الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تَبَرَّعَ بِتَبَرُّعَاتٍ، يَعْجِزُ ثُلُثُهُ عَنْ جَمِيعِهَا، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، أَوْ أُطْلِقَتَا، أَوْ إحْدَاهُمَا، فَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّهُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَيَسْتَوِيَانِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ، وَرَقَّ الْآخَرُ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهُمَا مَعًا، فَيُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَبِيدِ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ سَيِّدُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، أَوْ يَكُونَ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَأَشْكَلَ عَلَيْنَا، فَيُخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ.
وَقِيلَ: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ فِي الْقُرْعَةِ، قَدْ يَرِقُّ السَّابِقُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ، وَيَعْتِقُ الثَّانِي الْمُسْتَحِقُّ لِلرِّقِّ، وَفِي الْقِسْمَةِ لَا يَخْلُو الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ مِنْ حُرِّيَّةٍ، وَلَا الْمُسْتَحِقُّ لِلرِّقِّ مِنْ رِقٍّ، وَلِذَلِكَ قَسَمْنَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إذَا تَعَارَضَتْ بِهِ بَيِّنَتَانِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شُبْهَةٍ بِإِحْدَى الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَالْقُرْعَةُ ثَابِتَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ فِي الْقُرْعَةِ احْتِمَالَ إرْقَاقِ نِصْفِ الْحُرِّ.
قُلْنَا: وَفِي الْقِسْمَةِ إرْقَاقُ نِصْفِ الْحُرِّ يَقِينًا، وَتَحْرِيرُ نِصْفِ الرَّقِيقِ يَقِينًا، وَهُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا الثُّلُثَ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ دُونَ الثُّلُثِ، فَكَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الَّذِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ الثُّلُثَ، عَتَقَ، وَرَقَّ الْآخَرُ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ النَّاقِصَ عَنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ، وَعَتَقَ مِنْ الْآخَرِ تَمَامُ الثُّلُثِ.
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، وَلَا بَيِّنَةَ لِلْآخَرِ، أَوْ بَيِّنَةٌ فَاسِقَةٌ، عَتَقَ صَاحِبُ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَرَقَّ الْآخَرُ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا تَشْهَدُ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ، وَالْأُخْرَى تَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَكَانَ سَالِمٌ ثُلُثَ الْمَالِ، عَتَقَ وَحْدَهُ وَوَقَفَ عِتْقُ غَانِمٍ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ سَالِمٌ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْ غَانِمٍ تَمَامُ الثُّلُثِ.
وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ،
وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: يَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا وَالْآخَرُ حُرًّا، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَيَجِبُ أَنْ تُقْسَمَ الْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمَا، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ بِمَالٍ.
وَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ لِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ فِي أَحَدُهُمَا فِي الْحَيَاةِ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَمَاتِ، فَيَثْبُتُ.
فَأَمَّا إنْ صَرَّحَ، فَقَالَ: إذَا مِتّ، فَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ سَالِمٍ وَغَانِمٍ حُرٌّ.
أَوْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِيه، أَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ، ثَبَتَ مَا اقْتَضَاهُ.
[فَصْل شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّة فِي الْعِتْق]
فَصْلٌ: وَإِنْ خَلَّفَ الْمَرِيضُ ابْنَيْنِ، لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا، فَشَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَشَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ، وَلَمْ يَطْعَنْ الِابْنَانِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَكَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ عَادِلَتَيْنِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ، سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ.
فَإِنْ طَعَنَ الِاثْنَانِ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَقَالَا: مَا أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ، إنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ مُثْبِتَةٌ، وَالْأُخْرَى نَافِيَةٌ، وَقَوْلُ الْمُثْبِتُ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ النَّافِي، وَيَكُونُ حُكْمُ مَا شَهِدَتْ بِهِ حُكْمَ مَا إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْوَرَثَةُ فِي شَهَادَتِهِمَا، فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ إنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَيَرِقُّ إذَا تَأَخَّرَ تَارِيخُهُ، أَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الَّذِي شَهِدَ بِهِ الِابْنَانِ، فَيَعْتِقُ كُلُّهُ؛ لَإِقْرَارِهِمَا بِإِعْتَاقِهِ وَحْدَهُ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْحُرِّيَّةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ إنْ حُكِمَ بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْأَجْنَبِيَّانِ كَالْمَغْصُوبِ مِنْ التَّرِكَةِ، وَكَالذَّاهِبِ مِنْ التَّرِكَةِ بِمَوْتِ أَوْ تَلَفٍ، فَيَعْتِقُ ثُلُثُ الْبَاقِي.
وَهُوَ ثُلُثًا غَانِمٍ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ، وَحَالَ الْمَوْتِ فِي قَوْلِ الِابْنَيْنِ لَمْ يَعْتِقْ سَالِمٌ، إنَّمَا عَتَقَ بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ عِتْقِ مَنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ قَبْلَ مَوْتِهِ.
فَإِنْ كَانَ الِابْنَانِ فَاسِقَيْنِ وَلَمْ يَرُدَّا شَهَادَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ، ثَبَتَ الْعِتْقُ لَسَالِمٍ، وَلَمْ يُزَاحِمْهُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الِابْنَانِ، لِفِسْقِهِمَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ كَعَدَمِهَا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي إسْقَاطِ حَقٍّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، وَقَدْ أَقَرَّ الِابْنَانِ بِعِتْقِ غَانِمٍ، فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ، أَوْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ، عَتَقَ كُلُّهُ، كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ تَأَخَّرَ تَارِيخُ عِتْقِهِ، أَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الِابْنَيْنِ لَوْ كَانَا عَدْلَيْنِ، لَمْ يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَعْتِقُ نِصْفُهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ، مَعَ ثُبُوتِ الْعِتْقِ لِلْآخَرِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، فَصَارَ بِالنِّسْبَةِ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ نِصْفُهُ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ، لَأَعْتَقْنَا أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ، لِأَنَّهُ فِي حَالِ تَقَدُّمِ تَارِيخِ عِتْقِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ عَادِلَةً، فَمَعَ فُسُوقِهَا أَوْلَى، وَإِنْ كَذَّبَتْ الْوَرَثَةُ الْأَجْنَبِيَّةَ، فَقَالَتْ: مَا أَعْتَقَ غَانِمًا، إنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا، عَتَقَ الْعَبْدَانِ.
وَقِيلَ: يَعْتِقُ مِنْ سَالِمٍ ثُلُثَاهُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
[فَصْل شَهِدَ عَدْلَانِ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ وَصَّى وَشَهِدَ عَدْلَانِ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ]
(8530) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَجْنَبِيَّانِ، أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَشَهِدَ عَدْلَانِ وَارِثَانِ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ، أَوْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ أَكْثَرَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ سَالِمٍ، لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَلَا يَدْفَعَانِ عَنْهَا ضَرَرًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهُمَا يُثْبِتَانِ لَأَنْفُسِهِمَا وَلَاءَ غَانِمٍ.
قُلْنَا: وَهُمَا يُسْقِطَانِ وَلَاءَ سَالِمٍ، وَعَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ إثْبَاتُ سَبَبِ الْمِيرَاثِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِ غَانِمٍ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، ثَبَتَ عِتْقُهُ، وَلَهُمَا وَلَاؤُهُ، وَلَوْ شَهِدَا بِثُبُوتِ نَسَبِ أَخٍ لَهُمَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، مَعَ ثُبُوتِ سَبَبِ الْإِرْثِ لَهُمَا، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهِ بِالْمَالِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرِثَهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا فِي الرُّجُوعِ، وَيَلْزَمُهُمَا إقْرَارُهُمَا لَغَانِمٍ، فَيَعْتِقُ سَالِمٌ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَيَعْتِقُ غَانِمٌ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِالْوَصِيَّةِ بِإِعْتَاقِهِ وَحْدَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ إنَّمَا يَعْتِقُ.
ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَتَقَ سَالِمٌ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، صَارَ كَالْمَغْصُوبِ، فَصَارَ غَانِمٌ نِصْفَ التَّرِكَةِ، فَيَعْتِقُ ثُلُثَاهُ، وَهُوَ ثُلُثُ التَّرِكَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَارِثَةَ تُقِرُّ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَوْتِ ثُلُثُ التَّرِكَةِ، وَأَنَّ عِتْقَ سَالِمٍ إنَّمَا كَانَ بِشَهَادَتِهِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَصَارَ كَالْمَغْصُوبِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَوْ غُصِبَ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَمْ يَمْنَعْ، عِتْقَ غَانِمٍ كُلَّهُ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِعِتْقِهِ.
وَقَدْ ذَكَرِ الْقَاضِي، فِيمَا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِإِعْتَاقِ سَالِمٍ فِي مَرَضِهِ، وَوَارِثَةٌ فَاسِقَةٌ بِإِعْتَاقِ غَانِمٍ فِي مَرَضِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ سَالِمًا، أَنَّ غَانِمًا يَعْتِقُ كُلُّهُ.
وَهَذَا مِثْلُهُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةٍ سَالِمٍ، فَالْوَارِثَةُ مُتَّهَمَةٌ؛ لِكَوْنِهَا تَرُدُّ إلَى الرِّقِّ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتِهِ، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهَا فِي الرُّجُوعِ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهَا بِالرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَيَعْتِقُ سَالِمٌ، وَغَانِمٌ كُلُّهُ أَوْ ثُلُثَاهُ وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً.
فَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ الْوَارِثَةُ بِالرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ، لَكِنْ
شَهِدَتْ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهِيَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، ثَبَتَتْ الْوَصِيَّتَانِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهَا سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفَةً فَيُعْتَقَانِ إنْ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَا مِنْ الثُّلُثِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَيَعْتِقُ تَمَامُ الثُّلُثِ مِنْ الْآخَرِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ اسْتَوَتَا؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ وَالْمُتَأَخِّرَ مِنْ الْوَصَايَا سَوَاءٌ.
[فَصْل شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ أَنَّهُ وَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ]
(8531) فَصْلٌ: وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، أَنَّهُ وَصَّى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ، وَوَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِعَمْرٍو، وَوَصَّى لِبَكْرٍ بِثُلُثِ مَالِهِ صَحَّتْ الشَّهَادَاتُ كُلُّهَا، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِبَكْرٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِمْ.
وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ، لَمْ تُفِدْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ، وَهِيَ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا، تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو.
وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ شَهِدَتْ بِالْوَصِيَّةِ لِعَمْرٍو.
وَلَمْ تَشْهَدْ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدِ، فَشَهِدَتْ الثَّالِثَةُ بِالرُّجُوعِ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، يَصِيرُ كَمَا لَوْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَلْفًا.
أَوْ أَنَّ لِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلَى هَذَا أَلْفًا، يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَثْلَاثًا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ، بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى.
وَإِذَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ كَذَلِكَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ أَوْ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالْمَجْهُولِ فَجَازَتْ فِي الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمَرْجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ.
[فَصْل الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ هَلْ يُعَارِضُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ لَا]
(8532) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَصَّى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَشَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ وَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ، انْبَنِي هَذَا عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ هَلْ يُعَارِضُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُعَارِضُهُمَا فَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ، وَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ، فَأَشْبَهَ الشَّاهِدَيْنِ.
وَالثَّانِي، لَا يُعَارِضُهُمَا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ أَقْوَى، فَيُرَجَّحَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
فَعَلَى هَذَا، يَنْفَرِدُ زَيْدٌ بِالثُّلُثِ،
وَتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
فَأَمَّا إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ، وَوَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، وَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ، وَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَنَّ فِي الْأُولَى، تَقَابَلَتْ الْبَيِّنَتَانِ، فَقَدَّمْنَا أَقْوَاهُمَا، وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَتَقَابَلَا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الرُّجُوعُ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْمَالُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[مَسْأَلَة فِي يَدِهِ دَارٌ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ]
(8533) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا حَاضِرًا، جُعِلَ الْخَصْمَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَكَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى خُصُومَتِهِ مَتَى حَضَرَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ: لَيْسَتْ لِي، إنَّمَا هِيَ لِفُلَانٍ.
وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا حَاضِرًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ، صَارَ الْخَصْمَ فِيهَا، وَكَانَ صَاحِبَ الْيَدِ؛ لِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِهِ إقْرَارٌ صَحِيحٌ، فَيَصِيرُ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: أَحْلِفُوا لِي الْمُقِرَّ الَّذِي كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ، أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا لِي.
فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ، لَزِمَهُ الْغُرْمُ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الْعَيْنُ لِزَيْدٍ.
ثُمَّ قَالَ: هِيَ لِعَمْرٍو.
فَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى زَيْدٍ، وَيَدْفَعُ قِيمَتَهَا لِعَمْرٍو.
وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُرْمُ مَعَ الْإِقْرَارِ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ، فَإِنْ رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ الْإِقْرَارَ، وَقَالَ: لَيْسَتْ لِي، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمُدَّعِي.
حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: هِيَ لِلْمُدَّعِي، وَلَكِنْ قَالَ: لَيْسَتْ لِي.
فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تُدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيهَا، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا، وَلِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لَوْ ادَّعَاهَا، ثُمَّ نَكَلَ، قَضَيْنَا بِهَا، لِلْمُدَّعِي فَمَعَ عَدَمِ ادِّعَائِهِ لَهَا أَوْلَى وَالثَّانِي، لَا تُدْفَعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا مُسْتَحِقٌّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَدَ لَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ، وَصَاحِبُ الْيَدِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، فَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ فَيَحْفَظُهَا لِصَاحِبِهَا.
وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلِيلِهِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ أَنَّهَا لَهُ، وَتُسَلَّمُ إلَيْهِ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هِيَ لِثَالِثٍ.
انْتَقَلَتْ الْخُصُومَةُ إلَيْهِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا مَنْ الْيَدُ لَهُ حُكْمًا.
وَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا بِجَوَابٍ.
فَإِنْ أَقْرَرْت بِهَا لِمَعْرُوفٍ، وَإِلَّا جَعَلْنَاك نَاكِلًا وَقَضَيْنَا عَلَيْك.
فَإِنْ أَصَرَّ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أَوْ لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ مُعَيَّنٍ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، صَارَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ
لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، لَمْ يُقْضَ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ يَعْتَرِفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَيَصِيرَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُكَلَّفًا فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ مَعَهُ.
فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: أَحْلِفُوا لِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَلَفْنَاهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهَا لِغَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، سَمِعَهَا.
الْحَاكِمُ، وَقَضَى بِهَا، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى خُصُومَتِهِ، مَتَى حَضَرَ، لَهُ أَنْ يَقْدَحَ فِي بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، وَأَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ مِنْ الْمُدَّعِي.
وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَهَلْ يَقْضِي بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أَوْ الْخَارِجِ؛ فَإِنْ قُلْنَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ.
فَأَقَامَ الْغَائِبُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، يَقْضِي بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُقِرِّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِهَا لِلْغَائِبِ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ، وَلَمْ يَقْضِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْغَائِبِ، وَالْغَائِبُ لَمْ يَدَّعِهَا هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ، وَإِنَّمَا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَائِدَةِ وَهُوَ زَوَالُ التُّهْمَةِ عَنْ الْحَاضِرِ، وَسُقُوطُ الْيَمِينِ عَنْهُ، إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّك تَعْلَمُ أَنَّهَا لِي.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا، إذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَأَنَّ لِلْمُودِعِ الْمُخَاصَمَةَ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا غُصِبَتْ.
وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ، فَيُقْضَى بِهَا، كَبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي إذَا لَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى.
فَإِنْ ادَّعَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، أَنَّهَا مَعَهُ بِإِجَارَةِ أَوْ عَارِيَّةٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ، لَمْ يُقْضَ بِهَا؛ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِ لِلْمُؤَجَّرِ، بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، فَلَا تَثْبُتُ الْإِجَارَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَيَخْرُجُ الْقَضَاءُ بِهَا عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَكَوْنِ الْحَاضِرِ لَهُ فِيهَا حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَمَتَى عَادَ الْمُقِرُّ بِهَا لِغَيْرِهِ، فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ الرُّجُوعُ عَنْ إقْرَارِهِ.
وَالْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، كَالْحُكْمِ فِي الْغَائِبِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا
[فَصْلٌ طَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ الْقَاضِي مَحْضَرًا بِمَا جَرَى]
(8534) فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ، فَيَكْتُبُ لَهُ: مَحْضَرًا حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ قَاضِيَ عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، أَوْ خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانَ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ إنْ كَانَ نَائِبًا، فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ فَادَّعَى دَارًا فِي يَدَيْهِ - وَيُعَيِّنُهَا، وَيَذْكُرُ حُدُودَهَا وَصِفَتَهَا - فَاعْتَرَفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ غَائِبٌ عَنْ بَلَدِ الْقَاضِي، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، وَهِيَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، فَشَهِدَا عِنْدَهُ لِلْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ، وَعَرَفَ الْحَاكِمُ
عَدَالَتَهُمَا بِمَا يَسُوغُ مَعَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا، أَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ بِعَدَالَتِهِمَا فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا فَقَضَى بِهَا عَلَى الْغَائِبِ، جَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ، قَدْ قَدِمَ، وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ زَادَ: وَقَدِمَ الْغَائِبُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا فُلَانٌ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ تَدْفَعُ الْمُدَّعِيَ عَنْ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ حُضُورِهِ بَيِّنَةً، زَادَ: وَأَقَامَ بَيِّنَةً.
وَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي مُقَدَّمَةً عَلَى بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ خَارِجٍ.
[فَصْل إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ وَخَلَّفَهُ وَأَخًا لَهُ غَائِبًا وَتَرَكَ دَارًا فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ]
(8535) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ وَخَلَّفَهُ وَأَخًا لَهُ غَائِبًا، وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا، وَتَرَكَ دَارًا فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، ثَبَتَتْ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ، وَانْتُزِعَتْ الدَّارُ مِنْ يَدِ الْمُنْكِرِ، وَدُفِعَ نِصْفُهَا إلَى الْمُدَّعِي، وَجُعِلَ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِلْغَائِبِ، يَكْرِيه لَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ، أَوْ مِمَّا يَنْحَفِظُ وَلَا يُخَافُ هَلَاكُهُ، لَمْ يُنْزَعْ نَصِيبُ الْغَائِبِ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَمْ يَدَّعِهِ هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ، فَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى الْمُدَّعِي نَصِيبُهُ، وَلَا يُنْزَعُ نَصِيبُ الْغَائِبِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَنَا أَنَّهَا تَرِكَةُ مَيِّتٍ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْزَعَ نَصِيبُ الْغَائِبِ، كَالْمَنْقُولِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ أَخُوهُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، وَلِأَنَّ فِيمَا قَالَهُ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْغَائِبِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَقَدْ يَمُوتُ الشَّاهِدَانِ أَوْ يَغِيبَا، أَوْ تَزُولُ عَنْهُمَا عَدَالَتُهُمَا، وَيُعْزَلُ الْحَاكِمُ، فَيَضِيعُ حَقُّهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْفَظَ بِانْتِزَاعِهِ، كَالْمَنْقُولِ.
وَيُفَارِقُ الشَّرِيكَ الْأَجْنَبِيَّ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا؛ أَمَّا الْإِجْمَالُ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ يُنْتَزَعُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ فِي الْمِيرَاثِ، وَلَا يُنْتَزَعُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ الْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَّا التَّفْصِيلُ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ لِلْمَيِّتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُ، وَتَنْفُذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ، وَلِأَنَّ الْأَخَ يُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَهُ، إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَخْذُ الْبَاقِي.
فَأَمَّا إنْ كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّة إنْسَانٍ، فَهَلْ يَقْبِضُ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَقْبِضُ، كَمَا يَقْبِضُ الْعَيْنَ.
وَالثَّانِي، لَا يَقْبِضُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَانَ أَحْوَطَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْأَمِينِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّلَفُ إذَا قَبَضَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ أَيْضًا يَعْرِضُ لِلتَّلَفِ بِالْفَلَسِ، وَالْمَوْتِ، وَعَزْلِ الْحَاكِمِ، وَتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّنَا إنْ دَفَعْنَا إلَى الْحَاضِرِ نِصْفَ الدَّارِ أَوْ الدَّيْنِ، لَمْ نُطَالِبهُ بِضَمِينِ؛ لِأَنَّنَا دَفَعْنَاهُ بِقَوْلِ
الشُّهُودِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالضَّمِينِ طَعْنٌ عَلَيْهِمْ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمَا فِي نَفْيِ وَارِثٍ آخَرَ، حَتَّى يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَادِمَةِ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ جَهْلُهُ بِالْوَارِثِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِهِ، وَلَا يَكْتَفِي بِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدَّارُ مَوْقُوفَةً، وَلَا يُسَلَّمُ إلَى الْحَاضِرِ نِصْفُهَا، حَتَّى يَسْأَلَ الْحَاكِمُ وَيَكْشِفَ عَنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ ' يَطُوفُهَا، وَيَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: إنَّ فُلَانًا مَاتَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ، فَلِيَأْتِ.
فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَارِثٌ لَظَهَرَ، دَفَعَ إلَى الْحَاضِرِ نَصِيبَهُ.
وَهَلْ يَطْلُبُ مِنْهُ ضَمِينًا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُولَا: وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ الِابْنِ ذُو فَرْضٍ فَعَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يُعْطِي فَرْضَهُ كَامِلًا.
وَعَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ، يُعْطَى الْيَقِينُ.
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، أُعْطِيت رُبْعَ الثُّمُنِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ جَدَّةٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَوْتُ أُمِّهِ، لَمْ تُعْطَ شَيْئًا، وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهَا، أُعْطِيت ثُلُثَ السُّدُسِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثُ جَدَّاتٍ، وَلَا تُعْطَى الْعَصَبَةُ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أَخًا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ يَحْجُبُهُ.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أُمٌّ، أُعْطِيت السُّدُسَ عَائِلًا، وَالْمَرْأَةُ رُبْعَ الثُّمُنِ عَائِلًا، وَالزَّوْجُ الرُّبْعَ عَائِلًا؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَعُولُ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجِ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ أَبَوَيْنِ وَابْنَيْنِ وَزَوْجًا فَإِذَا كَشَفَ الْحَاكِمُ أَعْطَى الزَّوْجَ نَصِيبَهُ، وَكَمَّلَ لِذَوِي الْفُرُوضِ فُرُوضَهُمْ.
[فَصْل اُخْتُلِفَ فِي دَارٍ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ أَمْسِ مِلْكَهُ أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ]
(8536) فَصْلٌ: وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي دَارٍ، فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ أَمْسِ مِلْكَهُ، أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ فَهَلْ تُسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ، وَيُقْضَى بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا تُسْمَعُ، وَيُحْكَمُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي، وَإِذَا ثَبَتَ اُسْتُدِيمَ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهُ.
وَالثَّانِي لَا تُسْمَعُ قَالَ الْقَاضِي: هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يَدَّعِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ فِي الْحَالِ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا لَمْ يَدَّعِهِ، لَكِنْ إنَّ انْضَمَّ إلَى شَهَادَتِهِمَا بَيَانُ سَبَبِ يَدِ الثَّانِي، وَتَعْرِيفُ تَعَدِّيهَا فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ أَمْسِ، فَقَبَضَهَا هَذَا مِنْهُ، أَوَسَرَقَهَا، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ فَالْتَقَطَهَا هَذَا.
وَنَحْوَ ذَلِكَ، سُمِعَتْ، وَقُضِيَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُبَيِّنْ السَّبَبَ فَالْيَدُ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَبَيْنَ دَلَالَةِ الْيَدِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مِلْكَهُ أَمْسِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى صَاحِبِ الْيَدِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ الْيَدِ عُدْوَانٌ، خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا دَلِيلًا فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِاسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ السَّابِقِ.
وَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِلْمُدَّعِي أَمْسِ، أَوْ فِيمَا مَضَى، سُمِعَ إقْرَارُهُ، وَحُكِمَ بِهِ، فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ سَبَبِ انْتِقَالِهَا إلَيْهِ، فَيَصِيرُ هُوَ الْمُدَّعِيَ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ.
يُفَارِقَ الْبَيِّنَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ، لِكَوْنِهِ شَهَادَةً مِنْ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ، وَلِهَذَا يُسْمَعُ فِي الْمَجْهُولِ، وَيُقْضَى بِهِ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةَ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إلَّا عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَالدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِالْحَالِ، وَالْإِقْرَارُ يُسْمَعُ ابْتِدَاءً.
وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمْسِ، فَفِي سَمَاعِهَا وَجْهَانِ.
وَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُسْمَعُ، وَيَقْضِي بِهِ؛ بِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ ادَّعَى أَمَةً أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَشَهِدَتْ أَنَّهَا ابْنَةُ أَمَتِهِ]
(8537) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى أَمَةً أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، فَشَهِدَتْ أَنَّهَا ابْنَةُ أَمَتِهِ، أَوْ ادَّعَى ثَمَرَةً، فَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرَتِهِ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهَا؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا، وَأَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ مِلْكِهِ إيَّاهَا.
وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: وَلَدَتْهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ أَثْمَرَتْهَا فِي مِلْكِهِ حُكِمَ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ أَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَنَمَاءُ مِلْكِهِ مِلْكُهُ، مَا لَمْ يَرِدْ سَبَبٌ يَنْقُلُهُ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قُلْتُمْ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْمِلْكِ السَّابِقِ، الصَّحِيحِ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ سَابِقٍ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، أَنَّ النَّمَاءَ تَابِعٌ لِلْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ، فَإِثْبَاتُ مِلْكِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ، وَجَرَى مَجْرَى مَا لَوْ قَالَ: مَلَكْته مُنْذُ سَنَةٍ.
وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَثْبُتُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي تَبَعًا لِلْحَالِ، يَكُونُ لَهُ النَّمَاءُ فِيمَا مَضَى، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا شَهِدَتْ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَهُوَ وِلَادَتُهَا، أَوْ وُجُودُهَا فِي مِلْكِهِ، فَقَوِيَتْ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، فَقَالَتْ: أَقْرَضَهُ أَلْفًا، أَوْ بَاعَهُ.
ثَبَتَ الْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَمَعَ ذِكْرِهِ أَوْلَى.
وَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ وَهَذَا الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، وَأَنَّ هَذَا الطَّائِرَ مِنْ بَيْضَتِهِ، حُكِمَ لَهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الْغَزْلَ عَيْنُ الْقُطْنِ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، وَالدَّقِيقَ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ تَفَرَّقَتْ، وَالطَّيْرَ هُوَ أَجْزَاءُ الْبَيْضَةِ اسْتَحَالَ، فَكَأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَالَتْ: هَذَا غَزْلُهُ وَدَقِيقُهُ وَطَيْرُهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ وَالثَّمَرَةُ، فَإِنَّهُمَا غَيْرُ الْأُمِّ وَالشَّجَرَةِ.
وَلَوْ شَهِدَ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْضَةَ مِنْ طَيْرِهِ، لَمْ يَحْكُم لَهُ بِهَا حَتَّى يَقُولَا: بَاضَهَا فِي مِلْكِهِ.
لِأَنَّ الْبَيْضَةَ غَيْرُ الطَّيْرِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَمَائِهِ، فَهِيَ كَالْوَلَدِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْل إذَا كَانَتْ فِي يَدِ زَيْدٍ دَارٌ فَادَّعَاهَا عَمْرو وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ خَالِدٍ بِثَمَنٍ مُسَمًّى نَقَدَهُ إيَّاهُ]
(8538) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ فِي يَدِ زَيْدٍ دَارٌ، فَادَّعَاهَا عَمْرٌو، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ خَالِدٍ بِثَمَنٍ مُسَمًّى نَقَدَهُ إيَّاهُ، أَوْ أَنَّ خَالِدًا وَهَبَهُ تِلْكَ الدَّارَ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ بِهَذَا حَتَّى يُشْهِدَ أَنَّ خَالِدًا بَاعَهُ إيَّاهَا، أَوْ وَهَبَهَا لَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهَا، أَوْ يُشْهِدَ أَنَّهَا دَارُ عَمْرٍو اشْتَرَاهَا مِنْ خَالِدٍ، أَوْ يُشْهِدَ أَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لَهُ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ
وَالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَيَهَبُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِهِ، فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الشَّهَادَةُ لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ، أَوْ شَهِدُوا لِلْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ، أَوْ شَهِدُوا بِالتَّسْلِيمِ، فَقَدْ شَهِدُوا بِتَقَدُّمِ الْيَدِ، أَوْ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي، أَوْ لِمَنْ بَاعَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا قَبِلْنَاهَا وَهِيَ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ مَاضٍ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ مَعَ السَّبَبِ، وَالظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُذْكَرْ السَّبَبُ.
[فَصْلٌ فِي يَدِ رَجُلٍ طِفْلٌ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَادَّعَى أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ]
(8539) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ طِفْلٌ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَادَّعَى أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، قُبِلَتْ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَالصَّبِيُّ مَا لَمْ يُعَبِّرْ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ كَالْبَهِيمَةِ وَالْمَتَاعِ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ سَبَبَ يَدِهِ غَيْرُ الْمِلْكِ، مِثْلُ أَنْ يَلْتَقِطَهُ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِرِقِّهِ؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَدْ وُجِدَ فِيهِ دَلِيلُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَيُحْكَمُ بِرِقِّهِ.
فَإِذَا بَلَغَ، فَادَّعَى الْحُرِّيَّةَ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ قَبْلَ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ مِلْكَهُ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّهُ، وَيُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ.
فَإِنْ ادَّعَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَهُ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّ النَّسَبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلَاءِ فِي الْمِيرَاثِ.
فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِنَسَبِهِ، ثَبَتَ، وَلَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ، أَوْ يُسْبَى الصَّغِيرُ ثُمَّ يُسْلِمُ أَبُوهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَرَبِيًّا، فَلَا يَسْتَرِقُّ وَلَدُهُ، فِي رِوَايَةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ.
وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ حُرَّةٍ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا حُرًّا.
وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا، يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَادَّعَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ رِقَّهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَقَدُّمُ الْيَدِ عَلَيْهِ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ، إلَّا أَنَّنَا إنْ رَأَيْنَاهُ فِي يَدِهِ وَهُمَا يَتَنَازَعَانِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِبٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ.
وَالثَّانِي يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَغِيرٌ ادَّعَى رَقَّهُ وَهُوَ فِي يَدِهِ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ.
فَأَمَّا الْبَالِغُ إذَا ادَّعَى رِقَّهُ فَأَنْكَرَ، لَمْ يَثْبُتْ رِقُّهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْحُرِّيَّة؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ.
وَهَذَا الْفَصْلُ بِجَمِيعِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا: مَتَى أَقَامَ إنْسَانٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالْحُرِّيَّةُ لِأَنَّ ظُهُورَ الْحُرِّيَّةِ فِي وَلَدِ الْحُرِّ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِ الرِّقِّ الْحَاصِلِ بِالْيَدِ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْ الرَّجُلِ كُفْرٌ، وَلَا تَزَوُّجٌ بِأَمَةٍ، فَلَا يَبْقَى احْتِمَالُ الرِّقِّ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ ادَّعَى اثْنَانِ رِقَّ بَالِغٍ فِي أَيْدِيهِمَا فَأَنْكَرَهُمَا]
(8540) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ رِقَّ بَالِغٍ فِي أَيْدِيهِمَا فَأَنْكَرَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُمَا بِالرِّقِّ، ثَبَتَ
رِقُّهُ.
فَإِنْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، فَاعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا، فَهُوَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ وَالثَّوْبَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إنَّمَا حُكْمَ بِرِقِّهِ بِاعْتِرَافِهِ، فَكَانَ مَمْلُوكًا لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهِ.
وَيُخَالِفُ الثَّوْبَ وَالطِّفْلَ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ فِيهِمَا بِالْيَدِ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ، وَهَاهُنَا حَصَلَ بِالِاعْتِرَافِ، وَقَدْ اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَكَانَ مُخْتَصًّا بِهِ.
فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِسُقُوطِهِمَا، وَلَمْ يَعْتَرِفْ لَهُمَا بِالرِّقِّ، فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا، فَهُوَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا مَعًا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا وَصَارَتَا كَالْمَعْدُومَتَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ أَوْ الْقِسْمَة، فَأَنْكَرَهُمَا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى اعْتِرَافِهِ؛ لِأَنَّ رِقَّهُ ثَابِتٌ بِالْبَيِّنَةِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ.
[فَصْلٌ كَانَ فِي يَدِهِ صَغِيرَةٌ فَادَّعَى نِكَاحَهَا]
(8541) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَغِيرَةٌ، فَادَّعَى نِكَاحَهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَلَا يُخْلَى بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ.
وَلَوْ ادَّعَى رِقَّهَا قُبِلَ مِنْهُ، إذَا كَانَتْ طِفْلَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَأَمَّا الْمُدَّعِي لِلنِّكَاحِ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِحُرِّيَّتِهَا، أَوْ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَالْيَدُ لَا تَثْبُتُ عَلَى الْحُرِّ، فَإِذَا كَبِرَتْ فَاعْتَرَفَتْ لَهُ بِالنِّكَاحِ، قُبِلَ إقْرَارُهَا
[فَصْلٌ ادَّعَى مِلْكَ عَيْنٍ وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْهُ]
(8542) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى مِلْكَ عَيْنٍ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا إيَّاهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ ادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا، أَوْ أَعْتَقَهَا، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، قُضِيَ لَهُ بِهَا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ هَذَا شَهِدَتْ بِأَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى شَهِدَتْ بِالْأَصْلِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ، ثُمَّ صَنَعَ بِهِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى.
وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَتَرَكَ دَارًا فَادَّعَى ابْنُهُ أَنَّهُ خَلَّفَهَا مِيرَاثًا، وَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ، حُكِمَ بِهَا لِلْمَرْأَةِ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي أَمْرًا زَائِدًا خَفِيَ عَلَى بَيِّنَةِ الِابْنِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالشِّرَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ، أَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِذَلِكَ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بِالْبَيْعِ وَالْقَبْضِ، أَوْ لَمْ تَذْكُرْ الْقَبْضَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا تُزَالُ يَدُ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُ.
وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْبَائِعِ أَثْبَتَتْ الْمِلْكَ لَهُ، فَإِذَا أَقَامَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ عَلَيْهِ، كَانَتْ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا إلَى الْمُشْتَرِي، فَوَجَبَ الْقَضَاءُ لَهُ بِهَا.
وَلَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً، فَجَاءَ ثَالِثٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مُدَّعِيهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً، ثَبَتَ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ، وَلَيْسَ فِي شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى أَنَّهُ تَمَلَّكَهَا مُنْذُ سَنَةٍ، مَا يُبْطِلُ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ مِلْكِهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَمِلْكِهَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَإِنَّ الْمَالِكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، يَسْتَمِرُّ مِلْكُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ.
فَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ: هُوَ مَالِكُهَا.
ثَبَتَ الْمِلْكُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ، كَانَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْل ادَّعَى رَجُلٌ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ آخَر وَادَّعَى صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ]
(8543) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ آخَرَ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، فَهِيَ لِمُدَّعِي الْمِلْكِ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ وَلَا الْبَيِّنَتَيْنِ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَهِيَ فِي يَدِ الْآخَرِ.
وَإِنْ ادَّعَى دَابَّةً أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً، فَوُجِدَتْ الدَّابَّةُ لَهَا أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَالْبَيِّنَةُ كَاذِبَةٌ، وَالدَّابَّةُ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ.
[فَصْلٌ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ]
(8544) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْقَضَاءِ، ثَبَتَ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْأَلْفُ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَضَاهُ أَلْفًا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَشْهَدْ بِأَلْفٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهُ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا صَرِيحَةً، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ أَثْبَتَتْ الْأَلْفَ بِشَهَادَتِهَا الصَّرِيحَةِ بِهَا وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا فَقَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا.
فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَرْضِ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَضَاهُ أَلْفًا، وَلَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ بَرِئَ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ، إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ إلَّا لِمَا عَلَيْهِ، فَلِهَذَا جُعِلَ الْقَضَاءُ لِلْأَلْفِ الثَّابِتَةِ، وَإِنْ قَالَ مَا أَقْرَضْتنِي.
ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ فِي أَنَّهُ قَضَاهُ الْقَرْضَ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ الْقَرْضَ تَعَيَّنَ صَرْفُهَا إلَى قَضَاءِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ لَمْ يُنْكِرْ الْقَرْضَ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الْقَضَاءِ وَكَانَتْ مُؤَرِّخَةً بِتَارِيخٍ سَابِقٍ عَلَى الْقَرْضِ، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى قَضَاءِ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي الْقَرْضُ قَبْلَ وُجُودِهِ.
[مَسْأَلَة خَلْفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا]
(8545) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَافِرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ بِاعْتِرَافِهِ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، يَعْتَرِفُ بِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا، مُدَّعِيًا لِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِأُخُوَّتِهِ، كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ دِينُهُ، وَخَلَّفَ تَرِكَةً وَابْنَيْنِ، يَعْتَرِفَانِ أَنَّهُ أَبُوهُمَا، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، وَأَنَّ الْمِيرَاثَ لَهُ دُونَ أَخِيهِ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُسْلِمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ كَوْنَ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا فَيَجِبَ كَوْنُ أَوْلَادِهِ مُسْلِمِينَ، وَيَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
أَوْ يَقُولَ إنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَا قَالَهُ أَخُوهُ، مُدَّعٍ زَوَالَهُ وَانْتِقَالَهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، حَتَّى يَثْبُتَ زَوَالُهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: إنَّ الْمُسْلِمَ بِاعْتِرَافِهِ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ مُعْتَرِفٌ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا، مُدَّعِيًا لِإِسْلَامِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُمَا فِي الدَّعْوَى سَوَاءٌ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا، وَيَثْبُتُ لِلْمَيِّتِ فِيهَا، إذَا لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ، حُكْمُ الْإِسْلَامِ؛ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَدَفْنِهِ، وَتَكْفِينِهِ مِنْ الْوَقْفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى أَكْفَانِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِي تَغْسِيلِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ، فَكَذَلِكَ فِي مِيرَاثِهِ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا، لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِدَّتُهُ وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى الْإِمَامِ خَبَرُهُ، وَظُهُورُ الْإِسْلَامِ بِنَاءً عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مِنْ ظُهُورِ الْكُفْرِ بِنَاءً عَلَى كُفْرِ أَبِيهِ، وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّرْعُ أَحْكَامَهُ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، فِيمَا عَدَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّا نَنْظُرُ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ فِي أَيْدِيهِمَا، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا.
وَيَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَرِفُ أَنَّ هَذِهِ التَّرِكَةَ
تَرِكَةُ هَذَا الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا بِالْمِيرَاثِ، فَلَا حُكْمَ لِيَدِهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُعْرَفَ أَصْلُ دِينِهِ، أَوْ يَصْطَلِحَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ظُهُورِ كُفْرِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ لِقَوْلِهِ وَصَرْفُ الْمِيرَاثِ إلَيْهِ، وَأَمَّا ظُهُورُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ تَغْسِيلُهُ وَدَفْنُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى.
فَإِنَّمَا يَعْلُو إذَا ثَبَتَ وَالنِّزَاعُ فِي ثُبُوتِهِ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ، فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ أَصْلُ دِينِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَنَا؛ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِيه، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَبُوهُ دُونَ الْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى؛ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمَا وَدَعَاوِيهمَا، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ فِي الدَّعْوَى سَوَاءٌ، يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ نِصْفَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي ايدِيهِمَا دَارٌ فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْمُسْلِمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة أَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا وَأَقَامَ الْكَافِرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا]
(8546) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَأَقَامَ الْكَافِرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، أُسْقِطَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا.
وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَطْرَأُ عَلَى الْكُفْرِ إذَا لَمْ يُؤَرِّخْ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَلَّفَ الْمَيِّتُ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، وَأَقَامَ الْكَافِرُ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ وَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ نَظَرْنَا فِي لَفْظِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنْ شَهِدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ التَّلَفُّظَ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ، وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْكُفْرِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي انْتِقَالَهُ عَنْ دِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبْقِيَةَ لَهُ عَلَى أَصْلِ دِينِهِ، ثَبَتَتْ شَهَادَتُهَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا عَرَفَا أَصْلَ دِينِهِ وَلَمْ يَعْرِفَا انْتِقَالَهُ عَنْهُ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ الَّذِي عَرَفَاهُ، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى مَعَهَا عِلْمٌ لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُولَى، فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ مِلْكًا لِفُلَانٍ إلَى أَنْ مَاتَ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ قَدْ كَانَ مُسْلِمًا.
وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا.
نَظَرْنَا فِي تَارِيخِهِمَا؛ فَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عُمِلَ بِالْآخِرَةِ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَمَّا شَهِدَتْ بِهِ الْأُولَى، إلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْآخِرَةُ وَإِنْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَرُّ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ
الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يُسْلِمُ الْكَافِرُ، فَيُقَرُّ.
وَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، نَظَرْت فِي شَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى اللَّفْظِ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى اللَّفْظِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ.
وَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ، قُدِّمَتْ النَّاقِلَةُ لَهُ عَنْ أَصْلِ دِينِهِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ، وَيَكُونَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأَخَذَ.
الثَّانِيَةُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا.
وَنَحْوَ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ، فِيمَا إذَا قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا.
مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ أَصْلَ، دِينِهِ الْكُفْرُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي الْأَصْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ بَيِّنَةُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ أَنْ تَسْتَنِدَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ.
[فَصْل خَلَّفَ ابْنًا مُسْلِمًا وَأَخًا كَافِرًا فَاخْتَلَفَا فِي دِينِهِ حَالَ الْمَوْتِ]
(8547) فَصْلٌ وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا مُسْلِمًا وَأَخًا كَافِرًا، فَاخْتَلَفَا فِي دِينِهِ حَالَ الْمَوْتِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَقَارِبِ، إلَّا أَنْ يُخَلِّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْأَقَارِبِ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي دِينِهِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْأَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَعْرِفَةِ أَصْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحْكُومٌ لَهُ بِدِينِ أَبَوَيْهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، وَإِنَّ الِابْنَيْنِ يَدَّعِيَانِ إسْلَامَهُ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْأَبَوَيْنِ.
وَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا فِي إسْلَامِهِ لِأَنَّ كُفْرَهُ يَنْبَنِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ، أَوْ أَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا كَافِرَيْنِ، فَأَسْلَمَا بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَالْأَصْلُ.
خِلَافُهُ.
[فَصْل كَانَتْ الزَّوْجَةُ كَافِرَةً ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ فَأَنْكَرَهَا الْوَرَثَةُ]
(8548) فَصْلٌ: وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ، وَخَلَّفَ زَوْجَةً وَوَرَثَةً سِوَاهَا، وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ كَافِرَةً، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأَنْكَرَهَا الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا كَافِرَةٌ، فَادَّعَى عَلَيْهَا الْوَرَثَةُ أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً، فَأَنْكَرَتْهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعُوهُ عَلَيْهِ وَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأَنْكَرَتْهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِالطَّلَاقِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَادَّعَتْ أَنَّهُ رَاجَعَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، فِي أَنَّهَا لَمْ تَنْقَضِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَلَوْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، اتَّفَقَا عَلَى أَنْ أَحَدَهُمَا كَانَ مُسْلِمًا حِينَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَجَحَدَهُ أَخُوهُ، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُفْرِ إلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهُ، وَعَلَى أَخِيهِ الْيَمِينُ، وَتَكُونُ عَلَى نَفْيٍ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيٍ فِعْلِ.
أَخِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، قُسِمَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا، وَالْآخَرُ رَقِيقًا، ثُمَّ عَتَقَ، وَاخْتَلَفَا فِي
حُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهَا.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا وَلَا كَافِرًا، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ، وَعَدَمُ مَا سِوَاهُمَا.
[فَصْل أَسْلَمَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ وَأَسْلَمَ الْآخَرُ فِي غُرَّةِ رَمَضَان وَاخْتَلَفَا فِي مَوْتِ أَبِيهِمَا هَلْ فِي شَعْبَان أُمّ فِي رَمَضَان]
(8549) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ، وَأَسْلَمَ الْآخَرُ فِي غُرَّةِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفَا فِي مَوْتِ أَبِيهِمَا، فَقَالَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: مَاتَ فِي شَعْبَانَ فَوَرِثْته وَحْدِي.
وَقَالَ الْآخَرُ: مَاتَ فِي رَمَضَانَ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهَا، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَتَعَارَضَانِ، وَالثَّانِي، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَوْتِهِ فِي شَعْبَانَ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، لِأَنَّهَا بَيَّنَتْ مَوْتَهُ فِي شَعْبَانَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يُخْفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى.
[فَصْل اخْتَلَفَا فِي دَارٍ فَادَّعَى كُلّ مِنْهُمَا أَنَّهُ ورثها وَكَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا]
(8550) فَصْلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي دَارٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا، أَنَّ هَذِهِ دَارِي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهَا دَارُهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ.
وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَخًا لِلْآخَرِ، وَكَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمَا تَعَارَضَتَا، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي مِثْلِهَا.
[مَسْأَلَة قَالَ زَوْجُهَا مَاتَتْ قَبْلَ ابْنِهَا فَوَرِثْنَاهَا ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْته وَقَالَ أَخُوهَا مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ قَبْلَ ابْنِهَا، فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي، فَوَرِثْته.
وَقَالَ أَخُوهَا مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَكَانَ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاخْتَلَفَ الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِمْ فِي أَسْبَقِهِمْ بِالْمَوْتِ كَامْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا، فَقَالَ الزَّوْجُ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا، فَصَارَ مِيرَاثُهَا كُلُّهُ لِي وَلِابْنِي، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَصَارَ مِيرَاثُهُ لِي.
وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا أَوَّلًا فَوَرِثَتْ ثُلُثَ مَالِهِ، ثُمَّ مَاتَتْ فَكَانَ مِيرَاثُهَا بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَيْنِ.
حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَجَعَلْنَا مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ مَاتَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْحَيِّ مِنْ مَوْرُوثِهِ مَوْجُودٌ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ لِبَقَاءِ مَوْرُوثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ وَهَذَا أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، فَيَكُونُ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، لَا مُشَارِكَ لَهُ فِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ بَيْنَ أَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَعْطَيْتُمْ الزَّوْجَ نِصْفَ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ لَا يَدَّعِي إلَّا الرُّبْعَ قُلْنَا بَلْ هُوَ مُدَّعٍ لَهُ كُلِّهِ؛ رُبْعِهِ بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا، وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ بِإِرْثِهِ مِنْ ابْنِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ ثَبَتَتْ الْبُنُوَّةُ بِيَقِينٍ، فَلَا يُقْطَعُ مِيرَاثُ الْأَبِ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ لِلْأَخِ.
وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَكَرَ قَوْلًا آخَرَ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
قَالَ: وَهَذَا اخْتِيَارِي أَنَّ كُلَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا مَالًا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَذَا لَا يُدْرَى مَا أَرَادَ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَالَ الْمَرْأَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
فَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَلَيْسَ بِقَوْلِ آخَرَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَالَهَا وَمَالَ الِابْنِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إعْطَاءِ الْأَخِ مَا لَا يَدَّعِيه، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي مِنْ مَالِ الِابْنِ أَكْثَرَ مِنْ سُدُسِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ أَرَادَ ثُلُثَ مَالِ الِابْنِ يُضَمُّ إلَى مَالِ الْمَرْأَةِ، فَيَقْتَسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ نِصْفَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ بِاتِّفَاقِ مِنْهُمَا لَا، يُنَازِعُهُ الْأَخُ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا فِي نِصْفِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُ كَمَا لَوْ تَنَازَعَ الْأَخُ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا خَفِيٌّ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا، فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتِلْكَ، أَنَّ الدَّارَ فِي أَيْدِيهِمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِهِ نِصْفُهَا، فَمُدَّعِي النِّصْفِ يَدَّعِيه وَهُوَ فِي يَدِهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَعْتَرِفَانِ أَنَّ هَذَا مِيرَاثٌ عَنْ الْمَيِّتَيْنِ، فَلَا يَدَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ، لَاعْتِرَافِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا، وَإِنَّمَا هُوَ مِيرَاثٌ يَدَّعِيَانِهِ عَنْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمُّ سُدُسُ مَالِ الِابْنِ إلَى نِصْفِ مَالِ الْمَرْأَةِ، فَيُقْسَمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَلَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً فِي أَيْدِيهِمَا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ فِيمَا حُكِمَ لَهُ بِهِ.
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى، أَنْ يَكُونَ سُدُسُ مِيرَاثِ الِابْنِ لِلْأَخِ، وَبَاقِي الْمِيرَاثَيْنِ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّنَا نُقَدِّرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَاتَتْ أَوَّلًا، فَيَكُونُ مِيرَاثُهَا لِابْنِهَا وَزَوْجِهَا، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَوَرِثَ الزَّوْجُ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ فَصَارَ مِيرَاثُهَا كُلُّهُ لِزَوْجِهَا، ثُمَّ نُقَدِّرُ أَنَّ الِابْنَ مَاتَ أَوَّلًا، فَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ لِأُمِّهِ الثُّلُثُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَصَارَ الثُّلُثُ بَيْنَ أَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، فَلَمْ يَرِثْ الْأَخُ إلَّا سُدُسَ مَالِ الِابْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ يَخْتَصُّ بِمَنْ جُهِلَ مَوْتُهُمَا، وَاتَّفَقَ وُرَّاثُهُمَا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ.
وَالْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ؛ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، فِيمَا إذَا ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّهُ مَاتَ أَخِيرًا وَأَنَّ الْآخَرَ مَاتَ قَبْلَهُ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ، حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا، وَهَلْ تَسْقُطَانِ، أَوْ تُسْتَعْمَلَانِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَقْتَسِمَانِ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ فَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا فَأَنْكَرَهَا]
(8552) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ، فَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا، أَوْ أَنَّهَا اشْتَرَتْهَا مِنْهُ فَأَنْكَرَهَا فَالْقَوْلُ
قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةِ خَفِيَتْ عَلَى بَيِّنَةِ الزَّوْجِ.
وَإِنْ مَاتَ الرَّجُلُ، وَخَلَّفَ ابْنًا، فَادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ خَلَّفَ الدَّارَ مِيرَاثًا، وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا، أَوْ بَاعَهَا إيَّاهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ؛ لِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ مَعَ يَمِينِهِ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
[فَصَلِّ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اكْتَرَى بَيْتًا مِنْ دَارٍ لِرَجُلٍ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ اكْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا بِعَشَرَةٍ ذَلِكَ الشَّهْرَ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا]
(8553) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اكْتَرَى بَيْتًا مِنْ دَارٍ لِرَجُلٍ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ، فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ اكْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا بِعَشَرَةٍ، ذَلِكَ الشَّهْرَ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَقَدْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ، فِي قَدْرِ الْمُكْتَرَى، فَيَتَحَالَفَانِ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُ التَّحَالُفِ فِي الْبَيْعِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، فِيمَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَبْدَهُ هَذَا بِعَشَرَةٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ هُوَ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ بِعَشَرَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا تَحَالُفًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي بَيْعًا فِي الْعَبْدِ الزَّائِدِ، يُنْكِرُهُ الْبَائِعُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَهَذَا مِثْلُهُ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي مَعَ يَمِينِهِ إذَا عُدِمَتْ الْبَيِّنَةُ.
فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً، حُكِمَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، تَعَارَضَتَا، سَوَاءٌ كَانَتَا مُطْلِقَتَيْنِ، أَوْ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُؤَرِّخَةً وَالْأُخْرَى مُطْلِقَةٌ، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَيْتِ مُفْرَدًا، وَعَلَى الدَّارِ كُلِّهَا، فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، مُحَالٌ، فَإِنْ قُلْنَا تَسْقُطَانِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا عَلَى الْمُكْتَرِي كَمَا قُلْتُمْ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِأَلْفٍ، وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمِائَةٍ: يَجِبُ الْمَهْرَانِ؟ قُلْنَا ثَمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرَانِ مُسْتَقِرَّيْنِ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ يَدْخُلُ بِهَا، ثُمَّ يُخَالِعُهَا، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَلَا تَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَإِذَا عَقَدَ عَقْدًا قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَتَانِ.
