المغني لابن قدامةصفحات 152-191
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 152-191
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[فَصْلٌ فَعَلَ الْمُحَارِبُ مَا يُوجِبُ حَدًّا لَا يَخْتَصُّ بِالْمُحَارَبَةِ]

(7328) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَ الْمُحَارِبُ مَا يُوجِبُ حَدًّا لَا يَخْتَصُّ الْمُحَارَبَةَ؛ كَالزِّنَا، وَالْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهَا حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَسَقَطَتْ بِالتَّوْبَةِ، كَحَدِّ الْمُحَارَبَةِ، إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ؛ وَلِأَنَّ فِي إسْقَاطِهَا تَرْغِيبًا فِي التَّوْبَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ الْمُحَارَبَةَ، فَكَانَتْ فِي حَقِّهِ كَهِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَإِنْ أَتَى حَدًّا قَبْلَ الْمُحَارَبَةِ، ثُمَّ حَارَبَ وَتَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِهَا الذَّنْبُ الَّذِي تَابَ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ.

[فَصْلٌ تَابَ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ وَأَصْلَحَ]

(7329) فَصْلٌ: وَإِنْ تَابَ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ، وَأَصْلَحَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] . وَذَكَرَ حَدَّ السَّارِقِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» . وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي مَاعِزٍ لَمَّا أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، كَحَدِّ الْمُحَارِبِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وَهَذَا عَامٌّ فِي التَّائِبِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ، وَقَطَعَ الَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، وَقَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ يَطْلُبُونَ التَّطْهِيرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَهُمْ تَوْبَةً، فَقَالَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» . وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ سَمُرَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي سَرَقْت جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ، فَطَهِّرْنِي.
وَقَدْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدَّ عَلَيْهِمْ.
وَلِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ؛ وَلِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ، كَالْمُحَارِبِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِسُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ، فَهَلْ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، أَوْ بِهَا مَعَ إصْلَاحِ الْعَمَلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛

أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِهَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهَا تَوْبَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْحَدِّ، فَأَشْبَهَتْ تَوْبَةَ الْمُحَارِبِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ الْعَمَلِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] . وَقَالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتِهِ، وَصَلَاحُ نِيَّتِهِ، وَلَيْسَتْ مُقَدَّرَةً بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: مُدَّةُ ذَلِكَ سَنَةٌ.
وَهَذَا تَوْقِيتٌ، بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، فَلَا يَجُوزُ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الرِّدْءِ مِنْ الْقُطَّاعِ]

(7330) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الرِّدْءِ مِنْ الْقُطَّاعِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَى الرِّدْءِ إلَّا التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعِينِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
وَلَنَا أَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُحَارَبَةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرِّدْءُ وَالْمُبَاشِرُ، كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَنَعَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُبَاشِرُ مِنْ فِعْلِهِ إلَّا بِقُوَّةِ الرِّدْءِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، ثَبَتَ حُكْمُ الْقَتْلِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ، فَيَجِبُ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ.
وَإِنْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ الْمَالَ، جَازَ قَتْلُهُمْ وَصَلْبُهُمْ، كَمَا لَوْ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.

[فَصْلٌ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ كَانَ فِيهِمْ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ]

(7331) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَبِيٌّ، أَوْ مَجْنُونٌ، أَوْ ذُو رَحِمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ غَيْرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَيَصِيرُ الْقَتْلُ لِلْأَوْلِيَاءِ، إنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، فَالشُّبْهَةُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ شُبْهَةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ.
وَلَنَا أَنَّهَا شُبْهَةٌ اخْتَصَّ بِهَا وَاحِدٌ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ الْبَاقِينَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَكُوا فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ.
فَعَلَى هَذَا، لَا حَدَّ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَإِنْ بَاشَرَا الْقَتْلَ وَأَخَذَا الْمَالَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْحُدُودِ، وَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا أَخَذَا مِنْ الْمَالِ فِي أَمْوَالِهِمَا، وَدِيَةُ قَتِيلِهِمَا عَلَى عَاقِلَتِهِمَا، وَلَا شَيْءَ عَلَى الرِّدْءِ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِلْمُبَاشِرِ، لَمْ يَثْبُتْ لِمَنْ هُوَ تَبَعٌ لَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ غَيْرَهُمَا، لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ الرِّدْءِ ثَبَتَ بِالْمُحَارَبَةِ.

[فَصْلٌ كَانَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فِيهِمْ امْرَأَةٌ]

(7332) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ امْرَأَةٌ، ثَبَتَ فِي حَقِّهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ، فَمَتَى قَتَلَتْ وَأَخَذَتْ الْمَالَ، فَحَدُّهَا حَدُّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.

وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَلَا عَلَى مَنْ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْمُحَارَبَةِ، كَالرَّجُلِ، فَأَشْبَهَتْ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ.
وَلَنَا أَنَّهَا تُحَدُّ فِي السَّرِقَةِ، فَيَلْزَمُهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ كَالرَّجُلِ، وَتُخَالِفُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ؛ وَلِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ يَلْزَمُهَا الْقِصَاصُ وَسَائِرُ الْحُدُودِ، فَلَزِمَهَا هَذَا الْحَدُّ، كَالرَّجُلِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهَا إنْ بَاشَرَتْ الْقَتْلَ، أَوْ أَخْذَ الْمَالِ، ثَبَتَ حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ فِي حَقِّ مَنْ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُمْ رِدْءٌ لَهَا.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهَا، ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهَا؛ لِأَنَّهَا رِدْءٌ لَهُ، كَالرَّجُلِ سَوَاءً.
وَإِنْ قَطَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الطَّرِيقَ، أَوْ كَانَ مَعَ الْمُحَارِبِينَ الْمُسْلِمِينَ ذِمِّيٌّ، فَهَلْ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ بِذَلِكَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ.
حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ.
حَكَمْنَا عَلَيْهِمْ بِمَا نَحْكُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

[فَصْلٌ أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْمَالَ وَأُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى]

(7333) فَصْلٌ: وَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْمَالَ، وَأُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَتْ الْأَمْوَالُ مَوْجُودَةً، رُدَّتْ إلَى مَالِكِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً أَوْ مَعْدُومَةً، وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى آخِذِهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: أَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَالِفَةً، لَمْ يَلْزَمْهَا غَرَامَتُهَا، كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَسْرُوقِ إذَا قُطِعَ السَّارِقُ.
وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّرِقَةِ.
وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخِذِ دُونَ الرِّدْءِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الضَّمَانِ لَيْسَ بِحَدٍّ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُبَاشِرِ لَهُ، كَالْغَصْبِ وَالنَّهْبِ، وَلَوْ تَابَ الْمُحَارِبُونَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِمْ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ؛ مِنْ الْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ، لَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الرِّدْءِ لِذَلِكَ، وَلَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ فِي السَّرِقَةِ، لَتَعَلَّقَ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الرِّدْءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.

[فَصْلٌ اجْتَمَعَتْ الْحُدُودُ لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ]

(7334) فَصْلٌ: إذَا اجْتَمَعَتْ الْحُدُودُ، لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ الْقِسَمُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى، فَهِيَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ، مِثْلَ أَنْ يَسْرِقَ، وَيَزْنِيَ وَهُوَ مُحْصَنٌ، وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَيَقْتُلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَهَذَا يُقْتَلُ، وَيَسْقُطُ سَائِرُهَا.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَوْفَى جَمِيعُهَا؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ مَعَ غَيْرِ الْقَتْلِ، وَجَبَ مَعَ الْقَتْلِ، كَقَطْعِ الْيَدِ قِصَاصًا.
وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ، أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ، أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ يَكْفِيهِ الْقَتْلُ.

وَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ انْتَشَرَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهَا حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا قَتْلٌ، فَسَقَطَ مَا دُونَهُ، كَالْمُحَارِبِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِقَتْلِهِ، وَلَا يُقْطَعُ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ تُرَادُ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ، وَمَعَ الْقَتْلِ لَا حَاجَةَ إلَى زَجْرِهِ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَلَا يُشْرَعْ.
وَيُفَارِقُ الْقِصَاصَ؛ فَإِنَّ فِيهِ غَرَضَ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ، وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ مُجَرَّدُ الزَّجْرِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّجْمَ وَالْقَتْلَ لِلْمُحَارَبَةِ، أَوْ الْقَتْلَ لِلرِّدَّةِ، أَوْ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ لِلْمُحَارَبَةِ، وَيَسْقُطَ الرَّجْمُ؛ لِأَنَّ فِي الْقَتْلِ لِلْمُحَارَبَةِ حَقَّ آدَمِيٍّ فِي الْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا أَثَّرَتْ الْمُحَارَبَةُ فِي تَحْرِيمِهِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ، فَإِنَّ جَمِيعَهَا يُسْتَوْفَى مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ، فَإِذَا شَرِبَ وَزَنَى وَسَرَقَ، حُدَّ لِلشُّرْبِ أَوَّلًا، ثُمَّ حُدَّ لِلزِّنَا، ثُمَّ قُطِعَ لِلسَّرِقَةِ.
وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ، قُطِعَ لِذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَطْعُ لِلسَّرِقَةِ؛ وَلِأَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعَيْنِ وَاحِدٌ، فَتَدَاخَلَا، كَالْقَتْلَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبُدَاءَةِ بِحَدِّ الزِّنَا وَقَطْعِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُحَدُّ لِلشُّرْبِ.
وَلَنَا أَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أَخَفُّ، فَيُقَدَّمُ، كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، فِي السُّنَّةِ، وَمُجْمَعٍ عَلَى وُجُوبِهِ، وَهَذَا التَّقْدِيمُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ.
وَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِهِ، جَازَ وَوَقَعَ الْمَوْقِعَ.
وَلَا يُوَالِي بَيْنَ هَذِهِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ، بَلْ مَتَى بَرِئَ مِنْ حَدٍّ أُقِيمَ الَّذِي يَلِيهِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْحُدُودُ الْخَالِصَةُ لِلْآدَمِيِّ، وَهُوَ الْقِصَاصُ، وَحَدُّ الْقَذْفِ، فَهَذِهِ تُسْتَوْفَى كُلُّهَا، وَيُبْدَأُ بِأَخَفِّهَا، فَيُحَدُّ لِلْقَذْفِ، ثُمَّ يُقْطَعُ، ثُمَّ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِلْآدَمِيِّينَ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا، فَوَجَبَ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِمْ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَدْخُلُ مَا دُونَ الْقَتْلِ فِيهِ، احْتِجَاجًا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَلَنَا أَنَّ مَا دُونَ الْقَتْلِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ كَذُنُوبِهِمْ، وَفَارَقَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَجْتَمِعَ حُدُودُ اللَّهِ وَحُدُودُ الْآدَمِيِّينَ، وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ، فَهَذِهِ تُسْتَوْفَى كُلُّهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ حَدَّيْ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ يَتَدَاخَلَانِ، لِاسْتِوَائِهِمَا، فَهُمَا كَالْقَتْلَيْنِ وَالْقَطْعَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّهُمَا حَدَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ، لَا يَفُوتُ بِهِمَا الْمَحَلُّ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا، كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَلَا نُسَلِّمُ اسْتِوَاءَهُمَا،

فَإِنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أَرْبَعُونَ وَحَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ، وَإِنْ سُلِّمَ اسْتِوَاؤُهُمَا، لَمْ يَلْزَمْ تَدَاخُلُهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ اقْتَضَى تَدَاخُلَهُمَا، لَوَجَبَ دُخُولُهُمَا فِي حَدِّ الزِّنَا؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ مِمَّا يَتَدَاخَلُ يَدْخُلُ فِي الْأَكْثَرِ، وَفَارَقَ الْقَتْلَيْنِ وَالْقَطْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَفُوتُ بِالْأَوَّلِ، فَيَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الثَّانِي وَهَذَا بِخِلَافِهِ.
فَعَلَى هَذَا، يُبْدَأُ بِحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَعْنَيَانِ: خِفَّتُهُ، وَكَوْنُهُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ شَحِيحٍ إلَّا إذَا قُلْنَا: حَدُّ الشُّرْبِ أَرْبَعُونَ.
فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ؛ لِخِفَّتِهِ، ثُمَّ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَأَيُّهُمَا قُدِّمَ، فَالْآخَرُ يَلِيهِ، ثُمَّ بِحَدِّ الزِّنَا؛ فَإِنَّهُ لَا إتْلَافَ فِيهِ، ثُمَّ بِالْقَطْعِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُبْدَأُ بِالْقَطْعِ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ مُتَمَحِّضٌ، فَإِذَا بَرِئَ حُدَّ لِلْقَذْفِ، إذَا قُلْنَا: هُوَ حَقُّ آدَمِيٍّ ثُمَّ يُحَدُّ لِلشُّرْبِ فَإِذَا بَرِئَ، حُدَّ لِلزِّنَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِتَأَكُّدِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ تَجْتَمِعَ حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَحُدُودٌ لِآدَمِيٍّ، وَفِيهَا قَتْلٌ فَإِنَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى تَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا، وَالْقَتْلِ لِلْمُحَارَبَةِ، أَوْ الرِّدَّةِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، كَالْقِصَاصِ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّ، فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، اُسْتُوْفِيَتْ الْحُقُوقُ كُلُّهَا مُتَوَالِيَةً؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، اُنْتُظِرَ بِاسْتِيفَائِهِ الثَّانِي بُرْؤُهُ مِنْ الْأَوَّلِ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تُفَوِّتَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْقِصَاصِ، فَيَفُوتَ حَقُّ الْآدَمِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَفْوَ جَائِزٌ، فَتَأْخِيرُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْفُوَ الْوَلِيُّ فَيَحْيَا، بِخِلَافِ الْقَتْلِ حَقًّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَّفِقَ الْحَقَّانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَيَكُونَ تَفْوِيتًا، كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ قِصَاصًا وَحَدًّا؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا هُوَ خَالِصٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، كَالْقِصَاصِ، قُدِّمَ الْقِصَاصُ، لِتَأَكُّدِ حَقِّ الْآدَمِيِّ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ الْقَتْلُ لِلْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْقِصَاصُ، بُدِئَ بِأَسْبَقِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي الْمُحَارَبَةِ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ أَيْضًا، فَيُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ الْقَتْلُ فِي الْمُحَارَبَةِ، اُسْتُوْفِيَ، وَوَجَبَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ الْآخَرِ دِيَتُهُ فِي مَالِ الْجَانِي، وَإِنْ سَبَقَ الْقِصَاصُ، قُتِلَ قِصَاصًا، وَلَمْ يُصْلَبْ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ بِالْقِصَاصِ، فَسَقَطَ الصَّلْبُ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَيَجِبُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْمُحَارَبَةِ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، وَهُوَ قِصَاصٌ، فَصَارَ الْوُجُوبُ إلَى الدِّيَةِ.
وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْقَتْلِ مِنْ الْقَاتِلِ.
وَلَوْ كَانَ الْقِصَاصُ سَابِقًا، فَعَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، اُسْتُوْفِيَ لِلْمُحَارَبَةِ، سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا، أَوْ إلَى الدِّيَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا الْقَطْعُ: فَإِذَا اجْتَمَعَ وُجُوبُ الْقَطْعِ فِي يَدٍ أَوْ رِجْلٍ قِصَاصًا وَحَدًّا، قُدِّمَ الْقِصَاصُ عَلَى الْحَدِّ الْمُتَمَحِّضِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ سَبَبُهُ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ، اُسْتُوْفِيَ الْحَدُّ، فَإِذَا قَطَعَ يَدًا وَأَخَذَ

الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ، قُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا، وَيُنْتَظَرُ بُرْؤُهُ، فَإِذَا بَرِئَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ.
وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْقِصَاصُ فِي الْقَطْعِ دُونَ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي الْمُحَارَبَةِ حَدٌّ مَحْضٌ، وَلَيْسَ بِقِصَاصٍ، وَالْقَتْلُ فِيهَا يَتَضَمَّنُ الْقِصَاصَ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَ الْقَتْلُ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَلَوْ فَاتَ الْقَطْعُ، لَمْ يَجِبْ لَهُ بَدَلٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَطْعِ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَقَطَعَ يَدَهُ قِصَاصًا، فَإِنَّ رِجْلَهُ تُقْطَعُ.
وَهَلْ تُقْطَعُ يَدُهُ الْأُخْرَى؟ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ بِالْقِصَاصِ قَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْقَطْعَ بِالْمُحَارَبَةِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ فِيهِ، لَمْ يُقْطَعْ أَكْثَرُ مِنْ الْعُضْوِ الْبَاقِي مِنْ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ اُسْتُحِقَّ قَطْعُهُمَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعِ ذَهَبَ بِعَارِضٍ حَادِثٍ، فَلَمْ يَجِبْ قَطْعُ بَدَلِهِ، كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ بِعُدْوَانٍ أَوْ بِمَرَضٍ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ ذَهَبَ الْعُضْوَانِ جَمِيعًا، سَقَطَ الْقَطْعُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْقَطْعِ قِصَاصًا سَابِقًا عَلَى مُحَارَبَتِهِ، أَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ غَيْرَ الْعُضْوِ الَّذِي وَجَبَ قَطْعُهُ فِي الْمُحَارَبَةِ، مِثْلَ أَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي يَسَارِهِ بَعْدَ وُجُوبِ قَطْعِ يُمْنَاهُ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَهَلْ تُقْطَعُ الْيَدُ الْأُخْرَى لِلْمُحَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَمِينِهِ، إنْ قُلْنَا: تُقْطَعُ ثَمَّ.
قُطِعَتْ هَاهُنَا وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ سَرَقَ وَأَخَذَ الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِأَسْبَقِهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ الْمُحَارَبَةُ سَابِقَةً، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا.
وَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ لِلسَّرِقَةِ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: تُقْطَعُ.
اُنْتُظِرَ بُرْؤُهُ مِنْ الْقَطْعِ لِلْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ.
وَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ سَابِقَةً، قُطِعَتْ يُمْنَاهُ لِلسَّرِقَةِ، وَلَا تُقْطَعُ رِجْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ حَتَّى تَبْرَأَ يَدُهُ.
وَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ لِلْمُحَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ]

(7335) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ، قُتِلَ حَتْمًا، وَلَمْ يُصْلَبْ، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ فِيهِمَا قَتْلٌ، فَدَخَلَ مَا دُونَ الْقَتْلِ فِيهِ، وَلَمْ يُصْلَبْ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ مِنْ تَمَامِ حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ مَعَ الْقَتْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَهَذَانِ حَدَّانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَدَاخَلَا.
وَإِنْ قَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ جَمَاعَةً، قُتِلَ بِالْأَوَّلِ حَتْمًا وَلِلْبَاقِينَ دِيَاتُ أَوْلِيَائِهِمْ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ اُسْتُحِقَّ بِقَتْلِ الْأَوَّلِ، وَتَحَتَّمَ بِحَيْثُ لَا يَسْقُطُ، فَتَعَيَّنَتْ حُقُوقُ الْبَاقِينَ فِي الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ مَاتَ.

[فَصْلٌ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ وَعَلَى فُلَانٍ وَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ]

(7336) فَصْلٌ: إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ وَعَلَى فُلَانٍ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا خَصْمَيْنِ لَهُ بِقَطْعِهِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى فُلَانٍ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُ.
قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَمْ يَسْأَلْهُمَا الْحَاكِمُ: هَلْ قَطَعَ عَلَيْكُمَا مَعَهُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُهُمَا مَا لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ عَادَ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُمَا، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَدُوًّا لَهُ بِقَطْعِهِ الطَّرِيقَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَرَضُوا لَنَا فِي الطَّرِيقِ، وَقَطَعُوهَا عَلَى فُلَانٍ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُمَا خَصْمَيْنِ بِمَا ذَكَرَاهُ.

[كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ]

[مَسْأَلَةٌ مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إذَا شَرِبَهَا وَهُوَ مُخْتَارٌ لِشُرْبِهَا]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ]

ِ الْخَمْرُ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِأَخْبَارٍ تَبْلُغُ بِمَجْمُوعِهَا رُتْبَةَ التَّوَاتُرِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا حُكِيَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ، أَنَّهُمْ قَالُوا: هِيَ حَلَالٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] الْآيَةَ.
فَبَيَّنَ لَهُمْ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ، وَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ الْحَدَّ؛ لِشُرْبِهِمْ إيَّاهَا، فَرَجَعُوا إلَى ذَلِكَ، فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ، فَمَنْ اسْتَحَلَّهَا الْآنَ فَقَدْ كَذَّبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ ضَرُورَةً مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ تَحْرِيمُهُ، فَيَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ.
رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] . وَإِنِّي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ.
فَقَالَ عُمَرُ لِلْقَوْمِ: أَجِيبُوا الرَّجُلَ.
فَسَكَتُوا عَنْهُ، فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَجِبْهُ.
فَقَالَ: إنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُذْرًا لِلْمَاضِينَ، لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ وَأَنْزَلَ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ﴾ [المائدة: 90] . حُجَّةً عَلَى النَّاسِ.
ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ عَنْ الْحَدِّ فِيهَا فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إذَا شَرِبَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَاجْلِدُوهُ ثَمَانِينَ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةَ، إذَا اتَّقَيْت اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك.
وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، أَنَّ أُنَاسًا شَرِبُوا بِالشَّامِ الْخَمْرَ، فَقَالَ لَهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: شَرِبْتُمْ الْخَمْرَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] الْآيَةَ.
فَكَتَبَ فِيهِمْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا نَهَارًا، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ إلَى اللَّيْلِ،

وَإِنْ أَتَاكَ لَيْلًا، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ نَهَارًا، حَتَّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ، لِئَلَّا يَفْتِنُوا عِبَادَ اللَّهِ.
فَبَعَثَ بِهِمْ إلَى عُمَرَ، فَشَاوَرَ فِيهِمْ النَّاسَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: مَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى أَنَّهُمْ قَدْ شَرَّعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ فِيهِ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَلَالٌ، فَاقْتُلْهُمْ، فَقَدْ أَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَرَامٌ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ، فَقَدْ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحَدِّ مَا يَفْتَرِي بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ.: فَحَدَّهُمْ عُمَرُ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَصِيرُ الْعِنَبِ، إذَا اشْتَدَّ وَقَذَفَ زَبَدَهُ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - (7337) (مَسْأَلَةٌ) قَالَ: (وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، إذَا شَرِبَهَا وَهُوَ مُخْتَارٌ لِشُرْبِهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ: (7338) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَهُوَ خَمْرٌ حُكْمُهُ حُكْمُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهِ.
وَرُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَنَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ، وَنَبِيذِ الْحِنْطَةِ، وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ نَقِيعًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا: كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ، إلَّا مَا بَلَغَ السُّكْرَ، فَأَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّ، وَقَذَفَ زَبَدَهُ، أَوَطُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ بِغَيْرِ طَبْخٍ، فَهَذَا مُحَرَّمٌ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: «حُرِّمَتْ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُمَا وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.
قَالَ: وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ

مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ.
وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَأَشْبَهَ عَصِيرَ الْعِنَبِ.
فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْمُسْكِرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ ابْنِ شَدَّادٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَحَادِيثَ مَعْلُولَةٍ، ذَكَرْنَاهَا مَعَ عِلَلِهَا.
وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَحَادِيثَهُمْ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ، فَضَعَّفَهَا كُلَّهَا، وَبَيَّنَ عِلَلَهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ، فَإِنَّهُ يَرْوِي هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.»

[الْفَصْلُ الثَّانِي: حَدُّ مَنْ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ كَثِيرًا]

(7339) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ كَثِيرًا.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ غَيْرِ الْمَطْبُوخِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِهَا، فَذَهَبَ إمَامُنَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكُلِّ مُسْكِرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُحَدُّ، إلَّا أَنْ يَسْكَرَ؛ مِنْهُمْ أَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: مَنْ شَرِبَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ حُدَّ.
وَمَنْ شَرِبَهُ مُتَأَوِّلًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فَيَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ؛ وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بِقَلِيلِهِ، كَالْخَمْرِ.
وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ فِيهَا؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهَا.
وَبِهَذَا فَارَقَ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ وَنَحْوَهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَقَدْ حَدَّ عُمَرُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابَهُ، مَعَ اعْتِقَادِهِمْ حِلَّ مَا شَرِبُوهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِعْلَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ هَاهُنَا دَاعِيَةٌ إلَى فِعْلِ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَفِعْلَ سَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَصْرِفُ عَنْ جِنْسِهِ مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ السُّنَّةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ اسْتَفَاضَتْ بِتَحْرِيمِ هَذَا الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي اعْتِقَادِ إبَاحَتِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهَدَاتِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ عِشْرُونَ وَجْهًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِهَا: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَبَعْضِهَا: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» .

[فَصْلٌ ثَرَدَ فِي الْخَمْرِ أَوْ اصْطَبَغَ بِهِ أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقَتِهِ]

(7340) فَصْلٌ: وَإِنْ ثَرَدَ فِي الْخَمْرِ، أَوْ اصْطَبَغَ بِهِ، أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْخَمْرِ مَوْجُودَةٌ،

وَكَذَلِكَ إنْ لَتَّ بِهِ سَوِيقًا فَأَكَلَهُ.
وَإِنْ عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا، ثُمَّ خَبَزَهُ فَأَكَلَهُ، لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهُ.
وَإِنْ احْتَقَنَ بِالْخَمْرِ، لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشُرْبٍ وَلَا أَكْلٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى حَلْقِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ، وَإِنْ اسْتَعَطَ بِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى بَاطِنِهِ مِنْ حَلْقِهِ، وَلِذَلِكَ نُشِرَ الْحُرْمَةُ فِي الرَّضَاعِ دُونَ الْحُقْنَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَى مَنْ احْتَقَنَ بِهِ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى جَوْفِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ]

(7341) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي قَدْرِ الْحَدِّ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ ثَمَانُونَ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ.
فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَالِدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمَشُورَةِ: إنَّهُ إذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى.
فَحَدُّوهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي.
رَوَى ذَلِكَ الْجُوزَجَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ الْحَدَّ أَرْبَعُونَ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ قَالَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ» وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ» ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ عُمَرُ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الْحُدُودِ، فَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ: أَقَلُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ.
فَضَرَبَهُ عُمَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا خَالَفَ فِعْلَ النَّبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ، يَجُوزُ فِعْلُهَا إذَا رَآهُ الْإِمَامُ.

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ إلْزَامُ الْحَدِّ لِمَنْ شَرِبَ بِاخْتِيَارِهِ]

(7342) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهَا، فَإِنْ شَرِبَهَا مُكْرَهًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا إثْمَ، سَوَاءٌ أُكْرِهَ بِالْوَعِيدِ وَالضَّرْبِ، أَوْ أُلْجِئَ إلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُفْتَحَ فُوهُ، وَتُصَبَّ فِيهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ إلَيْهَا لِدَفْعِ غُصَّةٍ بِهَا، إذَا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا سِوَاهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وَإِنْ شَرِبَهَا لِعَطَشٍ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ، أُبِيحَتْ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ

عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَكَإِبَاحَتِهَا لِدَفْعِ الْغُصَّةِ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنَّهُ أَسَرَهُ الرُّومُ، فَحَبَسَهُ طَاغِيَتُهُمْ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَاءٌ مَمْزُوجٌ بِخَمْرٍ، وَلَحْمُ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٌّ، لِيَأْكُلَهُ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَتَرَكَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ حِينَ خَشُوا مَوْتَهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي، فَإِنِّي مُضْطَرٌّ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشْمِتَكُمْ بِدِينِ الْإِسْلَامِ.
وَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا، أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ، أَوْ شَرِبَهَا لِلتَّدَاوِي، لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُبَاحُ شُرْبُهَا لَهُمَا.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: يُبَاحُ شُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي دُونَ الْعَطَشِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ، فَأُبِيحَتْ فِيهَا، لِدَفْعِ الْغُصَّةِ وَسَائِرِ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ.
وَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ «طَارِقِ بْنِ سُوَيْد، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ.
فَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُخَارِقٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَدْ نَبَذَتْ نَبِيذًا فِي جَرَّةٍ، فَخَرَجَ وَالنَّبِيذُ يَهْدُرُ، فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " فَقَالَتْ: فُلَانَةُ اشْتَكَتْ بَطْنَهَا، فَنَقَعْت لَهَا، فَدَفَعَهُ بِرِجْلِهِ فَكَسَرَهُ، وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ شِفَاءً» وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، فَلَمْ يُبَحْ لِلتَّدَاوِي، كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ؛ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَنْدَفِعُ بِهِ فَلَمْ يُبَحْ، كَالتَّدَاوِي بِهَا فِيمَا لَا تَصْلُحُ لَهُ.

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ الْحَدُّ يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ]

(7343) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَهَا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ، فَأَمَّا غَيْرُهُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا، وَلَا قَاصِدٍ إلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ بِهَا، فَأَشْبَهَ مَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
فَأَمَّا مَنْ شَرِبَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا: لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ.
وَلِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا خَمْرٌ.
وَإِذَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِهَا نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ نَاشِئًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نَاشِئًا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْبُلْدَانِ، قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ.

[فَصْلٌ يَثْبُتُ حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ]

(7344) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ شُرْبُهُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ؛ الْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ.
وَيَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا، فَأَشْبَهَ حَدَّ الْقَذْفِ.
وَإِذَا رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قُبِلَ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْإِقْرَارِ وُجُودُ رَائِحَةٍ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تُوجَدَ رَائِحَةٌ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ بَيِّنَتَيْ الشُّرْبِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ

مَعَهُ وُجُودُ الرَّائِحَةِ، كَالشَّهَادَةِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بَعْدَ زَوَالِ الرَّائِحَةِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَدٍّ، فَاكْتُفِيَ بِهِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ.

[فَصْلٌ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ مِنْ فِيهِ]

(7345) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ مِنْ فِيهِ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَلَدَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي وَجَدْت مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ.
فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي سَائِلٌ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ.
وَلِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَدُلُّ عَلَى شُرْبِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا، أَوْ حَسِبَهَا مَاءً، فَلَمَّا صَارَتْ فِي فِيهِ مَجَّهَا، أَوْ ظَنَّهَا لَا تُسْكِرُ، أَوْ كَانَ مُكْرَهًا، أَوْ أَكَلَ نَبْقًا بَالِغًا، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَحَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ، لَبَادَرَ إلَيْهِ عُمَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.

[فَصْلٌ وُجِدَ سَكْرَانَ أَوْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ]

(7346) فَصْلٌ: وَإِنْ وُجِدَ سَكْرَانَ، أَوْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ.
فَعَنْ أَحْمَدَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تُسْكِرُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرِوَايَةُ أَبِي طَالِبٍ عَنْهُ فِي الْحَدِّ بِالرَّائِحَةِ، يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ شُرْبِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِشُرْبِهَا.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ قُدَامَةَ مَا كَانَ، جَاءَ عَلْقَمَةُ الْخَصِيُّ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَتَقَيَّؤُهَا.
فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ قَاءَهَا فَقَدْ شَرِبَهَا.
فَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَرَوَى حُصَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: شَهِدْت عُثْمَانَ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ شَرِبَهَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا.
فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
فَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَضَرَبَهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَقَدْ تَنَطَّعْت فِي الشَّهَادَةِ.
وَهَذَا بِمَحْضَرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَسَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَلَا يَتَقَيَّؤُهَا أَوْ لَا يَسْكَرُ مِنْهَا حَتَّى يَشْرَبَهَا.

[فَصْلٌ تَثْبُتُ الْبَيِّنَةُ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ بِالْعُدُولِ]

(7347) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ: فَلَا تَكُونُ إلَّا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، يَشْهَدَانِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى بَيَانِ نَوْعِهِ؛

لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِلَى مَا لَا يُوجِبُهُ، بِخِلَافِ الزِّنَا، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الصَّرِيحِ وَعَلَى دَوَاعِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» فَلِهَذَا احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُسَمَّى غَيْرُ الْمُسْكِرِ مُسْكِرًا، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ نَوْعِهِ.
وَلَا يُفْتَقَرُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى ذِكْرِ عَدَمِ الْإِكْرَاهِ، وَلَا ذِكْرِ عِلْمِهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الِاخْتِيَارُ وَالْعِلْمُ، وَمَا عَدَاهُمَا نَادِرٌ بَعِيدٌ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلَى بَيَانِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ عُثْمَانُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَلَا اعْتَبَرَهُ عُمَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَلَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَلَوْ شَهِدَا بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ الِاخْتِيَارِ، كَذَا هَاهُنَا.

[مَسْأَلَةٌ مَاتَ شَارِبُ الْخَمْرِ فِي جَلْدِهِ]

(7348) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ فِي جَلْدِهِ، فَالْحَقُّ قَتَلَهُ.
يَعْنِي: لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ ضَمَانُهُ) وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَمَاتَ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعْزِيرٌ، إنَّمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ بِرَأْيِهِ، وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ؛

أَحَدُهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلَيْنِ؛ مَضْمُونٍ، وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَكَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ.
وَالثَّانِي: تُقَسَّطُ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ كُلِّهَا، فَيَجِبُ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا، إلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ، وَلَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسُنَّهُ لَنَا.
وَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لِلَّهِ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَنْ مَاتَ بِهِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِنْ الْحَدِّ، وَإِنْ كَانَ تَعْزِيرًا، فَالتَّعْزِيرُ يَجِبُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ» وَثَبَتَ الْحَدُّ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ تَبْقَ فِيهِ شُبْهَةٌ.
(7349) فَصْلٌ: وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، أَنَّهُ إذَا أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَنْ تَلِفَ بِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فَعَلَهَا بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَأَمْرِ رَسُولِهِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ التَّلَفُ مَنْسُوبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ فَتَلِفَ، وَجَبَ الضَّمَانُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ الْحَدِّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: كَمَالُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَعُدْوَانِ الضَّارِبِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْعَادِي، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا سَوْطًا فَمَاتَ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانٍ وَغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَى عَلَى سَفِينَةٍ مُوَقَّرَةٍ حَجَرًا فَغَرَّقَهَا.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَكَانَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ فَمَاتَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَجِبُ مِنْ الدِّيَةِ بِقِسْطِ مَا تَعَدَّى بِهِ، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ عَلَى الْأَسْوَاطِ كُلِّهَا، وَسَوَاءٌ زَادَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ، ثُمَّ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْجَلَّادُ زَادَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ أَمْرٍ، فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُ: اضْرِبْ مَا شِئْت.
فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَعُدُّ عَلَيْهِ، فَزَادَ فِي الْعَدَدِ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ يَعُدُّ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، أَوْ أَخْطَأَ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ مِنْهُ.
وَإِنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ، فَزَادَ، فَقَالَ الْقَاضِي: الضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ طَاعَةِ الْإِمَامِ، وَجَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّيَادَةِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَقَتَلَهُ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: يَضْمَنُ الْإِمَامُ.
فَهَلْ يَلْزَمُ عَاقِلَتَهُ أَوْ بَيْتَ الْمَالِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: هُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ، فَلَوْ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَجْحَفَ بِهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا أَصَحُّ.
وَالثَّانِيَةُ: هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِخَطَئِهِ، فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ آدَمِيًّا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَتَانِ إنَّمَا هُمَا فِيمَا إذَا وَقَعَتْ الزِّيَادَةُ مِنْهُ خَطَأً، أَمَّا إذَا تَعَمَّدَهَا، فَهَذَا ظُلْمٌ قَصَدَهُ، فَلَا وَجْهَ لِتَعَلُّقِ ضَمَانِهِ بِبَيْتِ الْمَالِ بِحَالٍ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ جَلْدَ مَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ الَّتِي تَلْزَمُ الْإِمَامَ، فَلَا يَحْمِلُهَا عَنْهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهَا؛ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِفِعْلِهِ، فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَحَمُّلِهِ إيَّاهَا، وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُهَا التَّحَمُّلُ بِحَالٍ.

[فَصْلٌ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّكْرَانِ حَتَّى يَصْحُوَ]

(7350) فَصْلٌ: وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّكْرَانِ حَتَّى يَصْحُوَ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَالتَّنْكِيلُ، وَحُصُولُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي صَحْوِهِ أَتَمُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ إلَيْهِ.

[فَصْلٌ حَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ فِسْقُ شَارِبِ النَّبِيذِ]

(7351) فَصْلٌ: وَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ فِسْقُ شَارِبِ النَّبِيذِ، وَيُخْتَلَفُ مَعَهُ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مِنْهُ، هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الشُّرْبِ، وَيُغَيِّرُهُ عَنْ حَالِ صَحْوِهِ، وَيَغْلِبُ عَلَى عَقْلِهِ،

وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ ثَوْبِهِ وَثَوْبِ غَيْرِهِ عِنْدَ اخْتِلَاطِهِمَا، وَلَا بَيْنَ نَعْلِهِ وَنَعْلِ غَيْرِهِ.
وَنَحْوُ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ، أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] . نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدَّمُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِهِمْ، وَتَرَكَ فِي قِرَاءَتِهِ مَا غَيَّرَ الْمَعْنَى وَقَدْ كَانُوا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ عَالِمِينَ بِهَا، وَعَرَفُوا إمَامَهُمْ وَقَدَّمُوهُ لِيَؤُمَّهُمْ، وَقَصَدَ إمَامَتَهُمْ، وَالْقِرَاءَةَ لَهُمْ، وَقَصَدُوا الِائْتِمَامَ بِهِ، وَعَرَفُوا أَرْكَانَ الصَّلَاةِ، فَأَتَوْا بِهَا، وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُ، فَهُوَ سَكْرَانُ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِسَكْرَانَ فَقَالَ: " مَا شَرِبْت؟ ". فَقَالَ: مَا شَرِبْت إلَّا الْخَلِيطَيْنِ وَأُتِيَ بِآخَرَ سَكْرَانَ، فَقَالَ: أَلَا أَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي مَا سَرَقْت، وَلَا زَنَيْت، فَهَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ، وَهُمْ سُكَارَى.
وَفِي حَدِيثِ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَهُوَ سَكْرَانُ: أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ وَكَانَ عَلِيٌّ أَنَاخَ شَارِفَيْنِ لَهُ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَقَامَ إلَيْهَا فَبَقَرَ بُطُونَهَا، وَاجْتَثَّ أَسْنِمَتَهَا، فَذَهَبَ عَلِيٌّ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَلَامَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَظَرَ إلَيْهِ وَإِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَقَالَ: وَهَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي، فَانْصَرَفَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَدْ فَهِمَ مَا قَالَتْ الْقَيْنَةُ فِي غِنَائِهَا، وَعَرَفَ الشَّارِفَيْنِ وَهُوَ فِي غَايَةِ سُكْرِهِ.
وَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ الذَّاهِبَ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، وَالرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ، مَعَ ذَهَابِ عَقْلِهِ، وَرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ.

[مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّةُ وَصِفَةُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَحْدُودِ]

[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ الْحَدّ قَائِمًا]

(7352) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ قَائِمًا بِسَوْطٍ لَا خَلَقٍ وَلَا جَدِيدٍ، وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَيُتَّقَى وَجْهُهُ) . وَقَوْلُهُ: فِي سَائِرِ الْحُدُودِ.
يَعْنِي جَمِيعَ الْحُدُودِ الَّتِي فِيهَا الضَّرْبُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: (7353) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ قَائِمًا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ جَالِسًا.
رَوَاهُ حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِيَامِ؛ وَلِأَنَّهُ مَجْلُودٌ فِي حَدٍّ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ.
وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِكُلِّ مَوْضِعٍ فِي الْجَسَدِ حَظٌّ - يَعْنِي فِي الْحَدِّ - إلَّا الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ.
وَقَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ، وَأَوْجِعْ، وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ.
وَلِأَنَّ قِيَامَهُ وَسِيلَةٌ إلَى إعْطَاءِ كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِيَامِ.
قُلْنَا: وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْجُلُوسِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَيْفِيَّةَ، فَعَلِمْنَاهَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُقْصَدُ سَتْرُهَا، وَيُخْشَى هَتْكُهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الضَّرْبَ يُفَرَّقُ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ؛ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ حِصَّتَهُ، وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي مَوَاضِعِ اللَّحْمِ، كَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ، وَيَتَّقِي الْمَقَاتِلَ، وَهِيَ الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ وَالْفَرْجُ، مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ الظَّهْرُ، وَمَا يُقَارِبُهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُضْرَبُ الرَّأْسُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَسْتَثْنِهِ.
وَلَنَا عَلَى مَالِكٍ قَوْلُ عَلِيٍّ؛ وَلِأَنَّ مَا عَدَا الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، فَأَشْبَهَتْ الظَّهْرَ.
وَعَلَى أَبِي يُوسُفَ، أَنَّ الرَّأْسَ مَقْتَلٌ، فَأَشْبَهَ الْوَجْهَ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَرَبَهُ فِي رَأْسِهِ، فَذَهَبَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ، أَوْ قَتَلَهُ، وَالْمَقْصُودُ أَدَبُهُ لَا قَتْلُهُ.
وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَسْتَثْنِهِ عَلِيٌّ مَمْنُوعٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: اتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ صَرِيحًا، فَقَدْ ذَكَرَهُ دَلَالَةً؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا اسْتَثْنَاهُ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ.

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ صِفَةُ جَلْدِ الْحُدُودِ]

(7354) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَمُدُّ، وَلَا يُرْبَطُ.
وَلَا نَعْلَمُ عَنْهُمْ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ، وَلَا قَيْدٌ، وَلَا تَجْرِيدٌ.
وَجَلَدَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَدٌّ وَلَا قَيْدٌ وَلَا تَجْرِيدٌ.
وَلَا تُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الثَّوْبُ وَالثَّوْبَانِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْوٌ أَوَجُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ، نُزِعَتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِالضَّرْبِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ تُرِكَتْ عَلَيْهِ ثِيَابُ الشِّتَاءِ مَا بَالَى بِالضَّرْبِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُجَرَّدُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِجَلْدِهِ يَقْتَضِي مُبَاشَرَةَ جِسْمِهِ.
وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ نَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِتَجْرِيدِهِ، إنَّمَا أَمَرَ بِجَلْدِهِ، وَمَنْ جُلِدَ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ فَقَدْ جُلِدَ.

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ فِي الْحُدُودِ]

(7355) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا، فِي غَيْرِ حَدِّ الْخَمْرِ.
فَأَمَّا حَدُّ الْخَمْرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَامُ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لِلْإِمَامِ فِعْلَ ذَلِكَ إذَا رَآهُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، فَقَالَ: اضْرِبُوهُ قَالَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ» وَالْجَلْدُ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِهِ الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ؛ وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِجَلْدِهِ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِجَلْدِ الزَّانِي، فَكَانَ بِالسَّوْطِ مِثْلَهُ، وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ضَرَبُوا بِالسِّيَاطِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَكَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ، ثُمَّ جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَقَرَّتْ الْأُمُورُ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدَ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَجَلَدَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ وَفِي حَدِيثِ جَلْدِ قُدَامَةَ، حِينَ شَرِبَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: ائْتُونِي بِسَوْطٍ.
فَجَاءَهُ أَسْلَمُ مَوْلَاهُ بِسَوْطٍ دَقِيقٍ صَغِيرٍ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ، فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لِأَسْلَمَ: أَنَا أُحَدِّثُك، إنَّك ذَكَرْت قَرَابَتَهُ لِأَهْلِك، ائْتِنِي بِسَوْطٍ غَيْرِ هَذَا.
فَأَتَاهُ بِهِ تَامًّا، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ السَّوْطَ يَكُونُ وَسَطًا، لَا جَدِيدًا فَيَجْرَحُ، وَلَا خَلَقًا فَيَقِلُّ أَلَمُهُ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالزِّنَا، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَوْطٍ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا.
فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُكْسَرْ ثَمَرَتُهُ.
فَقَالَ: بَيْنَ هَذَيْنِ.» رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، وَسَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ وَهَكَذَا الضَّرْبُ يَكُونُ وَسَطًا، لَا شَدِيدٌ فَيَقْتُلُ، وَلَا ضَعِيفٌ فَلَا يَرْدَعُ.
وَلَا يَرْفَعُ بَاعَهُ كُلَّ الرَّفْعِ، وَلَا يَحُطُّهُ فَلَا يُؤْلِمُ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُبْدِي إبْطَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ.
يَعْنِي: لَا يُبَالِغُ فِي رَفْعِ يَدِهِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَدَبُهُ، لَا قَتْلُهُ.

[مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّةُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ]

(7356) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا، لِئَلَّا تَنْكَشِفَ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ: تُحَدُّ قَائِمَةً، كَمَا تُلَاعِنُ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَالرَّجُلُ قَائِمًا؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَجُلُوسَهَا أَسْتَرُ لَهَا.
وَيُفَارِقُ اللِّعَانَ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا؛ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهَا عِنْد الضَّرْب.

[فَصْلٌ أَشَدُّ الضَّرْبِ فِي الْحُدُودِ]

(7357) فَصْلٌ: أَشَدُّ الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ ضَرْبُ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّهَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ أَمْرًا وَاحِدًا، وَمَقْصُودُ جَمِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الزَّجْرُ، فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الصِّفَةِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: «التَّعْزِيرُ أَشَدُّهَا، ثُمَّ حَدُّ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ.
وَلَنَا» أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ الزَّانِيَ بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ، فَتَعَيَّنَ جَعْلُهُ فِي الصِّفَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ عَدَدًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فِي إيلَامِهِ وَوَجَعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، أَوْ زِيَادَةِ الْقَلِيلِ عَلَى أَلَمِ الْكَثِيرِ.

[مَسْأَلَةٌ يُجْلَدُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ أَرْبَعِينَ بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ]

(7358) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُجْلَدُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ أَرْبَعِينَ، بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ) . هَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ حَدَّ الْحُرِّ فِي الشُّرْبِ ثَمَانُونَ.
فَحَدُّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ نِصْفُهَا أَرْبَعُونَ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، حَدُّهُمَا عِشْرُونَ، نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خُفِّفَ عَنْهُ فِي عَدَدِهِ؛ خُفِّفَ عَنْهُ فِي صِفَتِهِ، كَالتَّعْزِيرِ مَعَ الْحَدِّ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَوْطُهُ كَسَوْطِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ إذَا كَانَ السَّوْطُ مِثْلَ السَّوْطِ، أَمَّا إذَا كَانَ نِصْفًا فِي عَدَدِهِ، وَأَخَفَّ مِنْهُ فِي سَوْطِهِ، كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ النِّصْفَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] .

[فَصْلٌ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ]

(7359) فَصْلٌ: وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ.
وَبِهَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَرَى إقَامَتَهُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَلَنَا مَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: أَخْرِجَاهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاضْرِبَاهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَقَالَ: يَا قَنْبَرُ، أَخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاقْطَعْ يَدَهُ.
وَلِأَنَّ

الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا، إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَحْدُثَ مِنْ الْمَحْدُودِ حَدَثٌ فَيُنَجِّسَهُ وَيُؤْذِيَهُ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَطْهِيرِهِ، فَقَالَ ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26] .

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَالْعَصِيرُ إذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ]

(7360) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْعَصِيرُ إذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَدْ حَرُمَ، إلَّا أَنْ يُغْلَى قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَحْرُمَ) أَمَّا إذَا غُلِيَ الْعَصِيرُ كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ، وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يُغْلَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ حَرَامٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: اشْرَبْهُ ثَلَاثًا، مَا لَمْ يُغْلَ، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا تَشْرَبْهُ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يُغْلَ وَيُسْكِرْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُسْكِرِ خَاصَّةً.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ، إلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمُ، أَوْ يُهْرَاقُ» وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اشْرَبُوا الْعَصِيرَ ثَلَاثًا، مَا لَمْ يُغْلَ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اشْرَبْهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ.
قِيلَ: وَفِي كَمْ يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ؟ قَالَ: فِي ثَلَاثٍ وَلِأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ فِي الثَّلَاثِ غَالِبًا، وَهِيَ خَفِيَّةٌ تَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ، فَجَازَ جَعْلُ الثَّلَاثِ ضَابِطًا لَهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يُغْلَ مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَهُهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عِنْدِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَتَخَمَّرُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ.

[مَسْأَلَةٌ النَّبِيذُ إذَا تُرِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ]

(7361) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ النَّبِيذُ) يَعْنِي: أَنَّ النَّبِيذَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَالنَّبِيذُ: مَا يُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ أَوْ نَحْوُهُمَا؛ لِيَحْلُوَ بِهِ الْمَاءُ، وَتَذْهَبَ مُلُوحَتُهُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْت فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ ثُمَّ أَتَيْته بِهِ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ.
فَقَالَ: اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطِ؛ فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَارَ مُسْكِرًا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الْخَمْرِ]

(7362) فَصْلٌ: وَالْخَمْرُ نَجِسَةٌ.
فِي قَوْلِ عَامَّة أَهْل الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهَا لِعَيْنِهَا، فَكَانَتْ نَجِسَةً، كَالْخِنْزِيرِ.
وَكُلُّ مُسْكِرٍ فَهُوَ حَرَامٌ، نَجِسٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ مَا طُبِخَ مِنْ الْعَصِيرِ وَالنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِهِ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ كَالدِّبْسِ]

(7363) فَصْلٌ: وَمَا طُبِخَ مِنْ الْعَصِيرِ وَالنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِهِ، حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ، كَالدِّبْسِ، وَرُبِّ الْخُرْنُوبِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُرَبَّيَاتِ وَالسُّكَّرِ، فَهُوَ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمُسْكِرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ شُرْبِ الطِّلَاءِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
قِيلَ لِأَحْمَدْ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُسْكِرُ.
قَالَ: لَا يُسْكِرُ، وَلَوْ كَانَ يُسْكِرُ مَا أَحَلَّهُ عُمَرُ.

[فَصْلٌ لَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ]

(7364) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ، وَإِذَا تُرِكَ يَفْسُدُ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ، وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، مَا لَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهَا حُجَّةٌ.

[فَصْلٌ الِانْتِبَاذُ فِي الْأَوْعِيَةِ]

(7365) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ الِانْتِبَاذُ فِي الْأَوْعِيَةِ كُلِّهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا وَالدُّبَّاءُ: وَهُوَ الْيَقْطِينُ.
وَالْحَنْتَمُ: الْجِرَارُ.

وَالنَّقِيرُ: الْخَشَبُ.
وَالْمُزَفَّتُ: الَّذِي يُطْلَى بِالزِّفْتِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ، وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ؛ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ أَنْ لَا تَشْرَبُوا إلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ النَّهْيِ، وَلَا حُكْمَ لِلْمَنْسُوخِ.

[فَصْلٌ يُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ]

(7366) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمَاءِ شَيْئَانِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ» ، وَقَالَ أَحْمَدُ: الْخَلِيطَانِ حَرَامٌ.
وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَنْقَعُ الزَّبِيبَ، وَالتَّمْرَ الْهِنْدِيَّ، وَالْعُنَّابَ وَنَحْوَهُ، يَنْقَعُهُ غُدْوَةً، وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً لِلدَّوَاءِ: أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ نَبِيذٌ، وَلَكِنْ يَطْبُخُهُ وَيَشْرَبُهُ عَلَى الْمَكَانِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا.» وَفِي رِوَايَةٍ: وَانْتَبِذْ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ ". وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: هُوَ حَرَامٌ.
إذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ، وَإِذَا لَمْ يُسْكِرْ لَمْ يَحْرُمْ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِلَّةِ إسْرَاعِهِ إلَى السُّكْرِ الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ، كَمَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالشُّرْبِ فِيهَا، مَا لَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ الْإِسْكَارِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَأْخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ، وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ، فَنَطْرَحُهَا فِيهِ، ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَنَنْبِذُهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَنَنْبِذُهُ عَشِيَّةً، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُد.
فَلَمَّا كَانَتْ مُدَّةُ الِانْتِبَاذِ قَرِيبَةً، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، لَا يُتَوَهَّمُ الْإِسْكَارُ فِيهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمَا فُعِلَ هَذَا فِي بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يُكْرَهُ مَا كَانَ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، وَيُكْرَهُ مَا كَانَ فِي مُدَّةٍ يُحْتَمَلُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْإِسْكَارِ، وَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.

[مَسْأَلَةٌ الْخَمْرَةُ إذَا أُفْسِدَتْ فَصُيِّرَتْ خَلًّا]

(7367) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْخَمْرَةُ إذَا أُفْسِدَتْ، فَصُيِّرَتْ خَلًّا، لَمْ تَزُلْ عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَإِنْ قَلَبَ اللَّهُ عَيْنَهَا فَصَارَتْ خَلًّا، فَهِيَ حَلَالٌ) رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ يُفْسِدُهَا كَالْمِلْحِ، فَتَخَلَّلَتْ، فَهِيَ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَإِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ، أَوْ مِنْ ظِلٍّ إلَى شَمْسٍ فَتَخَلَّلَتْ، فَفِي إبَاحَتِهَا قَوْلَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَطْهُرُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا زَالَتْ بِتَخْلِيلِهَا فَطَهُرَتْ،

كَمَا لَوْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا، يُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّطْهِيرَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا حَصَلَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلِ الْآدَمِيِّ، كَتَطْهِيرِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْأَرْضِ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي مَذْهَبِنَا، فَقَالَ: وَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ.
وَقِيلَ: تَطْهُرُ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: «كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ الْمَائِدَةُ، سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لِيَتِيمٍ؟ قَالَ: أَهْرِيقُوهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَتَّخِذُ الْخَمْرَ خَلًّا؟ قَالَ: لَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ، «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا؟ فَقَالَ: أَهْرِقْهَا قَالَ: أَفَلَا أُخَلِّلُهَا؟ قَالَ: لَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَلَوْ كَانَ إلَى اسْتِصْلَاحِهَا سَبِيلٌ، لَمْ تَجُزْ إرَاقَتُهَا، بَلْ أَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ، سِيَّمَا وَهِيَ لِأَيْتَامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ تَوَلَّى إفْسَادَهَا.
وَلَا بَأْسَ عَلَى مُسْلِمٍ ابْتَاعَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَلًّا، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ لِإِفْسَادِهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ النَّهْيُ.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
وَهَذَا قَوْلٌ يَشْتَهِرُ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يُنْكَرْ.
فَأَمَّا إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا، فَإِنَّهَا تَطْهُرُ وَتَحِلُّ، فِي قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَوَائِلِ، أَنَّهُمْ اصْطَبَغُوا بِخَلِّ خَمْرٍ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ.
وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ أَنَّهُمْ اتَّخَذُوهُ خَلًّا، وَلَا أَنَّهُ انْقَلَبَ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ قَدْ بَيَّنَهُ عُمَرُ بِقَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ يَتَوَلَّى إفْسَادَهَا.
وَلِأَنَّهَا إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا، فَقَدْ زَالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِهَا، مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ خَلَّفَتْهَا، فَطَهُرَتْ، كَالْمَاءِ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِمُكْثِهِ.
وَإِذَا أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ تَنَجَّسَ بِهَا، ثُمَّ إذَا انْقَلَبَتْ، بَقِيَ مَا أُلْقِيَ فِيهَا نَجِسًا، فَنَجَّسَهَا وَحَرَّمَهَا.
فَأَمَّا إنْ نَقَلَهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ، فَتَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْقِيَ فِيهَا شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ تَخْلِيلَهَا، حَلَّتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَخَلَّلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا.
وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَخْلِيلَهَا، اُحْتُمِلَ أَنْ تَطْهُرَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الْقَصْدُ، فَلَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَطْهُرَ؛ لِأَنَّهَا خُلِّلَتْ، فَلَمْ تَطْهُرْ، كَمَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ.

