الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
التَّلَفَ حَصَلَ مِنْ فِعْلِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ مُتَعَدِّيًا بِوُقُوفِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقِفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ السَّائِرِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ، أَوْ جَلَسَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِنْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ يَمْشِيَانِ، فَمَاتَا]
(7405) : (وَإِنْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ يَمْشِيَانِ، فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) . رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْخِلَافُ هَاهُنَا فِي الضَّمَانِ كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَقَاصَّ هَاهُنَا فِي الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ؛ لِكَوْنِ الضَّمَانِ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْعَاقِلَةُ هِيَ الْوَارِثَةَ، أَوْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَصَادِمَيْنِ، تَقَاصَّا.
وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ كَانَ اصْطِدَامُهُمَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الصَّدْمَةَ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا، فَالْقَتْلُ الْحَاصِلُ بِهَا مَعَ الْعَمْدِ عَمْدُ الْخَطَأِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَصِيرَيْنِ وَالْأَعْمَيَيْنِ، وَالْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى، فَإِنْ كَانَتَا امْرَأَتَيْنِ حَامِلَتَيْنِ، فَهُمَا كَالرَّجُلَيْنِ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَنِينًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِهَا وَنِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِ صَاحِبَتِهَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَتَا فِي قَتْلِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقُ ثَلَاثِ رِقَابٍ؛ وَاحِدَةٌ لِقَتْلِ صَاحِبَتِهَا، وَاثْنَتَانِ لِمُشَارَكَتِهَا فِي الْجَنِينِ.
وَإِنْ أَسْقَطَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، اشْتَرَكَتَا فِي ضَمَانِهِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ عِتْقُ رَقَبَتَيْنِ.
وَإِنْ أَسْقَطَتَا مَعًا، وَلَمْ تَمُتْ الْمَرْأَتَانِ، فَفِي مَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ ضَمَانُ نِصْفِ الْجَنِينَيْنِ بِغُرَّةٍ، إذَا سَقَطَا مَيِّتَيْنِ، وَعِتْقُ رَقَبَتَيْنِ.
وَإِنْ اصْطَدَمَ رَاكِبٌ وَمَاشٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَا مَاشِيَيْنِ.
وَإِنْ اصْطَدَمَ رَاكِبَانِ فَمَاتَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَا مَاشِيَيْنِ.
(7406) فَصْلٌ: وَإِنْ اصْطَدَمَ عَبْدَانِ فَمَاتَا، هُدِرَتْ قِيمَتُهُمَا؛ لِأَنَّ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَةِ الْآخَرِ، فَسَقَطَتْ بِتَلَفِهِ.
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، تَعَلَّقَتْ قِيمَتُهُ بِرَقَبَةِ الْحَيِّ، فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْقِيمَةِ، سَقَطَتْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا.
وَإِنْ تَصَادَمَ حُرٌّ وَعَبْدٌ، فَمَاتَا، تَعَلَّقَتْ دِيَةُ الْحُرِّ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَوَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ فَيَتَقَاصَّانِ، فَإِنْ كَانَتْ دِيَةُ الْحُرِّ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، سَقَطَتْ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ، أَخَذَ الْفَضْلَ مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي، وَفِي مَالِ الْحُرِّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ تَكْفِيرَهُ بِالصَّوْمِ، فَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَحْدَهُ، فَقِيمَتُهُ فِي ذِمَّةِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدِ.
وَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ وَحْدَهُ، تَعَلَّقَتْ دِيَتُهُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الدِّيَةِ، سَقَطَتْ.
وَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَيَتَحَوَّلُ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ إلَى قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهُ، وَتُسْتَوْفَى مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا وَقَعَتْ السَّفِينَةُ الْمُنْحَدِرَةُ عَلَى الْمُصَاعَدَةِ فَغَرِقَتَا]
(7407) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا وَقَعَتْ السَّفِينَة الْمُنْحَدِرَةُ عَلَى الْمُصَاعَدَةِ، فَغَرِقَتَا، فَعَلَى الْمُنْحَدِرَةِ قِيمَةُ السَّفِينَةِ الْمُصَاعَدَةِ، أَوْ أَرْشُ مَا نَقَصَتْ إنْ أُخْرِجَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَيِّمُ الْمُنْحَدِرَةِ غَلَبَتْهُ الرِّيحُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّفِينَتَيْنِ إذَا اصْطَدَمَتَا، لَمْ تَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنْ تَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، كَاللَّتَيْنِ فِي بَحْرٍ أَوْ مَاءٍ وَاقِفٍ، أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً وَالْأُخْرَى مَصَاعِدَةً، فَنَبْدَأُ بِمَا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً وَالْأُخْرَى مَصَاعِدَةً؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنْ يَكُونَ الْقَيِّمُ بِهَا مُفَرِّطًا، بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى ضَبْطِهَا، أَوْ رَدِّهَا عَنْ الْأُخْرَى، فَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْدِلَهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْ آلَتَهَا مِنْ الْحِبَالِ وَالرِّجَالَاتِ وَغَيْرِهِمَا، فَعَلَى الْمُنْحَدِرِ ضَمَانُ الْمُصَاعَدَةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْحَطُّ عَلَيْهَا مِنْ عُلْوٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَرَقِهَا، فَتَنْزِلُ الْمُنْحَدِرَةُ بِمَنْزِلَةِ السَّائِرِ، وَالْمَصَاعِدَةُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ.
وَإِنْ غَرِقَتَا جَمِيعًا، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُصَعِّدِ، وَعَلَى الْمُنْحَدِرِ قِيمَةُ الْمُصَعِّدِ، أَوْ أَرْشُ مَا نَقَصَتْ إنْ لَمْ تَتْلَفْ كُلُّهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيطُ مِنْ الْمُصَعِّدِ؛ بِأَنْ يُمْكِنَهُ الْعُدُولُ بِسَفِينَتِهِ، وَالْمُنْحَدِرُ غَيْرُ قَادِرٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُصَعِّدِ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ، لَكِنْ هَاجَتْ رِيحٌ، أَوْ كَانَ الْمَاءُ شَدِيدَ الْجِرْيَةِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي وُسْعِهِ ضَبْطُهَا، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْقَيِّمَانِ مُفَرِّطَيْنِ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفِينَةَ الْآخَرِ، بِمَا فِيهَا مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ، كَمَا قُلْنَا فِي الْفَارِسَيْنِ يَصْطَدِمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُفَرِّطَيْنِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي حَالِ عَدَمِ التَّفْرِيطِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُمَا فِي أَيْدِيهِمَا، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ؛ لِغَلَبَةِ الْفَرَسَيْنِ لَهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَلَّاحَيْنِ لَا يُسَيِّرَانِ السَّفِينَتَيْنِ بِفِعْلِهِمَا، وَلَا يُمْكِنُهُمَا ضَبْطُهُمَا فِي الْغَالِبِ، وَلَا الِاحْتِرَاز مِنْ ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَزَلَتْ صَاعِقَةٌ أَحْرَقَتْ السَّفِينَةَ، وَيُخَالِفُ الْفَرَسَيْنِ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ ضَبْطُهُمَا، وَالِاحْتِرَازُ مِنْ طَرْدِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُفَرِّطًا وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَحْدَهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَفْرِيطِ الْقَيِّمِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّفْرِيطِ، وَهُوَ أَمِينٌ، فَهُوَ كَالْمُودَعِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُمَا إذَا كَانَ مُفَرِّطَيْنِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَيِّمَيْنِ ضَمَانُ نِصْفِ سَفِينَتِهِ وَنِصْفِ سَفِينَةِ صَاحِبِهِ، كَقَوْلِهِ فِي اصْطِدَامِ الْفَارِسَيْنِ، عَلَى مَا مَضَى.
(7408) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْقَيِّمَانِ مَالِكَيْنِ لِلسَّفِينَتَيْنِ بِمَا فِيهِمَا تَقَاصَّا، وَأَخَذَ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ، وَإِنْ كَانَا أَجِيرَيْنِ، ضَمِنَا، وَلَا تَقَاصَّ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مَنْ يَجِبُ لَهُ غَيْرُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي السَّفِينَتَيْنِ أَحْرَارٌ فَهَلَكُوا، وَكَانَا قَدْ تَعَمَّدَا الْمُصَادَمَةَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ.
وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَيِّمَيْنِ، إذَا كَانَ حُرَّيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدَا الْمُصَادَمَةَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَجَبَتْ دِيَةُ الْأَحْرَارِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَيِّمَيْنِ، وَقِيمَةُ الْعَبِيدِ فِي أَمْوَالِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ الْقَيِّمَانِ عَبْدَيْنِ، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِمَا، فَإِنْ تَلِفَا جَمِيعًا، سَقَطَ الضَّمَانُ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ التَّفْرِيطِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ كَانَ فِي السَّفِينَتَيْنِ وَدَائِعُ وَمُضَارَبَاتٌ، لَمْ تَضْمَنْ؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ لَا يَضْمَنُ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ.
وَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَتَانِ بِأُجْرَةٍ، فَهُمَا أَمَانَةٌ أَيْضًا، لَا ضَمَانَ فِيهِمَا.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَالٌ يَحْمِلَانِهِ بِأُجْرَةٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُسْتَطَاعٍ.
(7409) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ إحْدَى السَّفِينَتَيْنِ قَائِمَةً وَالْأُخْرَى سَائِرَةً، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَاقِفَةِ، وَعَلَى السَّائِرَةِ ضَمَانُ الْوَاقِفَةِ، إنْ كَانَ مُفَرِّطًا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
[فَصْلٌ وَإِنْ خِيفَ عَلَى السَّفِينَةِ الْغَرَقُ فَأَلْقَى بَعْضُ الرُّكْبَانِ مَتَاعَهُ]
وَإِنْ خِيفَ عَلَى السَّفِينَةِ الْغَرَقُ، فَأَلْقَى بَعْضُ الرُّكْبَانِ مَتَاعَهُ لِتَخِفَّ وَتَسْلَمَ مِنْ الْغَرَقِ، لَمْ يَضْمَنْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَتَاعَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ؛ لِصَلَاحِهِ وَصَلَاحِ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَلْقَى مَتَاعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، ضَمِنَهُ وَحْدَهُ.
وَإِنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَلْقِ مَتَاعَك.
فَقَبِلَ مِنْهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ، وَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ.
أَوْ: وَعَلَيَّ قِيمَتُهُ.
لَزِمَهُ ضَمَانُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ بِعِوَضٍ لِمَصْلَحَةٍ، فَوَجَبَ لَهُ الْعِوَضُ عَلَى مَنْ الْتَزَمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ، وَعَلَيَّ وَعَلَى رُكْبَانِ السَّفِينَةِ ضَمَانُهُ.
فَأَلْقَاهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ وَحْدَهُ.
وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ضَمَانَهُ جَمِيعَهُ، فَلَزِمَهُ مَا الْتَزَمَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَضْمَنُ لَك.
أَوْ قَالَ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَمَانُ قِسْطِهِ أَوْ رُبْعِ مَتَاعِك.
لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الضَّمَانِ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا حِصَّتَهُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ الْبَاقِينَ بِالضَّمَانِ، فَسَكَتُوا، وَسُكُوتُهُمْ لَيْسَ بِضَمَانٍ.
وَإِنْ الْتَزَمَ ضَمَانَ الْجَمِيعِ، وَأَخْبَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، لَزِمَهُ ضَمَانُ الْكُلِّ، وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ عَلَى أَنْ أَضْمَنَهُ لَك أَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ، فَقَدْ أَذِنُوا لِي فِي ذَلِكَ.
فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ أَنْكَرُوا الْإِذْنَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أُلْقِي مَتَاعِي، وَتَضْمَنُهُ لِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَأَلْقَاهُ، ضَمِنَهُ لَهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك، وَعَلَيَّ ضَمَانُ نِصْفِهِ، وَعَلَى أَخِي ضَمَانُ مَا بَقِيَ.
فَأَلْقَاهُ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ وَحْدَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ.
[فَصْلٌ وَإِذَا خَرَقَ سَفِينَةً فَغَرِقَتْ بِمَا فِيهَا]
(7411) وَإِذَا خَرَقَ سَفِينَةً، فَغَرِقَتْ بِمَا فِيهَا، وَكَانَ عَمْدًا، وَهُوَ مَا يُغْرِقُهَا غَالِبًا، وَيُهْلِكُ مَنْ فِيهَا، لِكَوْنِهِمْ فِي اللُّجَّةِ، أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّبَاحَةِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ قُتِلَ مَنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ السَّفِينَةِ بِمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَنَفْسٍ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْعَبِيدِ، وَدِيَةُ الْأَحْرَارِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَمْدَ خَطَأٍ، مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ السَّفِينَةَ لِيُصْلِحَ مَوْضِعًا، فَقَلَعَ لَوْحًا، أَوْ يُصْلِحَ مِسْمَارًا، فَنَقَبَ مَوْضِعًا، فَهَذَا عَمْدُ الْخَطَأِ.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ فِعْلًا مُبَاحًا، فَأَفْضَى إلَى التَّلَفِ لِمَا لَمْ يُرِدْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ آدَمِيًّا.
وَلَكِنْ إنْ قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ فِي مَوْضِعٍ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُتْلِفُهَا، فَأَتْلَفَهَا، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ، وَفِيهِ مَا فِيهِ.
وَاَللَّه أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرَسُولِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» . وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(7412) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ، سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ) مَعْنَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، الَّذِي إنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَنْ يَكْفِي، أَثِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَإِنْ قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي، سَقَطَ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ.
فَالْخِطَابُ فِي ابْتِدَائِهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، كَفَرْضِ الْأَعْيَانِ، ثُمَّ يَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ بَعْضِ النَّاسِ لَهُ، وَفَرْضُ الْأَعْيَانِ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَالْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] .
وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ النِّفَاقِ ". وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾ [التوبة: 122] وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا، وَيُقِيمُ هُوَ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ.
فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] .
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ
حِينَ اسْتَنْفَرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَتْ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ هَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ خُلِّفُوا، حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ اسْتَنْفَرَهُ الْإِمَامُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى الْكِفَايَةِ فِي الْجِهَادِ أَنْ يَنْهَضَ لِلْجِهَادِ قَوْمٌ يَكْفُونَ فِي قِتَالِهِمْ؛ إمَّا أَنْ يَكُونُوا جُنْدًا لَهُمْ دَوَاوِينُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُوا قَدْ أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ تَبَرُّعًا بِحَيْثُ إذَا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ حَصَلَتْ الْمَنَعَةُ بِهِمْ، وَيَكُونُ فِي الثُّغُورِ مَنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ عَنْهَا، وَيُبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ جَيْشٌ يُغِيرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ فِي بِلَادِهِمْ.
[فَصْلٌ وَيَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ]
وَيَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ؛ أَحَدُهَا، إذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ، وَتَقَابَلَ الصَّفَّانِ؛ حَرُمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الِانْصِرَافُ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: 45] . وَقَوْلِهِ ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 16] الثَّانِي، إذَا نَزَلَ الْكُفَّارُ بِبَلَدٍ، تَعَيَّنَ عَلَى أَهْلِهِ قِتَالُهُمْ وَدَفْعُهُمْ.
الثَّالِثِ، إذَا اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمْ النَّفِيرُ مَعَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] . الْآيَةَ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ".
[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ]
(7414) وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ؛ الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الضَّرَرِ، وَوُجُودُ النَّفَقَةِ.
فَأَمَّا الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، فَهِيَ شُرُوطٌ لِوُجُوبِ سَائِرِ الْفُرُوعِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مَأْمُونٍ فِي الْجِهَادِ، وَالْمَجْنُونَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِهَادُ وَالصَّبِيَّ ضَعِيفُ الْبِنْيَةِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا
الْحُرِّيَّةُ فَتُشْتَرَطُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُبَايِعُ الْحُرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ، وَيُبَايِعُ الْعَبْدَ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْجِهَادِ» ، وَلِأَنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ، كَالْحَجِّ.
وَأَمَّا الذُّكُورِيَّةُ فَتُشْتَرَطُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ فَقَالَ: جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ» . وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ؛ لِضَعْفِهَا وَخَوَرِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يُسْهَمُ لَهَا.
وَلَا يَجِبُ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا، فَلَا يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ.
وَأَمَّا السَّلَامَةُ مِنْ الضَّرَرِ، فَمَعْنَاهُ السَّلَامَةُ مِنْ الْعَمَى وَالْعَرَجِ وَالْمَرَضِ، وَهُوَ شَرْطٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61] . وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ تَمْنَعُهُ مِنْ الْجِهَادِ؛ فَأَمَّا الْعَمَى فَمَعْرُوفٌ، وَأَمَّا الْعَرَجُ، فَالْمَانِعُ مِنْهُ هُوَ الْفَاحِشُ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ الْجَيِّدَ وَالرُّكُوبَ، كَالزَّمَانَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا الْيَسِيرُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ، وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شِدَّةُ الْعَدْوِ، فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ مُمَكَّنٌ مِنْهُ، فَشَابَهَ الْأَعْوَرَ.
وَكَذَلِكَ الْمَرَضُ الْمَانِعُ هُوَ الشَّدِيدُ، فَأَمَّا الْيَسِيرُ مِنْهُ الَّذِي لَا يَمْنَعُ إمْكَانَ الْجِهَادِ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالصُّدَاعِ الْخَفِيفِ، فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجِهَادُ، فَهُوَ كَالْعَوَرِ.
وَأَمَّا وُجُودُ النَّفَقَة، فَيُشْتَرَطُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91] وَلِأَنَّ الْجِهَادَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِآلَةٍ، فَيُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا لِلزَّادِ وَنَفَقَةِ عَائِلَتِهِ فِي مُدَّةِ غِيبَتِهِ، وَسِلَاحٍ يُقَاتِلُ بِهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ قَرِيبٌ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، اُعْتُبِرَ مَعَ ذَلِكَ الرَّاحِلَةُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]
[فَصْلٌ أَقَلّ الْجِهَاد مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ.]
(7415) وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَهِيَ بَدَلٌ عَنْ النُّصْرَةِ، فَكَذَلِكَ مُبْدَلُهَا وَهُوَ الْجِهَادُ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، إلَّا مِنْ عُذْرٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ فِي عَدَدٍ أَوْ عُدَّةٍ، أَوْ يَكُونَ يَنْتَظِرُ الْمَدَدَ يَسْتَعِينُ بِهِ، أَوْ يَكُونَ الطَّرِيقُ إلَيْهِمْ فِيهَا مَانِعٌ أَوْ لَيْسَ فِيهَا عَلَفٌ أَوْ مَاءٌ، أَوْ يَعْلَمَ مِنْ عَدُوِّهِ حُسْنَ الرَّأْيِ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَطْمَعَ فِي إسْلَامِهِمْ إنْ أَخَّرَ قِتَالَهُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى الْمَصْلَحَةَ مَعَهُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ، فَيَجُوزُ تَرْكُهُ بِهُدْنَةٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَالِحَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَخَّرَ قِتَالَهُمْ حَتَّى نَقَضُوا عَهْدَهُ، وَأَخَّرَ قِتَالَ قَبَائِلَ مِنْ الْعَرَبِ بِغَيْرِ هُدْنَةٍ.
وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْقِتَالِ فِي عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَجَبَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَوَجَبَ مِنْهُ مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ الْجِهَادُ]
(7416) قَالَ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ) رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا نَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ أَفْضَلَ مِنْ السَّبِيلِ.
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَذُكِرَ لَهُ أَمْرُ الْعَدُوِّ؟ فَجَعَلَ يَبْكِي، وَيَقُولُ: مَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ أَفْضَلَ مِنْهُ.
وَقَالَ عَنْهُ غَيْرُهُ: لَيْسَ يَعْدِلُ لِقَاءَ الْعَدُوِّ شَيْءٌ.
وَمُبَاشَرَةُ الْقِتَالِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَاَلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، هُمْ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَعَنْ حَرِيمِهِمْ، فَأَيُّ عَمَلٍ أَفْضَلُ مِنْهُ، النَّاسُ آمِنُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ، قَدْ بَذَلُوا مُهَجَ أَنْفُسِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِمَوَاقِيتِهَا.
قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ.
قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ أَوْ أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ: الْجِهَادُ سَنَامُ الْعَمَلِ.
قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ، لَا رَفَثَ فِيهَا وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ.» وَلِأَنَّ الْجِهَادَ بَذْلُ الْمُهْجَةِ وَالْمَالِ، وَنَفْعُهُ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ، صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ، قَوِيَّهُمْ وَضَعِيفَهُمْ، ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيه فِي نَفْعِهِ وَخَطَرِهِ، فَلَا يُسَاوِيه فِي فَضْلِهِ وَأَجْرِهِ.
[مَسْأَلَةٌ غزو الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ]
قَالَ: (وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغَزْوَ فِي الْبَحْرِ مَشْرُوعٌ، وَفَضْلُهُ كَثِيرٌ.
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «نَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: فَقُلْت: مَا يُضْحِكُك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ: أُمُّ حَرَامِ بِنْتُ مِلْحَانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ خَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْهُ أُخْتٌ لَهُمَا ثَالِثَةٌ.
وَلَمْ نَرَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، وَأَظُنُّهُ إنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ فِي بَيْتِهَا، وَيَنْظُرُ إلَى شَعْرِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ، عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ، الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ، لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ.» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيْ الْبَرِّ، وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ، كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ، وَمَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ، كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، إلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ، فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ، وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إلَّا الدَّيْنَ، وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ وَالدَّيْنَ» وَلِأَنَّ الْبَحْرَ أَعْظَمُ خَطَرًا وَمَشَقَّةً، فَإِنَّهُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَخَطَرِ الْغَرَقِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِرَارِ إلَّا مَعَ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ.
(7418) فَصْلٌ: وَقِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ قِتَالِ غَيْرِهِمْ.
وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَأْتِي مِنْ مَرْوَ لِغَزْوِ الرُّومِ.
فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ خَلَّادٍ: «إنَّ ابْنَك لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ.
قَالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
[مَسْأَلَةٌ الْغَزْو مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ]
(7419) : (وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ) يَعْنِي مَعَ كُلِّ إمَامٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ، عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: أَنَا لَا أَغْزُو وَيَأْخُذُهُ وَلَدُ الْعَبَّاسِ، إنَّمَا يُوَفَّرُ الْفَيْءُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ قَوْمُ سُوءٍ، هَؤُلَاءِ الْقَعَدَةُ، مُثَبِّطُونَ جُهَّالٌ، فَيُقَالُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَعَدُوا كَمَا قَعَدْتُمْ، مَنْ كَانَ يَغْزُو؟ أَلَيْسَ كَانَ قَدْ ذَهَبَ الْإِسْلَامُ؟ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ الرُّومُ؟ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ
: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ، أَوْ فَاجِرًا.» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ؛ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ»
وَلِأَنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ مَعَ الْفَاجِرِ يُفْضِي إلَى قَطْعِ الْجِهَادِ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِئْصَالِهِمْ، وَظُهُورِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَفِيهِ فَسَادٌ عَظِيمٌ
، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]
(7420) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ الْقَائِدِ إذَا عُرِفَ بِالْهَزِيمَةِ وَتَضْيِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَغْزُو مَعَ مَنْ لَهُ شَفَقَةٌ وَحَيْطَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ كَانَ الْقَائِدُ يُعْرَفُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْغُلُولِ، يُغْزَى مَعَهُ، إنَّمَا ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ»
(7421) فَصْلٌ: وَلَا يَسْتَصْحِبُ الْأَمِيرُ مَعَهُ مُخَذِّلًا، وَهُوَ الَّذِي يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنْ الْغَزْوِ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ وَالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: الْحَرُّ أَوْ الْبُرْدُ شَدِيدٌ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، وَلَا تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هَذَا الْجَيْشِ.
وَأَشْبَاهَ هَذَا، وَلَا مُرْجِفًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالَهُمْ مَدَدٌ، وَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ، وَالْكُفَّارُ لَهُمْ قُوَّةٌ، وَمَدَدٌ، وَصَبْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ أَحَدٌ.
وَنَحْوَ هَذَا، وَلَا مَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ، وَإِطْلَاعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُكَاتَبَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ، وَدَلَالَتِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ إيوَاءِ جَوَاسِيسِهِمْ.
وَلَا مَنْ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ؛ لِقَوْلِ اللَّهَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: 47] .
وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْزَمُهُ مَنْعُهُمْ.
وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ، لَمْ يُسْهِمْ لَهُ وَلَمْ يَرْضَخْ وَإِنْ أَظْهَرَ عَوْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَهُ نِفَاقًا، وَقَدْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ، فَيَكُونُ مُجَرَّدَ ضَرَرٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا غَنِمُوا شَيْئًا.
وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ أَحَدَ هَؤُلَاءِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ خُرُوجُهُ تَبَعًا، فَمَتْبُوعًا أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْمَضَرَّةُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ.
[مَسْأَلَةٌ يقاتل كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَدُوِّ]
(7422) : (وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَدُوِّ) . الْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَكْثَرُ ضَرَرًا، وَفِي قِتَالِهِ دَفْعُ ضَرَرِهِ عَنْ الْمُقَابِلِ لَهُ، وَعَمَّنْ وَرَاءَهُ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْبَعِيدِ عَنْهُ، يُمَكِّنُهُ مِنْ انْتِهَازِ الْفُرْصَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ؛ لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْهُ.
قِيلَ لِأَحْمَدْ: يَحْكُونَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: تَرَكْت قِتَالَ الْعَدُوِّ عِنْدَك، وَجِئْت إلَى هَاهُنَا؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَدْرِي مَا هَذَا الْقَوْلُ، يَتْرُكُ الْعَدُوَّ عِنْدَهُ، وَيَجِيءُ إلَى هَاهُنَا، أَفَيَكُونُ هَذَا، أَوَيَسْتَقِيمُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] لَوْ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ كُلَّهُمْ عَمِلُوا عَلَى هَذَا، لَمْ يُجَاهِدْ التُّرْكَ أَحَدٌ.
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا فَعَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِكَوْنِهِ مُتَبَرِّعًا بِالْجِهَادِ، وَالْكِفَايَةُ حَاصِلَةٌ بِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُتَبَرِّعُ لَهُ تَرْكُ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ حَيْثُ شَاءَ، وَمَعَ مَنْ شَاءَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي الْبِدَايَةِ بِالْأَبْعَدِ؛ لِكَوْنِهِ أَخْوَفَ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ فِي الْبِدَايَةِ بِهِ لِقُرْبِهِ وَإِمْكَانِ الْفُرْصَةِ مِنْهُ، أَوْ لِكَوْنِ الْأَقْرَبِ مُهَادِنًا، أَوْ يَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِ مَانِعٌ، فَلَا بَأْسَ بِالْبِدَايَةِ بِالْأَبْعَدِ، لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ حَاجَةٍ.
[فَصْلٌ وَأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ]
(7423) وَأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِتَرْتِيبِ قَوْمٍ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ يَكُفُّونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَيَأْمُرَ بِعَمَلِ حُصُونِهِمْ، وَحَفْرِ خَنَادِقِهِمْ، وَجَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ، وَيُؤَمِّرَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَمِيرًا، يُقَلِّدُهُ أَمْرَ الْحُرُوبِ، وَتَدْبِيرَ الْجِهَادِ، وَيَكُونُ مِمَّنْ لَهُ رَأْيٌ وَعَقْلٌ وَنَجْدَةٌ وَبَصَرٌ بِالْحَرْبِ وَمُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ، وَيَكُونُ فِيهِ أَمَانَةٌ وَرِفْقٌ وَنُصْحٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنْ عَلَيْهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
وَيَغْزُو كُلَّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ مَنْ لَا يَفِي بِهِ مَنْ يَلِيهِ، فَيَنْقُلَ إلَيْهِمْ قَوْمًا مِنْ آخَرِينَ.
وَيَتَقَدَّمَ إلَى مَنْ يُؤَمِّرُهُ أَنْ لَا يَحْمِلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَهْلَكَةٍ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ بِدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخَافُ أَنْ يُقْتَلُوا تَحْتَهَا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَسَاءَ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا كَفَّارَةٌ إذَا أُصِيبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِطَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
فَإِنْ عُدِمَ الْإِمَامُ، لَمْ يُؤَخَّرْ الْجِهَادُ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ تَفُوتُ بِتَأْخِيرِهِ.
وَإِنْ حَصَلَتْ غَنِيمَةٌ، قَسَمَهَا أَهْلُهَا عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الْإِمَاءِ حَتَّى يَظْهَرَ إمَامٌ احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ.
فَإِنْ بَعَثَ الْإِمَامُ جَيْشًا، وَأَمَّرَ
عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ، فَلِلْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ، كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ، لَمَّا قُتِلَ أُمَرَاؤُهُمْ الَّذِينَ أَمَّرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضِيَ أَمْرَهُمْ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُمْ، وَسَمَّى خَالِدًا يَوْمَئِذٍ: " سَيْفَ اللَّهِ ".
(7424) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُمَرُ: وَفِّرُوا الْأَظْفَارَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ فَإِنَّهُ سِلَاحٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَحُلَّ الْحَبْلَ أَوْ الشَّيْءَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَظْفَارٌ لَمْ يَسْتَطِعْ.
وَقَالَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نُحْفِيَ الْأَظْفَارَ فِي الْجِهَادِ، فَإِنَّ الْقُوَّةَ الْأَظْفَارُ» .
(7425) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: يُشَيَّعُ الرَّجُلُ إذَا خَرَجَ، وَلَا يَتَلَقَّوْنَهُ، شَيَّعَ عَلِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَمْ يَتَلَقَّهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ شَيَّعَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الشَّامِ، وَيَزِيدُ رَاكِبٌ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَمْشِي، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ أَنَا فَأَمْشِيَ مَعَك.
قَالَ: لَا أَرْكَبُ وَلَا تَنْزِلُ، إنَّنِي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَشَيَّعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَبَا الْحَارِثِ الصَّائِغَ وَنَعْلَاهُ فِي يَدَيْهِ، وَذَهَبَ إلَى فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ، أَرَادَ أَنْ تَغْبَرَّ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لِلْخَثْعَمِيِّ صُحْبَةٌ، وَهُوَ قَدِيمٌ.
[مَسْأَلَةٌ تَمَام الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا]
(7426) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) مَعْنَى الرِّبَاطِ الْإِقَامَةُ بِالثَّغْرِ، مُقَوِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ.
وَالثَّغْرُ: كُلُّ مَكَان يُخِيفُ أَهْلَهُ الْعَدُوُّ وَيُخِيفُهُمْ.
وَأَصْلُ الرِّبَاطِ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ، كُلٌّ يُعِدُّ لِصَاحِبِهِ، فَسُمِّيَ الْمُقَامُ بِالثَّغْرِ رِبَاطًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْلٌ.
وَفَضْلُهُ عَظِيمٌ، وَأَجْرُهُ كَبِيرٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَعْدِلُ الْجِهَادَ عِنْدِي وَالرِّبَاطَ شَيْءٌ، وَالرِّبَاطُ دَفْعٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ؛ وَعَنْ حَرِيمِهِمْ، وَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الثَّغْرِ وَلِأَهْلِ الْغَزْوِ، فَالرِّبَاطُ أَصِلُ الْجِهَادِ وَفَرْعُهُ، وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ لِلْعَنَاءِ وَالتَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي فَضْلِ الرِّبَاطِ أَخْبَارٌ؛ مِنْهَا مَا رَوَى سَلْمَانُ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ: رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، فَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: إنِّي كُنْت كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرَاهِيَةَ تَفَرُّقِكُمْ عَنِّي، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ، لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ مِنْكُمْ لِنَفْسِهِ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُمَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ الرِّبَاطَ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، فَكُلُّ مُدَّةٍ أَقَامَهَا بِنِيَّةِ الرِّبَاطِ، فَهُوَ رِبَاطٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رِبَاطُ يَوْمٍ وَرِبَاطُ لَيْلَةٍ.» قَالَ أَحْمَدُ: يَوْمٌ رِبَاطٌ، وَلَيْلَةٌ رِبَاطٌ، وَسَاعَةٌ رِبَاطٌ.
وَقَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَنْ رَابَطَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُتِبَ بِهِ أَجْرُ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَمَنْ زَادَ، زَادَهُ اللَّهُ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوَافِقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَوْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الرِّبَاطَ.
وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ، فِي " كِتَابِ الثَّوَابِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا» . وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ الرِّبَاطِ، فَقَالَ لَهُ: كَمْ رَابَطْت؟ قَالَ: ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
قَالَ: عَزَمْت عَلَيْك إلَّا رَجَعْت حَتَّى تُتِمَّهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَإِنْ رَابَطَ أَكْثَرَ، فَلَهُ أَجْرُهُ، كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَمَنْ زَادَ، زَادَهُ اللَّهُ.
[فَصْلٌ وَأَفْضَلُ الرِّبَاطِ الْمُقَامُ بِأَشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا]
(7427) : وَأَفْضَلُ الرِّبَاطِ الْمُقَامُ بِأَشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ، وَمُقَامُهُ بِهِ أَنْفَعُ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَفْضَلُ الرِّبَاطِ أَشَدُّهُمْ كَلَبًا.
وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَأَيْنَ أَحَبُّ إلَيْك أَنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ؟ قَالَ: كُلُّ مَدِينَةٍ مَعْقِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ،
مِثْلَ دِمَشْقَ.
وَقَالَ: أَرْضُ الشَّامِ أَرْضُ الْمَحْشَرِ، وَدِمَشْقُ مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ النَّاسُ إذَا غَلَبَتْ الرُّومُ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ: " إنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ ". وَنَحْوَ هَذَا؟ قَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَاءَ فِيهِ.
وَقِيلَ لَهُ: إنَّ هَذَا فِي الثُّغُورِ.
فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: أَرْضُ الْقُدْسِ أَيْنَ هِيَ؟ " وَلَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ " هُمْ أَهْلُ الشَّامِ.
فَفَسَّرَ أَحْمَدُ الْغَرْبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالشَّامِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ،
وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّامَ يُسَمَّى مَغْرِبًا، لِأَنَّهُ مَغْرِبٌ لِلْعِرَاقِ، كَمَا يُسَمَّى الْعِرَاقُ مَشْرِقًا، وَلِهَذَا قِيلَ: وَلِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُصَرَّحًا بِهِ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ بِالشَّامِ.» وَفِي الْحَدِيثِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: " وَهُمْ بِالشَّامِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فِي " صَحِيحِهِ ". وَفِي خَبَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ بِدِمَشْقَ ظَاهِرِينَ.» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فِي " التَّارِيخِ ".
وَقَدْ رُوِيَتْ فِي الشَّامِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ الْأَزْدِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَتُجَنَّدُونَ أَجْنَادًا؛ جُنْدًا بِالشَّامِ، وَجُنْدًا بِالْعِرَاقِ، وَجُنْدًا بِالْيَمَنِ فَقُلْت: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: عَلَيْك بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَمَنْ أَبَى، فَلْيَلْحَقْ بِالْيَمَنِ، وَيُسْقَ مِنْ غُدُرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ، وَكَانَ أَبُو إدْرِيسَ إذَا رَوَى هَذَا الْخَبَرَ قَالَ: وَمَنْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِهِ، فَلَا ضَيْعَةَ عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: أَتَيْت الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْت: مَنْ بِهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ؟ فَقِيلَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَأَبْدَأَنَّ بِهَذَا قَبْلَهُمْ.
فَدَخَلْت إلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، وَقَالَ: مِنْ أَيِّ إخْوَانِنَا أَنْتَ؟ قُلْت: مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
قَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْت: مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ.
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُ مَعَاقِلَ؛ فَمَعْقِلُهُمْ فِي الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى الَّتِي تَكُونُ بِعُمْقِ أَنْطَاكِيَةَ دِمَشْقُ، وَمَعْقِلُهُمْ مِنْ الدَّجَّالِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَمَعْقِلُهُمْ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ طُورُ سَيْنَاءَ» . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ، فِي " الْحِلْيَةِ "، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ، إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ.» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فِي " سُنَنِهِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ، «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي.
قَالَ: عَلَيْك بِجَبَلِ الْخَمْرِ.
قَالَ: وَمَا جَبَلُ الْخَمْرِ؟ قَالَ: أَرْضُ الْمَحْشَرِ.» وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: «بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ.
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: تِلْكَ مَقْبَرَةٌ تَكُونُ بِعَسْقَلَانَ.» فَكَانَ عَطَاءٌ يُرَابِطُ بِهَا كُلَّ عَامٍ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى مَاتَ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، فِي " كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ "، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى مَقْبَرَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَقْبَرَةٍ هِيَ؟ قَالَ: مَقْبَرَةٌ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، يُقَالُ لَهَا: عَسْقَلَانُ، يَفْتَتِحُهَا نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفَ شَهِيدٍ، فَيَشْفَعُ الرَّجُلُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَلِكُلٍّ عَرُوسٌ، وَعَرُوسُ الْجَنَّةِ عَسْقَلَانُ» . وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْزُوَ.
فَقَالَ: عَلَيْك بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ الْزَمْ مِنْ الشَّامِ عَسْقَلَانَ، فَإِنَّهَا إذَا دَارَتْ الرَّحَى فِي أُمَّتِي، كَانَ أَهْلُهَا فِي رَاحَةٍ وَعَافِيَةٍ.»
[فَصْلٌ نَقْلُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ إلَى الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ]
(7428) : وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَرَاهَةُ نَقْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ إلَى الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَا تُنْزِلُوا الْمُسْلِمِينَ ضِفَّةَ الْبَحْرِ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ.
وَلِأَنَّ
الثُّغُورَ الْمَخُوفَةَ لَا يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهَا، وَبِمَنْ فِيهَا، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ
. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَتَخَافُ عَلَى الْمُنْتَقِلِ بِعِيَالِهِ إلَى الثَّغْرِ الْإِثْمَ؟ قَالَ: كَيْفَ لَا أَخَافُ الْإِثْمَ، وَهُوَ يُعَرِّضُ ذُرِّيَّتَهُ لِلْمُشْرِكِينَ؟ وَقَالَ: كُنْت آمُرُ بِالتَّحَوُّلِ بِالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ إلَى الشَّامِ قَبْلَ الْيَوْمِ، فَأَنَا أَنْهَى عَنْهُ الْآنَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ اقْتَرَبَ.
وَقَالَ: لَا بُدَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ يَوْمٍ.
قِيلَ: فَذَلِكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
قَالَ: فَهَذَا آخِرُ الزَّمَانِ.
قِيلَ:
فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقْرِعُ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتَهنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا.
قَالَ: هَذَا لِلْوَاحِدَةِ، لَيْسَ الذُّرِّيَّةَ.
وَهَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الثَّغْرِ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الِانْتِقَالُ بِأَهْلِهِمْ إلَى ثَغْرٍ مَخُوفٍ، فَأَمَّا أَهْلُ الثَّغْرِ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ السُّكْنَى بِأَهْلِهِمْ، لَوْلَا ذَلِكَ لَخَرِبَتْ الثُّغُورُ وَتَعَطَّلَتْ.
وَخَصَّ الثُّغُورَ الْمَخُوفَةَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ اخْتَارَ سُكْنَى دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا، مَعَ كَوْنِهَا ثَغْرًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَلَامَتُهَا، وَسَلَامَةُ أَهْلِهَا.
[فَصْلٌ لِأَهْلِ الثَّغْرِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ]
(7429) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الثَّغْرِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ لِصَلَوَاتِهِمْ كُلِّهَا، لِيَكُونَ أَجْمَعَ لَهُمْ، وَإِذَا حَضَرَ النَّفِيرُ صَادَفَهُمْ مُجْتَمِعِينَ، فَيَبْلُغُ الْخَبَرُ جَمِيعَهُمْ، وَإِنْ جَاءَ خَبَرٌ يَحْتَاجُونَ إلَى سَمَاعِهِ، أَوْ أَمْرٌ يُرَادُ إعْلَامُهُمْ بِهِ، يَعْلَمُونَهُ، وَيَرَاهُمْ عَيْنُ الْكُفَّارِ، فَيَعْلَمُ كَثْرَتَهُمْ فَيُخَوَّفُ بِهِمْ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ يَرَى الْجَاسُوسُ قِلَّتَهُمْ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ الْأَوْزَاعِيُّ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بِالثَّغْرِ: لَوْ أَنَّ لِي عَلَيْهَا وِلَايَةً، لَسَمَّرْت أَبْوَابَهَا - وَلَمْ يَقُلْ: لَخَرَّبْتهَا - حَتَّى تَكُونَ صَلَاتُهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، حَتَّى إذَا جَاءَ النَّفِيرُ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ، لَمْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ إذَا كَانُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
[فَصْلٌ الْحَرَسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
(7430) وَفِي الْحَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ؛ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ حَارِسَ الْحَرَسِ» .
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، «أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، قَالَ: مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟» قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: " فَارْكَبْ ". فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، وَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: " اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ، حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، وَلَا أَغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِك اللَّيْلَةَ ". فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مُصَلَّاهُ،
فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: " هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ اللَّيْلَةَ؟ قَالُوا: لَا.
فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَالَ: " أَبْشِرُوا، قَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ ". فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي انْطَلَقْت حَتَّى كُنْت فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَصْبَحْت اطَّلَعْت الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَنَظَرْت، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " هَلْ نَزَلْت اللَّيْلَةَ؟ " قَالَ: لَا، إلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَدْ أَوْجَبْت، فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ، قِيَامِ لَيْلِهَا، وَصِيَامِ نَهَارِهَا» . رَوَاهُ ابْنُ سَنْجَرٍ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا كَانَ الْمُتَطَوِّع لِلْجِهَادِ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ]
(7431) : (وَإِذَا كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ، لَمْ يُجَاهِدْ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِهِمَا) رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: أَلَك أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ.» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالَ: جِئْت أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْت أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ.
قَالَ: ارْجِعْ إلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا.» وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ لَك بِالْيَمَنِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَبَوَايَ.
قَالَ: أَذِنَّا لَك؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَارْجِعْ، فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا.» رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ يُقَدَّمُ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ، فَلَا إذْنَ لَهُمَا.
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَغْزُو إلَّا بِإِذْنِهِمَا؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.
وَلَنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يُجَاهِدُونَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا؛ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عَتَبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ، كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ، قُتِلَ بِبَدْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، قَتَلَ أَبَاهُ فِي الْجِهَادِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ [المجادلة: 22] . الْآيَةَ، وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ مُخَصَّصٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ فَأَمَّا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ، فَعُمُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ
يَقْتَضِي وُجُوبَ اسْتِئْذَانِهِمَا؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُمَا أَبَوَانِ مُسْلِمَانِ، فَأَشْبَهَا الْحُرَّيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ إذْنُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا.
وَإِنْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ فَلَا إذْنَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِئْذَانُهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِجَابَةُ إذَا خُوطِبَ بِالْجِهَادِ]
(7432) قَالَ وَإِذَا خُوطِبَ بِالْجِهَادِ فَلَا إذْنَ لَهُمَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ الْفَرَائِضِ، لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِهَا.
يَعْنِي إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ.
لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ وَالِدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ مِثْلُ الْحَجِّ، وَالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْجُمَعِ، وَالسَّفَرِ، لِلْعِلْمِ الْوَاجِبِ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْجُمَعِ وَالْحَجِّ وَالْقِتَالِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْأَبَوَيْنِ فِيهَا، كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] وَلَمْ يَشْتَرِطْ إذْنَ الْوَالِدَيْنِ.
[فَصْلٌ الْخُرُوجُ إلَى الْجِهَادِ بِإِذْنِ الْوَالِدَيْنِ]
(7433) وَإِنْ خَرَجَ فِي جِهَادِ تَطَوُّعٍ بِإِذْنِهِمَا، فَمَنَعَاهُ مِنْهُ بَعْدَ سَيْرِهِ وَقَبْلَ وُجُوبِهِ، فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ، لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ فِي الِابْتِدَاءِ مَنَعَ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ مَنَعَ، كَسَائِرِ الْمَوَانِعِ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الرُّجُوعِ، أَوْ يَحْدُثَ لَهُ عُذْرٌ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ فِي الطَّرِيقِ، وَإِلَّا مَضَى مَعَ الْجَيْشِ، فَإِذَا حَضَرَ الصَّفَّ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِحُضُورِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا إذْنٌ.
وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ تَعَيُّنِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُمَا شَيْئًا.
وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ، فَأَسْلَمَا وَمَنَعَاهُ، كَانَ ذَلِكَ كَمَنْعِهِمَا بَعْدَ إذْنِهِمَا، سَوَاءٌ.
وَحُكْمُ الْغَرِيمِ يَأْذَنُ فِي الْجِهَادِ ثُمَّ يَمْنَعُ مِنْهُ، حُكْمُ الْوَالِدِ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ حَدَثَ لِلْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ عَمًى أَوْ عَرَجٍ، فَلَهُ الِانْصِرَافُ، سَوَاءٌ الْتَقَى الزَّحْفَانِ، أَوْ لَمْ يَلْتَقِيَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ، وَلَا فَائِدَةَ فِي مُقَامِهِ.
[فَصْلٌ أَذِنَ لَهُ وَالِدَاهُ فِي الْغَزْوِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ لَا يُقَاتِلُ]
(7434) وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَالِدَاهُ فِي الْغَزْوِ، وَشَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ، فَحَضَرَ الْقِتَالَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَسَقَطَ شَرْطُهُمَا.
كَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا فِي تَرْكِهِ طَاعَةٌ.
وَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، فَحَضَرَ الْقِتَالَ ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ مِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ هَلْ يَجُوز لَهُ الْخُرُوج للغزو]
(7435) فَصْلٌ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْغَزْوِ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلًا، أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي الْغَزْوِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَا حَبْسُهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْغَزْوِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِينٌ.
وَلَنَا أَنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ، بِفَوَاتِهَا، وَقَدْ جَاءَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَلَا إذْنَ لِغَرِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ، كَسَائِرِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَظَانِّ الْقَتْلِ؛ مِنْ الْمُبَارَزَةِ، وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّلِ الْمُقَاتِلَةِ، لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ.
وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً، أَوْ أَقَامَ كَفِيلًا، فَلَهُ الْغَزْوُ بِغَيْرِ إذْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَنْ تَرَكَ وَفَاءً، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ أَبَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَرَجَ إلَى أُحُدٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ، وَلَمْ يَذُمَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُ، بَلْ مَدَحَهُ، وَقَالَ «مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ.
وَقَالَ لِابْنِهِ جَابِرٌ أَشَعَرْت أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاك، وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا» .
[مَسْأَلَةٌ يُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ وَلَا يُدْعَوْنَ إلَى الْإِسْلَامِ]
(7436) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ، وَلَا يُدْعَوْنَ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ وَيُدْعَى عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ قَبْلَ أَنْ يُحَارَبُوا أَمَّا قَوْلُهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس: لَا يُدْعَوْنَ قَبْلَ الْقِتَالِ.
فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا نَادِرٌ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُدْعَى عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ قَبْلَ أَنْ يُحَارَبُوا.
فَلَيْسَ بِعَامٍّ، فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ لَا يُدْعَوْنَ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، دُعِيَ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ إنْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، دُعُوا قَبْلَ الْقِتَالِ.
قَالَ أَحْمَدُ إنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْ وَانْتَشَرَتْ، وَلَكِنْ إنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ خَلْفَ الرُّومِ وَخَلْفَ التُّرْكِ، عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّتِهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: إذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتَهنَّ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ؛ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمُسْلِمٌ،.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ قَبْلَ انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ، وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَقَدْ انْتَشَرَتْ الدَّعْوَةُ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ، قَالَ أَحْمَدُ كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ، حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلَا الْإِسْلَامُ، وَلَا أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتْ الدَّعْوَةُ كُلَّ أَحَدٍ، وَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ، وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ دَعَا فَلَا بَأْسَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ آمِنُونَ، وَإِبِلُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ؛ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: سَمِعْت «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ عَنْ الدِّيَارِ مِنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ، يَبِيتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: «أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَبَيَّتْنَاهُمْ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْعَلَ الْأَمْرُ بِالدَّعْوَةِ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّرَ عَلِيًّا، حِينَ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَبَعَثَهُ إلَى قِتَالِهِمْ، أَنْ يَدْعُوَهُمْ، وَهُمْ مِمَّنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَدَعَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ حِينَ تَنَبَّأَ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَدَعَا سَلْمَانُ أَهْلَ فَارِسَ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مَجُوسًا، دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا، دَعَاهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِهِمْ، دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا، قَاتَلَهُمْ، وَمَنْ قُتِلَ قَبْلَ الدُّعَاءِ لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَا إيمَانَ لَهُ وَلَا أَمَانَ، فَلَمْ يُضْمَنْ، كَنِسَاءِ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَصِبْيَانِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ يُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ]
(7437) مَسْأَلَةٌ وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَيُقَاتَلُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ قِسْمٌ أَهْلُ كِتَابٍ، وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ اتَّخَذَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كِتَابًا، كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجِ وَنَحْوِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ إذَا بَذَلُوهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وَقِسْمٌ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، وَهُمْ الْمَجُوسُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَإِقْرَارِهِمْ بِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ.
وَقِسْمٌ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَلَا شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَهُمْ مَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ، وَسَائِرِ الْكُفَّارِ، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامِ.
هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدُ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَيُقَرُّونَ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، كَالْمَجُوسِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، إلَّا كُفَّارَ قُرَيْشٍ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ، وَهُوَ عَامٌّ، وَلِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ، فَأَشْبَهُوا الْمَجُوسَ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] .
وَقَوْلُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . خَصَّ مِنْهُمَا أَهْلَ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . وَالْمَجُوسَ بِقَوْلِهِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . فَمَنْ عَدَاهُمَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، تَوَقَّفُوا فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ
الْمَجُوسِ، وَلَمْ يَأْخُذْ عُمَرُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ، حَتَّى رَوَى لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا الْجِزْيَةَ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ إذَا تَوَقَّفُوا فِي مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ، فَفِي مِنْ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَوْلَى، ثُمَّ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ لِلْخَبَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، إذْ لَوْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ، لَمْ يَخْتَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِإِضَافَتِهَا إلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ تَغْلُظُ كُفْرُهُمْ لِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ وَجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ، فَلَمْ يُقَرُّوا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، كَقُرَيْشٍ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَلِأَنَّ تَغْلِيظَ الْكُفْرِ لَهُ أَثَرٌ فِي تَحَتُّمِ الْقَتْلِ، وَكَوْنِهِ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، بِدَلِيلِ الْمُرْتَدِّ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ، فَإِنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَالشُّبْهَةُ تَقُومُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ فِيمَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ لِلشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَمَّا اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ دِمَائِهِمْ، اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، لِيَثْبُتَ التَّحْرِيمُ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، تَغْلِيبًا لَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ.
[مَسْأَلَةٌ النَّفَرُ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ فِي الْحَرْبِ]
(7438) مَسْأَلَةٌ وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ، أَنْ يَنْفِرُوا؛ الْمُقِلُّ مِنْهُمْ، وَالْمُكْثِرُ، وَلَا يَخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ غَالِبٌ يَخَافُونَ كَلَبَهُ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ قَوْلُهُ: الْمُقِلُّ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ.
يَعْنِي بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، أَيْ مُقِلٌّ مِنْ الْمَالِ وَمُكْثِرٌ مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ، مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، حِينَ الْحَاجَةِ إلَى نَفِيرِهِمْ؛ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ.
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ، إلَّا مَنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: 41] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13] .
وَلِأَنَّهُمْ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ، صَارَ الْجِهَادُ عَلَيْهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ فَوَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْحَرْبِ مَوْكُولٌ إلَيْهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ، وَمَكَامِنِ الْعَدُوِّ وَكَيْدِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إلَى رَأْيِهِ، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ لِمُفَاجَأَةِ عَدُوِّهِمْ لَهُمْ، فَلَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَتَعَيَّنُ فِي قِتَالِهِمْ وَالْخُرُوجِ إلَيْهِ، لِتَعَيُّنِ
الْفَسَادِ فِي تَرْكِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ خَارِجًا مِنْ الْمَدِينَةِ، تَبِعَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ، مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ.
وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ.
[فَصْلٌ الْإِمَامُ إذَا غَضِبَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ اُخْرُجْ عَلَيْك أَنْ لَا تَصْحَبَنِي]
(7439) فَصْلٌ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْإِمَامِ إذَا غَضِبَ عَلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: اُخْرُجْ، عَلَيْك أَنْ لَا تَصْحَبَنِي.
فَنَادَى بِالنَّفِيرِ، يَكُونُ إذْنًا لَهُ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا قَصَدَ لَهُ وَحْدَهُ، فَلَا يَصْحَبُهُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ.