[مَسْأَلَة شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ صَبِيٍّ أَلْفًا وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الصَّبِيِّ أَلْفًا]
(8554) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ، أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ صَبِيٍّ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الصَّبِيِّ أَلْفًا، كَانَ عَلَى وَلِي الصَّبِيِّ أَنْ يُطَالِبَ أَحَدَهُمَا بِالْأَلْفِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَمْ تَشْهَدْ بِالْأَلْفِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهَا الْأُخْرَى فَيَأْخُذَ الْوَلِيُّ الْأَلْفَيْنِ)
أَمَّا إذَا كَانَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِأَلْفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ يُطَالِبُ بِالْأَلْفَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ، فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا، وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَلْفٍ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ أَلْفًا مُعَيَّنًا، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْآخِذُ لَهَا، لَمْ يَجِبْ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ، وَلِلْوَلِيِّ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ الْأَلْفَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَرُدَّهُ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ رَدَّهُ إلَى الصَّبِيِّ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَبْضٌ صَحِيحٌ.
فَإِنْ غَرِمَهُ الَّذِي لَمْ يَرُدَّهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ غَرِمَهُ الرَّادُّ لَهُ، رَجَعَ عَلَى الَّذِي لَمْ يَرُدَّهُ.
فَإِنْ غَرِمَهُ أَحَدُهُمَا، فَادَّعَى أَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَى صَاحِبِهِ، لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَة رَجُلَيْنِ حَرْبِيَّيْنِ جَاءَا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ فَذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ]
(8555) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَرْبِيَّيْنِ جَاءَا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ، فَذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ، جَعَلْنَاهُمَا أَخَوَيْنِ، وَإِنْ كَانَا سَبْيًا، فَادَّعَيَا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُعْتِقَا، فَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُعْتِقِهِ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُمَا، إلَّا أَنْ تَقُومَ بِمَا ادَّعَيَاهُ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَيَثْبُتَ النَّسَبُ، وَيُوَرَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَخِيهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا إلَيْنَا مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِنَسَبِ بَعْضٍ، ثَبَتَ نَسَبُهُمْ كَمَا يَثْبُتُ نَسَبُ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ بِإِقْرَارِهِمْ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِيهِ، فَقُبِلَ، كَإِقْرَارِهِمْ، بِالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ كَانُوا سَبْيًا، فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِنَسَبِ بَعْضٍ، وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثَبَتَ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ أَسِيرًا عِنْدَهُمْ أَوْ غَيْرَ أَسِيرٍ.
وَيُسَمَّى الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ حَمِيلًا، أَيْ مَحْمُولًا، كَمَا يُقَالُ لِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ، وَلِلْمَجْرُوحِ جَرِيحٌ؛ لِأَنَّهُ حُمِلَ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ.
وَقِيلَ سُمِّيَ حَمِيلًا؛ لِأَنَّهُ حُمِلَ نَسَبُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ شَهِدَ بِنَسَبِهِ الْكُفَّارُ، لَمْ تُقْبَلْ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ فِي ذَلِكَ تُقْبَلُ؛ لِتَعَذُّرِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ فِي الْغَالِبِ، فَأَشْبَهَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّنَا إذَا لَمْ نَقْبَلْ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ، فَشَهَادَةُ الْكَافِرِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُمْ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى السَّيِّدِ، بِتَفْوِيتِ إرْثِهِ بِالْوَلَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ الْعِتْقِ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا مُعْتِقُهُمَا، قُبِلَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، لَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُعْتِقِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ أَبٍ، أَوْ أَخٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ ابْنِ عَمٍّ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، لَا يُقْبَلُ.
وَالثَّانِي يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَوْلِدَ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ.
وَالثَّالِثُ، إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَوْلِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِيلَادَ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ
قَبْلَ عِتْقِهِ، أَوْ يَسْتَوْلِدَ قَبْلَ عِتْقِهِ.
وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ إقْرَارَهُ يُقْبَلُ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ الْإِقْرَارُ مِنْ الْأَحْرَارِ الْأَصْلِيِّينَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أَقَرَّ بِنَسَبٍ وَإِرْثُ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ صِدْقُهُ فِيهِ، وَوَافَقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيهِ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ مَنْ لَهُ أَخٌ بِنَسَبِ ابْنٍ، وَبِهَذَا الْأَصْلِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ.
وَلَنَا، مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ، أَنْ لَا تُوَرِّثْ حَمِيلًا، حَتَّى تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنْ لَا تُوَرِّثْ حَمِيلًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّ مُعْتِقِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَوْلًى لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ شَرِيكُهُ فِي وَلَائِهِ، وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ مِنْ الْحُرِّ الَّذِي لَهُ أَخٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ نَتِيجَةُ الْمِلْكِ، فَجَرَى مَجْرَاهُ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ ثَبَتَ عَنْ عِوَضٍ، وَالْأُخُوَّةُ بِخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ.
صَحَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ إلَّا الْوَلَاءُ؟ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بِعِوَضٍ، كَانَ أَقْوَى مِنْ النَّسَبِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا النَّسَبَ فِي الْمِيرَاثِ لِقُرْبِهِ، لَا لِقُوَّتِهِ، كَمَا نُقَدِّمُ ذَوِي الْفُرُوضِ عَلَى الْعَصَبَةِ مَعَ قُرْبِهِمْ.
(8556)
فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَثَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا فَيَرِثَ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّا بِالنَّسَبِ فِي حَالِ رِقِّهِمَا، لَمْ يَثْبُتْ لِاحْتِمَالِ التَّوَارُثِ بِالْعِتْقِ.
وَإِنْ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ مِنْ حُرَّةٍ، فَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ؛ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِقَبُولِهِ، وَانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْأُصُولِ، فَالْفُرُوعُ أَوْلَى فَإِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ إقْرَارُهُمَا.
فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِأَبِي الْآخَرِ أَنَّهُ عَمُّهُ، لَمْ يَثْبُتْ الْإِقْرَارُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَوَرِثَ عَمُّهُ دُونُ مَوْلَاهُ الْمُعْتِقِ لَهُ.
وَهَلْ يَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَمِّ فَيَرِثُ ابْنَ أَخِيهِ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لِانْتِفَاءِ الْوَلَاءِ عَنْ ابْنِ الْأَخِ فَلَا تُفْضِي صِحَّةُ الْإِقْرَارِ إلَى إسْقَاطِ الْوَلَاءِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْآخَرِ.
[مَسْأَلَة كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ فَافْتَرَقَا أَوْ مَاتَا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ لَهُ]
(8557) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ، فَافْتَرَقَا، أَوْ مَاتَا، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ لَهُ، أَوْ وَرِثَهُ، حُكِمَ بِمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلْمَرْأَةِ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، أَوْ فِي بَعْضِهِ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: جَمِيعُهُ لِي.
أَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذِهِ الْعَيْنُ لِي، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ لَهُ، بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ؛ مِنْ الْعَمَائِمِ، وَقُمْصَانِهِمْ، وَجِبَابِهِمْ، وَالْأَقْبِيَةِ، وَالطَّيَالِسَةِ، وَالسِّلَاحِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ؛ كَحُلِيِّهِنَّ، وَقُمُصِهِنَّ، وَمَقَانِعِهِنَّ، وَمَغَازِلِهِنَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا.
وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا؛ كَالْمَفَارِشِ، وَالْأَوَانِي، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، أَوْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا، أَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ؛ مِنْهُمْ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ، أَوْ يَمُوتُ، فَتَدَّعِي الْمَرْأَةُ الْمَتَاعَ: فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا كَانَ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ، فَهُوَ لِلنِّسَاءِ، وَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِمَا، فَمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، دُفِعَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأُعْطِيَ الْمَتَاعَ.
وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ مِهَنًا: وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا، وَأَحَدُهُمَا مَمْلُوكٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، أَمَّا مَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا، قُسِمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: مَا يَصْلُحُ لَهُمَا وَيَدُهُمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ أَحَدُهُمَا وَوَرِثَهُ الْآخَرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ النَّافِي مِنْهُمَا لِأَنَّ الْيَدَ الْمُشَاهَدَةَ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ الْخَيَّاطُ وَصَاحِبُ الدَّارِ فِي الْإِبْرَةِ وَالْمِقَصِّ، كَانَتْ لِلْخَيَّاطِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ، فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُ قَدْرُ جِهَازِ مِثْلِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ مَا صَلَحَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهُوَ لَهُ، وَمَا صَلَحَ لَهُمَا، كَانَ لِلرَّجُلِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لِلرَّجُلِ، وَيَدَهُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ السُّكْنَى وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزُفَرُ، وَالْبَتِّيُّ كُلُّ مَا فِي الْبَيْتِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ وَيَأْخُذُهُ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي ثُبُوتِ يَدِهِمَا عَلَى الْمُدَّعَى، وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، كَاَلَّذِي يَصْلُحُ لَهُمَا، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمُشَاهَدَةُ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَ ذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنْ أَيْدِيَهُمَا جَمِيعًا عَلَى مَتَاعٍ الْبَيْتِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ نَازَعَهُمَا فِيهِ أَجْنَبِيٌّ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا، وَقَدْ يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ يَدًا وَتَصَرُّفًا فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا، أَوْ قَمِيصًا أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ، أَوْ جِدَارًا مُتَّصِلًا بِدَارَيْهِمَا، مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزَجٌ.
وَلَنَا، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي، أَنَّهُمَا تَنَازَعَا فِيمَا فِي أَيْدِيهِمَا وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، أَشْبَهَ إذَا كَانَ فِي الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا، فَإِنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، أَشْبَهَ إذَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْمُشَاهَدَةِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّافِي، أَنَّ وَارِثَ الْمَيِّتِ قَائِمٌ مَقَامَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ وَكِيلًا.
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ حَكِيمَةٌ، بَلْ تَنَازَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي عَيْنٍ غَيْرِ قُمَاشٍ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا بِصَلَاحِيَةِ ذَلِكَ لَهُ، بَلْ إنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، اقْتَرَعَا عَلَيْهَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ لَهُ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ حَكَمْنَا بِهَا لَهُ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا يَدٌ حُكْمِيَّةٌ، فَأَشْبَهَا سَائِرَ الْمُخْتَلِفِينَ.
[فَصْلٌ كَانَ فِي الدُّكَّانِ نَجَّارٌ وَعَطَّارٌ فَاخْتَلَفَا فِيمَا فِيهَا]
(8558) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ فِي الدُّكَّانِ نَجَّارٌ وَعَطَّارٌ، فَاخْتَلَفَا فِيمَا فِيهَا، حُكِمَ بِآلَةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا، فَآلَةُ الْعَطَّارِينَ لِلْعَطَّارِ، وَآلَةُ النَّجَّارِينَ لِلنَّجَّارِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي دُكَّانٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ لَمْ يُرَجَّحْ أَحَدُهُمَا بِصَلَاحِيَةِ الْعَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا لَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجَيْنِ، يَكُونُ ذَلِكَ كَتَنَازُعِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي فِي شَيْءٍ فِي الدَّارِ]
(8559) فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي فِي شَيْءٍ فِي الدَّارِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ، كَالْأَثَاثِ، وَالْأَوَانِي، وَالْكُتُبِ فَهُوَ لِلْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُكْرِي دَارِهِ فَارِغَةً مِنْ رَحْلِهِ وَقُمَاشِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ؛ كَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ، وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ، وَالسَّلَالِيمِ الْمُسَمَّرَةِ، وَالْمَفَاتِيحِ وَالرَّحَا الْمَنْصُوبَةِ، وَحَجَرِهَا التَّحْتَانِيِّ فَهُوَ لِلْمُكْرِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّارِ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَةَ الْمَغْرُوسَةَ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَتْ الرُّفُوفُ مَوْضُوعَةً عَلَى أَوْتَادٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الرُّفُوفِ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ.
فَظَاهِرُ هَذَا الْعُمُومُ فِي الرُّفُوفِ كُلِّهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: كَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسَمَّرَةِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسَمَّرَةِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا إذَا تَحَالَفَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ فَأَشْبَهَتْ الْقُمَاشَ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لِلْمُكْتَرِي، وَلِلْمُكْرِي ظَاهِرٌ يُعَارِضُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُكْرِيَ يَتْرُكُ الرُّفُوفَ فِي الدَّارِ، وَلَا يَنْقُلُهَا عَنْهَا، فَإِذَا تَعَارَضَ الظَّاهِرَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، اسْتَوَيَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا تَحَالَفَا، كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، فَهِيَ لِمَنْ حَلَفَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلرَّفِّ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ تَحَالَفَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ فَالشَّكْلُ تَابِعٌ لِلدَّارِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَ الرَّفَّيْنِ لِمَنْ لَهُ الْآخَرُ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي مِصْرَاعِ بَابٍ مَقْلُوعٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ صَاحِبِهِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لِمَنْ لَهُ الْآخَرُ، كَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنْ الرَّحَى، وَالْمِفْتَاحِ مَعَ السَّكْرَةِ.
وَوَجْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي أَنَّ الرُّفُوفَ لِصَاحِبِ الدَّارِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَرْكِ الرُّفُوفِ فِي الدَّارِ، وَلَمْ تَجْرِ بِنَقْلِ الْمُكْتَرِي لَهَا مَعَهُ، فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الدَّارِ، كَاَلَّذِي لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ، وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لَهَا أَوْتَادٌ مَنْصُوبَةٌ، فَالْأَوْتَادُ لِصَاحِبِ الدَّارِ، فَكَذَلِكَ مَا نُصِبَتْ لَهُ كَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنْ الرَّحَى إذَا كَانَ السُّفْلَانِيُّ مَنْصُوبًا، وَمِفْتَاحِ السَّكْرَةِ الْمُسَمَّرَةِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْخَيَّاطُ فِي دَارِ غَيْرِهِ فَاخْتَلَفَا فِي الْإِبْرَةِ وَالْمِقَصِّ]
(8560) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْخَيَّاطُ فِي دَارِ غَيْرِهِ، فَاخْتَلَفَا فِي الْإِبْرَةِ وَالْمِقَصِّ، فَهِيَ لِلْخَيَّاطِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِمَا أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَعَا خَيَّاطًا لِيَخِيطَ لَهُ، فَالْعَادَةُ أَنَّهُ يَحْمِلُ مَعَهُ إبْرَتَهُ وَمِقَصَّهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقَمِيصِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ؛ إذْ لَيْسَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَحْمِلَ الْقَمِيصَ مَعَهُ يَخِيطُهُ فِي دَارِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ أَنْ يَخِيطَ قَمِيصَ صَاحِبِ الدَّارِ فِيهَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالنَّجَّارُ فِي الْقَدُومِ، وَالْمِنْشَارِ، وَآلَةِ النِّجَارَةِ، فَهِيَ لِلنَّجَّارِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْخَشَبَةِ الْمَنْجُورَةِ وَالْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ الْمَنْشُورَةِ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ النَّجَّادُ وَرَبُّ الدَّارِ فِي قَوْسِ النَّدْفِ، فَهُوَ لِلنَّجَّادِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْفَرْشِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّارِ وَالسَّقَّا فِي الْقِرْبَةِ، فَهِيَ لِلسَّقَّا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْخَابِيَةِ وَالْجِرَارِ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ تَنَازَعَ رَجُلَانِ دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخَرُ أَخَذَ بِزِمَامِهَا]
(8561) فَصْلٌ: وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا، فَالرَّاكِبُ أَوْلَى بِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهَا
أَقْوَى، وَيَدَهُ آكَدُ، وَهُوَ الْمُسْتَوْفِي لِمَنْفَعَتِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْحِمْلِ؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا، حِمْلٌ، وَالْآخَرُ رَاكِبٌ عَلَيْهَا، فَهِيَ لِلرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى تَصَرُّفًا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْحِمْلِ، فَادَّعَاهُ الرَّاكِبُ وَصَاحِبُ الدَّابَّةِ، فَهُوَ لِلرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْحِمْلِ مَعًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَ السَّاكِنُ وَصَاحِبُ الدَّارِ فِي قُمَاشٍ فِيهَا.
وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالرَّاكِبُ فِي السَّرْجِ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ، لِأَنَّ السَّرْجَ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي ثِيَابٍ عَلَى عَبْدٍ لِأَحَدِهِمَا، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ عَلَيْهَا.
وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الثِّيَابِ وَالْآخَرُ فِي الْعَبْدِ اللَّابِسِ لَهَا، فَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الثِّيَابِ يَعُودُ إلَى الْعَبْدِ، لَا إلَى صَاحِبِ الثِّيَابِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ صَاحِبُ أَرْضٍ وَنَهْرٍ فِي حَائِطٍ بَيْنَهُمَا]
(8562) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَ صَاحِبُ أَرْضٍ وَنَهْرٍ فِي حَائِطٍ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ لَهُمَا وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لِنَفْعِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأَرْضِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا، فَكَانَتْ يَدُهُمَا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُمَا، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، أَوْ حَائِطٍ بَيْنَ دَارَيْهِمَا.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّرْجِيحَيْنِ مُتَقَابِلٌ، فَيَسْتَوِيَانِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، لِذَلِكَ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
فَإِنَّمَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ، دُونَ النِّصْفِ الْآخَرِ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ لَا يُفِيدُهُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَلَا يَسْتَحْلِفُ عَلَيْهِ، كَالْمُدَّعِي لَا يَحْلِفُ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ تَنَازَعَا عِمَامَةً طَرَفُهَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَبَاقِيهَا فِي يَدِ الْآخَرِ]
(8563) فَصْلٌ: وَإِنْ تَنَازَعَا عِمَامَةً طَرَفُهَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا فِي يَدِ الْآخَرِ، أَوْ قَمِيصًا، كُمُّهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَبَاقِيه مَعَ الْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُمْسِكِ بِالطَّرَفِ عَلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاقِيهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَنَازَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ كَانَتْ لَهُ، وَإِذَا كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا تَسَاوَيَا فِيهَا.
وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْيَاتٍ، وَفِي أَحَدِ أَبْيَاتِهَا سَاكِنٌ، وَفِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ سَاكِنٌ آخَرُ، فَاخْتَلَفَا فِيهَا، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ سَاكِنٌ فِيهِ، لِأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَنْفَصِلُ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يُشَارِكُ الْخَارِجُ مِنْهُ السَّاكِنَ فِيهِ فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ تَنَازَعَا السَّاحَةَ الَّتِي يَتَطَرَّقُ مِنْهَا إلَى الْبُيُوتِ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَتْ الْعِمَامَةَ فِيمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَة مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ حَقٌّ فَمَنَعَهُ مِنْهُ وَقَدَرَ لَهُ عَلَى مَالٍ]
(8564) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ حَقٌّ، فَمَنَعَهُ مِنْهُ، وَقَدَرَ لَهُ عَلَى مَالٍ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ مِقْدَارَ حَقِّهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ قَالَ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ، بَاذِلٌ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا يُعْطِيه، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ عَلَيْهِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ، بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ غَرَضٌ فِي الْعَيْنِ.
وَإِنْ أَتْلَفَهَا، أَوْ تَلِفَتْ فَصَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَكَانَ الثَّابِتُ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ تُقَاضَا، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ مَانِعًا لَهُ لَأَمْرٍ يُبِيحُ الْمَنْعَ، كَالتَّأْجِيلِ وَالْإِعْسَارِ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ عِوَضُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا، وَلَا يَحْصُلُ التَّقَاضِي هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخَذَهُ فِي الْحَالِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ كَانَ مَانِعًا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ بِالْحَاكِمِ أَوْ السُّلْطَانِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ أَيْضًا بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ وَكِيلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ جَاحِدًا لَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُجِيبُهُ إلَى الْمُحَاكَمَةِ، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ نَحْوِ هَذَا، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ جَعَلَ أَصْحَابُنَا الْمُحَدِّثُونَ لِجَوَازِ الْأَخْذِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ، حِينَ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» . وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ لَنَا جَوَازُ الْأَخْذِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، أَخَذَ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، تَحَرَّى، وَاجْتَهَدَ فِي تَقْوِيمِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ، وَمِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْمُرْتَهَنِ: يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ، بِقَدْرِ مَا يُنْفِقُ، وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَهَا، وَبَائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُهَا مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ بِغَيْرِ رِضًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي مَالِهِ إذَا أَفْلَسَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ إنْ كَانَ عَيْنًا، أَوْ وَرِقًا، أَوْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ أَخْذَ الْعَرَضِ عَنْ حَقِّهِ اعْتِيَاضٌ، وَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ إلَّا بِرِضًى مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] . وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ الْأَخْذَ بِحَدِيثِ «هِنْدٍ، حِينَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي.
فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا جَازَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، جَازَ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مِنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَمَتَى أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَقَدْ خَانَهُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . وَلِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، كَانَ مُعَاوَضَةً بِغَيْرِ تَرَاضٍ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، فَلَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ الْحَقِّ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: اقْضِنِي حَقِّي مِنْ هَذَا الْكِيسِ دُونَ هَذَا.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَيْنٌ، لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاذِلًا لَهُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ هِنْدٍ، فَإِنَّ أَحْمَدَ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّ حَقَّهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَهَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى الْفَرْقِ بِالْمَشَقَّةِ فِي الْمُحَاكَمَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْمُخَاصَمَةِ كُلَّ يَوْمٍ تَجِبُ فِيهِ النَّفَقَةُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَفَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، فَكَأَنَّ الْحَقَّ صَارَ مَعْلُومًا بِعِلْمِ قِيَامِ مُقْتَضِيه، وَبَيْنَهُمَا فَرْقَانِ آخَرَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ التَّبَسُّطِ فِي مَالِهِ، بِحُكْمِ الْعَادَةِ مَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ أَخْذِ الْحَقِّ وَبَذْلِ الْيَدِ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ.
الثَّانِي، أَنَّ النَّفَقَةَ تُرَادُ لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ، وَإِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُصْبَرُ عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهِ، فَجَازَ أَخْذُ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ هَذِهِ الْحَاجَةُ، بِخِلَافِ، الدَّيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: لَوْ صَارَتْ النَّفَقَةُ مَاضِيَةً، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُهَا.
وَلَوْ وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُهُ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ أَخَذَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، وَجَبَ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ، تَقَاصَّا، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ غُرْمُهُ، وَمَنْ جَوَّزَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأَخْذَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ وَجَدَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ، حَقِّهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ تَمَلُّكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا يَبِيعُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَتَلْحَقُهُ فِيهِ تُهْمَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا قَالُوا: الرَّهْنُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ مَرْكُوبًا، أَوْ مَحْلُوبًا، يُرْكَبُ وَيُحْلَبُ،
بِقَدْرِ النَّفَقَةِ، وَهِيَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ لَهُ هَذَا، وَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ: يُوَاطِئُ رَجُلًا يَدَّعِي عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ دَيْنًا، فَيُقِرُّ لَهُ بِمِلْكِ الشَّيْءِ الَّذِي أَخَذَهُ، فَيَمْتَنِعُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، لِيَبِيعَ الْحَاكِمُ الشَّيْءَ الْمَأْخُوذَ، وَيَدْفَعَهُ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى إنْسَانٍ حَقًّا وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدَيْنِ فَلَمْ يَعْرِفْ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا]
(8565) فَصْلٌ: إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى إنْسَانٍ حَقًّا، وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدَيْنِ فَلَمْ يَعْرِفْ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا، فَسَأَلَ حَبْسَ غَرِيمِهِ حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَةَ شُهُودِهِ، أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، وَلِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ قَدْ أَتَى بِهِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ، وَهُوَ الْكَشْفُ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ.
وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَسَأَلَ حَبْسَ غَرِيمِهِ لِيُقِيمَ شَاهِدًا آخَرَ، وَكَانَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، لَمْ يُحْبَسْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مَا تَمَّتْ، وَالْحَبْسُ عَذَابٌ، فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دُونَ تَمَامِ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، يُحْبَسُ لَهُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ، وَإِنَّمَا الْيَمِينُ مُقَوِّيَةٌ لَهُ.
وَالثَّانِي، لَا يُحْبَسُ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إنْ حُبِسَ لِيُقِيمَ شَاهِدًا آخَرَ يُتِمُّ بِهِ الْبَيِّنَةَ، فَهُوَ كَالْحُقُوقِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَإِنْ حُبِسَ لِيَحْلِفَ مَعَهُ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَلِفَ مُمْكِنٌ فِي الْحَالِ، فَإِنْ حَلَفَ، ثَبَتَ حَقُّهُ، وَإِلَّا، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي بَاذِلًا لِلْيَمِينِ، وَالتَّوَقُّفُ لِأَجْلِ إثْبَاتِ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ، حُبِسَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَ التَّوَقُّفُ عَنْ الْحُكْمِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يُحْبَسْ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ، اُسْتُدِيمَ الْحَبْسُ حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ فِيهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ: إنْ جِئْت بِشَاهِدٍ آخَرَ إلَى ثَلَاثٍ وَإِلَّا أَطْلَقْنَاهُ.
[فَصْل ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَلَمْ يُعَدَّلَا فَسَأَلَ الْعَبْدُ الْحَاكِم أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ]
(8566) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ، وَلَمْ يُعَدَّلَا، فَسَأَلَ الْعَبْدُ الْحَاكِمَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ إلَى أَنْ يَبْحَثَ الْحَاكِمُ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ ذَلِكَ، يُؤْجِرَهُ مِنْ ثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ وَيَحْبِسُ الْبَاقِيَ، فَإِنْ عُدِّلَ الشَّاهِدَانِ، سُلِّمَ إلَيْهِ الْبَاقِي مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنْ فُسِّقَا، رُدَّ إلَى سَيِّدِهِ.
وَإِنَّمَا حُلْنَا بَيْنَهُمَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَلِأَنَّنَا لَوْ لَمْ نَحُلْ بَيْنَهُمَا، أَفْضَى إلَى أَنْ تَكُونَ أَمَةً، فَيَطَأَهَا.
وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَسَأَلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ وَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ بِطَلَاقِهَا، وَلَمْ تُعْرَفْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ، حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا، لَمْ يُحَلْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَتِمَّ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، فَلَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَاب الْعِتْقِ]
ِ الْعِتْقُ فِي اللُّغَةِ: الْخُلُوصُ.
وَمِنْهُ عَتَاقُ الْخَيْلِ وَعِتَاقُ الطَّيْرِ، أَيْ خَالِصَتُهَا، وَسُمِّيَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ عَتِيقًا؛ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ.
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الرِّقِّ.
يُقَالُ: عَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَعْتَقْته أَنَا، وَهُوَ عَتِيقٌ، وَمُعْتَقٌ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ، حَتَّى إنَّهُ لَيُعْتِقُ بِالْيَدِ الْيَدَ، وَبِالرِّجْلِ الرِّجْلَ، وَبِالْفَرْجِ الْفَرْجَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذَا.
وَأَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى صِحَّةِ الْعِتْقِ، وَحُصُولِ الْقُرْبَةِ بِهِ.
[فَصْلٌ إعْتَاقُ الرَّجُلِ أَفْضَلُ مِنْ إعْتَاقِ الْمَرْأَةِ]
(8567) فَصْلٌ: وَالْعِتْقُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ، وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ وَالْأَيْمَانِ، وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِكَاكًا لِمُعْتِقِهِ مِنْ النَّارِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا لِلْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ وَمِلْكَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ، وَتَمَكُّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ، عَلَى حَسْبِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ.
وَإِعْتَاقُ الرَّجُلِ أَفْضَلُ مِنْ إعْتَاقِ الْمَرْأَةِ؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ الْبَهْزِيُّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا، كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ، يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ، يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِمَا، عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، وَأَيُّمَا، امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ، تُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا» .
وَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ دِينٌ وَكَسْبٌ يَنْتَفِعُ بِالْعِتْقِ، فَأُمًّا مَنْ يَتَضَرَّرُ بِالْعِتْقِ، كَمَنْ لَا كَسْبَ لَهُ، تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ سَيِّدِهِ، فَيَضِيعُ، أَوْ يَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَالرُّجُوعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ، كَعَبْدٍ يُخَافُ أَنَّهُ إذَا أُعْتِقَ وَاحْتَاجَ سَرَقَ، وَفَسَقَ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ أَوْ جَارِيَةٍ يُخَافُ مِنْهَا الزِّنَى وَالْفَسَادُ، كُرِهَ إعْتَاقُهُ.
وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إفْضَاؤُهُ إلَى هَذَا، كَانَ مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَصَحَّ، كَإِعْتَاقِ غَيْرِهِ
[فَصْلٌ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِتْقُ]
(8568) فَصْلٌ: وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ، وَالْمِلْكِ، وَالِاسْتِيلَادِ.
وَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ، فَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، كَسَائِرِ الْإِزَالَةِ.
وَأَلْفَاظُهُ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ؛
فَالصَّرِيحُ لَفْظُ الْحُرِّيَّةِ، وَالْعِتْقِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا، نَحْوُ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُحَرَّرٌ، أَوْ عَتِيقٌ، أَوْ مُعْتَقٌ، أَوْ أَعْتَقْتُك.
لِأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَرَدَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْعِتْقِ عُرْفًا، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ، فَمَتَى أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، حَصَلَ بِهِ الْعِتْقُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، عَتَقَ أَيْضًا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأَةً فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: تَنَحِّي يَا حُرَّةُ.
فَإِذَا هِيَ جَارِيَته، قَالَ: قَدْ عَتَقَتْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لَخَدَمٍ قِيَامٍ فِي وَلِيمَةٍ: مُرُّوا، أَنْتُمْ أَحْرَارٌ.
وَكَانَتْ مَعَهُمْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، قَالَ: هَذَا عِنْدِي تَعْتِقُ أُمُّ وَلَدِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَعْتِقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى غَيْرَ الْعِتْقِ، فَلَمْ تَعْتِقْ بِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ.
يُرِيدُ أَنَّهُ عَفِيفٌ كَرِيمُ الْأَخْلَاقِ، وَبِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ أَرَادَ غَيْرَ أُمِّ وَلَدِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَادَى مِنْ نِسَائِهِ، فَأَجَابَتْهُ غَيْرُهَا، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
يَحْسَبَهَا الَّتِي نَادَاهَا، فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ، عَلَى رِوَايَةٍ، فَكَذَا هَاهُنَا.
فَأَمَّا إنْ قَصَدَ غَيْرَ الْعِتْقِ، كَالرَّجُلِ يَقُولُ: عَبْدِي هَذَا حُرٌّ.
يُرِيدُ عِفَّتَهُ، وَكَرْمَ أَخْلَاقِهِ.
أَوْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ.
أَيْ: إنَّك لَا تُطِيعُنِي، وَلَا تَرَى لِي عَلَيْك حَقًّا وَلَا طَاعَةً، فَلَا يَعْتِقُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ حَنْبَلٌ: سُئِلَ أَبُو عُبِدَ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِغُلَامِهِ: أَنْتَ حُرٌّ.
وَهُوَ يُعَاتِبُهُ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ لَا يُرِيدُ بِهِ الْعِتْقَ، يَقُولُ: كَأَنَّك حُرٌّ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا، أَوْ كَلَامًا نَحْوَ هَذَا، رَجَوْت أَنْ لَا يَعْتِقَ، وَأَنَا أَهَابُ الْمَسْأَلَةَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَوَى بِكِنَايَةِ الْعِتْقِ الْعِتْقَ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: وَإِنْ طُلِبَ اسْتِحْلَافُهُ، حَلَفَ.
وَبَيَانُ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِمَا أَرَادَهُ، أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ تُمْدَحُ بِهَذَا، فَيُقَالُ: امْرَأَةٌ حُرَّةٌ.
يَعْنُونَ عَفِيفَةً، وَتُمْدَحُ الْمَمْلُوكَةُ بِهِ أَيْضًا، وَيُقَالُ لِلْحَيِيِّ الْكَرِيمِ الْأَخْلَاقِ: حُرٌّ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ تَرْثِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ: شِعْرًا
وَلَا تَسْأَمَا أَنْ تَبْكِيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... وَيَوْمٍ عَلَى حُرٍّ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ، فَنَحْوُ قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك، وَأَنْتَ سَائِبَةٌ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْت، وَقَدْ خَلَّيْتُك.
فَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ، عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
وَلَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، فِي قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك.
رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ صَرِيحٌ.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَا رِقَّ لِي عَلَيْك وَلَا مِلْكَ لِي عَلَيْك، وَأَنْتَ لِلَّهِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ صَرِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ.
وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَعْتِقُ بِهِ إذَا نَوَى، وَمِمَّنْ قَالَ: يَعْتِقُ بِقَوْلِهِ:
أَنْتَ لِلَّهِ.
إذَا نَوَى؛ الشَّعْبِيُّ، وَالْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَمَّادٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعْتِقُ بِهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ، أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ.
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ: أَنَّهُ حُرٌّ لِلَّهِ، أَوْ عَتِيقٌ لِلَّهِ، أَوْ عَبْدٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَسْت بِعَبْدِ لِي وَلَا لَأَحَدٍ سِوَى اللَّهِ.
فَإِذَا نَوَى الْحُرِّيَّةَ بِهِ، وَقَعَتْ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَهُ لِمَا ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ احْتِمَالَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْكِنَايَاتِ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ الْعِتْقَ وَغَيْرَهُ، وَلَوْ لَمْ تَحْتَمِلْ إلَّا الْعِتْقَ لَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، وَمَا يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، انْصَرَفَ إلَى أَحَدِهِمَا بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا شَأْنُ الْكِنَايَاتِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ.
وَقَوْلُهُ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك، وَلَا رِقَّ لِي عَلَيْك.
خَبَرٌ عَنْ انْتِفَاءِ مِلْكِهِ وَرِقِهِ، لَمْ يَرِدْ بِهِ شَرْعٌ، وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ فِي الْعِتْقِ، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِيهِ، كَقَوْلِهِ: مَا أَنْتَ عَبْدِي، وَلَا مَمْلُوكِي.
وَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: مَا أَنْتِ امْرَأَتِي، وَلَا زَوْجَتِي.
[فَصْل قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَنْوِي الْعِتْقَ بِهِ]
(8569) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَنْوِي الْعِتْقَ بِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَعْتِقُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَفْظٌ وُضِعَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الْمِلْكُ عَنْ الرَّقَبَةِ، كَفَسْخِ الْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ لَا يُسْتَدْرَكُ بِالرَّجْعَةِ، فَلَا يَنْحَلُّ بِالطَّلَاقِ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هُوَ كِنَايَةٌ تَعْتِقُ بِهِ الْأَمَةُ إذَا نَوَى الْعِتْقَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ عَلَى الْآدَمِيِّ، فَيَزُولُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، كَالْآخَرِ، أَوْ فَيَكُونُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِإِزَالَةِ أَحَدِهِمَا كِنَايَةً فِي إزَالَةِ الْآخَرِ، كَالْحُرِّيَّةِ فِي إزَالَةِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ، فَإِذَا نَوَى بِهِ إطْلَاقَهَا مِنْ مِلْكِهِ، فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَتَحْصُلُ بِهِ الْحُرِّيَّةُ، كَسَائِرِ كِنَايَاتِ الْعِتْقِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِأَكْبَرِ مِنْهُ أَوْ لِمَنْ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ هَذَا ابْنِي]
(8570) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِأَكْبَرَ مِنْهُ، أَوْ لِمَنْ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ: هَذَا ابْنِي.
مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَنْ لَهُ عِشْرُونَ سَنَةً لِمَنْ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً: هَذَا ابْنِي.
لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَعْتِقُ.
وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا لَنَا؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ حُرِّيَّتُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ قَوْلٌ يَتَحَقَّقُ كَذِبُهُ فِيهِ، فَلَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ، كَمَا لَوْ قَالَ لَطِفْلٍ: هَذَا أَبِي.
أَوْ لِطِفْلَةِ: هَذِهِ أُمِّي.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا مِنْ قَوْلِ النُّعْمَانِ شَاذٌّ، لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلَيْهِ، وَلَا تَبِعَهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُحَالٌ مِنْ الْكَلَامِ، وَكَذِبٌ يَقِينًا، وَلَوْ جَازَ هَذَا، لَجَازَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لَطِفْلٍ: هَذَا أَبِي.
وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ، وَهِيَ أَسَنُّ مِنْهُ: هَذِهِ ابْنَتِي.
أَوْ قَالَ لَهَا، وَهُوَ أَسَنُّ مِنْهَا: هَذِهِ أُمِّي.
لَمْ تَطْلُقْ، كَذَا هَذَا.
[فَصْلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ]
(8571) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ.
يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ، عَتَقَتْ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى، لَا تَعْتِقُ.
كَقَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَعْتِقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ، أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ؛ لِكَوْنِكِ حُرَّةً.
فَتَعْتِقُ بِهِ، كَقَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ.
[فَصْلٌ الْعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ]
(8572) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الرَّشِيدُ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ حَرْبِيًّا.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، إلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ، فِي أَنَّ عِتْقَ الْحَرْبِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ التَّمَامِ، بِدَلِيلِ، إبَاحَةِ أَخْذِهِ مِنْهُ، وَانْتِقَاءِ عِصْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ، كَالذِّمِّيِّ.
وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ بَالِغٌ، عَاقِلٌ، رَشِيدٌ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ، كَالذِّمِّيِّ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا مِلْكَ لَهُ.
لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: إنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى.
[فَصْلٌ عِتْقُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ]
(8573) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ؛ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا، كَالْهِبَةِ.
وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ، قِيَاسًا عَلَى طَلَاقِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَحَظِّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ، كَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ فِي حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهُ، وَهِبَتَهُ.
وَيُفَارِقُ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَالطَّلَاقُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ.
وَيُفَارِقُ التَّدْبِيرَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَغِنَاهُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ، وَلِهَذَا صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، وَلَمْ تَصِحَّ هِبَتُهُ الْمُنَجَّزَةُ.
وَعِتْقُ السَّكْرَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ الْمُكْرَهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَلَا بَيْعُهُ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ.
[فَصْلٌ الْعِتْقُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ]
(8574) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبِيدَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، أَوْ يَتِيمِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَبِهَذَا
قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَصِحُّ عِتْقُ عَبْدِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَلِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةً، وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ كَمَالِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَإِعْتَاقِ عَبْدِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمَّا وَرَّثَ اللَّهُ الْأَبَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ السُّدُسَ مَعَ وَلَدِهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي سَائِرِهِ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك» . لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي وُجُوبِ حَقِّهِ عَلَيْك، وَإِمْكَانِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِكَ، وَامْتِنَاعِ مُطَالَبَتِك لَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ لِعَبْدِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ، الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ فِيهِ، وَثُبُوتُ الْوِلَايَةِ لَهُ عَلَى مَالِ وَلَدِهِ أَبْلَغُ مِنْ امْتِنَاعِ إعْتَاقِ عَبْدِهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَثْبَتَ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ لِحَظِّ الصَّبِيِّ، لِيَحْفَظَ مَالَهُ عَلَيْهِ، وَيُنَمِّيَهُ لَهُ، وَيَقُومَ بِمَصَالِحِهِ الَّتِي يَعْجِزُ الصَّبِيُّ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا، وَإِذَا كَانَ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ الْحِفْظَ، اقْتَضَتْ مَنْعَ التَّضْيِيعِ وَالتَّفْرِيطِ بِإِعْتَاقِ رَقِيقِهِ، وَالتَّبَرُّعِ بِمَالِهِ.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدٍ آخَرَ: أَنْتَ حُرٌّ مِنْ مَالِي.
فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ مَمْلُوكُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
وَلَوْ بَلَغَ رَجُلًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مِنْ مَالِي فَقَالَ: قَدْ رَضِيت.
فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
[مَسْأَلَةٌ أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ]
(8575) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، فَأَعْتَقُوهُ مَعًا، أَوْ وَكَّلَ نَفْسَانِ الثَّالِثَ أَنْ يُعْتِقَ حُقُوقَهُمَا مَعَ حَقِّهِ، فَفَعَلَ، أَوْ أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ، وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ مَتَى كَانَ لِثَلَاثَةٍ، فَأَعْتَقُوهُ مَعًا؛ إمَّا بِأَنْفُسِهِمْ، بِأَنْ يَتَلَفَّظُوا بِعِتْقِهِ مَعًا، أَوْ يُعَلِّقُوا عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَتُوجَدَ، أَوْ يُوَكِّلُوا وَاحِدًا، فَيُعْتِقَهُ، أَوْ يُوَكَّلَ نَفْسَانِ مِنْهُمْ الثَّالِثَ، فَيُعْتِقَهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَعْتَقَ حَقَّهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا.
فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهُ سَادَتُهُ الثَّلَاثَةُ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَهُمْ مُعْسِرُونَ، أَوْ كَانَ الْمُعْتِقَانِ الْأَوَّلَانِ مُعْسِرَيْنِ، وَالثَّالِثُ مُوسِرًا، فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقُّهُ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، فِيمَا إذَا أَعْتَقَ الْمُعْسِرُ نَصِيبَهُ قَوْلَيْنِ شَاذَّيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُهُ مُنْفَرِدًا، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ نِصْفُهُ حُرٌّ،
وَنِصْفُهُ عَبْدٌ، كَمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْمَرْأَةِ طَالِقًا، وَنِصْفُهَا زَوْجَةً، وَلَا سَبِيلَ إلَى إعْتَاقِ جَمِيعِهِ، فَبَطَلَ كُلُّهُ.
وَالثَّانِي، يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَتَكُونُ قِيمَةُ نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ فِي ذِمَّةِ الْمُعْتِقِ، يُتْبَعُ بِهَا إذَا أَيْسَرَ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ، لَمْ يَقُلْهُمَا مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَيَرُدُّهُمَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَى الْمُعْسِرِ إلَّا نَصِيبُهُ، فَبَاقِي الْعَبْدِ عَلَى الرِّقِّ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ مَالِكُهُ، عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَاءُ مَا أَعْتَقَ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ.
وَيُفَارِقُ الْعِتْقُ الطَّلَاقَ؛ لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ لَا يُمْكِنُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا، وَلَا وُرُودُ النِّكَاحِ عَلَى بَعْضِهَا، وَلَا تَكُونُ إلَّا لِوَاحِدٍ، فَنَظِيرُهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ، فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ جَمِيعُهُ.
[فَصْلٌ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ لِلْعَبْدِ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَنَصِيبِي مِنْك حُرٌّ فَدَخَلَ]
(8576) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ لِلْعَبْدِ: إذَا دَخَلْت الدَّارَ، فَنَصِيبِي مِنْك حُرٌّ.
فَدَخَلَ، عَتَقَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، سَوَاءٌ قَالُوا ذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ فِي دُفُعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي أَنْصِبَائِهِمْ يَقَعُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّ اخْتَلَفَتْ أَوْقَاتُ تَعْلِيقِهِ.
[مَسْأَلَة الشَّرِيكَ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ مُوسِرٌ]
(8577) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ كُلُّهُ، وَصَارَ لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ قِيمَةُ ثُلُثَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الشَّرِيكَ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ نَصِيبُهُ.
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِيهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَثَرِ، وَلِأَنَّهُ جَائِزُ التَّصَرُّفِ، أَعْتَقَ مِلْكَهُ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، فَنَفَذَ فِيهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جَمِيعَ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ لَهُ.
وَإِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، سَرَى الْعِتْقُ إلَى جَمِيعِهِ، فَصَارَ جَمِيعُهُ حُرًّا، وَعَلَى الْمُعْتِقِ قِيمَةُ أَنْصِبَاءِ شُرَكَائِهِ وَالْوَلَاءُ لَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبَى يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ الْبَتِّيُّ: لَا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ الْمُعْتِقِ، وَنَصِيبُ الْبَاقِينَ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعِتْقِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ التِّلِبِّ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَلَمْ يُضَمَّنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ، لَاخْتَصَّ الْبَيْعُ بِهِ، فَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً نَفِيسَةَ، يُغَالَى فِيهَا، فَيَكُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْمُعْتِقِ؛ لِلضَّرَرِ الَّذِي أَدْخَلَهُ عَلَى شَرِيكِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ الْمُعْتِقِ، وَلِشَرِيكِهِ الْخِيَارُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ شَرِيكَهُ، فَيَعْتِقُ حِينَئِذٍ.
وَلَنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ "، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَأَثْبَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِتْقَ فِي جَمِيعِهِ، وَأَوْجَبَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِ الْمُعْتِقِ الْمُوسِرِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ خِيَرَةً، وَلَا لِغَيْرِهِ.
وَرَوَى قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ خَلَاصَهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ.
هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
وَقَوْلُ الْبَتِّيِّ شَاذٌّ، يُخَالِفُ الْأَخْبَارَ كُلَّهَا، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ التِّلِبِّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعْسِرِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.
وَقِيَاسُ الْعِتْقِ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَسْرِي فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ، وَالْعِتْقُ يَسْرِي، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدِهِ، لَمْ يَسْرِ، وَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ، عَتَقَ كُلُّهُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَكُونُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ مِنْ مَالِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَ مَنْ يَرَى عِتْقَهُ عَلَيْهِ.
(8578)
فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ كَوْنِ الشُّرَكَاءِ مُسْلِمِينَ أَوْ كَافِرِينَ، أَوْ بَعْضُهُمْ مُسْلِمًا، وَبَعْضُهُمْ كَافِرًا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي الْكَافِرِ وَجْهٌ، أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ لَا يَسْرِي إلَى بَاقِيه، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا.
وَلَنَا عُمُومُ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْغَرَضُ هَاهُنَا تَكْمِيلُ الْعِتْقِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ دُونَ التَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَاهُنَا تَمْلِيكًا، لَكَانَ تَقْدِيرًا فِي أَدْنَى زَمَانٍ، حَصَلَ ضَرُورَةَ تَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ، فَإِنْ قُدِّرَ فِيهِ ضَرَرٌ، فَهُوَ مَغْمُورٌ
بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ الْعِتْقِ، فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، وَقِيَاسُ هَذَا عَلَى الشِّرَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَعْتَقَ الشُّرَكَاءُ بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّل وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ]
(8579) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ أَعْتَقَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا فِيهِ عِتْقٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِعِتْقِ الْأَوَّلِ لَهُ) يَعْنِي أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي إلَى جَمِيعِهِ بِاللَّفْظِ، لَا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَيَعْتِقُ كُلُّهُ حِينَ لَفَظَ بِالْعِتْقِ وَيَصِيرُ حُرًّا، وَتَسْتَقِرُّ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ، فَلَا يَعْتِقُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِتْقِ غَيْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، فِي قَوْلٍ: لَا يَعْتِقُ إلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِغَيْرِ الْعِتْقِ.
وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاحْتَجُّوا بُقُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ» . وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: «فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ يَعْتِقُ» . فَجَعَلَهُ عَتِيقًا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا ثَبَتَ بِعِوَضٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مُطْلَقًا، لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِالْأَدَاءِ، كَالْمُكَاتَبِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ، أَنَّ الْعِتْقَ مُرَاعًى، فَإِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ عَتَقَ مِنْ حِينَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الْقِيمَةَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَتَقَ؛ لِأَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لَهُمَا جَمِيعًا.
وَلَنَا.
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَجْتَمِعُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ بِاللَّفْظِ، فَمِنْهَا، لَفْظٌ رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: " فَكَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ ". وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: " وَكَانَ لِلَّذِي يُعْتِقُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَهُوَ يَعْتِقُ كُلُّهُ ". وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ» . وَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ حُرًّا وَعَتِيقًا بِإِعْتَاقِهِ، مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ مُوسِرًا.
وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِالسِّرَايَةِ، فَكَانَتْ حَاصِلَةً عَقِيبَ لَفْظِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبِيدِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فِيهِ بِغَيْرِ الْإِعْتَاقِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَا يَنْفُذُ بِالْإِعْتَاقِ أَيْضًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ فِيهِ بِالْإِعْتَاقِ الْأَوَّلِ.
فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ " الْوَاوَ " لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَأَمَّا الْعَطْفُ بِ " ثُمَّ " فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ، لَمْ يُرِدْ بِهَا التَّرْتِيبَ، فَإِنَّهَا قَدْ تَرِدُ لِغَيْرِ التَّرْتِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46] . وَأَمَّا الْعِوَضُ، فَإِنَّمَا وَجَبَ عَنْ الْمُتْلَفِ بِالْإِعْتَاقِ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِهِ بِقِيمَتِهِ حِينَ الْإِعْتَاقِ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِ التَّرَاضِي فِيهِ، وَوُجُوبِ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ وَكْسٍ وَلَا شَطَطٍ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَعْتَقَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ، وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا فِيهِ عِتْقٌ، وَلَا لَهُمَا عَلَيْهِ وَلَاءٌ، وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقِهِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيمَةِ.
وَلَوْ أَنَّ الْمُعْتِقَ الْأَوَّلَ لَمْ يُؤَدِّ الْقِيمَةَ حَتَّى أَفْلَسَ، عَتَقَ الْعَبْدُ، وَكَانَتْ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا، يُزَاحِمُ بِهَا الشَّرِيكَانِ عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ مَالِكٍ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إلَّا مَا عَتَقَ.
وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَقُ جَارِيَةً حَامِلًا، فَلَمْ تُؤَدَّ الْقِيمَةُ حَتَّى وَضَعَتْ حَمْلَهَا، فَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتِقِ إلَّا قِيمَتُهَا؛ حِينَ أَعْتَقَهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَرَّرَهَا.
وَعِنْدَ مَالِكٍ، يُقَوَّمُ وَلَدُهَا أَيْضًا.
وَلَوْ تَلِفَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، مَاتَ حُرًّا، وَالْقِيمَةُ عَلَى الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهُ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ، لَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ، مَا لَمْ يُقَوَّمْ، وَيُحْكَمْ بِقِيمَتِهِ، فَهُوَ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ عَبْدٌ.
[فَصْلٌ لِلشَّرِيكِ مُطَالَبَةُ الْمُعْتِقِ بِالْقِيمَةِ]
(8580) فَصْلٌ: وَالْقِيمَةُ مُعْتَبَرَةٌ حِينَ اللَّفْظِ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ حِينُ الْإِتْلَافِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.
وَلِلشَّرِيكِ مُطَالَبَةُ الْمُعْتِقِ بِالْقِيمَةِ، عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهَا، رُجِعَ إلَى قَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ.
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ مَاتَ، أَوْ غَابَ، أَوْ تَأَخَّرَ تَقْوِيمُهُ زَمَنًا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْقِيَمُ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهَا.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي صِنَاعَةٍ فِي الْعَبْدِ تُوجِبُ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ يُحْسِنُ الصِّنَاعَةَ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا صِدْقَهُ.
وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ حُدُوثُهَا فِيهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ، وَعَدَمُ الْحُدُوثِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ يَنْقُصُ الْقِيمَةَ؛ كَسَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، فَبِالْجِهَةِ الَّتِي رَجَّحْنَا قَوْلَ الْمُعْتِقِ فِي نَفْيِ الصِّنَاعَةِ، نُرَجِّحُ قَوْلَ الشَّرِيكِ فِي نَفْيِ الْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِيهِ حَالَ الِاخْتِلَافِ، وَاخْتَلَفَا فِي حُدُوثِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَبَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَعَدَمُ حُدُوثِ الْعَيْبِ فِيهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْعَيْبِ حِينَ الْإِعْتَاقِ.
[فَصْلٌ الْمُعْتَبَرُ فِي يَسَارِ الْعِتْقِ]
فَصْلٌ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْيَسَارِ فِي هَذَا، أَنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ الْكِسْوَةِ، وَالْمَسْكَنِ، وَسَائِرِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، يَدْفَعُهُ إلَى شَرِيكِهِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، فِي " التَّنْبِيهِ ". وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ مَا يَفِي بِالْقِيمَةِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قَدْرُ مَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تُبَاعُ فِيهِ دَارٌ، وَلَا رِبَاعٌ.
وَمُقْتَضَى هَذَا، أَنْ لَا يُبَاعَ لَهُ أَصْلُ مَالٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُبَاعُ عَلَيْهِ سِوَارُ بَيْتِهِ، وَمَا لَهُ بَالٌ مِنْ كِسْوَتِهِ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُ تَلَفُّظِهِ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْوُجُوبِ، فَإِنْ أَيْسَرَ الْمُعْسِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَسْرِ إعْتَاقُهُ، وَإِنْ أَعْسَرِ الْمُوسِرُ، لَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِعْسَارِهِ، كَدَيْنِ الْإِتْلَافِ.
نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.
[فَصْلٌ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِشَرِيكِهِ إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك فَنَصِيبِي حُرٌّ]
(8582) فَصْلٌ: إذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِشَرِيكِهِ: إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك، فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِك.
فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَا مَعًا، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُعْتِقَ شَيْءٌ.
وَقِيلَ: يَعْتِقُ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ نَصِيبِهِ شَرْطُ عِتْقِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ، فَأَعْتَقَهُمَا مَعًا.
وَإِنْ قَالَ: إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك، فَنَصِيبِي حُرٌّ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، سَرَى، وَعَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ،