الْكَافِرِ إذَا خَشِيَ الْأَسْرِ فِي الْحَرْبِ]
(7622) مَسْأَلَةٌ قَالَ (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ كَافِرَيْنِ، وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ خَشِيَ الْأَسْرَ، قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَجَبَ الثَّبَاتُ، وَحَرُمَ الْفِرَارُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45] « وَذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، فَعَدَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ» .
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَاصَّةً وَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِهَا، وَالْأَمْرُ مُطْلَقٌ وَخَبَرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامٌّ، فَلَا يَجُوزُ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الثَّبَاتُ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ لَا يَزِيدُونَ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ زَادُوا عَلَيْهِ جَازَ الْفِرَارُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66] .
وَهَذَا إنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ، فَهُوَ أَمْرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: 66] وَلَوْ كَانَ خَبَرًا عَلَى حَقِيقَتِهِ، لَمْ يَكُنْ رَدُّنَا مِنْ غَلَبَةِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ إلَى غَلَبَةِ الِاثْنَيْنِ تَخْفِيفًا، وَلِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ لَا يَقَعُ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الظَّفَرَ وَالْغَلَبَةَ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ يَكُونُ الْعَدُوُّ فِيهِ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَمَا دُونَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَفَرْضٌ، وَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يَنْسَخُ هَذِهِ الْآيَةَ، لَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ تَخْفِيفٌ فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: 66] /إلَى قَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعَدَدِ، نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ مِنْ الْعَدَدِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ، فَقَدْ فَرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَمَا فَرَّ الثَّانِي، أَنْ لَا يَقْصِدَ بِفِرَارِهِ التَّحَيُّزَ إلَى فِئَةٍ، وَلَا التَّحَرُّفَ لِقِتَالٍ، فَإِنْ قَصَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ، فَهُوَ مُبَاحٌ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16] .
وَمَعْنَى التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ، أَنْ يَنْحَازَ إلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَالُ فِيهِ أَمْكَنَ، مِثْلُ أَنْ يَنْحَازَ مِنْ مُوَاجَهَةِ الشَّمْسِ، أَوْ الرِّيحِ إلَى اسْتِدْبَارِهِمَا أَوْ مِنْ نَزْلَةٍ إلَى عُلُوٍّ، أَوْ مِنْ مَعْطَشَةٍ إلَى مَوْضِعِ مَاءٍ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهمْ لِتَنْتَقِضَ صُفُوفُهُمْ، أَوْ تَنْفَرِدَ خَيْلُهُمْ مِنْ رَجَّالَتِهِمْ، أَوْ لِيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إلَى جَبَلٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي خُطْبَتِهِ إذْ قَالَ: يَا سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ، الْجَبَلَ، ظَلَمَ الذِّئْبَ مَنْ اسْتَرْعَاهُ الْغَنَمَ.
فَأَنْكَرَهَا النَّاسُ فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: دَعُوهُ.
فَلَمَّا نَزَلَ سَأَلُوهُ عَمَّا قَالَ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ إلَى نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ لِغَزْوِهِمْ فَلَمَّا قَدِمَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لَقُوا عَدُوَّهُمْ يَوْمَ جُمُعَةَ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَسَمِعُوا صَوْتَ عُمَرَ فَتَحَيَّزُوا إلَى الْجَبَلِ، فَنَجَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ فَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ
وَأَمَّا التَّحَيُّزُ إلَى فِئَةٍ، فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ إلَى فِئَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونَ مَعَهُمْ، فَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَسَوَاءٌ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ.
قَالَ الْقَاضِي: لَوْ كَانَتْ الْفِئَةُ بِخُرَاسَانَ.
وَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ، جَازَ التَّحَيُّزُ إلَيْهَا وَنَحْوَهُ ذَكَرَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنِّي فِئَةٌ لَكُمْ وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ مِنْهُ» وَقَالَ عُمَرُ أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُيُوشُهُ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانِ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَقَالَ عُمَرُ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ لَوْ كَانَ تَحَيَّزَ إلَيَّ لَكُنْت لَهُ فِئَةً وَإِذَا خَشِيَ الْأَسْرَ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ، وَلَا يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ، لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ.
وَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَشَرَةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ، فَنَفَرَتْ إلَيْهِمْ هُذَيْلٌ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ، لَجَئُوا إلَى فَدَدٍ فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا فَأَعْطُونَا مَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا فَقَالَ عَاصِمٌ:.
أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ مَعَهُ، وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ، أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ، فَرَبَطُوهُمْ بِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَعَاصِمٌ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ، وَخُبَيْبٌ وَزَيْدٌ أَخَذَا بِالرُّخْصَةِ، وَكُلُّهُمْ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَلَا مَلُومٍ.
[فَصْلٌ كَانَ الْعَدُوّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ]
(7623) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَإِنْ انْصَرَفُوا جَازَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ وَالْحُكْمُ عُلِّقَ عَلَى مَظِنَّتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمْ الثَّبَاتُ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الثَّبَاتُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الظَّفَرُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْإِقَامَةِ، وَالنَّجَاةُ فِي الِانْصِرَافِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الِانْصِرَافُ، وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ، لِأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْإِقَامَةِ وَالِانْصِرَافِ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ، لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَالِ مُحْتَسَبِينَ، فَيَكُونُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمُوَلِّينَ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] وَلِذَلِكَ صَبَرَ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ.
[فَصْلٌ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا فَلِأَهْلِهِ التَّحَصُّنُ مِنْهُمْ]
(7624) فَصْلٌ: فَإِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا، فَلِأَهْلِهِ التَّحَصُّنُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَوَلِّيًا وَلَا فِرَارًا، إنَّمَا التَّوَلِّي بَعْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ لَقُوهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمْ التَّحَيُّزُ إلَى الْحِصْنِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ، أَوْ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ.
وَإِنْ غَزَوْا فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْفِرَارِ، لِأَنَّ الْقِتَالَ مُمْكِنٌ لِلرَّجَّالَةِ وَإِنْ تَحَيَّزُوا إلَى جَبَلٍ لِيُقَاتِلُوا فِي رَجَّالَةٍ، فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّهُ تَحَرُّفٌ لِلْقِتَالِ وَإِنْ ذَهَبَ سِلَاحُهُمْ، فَتَحَيَّزُوا إلَى مَكَان يُمْكِنُهُمْ الْقِتَالُ فِيهِ بِالْحِجَارَةِ، وَالتَّسَتُّرُ بِالشَّجَرِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَهُمْ فِي التَّحَيُّزِ إلَيْهِ فَائِدَةٌ جَازَ.
[فَصْلٌ وَلَّى قَوْمٌ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَأَحْرَزَهَا الْبَاقُونَ]
(7625) فَصْلٌ: فَإِنْ وَلَّى قَوْمٌ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، وَأَحْرَزَهَا الْبَاقُونَ، فَلَا شَيْءَ لِلْفَارِّينَ، لِأَنَّ إحْرَازَهَا حَصَلَ بِغَيْرِهِمْ، فَكَانَ مِلْكُهَا لِمَنْ أَحْرَزَهَا وَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ، أَوْ مُتَحَرِّفِينَ لِلْقِتَالِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ أَيْضًا، لِذَلِكَ وَإِنْ فَرُّوا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمْ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ بِحِيَازَتِهَا، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُمْ عَنْهَا بِفِرَارِهِمْ
[فَصْلٌ أَلْقَى الْكُفَّارُ نَارًا فِي سَفِينَةٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ فَاشْتَعَلَتْ فِيهَا]
(7626) فَصْلٌ: فَإِذَا أَلْقَى الْكُفَّارُ نَارًا فِي سَفِينَةٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ فَاشْتَعَلَتْ فِيهَا، فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ السَّلَامَةُ فِيهِ، مِنْ بَقَائِهِمْ فِي مَرْكَبِهِمْ، أَوْ إلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِي الْمَاءِ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ فِعْلُهُ، وَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُمْ الْأَمْرَانِ، فَقَالَ أَحْمَدُ كَيْفَ شَاءَ يَصْنَعُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هُمَا مَوْتَتَانِ، فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ الْمُقَامُ، لِأَنَّهُمْ إذَا رَمَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَاءِ، كَانَ مَوْتُهُمْ بِفِعْلِهِمْ، وَإِنْ أَقَامُوا فَمَوْتُهُمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ أَجَرَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا عَلَى حِفْظِ الْغَنِيمَةِ]
(7627) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ، بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا، عَلَى حِفْظِ الْغَنِيمَةِ، فَمُبَاحٌ لَهُ مَا أَخَذَ، إنْ كَانَ رَاجِلًا، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغَنِيمَةَ إذَا احْتَاجَتْ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا، أَوْ سَوْقِ الدَّوَابِّ الَّتِي هِيَ مِنْهَا، أَوْ يَرْعَاهَا، أَوْ يَحْمِلُهَا، فَإِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَيُؤَدِّيَ أُجْرَتَهَا مِنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَتِهَا، فَهُوَ كَعَلَفِ الدَّوَابِّ، وَطَعَامِ السَّبْيِ، وَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَهُ أُجْرَتُهُ مُبَاحَةً، لِأَنَّهُ أَجَرَ نَفْسَهُ لِفِعْلٍ بِالْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ حَاجَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ أُجْرَتُهُ كَمَا لَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ عَلَى الدَّلَالَةِ إلَى الطَّرِيقِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: إنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا.
فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ لَا يَرْكَبُ مِنْ دَوَابِّ الْمَغْنَمِ، وَلَا فَرَسًا حَبِيسًا.
قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَجِّرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَكَرِهَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْقَوْمَ عَلَى سِبَاقِ الرَّمَكِ عَلَى فَرَسٍ حَبِيسٍ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الْفَرَسَ الْمَوْقُوفَةَ لِلْجِهَادِ فِيمَا يَخْتَصُّ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ فَإِنْ أَجَرَ نَفْسَهُ، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ الْحَبِيسَ، أَوْ دَابَّةً مِنْ الْمَغْنَمِ، لَمْ تَطِبْ لَهُ أُجْرَةٌ، لِأَنَّ الْمُعِينَ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ يَخْتَصُّ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ دَوَابَّ الْمَغْنَمِ، وَلَا دَوَابَّ الْحَبِيسِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ بِقَدْرِ أَجْرِ الدَّابَّةِ، يُرَدُّ فِي الْغَنِيمَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْغَنِيمَةِ، أَوْ يُصْرَفَ فِي نَفَقَةِ دَوَابِّ الْحَبِيسِ إنْ كَانَ الْفَرَسُ حَبِيسًا.
(7628) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ فِي الْإِجَارَةِ رُكُوبَ دَابَّةٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أُجْرَةٍ تُدْفَعُ مِنْ الْمَغْنَمِ.
وَلَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ بِدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ، صَحَّ فَإِذَا جَعَلَ أَجْرَهُ رُكُوبَهَا، كَانَ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَجْهُولًا، فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ إجَارَتِهَا كَوْنَ عِوَضِهَا مَعْلُومًا.
وَإِنْ شَرَطَ فِي الْإِجَارَةِ رُكُوبَ دَابَّةٍ مِنْ الْحَبِيسِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهَا إنَّمَا حُبِسَتْ عَلَى الْجِهَادِ، وَلَيْسَ هَذَا بِجِهَادٍ، إنَّمَا هُوَ نَفْعٌ لِأَهْلِ الْغَنِيمَةِ
[فَصْلٌ الِانْتِفَاعُ مِنْ الْغَنِيمَةِ]
(7629) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِرُكُوبِ دَابَّةٍ مِنْهَا وَلَا لُبْسِ ثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِهَا، لِمَا رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا، رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ، رَدَّهُ فِيهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلَيْدَةٌ قَالَ: «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى، فَقُلْت: مَا تَقُولُ فِي الْغَنِيمَةِ؟ فَقَالَ: لِلَّهِ خُمُسُهَا، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْجَيْشِ فَقُلْت: فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ أَحَدٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَا السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِك أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَخِيك الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّ الْغَنِيمَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَأَهْلِ الْخُمْسِ، فَلَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ الِاخْتِصَاصُ بِمَنْفَعَتِهِ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْقِتَالِ بِسِلَاحِهِمْ، فَلَا بَأْسَ قَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَ أَنْكَى فِيهِمْ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَنَعَمْ
وَذَكَرَ حَدِيثَ سَيْف أَبِي جَهْلٍ.
وَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: انْتَهَيْت إلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ ضُرِبَتْ رِجْلُهُ، فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاك يَا أَبَا جَهْلٍ فَأَضْرِبُهُ بِسَيْفٍ مَعِي غَيْرِ طَائِلٍ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذْت سَيْفَهُ، فَضَرَبْته بِهِ حَتَّى بَرَدَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَفِي رُكُوبِ الْفَرَسِ لِلْجِهَادِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا، يَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ فِي السِّلَاحِ، وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلْعَطَبِ غَالِبًا، وَقِيمَتُهَا كَثِيرَةٌ، بِخِلَافِ السِّلَاحِ.
[مَسْأَلَةٌ صِفَة الْأَمَان]
(7630) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَمَنْ لَقِيَ عِلْجًا، فَقَالَ لَهُ: قِفْ، أَوْ: أَلْقِ سِلَاحَك فَقَدْ أَمَّنَهُ) . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا صِفَةَ الْأَمَانِ، فَاَلَّذِي وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ لَفْظَتَانِ؛ أَجَرْتُك وَأَمَّنْتُك لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت» .
وَقَالَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» . وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ إذَا قَالَ: لَا تَخَفْ، لَا تَذْهَلْ، لَا تَخْشَ، لَا خَوْفَ عَلَيْك، لَا بَأْسَ عَلَيْك وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قُلْتُمْ: لَا بَأْسَ، أَوْ لَا تَذْهَلْ، أَوْ مَتْرَسٌ فَقَدْ أَمَّنْتُمُوهُمْ.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَا تَخَفْ فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: لَا تَذْهَلْ.
فَقَدْ أَمَّنَهُ.
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ: تَكَلَّمْ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْك.
فَلَمَّا تَكَلَّمَ، أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَيْسَ لَك إلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، قَدْ أَمَّنْته فَقَالَ عُمَرُ كَلًّا، فَقَالَ الزُّبَيْرُ قَدْ قُلْت لَهُ: تَكَلَّمْ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْك فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ الْقَتْلَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ: قُمْ، أَوْ قِفْ، أَوْ أَلْقِ سِلَاحَك.
فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ أَمَانٌ أَيْضًا، لِأَنَّ الْكَافِرَ يَعْتَقِدُ هَذَا أَمَانًا، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَمَّنْتُك وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ ادَّعَى الْكَافِرُ أَنَّهُ آمِنٌ، أَوْ قَالَ: إنَّمَا وَقَفْت لِنِدَائِك فَهُوَ آمِنٌ، إنْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ.
.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَمَانٍ، لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يُشْعِرُ بِهِ، وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِرْهَابِ وَالتَّخْوِيفِ، فَلَمْ يَكُنْ أَمَانًا، لِقَوْلِهِ: لَأَقْتُلَنَّك لَكِنْ يُرْجَعُ إلَى الْقَائِلِ، فَإِنْ قَالَ: نَوَيْت بِهِ الْأَمَانَ.
فَهُوَ أَمَانٌ، وَإِنْ قَالَ:
لَمْ أَرُدُّ أَمَانَهُ.
نَظَرْنَا فِي الْكَافِرِ، فَإِنْ قَالَ: اعْتَقَدْته أَمَانًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ، وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ أَمَانًا فَلَيْسَ بِأَمَانٍ، كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِمَا اعْتَقَدُوهُ أَمَانًا.
[فَصْلٌ الْأَمَانُ بِالْإِشَارَةِ]
(7631) فَصْلٌ: فَإِنْ أَشَارَ الْمُسْلِمُ إلَيْهِمْ بِمَا يَرَوْنَهُ أَمَانًا وَقَالَ: أَرَدْت بِهِ الْأَمَانَ فَهُوَ أَمَانٌ وَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْأَمَانَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ حِصْنِهِمْ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ، وَلَكِنْ يَرُدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ.
قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إلَى السَّمَاءِ إلَى مُشْرِكٍ، فَنَزَلَ بِأَمَانِهِ، فَقَتَلَهُ، لَقَتَلْته بِهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَإِنْ مَاتَ الْمُسْلِمُ أَوْ غَابَ، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ صَحَّحْتُمْ الْأَمَانَ بِالْإِشَارَةِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ؟ قُلْنَا: تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، كَمَا حُقِنَ دَمُ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ، تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ، وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ فِي الْغَالِبِ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَهُمْ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّكْلِيمِ بِالْإِشَارَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ
[فَصْلٌ سُبِيَتْ كَافِرَةٌ وَجَاءَ ابْنه يَطْلُبهَا]
(7632) فَصْلٌ: إذَا سُبِيَتْ كَافِرَةٌ، فَجَاءَ ابْنُهَا يَطْلُبُهَا، وَقَالَ: إنَّ عِنْدِي أَسِيرًا مُسْلِمًا فَأَطْلِقُوهَا حَتَّى أُحْضِرَهُ.
فَقَالَ الْإِمَامُ: أَحْضِرْهُ فَأَحْضَرَهُ، لَزِمَ إطْلَاقُهَا لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا إجَابَتُهُ إلَى مَا سَأَلَ وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: لَمْ أُرِدْ إجَابَتَهُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَرْكِ أَسِيرِهِ، وَرُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُطْلَقُ الْأَسِيرُ، وَلَا تُطْلَقُ الْمُشْرِكَةُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ حُرٌّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِمَمْلُوكَةٍ وَيُقَالُ لَهُ: إنْ اخْتَرْت شِرَاءَهَا، فَأْتِ بِثَمَنِهَا وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ الشَّرْطُ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَبَنَى عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَهِمَ الْأَمَانَ مِنْ الْإِشَارَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحُرَّ لَا يَكُونُ ثَمَنَ مَمْلُوكَةٍ.
قُلْنَا: لَكِنْ يَصِحُّ أَنْ يُفَادَى بِهَا، فَقَدْ فَادَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَسِيرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفَادَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَسِيرٍ مِنْ الْكُفَّارِ، وَوَفَّى لَهُمْ بِرَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا، وَقَالَ: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ» وَإِنْ كَانَ رَدُّ الْمُسْلِمِ إلَيْهِمْ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ إطْلَاقَهَا، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَقَوْلِهِ: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ.»
[مَسْأَلَةٌ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ]
(7633) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَوْ لِوَلَدِهِ، أَوْ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ) يَعْنِي إذَا كَانَ السَّارِقُ بَعْضَ الْغَانِمِينَ، أَوْ أَبَاهُ، أَوْ سَيِّدَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً وَهُوَ حَقُّهُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قَطْعِهِ، لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا إنْ كَانَ لِابْنِهِ وَإِنْ عَلَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فِيهَا حَقٌّ لَمْ يُقْطَعْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمْ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِيهَا حَقٌّ فَسَرَقَ مِنْهَا الْآخِرُ، لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْآخَرِ.
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذَا
[فَصْلٌ السَّارِقُ مِنْ الْغَنِيمَةِ غَيْرُ الْغَالِّ]
(7634) فَصْلٌ: وَالسَّارِقُ مِنْ الْغَنِيمَةِ غَيْرُ الْغَالِّ، فَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي إحْرَاقِ رَحْلِهِ، وَلَا يَجْرِي الْغَالُّ مَجْرَى السَّارِقِ فِي قَطْعِ يَدِهِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ السَّارِقَ يُحْرَقُ رَحْلُهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَالِّ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَجَبَ أَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّهِ عُقُوبَةٌ أُخْرَى، كَسَارِقِ الثَّمَرِ يَغْرَمُ مِثْلَيْ مَا سَرَقَ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَالِّ حَقِيقَةً، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْغُلُولَ يَكْثُرُ، لِكَوْنِهِ أَخْذَ مَالٍ لَا حَافِظَ لَهُ، وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا فَيَحْتَاجُ إلَى زَاجِرٍ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ السَّرِقَةُ، فَإِنَّهَا أَخْذُ مَالٍ مَحْفُوظٍ، فَالْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَقَلُّ.
[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ جَارِيَةً قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْغَنِيمَة]
(7635) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، أُدِّبَ، وَلَمْ يُبْلَغْ بِهِ حَدُّ الزَّانِي، وَأُخِذَ مِنْهُ مَهْرُ مِثْلِهَا، فَطُرِحَ فِي الْمَقْسَمِ، إلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، فَتَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا) . يَعْنِي إذَا كَانَ الْوَاطِئُ مِنْ الْغَانِمِينَ، أَوْ مِمَّنْ لِوَلَدِهِ فِيهَا حَقٌّ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُت لِلْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ لِلْوَاطِئِ حَقٌّ فِي هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، فَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وَهَذَا زَانٍ، وَلِأَنَّهُ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَلَزِمَهُ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كُلُّ مَنْ سَلَفَ مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُ: عَلَيْهِ أَدْنَى الْحَدَّيْنِ، مِائَةُ جَلْدَةٍ، وَمَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ: إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَخْبَارِ بِدَلِيلِ أَنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ قَالَ: أَسْقَطْت حَقِّي.
سَقَطَ، وَلَوْ ثَبَتَ مِلْكُهُ، لَمْ يَزُلْ بِذَلِكَ، كَالْوَارِثِ.
وَلَنَا، أَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ الْمِلْكِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَجَارِيَةِ ابْنِهِ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ هَذَا، وَمَنْعُ الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ، قَدْ زَالَ، وَلَا يَزُولُ، إلَّا إلَى مَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ تَصِحُّ قِسْمَتُهُ، وَيَمْلِكُ الْغَانِمُونَ طَلَبَ قِسْمَتِهَا، فَأَشْبَهَتْ مَالَ الْوَارِثِ، إنَّمَا كَثُرَ الْغَانِمُونَ فَقَلَّ نَصِيبُ الْوَاطِئِ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ تَعْيِينُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِالْإِسْقَاطِ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ.
وَضَعْفُ الْمِلْكِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ شُبْهَةً فِي الْحَدِّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِأَدْنَى شَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فَهُوَ شُبْهَةٌ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ، وَلَا يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدُّ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَهْرُ مِثْلِهَا، فَيُطْرَحُ فِي الْمَقْسَمِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ الْمَهْرِ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَقِيَّتُهُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّنَا إذَا أَسْقَطْنَا عَنْهُ حِصَّتَهُ، وَأَخَذْنَا الْبَاقِيَ فَطَرَحْنَاهُ فِي الْمَغْنَمِ، ثُمَّ قَسَمْنَاهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ فِيهِمْ، عَادَ إلَيْهِ سَهْمٌ مِنْ حِصَّةِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ قَدْرَ حِصَّتِهِ قَدْ لَا تُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ، لِقِلَّةِ الْمَهْرِ وَكَثْرَةِ الْغَانِمِينَ، ثُمَّ إذَا أَخَذْنَاهُ، فَإِنْ قَسَمْنَاهُ مُفْرَدًا عَلَى مَنْ سِوَاهُ، لَمْ يُمْكِنْ، وَإِنْ خَلَطْنَاهُ بِبَقِيَّةِ الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ قَسَمْنَاهُ عَلَى الْجَمِيعِ، أَخَذَ سَهْمًا مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ رَقِيقٌ، لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، لِأَنَّ الْغَانِمِينَ إنَّمَا يَمْلِكُونَ بِالْقِسْمَةِ، فَقَدْ صَادَفَ وَطْؤُهُ غَيْرَ مِلْكِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَطْءٌ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، فَيَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ، وَيُفَارِقُ الزِّنَى، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْأَمَةَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فِي الْحَالِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ.
فَإِذَا مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؟ فِيهَا قَوْلَانِ، وَلَنَا، أَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، فَتَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِجَارِيَةِ الِابْنِ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْغَنِيمَةِ بِمُجَرَّدِ الِاغْتِنَامِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا تُطْرَحَ فِي الْمَغْنَمِ، لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَخْرَجَهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ بِفِعْلِهِ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا، كَمَا لَوْ قَتَلَهَا، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ قِيمَتُهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ مُعْسِرًا حُسِبَ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ لِلْغَانِمِينَ، لِأَنَّ كَوْنَهَا أُمَّ وَلَدٍ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالسِّرَايَةِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَسْرِ فِي حَقِّ الْمُعْسِرِ، كَالْإِعْتَاقِ، وَلَنَا، أَنَّهُ اسْتِيلَادٌ جَعَلَ بَعْضَهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَيَجْعَلُ جَمِيعَهَا أُمَّ وَلَدٍ، كَاسْتِيلَادِ جَارِيَةِ الِابْنِ، وَفَارَقَ الْعِتْقَ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى، لِكَوْنِهِ فِعْلًا، وَيَنْفُذُ مِنْ الْمَجْنُونِ.
فَأَمَّا قِيمَةُ الْوَلَدِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ،
إحْدَاهُمَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ حِينَ وَضْعِهِ، تُطْرَحُ فِي الْمَغْنَمِ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ، وَالثَّانِيَةُ، لَا تَلْزَمُهُ،، لِأَنَّهُ مَلَكَهَا حِينَ عَلِقَتْ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِلْكُ الْغَانِمِينَ فِي الْوَلَدِ بِحَالٍ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْأَبِ مِنْ جَارِيَةِ ابْنِهِ إذَا وَطِئَهَا، وَلِأَنَّهُ يَعْتِقُ حِينَ عُلُوقِهِ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ حِينَئِذٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا صَارَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ، يَكُونُ الْوَلَدُ كُلُّهُ حُرًّا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِهِ.
[فَصْلٌ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى بَعْضِ الْغَانِمِينَ]
(7636) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى بَعْضِ الْغَانِمِينَ، نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَّ عَلِيٍّ، وَعَقِيلًا أَخَا عَلِيٍّ كَانَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ، فَلَمْ يَعْتِقَا عَلَيْهِمَا وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ وَإِنْ اُسْتُرِقَّ، أَوْ كَانَ الْأَسِيرُ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ نَصِيبِهِ وَسَرَى إلَى بَاقِيه إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إلَّا مِلْكُهُ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ الِاغْتِنَامِ، وَلَوْ مَلَكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُهُ فِيهِ، وَإِنْ قَسَمَهُ، وَجَعَلَهُ فِي نَصِيبِهِ وَاخْتَارَ تَمَلُّكَهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ جُعِلَ لَهُ بَعْضُهُ، فَاخْتَارَ تَمَلُّكَهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي.
وَلَنَا، مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْغَانِمِينَ لِكَوْنِ الِاسْتِيلَاءِ التَّامِّ وُجِدَ مِنْهُمْ، وَهُوَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَدْ زَالَ، وَلَا يَزُولُ إلَّا إلَى الْمُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ عَبْدًا مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ]
(7637) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ عَبْدًا مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الرِّقُّ، كَالرَّجُلِ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِ لَمْ يَعْتِقْ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ، عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ حِصَّتِهِ، وَسَرَى إلَى بَاقِيه إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيه تُطْرَحُ فِي الْمَقْسَمِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ مِلْكِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ مُوسِرٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، عَتَقَ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ دُونَ حَقِّهِ، أَخَذَ بَاقِيَ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، لَمْ يَعْتِقْ إلَّا قَدْرُ حَقِّهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثَانِيًا، وَفَضَلَ مِنْ حَقِّهِ عَنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ، عَتَقَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الثَّانِي شَيْءٌ.
[فَصْلٌ نَقْلُ رُءُوسِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَالتَّمْثِيل بِقَتْلَاهُمْ]
(7638) فَصْلٌ: يُكْرَهُ نَقْل رُءُوسِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، وَالْمُثْلَةُ بِقَتْلَاهُمْ وَتَعْذِيبُهُمْ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ،
قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، بِرَأْسِ الْبِطْرِيقِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا.
قَالَ: فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسَ وَالرُّومِ، لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ، فَإِنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يُحْمَلْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسٌ قَطُّ، وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَأْسٌ فَأَنْكَرَ، وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ الرُّءُوسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَيُكْرَهُ رَمْيُهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ جَازَ، لِمَا رَوَيْنَا، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ حَاصَرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة، ظُفِرَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا رَأْسَهُ، فَجَاءَ قَوْمُهُ عَمْرًا مُغْضَبِينَ، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو خُذُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فَاقْطَعُوا رَأْسَهُ، فَارْمُوا بِهِ إلَيْهِمْ فِي الْمَنْجَنِيقِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَرَمَى أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة رَأْسَ الْمُسْلِمِ إلَى قَوْمِهِ.
[فَصْلٌ هَدِيَّةُ الْكُفَّارِ]
فَصْلٌ: يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ صَاحِبِ مِصْرَ،» فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْغَزْوِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَا أَهْدَاهُ الْمُشْرِكُونَ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ لِبَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا لِخَوْفِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
فَظَاهِرُ هَذَا، أَنَّ مَا أُهْدِيَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ فَهُوَ لَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ غَنِيمَةٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ لِمَنْ أُهْدِيَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامَ أَوْ غَيْرَهُ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ الْهَدِيَّةَ» فَكَانَتْ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِلْمُهْدَى لَهُ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ خُصَّ بِهَا، أَشْبَهَ إذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَلَنَا، أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ بِظَهْرِ الْجَيْشِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ قَهْرًا، وَلِأَنَّهُ إذَا أُهْدِيَ لِلْإِمَامِ أَوْ الْأَمِيرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُدَارِي عَنْ نَفْسِهِ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا أُخِذَ مِنْهُ قَهْرًا.
وَأَمَّا إنْ أُهْدِيَ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ، لِعَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهُ، فَيَكُونُ لَهُ، كَمَا لَوْ أَهْدَى إلَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ، ذَلِكَ، فَلَهُ مَا أَهْدَى إلَيْهِ، وَإِنْ تَجَدَّدَ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ إلَى دَارِهِمْ، فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، كَقَوْلِنَا فِي الْهَدِيَّةِ إلَى الْقَاضِي.
[كِتَاب الْجِزْيَة]
ِ وَهِيَ الْوَظِيفَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْكَافِرِ، لِإِقَامَتِهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنْ جَزَى يَجْزِي: إذَا قَضَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] تَقُولُ الْعَرَبُ: جَزَيْت دَيْنِي.
إذَا قَضَيْته،.
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] .
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى «الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِجُنْدِ كِسْرَى يَوْمَ نَهَاوَنْدَ: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.»
وَعَنْ بُرَيْدَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَقَالَ لَهُ: إذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ، اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوك، فَاقْبَلْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوك، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ» فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
[مَسْأَلَةٌ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ]
(7640) مَسْأَلَةٌ قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ مَجُوسِيٍّ، إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الَّذِينَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ صِنْفَانِ، أَهْلُ كِتَابٍ، وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ، فَأَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ، كَالسَّامِرَةِ يَدِينُونَ بِالتَّوْرَاةِ، وَيَعْمَلُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
وَإِنَّمَا خَالَفُوهُمْ فِي فُرُوعِ دِينِهِمْ.
وَفِرَقِ النَّصَارَى مِنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ، والنسطورية، وَالْمَلْكِيَّةِ، وَالْفِرِنْجِ وَالرُّومِ، وَالْأَرْمَنِ، وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ دَانَ بِالْإِنْجِيلِ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ، فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّابِئِينَ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يُسْبِتُونَ، فَهَؤُلَاءِ إذَا أَسْبَتُوا فَهُمْ مِنْ الْيَهُودِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: هُمْ يُسْبِتُونَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَالَ السُّدِّيَّ وَالرَّبِيعُ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَتَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي أَمْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ أَحَدَ أَهْلِ
الْكِتَابَيْنِ فِي نَبِيِّهِمْ وَكِتَابِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيُرْوَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفَلَكَ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَإِنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ.
فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ، فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.
وَأَمَّا أَهْلُ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصُّحُفَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا شَرَائِعُ، إنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ، كَذَلِكَ وَصَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُحُفَ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورَ دَاوُد فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ.
وَأَمَّا الَّذِينَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ فَهُمْ الْمَجُوسُ فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ، فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ أَوْجَبَتْ حَقْنَ دِمَائِهِمْ، وَأَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
وَلَمْ يَنْتَهِضْ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ وَلَا ذَبَائِحِهِمْ دَلِيلٌ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمَجُوسِ، كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ يَعْلَمُونَهُ، وَكِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ، وَإِنَّ مَلِكَهُمْ سَكِرَ، فَوَقَعَ عَلَى بِنْتِهِ أَوْ أُخْتِهِ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمَّا صَحَا جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ، وَدَعَا أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ، وَقَالَ: أَتَعْلَمُونَ دِينًا خَيْرًا مِنْ دِينِ آدَمَ، وَقَدْ أَنْكَحَ بَنِيهِ بَنَاتِهِ، فَأَنَا عَلَى دِينِ آدَمَ قَالَ: فَتَابَعَهُ قَوْمٌ، وَقَاتَلُوا الَّذِينَ يُخَالِفُونَهُمْ، حَتَّى قَتَلُوهُمْ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ بِكِتَابِهِمْ، وَرُفِعَ الْعِلْمُ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ، فَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ «وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَأُرَاهُ قَالَ: وَعُمَرُ - مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ وَغَيْرُهُمَا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] . وَالْمَجُوسُ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَجَالَةَ، أَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ، حَتَّى حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، لَمَا وَقَفَ عُمَرُ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَا ذَكَرُوهُ هُوَ الَّذِي صَارَ لَهُمْ بِهِ شُبْهَةُ الْكِتَابِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا أَحْسِبُ مَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذَا مَحْفُوظًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ، لَمَا حَرَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُمْ، وَهُوَ كَانَ أَوْلَى بِعِلْمِ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَصِحَّ هَذَا مَعَ تَحْرِيمِ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ، لِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُبِيحَ لِذَلِكَ هُوَ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ عَلَى إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ، فَلَمْ يَنْتَهِضْ لِلْإِبَاحَةِ، وَيَثْبُتُ بِهِ حَقْنُ دِمَائِهِمْ.
فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي حِلِّ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَيُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابُ) فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى زَمَنِنَا هَذَا، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا مُخَالِفٍ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمْ مَعَ دَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَدَلَالَةِ السُّنَّةِ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ لِأَهْلِ فَارِسَ: «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمْ عَجَمًا أَوْ عَرَبًا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ شَرُفُوا بِكَوْنِهِمْ مِنْ رَهْطِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ، «وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فَأَخَذَ أُكَيْدِرَ دُومَةَ فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَهُوَ مِنْ الْعَرَبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَهُمْ عَرَبٌ وَبَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» وَكَانُوا عَرَبًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْعَجَمِ كَانُوا سُكَّانًا بِالْيُمْنِ حَيْثُ وَجَّهَ مُعَاذًا وَلَوْ كَانَ، لَكَانَ فِي أَمْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِهِمْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ.
وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ مَنْ بَعَثَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ، أَنْ يَدْعُوَ عَدُوَّهُ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يَخُصَّ بِهَا عَجَمِيًّا دُونَ غَيْرِهِ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْزُو الْعَرَبَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعٌ، فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فَأَبَوْا ذَلِكَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مِثْلَمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى لَحِقُوا بِالرُّومِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ عِوَضًا عَنْ الْجِزْيَةِ، فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ صِفَةِ جِزْيَةِ غَيْرِهِمْ، وَمَا أَنْكَرَ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ، كَانُوا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ، قَبْلَ تَبْدِيلِ كِتَابِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كِتَابِيَّيْنِ، أَوْ ابْنَ وَثَنِيَّيْنِ، أَوْ ابْنَ كِتَابِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ تَبْدِيلِ كِتَابِهِمْ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَمَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ أَحَدُهُمَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَالْآخَرُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ، فَهَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا عُمُومُ النَّصِّ فِيهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ دِينٍ تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِهِ الْجِزْيَةُ، فَيُقَرُّونَ بِهَا كَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ، مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، أَيْ يَلْتَزِمُوا أَدَاءَهَا، فَمَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، يَبْقُوا عَلَى إبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
[فَصْلٌ عَقْدُ الذِّمَّةِ الْمُؤَبَّدَةِ]
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ الْمُؤَبَّدَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا، أَنْ يَلْتَزِمُوا إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ فِي كُلِّ حَوْلٍ وَالثَّانِي الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَبُولُ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: «فَادْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» وَلَا تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْإِعْطَاءِ، وَلَا جَرَيَانُ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَالْكَفَّ عَنْهُمْ فِي ابْتِدَائِهِ عِنْدَ الْبَذْلِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا﴾ [التوبة: 29] أَيْ يَلْتَزِمُوا الْإِعْطَاءَ، وَيُجِيبُوا إلَى بَذْلِهِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَالْمُرَادُ بِهِ الْتِزَامُ ذَلِكَ دُونَ
حَقِيقَتِهِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ الْحَوْلِ، لَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ»
[مَسْأَلَةٌ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ]
(7642) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَمَنْ سِوَاهُمْ، فَالْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ) يَعْنِي مَنْ سِوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، وَلَا يُقَرُّونَ بِهَا، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا، هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، لِأَنَّ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ، إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، لِتَغَلُّظِ كُفْرِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا، دِينُهُمْ، وَالثَّانِي، كَوْنُهُمْ مِنْ رَهْطِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس، لَكِنَّ فِي أَهْلِ الْكُتُبِ غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِثْلُ أَهْلِ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد وَمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا، يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إلَّا الْعَرَبَ، لِأَنَّهُمْ رَهْطُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُقَرُّونَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ، وَغَيْرُهُمْ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، لِأَنَّهُ يُقَرُّ بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَأُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ، كَالْمَجُوسِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِهِمْ إلَّا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لِأَنَّهُمْ ارْتَدُّوا وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَيُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» .
وَهَذَا عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِالْآيَةِ، وَالْمَجُوسُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ الصُّحُفِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ عَقَدَ الذِّمَّةَ لِكَفَّارٍ زَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ]
فَصْلٌ: وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ لِكَفَّارٍ، زَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ.
وَإِنْ شَكَكْنَا فِيهِمْ، لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ بِالشَّكِّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّتُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ قُبِلَ مِنْ الْمُقِرِّ فِي نَفْسِهِ، فَانْتَقَضَ عَهْدُهُ، وَبَقِيَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِحَالِهِ.
[مَسْأَلَةٌ تَقْدِيرُ الْجِزْيَةِ]
(7644) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْ أَدْوَنِهِمْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَمِنْ أَوْسَطِهِمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَمِنْ أَيْسَرِهِمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (7645) .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَقْدِيرِ الْجِزْيَةِ وَالثَّانِي، فِي كَمِّيَّةِ مِقْدَارِهَا فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهَا أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدَارٍ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَهَا مُقَدَّرَةً، بِقَوْلِهِ لِمُعَاذٍ «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَغَافِرَ» وَفَرَضَهَا عُمَرُ مُقَدَّرَةً بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، بَلْ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَيُزَادُ الْيَوْمَ فِيهِ وَيُنْقَصُ؟ يَعْنِي مِنْ الْجِزْيَةِ.
قَالَ: نَعَمْ، يُزَادُ فِيهِ وَيُنْقَصُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا مَضَى دِرْهَمَانِ، فَجَعَلَهُ خَمْسِينَ قَالَ الْخَلَّالُ الْعَمَلُ فِي قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ: لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيُنْقِصَ، عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ، فَاسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» «وَصَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَعُمَرُ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.
وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى مِثْلَيْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا
إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْتَلِفَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ، وَلِأَنَّهَا عِوَضٌ فَلَمْ تُقَدَّرْ كَالْأُجْرَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ، أَنَّ أَقَلَّهَا مُقَدَّرٌ بِدِينَارٍ، وَأَكْثَرَهَا غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ، وَلَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ لِأَنَّ عُمَرَ زَادَ عَلَى مَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ، فَجَعَلَهَا خَمْسِينَ.
(7646) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّنَا إذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ، فَقَدْرُهَا فِي حَقِّ الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَفِي حَقِّ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَفِي حَقِّ الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٍ: هِيَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَفِي حَقِّ الْفَقِيرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ دِينَارٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ «مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ جَعْلُهَا عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، لِنَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، قَالُوا: وَقَضَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ حَدِيثٌ لَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ وَشُهْرَتِهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَعَمِلَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَصَارَ إجْمَاعًا لَا يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْعَمَلِ بِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ، فَلَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْفَقْرِ عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ غَيْرَ وَاجِبٍ، بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ صِغَارًا أَوْ عُقُوبَةً، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، كَالْعُقُوبَةِ فِي الْبَدَنِ، مِنْهُمْ مَنْ يُقْتَلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْتَرَقُّ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا عِوَضًا عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَوَجَبَتْ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالزَّمْنَى وَالْمَكَافِيفِ.
(7647) فَصْلٌ وَحَدُّ الْيَسَارِ فِي حَقِّهِمْ، مَا عَدَّهُ النَّاسُ غِنًى فِي الْعَادَةِ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا، فَيُرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ.
[فَصْلٌ بَذْلُ أَهْلِ الْحَرْب الْجِزْيَةَ]
(7648) فَصْلٌ: إذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، لَزِمَ قَبُولُهَا، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فَجَعَلَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ.
فَمَتَى بَذَلُوهَا، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَادْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوك، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ» وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْجِزْيَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةِ الْأَكْثَرِ، لَمْ يُحْرِمْ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُجِيبُوا إلَى بَذْلِ مَا لَا يَجُوزُ طَلَبُ أَكْثَرَ مِنْهُ، مِمَّا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُمْ.
[فَصْلٌ تَجِب الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ]
(7649) فَصْلٌ وَتَجِبُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بِأَوَّلِهِ، وَيُطَالَبُ بِهَا عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَتَجِبُ الثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ الثَّانِي، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] وَلَنَا، أَنَّهُ مَالٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ أَوْ يُؤْخَذُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِأَوَّلِهِ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْتِزَامُ إعْطَائِهَا، دُونَ نَفْسِ الْإِعْطَاءِ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ بِمُجَرَّدِ بَذْلِهَا قَبْلَ أَخْذِهَا.
[فَصْلٌ الْجِزْيَةُ مِمَّا يُسِّرَ مِنْ أَمْوَالهمْ]
(7650) فَصْلٌ: وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّا يُسِّرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَخْذُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَغَافِرَ.» «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْخُذُ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ أَلْفَيْ حُلَّةٍ» وَكَانَ عُمَرُ يُؤْتَى بِنَعَمٍ كَثِيرَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْ الْجِزْيَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي صَنْعَةٍ مِنْ مَتَاعِهِ، مِنْ صَاحِبِ الْإِبَرِ إبَرًا، وَمِنْ صَاحِبِ الْمُسَالِ مُسَالًا، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَالِ حِبَالًا، ثُمَّ يَدْعُو النَّاسَ فَيُعْطِيهِمْ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَيَقْتَسِمُونَهُ ثُمَّ يَقُولُ: خُذُوا فَاقْتَسِمُوا، فَيَقُولُونَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَيَقُولُ: أَخَذْتُمْ خِيَارَهُ، وَتَرَكْتُمْ شِرَارَهُ، لَتَحْمِلُنَّهُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْقِيمَةِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَوْ عَدْلَهُ مَغَافِرَ.»
[فَصْلٌ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبه عَقْدُ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ]
(7651) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ، إلَّا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتَاتَ بِهِ عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، لَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ إنْ عَقَدَهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ، لَزِمَ الْإِمَامَ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ، وَعَقْدُهَا عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ]
(7652) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ، ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ عُمَرَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَنْ يُصْلِحُوا الْقَنَاطِرَ، وَإِنْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِهِمْ فَعَلَيْهِمْ دِيَتُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَلْفَ دَوَابِّهِمْ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ عَلَى نَصَارَى أَيْلَةَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَنْ يُضِيفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَلِأَنَّ فِي هَذَا ضَرْبًا مِنْ
الْمَصْلَحَةِ
، لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا امْتَنَعُوا مِنْ مُبَايَعَةِ الْمُسْلِمِينَ إضْرَارًا بِهِمْ، فَإِذَا شُرِطَتْ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةُ أُمِنَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ الضِّيَافَةُ عَلَيْهِمْ، لَمْ تَجِبْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ: تَجِبُ بِغَيْرِ شَرْطٍ، كَوُجُوبِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ أَدَاءُ مَالٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، كَالْجِزْيَةِ، فَإِنْ شَرَطَهَا عَلَيْهِمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهَا، لَمْ تُعْقَدْ لَهُمْ الذِّمَّةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ عَلَيْهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ سَائِغٌ، امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهِ، فَقُوتِلُوا عَلَيْهِ كَالْجِزْيَةِ.
(7653) فَصْلٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الضِّيَافَةَ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ، وَعَدَدَ مَنْ يُضَافُ مِنْ الرَّجَّالَةِ وَالْفَرَسَانِ، فَيَقُولُ: تُضِيفُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ يَوْمٍ عَشَرَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ خُبْزِ كَذَا وَأُدْمِ كَذَا، وَلِلْفَرَسِ مِنْ التِّبْنِ كَذَا، وَمِنْ الشَّعِيرِ كَذَا فَإِنْ شَرَطَ الضِّيَافَةَ مُطْلَقًا، صَحَّ فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا أَطْلَقَ مُدَّةَ الضِّيَافَةِ فَالْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ، وَلَا ضِيَافَتَهُمْ بِأَرْفَعَ مِنْ طَعَامِهِمْ، لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ شَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُكَلِّفُونَهُمْ الذَّبِيحَةَ، فَقَالَ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَلَا يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ وَلَا الشَّعِيرَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ مُطْلَقًا لَمْ يَلْزَمْهُمْ الشَّعِيرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ لِلْخَيْلِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، فَهُوَ كَالْخُبْزِ لِلرَّجُلِ.
وَلِلْمُسْلِمِينَ النُّزُولُ فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَالَحَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ لِمَنْ يَجْتَازُ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِيَدْخُلُوهَا رُكْبَانًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا مَكَانًا، فَلَهُمْ النُّزُولُ فِي الْأَفْنِيَةِ وَفُضُولِ الْمَنَازِلِ، وَلَيْسَ لَهُمْ تَحْوِيلُ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ مِنْهُ.
وَالسَّابِقُ إلَى مَنْزِلٍ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ فَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْقِيَامِ بِمَا شُرِطَ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ، أُجْبِرُوا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْمُقَاتَلَةِ، قُوتِلُوا، فَإِنْ قَاتَلُوا فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ.
(7654) فَصْلٌ: وَتُقْسَمُ الضِّيَافَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ جِزْيَتِهِمْ فَإِنْ جَعَلَ الضِّيَافَةَ مَكَانَ الْجِزْيَةِ، جَازَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِرَاهِبٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: إنَّنِي إنْ وَلِيت هَذِهِ الْأَرْضَ، أَسْقَطْت عَنْك خَرَاجَك.
فَلَمَّا قَدِمَ الْجَابِيَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَاءَهُ بِكِتَابِهِ، فَعَرَفَهُ، وَقَالَ: إنَّنِي جَعَلْت لَك مَا لَيْسَ لِي، وَلَكِنْ اخْتَرْ، إنْ شِئْت أَدَاءَ الْخَرَاجِ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تُضِيفَ الْمُسْلِمِينَ، فَاخْتَارَ الضِّيَافَةَ وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ ضِيَافَةٌ يَبْلُغُ قَدْرُهَا أَقَلَّ الْجِزْيَةِ، إذَا قُلْنَا: الْجِزْيَةُ مُقَدَّرَةُ الْأَقَلِّ.
لِئَلَّا يَنْقُصَ خَرَاجُهُ عَنْ أَقَلِّ الْجِزْيَةِ.
وَذُكِرَ أَنَّ مِنْ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ اشْتِرَاطَ الِاكْتِفَاءِ بِضِيَافَتِهِمْ عَنْ جِزْيَتِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ مَمْدُودًا إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا، كَانَ قِتَالُهُمْ مُبَاحًا، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ اشْتِرَاطُ مَالٍ، يَبْلُغُ قَدْرَ الْجِزْيَةِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ عَدْلَ الْجِزْيَةِ مَغَافِرَ.
[فَصْلٌ شَرَطَ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطًا فَاسِدًا]
(7655) فَصْلٌ: وَإِذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطًا فَاسِدًا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، أَوْ إظْهَارَ الْمُنْكَرِ، أَوْ إسْكَانَهُمْ الْحِجَازَ، أَوْ إدْخَالَهُمْ الْحَرَمَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِعْلَ مُحَرَّمٍ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْسُدَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْمُضَارَبَةِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ وَلَا امْرَأَةٍ]
(7656) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، أَنْ اضْرِبُوا الْجِزْيَةَ، وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَا تَضْرِبُوهَا إلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ بَالِغٍ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَهَؤُلَاءِ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا.
[فَصْل بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ الْجِزْيَةَ]
فَصْلٌ: وَإِنْ بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ الْجِزْيَةَ، أُخْبِرَتْ أَنَّهَا لَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَالَتْ: فَأَنَا أَتَبَرَّعُ بِهَا.
أَوْ: أَنَا أُؤَدِّيهَا.
قُبِلَتْ مِنْهَا، وَلَمْ تَكُنْ جِزْيَةً، بَلْ هِبَةً تَلْزَمُ بِالْقَبْضِ.
فَإِنْ شَرَطَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، كَانَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ بَذَلَتْ الْجِزْيَةَ؛ لِتَصِيرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، مُكِّنَتْ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهَا الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَتُعْقَدُ لَهَا الذِّمَّةُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ، إلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ أُخِذَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، رُدَّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ مُعْتَقِدَةً أَنَّهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ دَمَهَا لَا يُحْقَنُ إلَّا بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَدَّى مَالًا إلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ.
وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا لَيْسَ فِيهِ إلَّا نِسَاءٌ، فَبَذَلْنَ الْجِزْيَةَ؛ لِتُعْقَدَ لَهُنًّ الذِّمَّةُ، عُقِدَتْ لَهُنَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَحَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُنَّ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءً.
فَإِنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَهُنَّ رِجَالٌ، فَسَأَلُوا الصُّلْحَ، لِتَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ دُونَ الرِّجَالِ، لَمْ تَصِحَّ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ، وَبَرَّءُوا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ بَذَلُوا جِزْيَةً عَنْ الرِّجَالِ، وَيُؤَدُّوا عَنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، جَازَ، وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي جِزْيَتِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْوَالِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ.
فَإِنْ كَانَ الْقَدْرُ الَّذِي بَذَلُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْجِزْيَةِ، أُخِذَ مِنْهُمْ، وَسَقَطَ الْبَاقِي.
[فَصْلٌ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينِهِمْ.]
(7658) فَصْلٌ: وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينِهِمْ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ لَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ، فَإِنْ اخْتَارَ الذِّمَّةَ، عُقِدَتْ لَهُ، وَإِلَّا أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، تَجْدِيدُ الْعَقْدِ لِهَؤُلَاءِ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ مَعَ سَادَتِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرهمْ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ عَهْدٍ مَعَ الْكُفَّارِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْنَافِهِ لِذَلِكَ، كَالْهُدْنَةِ، وَلِأَنَّ الصِّغَارَ وَالْمَجَانِينَ دَخَلُوا فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِهِ لَهُمْ عِنْدَ تَغَيُّرِ أَحْوَالِهِمْ، كَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ دَخَلُوا فِيهِ، فَيَلْزَمُهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ، كَالْإِسْلَامِ.
إذَا ثَبَتَ، هَذَا فَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِ حَوْلِ قَوْمِهِ، أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، أُخِذَ مِنْهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِقِسْطِهِ، وَلَمْ يُتْرَكْ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُهُ، لِئَلَّا يُحْتَاجَ إلَى إفْرَادِهِ بِحَوْلٍ، وَضَبْطُ حَوْلِ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى أَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَوْلٌ مُنْفَرِدًا.
[فَصْلٌ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ مِنْ أَهْل الذِّمَّة]
(7659) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ؛
أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ جُنُونُهُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ، مِثْلَ مَنْ يُفِيقُ سَاعَةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ، أَوْ يُصْرَعُ سَاعَةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ، فَهَذَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ بِالْأَغْلَبِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِفَاقَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ مُرَاعَاتُهَا، لِتَعَذُّرِ ضَبْطِهَا.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا، مِثْلَ مَنْ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمَيْنِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرَ، إلَّا أَنَّهُ مَضْبُوطُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، فَيُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ كَالْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي، تُلَفَّقُ أَيَّامُ إفَاقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي الْكُلِّ وَجَبَتْ الْجِزْيَةُ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْإِفَاقَةُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَجَبَ فِيمَا يَجِبْ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ أَيَّامَهُ تُلَفَّقُ، فَإِذَا كَمُلَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، أَخْذٌ لِجِزْيَتِهِ قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالصَّحِيحِ.
وَالثَّانِي، يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ مَا أَفَاقَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ إفَاقَةً مُسْتَمِرَّةً.
وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ ثُلُثَ الْحَوْلِ، وَيُفِيقُ ثُلُثَيْهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
كَمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ اسْتَوَتْ إفَاقَتُهُ وَجُنُونُهُ، مِثْلُ مَنْ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا، أَوْ يُجَنُّ نِصْفَ الْحَوْلِ وَيُفِيقُ نِصْفَهُ عَادَةً، لُفِّقَتْ إفَاقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْأَغْلَبِ لِعَدَمِهِ، فَتَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يُجَنَّ نِصْفَ حَوْلٍ، ثُمَّ يُفِيقَ إفَاقَةً مُسْتَمِرَّةً، أَوْ يُفِيقَ نِصْفَهُ، ثُمَّ يُجَنَّ جُنُونًا مُسْتَمِرًّا، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقَدْرِ مَا أَفَاقَ مِنْ الْحَوْلِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنْ أَدَائِهَا الْجِزْيَة]
(7660) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا عَلَى فَقِيرٍ.
يَعْنِي الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنْ أَدَائِهَا.
وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَجِبُ عَلَيْهِ «؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» . وَلِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ، فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، كَالْقَادِرِ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، جَعَلَ أَدْنَاهَا عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] . وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يَجِبُ بِحُلُولِ الْحَوْلِ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ، كَالزَّكَاةِ وَالْعَقْلِ، وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَنْقَسِمُ إلَى خَرَاجِ أَرْضٍ، وَخَرَاجِ رُءُوسٍ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهَا، وَمَا لَا طَاقَةَ لَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ خَرَاجُ الرُّءُوسِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَيَتَنَاوَلُ الْأَخْذَ مِمَّنْ يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَمَنْ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ، فَالْأَخْذُ مِنْهُ مُسْتَحِيلٌ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا تُؤْخَذ الْجِزْيَة مِنْ شَيْخٍ فَانٍ وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى]
(7661) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا شَيْخٍ فَانٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ بِهِ دَاءٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْقِتَالَ، وَلَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ بِنَاءً عَلَى قَتْلِهِمْ.
وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُنَا فِي أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ]
(7662) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا عَلَى سَيِّدِ عَبْدٍ عَنْ عَبْدِهِ، إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُسْلِمًا لَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ.
وَلِأَنَّ مَا لَزِمَ الْعَبْدَ إنَّمَا يُؤَدِّيه سَيِّدُهُ، فَيُؤَدِّي إيجَابُهُ عَلَى عَبْدِ الْمُسْلِمِ إلَى إيجَابِ الْجِزْيَةِ عَلَى مُسْلِمٍ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَبْدُ لِكَافِرٍ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ.
وَذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ، فَأَشْبَهَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، أَوْ لَا مَالَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ إيجَابَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ يُؤَدِّيهَا سَيِّدُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا مِمَّا فِي أَيْدِيهمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ، يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ حَدِيثِ عُمَرَ.
وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، كَالْحُرِّ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
[فَصْلٌ تُؤْخَذ جِزْيَة مَنْ بَعْضه حُرٌّ]
(7663) فَصْلٌ: وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَجَزَّأُ، يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَيُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ كَالْإِرْثِ.
[فَصْلٌ لَا جِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الصَّوَامِعِ مِنْ الرُّهْبَانِ]
(7664) فَصْلٌ: وَلَا جِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الصَّوَامِعِ مِنْ الرُّهْبَانِ.
وَيَحْتَمِلُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى رُهْبَانِ الدِّيَارَاتِ الْجِزْيَةَ عَلَى كُلِّ رَاهِبٍ دِينَارَيْنِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عُمُومُ
النُّصُوصِ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ صَحِيحٌ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَأَشْبَهَ الشَّمَّاسَ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُمْ مَحْقُونُونَ بِدُونِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ، كَالنِّسَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ، وَالنُّصُوصُ مَخْصُوصَةٌ بِالنِّسَاءِ، وَهَؤُلَاءِ فِي مَعْنَاهُنَّ، وَلِأَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْفَقِيرَ غَيْرَ الْمُعْتَمِلِ.
[مَسْأَلَةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ]
(7665) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: إنْ أَسْلَمْ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ تَسْقُطْ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُهُ، وَاسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ، كَالْخَرَاجِ وَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِالْقِسْطِ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ بَعْدَ الْحَوْلِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَذُكِرَ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: لَيْسَ يَرْوِيه غَيْرُ جَرِيرٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَخَذَهَا فِي كَفِّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ، رَدَّهَا عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ» . يَعْنِي الْجِزْيَةَ.
وَرُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا أَسْلَمَ، فَطُولِبَ بِالْجِزْيَةِ، وَقِيلَ: إنَّمَا أَسْلَمْت تَعَوُّذًا.
قَالَ: إنَّ فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذًا.
فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذًا.
وَكَتَبَ أَلَّا تُؤْخَذَ مِنْهُ الْجِزْيَةُ.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ صَغَارٌ، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ، فَيُسْقِطُهَا الْإِسْلَامُ، كَالْقَتْلِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ.
[فَصْلٌ تُؤْخَذ الْجِزْيَة مِنْ ذِمِّيّ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ]
(7666) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ تَسْقُطْ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ
الشَّافِعِيِّ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَمَا قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، وَتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ.
وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ؛ فَإِنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْجِزْيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ، فَإِذَا أَتَى بِالْأَصْلِ اسْتَغْنَى عَنْ الْبَدَلِ، كَمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى التَّيَمُّمِ، بِخِلَافِ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعَاذًا مِنْ الْجِزْيَةِ، كَمَا ذَكَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْمَوْتُ بِخِلَافِهِ.
[فَصْلٌ اجْتَمَعَتْ الْجِزْيَة عَلَيْهِ سِنِينَ]
(7667) فَصْلٌ: وَلَا تَتَدَاخَلُ الْجِزْيَةُ، بَلْ إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، اُسْتُوْفِيَتْ مِنْهُ كُلُّهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَتَدَاخَلُ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَتَتَدَاخَلُ، كَالْحُدُودِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا حَقُّ مَالٍ، يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالدِّيَةِ.
[مَسْأَلَةٌ أُعْتِقَ لَزِمَتْهُ الْجِزْيَةُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ]
(7668) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا أُعْتِقَ، لَزِمَتْهُ الْجِزْيَةُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ لَهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا هَذَا الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، يُقَرُّ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ.
وَوَهَّنَ الْخِلَالُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، رَجَعَ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَعَنْهُ، إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ لَهُ مُسْلِمًا، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ الْوَلَاءَ لِمُسْلِمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ الرِّقُّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ مُوسِرٌ مِنْ أَهْلِ الْقَتْلِ، فَلَمْ يُقَرَّ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، كَالْحُرِّ الْأَصْلِيِّ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ حُكْمَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ جِزْيَتِهِ حُكْمُ مَنْ بَلَغَ مِنْ صِبْيَانِهِمْ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينُهُمْ، عَلَى مَا مَضَى.
[مَسْأَلَةٌ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ]
(7669) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَمَوَاشِيهمْ وَثَمَرِهِمْ، مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَنُو تَغْلِبَ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ الْعَرَبِ، مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، انْتَقَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ إلَى بَذْلِ الْجِزْيَةِ، فَأَبَوْا، وَأَنِفُوا، وَقَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ، خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ.
فَقَالَ عُمَرُ:
لَا آخُذُ مِنْ مُشْرِكٍ صَدَقَةً.
فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالرُّومِ، فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ، وَهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنْ الْجِزْيَةِ، فَلَا تُعِنْ عَلَيْك عَدُوَّك بِهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ.
فَبَعَثَ عُمَرُ فِي طَلَبِهِمْ، فَرَدَّهُمْ، وَضَعَّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاتَيْنِ، وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وَمِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْخُمُسَ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ الْعُشْرَ.
فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَصَارَ إجْمَاعًا.
وَقَالَ بِهِ الْفُقَهَاءُ بَعْدَ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ أَبَى عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ إلَّا الْجِزْيَةَ، وَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ إلَّا الْجِزْيَةَ، وَإِلَّا فَقَدْ آذَنْتُكُمْ بِالْحَرْبِ.
وَالْحُجَّةُ لِهَذَا عُمُومُ الْآيَةِ فِيهِمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَئِنْ تَفَرَّغْت لِبَنِي تَغْلِبَ لَيَكُونَن لِي فِيهِمْ رَأْيٌ، لِأَقْتُلَن مُقَاتِلَتَهُمْ، وَلِأَسْبِيَن ذَرَارِيَّهُمْ، فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَبَرِئَتْ مِنْهُمْ الذِّمَّةُ حِينَ نَصَّرُوا أَوْلَادَهُمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ.
وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّ هَذَا الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ الْعُرُوضِ.
[فَصْلٌ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مُضَاعَفَةً مِنْ مَالِ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ]
(7670) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مُضَاعَفَةً مِنْ مَال مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ.
فَعَلَى هَذَا، تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ وَزَمْنَاهُمْ وَمَكَافِيفِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي مَالِ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، فَكَذَا الْوَاجِبُ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ، لَا يَجِبُ فِي مَالِ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، إلَّا فِي الْأَرْضِ خَاصَّةً.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، فَلَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هَؤُلَاءِ حَمْقَى، رَضُوا بِالْمَعْنَى، وَأَبَوْا الِاسْمَ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ خُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ.
وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ جِزْيَةً لَا صَدَقَةً، كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ، فَكَانَ جِزْيَةً، كَمَا لَوْ أُخِذَ بِاسْمِ الْجِزْيَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزَّكَاةَ طُهْرَةٌ، وَهَؤُلَاءِ لَا طُهْرَةَ لَهُمْ.
فَعَلَى هَذَا، يَكُونُ مَصْرِفُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ مَصْرِفَ الْفَيْءِ، لَا مَصْرِفَ الصَّدَقَاتِ، وَهَذَا أَقْيَسُ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُمْ سَأَلُوا عُمَرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
فَأَجَابَهُمْ عُمَرُ إلَيْهِ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ،
وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ هُوَ الزَّكَاةُ، مِنْ كُلِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ لِأَيِّ مُسْلِمٍ كَانَ، مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَصَحِيحٍ وَمَرِيضٍ، كَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ، وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنْ السَّبْيِ بِهَذَا الصُّلْحِ، وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ، فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ، كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ.
وَعَلَى هَذَا، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَقِيرًا أَوْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ كَالدُّورِ، وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ، وَعَبِيدِ الْخِدْمَةِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُؤْخَذُ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا.
فَأَمَّا مَصْرِفُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ، وَلِأَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَصْرِفُهُ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى بِاسْمِ الصَّدَقَةِ مَسْلُوكٌ بِهِ فِي مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ - مَسْلَكُ الصَّدَقَةِ، فَيَكُونُ مَصْرِفُهُ مَصْرِفَهَا.
وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشَّيْءِ أَخَصُّ بِهِ مِنْ اسْمِهِ، وَلِهَذَا لَوْ سُمِّيَ رَجُلٌ أَسَدًا، أَوْ نَمِرًا، أَوْ أَسْوَدَ، أَوْ أَحْمَرَ، لَمْ يَصِرْ لَهُ حُكْمُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ صَدَقَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَجَازَ دَفْعُهَا إلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» .
[فَصْلٌ بَذَلَ التَّغْلِبِيُّ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ هَلْ تَحُطّ عَنْهُ الصَّدَقَة]
(7671) فَصْلٌ: فَإِنْ بَذَلَ التَّغْلِبِيُّ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ، وَتُحَطُّ عَنْهُ الصَّدَقَةُ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى هَذَا، فَلَا يُغَيَّرُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: 29] . وَهَذَا قَدْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ، وَإِنْ كَانَ بَاذِلُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ حَرْبِيًّا، قُبِلَتْ مِنْهُ؛ لِلْآيَةِ، وَخَبَرِ بُرَيْدَةَ: «اُدْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوك، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ» .
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صُلْحِ الْأَوَّلِينَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ، وَهُوَ كِتَابِيٌّ بَاذِلٌ لِلْجِزْيَةِ، فَيُحْقَنُ بِهَا دَمُهُ.
وَإِنْ أَرَادَ إمَامٌ نَقْضَ صُلْحِهِمْ، وَتَجْدِيدَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ كَفِعْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَقَدْ عَقَدَهُ مَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ مَا دَامُوا عَلَى الْعَهْدِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ الْجِزْيَةِ]
(7672) فَصْلٌ: فَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَالْجِزْيَةُ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُونَ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
قَالَ: وَنَذْهَبُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَوَاشِي بَنِي تَغْلِبَ خَاصَّةً الصَّدَقَةَ، وَنُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ،
أَنَّ حُكْمَ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ، أَوْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ تَمَجَّسَ مِنْ تَمِيمٍ، حُكْمُ بَنِي تَغْلِبَ، سَوَاءً.
وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فِي تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْعَرَبِ، فَأَشْبَهُوا بَنِي تَغْلِبَ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» . وَهُمْ عَرَبٌ.
وَقَبِلَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَهُمْ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ، وَكَانُوا نَصَارَى.
وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرَ دُومَةَ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ.
وَحُكْمُ الْجِزْيَةِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فِي كُلِّ كِتَابِيٍّ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، إلَّا مَا خُصَّ بِهِ بَنُو تَغْلِبَ، لِمُصَالَحَةِ عُمَرَ إيَّاهُمْ، فَفِي مَا عَدَاهُمْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ وَشَوَاهِدِ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ صُلْحٌ كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ، فِيمَا بَلَغَنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ عَلَيْهِمْ؛ لِوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ قِيَاسَ سَائِرِ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ يُخَالِفُ النُّصُوصَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ النَّصِّ.
الثَّانِي، أَنَّ الْعِلَّةَ فِي بَنِي تَغْلِبَ الصُّلْحُ، وَلَمْ يُوجَدْ الصُّلْحُ مَعَ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مَعَ تَخَلُّفِ الْعِلَّةِ.
الثَّالِثُ، أَنَّ بَنِي تَغْلِبَ كَانُوا ذَوِي قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ، لَحِقُوا بِالرُّومِ، وَخِيفَ مِنْهُمْ الضَّرَرُ إنْ لَمْ يُصَالَحُوا، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ.
فَإِنْ وُجِدَ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَخِيفَ الضَّرَرُ بِتَرْكِ مُصَالَحَتِهِمْ، فَرَأَى الْإِمَامُ مُصَالَحَتَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، جَازَ ذَلِكَ، إذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ أَوْ زِيَادَةً قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاشِيهمْ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَمْوَالِهِمْ، إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ، كَمَا صَنَعَ عُمَرُ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، حِينَ أَضْعَفَ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ فِي صُلْحِهِ إيَّاهُمْ، وَذَكَرَ هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، فِي كِتَابِهِ.
وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا قِصَّةُ بَنِي تَغْلِبَ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَيْهِمْ.
إذَا كَانُوا فِي مَعْنَاهُمْ.
أَمَّا قِيَاسُ مَنْ لَمْ يُصَالِحُ عَلَيْهِمْ، فِي جَعْلِ جِزْيَتِهِمْ صَدَقَةً، فَلَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ اتَّجَرَ نَصْرَانِيٌّ تَغْلِبِيٌّ فَمَرَّ بِالْعَاشِرِ الْجِزْيَة]
(7673) فَصْلٌ: وَإِذَا اتَّجَرَ نَصْرَانِيٌّ تَغْلِبِيٌّ، فَمَرَّ بِالْعَاشِرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ: حَدِيثُ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ الضِّعْفُ مِمَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَلَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا؟ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرُّوا بِأَمْوَالِهِمْ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، فَذَاكَ ضِعْفُ هَذَا.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَهُوَ أَقْيَسُ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ ضِعْفُ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَا ضِعْفُ مَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ أَهْل الْكِتَابِ]
(7674) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ.
فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فِي أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ، وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ، فَعَنْهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يُبِحْ الشَّافِعِيُّ ذَبَائِحَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ.
وَكَرِهَ ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ عَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالنَّخَعِيُّ.
وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي دِينِ الْكُفْرِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، فَلَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ، وَكَانَ آخِرَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: فَكَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى بِذَبَائِحِهِمْ بَأْسًا.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَمَا عَلِمْت أَحَدًا كَرِهَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا عَلِيًّا.
وَذَلِكَ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] . وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ، فَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، كَبَنِي إسْرَائِيلَ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ مَنْ يَجُزْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ]
(7675) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَنْ يُجَزْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي السَّنَةِ اشْتَهَرَ هَذَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَصَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْجِزْيَةُ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ أَرْضَ الْحِجَازِ، فَيُنْظَرَ فِي حَالِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لِرِسَالَةٍ، أَوْ نَقْلِ مِيرَةٍ، أَذِنَ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَا حَاجَةَ بِأَهْلِ الْحِجَازِ إلَيْهَا، لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عِوَضًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ شَرَطَ نِصْفَ الْعُشْرِ عَلَى مَنْ دَخَلَ الْحِجَازَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: بَعَثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إلَى الْعُشُورِ، فَقُلْت: تَبْعَثُنِي إلَى الْعُشُورِ مِنْ بَيْنِ عُمَّالِك، قَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ أَجْعَلَك عَلَى مَا جَعَلَنِي عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رُبْعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
وَهَذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى الْكُوفَةِ، فَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِيهَا، فِي كُلِّ عُشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، أَنَّ عُمَرَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
وَهَذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ، وَاشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْقِصَصُ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَأْتِ تَخْصِيصُ الْحِجَازِ بِنِصْفِ الْعُشْرِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَلِمْنَاهُ، لَا عَنْ عُمَرَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بَلْ ظَاهِرُ أَحَادِيثِهِمْ، أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحِجَازِ، وَمَا وَجَبَ مِنْ الْمَالِ فِي الْحِجَازِ وَجَبَ فِي غَيْرِهِ كَالدُّيُونِ وَالصَّدَقَاتِ.
[فَصْلٌ الْجِزْيَةُ وَالزَّكَاةُ إنَّمَا تُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً]
(7676) فَصْلٌ: وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ: كَذَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، عَنْ عُمَرَ حِينَ كَتَبَ، أَلَّا يَأْخُذَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فِي الدَّاخِلِينَ أَرْضَ الْحِجَازِ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ: إنَّ عَامِلَك عَشَرَنِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ.
قَالَ عُمَرُ: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ.
ثُمَّ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ، أَنْ لَا تَعْشِرُوا فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَالزَّكَاةَ إنَّمَا تُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَذَلِكَ هَذَا.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ مَتَى أَخَذَ مِنْهُمْ ذَلِكَ مَرَّةً، كَتَبَ لَهُمْ حُجَّةً بِأَدَائِهِمْ؛ لِتَكُونَ وَثِيقَةً لَهُمْ، وَحُجَّةً عَلَى مَنْ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ، فَلَا يَعْشِرُهُمْ ثَانِيَةً، فَإِنْ مَرَّ ثَانِيَةً بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، أَخَذَ مِنْ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْشَرْ.
[فَصْلٌ كَانَ مَعَ الذِّمِّيِّ عَشَرَةُ دَنَانِير الْجِزْيَة]
فَصْلٌ: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ مَالِ التِّجَارَةِ، فَلَوْ مَرَّ بِالْعَاشِرِ مِنْهُمْ مُنْتَقِلٌ وَمَعَهُ أَمْوَالُهُ أَوْ سَائِمَةٌ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَإِنْ كَانَتْ مَاشِيَتُهُ لِلتِّجَارَةِ أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ عُشْرِهَا.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْقَدْرِ
الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ، فَرَوَى عَنْهُ صَالِحٌ، مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ.
يَعْنِي فَإِذَا نَقَصَتْ مِنْ الْعِشْرِينَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأَنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ لَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلَا عَلَى تَغْلِبِيٍّ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ عَلَى ذِمِّيٍّ شَيْءٌ، كَاَلَّذِي دُونَ الْعَشَرَةِ.
وَرَوَى صَالِحٌ أَيْضًا، أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَرُّوا بِالْعَاشِرِ، فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، أَخَذَ مِنْهُمْ الْعُشْرَ، مِنْ الْعَشَرَةِ وَاحِدًا، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَخَذَ مِنْهُمْ نِصْفَ الْعُشْرِ، مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا، فَإِذَا نَقَصَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ نَقَصَ مَالُ الْحَرْبِيِّ عَنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ نِصْفَ مِثْقَالٍ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ شَيْءٌ.
نَصَّ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، قَالَ: قُلْت إذَا كَانَ مَعَ الذِّمِّيِّ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ دِينَارٍ.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: إذَا نَقَصَتْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ مَالٌ يَبْلُغُ وَاجِبُهُ نِصْفَ دِينَارٍ، فَوَجَبَ فِيهِ، كَالْعِشْرِينَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.
أَوْ نَقُولُ: مَالٌ مَعْشُورٌ فَوَجَبَ فِي الْعَشَرَةِ مِنْهُ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ عُشْرُ الْحَرْبِيِّ وَنِصْفُ عُشْرِ الذِّمِّيِّ، مِنْ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ: خُذْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا.
وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، كَنَصِيبِ الْمَالِكِ فِي أَرْضِهِ الَّتِي عَامَلَهُ عَلَيْهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ عُشْرٌ أَوْ نِصْفُ عُشْرٍ وَجَبَ بِالشَّرْعِ، فَاعْتُبِرَ لَهُ نِصَابٌ، كَزَكَاةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَقَدَّرُ بِالْحَوْلِ، فَاعْتُبِرَ لَهُ النِّصَابُ، كَالزَّكَاةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ، فَالْمُرَادُ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بَيَانُ قَدْرِ الْمَأْخُوذِ، وَأَنَّهُ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَخُذْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مُصَدِّقًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدًا.
وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ مَعَهُ نِصَابٌ، فَكَذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ.
[فَصْلٌ الْعَاشِرِ يَمُرُّ عَلَيْهِ الذِّمِّيُّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ]
(7678) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْعَاشِرِ يَمُرُّ عَلَيْهِ الذِّمِّيُّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: قَالَ عُمَرُ: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا.
لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْآخِذِ مِنْهَا.
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ، فِي قَوْلِ عُمَرَ: وَلُّوهُمْ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِعُشْرِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ مَسْرُوقٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَوَافَقَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْخَمْرِ خَاصَّةً.
وَذَكَرَ الْقَاضِي
أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْخَمْرُ لَا يَعْشِرُهَا مُسْلِمٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ بَعَثَ إلَيْهِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ صَدَقَةَ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: بَعَثْت إلَيَّ بِصَدَقَةِ الْخَمْرِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ.
فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّاسَ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَسْتَعْمِلَنك عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا.
قَالَ: فَنَزَعَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثَّمَنِ.
أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مِنْ جِزْيَتِهِمْ، وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا، ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا فَأَنْكَرَهُ عُمَرُ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا، إذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُتَوَلِّينَ بَيْعَهَا.
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِعُمَرَ: إنَّ عُمَّالَك يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ.
فَقَالَ: لَا تَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثَّمَنِ.
[فَصْلٌ أَخْذُ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مِنْ أَهْل الْكِتَاب عَلَى جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ]
(7679) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَخْذُ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مِنْهُمْ عَلَى جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ، وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ، احْتِجَاجًا بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا؛ وَلِأَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، فَجَازَ أَخْذُ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ، كَثِيَابِهِمْ.
[فَصْلٌ مَرَّ الذِّمِّيُّ بِالْعَاشِرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا مَعَهُ]
(7680) فَصْلٌ: وَإِذَا مَرَّ الذِّمِّيُّ بِالْعَاشِرِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُ عَنْ النِّصَابِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ أَخْذَ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُعْتَبَرُ لَهُ النِّصَابُ وَالْحَوْلُ، فَيَمْنَعُهُ الدَّيْنُ، كَالزَّكَاةِ.
فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُ.
وَإِنْ مَرَّ بِجَارِيَةٍ، فَادَّعَى أَنَّهَا بِنْتُهُ أَوْ أُخْتُهُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
قَالَ الْخَلَّالُ: وَهُوَ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مِلْكِهِ فِيهَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يُقْبَلُ؛ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ، فَأَشْبَهَتْ بَهِيمَتَهُ.
[مَسْأَلَةٌ دَخَلَ إلَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ الْجِزْيَة]
(7681) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا دَخَلَ إلَيْنَا مِنْهُمْ تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا شَيْئًا، فَنَأْخُذُ مِنْهُمْ مِثْلَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: قَالُوا لِعُمَرَ: كَيْفَ نَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْنَا؟ قَالَ: كَيْفَ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ إذَا دَخَلْتُمْ إلَيْهِمْ؟ قَالُوا: الْعُشْرَ.
قَالَ: فَكَذَلِكَ خُذُوا مِنْهُمْ.
.
وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: كُنَّا لَا نَعْشِرُ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهَدًا.
قَالَ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْشِرُونَ؟ قَالَ: كُفَّارَ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَنَأْخُذُ مِنْهُمْ كَمَا يَأْخُذُونَ مِنَّا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ دَخَلَ إلَيْنَا بِتِجَارَةٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ إلَّا بِعِوَضٍ يَشْرِطُهُ عَلَيْهِ، وَمَهْمَا شَرَطَ جَازَ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعُشْرَ، لِيُوَافِقَ فِعْلُهُ فِعْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ أَمَانٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ شَيْءٌ، كَالْهُدْنَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَهُ.
وَلَنَا، مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنْهُمْ الْعُشْرَ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَأَيُّ إجْمَاعٍ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ هَذَا؟ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ، وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ اسْتَمَرَّ أَخْذُ الْعُشْرِ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَيَجِبُ أَخْذُهُ.
فَأَمَّا سُؤَالُ عُمَرَ عَمَّا يَأْخُذُونَ مِنَّا، فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ وَمِقْدَارِهِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، وَلَوْ تَقَيَّدَ أَخْذُنَا مِنْهُمْ بِأَخْذِهِمْ مِنَّا، لَوَجَبَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ.
[فَصْلٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَاب الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ أَخَذَ الْجِزْيَة]
فَصْلٌ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا دَخَلُوا فِي نَقْلِ مِيرَةٍ بِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةٌ، أُذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ عُشْرٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُمْ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلَنَا، عُمُومُ مَا رَوَيْنَاهُ.
وَرَوَى صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ النَّبَطِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ، وَمِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ، لِيَكْثُرَ الْحَمْلُ إلَى الْمَدِينَةِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ إذَا رَأَى
الْمَصْلَحَةَ
فِيهِ، وَلَهُ التَّرْكُ أَيْضًا إذَا رَأَى
الْمَصْلَحَةَ.
[فَصْلٌ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ حَرْبِيٍّ تَاجِرٍ وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ ذِمِّيٍّ تَاجِرٍ]
(7683) فَصْلٌ: وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ حَرْبِيٍّ تَاجِرٍ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ ذِمِّيٍّ تَاجِرٍ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ عُشْرٌ وَلَا نِصْفُ عُشْرٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَرْبِيَّةً أَوْ ذِمِّيَّةً، لَكِنْ إنْ دَخَلَتْ الْحِجَازَ عُشِرَتْ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ.
وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْصِيلُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُهُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ فِي أَمْوَالِ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ وَصِبْيَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ يُوجِبُ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ فِي مَالِ النِّسَاءِ، وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا تَخْصِيصٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا بِجِزْيَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ يَخْتَصُّ بِمَالِ التِّجَارَةِ، لِتَوَسُّعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِفَاعِهِ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالزَّكَاةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ الْحَرْبِيَّ يُعْشَرُ كَلَّمَا دَخَلَ إلَيْنَا الْجِزْيَة]
(7684) فَصْلٌ: وَلَا يُعْشَرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ.
نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، أَنَّ الْحَرْبِيَّ يُعْشَرُ كَلَّمَا دَخَلَ إلَيْنَا.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَخَذْنَا مِنْهُ مَرَّةً