[مَسْأَلَةٌ الشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]

(7368) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ فِضَّةٍ.
وَحُكِيَ

عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ، فَلَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . وَقَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُقْتَضَى نَهْيِهِ التَّحْرِيمُ، وَقَدْ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: " تُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ ". أَيْ هَذَا سَبَبٌ لِنَارِ جَهَنَّمَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10] فَلَمْ يَبْقَ فِي تَحْرِيمِهِ إشْكَالٌ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ فَلَوْ أَصَابَهُ لَكَسَرَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا رَمَيْتُهُ بِهِ؛ لِأَنَّنِي نَهَيْتُهُ عَنْهُ، وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ التَّحْرِيمَ مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى اسْتَحَلَّ عُقُوبَتَهُ، لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ.

[فَصْلٌ اتِّخَاذُ الْآنِيَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاسْتِصْنَاعُهَا]

(7369) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ الْآنِيَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَاسْتِصْنَاعُهَا؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ، حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَالطُّنْبُورِ، وَالْمِزْمَارِ.
وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا السَّرَفُ وَالْخُيَلَاءُ وَكَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَهَذَا مَعْنًى يَشْمَلُ الْفَرِيقَيْنِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ التَّحَلِّي لِلْحَاجَةِ إلَى التَّزَيُّنِ لِلْأَزْوَاجِ، فَتَخْتَصُّ الْإِبَاحَةُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرْتُمْ، لَحَرُمَتْ آنِيَةُ الْيَاقُوتِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ أَرْفَعُ مِنْ الْأَثْمَانِ.
قُلْنَا: تِلْكَ لَا يَعْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ، فَلَا تَنْكَسِرُ قُلُوبُهُمْ بِاِتِّخَاذِ الْأَغْنِيَاءِ لَهَا، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا؛ وَلِأَنَّ قِلَّتَهَا فِي نَفْسِهَا تَمْنَعُ اتِّخَاذَهَا، فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ تَحْرِيمِهَا، بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ قَدَحٌ عَلَيْهِ ضَبَّةٌ فَشَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّبَّةِ]

(7370) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ قَدَحٌ عَلَيْهِ ضَبَّةٌ، فَشَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّبَّةِ، فَلَا بَأْسَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الضَّبَّةَ مِنْ الْفِضَّةِ تُبَاحُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ يَسِيرَةً.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنْ الْفِضَّةِ، فَأَمَّا الذَّهَبُ: فَلَا يُبَاحُ، وَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ رَخَّصَ فِي يَسِيرِ الذَّهَبِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِلْحَاجَةِ، أَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَهَا لِمَصْلَحَةٍ وَانْتِفَاعٍ، مِثْلَ أَنْ تُجْعَلَ عَلَى شَقٍّ أَوْ صَدْعٍ، وَإِنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ هَذَا بِشَرْطٍ، وَيَجُوزُ الْيَسِيرُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، إذَا لَمْ يُبَاشَرْ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ الْحَلْقَةَ وَنَحْوَهَا؛ لِأَنَّهَا تُبَاشَرُ بِالِاسْتِعْمَالِ.
وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ضَبَّةِ الْفِضَّةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَيْسَرَةُ، وَزَاذَانُ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ: قَدْ وَضَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَاهُ بَيْنَ ضَبَّتَيْنِ.، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْرَبُ مِنْ قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ وَلَا ضَبَّةٌ مِنْهَا وَكَرِهَ الشُّرْبَ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعَطَاءٌ، وَسَالِمٌ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ وَنَهَتْ عَائِشَةُ أَنْ يُضَبِّبَ الْآنِيَةَ، أَوْ يُحَلِّقَهَا بِالْفِضَّةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَرِهُوا مَا قُصِدَ بِهِ الزِّينَةُ، أَوْ كَانَ كَثِيرًا، أَوْ يُسْتَعْمَلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ وَقَوْلُ الْأَوَّلِينَ وَاحِدًا، وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، فَأَمَّا الْيَسِيرُ: كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ؛ وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ قَدَحٌ فِيهِ سِلْسِلَةٌ مِنْ فِضَّةٍ شُعِّبَ بِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ مِنْ الْفِضَّةِ، فَأَشْبَهَ الْخَاتَمَ.
وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُبَاشِرَ مَوْضِعَ الضَّبَّةِ بِالِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَشْرَبُ مِنْ مَوْضِعِ الضَّبَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالشَّارِبِ مِنْ إنَاءِ فِضَّةٍ، وَكَرِهَ الْحَلْقَةَ مِنْ فِضَّةٍ؛ لِأَنَّ الْقَدَحَ يُرْفَعُ بِهَا، فَيُبَاشِرُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.

[فَصْلٌ اسْتِعْمَالُ قَبِيعَةِ السَّيْفِ مِنْ فِضَّةٍ]

(7371) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِقَبِيعَةِ السَّيْفِ مِنْ فِضَّةٍ لِمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ، أَنَا رَأَيْتُهُ.
وَلَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ مِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ، ثُمَّ لَبِسَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، حَتَّى سَقَطَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَقَالَ سَعِيدٌ: الْبَسْ الْخَاتَمَ، وَأَخْبِرْ أَنِّي أَفْتَيْتُك بِذَلِكَ.
فَقَدْ رَوَى أَبُو رَيْحَانَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَرِهَ عَشْرَ خِلَالٍ، وَفِيهَا الْخَاتَمُ، إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ، قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا هَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الشَّامِ.
وَحُدِّثَ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَاتَمَ: تَبَسَّمَ كَالْمُتَعَجِّبِ، ثُمَّ قَالَ: أَهْلُ الشَّامِ.
وَإِنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَفَاضَتْ بِإِبَاحَتِهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ

الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا جَاءَ حَدِيثٌ شَاذٌّ يُخَالِفُ ذَلِكَ، لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى التَّنْزِيَةِ.

[فَصْلٌ اسْتِعْمَالُ الْحِلْيَةِ لِحَمَائِلِ السَّيْفِ مِنْ الذَّهَبِ]

(7372) فَصْلٌ: قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْحِلْيَةُ لِحَمَائِلِ السَّيْفِ؟ فَسَهَّلَ فِيهَا، وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ، سَيْفٌ مُحَلًّى.
وَلِأَنَّهُ مِنْ حِلْيَةِ السَّيْفِ، فَأَشْبَهَ الْقَبِيعَةَ.
وَلِذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي حِلْيَةِ الدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ وَالْخُوذَةِ وَالْخُفِّ وَالرَّانِ؛ وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.
وَقِيلَ: لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَلْقَةُ الْمِرْآةِ فِضَّةٌ، وَرَأْسُ الْمُكْحُلَةِ فِضَّةٌ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا؟ . قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُسْتَعْمَلُ مِثْلُ حَلْقَةِ الْمِرْآةِ، فَأَنَا أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ، فَإِنَّ الْمِرْآةَ تُرْفَعُ بِحَلْقَتِهَا.
ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا هَذَا تَأْوِيلٌ تَأَوَّلْتُهُ أَنَا.
(7373) فَصْلٌ: وَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ ذَهَبًا، إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ تُبَاحُ قَبِيعَةُ السَّيْفِ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَزِيدَةَ الْعَصَرِيِّ، قَالَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.» وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَلَا يُبَاحُ الذَّهَبُ فِي غَيْرِ هَذَا إلَّا لِضَرُورَةٍ، كَأَنْفِ الذَّهَبِ، وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ، إذَا تَحَرَّكَتْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ، قِيَاسًا لَهُ عَلَى الْفِضَّةِ؛ لِكَوْنِهِ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ، فَأَشْبَهَ الْآخَرَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ]

(7374) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَبْلُغ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ) التَّعْزِيرُ: هُوَ الْعُقُوبَةُ الْمَشْرُوعَةُ عَلَى جِنَايَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا، كَوَطْءِ الشَّرِيكِ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ، أَوْ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ، أَوْ جَارِيَةَ ابْنِهِ، أَوْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ فِي دُبُرِهَا أَوْ حَيْضِهَا، أَوْ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ النَّهْبِ، أَوْ الْغَصْبِ، أَوْ الِاخْتِلَاسِ، أَوْ الْجِنَايَةِ عَلَى إنْسَانٍ بِمَا لَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا قِصَاصًا وَلَا دِيَةً، أَوْ شَتْمِهِ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ يُسَمَّى تَعْزِيرًا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْجِنَايَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي التَّعْزِيرِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ التَّعْزِيرُ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لِعَدُوِّهِ مِنْ أَذَاهُ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِهِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي مَوَاضِعَ.

وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَجْلِدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: " لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ " وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ، لَا يَبْلُغُ بِهِ أَدْنَى حَدٍّ مَشْرُوعٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَبْلُغُ بِهِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا؛ لِأَنَّهَا حَدُّ الْعَبْدِ فِي الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ عِشْرِينَ سَوْطًا فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَأَرْبَعِينَ فِي حَدِّ الْحُرِّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
فَلَا يُزَادُ الْعَبْدُ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ سَوْطًا، وَلَا الْحُرُّ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ سَوْطًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ: أَدْنَى الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِكُلِّ جِنَايَةٍ حَدًّا مَشْرُوعًا فِي جِنْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَدِّ غَيْرِ جِنْسِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا.
فَعَلَى هَذَا، مَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ جَازَ أَنْ يُجْلَدَ مِائَةً إلَّا سَوْطًا؛ لِيَنْقُصَ عَنْ حَدِّ الزِّنَا، وَمَا كَانَ سَبَبُهُ غَيْرَ الْوَطْءِ، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فِي الَّذِي وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، يُجْلَدُ مِائَةً.
وَهَذَا تَعْزِيرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، وَحَدُّهُ إنَّمَا هُوَ الرَّجْمُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، فِي أَمَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا: يُجْلَدُ الْحَدَّ إلَّا سَوْطًا وَاحِدًا، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا عِنْدِي مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ لَا يَقْتَضِي اخْتِلَافًا فِي التَّعْزِيرِ، بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إتْبَاعًا لِلْأَثَرِ، إلَّا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ؛ لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ، وَفِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ، وَمَا عَدَاهُمَا يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ.
وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ تَقْدِيرُ أَكْثَرِهِ، فَلَيْسَ أَقَلُّهُ مُقَدَّرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَدَّرَ لَكَانَ حَدًّا؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّرَ أَكْثَرَهُ، وَلَمْ يُقَدِّرْ أَقَلَّهُ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِيمَا يَرَاهُ، وَمَا يَقْتَضِيهِ حَالُ الشَّخْصِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ التَّعْزِيرُ عَلَى الْحَدِّ، إذَا رَأَى الْإِمَامُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ، عَمِلَ خَاتَمًا عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا، فَبَلَغَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَضَرَبَهُ مِائَةً، وَحَبَسَهُ، فَكُلِّمَ فِيهِ، فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرَى، فَكُلِّمَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ، فَضَرَبَهُ مِائَةً وَنَفَاهُ وَرَوَى أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ، فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ الْحَدَّ، وَعِشْرِينَ سَوْطًا لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ اسْتَخْلَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ كَانَ جَمَعَ الْمَتَاعَ فِي الْبَيْتِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: أَعْجَلْتُمُوهُ الْمِسْكِينَ.
فَضَرَبَهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ سَوْطًا، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَلَنَا حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ، وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ، فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَدْرِ الْإِجْرَامِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْمَعَاصِي الْمَنْصُوصُ عَلَى حُدُودِهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ فِي أَهْوَنِ الْأَمْرَيْنِ عُقُوبَةَ أَعْظَمِهَا.
وَمَا قَالُوهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ مَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً حَرَامًا، يُضْرَبُ أَكْثَرَ مِنْ حَدِّ الزِّنَا، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الزِّنَا مَعَ عِظَمِهِ وَفُحْشِهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى

حَدِّهِ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى.
فَأَمَّا حَدِيثُ مَعْنٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَأُدِّبَ عَلَى جَمِيعِهَا، أَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْأَخْذُ، أَوْ كَانَ ذَنْبُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنَايَاتٍ أَحَدُهَا: تَزْوِيرُهُ، وَالثَّانِي: أَخْذُهُ لِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَالثَّالِثُ: فَتْحُهُ بَابَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لِغَيْرِهِ، وَغَيْرُ هَذَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّ عَلِيًّا ضَرَبَهُ الْحَدَّ لِشُرْبِهِ، ثُمَّ عَزَّرَهُ عِشْرِينَ لِفِطْرِهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ بِتَعْزِيرِهِ حَدًّا.
وَقَدْ ذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا، وَرَوَى أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ يُحَدُّ، ثُمَّ يُعَزَّرُ لِجِنَايَتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى، أَنْ لَا يَبْلُغَ بِنَكَالٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا.

