فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، أبو البقاء
- الكتاب
- اللباب في علل البناء والإعراب
- المؤلف
- أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
- المحقق
- د. عبد الإله النبهان
- الناشر
- دار الفكر - دمشق
- الطبعة
- الأولى، 1416هـ 1995م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالْفرق بَين (نبَّات وأنبأت) وَبَين (أعلمت) أنَّ (أعلمت) اسْتعْملت بِغَيْر همزَة التعدِّي ثَّم عُدِّيت و (نَّبأت وأنبأتُ) وضعتا على التعدِّي وَلم يسْتَعْمل مِنْهُمَا (نبأ الرجل) و (خبرت وأخبرت وحدَّثت) مثل (نبَّأت) وإنَّما سَاغَ التعدِّي إِلَى ثَلَاثَة لشبهها ب (أعلمت) لأنَّك إِذا أخْبرت إنْسَانا بِأَمْر فقد أعلمته بِهِ
فصل
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز تَعديَة (ظَنَنْت) وَأَخَوَاتهَا غير (علمت وَرَأَيْت) فمذهب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور أنَّه لَا يجوز إلاَّ فِي (علمت وَرَأَيْت) لأنَّ تعدِّي الْفِعْل بِالْهَمْزَةِ من بَاب وضع اللُّغَة أَلا ترى أنَّ قَوْلك كَّلمت زيدا لَا تجوز تعديته بِالْهَمْزَةِ فَلَا تَقول أكلمت زيدا عمرا بِمَعْنى مكَّنته من تكليمه وَلم يرد السماع إلاَّ ب (أعلمت وأريت) وَأَجَازَ الْأَخْفَش ذَلِك فِي جَمِيع بَاب (ظَنَنْت) قِيَاسا على (أعلمت وَرَأَيْت) وَهُوَ بعيد لم قدَّمنا فصل
لَا خلاف فِي جَوَاز الِاقْتِصَار على فَاعل هَذِه الْأَفْعَال وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز الِاقْتِصَار على الْمَفْعُول الأول فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازه كَقَوْلِك أعلمت زيدا وَمنع مِنْهُ قوم وَالدَّلِيل على جَوَازه أَمْرَانِ أَحدهمَا أنَّه فَاعل فِي الْمَعْنى وَالْفَاعِل يجوز الِاقْتِصَار عَلَيْهِ فِي بَاب (ظَنَنْت) فَكَذَلِك هَهُنَا
وَالثَّانِي أنَّ (زيدا) هُنَا مفعول الْإِعْلَام وَلَيْسَ بمبتدأ فِي الأَصْل بِخِلَاف الْمَفْعُول الأوَّل فِي (ظَنَنْت) فإنَّه مُبْتَدأ فِي الأَصْل غير مفعول بِهِ
فصل
وَالْمَفْعُول الثَّالِث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي فِي بَاب (ظَنَنْت) فَلَا يجوز على هَذَا أَن تَقول أعلمت زيدا عمرا بِشْراً فكَلُّ مِنْهُم غير الآخر إلاَّ على تَأْوِيل وَهُوَ أَن يكون الْمَعْنى أعلمتُ زيدا عمرا مثل بشر أَو خيّلت لَهُ أنَّ أَحدهمَا هُوَ الآخر أَو يكون عمروٌ وبشرٌ اسْمَيْنِ لرجل وَاحِد فصل
وَلَا يجوز إلفاء هَذِه الْأَفْعَال بتعليقها عَن الْعَمَل ولابتوسُّطها وتأخُّرها لأنَّ الْمَفْعُول الأوَّل فِيهَا فَاعل فِي الْمَعْنى وَلَيْسَ بمبتدأ فِي الأَصْل فعلى هَذَا لَا تَقول أعملت لزيدٌ عمروٌ ذَاهِب لأنَّك إِن جعلت (ذَاهِبًا) ل (عَمْرو) لم يعد على زيد ضمير وَكَذَلِكَ إِن جعلته لزيد ثَّم إنَّ المفعولين الآخرين غير الْمَفْعُول الأول فَلَا يصحُّ أنَّ يَجْعَل كباب (ظَنَنْت) لأنَّ الثَّانِي هُوَ الأوَّل
بَاب الْمصدر
الْمصدر مشتقٌّ مِنْ صَدَرت الْإِبِل عَن المَاء إِذا انصرفت ووَّلته صدروها وسمِّي بذلك لأنَّ الْفِعْل صدر عَنهُ هَذَا مَذْهَب البصرييّن وَقَالَ الكوفيُّون الْمصدر مُشْتَقّ من الْفِعْل وَالدَّلِيل على الأول أَمْرَانِ أَحدهمَا أنَّ الْمصدر يدلّ على الْحَدث فَقَط وَالْفِعْل يدلُ على الْحَدث وَالزَّمَان وَمَا يدلُّ على معنى وَاحِد كالمفرد وَمَا يدلُّ على معنيِيْن كالمركَّب والمفرد قبل المركَّب وَالثَّانِي أنَّ الْمصدر جنس يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير والماضي والمستقبل فَهُوَ كالعموم وَالْفِعْل يختصُّ بِزَمَان معيَّن وَالْعَام قبل الخاصّ وَقد شُبَّه الْمصدر بالنقرة من الفّضَّة فِي أنَّها فضَّة فَقَط وَمَا يتَّخذ مِنْهَا من مرْآة أَو قاروة وَنَحْو ذَلِك بِمَنْزِلَة الْفِعْل من حَيْثُ أنَّ فِيهِ مَا فِي الْمصدر وَزِيَادَة كَمَا أنَّ الْمرْآة فِيهَا الفضَّة وَالصُّورَة الْمَخْصُوصَة
واحتجّ الكوفيُّون بأنَّ الْفِعْل يعْمل فِي الْمصدر وَالْعَامِل قبل الْمَعْمُول وَهَذَا لَا يصلح دَلِيلا على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أنَِّ الِاشْتِقَاق يُوجد من جِهَة الْمعَانِي والتصريف لَا من بَاب الْعَامِل والمعمول وَالثَّانِي أنَّ الْحَرْف يعْمل فِي الِاسْم وَلَيْسَ الْحَرْف مشتّقاً من الِاسْم وَكَذَلِكَ الْفِعْل يعْمل فِي الْأَعْلَام والأجناس الَّتِي لَيست مصَادر وَلَا يقالُ هِيَ مشتقِّة مِنْهُ
فصل
وإنَّما سمّي الْمصدر مَفْعُولا مُطلقًا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أنَّه الْمَفْعُول على التَّحْقِيق أَلا ترى أنَّ قَوْلك (ضربت) أَي أوجدت الضَّرْب بِخِلَاف قَوْلك ضربت زيدا فَإنَّك لم تُوجد زيدا وإنَّما أوجدت بِهِ فعلا وَالثَّانِي أنَّ لفظ الْمصدر مجرَّد عَن حرف جرّ فَلَا يُقَال (بِهِ) وَلَا (فِيهِ) وَلَا (لَهُ) وَلَا (مَعَه) وإنَّما كَانَ كَذَلِك لأنَّه لَو قيل لَك - وَقد ضربت مثلا - مَا فعلت قلت الضَّرْب وَإِذا قيل لَك بِمن أوقعت الضَّرْب قلت بزيد فقيَّدته بِالْبَاء وَلَو قيل فِي أَي زمَان أَو فِي أَي مَكَان لَقلت فِي يَوْم كَذَا وَفِي مَكَان كَذَا وَلَو قيل لأيِّ غَرَض لقيل لكذا وَكَذَا فقد رَأَيْت كَيفَ تقيدت هَذِه المفاعيل بالحروف مَا عدا الْمصدر فصل
والمصدر يذكر لأحد أَرْبَعَة اشياء أَحدهَا توكيد الْفِعْل كَقَوْلِك ضربت ضربا ف (ضربا) نَائِب عَن قَوْلك (ضربت) مَّرةً أُخْرَى لأنَّ التوكيد يكون بتكرير اللَّفْظ وإنَّما عدلوا إِلَى الْمصدر كَرَاهِيَة إِعَادَة اللَّفْظ بِعَيْنِه ولأنَّ الْفِعْل الثَّانِي جملَة والمصدر لَيْسَ بجملة فَكَانَ أخصر وَأبْعد من التكرير وَالثَّانِي أَن يذكر لبَيَان النَّوْع كَقَوْلِك ضربت ضربا شَدِيدا ذكرت (ضربا) لتصفه بالشدَّة الَّتِي يدلُّ عَلَيْهَا الْفِعْل وَالثَّالِث أَن يذكر لتبيين الْعدَد وَيحْتَاج فقي ذَلِك إِلَى زِيَادَة على الْمصدر وَتلك الزِّيَادَة (تَاء) التَّأْنِيث) نَحْو قَوْلك ضربت ضَرْبَة فإنَّ التَّاء تدلُّ على الْمرة وَهنا يثنَّى وَيجمع نَحْو ضربتين وضربات لأنَّ لفظ الْفِعْل لَا يدل على الْعدَد فَذكر الْمصدر لتحيل هَذِه الزِّيَادَة
فقيدته بِالْبَاء لَو قيل فِي أيَّ زمَان أَو فِي أَي مَكَان لَقلت فِي يَوْم كَذَا وَفِي مَكَان طذا لَو قيل لأيَّ غَرَض لقيل لكذا وَكَذَا فقد رَأَيْت كَيفَ تقيدت هَذِه المفاعيل بالحروف مَا عدا الْمصدر