قَالَ: وَإِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالنَّفِيرِ، فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ بِالْبُعْدِ، إنَّمَا جَاءَهُمْ طَلِيعَةٌ لِلْعَدُوِّ، صَلَّوْا وَنَفَرُوا إلَيْهِمْ، وَإِذَا اسْتَغَاثُوا بِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ الْعَدُوُّ، أَغَاثُوا وَنَصَرُوا وَصَلَّوْا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّهِمْ وَيُومِئُونَ، وَالْغِيَاثُ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ وَهُوَ يَسِيرُ أَفْضَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا سَمِعَ النَّفِيرَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، يُصَلِّي، وَيُخَفِّفُ، وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيَقْرَأُ بِسُوَرٍ قِصَارٍ.
وَقَدْ نَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ جُنُبٌ - يَعْنِي غَسِيلَ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ - قَالَ: وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِيهَا، وَإِذَا جَاءَ النَّفِيرُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَا تَرَى أَنْ يَنْفِرُوا؟ قَالَ: وَلَا تَنْفِرُ الْخَيْلُ إلَّا عَلَى حَقِيقَةٍ، وَلَا تَنْفِرُ عَلَى الْغُلَامِ إذَا أَبَقَ إذَا أَنْفَرُوهُمْ، فَلَا يَكُونُ هَلَاكُ النَّاسِ بِسَبَبِ غُلَامٍ، وَإِذَا نَادَى الْإِمَامُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
لِأَمْرٍ يَحْدُثُ، فَيُشَاوِرُ فِيهِ، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ إلَّا مِنْ عُذْرٍ.
[مَسْأَلَةٌ دُخُولُ النِّسَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ]
(7440) مَسْأَلَةٌ وَلَا يَدْخُلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النِّسَاءِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، لِسَقْيِ الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُ النِّسَاءِ الشَّوَابِّ أَرْضَ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَقَلَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِنَّ فِيهِ، لِاسْتِيلَاءِ الْخَوَرِ وَالْجُبْنِ عَلَيْهِنَّ.
وَلَا يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ، فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْهُنَّ، وَقَدْ رَوَى حَشْرَجُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ، أَنَّهَا «خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَادِسَةَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَ إلَيْنَا، فَجِئْنَا، فَرَأَيْنَا مِنْهُ الْغَضَبَ، فَقَالَ: مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَجْنَا نَغْزِلُ الشَّعْرَ، وَنُعِينُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَعَنَا دَوَاءٌ لِلْجَرْحَى، وَنُنَاوِلُ السِّهَامَ، وَنَسْقِي السَّوِيقَ.
فَقَالَ: قُمْنَ.
حَتَّى إذَا فَتَحَ اللَّهُ خَيْبَرَ أَسْهَمَ لَنَا، كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَالِ، فَقُلْت لَهَا: يَا جَدَّةُ، مَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: تَمْرًا» .
. قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ: هَلْ كَانُوا يَغْزُونَ مَعَهُمْ بِالنِّسَاءِ فِي الصَّوَائِفِ؟ قَالَ: لَا إلَّا بِالْجَوَارِي.
فَأَمَّا الْمَرْأَةُ الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، وَهِيَ الْكَبِيرَةُ، إذَا كَانَ فِيهَا نَفْعٌ، مِثْلَ سَقْيِ الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى، فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ، وَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَنَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ، تَغْزُوَانِ مَعَ النَّبِيِّ، فَأَمَّا نَسِيبَةُ فَكَانَتْ تُقَاتِلُ، وَقُطِعَتْ يَدُهَا يَوْمَ الْيَمَامَةِ.
وَقَالَتْ الرُّبَيِّعُ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ لِسَقْيِ الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى.» وَقَالَ أَنَسٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مَعَهَا مِنْ الْأَنْصَارِ، يَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْرِجُ مَعَهُ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ مِنْ نِسَائِهِ، وَخَرَجَ بِعَائِشَةَ مَرَّاتٍ.
قِيلَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، يَأْخُذُهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا، وَيَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْأَمِيرِ عِنْدَ حَاجَتِهِ، وَلَا يُرَخَّصُ لِسَائِرِ الرَّعِيَّةِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى مَا ذَكَرْنَا.
.
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَرْفُقَ بِجَيْشِهِ فِي الْحَرْبِ]
(7441) فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَرْفُقَ بِجَيْشِهِ، وَيَسِيرُ بِهِمْ سَيْرَ أَضْعَفِهِمْ، لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْجِدِّ فِي السَّيْرِ جَازَ لَهُ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَدَّ فِي السَّيْرِ جَدًّا شَدِيدًا، حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
لِيَشْتَغِلَ النَّاسُ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ» . وَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ جَدَّ فِي السَّيْرِ حِينَ اسْتَصْرَخَ عَلَى صَفِيَّةَ امْرَأَتِهِ.
وَلَا يَمِيلُ الْأَمِيرُ مَعَ مُوَافِقِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَالنَّسَبِ عَلَى مُخَالِفِيهِ فِيهِمَا لِئَلَّا يَكْسِرَ قُلُوبَهُمْ، فَيَخْذُلُونَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِمْ.
وَيُكْثِرُ الْمُشَاوَرَةَ لِذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] .
وَيَتَخَيَّرُ الْمَنَازِلَ لِأَصْحَابِهِ، وَإِذَا وَجَدَ رَجُلٌ رَجُلًا قَدْ أُصِيبَتْ فَرَسُهُ، وَمَعَ الْآخَرِ فَضْلٌ، اُسْتُحِبَّ لَهُ حَمْلُهُ، وَلَمْ يَجِبْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِ مَرْكُوبِهِ؛ لِيُحْيِيَ بِهِ صَاحِبَهُ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ فَضْلِ طَعَامِهِ لِلْمُضْطَرِّ إلَيْهِ، وَتَخْلِيصُهُ مِنْ عَدُوِّهِ.
[فَصْلٌ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِيَانِ الْفَرَسَ بَيْنَهُمَا يَغْزُوَانِ عَلَيْهِ]
(7442) فَصْلٌ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِيَانِ الْفَرَسَ بَيْنَهُمَا، يَغْزُوَانِ عَلَيْهِ، يَرْكَبُ هَذَا عَقَبَةً وَهَذَا عَقَبَةً: مَا سَمِعْت فِيهِ بِشَيْءٍ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
قِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك؟ يَعْتَزِلُ الرَّجُلُ فِي الطَّعَامِ أَوْ يُرَافِقُ؟ قَالَ: يُرَافِقُ، هَذَا أَرْفَقُ، يَتَعَاوَنُونَ، وَإِذَا كُنْت وَحْدَك لَمْ يُمْكِنْك الطَّبْخُ وَلَا غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّهَدِ، قَدْ تَنَاهَدَ الصَّالِحُونَ، وَكَانَ الْحَسَنُ إذَا سَافَرَ أَلْقَى مَعَهُمْ، وَيَزِيدُ أَيْضًا بَعْدَمَا يُلْقِي.
وَمَعْنَى النَّهَدِ، أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّفْقَةِ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ، يَدْفَعُونَهُ إلَى رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَدْفَعُ إلَى وَكِيلِهِمْ مِثْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَأْتِي سِرًّا بِمِثْلِ ذَلِكَ، يَدْفَعُهُ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَرَى أَنْ يَغْزُوَ وَمَعَهُ مُصْحَفٌ.
يَعْنِي لَا يَدْخُلُ بِهِ أَرْضَ الْعَدُوِّ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْذَانُ الْأَمِيرِ فِي الْغَزْوِ فِي كُلِّ شَيْءٍ]
(7443) مَسْأَلَةٌ وَإِذَا غَزَا الْأَمِيرُ بِالنَّاسِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، وَلَا يُبَارِزَ عِلْجًا، وَلَا يَخْرُجَ مِنْ الْعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا، إلَّا بِإِذْنِهِ يَعْنِي لَا يَخْرُجُ مِنْ الْعَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَلَفِ لِلدَّوَابِّ، وَلَا لِاحْتِطَابٍ، وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: 62] ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62] .
وَلِأَنَّ الْأَمِيرَ أَعْرَفُ بِحَالِ النَّاسِ، وَحَالِ الْعَدُوِّ، وَمَكَامِنِهِمْ، وَمَوَاضِعِهِمْ، وَقُرْبِهِمْ وَبُعْدِهِمْ.
فَإِذَا خَرَجَ خَارِجٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصَادِفَ كَمِينًا لِلْعَدُوِّ، فَيَأْخُذُوهُ، أَوْ طَلِيعَةً لَهُمْ، أَوْ يَرْحَلَ الْأَمِيرُ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَتْرُكَهُ فَيَهْلِكَ.
وَإِذَا كَانَ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ إلَّا إلَى مَكَان آمِنٍ، وَرُبَّمَا يَبْعَثُ مَعَهُمْ مِنْ الْجَيْشِ مَنْ يَحْرُسُهُمْ وَيَطَّلِعُ لَهُمْ.
وَأَمَّا الْمُبَارَزَةُ، فَتَجُوزُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَكَرِهَهَا.
وَلَنَا، أَنَّ حَمْزَةَ، وَعَلِيًّا وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، بِإِذْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَبَارَزَ عَلِيٌّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فَقَتَلَهُ.
وَبَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ حُنَيْنٍ.
وَقِيلَ بَارَزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَبَارَزَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ فَاسْتُشْهِدَ.
وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَتَلْت تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَئِيسًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مُبَارَزَةً، سِوَى مَنْ شَارَكْت فِيهِ.
وَبَارَزَ شِبْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَسْوَارًا فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ سَلَبُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَنَفَلَهُ إيَّاهُ سَعْدٌ وَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَارِزُونَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يُقْسِمُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] .
نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُمْ حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ، بَارَزُوا عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَقَالَ أَبُو قَتَادَةُ بَارَزْت رَجُلًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَتَلْته.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَأْذَنَ الْأَمِيرُ فِي الْمُبَارَزَةِ إذَا أَمْكَنَ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَرَخَّصَ فِيهَا مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ الْمُبَارَزَةَ، لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمْ اسْتِئْذَانٌ.
وَلَنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَعْلَمُ بِفُرْسَانِهِ وَفُرْسَانِ الْعَدُوِّ، وَمَتَى بَرَزَ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْ لَا يُطِيقُهُ، كَانَ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، فَيَكْسِرُ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوَّضَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ، لِيَخْتَارَ لِلْمُبَارَزَةِ مَنْ يَرْضَاهُ لَهَا، فَيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الظَّفَرِ وَجَبْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَبَحْتُمْ لَهُ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي الْكُفَّارِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِقَتْلِهِ.
قُلْنَا: إذَا كَانَ مُبَارِزًا تَعَلَّقَتْ قُلُوبُ الْجَيْشِ بِهِ، وَارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ، فَإِنْ ظَفِرَ جَبَرَ قُلُوبَهُمْ، وَسَرَّهُمْ، وَكَسَرَ قُلُوبَ الْكُفَّارِ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ بِالْعَكْسِ، وَالْمُنْغَمِسُ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ، لَا يَتَرَقَّبُ مِنْهُ ظَفَرٌ وَلَا مُقَاوَمَةٌ.
فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا مُبَارَزَةُ أَبِي قَتَادَةُ فَغَيْرُ لَازِمَةٍ، فَإِنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، رَأَى رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا، فَضَرَبَهُ أَبُو قَتَادَةُ، فَضَمَّهُ ضَمَّةً كَادَ يَقْتُلُهُ.
وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُبَارَزَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، بَلْ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَبْلَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ لَهُ إذْنُ الْإِمَامِ، لِأَنَّ عَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَمْتَدُّ إلَيْهِمَا، وَقُلُوبَ الْفَرِيقَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَأَيُّهُمَا غَلَبَ سَرَّ أَصْحَابَهُ، وَكَسَرَ قُلُوبَ أَعْدَائِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمُبَارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مُسْتَحَبَّةٍ، وَمُبَاحَةٍ، وَمَكْرُوهَةٍ، أَمَّا الْمُسْتَحَبَّةُ؛ فَإِذَا خَرَجَ عِلْجٌ يَطْلُبُ الْبِرَازَ، اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ.
لِأَنَّ فِيهِ رَدًّا عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِظْهَارًا لِقُوَّتِهِمْ.
وَالْمُبَاحُ؛ أَنْ يَبْتَدِئَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ بِطَلَبِهَا، فَيُبَاحُ وَلَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا،
وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يُغْلَبَ، فَيَكْسِرَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ شُجَاعًا وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ، أُبِيحَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ غَالِبٌ، وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَبْرُزَ الضَّعِيفُ الْمِنَّةِ، الَّذِي لَا يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ، فَتُكْرَهُ لَهُ الْمُبَارَزَةُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ ظَاهِرًا.
(7444) فَصْلٌ: إذَا خَرَجَ كَافِرٌ يَطْلُبُ الْبِرَازَ، جَازَ رَمْيُهُ وَقَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ لَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا أَمَانَ لَهُ، فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ لَا يُعْرَضُ لَهُ، فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الشَّرْطِ.
وَإِذَا خَرَجَ إلَيْهِ أَحَدٌ يُبَارِزُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعِينَهُ عَلَيْهِ سِوَاهُ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، فَإِنْ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ تَارِكًا لِلْقِتَالِ، أَوْ مُثْخَنًا بِجِرَاحَتِهِ، جَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ قِتَالُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا صَارَ إلَى هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ انْقَضَى قِتَالُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى صَفِّهِ وَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ قِتَالَهُ، أَوْ أَثْخَنَهُ بِالْجِرَاحِ، فَيَتْبَعَهُ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ يُجْهِزَ عَلَيْهِ، فَيَجُوزَ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَإِنْ قَاتَلَهُمْ قَاتَلُوهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَهُمْ إنْقَاذَهُ فَقَدْ نَقَضَ أَمَانَهُ.
وَإِنْ أَعَانَ الْكُفَّارُ صَاحِبَهُمْ، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوا صَاحِبَهُمْ أَيْضًا، وَيُقَاتِلُوا مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَاتِلُونَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصُنْعٍ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَنْجَدَهُمْ، أَوْ عُلِمَ مِنْهُ الرِّضَا بِفِعْلِهِمْ، صَارَ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ، وَجَازَ لَهُمْ قَتْلُهُ.
وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مُعَاوَنَةُ صَاحِبِهِمْ، وَإِنْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ.
قِيلَ لَهُ: فَخَافَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَاحِبِهِمْ؟ قَالَ: وَإِنْ؛ لِأَنَّ الْمُبَارَزَةَ إنَّمَا تَكُونُ هَكَذَا، وَلَكِنْ لَوْ حَجَزُوا بَيْنَهُمَا، وَخَلَّوْا سَبِيلَ الْعِلْجِ.
قَالَ: فَإِنْ أَعَانَ الْعَدُوُّ صَاحِبَهُمْ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعِينَ الْمُسْلِمُونَ صَاحِبَهُمْ.
وَلَنَا، أَنَّ حَمْزَةَ، وَعَلِيًّا أَعَانَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى قَتْلِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ
[فَصْلٌ الْخُدْعَةُ فِي الْحَرْبِ لِلْمُبَارِزِ وَغَيْرِهِ]
(7445) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ الْخُدْعَةُ فِي الْحَرْبِ لِلْمُبَارِزِ، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» . وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ بَارَزَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ، قَالَ عَلِيٌّ: مَا بَرَزْت لِأُقَاتِلَ اثْنَيْنِ.
فَالْتَفَتَ عَمْرٌو فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ، فَقَالَ عَمْرو: خَدَعْتنِي.
فَقَالَ عَلِيٌّ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ.
[فَصْلٌ غَزَوْا فِي الْبَحْرِ فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُقِيمَ بِالسَّاحِلِ]
(7446) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا غَزَوْا فِي الْبَحْرِ، فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُقِيمَ بِالسَّاحِلِ، يَسْتَأْذِنُ الْوَالِيَ الَّذِي هُوَ عَلَى جَمِيعِ الْمَرَاكِبِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْوَالِيَ الَّذِي فِي مَرْكَبِهِ.
[مَسْأَلَةٌ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزَاتِهِ]
(7447) مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزَاتِهِ، فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يُعْطَ لِغَزَاةٍ بِعَيْنِهَا، رَدَّ مَا فَضَلَ فِي الْغَزْوِ.
إذَا حَمَلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ فَهِيَ لَهُ حِينَ الرُّجُوعُ مِنْ الْغَزْوِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْغَزْوِ، لَمْ يَخْلُ؛ إمَّا أَنْ يُعْطَى لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا، فَإِنْ أُعْطِيَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَمَا فَضَلَ بَعْدَ الْغَزْوِ فَهُوَ لَهُ.
هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أُعْطِيَ شَيْئًا فِي الْغَزْوِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: إذَا بَلَغْت وَادِي الْقُرَى فَشَأْنَك بِهِ.
وَلِأَنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ، فَكَانَ الْفَاضِلُ لَهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ حَجَّةً بِأَلْفٍ.
وَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا لِيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا، فَفَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، أَنْفَقَهُ فِي غَزَاةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَمِيعَ لِيُنْفِقَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ، فَلَزِمَهُ إنْفَاقُ الْجَمِيعِ فِيهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ.
(7448) فَصْلٌ: وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَتْرُكُ لِأَهْلِهِ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْلِكُهُ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ، فَيَكُونَ كَهَيْئَةِ مَالِهِ، فَيَبْعَثَ إلَى عِيَالِهِ مِنْهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ، لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ عَنْ الْغَزْوِ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِمَا أَنْفَقَهُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلَاحًا، أَوْ آلَةَ الْغَزْوِ، فَإِنْ قَصَدَ إعْطَاءَهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَتَّخِذُ مِنْهُ سُفْرَةً فِيهَا طَعَامٌ، فَيُطْعِمَ مِنْهَا أَحَدًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُعْطِيَهَا لِيُنْفِقَهَا فِي جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ الْجِهَادُ.
[مَسْأَلَةٌ حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ فِي الْغَزْوِ]
(7449) مَسْأَلَةٌ وَإِذَا حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا رَجَعَ مِنْ الْغَزْوِ فَهِيَ لَهُ.
إلَّا أَنْ يَقُولَ: هِيَ حَبِيسٌ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ إلَّا أَنْ تَصِيرَ فِي حَالٍ لَا تَصْلُحُ فِيهِ لِلْغَزْوِ، فَتُبَاعَ، وَتُجْعَلَ فِي حَبِيسٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا ضَاقَ بِأَهْلِهِ، أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، جَازَ أَنْ يُبَاعَ، وَيُجْعَلَ فِي مَكَان يُنْتَفَعُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةَ إذَا أَبْدَلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا قَوْلُهُ:
حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ.
يَعْنِي أُعْطِيَهَا لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا، فَإِذَا غَزَا عَلَيْهَا، مَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُ النَّفَقَةَ الْمَدْفُوعَةَ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ عَارِيَّةً، فَتَكُونَ لِصَاحِبِهَا، أَوْ حَبِيسًا فَتَكُونَ حَبِيسًا بِحَالِهِ.
قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ
بِرُخْصٍ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ، لَوْلَا ذَلِكَ مَا بَاعَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ بَعْدَ الْغَزْوِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَهُ مِنْ عُمَرَ، ثُمَّ يُقِيمَهُ لِلْبَيْعِ فِي الْحَالِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بَعْدَ غَزْوِهِ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ نَحْوًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ.
وَسُئِلَ: مَتَى يَطِيبُ لَهُ الْفَرَسُ؟ قَالَ: إذَا غَزَا عَلَيْهِ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ الْعَدُوَّ جَاءَنَا فَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فِي الطَّلَبِ إلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ ثُمَّ رَجَعَ.
قَالَ: لَا، حَتَّى يَكُونَ غَزْوٌ.
قِيلَ لَهُ: فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: إذَا بَلَغْت وَادِي الْقُرَى، فَشَأْنُك بِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا غَزَا عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ.
وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا يَقُولُ: إنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي مَكَانِهِ.
وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى أَنْ يُنْتَفَعَ بِثَمَنِهِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: شَأْنَك بِهِ مَا أَرَدْت.
وَلَنَا، حَدِيثُ عُمَرَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا اشْتَرَطَ مَالِكٌ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ حَبِيسٌ.
فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَيَأْتِي شَرْحُ حُكْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي بَابِهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ (7450) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَرْكَبُ دَوَابَّ السَّبِيلِ فِي حَاجَةٍ، وَيَرْكَبُهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَرْكَبُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَهَا وَيَعْلِفَهَا، وَأَكْرَهُ سِيَاقَ الرَّمَكِ عَلَى الْفَرَسِ الْحَبِيسِ، وَسَهْمُ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ لِمَنْ غَزَا عَلَيْهِ، وَلَا يُبَاعُ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ، إذَا عَطِبَ يَصِيرُ لِلطَّحْنِ، وَيَصِيرُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ يُنْفَقُ ثَمَنُهُ عَلَى الدَّوَابِّ الْحَبِيسِ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ فَرَسًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ شِرَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ الثَّغْرِ، لِيَكُونَ تَوْسِعَةً عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ فِي الْجَلْبِ.
[مَسْأَلَةٌ لِلْإِمَامِ التَّصَرُّفُ فِي سَبَايَا الْحَرْبِ]
(7451) مَسْأَلَةٌ وَإِذَا سَبَى الْإِمَامُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ رَأَى قَتَلَهُمْ، وَإِنْ رَأَى مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ بِلَا عِوَضٍ، وَإِنْ رَأَى أَطْلَقَهُمْ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ رَأَى فَادَى بِهِمْ، وَإِنْ رَأَى اسْتَرَقَّهُمْ، أَيَّ ذَلِكَ رَأَى فِيهِ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ وَحَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَعَلَ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛
أَحَدُهَا، النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، وَيَصِيرُونَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ السَّبْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَسْتَرِقُّهُمْ إذَا سَبَاهُمْ.
الثَّانِي، الرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس الَّذِينَ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ؛ الْقَتْلُ، وَالْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْمُفَادَاةُ بِهِمْ، وَاسْتِرْقَاقُهُمْ.
الثَّالِثُ، الرِّجَالُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَيَتَخَيَّرُ، الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ الْقَتْلُ، أَوْ الْمَنُّ، وَالْمُفَادَاةُ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ.
وَعَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ كَمَذْهَبِنَا.
وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كَرَاهَةُ قَتْلِ الْأَسْرَى.
وَقَالُوا: لَوْ مَنَّ عَلَيْهِ أَوْ فَادَاهُ كَمَا صُنِعَ بِأُسَارَى بَدْرٍ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] . فَخَيَّرَ بَعْدَ الْأَسْرِ بَيْنَ هَذَيْنِ لَا غَيْرُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ شَاءَ ضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّهُمْ، لَا غَيْرُ، وَلَا يَجُوزُ مَنٌّ وَلَا فِدَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] . بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعِيَاضُ بْنُ عُقْبَةَ، يَقْتُلَانِ الْأُسَارَى.
وَلَنَا، عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] . وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، وَأَبِي عَزَّةَ الشَّاعِرِ، وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَقَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأَلَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَأَطْلَقْتهمْ لَهُ.
وَفَادَى أُسَارَى بَدْرٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةٍ، وَفَادَى يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ، وَصَاحِبَ الْعَضْبَاءِ بِرَجُلَيْنِ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ؛ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ وَالسَّبْعِمِائَةِ، وَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، صَبْرًا، وَقَتَلَ أَبَا عَزَّةَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهَذِهِ قَصَصٌ عَمَّتْ وَاشْتَهَرَتْ، وَفَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّاتٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهَا.
وَلِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ
قَدْ تَكُونُ أَصْلَحَ فِي بَعْضِ الْأَسْرَى، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَبَقَاؤُهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ
، فَقَتْلُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَفِدَاؤُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ، يُرْجَى إسْلَامُهُ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوْ مَعُونَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَخْلِيصِ أَسْرَاهُمْ، وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ
يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، فَاسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَالْإِمَامُ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوَّضَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] عَامٌّ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ، بَلْ يَنْزِلُ عَلَى مَا عَدَا الْمَخْصُوصَ، وَلِهَذَا لَمْ يُحَرِّمُوا اسْتِرْقَاقَهُ، فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، فَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ فِي الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَلَمْ يُقَرّ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَالْمُرْتَدِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٍ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ، فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا، وَمَتَى تَرَدَّدَ فِيهَا، فَالْقَتْلُ أَوْلَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَمِيرَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا يَقْتُلُ الْأَسْرَى: وَهُوَ أَفْضَلُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: الْإِثْخَانُ أَحَبُّ إلَيَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا يَطْمَعُ بِهِ فِي الْكَثِيرِ.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ]
(7452) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ صَارَ رَقِيقًا فِي الْحَالِ، وَزَالَ التَّخْيِيرُ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ النِّسَاءِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَفِي الْآخَرِ يَسْقُطُ الْقَتْلُ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ
لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عَلَامَ أُخِذْت وَأَخَذْت سَابِقَةُ الْحَاجِّ؛ فَقَالَ: أُخِذْت بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك مِنْ ثَقِيفٍ، فَقَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِي.
فَمَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ.
فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ: «لَوْ قُلْتهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك لَأَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ.
وَفَادَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلَيْنِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّهُ سَقَطَ الْقَتْلُ بِإِسْلَامِهِ، فَبَقِيَ بَاقِي الْخِصَالِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، فَصَارَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ، وَالْحَدِيثُ لَا يُنَافِي رِقَّهُ، فَقَدْ يُفَادَى بِالْمَرْأَةِ وَهِيَ رَقِيقٌ، كَمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَنَفَلَهُ امْرَأَةً، فَوَهَبَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَ بِهَا إلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي أَيْدِيهمْ أُسَارَى، فَفَدَاهُمْ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يُفَادَى بِهِ، وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، إلَّا بِإِذْنِ
الْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الْمَنُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَيْهِ، مَعَ كُفْرِهِ، فَمَعَ إسْلَامِهِ أَوْلَى، لِكَوْنِ الْإِسْلَامِ حَسَنَةً يَقْتَضِي إكْرَامَهُ، وَالْإِنْعَامَ عَلَيْهِ، لَا مَنْعَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ.
وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الْكُفَّارِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ عَشِيرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ فِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الرِّقِّ.
فَأَمَّا إنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَسْرِهِ، حَرُمَ قَتْلُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ وَالْمُفَادَاةُ بِهِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ وَهُوَ فِي حِصْنٍ، أَوْ جَوْفٍ، أَوْ مَضِيقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ بَعْدُ.
[فَصْلٌ سُؤَالُ الْأُسَارَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ الْجِزْيَةِ]
(7453) فَصْلٌ: فَإِنْ سَأَلَ الْأُسَارَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَخْلِيَتَهُمْ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا غَنِيمَةً بِالسَّبْيِ، وَأَمَّا الرِّجَالُ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَلَا يَزُولُ التَّخْيِيرُ الثَّابِتُ فِيهِمْ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا.
وَلَنَا أَنَّهُ بَدَلٌ لَا تَلْزَمُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ، فَلَمْ يَحْرُمْ قَتْلُهُمْ، كَبَدَلِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.
[فَصْلٌ أُسِرَ الْعَبْدُ فِي الْحَرْبِ]
(7454) فَصْلٌ: وَإِذَا أُسِرَ الْعَبْدُ صَارَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ اُسْتُوْلِيَ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِلْغَانِمِينَ، كَالْبَهِيمَةِ،
وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُ لِضَرَرٍ فِي بَقَائِهِ، جَازَ قَتْلُهُ
؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا قِيمَةَ لَهُ، فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ، وَأَمَّا مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ غَيْرَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، كَالشَّيْخِ وَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَالرَّاهِبِ، فَلَا يَحِلُّ سَبْيُهُمْ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ حَرَامٌ، وَلَا نَفْعَ فِي اقْتِنَائِهِمْ.
(7455) فَصْلٌ: ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا كَانَ مَوْلَى مُسْلِمٍ، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ تَفْوِيتَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ.
وَعَلَى قَوْلِهِ، لَا يَسْتَرِقُّ وَلَدُهُ أَيْضًا إذَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ مُعْتِقُهُ ذِمِّيًّا، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ، فَاسْتِرْقَاقُ مَوْلَاهُ أَوْلَى.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ جَوَازِ الِاسْتِرْقَاقِ قَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ، وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ، مَعَ كَوْنِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَسْبِيُّ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، لَمْ يَجُزْ فِيهِ سِوَى الِاسْتِرْقَاقِ، فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِيهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْقَتْلِ؛ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ الْوَلَاءَ، وَهُوَ جَائِزٌ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِذِمِّيٍّ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ سَيِّدَهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ، وَلَا تَفْوِيتُ حُقُوقِهِ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا.
[مَسْأَلَة سَبِيل مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ فِي الْحَرْبُ]
(7456) مَسْأَلَةٌ: وَسَبِيلُ مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ، وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ عَلَى إطْلَاقِهِمْ، سَبِيلُ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ يَعْنِي مَنْ صَارَ مِنْهُمْ رَقِيقًا بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ، أَوْ فُودِيَ بِمَالٍ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ، يُخَمَّسُ ثُمَّ يُقْسَمُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ فِدَاءَ أُسَارَى بَدْرٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَلِأَنَّهُ مَالٌ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَشْبَهَ الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْأَسْرُ لَمْ يَكُنْ لِلْغَانِمِينَ فِيهِ حَقٌّ، فَكَيْفَ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِبَدَلِهِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ فِي الِاسْتِرْقَاقِ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا، فَإِذَا صَارَ مَالًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَانِمِينَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَسَرُوهُ وَقَهَرُوهُ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، إذَا قُتِلَ قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْخِيَارُ، فَإِذَا اخْتَارُوا الدِّيَةَ، تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهَا.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِرْقَاقُ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ دُونَ الرِّجَالِ]
(7457) مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ اسْتِرْقَاقُهُمْ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مَجُوسًا، وَأَمَّا مَا سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْعَدُوِّ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ بَالِغِي رِجَالِهِمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ أَوْ الْفِدَاءُ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ رِجَالِهِمْ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
(7458) فَصْلٌ: فَأَمَّا النِّسَاءُ وَالصَّبِيَّانِ، فَيَصِيرُونَ رَقِيقًا بِالسَّبْيِ.
وَمَنَعَ أَحْمَدُ مِنْ فِدَاءِ النِّسَاءِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِنَّ تَعْرِيضًا لَهُنَّ لِلْإِسْلَامِ، لِبَقَائِهِنَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَوَّزَ أَنْ يُفَادَى بِهِنَّ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَادَى بِالْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْقَاذَ مُسْلِمٍ مُتَحَقِّقٍ إسْلَامُهُ، فَاحْتَمَلَ تَفْوِيتَ غَرَضِيَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ احْتِمَالُ فَوَاتِهَا، لِتَحْصِيلِ الْمَالِ.
فَأَمَّا الصِّبْيَانُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُفَادَى بِهِمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ سَابِيه، فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الْمُشْرِكِينَ.
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا أَسْلَمَتْ لَمْ يَجُزْ رَدُّهَا إلَى الْكُفَّارِ بِفِدَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10] . وَلِأَنَّ فِي رَدِّهَا إلَيْهِمْ تَعْرِيضًا لَهَا لِلرُّجُوعِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَاسْتِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ مِنْهَا.
وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِإِسْلَامِهِ، كَاَلَّذِي سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ، لَمْ يَجُزْ فِدَاؤُهُ بِمَالِ.
وَهَلْ يَجُوزُ فِدَاؤُهُ بِمُسْلِمٍ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ لِكَافِرٍ]
(7459) فَصْلٌ: وَلَمْ يُجَوِّزْ أَحْمَدُ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ لِكَافِرٍ، سَوَاءٌ كَانَ الرَّقِيقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْتَرُوا مِمَّا سَبَى الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا.
قَالَ: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى عَنْهُ أُمَرَاءَ الْأَمْصَارِ.
هَكَذَا حَكَى أَهْلُ الشَّامِ، وَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ابْتِدَائِهِ، كَالْمُسْلِمِ.
وَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لِلْإِسْلَامِ الَّذِي يَظْهَرُ وُجُودُهُ، فَإِنَّهُ إذَا بَقِيَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ إسْلَامُهُ، فَيَفُوتُ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ لِكَافِرٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَقِيقًا لِكَافِرٍ فِي ابْتِدَائِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ هَذِهِ الْغَرَضِيَّةُ، وَالدَّوَامُ يُخَالِفُ الِابْتِدَاءَ لِقُوَّتِهِ.
[فَصْلٌ أَسَرَ أَسِيرًا فِي الْحَرْبِ]
(7460) فَصْلٌ: وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ أَسِيرًا، فَالْخِيرَةُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدْ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَقْتُلُ أَسِيرَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَالِي.
فَمَفْهُومُهُ أَنَّ لَهُ قَتْلَ أَسِيرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ ابْتِدَاءً، فَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ دَوَامًا، كَمَا لَوْ هَرَبَ مِنْهُ أَوْ قَاتَلَهُ.
فَإِنْ امْتَنَعَ الْأَسِيرُ أَنْ يَنْقَادَ مَعَهُ، فَلَهُ إكْرَاهُهُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إكْرَاهُهُ، فَلَهُ قَتْلُهُ.
وَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَ هَرَبَهُ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا.
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الِانْقِيَادِ مَعَهُ، لِجُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا.
وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ قَتْلِهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، كَمَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ، فَتَعَيَّنَ الْقَتْلُ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ إذَا أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ، وَكَجَرِيحِهِمْ إذَا لَمْ يَأْسِرْهُ.
فَأَمَّا أَسِيرُ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَتَعَاطَيَنَّ أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ إذَا أَخَذَهُ فَيَقْتُلُهُ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
فَإِنْ قَتَلَ أَسِيرَهُ، أَوْ أَسِيرَ غَيْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَسَاءَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ غَرِمَ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَ امْرَأَةً
وَلَنَا، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، أَسَرَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَابْنَهُ عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَآهُمَا بِلَالٌ، فَاسْتَصْرَخَ الْأَنْصَارَ عَلَيْهِمَا حَتَّى قَتَلُوهُمَا، وَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا.
وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَمْ يَغْرَمْهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ، فَلَمْ يَغْرَمْهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ كَلْبًا، فَأَمَّا إنْ قَتَلَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، غَرِمَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ.
[فَصْلٌ أُسِرَ فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا]
(7461) فَصْلٌ: وَمَنْ أُسِرَ فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا الظَّاهِرُ خِلَافُهُ، يَتَعَلَّقُ بِهِ إسْقَاطُ
حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ، حَلَفَ مَعَهُ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ.
وَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يُفْدَى، أَوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ» فَقَبِلَ شَهَادَةَ عَبْدَ اللَّهِ وَحْدَهُ.
[مَسْأَلَةٌ يُنَفِّلُ الْإِمَامُ وَمَنْ اسْتَخْلَفَهُ]
(7462) مَسْأَلَةٌ: (وَيُنَفِّلُ الْإِمَامُ وَمَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَدَأَتْهُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي رَجْعَتِهِ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ) النَّفَلُ زِيَادَةٌ تُزَادُ عَلَى سَهْمِ الْغَازِي، وَمِنْهُ نَفْلُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَا زِيدَ عَلَى الْفَرْضِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: 72] . كَأَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ وَلَدًا، فَأَعْطَاهُ مَا سَأَلَ وَزَادَهُ وَلَدَ الْوَلَدِ، وَالْمُرَادُ بِالْبِدَايَةِ هَا هُنَا، ابْتِدَاءُ دُخُولِ الْحَرْبِ، وَالرَّجْعَةِ رُجُوعُهُ عَنْهَا.
وَالنَّفَلُ فِي الْغَزْوِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا، بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّةً تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَمَا قَدِمَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ مِنْ شَيْءٍ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهُمْ، وَهُوَ رُبْعُ الْبَاقِي، وَذَلِكَ خُمُسٌ آخَرُ، ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةُ مَعَهُ.
فَإِذَا قَفَلَ، بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَجَعَلَ لَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَمَا قَدِمَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ، ثُمَّ قَسَمَ سَائِرَهُ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةُ مَعَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَالْحَسَنُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] فَخَصَّهُ بِهَا، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمَالِكٌ يَقُولَانِ: لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخْرَجُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَعْطَاهُمْ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ الَّتِي هِيَ لَهُمْ، لَمْ يَكُنْ نَفْلًا، وَكَانَ مِنْ سِهَامِهِمْ
وَلَنَا مَا رَوَى حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدَاءَةَ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» . وَفِي لَفْظٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إذَا قَفَلَ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبُعَ، وَفِي الْقُفُولِ الثُّلُثَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَفِّلُهُمْ إذَا خَرَجُوا بَادِينَ الرُّبُعَ وَيُنَفِّلُهُمْ إذَا قَفَلُوا الثُّلُثَ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي قَوْمِهِ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ لَك أَنْ تَأْتِيَ الْكُوفَةَ، وَلَك الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ وَشَيْءٍ؟ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُنَفِّلُ السَّرِيَّةَ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ يُغْرِيهِمْ بِذَلِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَإِنَّ مَكْحُولًا قَالَ لَهُ حِينَ قَالَ: لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: شَغَلَك أَكْلُ الزَّبِيبِ بِالطَّائِفِ.
وَمَا ثَبَتَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِهِ دَلِيلٌ.
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ بَعِيرًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ، يَكُونُ جُزْءًا مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَخُمُسُ الْخُمُسِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَجُزْءٌ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَكْثَرُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ أَقَلَّ مِنْهُ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ إذَا كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ، وَالْبَعِيرُ مِنْهَا ثُلُثُ الْخُمُسِ، فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ أَخْذُ ثُلُثِ الْخُمُسِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ؟ فَهَذَا مُحَالٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ أَنَّ النَّفَلَ كَانَ لِلسَّرِيَّةِ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ.
عَلَى أَنَّ مَا رَوَيْنَاهُ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ، فَلَا يُعَارَضُ بِشَيْءٍ مُسْتَنْبَطٍ، يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَنْ اسْتَنْبَطَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ هَذَا النَّفَلَ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَهُ لَهُمْ فَلَا، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبُعَ، وَفِي الرُّجُوعِ الثُّلُثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَاكَ إذَا نَفَلَ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُنَفِّلَهُمْ شَيْئًا، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُنَفِّلَهُمْ دُونَ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُمْ شَيْئًا، جَازَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ يَسِيرًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَدَّ لِلنَّفْلِ، بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ مَرَّةً الثُّلُثَ، وَأُخْرَى الرُّبُعَ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: نَفَلَ نِصْفَ السُّدُسِ.
فَهَذَا يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْلِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُهُ الْإِمَامُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْكُولًا إلَى اجْتِهَادِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ نَفْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إلَى الثُّلُثِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَقَلِّ النَّفْلِ حَدٌّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، عَلَى أَنَّ هَذَا
الْقَوْلَ مَعَ قَوْلِهِ: أَنَّ النَّفَلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ تَنَاقَضَ.
فَإِنْ شَرَطَ لَهُمْ الْإِمَامُ زِيَادَةً عَلَى الثُّلُثِ، رُدُّوا إلَيْهِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْرِطَ النِّصْفَ، فَإِنْ زَادَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَلْيَفِ لَهُمْ بِهِ، وَيَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ.
وَإِنَّمَا زِيدَ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْبَدَاءَةِ فِي النَّفْلِ؛ لِمَشَقَّتِهَا، فَإِنَّ الْجَيْشَ فِي الْبَدَاءَةِ رِدْءٌ لِلسَّرِيَّةِ، تَابِعٌ لَهَا، وَالْعَدُوُّ خَائِفٌ، وَرُبَّمَا كَانَ غَارًّا، وَفِي الرَّجْعَةِ لَا رِدْءَ لِلسَّرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ مُنْصَرِفٌ عَنْهُمْ، وَالْعَدُوَّ مُسْتَيْقِظٌ كَلِبٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِي الْبَدَاءَةِ إذَا كَانَ ذَاهِبًا الرُّبُعُ، وَفِي الْقَفْلَةِ إذَا كَانَ فِي الرُّجُوعِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَاقُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ، فَهَذَا أَكْبَرُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يُنَفِّلَ الْإِمَامُ بَعْضَ الْجَيْشِ؛ لِغَنَائِهِ وَبَأْسِهِ وَبَلَائِهِ، أَوْ لِمَكْرُوهٍ تَحَمَّلَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ.
قَالَ أَحْمَدُ: فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُهُ الْأَمِيرُ يَكُونُ طَلِيعَةً، أَوْ عِنْدَهُ، يَدْفَعُ إلَيْهِ رَأْسًا مِنْ السَّبْيِ أَوْ دَابَّةً، قَالَ: إذَا كَانَ رَجُلٌ لَهُ غَنَاءٌ، وَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمْ، يُحَرَّضُ هُوَ وَغَيْرُهُ، يُقَاتِلُونَ وَيَغْنَمُونَ.
وَقَالَ: إذَا نَفَّذَ الْإِمَامُ صَبِيحَةَ الْمَغَارِ الْخَيْلَ، فَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ، فَلِلْوَالِي أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءُوا بِشَيْءٍ دُونَ هَؤُلَاءِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ إعْطَاءَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَحُجَّةُ هَذَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ قَالَ: أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إبِلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَّبَعْتهمْ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ فَبَيَّتْنَا عَدُوَّنَا، فَقَتَلْت لَيْلَتئِذٍ تِسْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ وَأَخَذْت مِنْهُمْ امْرَأَةً، فَنَفَلَنِيهَا أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَةَ، اسْتَوْهَبَهَا مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَهَبْتهَا لَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَقُولَ الْأَمِيرُ: مَنْ طَلَعَ هَذَا الْحِصْنَ، أَوْ هَدَمَ هَذَا السُّورَ، أَوْ نَقَبَ هَذَا النَّقْبَ، أَوْ فَعَلَ كَذَا، فَلَهُ كَذَا.
أَوْ: مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ، فَلَهُ كَذَا.
فَهَذَا جَائِزٌ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرِ دَوَابَّ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ، فَلَهُ وَاحِدٌ.
فَمَنْ جَاءَ بِخَمْسَةٍ أَعْطَاهُ نِصْفَ مَا قَالَ لَهُمْ، وَمَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ أَعْطَاهُ بِقَدْرِهِ.
قِيلَ لَهُ: إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعِلْجٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا.
فَجَاءَ بِعِلْجٍ، يَطِيبُ لَهُ مَا يُعْطَى؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ هَذَا الْقَسْمَ، وَلَمْ يَرَهُ، وَقَالَ: قِتَالُهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إنَّمَا هُوَ لِلدُّنْيَا.
وَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ:
لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . إلَّا بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبٍ، وَعُبَادَةَ، وَمَا شَرَطَهُ عُمَرُ، لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . وَلِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً وَتَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ، فَجَازَ، كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ، وَزِيَادَةِ السَّهْمِ لِلْفَارِسِ، وَاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا جَعَلَ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ.
قُلْنَا: قَوْلُهُ ذَلِكَ ثَابِتُ الْحُكْمِ فِيمَا يَأْتِي مِنْ الْغَزَوَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالْمَشْرُوطِ فِي أَوَّلِ الْغَزَاةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ هَذَا، إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ، كَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ وَالْحَافِظِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ النَّفَلَ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ.
وَذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّهُ لَا نَفْلَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهَا، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ.
وَلَنَا، حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَعُبَادَةَ، وَجَرِيرٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهُمْ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا غَنِمُوهُ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ، فَجَازَ النَّفَلُ فِيهِ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَأَمَّا الْقَاتِلُ، فَإِنَّمَا نَفْلُ السَّلَبِ، وَلَيْسَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ مِنْ السَّلَبِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرَ مَا جُعِلَ لَهُ.
[فَصْلٌ رَجَعَ إلَى السَّاقَةِ فِي الْجِهَاد]
(7463) فَصْلٌ: نَقَلَ أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إذَا قَالَ مَنْ رَجَعَ إلَى السَّاقَةِ فَلَهُ دِينَارٌ، وَالرَّجُلُ يَعْمَلُ فِي سِيَاقَةِ الْغَنَمِ قَالَ لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ يَفْعَلُونَ هَذَا، وَقَدْ يَكُونُ فِي رُجُوعِهِمْ إلَى السَّاقَةِ وَسِيَاقَةِ الْغَنَمِ مَنْفَعَةٌ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ أَغَارَ عَلَى قَرْيَةٍ، فَنَزَلَ فِيهَا وَالسَّبْيُ وَالدَّوَابُّ وَالْخُرْثِيُّ مَعَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ جَمْعِهِ الْكَسَلُ، لَا يَخَافُونَ عَلَيْهِ الْعَدُوَّ، فَيَقُولُ الْإِمَامُ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ، فَلَهُ ثَوْبٌ، وَلِمَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ رَأْسٌ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعَدْلٍ مِنْ دَقِيقِ الرُّومِ، فَلَهُ دِينَارٌ، يُرِيدهُ لِطَعَامِ السَّبْيِ، مَا تَرَى فِي أَخْذِ الدِّينَارِ؟ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا.
قِيلَ فَالْإِمَامُ يُخْرِجُ السَّرِيَّةَ وَقَدْ نَفَلَهُمْ جَمِيعًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْمَغَارِ، نَادَى: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ، فَلَهُ رَأْسٌ، وَمَنْ جَاءَ بِكَذَا، فَلَهُ كَذَا، فَيَذْهَبُ النَّاسُ فَيَطْلُبُونَ، فَمَا تَرَى فِي هَذَا النَّفْلِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إذَا كَانَ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ الثُّلُثَ.
قُلْت: فَلَا بَأْسَ بِنَفَلَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ الثُّلُثَ، غَيْرَ مَرَّةٍ سَمِعْته يَقُولُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ لِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ أَنْ يَبْذُلَا جَعَلَا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ]
(7464) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ أَنْ يَبْذُلَا جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، مِثْلَ طَرِيقِ سَهْلٍ، أَوْ مَاءٍ فِي مَفَازَةٍ، أَوْ قَلْعَةٍ يَفْتَحُهَا، أَوْ مَالٍ يَأْخُذُهُ، أَوْ عَدُوٍّ يُغِيرُ عَلَيْهِ، أَوْ ثُغْرَةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِي مَصْلَحَةٍ، فَجَازَ، كَأُجْرَةِ الدَّلِيلِ، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ.
وَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلُ بِفِعْلِ مَا جُعِلَ لَهُ الْجُعْلُ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، مِنْ الْجَيْشِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ جُعِلَ لَهُ الْجُعْلُ مِمَّا فِي يَدِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهَا جَعَالَةٌ بِعِوَضٍ مِنْ مَالٍ مَعْلُومٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كَالْجَعَالَةِ فِي رَدِّ الْآبِقِ، وَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، جَهَالَةً لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، وَلَا تُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلسَّرِيَّةِ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ مِمَّا غَنِمُوهُ، وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ كُلَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَالْجَعَالَةُ إنَّمَا تَجُوزُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
فَإِنْ جَعَلَ لَهُ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً إنْ دَلَّهُ عَلَى قَلْعَةٍ يَفْتَحُهَا، مِثْلُ أَنَّ جَعَلَ لَهُ بِنْتَ رَجُلٍ عَيَّنَهُ مِنْ أَهْلِ الْقَلْعَةِ، لَمْ يَسْتَحِقّ شَيْئًا حَتَّى يَفْتَحَ الْقَلْعَةَ؛ لِأَنَّ جَعَالَةَ شَيْءٍ مِنْهُ اقْتَضَتْ اشْتِرَاطَ فَتْحِهَا، فَإِذَا فُتِحَتْ الْقَلْعَةُ عَنْوَةً، سُلِّمَتْ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَإِنَّهَا عَصَمَتْ نَفْسَهَا بِإِسْلَامِهَا، فَتَعَذَّرَ دَفْعُهَا إلَيْهِ، فَتُدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَتُهَا.
فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ، فَجَاءَهُ نِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ، مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْ رَدِّهِنَّ.
وَلَوْ كَانَ الْجُعْلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْقَلْعَةِ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، عَصَمَ أَيْضًا نَفْسَهُ، وَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الْجُعْلِ قِيمَتُهُ.
وَإِنْ كَانَ إسْلَامُ الْجَارِيَةِ أَوْ الرَّجُلِ بَعْدَ أَسْرِهِمْ، سُلِّمَا إلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَلَهُ قِيمَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَبْتَدِئُ الْمِلْكَ عَلَى مُسْلِمٍ.
وَإِنْ مَاتَا قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عُلِّقَ حَقُّهُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَقَدْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَسَقَطَ حَقُّهُ، كَالْوَدِيعَةِ.
وَفَارَقَ مَا إذَا أَسْلَمَا، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمَا مُمْكِنٌ، لَكِنْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ صُلْحًا، فَاسْتَثْنَى الْإِمَامُ الْجَارِيَةَ وَالرَّجُلَ، وَسُلَّمِهِمَا صَحَّ، وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا، طُلِبَ الْجُعْلُ مِنْ صَاحِبِ الْقَلْعَةِ، وَبُذِلَتْ لَهُ قِيمَتُهُمَا، فَإِنْ سُلِّمَا إلَى الْإِمَامِ، سَلَّمَهُمَا إلَى صَاحِبِهِمَا، وَإِنْ أَبَى، عُرِضَ عَلَى مُشْتَرِطِهِمَا قِيمَتُهُمَا، فَإِنْ أَخَذَهَا، أُعْطِيَهَا وَتَمَّ الصُّلْحُ، وَإِنْ أَبَى، فَقَالَ الْقَاضِي: يُفْسَخُ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ قَدْ تَعَذَّرَ إمْضَاءُ الصُّلْحِ فِيهِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْجُعْلِ سَابِقٌ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّلْحِ.
وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ أَنْ يُحَصِّنَهَا مِثْلَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْضِيَ الصُّلْحُ، وَتُدْفَعَ إلَى صَاحِبِ الْجُعْلِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ دَفْعُهُ إلَيْهِ مَعَ بَقَائِهِ، فَدُفِعَتْ إلَيْهِ قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الْجُعْلُ قَبْلَ الْفَتْحِ، أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ وَصَاحِبُ الْجُعْلِ كَافِرٌ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْجُعْلِ سَابِقٌ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّ الْمَفْسَدَةَ فِي فَسْخِ
الصُّلْحِ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَعُودُ عَلَى الْجَيْشِ كُلِّهِ، وَرُبَّمَا عَادَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فِي كَوْنِ هَذِهِ الْقَلْعَةِ يَتَعَذَّرُ فَتْحُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَبْقَى ضَرَرُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يَجُوزُ تَحَمُّلُ هَذِهِ الْمُضِرَّةِ لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عَنْ وَاحِدٍ، فَإِنَّ ضَرَرَ صَاحِبِ الْجُعْلِ إنَّمَا هُوَ فِي فَوَاتِ عَيْنِ الْجُعْلِ، وَتَفَاوُتُ مَا بَيْنَ عَيْنِ الشَّيْءِ وَقِيمَتِهِ يَسِيرٌ، سِيَّمَا وَهُوَ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَمُرَاعَاةُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ بِدَفْعِ الضَّرَرِ الْكَثِيرِ عَنْهُمْ، أَوْلَى مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي مَنْ وَجَدَ مَالَهُ قَبْلَ قَسْمِهِ: فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ قَسْمِهِ، لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا بِثَمَنِهِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الضَّرَرِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ، أَوْ حِرْمَانِ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي سَهْمِهِ.
[فَصْلٌ النَّفَلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ]
(7465) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: وَالنَّفَلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ.
هَذَا قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَفُقَهَاءِ الشَّامِ؛ مِنْهُمْ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَعُبَادَةَ بْنُ نُسَيٍّ، وَعَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ، وَمَكْحُولٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، وَيَحْيَى بْنُ جَابِرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالنَّاسُ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا.
قَالَ أَحْمَدُ: وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولَانِ: لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ.
فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمَا هَذَا مَعَ عِلْمِهِمَا، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَطَائِفَةٌ: إنْ شَاءَ الْإِمَامُ نَفَلَهُمْ قَبْلَ الْخُمُسِ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: وَإِنَّمَا النَّفَلُ قَبْلَ الْخُمُسِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ.
وَلَنَا مَا رَوَى مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَقُولُ: «لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَهَذَا صَرِيحٌ.
وَحَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ» . وَحَدِيثُ جَرِيرٍ حِينَ قَالَ لَهُ عُمَرُ وَلَك الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَلَ الثُّلُثَ، وَلَا يَتَصَوَّرُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْخُمُسِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] . يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْخُمُسُ خَارِجًا مِنْ الْغَنِيمَةِ كُلِّهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْبٌ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ، وَابْتُعِثَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْجَيْشِ، فَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا بَعِيرًا، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا» .
فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَفْلُهُمْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ، كَمَا تُنْفَلَ السَّرَايَا.
وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَى جَمِيعَ الْجَيْشِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَفْلًا، وَكَانَ قَدْ قَسَمَ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