[فَصْلٌ وَسَائِلُ التَّعْزِيرِ]

(7375) فَصْلٌ: وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالتَّوْبِيخِ.
وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا جَرْحُهُ، وَلَا أَخْذُ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ يُقْتَدَى بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ أَدَبٌ، وَالتَّأْدِيبُ لَا يَكُونُ بِالْإِتْلَافِ.

[فَصْلٌ التَّعْزِيرُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَاجِبٌ إذَا رَآهُ الْإِمَامُ]

(7376) فَصْلٌ: وَالتَّعْزِيرُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَاجِبٌ، إذَا رَآهُ الْإِمَامُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي لَقِيت امْرَأَةً.
فَأَصَبْت مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَطَأَهَا، فَقَالَ: " أَصَلَّيْت مَعَنَا؟ " قَالَ: نَعَمْ.
فَتَلَا.
عَلَيْهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] . وَقَالَ فِي الْأَنْصَارِ: " اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ " وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ لِلزُّبَيْرِ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك.
فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُعَزِّرْهُ عَلَى مَقَالَتِهِ.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَلَمْ يُعَزِّرْهُ

وَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، أَوْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَيَجِبُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِهِ، وَجَبَ؛ لِأَنَّهُ زَجْرٌ مَشْرُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ، كَالْحَدِّ.

[فَصْلٌ مَاتَ مِنْ التَّعْزِيرِ]

(7377) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ مِنْ التَّعْزِيرِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُهُ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَيْسَ أَحَدٌ أُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي شَيْئًا إنَّ الْحَقَّ قَتَلَهُ، إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسُنَّهُ لَنَا وَأَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِضَمَانِ الَّتِي أَجْهَضَتْ جَنِينَهَا حِينَ أَرْسَلَ إلَيْهَا.
وَلَنَا أَنَّهَا عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلرَّدْعِ، وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَنْ تَلِفَ بِهَا، كَالْحَدِّ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ فِي دِيَةِ مَنْ قَتَلَهُ حَدُّ الْخَمْرِ، فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُوجِبُوا شَيْئًا بِهِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ تَرْكِ الْجَمِيعِ لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْجَنِينِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْجَنِينَ الَّذِي تَلِفَ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ، وَلَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ ضَمَانُهُ؟ وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ حَدَّ حَامِلًا، فَأَتْلَفَ جَنِينَهَا، ضَمِنَهُ، مَعَ أَنَّ الْحَدَّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنَا، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ضَمَانُ الْمَحْدُودِ إذَا أُتْلِفَ بِهِ.

[فَصْلٌ لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ ضَمَانُ الزَّوْجَةِ إذَا تَلِفَتْ مِنْ التَّأْدِيبِ الْمَشْرُوعِ فِي النُّشُوزِ]

(7378) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ ضَمَانُ الزَّوْجَةِ إذَا تَلِفَتْ مِنْ التَّأْدِيبِ الْمَشْرُوعِ فِي النُّشُوزِ، وَلَا عَلَى الْمُعَلِّمِ إذَا أَدَّبَ صَبِيَّهُ الْأَدَبَ الْمَشْرُوعَ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ.
وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
قَالَ الْخَلَّالُ: إذَا ضَرَبَ الْمُعَلِّمُ ثَلَاثًا، كَمَا قَالَ التَّابِعُونَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَكَانَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَلَيْسَ بِضَامِنٍ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، مِثْلُهُ لَا يَكُونُ أَدَبًا لِلصَّبِيِّ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى فِي الضَّرْبِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ يَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: إذَا ضَرَبَ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ الصَّبِيَّ تَأْدِيبًا فَهَلَكَ، أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ، أَوْ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ تَأْدِيبًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، كَالْمُعَلِّمِ.

[فَصْلٌ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ إنْسَانٍ فِيهِ أَكِلَةٌ أَوْ سِلْعَةٌ بِأُذُنِهِ وَهُوَ كَبِير عَاقِلٌ]

(7379) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ إنْسَانٍ فِيهِ أَكِلَةٌ، أَوْ سِلْعَةٌ بِأُذْنِهِ، وَهُوَ كَبِيرٌ عَاقِلٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَطَعَهُ مُكْرَهًا، فَالْقَطْعُ وَسِرَايَتُهُ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاطِعُ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ، وَالْأَكِلَةُ إنْ كَانَ بَقَاؤُهَا مَخُوفًا، فَقَطْعُهَا مَخُوفٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْ قُطِعَتْ مِنْهُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَقَطَعَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَطَعَهَا وَلِيُّهُ، وَهُوَ الْأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوْ الْحَاكِمُ، أَوْ أَمِينُهُ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ،

فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَصْلَحَتَهُ، وَلَهُ النَّظَرُ فِي مَصَالِحِهِ، فَكَانَ فِعْلُهُ مَأْمُورًا بِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَوْ خَتَنَهُ فَمَاتَ.
وَالسِّلْعَةُ: غُدَّةٌ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ، تَظْهَرُ فِي الْبَدَنِ، كَالْجَوْزَةِ، وَتَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ، وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ.
وَالسَّلْعَةُ: بِفَتْحِ السِّينِ: الشَّجَّةُ.

[فَصْلٌ خَتَنَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ فِي وَقْتٍ مُعْتَدِلٍ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ]

(7380) فَصْلٌ: وَإِذَا خَتَنَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ فِي وَقْتٍ مُعْتَدِلٍ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ إنْ تَلِفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
وَإِنْ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَمْ يَخْتَتِنَا، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِهِمَا فَخُتِنَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ زَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَتْلَفُ بِالْخِتَانِ، أَوْ الْغَالِبُ تَلَفُهُ بِهِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ السَّلَامَةَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ، لَيْسَ بِمُفْرِطِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ فِي النِّسَاءِ.» وَلَنَا أَنَّهُ قَطْعُ عُضْوٍ صَحِيحٍ مِنْ الْبَدَنِ، يُتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِ، فَلَمْ يُقْطَعْ إلَّا وَاجِبًا، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَا جَازَ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَجْلِهِ، فَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ قِيلَ: هُوَ ضَعِيفٌ.
وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى سُنَّةً، فَإِنَّ السُّنَّةَ مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى، وَلَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَإِلَّا أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ إنْسَانًا بِالصُّعُودِ فِي سُورٍ أَوْ نُزُولٍ فِي بِئْرٍ أَوْ نَحْوِهِ]

(7381) إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ إنْسَانًا بِالصُّعُودِ فِي سُورٍ، أَوْ نُزُولٍ فِي بِئْرٍ، أَوْ نَحْوِهِ، فَعَطِبَ بِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: عَلَى السُّلْطَانِ ضَمَانُهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ طَاعَةَ إمَامِهِ فَإِذَا أَفْضَتْ طَاعَتُهُ إلَى الْهَلَاكِ، فَكَأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ غَيْرَ الْإِمَامِ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ طَاعَتَهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ، فَلَمْ يُلْجِئْهُ إلَيْهِ.
وَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْمُضِيِّ فِي حَاجَةٍ، فَعَثَرَ فَهَلَكَ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ لَيْسَ بِسَبَبِ الْهَلَاكِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا.
فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ أَمْرُهُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَالضَّمَانُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، إنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ.
وَإِنْ أَقَامَ الْإِمَامُ الْحَدَّ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ أَلْزَمَ إنْسَانًا الْخِتَانَ فِي ذَلِكَ، فَهَلْ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ حَمَلَ عَلَيْهِ جَمَلٌ صَائِلٌ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ]

(7382) : (وَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهِ جَمَلٌ صَائِلٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ إلَّا بِضَرْبِهِ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيمَةٌ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهَا إلَّا بِقَتْلِهَا، جَازَ لَهُ قَتْلُهَا إجْمَاعًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ لِغَيْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: عَلَيْهِ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، كَالْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ إذَا أَكَلَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ: يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَيَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبَاحَةَ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّ، لَمْ يُقْتَلْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالدَّفْعِ الْجَائِزِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ، جَازَ إتْلَافُهُ فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْآدَمِيِّ الْمُكَلَّفِ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ، فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ، كَانَ الصَّائِلُ هُوَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ حَرْبَةً فِي طَرِيقِهِ، فَقَذَفَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، فَمَاتَ بِهَا.
وَفَارَقَ الْمُضْطَرَّ؛ فَإِنَّ الطَّعَامَ لَمْ يُلْجِئْهُ إلَى إتْلَافِهِ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُزِيلُ عِصْمَتَهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا لِصِيَالِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ ضَمِنَهُ، وَلَوْ قَتَلَ الْمُكَلَّفَ لِصِيَالِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ لِيَأْكُلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ كَالْمُكَلَّفِ فِي هَذَا.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يَمْلِكُ إبَاحَةَ نَفْسِهِ.
قُلْنَا: وَالْمُكَلَّفُ لَا يَمْلِكُ إبَاحَةَ دَمِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَبَحْت دَمِي.
لَمْ يُبَحْ، عَلَى أَنَّهُ صَالَ، فَقَدْ أُبِيحَ دَمُهُ بِفِعْلِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ ضَمَانُهُ، كَالْمُكَلَّفِ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِالسِّلَاحِ]

(7383) (وَإِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِالسِّلَاحِ، فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِأَسْهَلِ مَا يُخْرِجُهُ بِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِضَرْبِ عَصًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَضْرِبَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنْ آلَ الضَّرْبُ إلَى نَفْسِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الدَّارِ كَانَ شَهِيدًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلِصَاحِبِ الدَّارِ أَمْرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ سِلَاحٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِدُخُولِ مِلْكِ غَيْرِهِ، فَكَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مُطَالَبَتُهُ بِتَرْكِ التَّعَدِّي، كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ خَرَجَ بِالْأَمْرِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إخْرَاجُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ رَأَى لِصًّا، فَأَصْلَتَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، قَالَ: فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ.
وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْحَسَنِ، فَقَالَ: لِصٌّ دَخَلَ بَيْتِي وَمَعَهُ حَدِيدَةٌ، أَقْتُلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، بِأَيِّ قِتْلَةٍ قَدَرْت أَنْ تَقْتُلَهُ.

وَلَنَا، أَنَّهُ أَمْكَنَ إزَالَةُ الْعُدْوَانِ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، فَلَمْ يَجُزْ الْقَتْلُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمْكَنَ أَخْذُهُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ.
وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ التَّرْهِيبِ، لَا عَلَى قَصْدِ إيقَاعِ الْفِعْلِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِالْأَمْرِ، فَلَهُ ضَرْبُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُ، فَإِذَا انْدَفَعَ بِقَلِيلٍ، فَلَا حَاجَةَ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْعَصَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ بِالْحَدِيدِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيدَ آلَةٌ لِلْقَتْلِ، بِخِلَافِ الْعَصَا.
وَإِنْ ذَهَبَ مُوَلِّيًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ، وَلَا اتِّبَاعُهُ، كَأَهْلِ الْبَغْيِ.
وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَطَّلَتْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كُفِيَ شَرَّهُ.
وَإِنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ، فَوَلَّى مُدْبِرًا، فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، فَقَطْعُ الرِّجْلِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ، وَقَطْعُ الْيَدِ غَيْرُ مَضْمُونٍ.
فَإِنْ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَةِ اثْنَيْنِ.
وَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ قَطْعِ رِجْلِهِ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، فَالْيَدَانِ غَيْرُ مَضْمُونَتَيْنِ.
وَإِنْ مَاتَ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَةِ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ.
فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَضْمَنَ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَيْنِ قَطْعُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا مِائَةَ جُرْحٍ، وَجَرَحَهُ آخَرُ جُرْحًا وَاحِدًا، وَمَاتَ، كَانَتْ دِيَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَا تُقْسَمُ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الْجِرَاحَاتِ، كَذَا هَاهُنَا.
فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ، أَوْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ، وَمَا أَتْلَفَ مِنْهُ فَهُوَ هَدْرٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ لِدَفْعِ شَرِّهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْبَاغِي، وَلِأَنَّهُ اضْطَرَّ صَاحِبَ الدَّارِ إلَى قَتْلِهِ، فَصَارَ كَالْقَاتِلِ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الدَّارِ فَهُوَ شَهِيدٌ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
وَلِأَنَّهُ قُتِلَ لِدَفْعِ ظَالِمٍ، فَكَانَ شَهِيدًا، كَالْعَادِلِ إذَا قَتَلَهُ الْبَاغِي.

[فَصْلٌ وَكُلُّ مَنْ عَرَضَ لِإِنْسَانٍ يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ]

(7384) وَكُلُّ مَنْ عَرَضَ لِإِنْسَانٍ يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فِي دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُمْ بِهِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ نَهْرٌ كَبِيرٌ، أَوْ خَنْدَقٌ، أَوْ حِصْنٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى اقْتِحَامِهِ، فَلَيْسَ لَهُ رَمْيُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِقِتَالِهِمْ، فَلَهُ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي اللُّصُوصِ يُرِيدُونَ نَفْسَك وَمَالَك: قَاتِلْهُمْ تَمْنَعْ نَفْسَك وَمَالَك.
وَقَالَ عَطَاءٌ، فِي الْمُحْرِمِ يَلْقَى اللُّصُوصَ، قَالَ: يُقَاتِلُهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ قِتَالَ الْحَرُورِيَّةِ وَاللُّصُوصِ تَأَثُّمًا، إلَّا أَنْ يَجْبُنَ.
وَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ طَرِيفٍ: قُلْت لِلْحَسَنِ: إنِّي أَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، أَخْوَفُ شَيْءٍ عِنْدِي يَلْقَانِي الْمُصَلُّونَ يَعْرِضُونَ لِي فِي مَالِي، فَإِنْ كَفَفْت يَدِي ذَهَبُوا بِمَالِي، وَإِنْ قَاتَلْت الْمُصَلِّيَ فَفِيهِ مَا قَدْ عَلِمْت؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مَنْ عَرَضَ لَك فِي مَالِك، فَإِنْ قَتَلْته فَإِلَى

النَّارِ، وَإِنْ قَتَلَك فَشَهِيدٌ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ أَرَادَهَا رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهَا، فَقَتَلَتْهُ لِتُحْصِنَ نَفْسَهَا، فَقَالَ: إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا نَفْسَهَا، فَقَتَلَتْهُ لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
وَذَكَرَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَأَرَادَ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا.
وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ الدَّفْعُ عَنْ مَالِهِ الَّذِي يَجُوزُ بَذْلُهُ وَإِبَاحَتُهُ، فَدَفْعُ الْمَرْأَةِ عَنْ نَفْسِهَا وَصِيَانَتُهَا عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي لَا تُبَاحُ بِحَالٍ أَوْلَى.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا إنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْهَا مُحَرَّمٌ، وَفِي تَرْكِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ.
فَأَمَّا مِنْ أُرِيدَتْ نَفْسِهِ أَوْ مَالُهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفِتْنَةِ: «اجْلِسْ فِي بَيْتِك فَإِنْ خِفْت أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْفِ، فَغَطِّ وَجْهَك» . وَفِي لَفْظٍ: «فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» . وَلِأَنَّ عُثْمَانَ، تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ إمْكَانِهِ مَعَ إرَادَتِهِمْ نَفْسَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمُضْطَرِّ: إذَا وَجَدَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ، لَزِمَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَلِمَ لَمْ تَقُولُوا ذَلِكَ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْأَكْلَ يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ، مِنْ غَيْرِ تَفْوِيتِ نَفْسِ غَيْرِهِ، وَهَا هُنَا فِي إحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَاتُ نَفْسِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ غَيْرَهُ، فَلَزِمَهُ، كَالْأَكْلِ فِي الْمَخْمَصَةِ.
وَالثَّانِي، لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَفْعٌ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَالدَّفْعِ بِالْقِتَالِ.
(7385) فَصْلٌ: وَإِذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ صَائِلٍ، يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ ظُلْمًا، أَوْ يُرِيدُ امْرَأَةً لِيَزْنِيَ بِهَا، فَلِغَيْرِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ مَعُونَتُهُ فِي الدَّفْعِ.
وَلَوْ عَرَضَ اللُّصُوصُ لِقَافِلَةٍ، جَازَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْقَافِلَةِ الدَّفْعُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا» . وَفِي حَدِيثٍ: «إنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْفَتَّانِ» . وَلِأَنَّهُ لَوْلَا التَّعَاوُنُ لَذَهَبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَأَنْفُسُهُمْ؛ لِأَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ إذَا انْفَرَدُوا بِأَخْذِ مَالِ إنْسَانٍ لَمْ يُعِنْهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْكُلِّ، وَاحِدًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ.

[فَصْلٌ وَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُ]

(7386) وَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيْنَمَا هُوَ يَتَغَدَّى يَوْمًا، إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَعْدُو، وَمَعَهُ سَيْفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، فَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ مَعَ عُمَرَ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، وَأَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا مَعَ امْرَأَتِهِ.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ضَرَبَ الْآخَرُ فَخِذَيْ امْرَأَتِهِ بِالسَّيْفِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلَهُ.
فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: مَا يَقُولُ؟ قَالُوا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ، فَقَطَعَ فَخِذَيْ امْرَأَتِهِ، فَأَصَابَ وَسَطَ الرَّجُلِ، فَقَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ.
فَقَالَ عُمَرُ: إنْ عَادُوا فَعُدْ.
رَوَاهُ هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ.
أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ.
وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُطَاوِعَةً، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ بَيْتَهُ، فَإِذَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلٌ، فَقَتَلَهَا وَقَتَلَهُ.
قَالَ عَلِيٌّ: إنْ جَاءَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَإِلَّا فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ الْقَتْلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْبَيِّنَةِ، فَرُوِيَ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ؛ لِخَبَرِ عَلِيٍّ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ سَعْدًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت إنْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ» . وَرُوِيَ أَنَّهُ يَكْفِي شَاهِدَانِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ عَلَى وُجُودِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَهَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْأَرْبَعَةِ الزِّنَى، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الزِّنَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَحَدِيثُ عُمَرَ فِي الَّذِي وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا لَيْسَ فِيهِ بَيِّنَةٌ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَرَجَ غَازِيًا، وَأَوْصَى بِأَهْلِهِ رَجُلًا، فَبَلَغَ الرَّجُلَ أَنَّ يَهُودِيًّا يَخْتَلِفُ إلَى امْرَأَتِهِ، فَكَمَنَ لَهُ حَتَّى جَاءَ، فَجَعَلَ يُنْشِدُ: وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنِّي ... خَلَوْت بِعِرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ

أَبِيتُ عَلَى تَرَائِبِهَا وَيُضْحِي ... عَلَى جَرْدَاءَ لَاحِقَةِ الْحِزَامِ

كَأَنَّ مَوَاضِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا ... فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إلَى فِئَامِ فَقَامَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، فَأَهْدَرَ دَمَهُ، وَلَمْ يُطَالِبْ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِ الْوَلِيِّ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَادَّعَى عِلْمَ الْوَلِيِّ بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ.

[فَصْلٌ وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ هَجَمَ مَنْزِلِي]

(7387) وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا، وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ هَجَمَ مَنْزِلِي، فَلَمْ يُمْكِنِّي دَفْعُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ يُعْرَفُ بِسَرِقَةٍ، أَوْ عِيَارَةٍ، أَوْ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ، فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُمْ رَأَوْا هَذَا مُقْبِلًا إلَى هَذَا بِالسِّلَاحِ الْمَشْهُورِ، فَضَرَبَهُ هَذَا، فَقَدْ هَدَرَ دَمَهُ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ دَاخِلًا دَارِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا سِلَاحًا، أَوْ ذَكَرُوا سِلَاحًا غَيْرَ مَشْهُورٍ، لَمْ يَسْقُطْ الْقَوَدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ لِحَاجَةٍ، وَمُجَرَّدُ الدُّخُولِ الْمَشْهُودِ بِهِ لَا يُوجِبُ إهْدَارَ دَمِهِ.
وَإِنْ تَجَارَحَ رَجُلَانِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنِّي جَرَحْته دَفْعًا عَنْ نَفْسِي.
حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَرَحَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى الْآخَرِ مَا يُنْكِرُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.

[فَصْلٌ وَلَوْ عَضَّ رَجُلٌ يَدَ آخَرَ]

(7388) وَلَوْ عَضَّ رَجُلٌ يَدَ آخَرَ، فَلَهُ جَذْبُهَا مِنْ فِيهِ، فَإِنْ جَذَبَهَا فَوَقَعَتْ ثَنَايَا الْعَاضِّ، فَلَا ضَمَانَ فِيهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِ الْعَاضِّ، فَاخْتَصَمَا إلَى شُرَيْحٍ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: انْزِعْ يَدَك مِنْ فِي السَّبُعِ، وَأَبْطِلْ أَسْنَانَهُ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» . وَلَنَا، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ: كَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ، قَالَ: فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ فَانْتَزَعَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيك تَقْضِمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ،.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ عُضْوِهِ.
وَحَدِيثُهُمْ يَدُلُّ عَلَى دِيَةِ السِّنِّ إذَا قُلِعَتْ ظُلْمًا، وَهَذِهِ لَمْ تُقْلَعْ ظُلْمًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَعْضُوضُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا؛ لِأَنَّ الْعَضَّ

مُحَرَّمٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَضُّ مُبَاحًا، مِثْلُ أَنْ يُمْسِكَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بِإِمْسَاكِهِ، أَوْ يَعَضُّ يَدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِهِ إلَّا بِعَضِّهِ، فَيَعَضُّهُ، فَمَا سَقَطَ مِنْ أَسْنَانِهِ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَاضٌّ وَالْعَضُّ مُبَاحٌ.
وَلِذَلِكَ لَوْ عَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْمَعْضُوضَ تَخْلِيصُ يَدِهِ إلَّا بِعَضِّهِ، فَلَهُ عَضُّهُ، وَيَضْمَنُ الظَّالِمُ مِنْهُمَا مَا تَلِفَ مِنْ الْمَظْلُومِ، وَمَا تَلِفَ مِنْ الظَّالِمِ هَدْرٌ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَضَّهُ فِي غَيْرِ يَدِهِ، أَوْ عَمِلَ بِهِ عَمَلًا غَيْرَ الْعَضِّ أَفْضَى إلَى تَلَفِ شَيْءٍ مِنْ الْفَاعِلِ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ غُلَامًا أَخَذَ قُمْعًا مِنْ أَقْمَاعِ الزَّيَّاتِينَ، فَأَدْخَلَهُ بَيْنَ فَخِذَيْ رَجُلٍ، وَنَفَخَ فِيهِ، فَذُعِرَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ، وَخَبَطَ بِرِجْلِهِ، فَوَقَعَ عَلَى الْغُلَامِ، فَكَسَرَ بَعْضَ أَسْنَانِهِ، فَاخْتَصَمُوا إلَى شُرَيْحٍ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا أَعْقِلُ الْكَلْبَ الْهَرَّارَ.
قَالَ الْقَاضِي: يُخَلِّصُ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنْ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَكُّ لَحْيَيْهِ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ لَكَمَهُ فِي فَكِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَذَبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُصْ، فَلَهُ أَنْ يَعْصِرَ خُصْيَتَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَلَهُ أَنْ يَبْعَجَ بَطْنَهُ، وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَهُ أَنْ يَجْذِبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ يَدِهِ فِي فَمِ الْعَاضِّ حَتَّى يَتَحَيَّلَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَنَّ جَذْبَ يَدِهِ مُجَرَّدُ تَخْلِيصٍ لِيَدِهِ، وَمَا حَصَلَ مِنْ سُقُوطِ الْأَسْنَانِ حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّخْلِيصِ الْجَائِزِ، وَلَكْمُ فَكِّهِ جِنَايَةٌ غَيْرُ التَّخْلِيصِ، وَرُبَّمَا تَضَمَّنَتْ التَّخْلِيصَ، وَرُبَّمَا أَتْلَفَتْ الْأَسْنَانَ الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ الْعَضُّ بِهَا، وَكَانَتْ الْبَدَاءَةُ بِجَذْبِ يَدِهِ أَوْلَى.
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ جَذْبُ يَدِهِ، فَعَدَلَ إلَى لَكْمِ فَكِّهِ، فَأَتْلَفَ سِنًّا، ضَمِنَهُ، لِإِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ.

[فَصْلٌ وَمَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ مِنْ ثَقْبٍ أَوْ شَقِّ بَابٍ أَوْ نَحْوِهِ فَرَمَاهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ]

(7389) وَمَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ مِنْ ثَقْبٍ، أَوْ شَقِّ بَابٍ، أَوْ نَحْوِهِ، فَرَمَاهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ بِحَصَاةٍ، أَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ، فَقَلَعَ عَيْنَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَنَظَرَ فِيهِ، أَوْ نَالَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا دُونَ الْفَرْجِ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ عَيْنِهِ، فَمُجَرَّدُ النَّظَرِ أَوْلَى.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ.» وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي حَجَرٍ مِنْ بَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحُكُّ رَأْسَهُ بِمِدْرَى فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَمْت، أَوْ لَطَعَنْت بِهَا فِي عَيْنِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا

عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَنْزِلَ يُعْلَمُ بِهِ، فَيُسْتَتَرُ مِنْهُ، بِخِلَافِ النَّاظِرِ مِنْ ثَقْبٍ، فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ، ثُمَّ الْخَبَرُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِذَلِكَ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَدْفَعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهُ أَوَّلًا: انْصَرِفْ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، أَشَارَ إلَيْهِ يُوهِمُهُ أَنَّهُ يَحْذِفُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ، فَلَهُ حَذْفُهُ حِينَئِذٍ.
وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى (7390) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الِاطِّلَاعَ وَمَضَى، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَطْعَنْ الَّذِي اطَّلَعَ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الْجِنَايَةَ، فَأَشْبَهَ مَنْ عَضَّ ثُمَّ تَرَكَ الْعَضَّ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ أَسْنَانِهِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُطَّلَعُ مِنْهُ صَغِيرًا، كَثَقْبِ أَوْ شَقٍّ، أَوْ وَاسِعًا، كَثَقْبٍ كَبِيرٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْبَابَ الْمَفْتُوحَ كَذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُ مَنْ نَظَرَ مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ تَارِكِ الْبَابِ مَفْتُوحًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ بَابَهُ مَفْتُوحًا، أَنَّهُ يَسْتَتِرُ، لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْهُ، وَيَعْلَمُ بِالنَّاظِرِ فِيهِ، وَالْوَاقِفِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ، كَدَاخِلِ الدَّارِ.
وَإِنْ اطَّلَعَ، فَرَمَاهُ صَاحِبُ الدَّارِ، فَقَالَ الْمُطَّلِعُ: مَا تَعَمَّدْت الِاطِّلَاعَ.
لَمْ يَضْمَنْهُ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ قَدْ وُجِدَ، وَالرَّامِي لَا يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِمَا هُوَ أَسْهَلُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا حِينَ اطَّلَعْت، وَإِنْ كَانَ الْمُطَّلِعُ أَعْمَى، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ إنْسَانٌ عُرْيَانًا فِي طَرِيقٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَمْيُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُطَّلِعُ فِي الدَّارِ مِنْ مَحَارِمِ النِّسَاءِ اللَّائِي فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُهُ، إلَّا أَنْ يَكُنَّ مُتَجَرِّدَاتٍ، فَيَصِرْنَ كَالْأَجَانِبِ.
وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيَهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا نِسَاءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الَّتِي اطَّلَعَ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءٌ.
وَقَوْلُهُ: " لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك، بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْته ". عَامٌّ فِي الدَّارِ الَّتِي فِيهَا نِسَاءٌ وَغَيْرِهَا.
(7391) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً، فَإِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُهُ، أَوْ حَدِيدَةٍ ثَقِيلَةٍ، ضَمِنَهُ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ مَا يَقْلَعُ بِهِ الْعَيْنَ الْمُبْصِرَةَ، الَّتِي حَصَلَ الْأَذَى مِنْهَا، دُونَ مَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ الْمُطَّلِعُ بِرَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ، جَازَ رَمْيُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاظِرُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَمَا أَفْسَدَتْ الْبَهَائِمُ]

(7392) : (وَمَا أَفْسَدَتْ الْبَهَائِمُ بِاللَّيْلِ مِنْ الزَّرْعِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى أَهْلِهَا، وَمَا أَفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا، لَمْ يَضْمَنُوهُ)

يَعْنِي إذَا لَمْ تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا أَوْ غَيْرُهُ، فَعَلَى مَنْ يَدُهُ عَلَيْهَا ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ؛ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ.
وَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عَلَيْهَا، فَعَلَى مَالِكِهَا ضَمَانُ مَا أَفْسَدَتْهُ مِنْ الزَّرْعِ، لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: يَضْمَنُ مَالِكُهَا مَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا وَنَهَارًا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ؛ مِنْ قِيمَتِهَا، أَوْ قَدْرِ مَا أَتْلَفَتْهُ، كَالْعَبْدِ إذَا جَنَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِحَالٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» . يَعْنِي هَدْرًا.
وَلِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ وَلَيْسَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ.
كَمَا لَوْ كَانَ نَهَارًا، أَوْ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ غَيْرَ الزَّرْعِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ، أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ، فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنْ كَانَ هَذَا مُرْسَلًا، فَهُوَ مَشْهُورٌ حَدَّثَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ، وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ.
وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاشِي إرْسَالُهَا فِي النَّهَارِ لِلرَّعْيِ، وَحِفْظُهَا لَيْلًا، وَعَادَةُ أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ لَيْلًا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ أَهْلِهَا بِتَرْكِهِمْ حِفْظَهَا فِي وَقْتِ عَادَةِ الْحِفْظِ، وَإِنْ أَتْلَفَتْ نَهَارًا، كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ أَهْلِ الزَّرْعِ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا، وَقَضَى عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ بِالْحِفْظِ فِي وَقْتِ عَادَتِهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الزَّرْعِ، فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا تُتْلِفُ ذَلِكَ عَادَةً، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى حِفْظِهَا، بِخِلَافِ الزَّرْعِ.
(7393) فَصْلٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا يَضْمَنُ مَالِكُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا، إذَا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُ، بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا، أَوْ إرْسَالِهَا نَهَارًا، وَلَمْ يَضْمَنْهَا لَيْلًا، أَوْ ضَمِنَهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ.
أَمَّا إذَا ضَمِنَهَا فَأَخْرَجَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ فَتَحَ عَلَيْهَا بَابَهَا، فَالضَّمَانُ عَلَى مُخْرِجِهَا، أَوْ فَاتِحِ بَابِهَا؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدِي مَحْمُولَةٌ عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ مَزَارِعُ وَمَرَاعٍ، أَمَّا الْقُرَى الْعَامِرَةُ الَّتِي لَا مَرْعَى فِيهَا إلَّا بَيْنَ قراحين، كَسَاقِيَةٍ وَطَرِيقٍ وَطَرَفِ زَرْعٍ، فَلَيْسَ

لِصَاحِبِهَا إرْسَالُهَا بِغَيْرِ حَافِظٍ عَنْ الزَّرْعِ، فَإِنْ فَعَلَهُ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِتَفْرِيطِهِ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

[فَصْلٌ وَإِنْ أَتْلَفَتْ الْبَهِيمَةُ غَيْرَ الزَّرْعِ]

(7394) وَإِنْ أَتْلَفَتْ الْبَهِيمَةُ غَيْرَ الزَّرْعِ لَمْ يَضْمَنْ مَالِكُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ، لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، مَا لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا.
وَحُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَضَى فِي شَاةٍ وَقَعَتْ فِي غَزْلِ حَائِكٍ لَيْلًا، بِالضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَقَرَأَ شُرَيْحٌ ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: 78] . قَالَ: وَالنَّفْشُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ.
وَعَنْ الثَّوْرِيِّ: يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإِرْسَالِهَا.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَيْ هَدْرٌ.
وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّ النَّفْشَ هُوَ الرَّعْيُ بِاللَّيْلِ، فَكَانَ هَذَا فِي الْحَرْثِ الَّذِي تُفْسِدُهُ الْبَهَائِمُ طَبْعًا بِالرَّعْيِ، وَتَدْعُوهَا نَفْسُهَا إلَى أَكْلِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا، فَأَطْلَقَهُ فَعَقَرَ إنْسَانًا أَوْ دَابَّةً]

(7395) وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا، فَأَطْلَقَهُ، فَعَقَرَ إنْسَانًا، أَوْ دَابَّةً، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، أَوْ خَرَقَ ثَوْبَ إنْسَانٍ، فَعَلَى صَاحِبِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِاقْتِنَائِهِ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ إنْسَانٌ دَارِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالدُّخُولِ، مُتَسَبِّبٌ بِعُدْوَانِهِ إلَى عَقْرِ الْكَلْبِ لَهُ.
وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى إتْلَافِهِ.
وَإِنْ أَتْلَفَ الْكَلْبُ بِغَيْرِ الْعَقْرِ، مِثْلَ أَنْ وَلَغَ فِي إنَاءِ إنْسَانٍ، أَوْ بَالَ، لَمْ يَضْمَنْهُ مُقْتَنِيه؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ اقْتَنَى سِنَّوْرًا يَأْكُلُ أَفْرَاخَ النَّاسِ، ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ، كَمَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ، لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهُ جِنَايَتَهُ، كَالْكَلْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَقُورًا.
وَلَوْ أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ أَوْ السِّنَّوْرَ حَصَلَ عِنْدَ إنْسَانٍ، مِنْ غَيْرِ اقْتِنَائِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ، فَأَفْسَدَ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْإِتْلَافُ بِسَبَبِهِ.

[فَصْلٌ وَإِنْ اقْتَنَى حَمَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ فَأَرْسَلَهُ نَهَارًا فَلَقَطَ حَبًّا]

(7396) وَإِنْ اقْتَنَى حَمَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ، فَأَرْسَلَهُ نَهَارًا، فَلَقَطَ حَبًّا، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَهِيمَةِ، وَالْعَادَةُ إرْسَالُهُ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَمَا جَنَتْ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا]

(7397) : (وَمَا جَنَتْ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا، ضَمِنَ رَاكِبُهَا مَا أَصَابَتْ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ جُرْحٍ، أَوْ مَالٍ، وَكَذَلِكَ إنْ قَادَهَا أَوْ سَاقَهَا)

وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ» . وَلِأَنَّهُ جِنَايَةُ بَهِيمَةٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَتَخْصِيصُ الرِّجْلِ بِكَوْنِهِ جُبَارًا، دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي جِنَايَةِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا عَنْ الْجِنَايَةِ إذَا كَانَ رَاكِبَهَا، أَوْ يَدُهُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهَا، وَحَدِيثُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهَا.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا]

(7398) : (وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَضْمَنُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَةِ بَهِيمَةٍ، يَدُهُ عَلَيْهَا، فَيَضْمَنُهَا، كَجِنَايَةِ يَدِهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» . وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ رِجْلِهَا عَنْ الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهَا بِفِعْلِهِ، مِثْلَ أَنْ كَبَحَهَا بِلِجَامِهَا، أَوْ ضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، ضَمِنَ جِنَايَةَ رِجْلِهَا؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي جِنَايَتِهَا، فَكَانَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ السَّبَبَ فِي جِنَايَتِهَا غَيْرُهُ، مِثْلَ أَنْ نَخَسَهَا، أَوْ نَفَرَهَا، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، دُونَ رَاكِبِهَا وَسَائِقِهَا وَقَائِدِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي جِنَايَتِهَا.

[فَصْلٌ فَإِنْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ رَاكِبَانِ]

(7399) : فَإِنْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ رَاكِبَانِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا، الْقَادِرُ عَلَى كَفِّهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ نَحْوَهُمَا، وَيَكُونَ الثَّانِي الْمُتَوَلِّيَ لِتَدْبِيرِهَا فَيَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الدَّابَّةِ قَائِدٌ وَسَائِقٌ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ ضَمِنَ.
فَإِذَا اجْتَمَعَا ضَمِنَا.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا رَاكِبٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، لِذَلِكَ.
وَالثَّانِي، عَلَى الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى يَدًا وَتَصَرُّفًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَائِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلرَّاكِبِ مَعَ الْقَائِدِ.

[فَصْلٌ وَالْجَمَلُ الْمَقْطُورُ عَلَى الْجَمَلِ الَّذِي عَلَيْهِ رَاكِبٌ]

(7400) : وَالْجَمَلُ الْمَقْطُورُ عَلَى الْجَمَلِ الَّذِي عَلَيْهِ رَاكِبٌ، يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْقَائِدِ، فَأَمَّا الْجَمَلُ الْمَقْطُورُ عَلَى الْجَمَلِ الثَّانِي، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُضْمَنَ جِنَايَتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَائِقٌ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ الْأَوَّلَ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ عَنْ الْجِنَايَةِ.
وَلَوْ كَانَ مَعَ الدَّابَّةِ وَلَدُهَا، لَمْ تُضْمَنْ جِنَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ.

[فَصْلٌ وَإِنْ وَقَفَتْ الدَّابَّةُ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ]

(7401) وَإِنْ وَقَفَتْ الدَّابَّةُ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، ضَمِنَ مَا جَنَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ فَمٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِوَقْفِهَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَضْمَنُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ انْتِفَاعَهُ بِالطَّرِيقِ مَشْرُوطٌ بِالسَّلَامَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ فِي الطَّرِيقِ طِينًا، فَزَلِقَ بِهِ إنْسَانٌ، ضَمِنَهُ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِوَقْفِهَا فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ وَقَفَهَا فِي مَوَاتٍ.
وَفَارَقَ الطِّينَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِتَرْكِهِ فِي الطَّرِيقِ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ، فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ]

(7402) : (وَإِذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ، فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ دَابَّةِ الْآخَرِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصْطَدِمَيْنِ ضَمَانَ مَا تَلِفَ مِنْ الْآخَرِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَابَّةٍ، أَوْ مَالٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّابَّتَانِ فَرَسَيْنِ، أَوْ بَغْلَيْنِ، أَوْ حِمَارَيْنِ، أَوْ جَمَلَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَرَسًا وَالْآخَرُ غَيْرَهُ، سَوَاءٌ كَانَا مُقْبِلَيْنِ، أَوْ مُدْبِرَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا، فَكَانَ الضَّمَانُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ جَرَحَ إنْسَانٌ نَفْسَهُ، وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ، فَمَاتَ مِنْهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَرَّبَهَا إلَى مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، فَلَزِمَ الْآخَرَ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً بِخِلَافِ الْجِرَاحَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ قِيمَةَ الدَّابَّتَيْنِ إنْ تَسَاوَتَا، تَقَاصَّتَا وَسَقَطَتَا، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى، فَلِصَاحِبِهَا الزِّيَادَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَى الدَّابَّتَيْنِ، فَعَلَى الْآخَرِ قِيمَتُهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيْهِ نَقْصِهَا.
(7403) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْ الْآخَرِ، فَأَدْرَكَهُ الثَّانِي فَصَدَمَهُ، فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ، أَوْ إحْدَاهُمَا، فَالضَّمَانُ عَلَى اللَّاحِقِ؛ لِأَنَّهُ الصَّادِمُ وَالْآخَرُ مَصْدُومٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ وَالْآخَرُ وَاقِفًا.]

(7404) : (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالْآخَرُ وَاقِفًا، فَعَلَى السَّائِرِ قِيمَةُ دَابَّةِ الْوَاقِفِ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ السَّائِرَ هُوَ الصَّادِمُ الْمُتْلِفُ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ مَاتَ هُوَ أَوْ دَابَّتُهُ، فَهُوَ هَدْرٌ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ.
وَإِنْ انْحَرَفَ الْوَاقِفُ، فَصَادَفَتْ الصَّدْمَةُ انْحِرَافَهُ، فَهُمَا كَالسَّائِرَيْنِ؛ لِأَنَّ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل